← Книги сунны

Книги сунны · id 17729

الأحكام الصغرى

عبد الحق الإشبيلي

Полный текст (909 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

فأتيتُ رسول الله ﷺ فقلت: صنعتُ أمراً عظيمًا، قبلت وأنا صائم، فقال رسول الله ﷺ : "أرأيتَ لو تمضمضتَ بماء وانت صائم"، قلت: لا بأس بذلك، قال رسول الله ﷺ : "ففيم". مسلم (١)، عن عائشة، وأم سلمة زَوْجي النبي ﷺ أنهما قالتَا: إنْ كانَ رسول الله ﷺ ليُصْبِحُ جُنباً من جِمَاعٍ، غير احتلام في رمضانَ ثم يَصُومُ". باب الحجامة للصائم، وفيمن ذرعه القيء ومن نسيَ فأكل أو شرب وهو صائم، وفيمن جهده الصوم البخاري (٢)، عن ابن عباسٍ أن النبيّ ﷺ "احتجمَ وهو مُحِرمٌ، واحتجم وهو صائم". أبو داود (٣)، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "من ذرعه القيء (٤) وهو صائم، فليس عليه القضاء (٥)، وإن استقاء فليقض". مسلم (٦)، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه

стр. 387

وسلم -: "منْ نَسِيَ وهو صَائمٌ، فأكَلَ أو شرِبَ، فليُتمَّ صَوْمَهُ، فإنَّمَا أطعَمَهُ الله وسَقَاهُ". الدارقطني (١)، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أكل الصائم ناسياً، أو شرب ناسياً، فإِنما هو رزقٌ ساقهُ الله إليه، ولا قضاء عليه". قال في إسناده: إسنادٌ صحيح وكلهم ثقات. وقال في طريق أخرى (٢): "لا قضاء عليه، ولا كفارة" وهو صحيح أيضًا. ذكر الحديثين في كتاب السنن. النسائي (٣)، عن عائشة، أنها صامت في رمضان فأجهدت، فأمرها النبي ﷺ أن تفطر. زاد في أخرى (٤)، وأن تقضى مكانه يومين. وفي أخرى (٤)، يومًا أو يومين على الشك. وهذا أصح من الذي قبله.

стр. 388

باب حفظ اللسان وغيره في الصوم وذكر الأيام التي نُهِيَ عن صيامها النسائي (١) عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "من لم يدعْ قولَ الزور والعمل به، والجهل في الصوم، فليس لله حاجةً في ترك طعامه وشرابه". مسلم (٢)، عن أبي هريرة -رِوَايةً- "إذا أصبح أحَدُكُمْ يومًا صائِماً، فلا يرفُثْ ولا يَجْهَلْ، فإن امرؤٌ شاتَمَهُ أو قاتَلُه، فليقُلْ: إنِّي صائم، إنِّي صائِمٌ". الترمذي (٣)، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا بَقِيَ نِصفٌ من شعبان فأمسكوا عن الصوم (٤) ". قال: هذا حديث حسن صحيح ومن طريق وكيع "فأمسكوا عن الصوم حتى يكونَ رمضان". مسلم (٥)، عن أبي هريرة - أنَّ رسول الله ﷺ نَهَى عن صِيَامِ يومين: يوْمِ الأضحى ويوم الفطرِ. وعن نُبَيْشَة الهُذَلي (٦) قال: قال رسول الله ﷺ :

стр. 389

"أيَّامُ التشريقِ أيَّامُ أكلٍ وشُربٍ". زاد في روايةٍ (١) "وذكرٍ لله تعالى (٢) ". الترمذي (٣)، عن عقبة بن عامر، قال: قال رسول الله ﷺ : "يوم عرفة ويومُ النحر، وأيام التشريق عيدُنا، أهلَ الإِسلام، وهي أيامُ أكلٍ وشُرب". قال: حديث عقبة حديث حسن صحيحٌ. البخاري (٤)، عن عائشة وابن عمر قالا: لم يُرَخصْ في أيَّام التشريق أن يُصَمْنَ إلا لمن يجد الهَدْيَ. مسلم (٥)، عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ "لا يَصُمْ أحَدُكُمْ يَوْمَ الجُمُعَةِ. إلا أنْ يُصومَ قبْلَهُ أو يَصُومَ بعدَهُ". البخاري (٦)، عن جويرية بنت الحارث - أن النبي ﷺ دخَل عليها يوم الجمعة وهي صائمةٌ، فقال: "أصُمْتِ أمس؟ " قالت: لا، قال: "تُريديِنَ أن تصومي غدًا؟ " قالت: لا، قال: "فأفطرِي".

стр. 390

باب فيمن دُعِيَ إلى طعام وهو صائم والصائم المتطوع يفطر، وفيمن ينوي الصيام من النهار . مسلم (١)، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "إذا دُعِى أحدُكم إلى طعام وهو صائمٌ، فليقل إنِّي صائمٌ". وعنه (٢)، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا دُعِيَ أحَدُكُم فليجُب، فإن كان صائمًا فَلْيُصَلِّ، وإن كان مفطِراً فَلْيطْعَمْ". البخاري (٣)، عن أنسٍ قال: دخلَ النبيُّ ﷺ على أم سُليم فأتتهُ بتمرٍ وسمن، قال: أعِيدوا سمنَكم في سِقائِه، وتمرَكم في وِعائِه، فإني صائم، ثم قامَ إلى ناجةٍ من البيتِ، فصلَّى غيرَ المكتوبةِ فدعا لأم سُليم وأهلِ بيتها، فقالت أُمُّ سليم: يا رسولَ الله! إنَّ لي خُوَيْصَةً. قال: "ما هيَ؟ " قالت: خادمُك أنسٌ، قال: فما ترك خير آخرةٍ ولا دنيا إلا دعا لي به: اللهم ارزقْهُ مالاً وولداً وبارِك له. فإني لَمِنْ أكثر الأنصارِ مالًا". وحدثتنى ابنتي أمَيْنَةُ أنه دُفِنَ لِصُلْبي مَقْدَمَ حجاج البصرة بضعٌ وعشرون ومائة. مسلم (٤)، عن وكيع، عن طلحة بن يحيى، عن عمتِهِ عائشةَ بنت

стр. 391

طلحَةَ، عن عائشة قالت: دخل علىَّ النبي ﷺ ذاتَ يوم فقال: "هل عندكُمْ شيء؟ فقلنا: لا. قال: "إني إذن صائمٌ"، ثم أتى يومًا آخر فقلنا: يا رسول الله! أُهْدِي لنا حَيْسٌ، فقال: "أرينيهِ، فلقد أصْبَحْتُ صائمًا فأكل". زاد النسائي (١) "ولكن أصوم يومًا مكانه". باب النبي أن تصوم المرأة متطوعة بغير إذن زوجها، وكفارة من وطئ في رمضان، وفي الصيام في السفر مسلم (٢)، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ "لا تَصُومُ المرأة وبعلُها شاهِدٌ إلا بإذنِهِ، ولا تأذَنْ في بيتهِ وهو شاهدٌ إلا بإذنِهِ، وما أنفقَتْ من كَسْبِهِ من غير أمرِهِ فانَّ نِصْفَ أجْرِهِ لَهُ". وقال أبو داود (٣)، "غير رمضان". مسلم (٤)، عن أبي هريرة قال: جاءَ رجُلٌ إلى النبيّ ﷺ فقال: هَلَكْتُ يا رسُولَ الله، قال: "وما أهلككَ؟ " قال: وقَعْتُ على امرأتِي في رَمضَانَ: قال: "هل تجد ما تُعْتِقُ رتبة؟ " قال: لا، قال:

стр. 392

"فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ " قال: لا. قال: "فهل تجدُ ما تُطْعِمُ ستين مسكيناً؟ " قال: لا، ثم جلس فأُتي النبي ﷺ بَعَرقٍ فيه تمرٌ فقال: "تصدّقْ بهذا" قال: آفقر مِنَّا؟ فما بين لابتَيْهَا أهلُ بيتٍ أحوجُ إليه مِنَّا - فضحك النبي ﷺ حتي بدت أنيابه ثم قال: "اذْهَبْ فأطعمْهُ أَهْلَكَ". وفي طريق أخرى (١)، قال: "كُلوْه". وفي حديث عائشة (٢)، فجاءَهُ عرقان فيهما طعامٌ فأمَرهُ أن يتصدق بهِ. وقولهُ: "فكلوه" هو من حديثها أيضًا. وعن أنسٍ (٣) قال: كنَّا مع النبي ﷺ في السَّفر، فَمِنَّا الصائِمِ ومنَّا المفطُر، قال: فنزلنا منزلاً في يوم حارٍّ، أكْثَرُنَا ظِلاً صاحب الكِسَاءِ، ومِنَّا مَنْ يتَّقِي الشمس بيدِهِ. قال فسقط الصُّوَّامُ، وقام المفطرونَ، فضربوا الأبينة وسَقَوُا الرِّكابَ. فقال رسول الله ﷺ "ذهب المُفْطُرونَ اليومَ بالأجْرِ". وعن أبي سعيد (٤) قال: سافرنا مع رسول الله ﷺ إلى مَكَّةَ ونحنُ صيامٌ قال: فنزلنا منزلاً. فقال رسول الله ﷺ : "إنَّكُم قد دنوتُمْ من عدُوكُم والفطر أقوى لكُمْ"، فكانت رُخْصَةً، فمنّا من صام، ومنَّا من أفطر ثم نزلنا منزلاً آخير، فقال: "إنكم مصبِّحُون (٥)

стр. 393

عدوكم والفطر أقوى لكم فأفطروا" فكانت عزمةً، فأفطرنا، ثم لقد رأيتُنَا نصوم مع رسول الله ﷺ بعد ذلك في السَّفَرِ. وعن أبي سعيدٍ (١) أيضًا - قال: غزونا مع رسُولِ الله ﷺ لستَّ عشرةَ من رمضان، فمنَّا من صام، ومنا من أفطر، فلم يَعِبِ الصَّائِمُ على المفطر ولا المفطر على الصائم. النسائي (٢)، عن عائشة، أنها اعتمرت مع رسول الله ﷺ من المدينةِ إلى مكة (٣)، قالت: يا رسول الله بأبي أنت وأمِّي قصرتَ واتمَمْتُ وأفطرتَ وصُمتُ، قال: "أحسنتِ يا عائشةُ"، وما عابه (٤) عليّ. مسلم (٥)، عن حمزة بن عمرو الأسلمي، أنه قال: يا رسول الله! أجدُ بىِ قُوةً على الصيام في السَّفَرِ، فهل علىَّ جُناحٌ؟ فقال رسول الله ﷺ "هي رُخْصَةٌ مِنَ الله، فمن أخَذَ بها فَحَسَنٌ ومن أحبّ أن يصوم فلا جناح عليه". البزار، عن أبي سعيد الخُدري قال: بينما نحن مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره والناس صيامٌ في يومٍ صائف والمشاة كثير فانتهى رسول الله ﷺ إلى نِهْيٍ (٦) من ماء السماء وهو على بغلة له فوقف عليه حتى تتامّ الناس فقال: يا أيها الناس اشربوا فجعلوا ينظرون

стр. 394

إليه، فقال: إني لست مثلكم إني راكب وأنتم مشاة، فقالوا: لا نشرب حتى تشرب، فشرب وشرب الناس. مسلم (١)، عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ خَرجَ عَامَ الفتح في رمضانَ. فصامَ حتَّى بلغ الكَدِيدَ (٢)، ثم أفطر، قال: وكان أصحاب (٣) رسول الله ﷺ يتبعون الأحدث فالأحدث من أمره. وعن جابر بن عبد الله (٤)، أن رسول الله ﷺ خَرَجَ عام الفتحِ إلى مكةَ في رمضانَ فصام حتى بلغ كُراعَ الغميم فصام النَّاسُ، ثمَّ دعا بقدحٍ من ماءٍ فرفعَهُ حتى نظر النَّاسُ إليهِ، ثم شَرِبَ، فقيلَ لَهُ بعد ذلك: إنَّ بعضَ النَّاس قد صام، فقال: "أولئك العُصاةُ أولئك العُصاةُ". وعنه (٥)، قال: كانَ رسول الله ﷺ في سفر، فرأى رجُلاً قد اجتمع النَّاسُ عليه، وقد ظُللَ عليه، فقال: "مَالهُ؟ "، قالوا رجُلٌ صائمٌ فقال رسول الله ﷺ : "ليس البر (٦) أن تصوموا في السفر". وقال البخاري (٧): "ليس من البر" بزيادة من.

стр. 395

باب فيمن مات وعليه صيام مسلم (١)، عن عائشة: أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "من ماتَ وعليهِ صيامٌ صامَ عنه وَلِيُّهُ". وعن ابن عباسٍ (٢)، أنَّ امرأة أتت رسُولَ الله ﷺ فقالت: إِنَّ أمِّي ماتَتْ وعليها صَومُ شهرٍ، فقال: "أرأيت لو كان على أُمُّكِ دَيْنٌ (٣) أكنُتِ تقضِينَهُ؟ " قالت. نعم. قال: "فَدَيْنُ اللهِ أحقُّ بالقَضَاءِ". وفي طريق أخرى (٤)، "صومُ نذرٍ أفأصوم عنها؟ ". وفيها: "فصُومِي عن أُمِّكِ". بابٌ مسلم (٥)، عن عائشة، قالت: إن كانت إحدانا لتفطر في زمن (٦) رسول الله ﷺ فما تقدر على أن تقضيه مع رسول الله ﷺ حتى يأتي شعبان. في هذا الحديث، عن يحيى بن سعيد، الشغل (٧) برسوت الله ﷺ أو من رسول الله ﷺ .

стр. 396

بابٌ مسلم (١)، عن معاذَةَ، أنها سألَتْ عائِشةَ: أكان رسولُ الله ﷺ يصُومُ من كل شهرٍ ثلاثةً أيام؟ قالت: نعم، فقلتُ لها من أيِّ أيام الشْهرِ كان يصُومُ؟ قالت: لم يكن يُبَالي من أي أيام الشهر يصُومُ. وعن عبد الله بن شقيق (٢)، قال: قلتُ لعائشةَ: أكان النبي ﷺ يصُومُ شهرًا كُلهُ؟ قالتْ: ما علِمْتُهُ صَامَ شهرًا كُلَّهُ إلا رمضَانَ، ولا أفْطَرَهُ كُلهُ، حتى يَصُومَ مِنْهُ، حتى مضىِ لسَبِيلِهِ ﷺ . وعن أبي سلمة (٣)، قال: سألتُ عائشةَ عن صيامِ رسُولِ الله ﷺ فقالَتْ: كان يُصومُ حتى نَقُولَ: قَدْ صَامَ، ويُفْطِرُ حتى نقول: قد أفطَرَ، ولم أرَهْ صائمًا من شهر قط أكثر من صيامِهِ من شعبان، كان يصُوُم شعبان كُلَّهُ، كان يصوم شعبان إلَّا قليلاً. النسائي (٤)، عن عبد الله بن مسعود، قال: كانَ رسول الله ﷺ يصومُ ثلاثةَ أيام من غرة كل شهر وقلّ ما يفطر يوم الجمعَةِ. وعن جرير بن عبد الله (٥)، عن النبي ﷺ قال:

стр. 397

"صيامُ ثلاثة أيام من كل شهرٍ صيامُ الدَّهْرِ، أيام البيضِ - صبيحة ثلاث عشرةَ وأربع عشرة وخمس عشرةَ". مسلم (١)، عن أبي أيوب، أَنَّ رسول الله ﷺ قال: "من صام رمضان ثم أتْبَعَهُ سِتاً من شوالٍ، كانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ". مسلم (٢)، عن عبد الله بن عَمرو قال: كُنتُ أصُومُ الدَّهْرَ، وأقَرا القُرآنَ كُلَّ ليلةٍ، فإِمَّا ذُكِرْتُ للنبي- ﷺ ، وِإمَّا أرْسَلَ إليّ فأتيتُهُ فقال: "ألم أخْبَرْ أَنَّكَ تصوم الدهر وتقرأ القرآن كلّ ليلةٍ؟ " فقلتُ: بلى يا نَبِي الله، ولم ارِدْ بذلك إلا الخيرَ، قال: "فإنَّ بحسبك أن تصُومَ كل شهرٍ ثلاثةَ أيامٍ" قلت: يا نبي الله! إنِّي أطيقُ أفضل من ذلك. قال: "فإن لزوجك عليك حقًا، ولِزَوْرِكَ (٣) عليك حقًا، ولجسدك عليك حقًا، فصمُ صوم داود نبي الله، فإنه كان أعبَدَ النَّاسِ" قال: قلتُ: يا نبي الله وما صوم داوُدَ؟ قال: "كان يصومُ يومًا، ويفطر يومًا" قال: "واقرأ القرآن في كل شهر" قال: قلت: يا نبي الله إني أطيق أفضل من ذلك، قال: "فاقرأه في كل عشرين" قال: قلتُ: يا نبي الله إني أطيق أفضل من ذلك، قال: "فاقرأه في سبع (٤) ولا تزد على ذلك. فإنَّ لزوجك عليك حقًا، ولزورك عليك حقًا، ولجسدك عليك حقًا"، قال: فشدَّدْتُ فشُدد عليّ، قال: وقال لي النبي ﷺ "إنك لا تدري لعلك يطولُ بك عمر" قال: فَصِرْتُ إلى الذي قال لي النبي ﷺ فلما كَبِرْتُ وددت أني كنتُ قَبِلْتُ رُخصةَ نبي الله ﷺ .

стр. 398

وعنه (١)، قال: أُخْبر النبي (٢) ﷺ أنه يَقُولُ: "لأقومَنَّ الليلَ، ولأصومنَّ النَّهَارَ، ما عشتُ. فقال رسول الله ﷺ : "آنت الذي تقولُ ذلك؟ " فقلتُ له: قد قلتُهُ يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : "فإنَّكَ لا تستطيعُ ذلك، فصُمْ وأَفطِرْ، ونَمْ وقُمْ، وصُمْ من الشهْرِ ثلاثةَ أيَام، فإنَّ الحسنةَ بِعشرِ أمثالِهَا، وذلِكَ مِثْلُ صِيَامِ الدَّهْرِ" قال: قلتُ: إنِّي أطيقُ أفضَلَ من ذلِك، قال: "صُمْ يوماً وأفطِرْ يومين" قال: قلتُ: فإنِّي أطيقُ أفضل من ذلكِ، يا رسول الله، قال "صُمْ يوماَّ وَأفطر يومًا، وذلك صيام داود ﵇" (٣)، قال: قلتُ: فإنِّي أطيقُ أفضل من ذلك، قال رسول الله ﷺ "لا أفضل من ذلك". قال عبد الله بن عمرو: لأنْ أكون قَبِلْتُ الثلاثة الأيَّاَم التي قال رسول الله ﷺ أحبُّ إلي من أهلي ومَالي. وعن عطاءٍ (٤)، عن عبد الله بن عمرو، في هذا الحديث، قال: "فصُم صِيَامَ دَاوُدَ" قال: وكيف كان داود يصوم؟ يا نبي الله! قال: "كان يصُومُ يومًا ويُفْطِرُ يومًا، ولا يفِرُّ إذا لاقى" قال: من لي بهذه؟ يا نبي الله "قال عطاء: لا أدري كيف ذُكر صيام الأبدِ) فقال النبيُّ ﷺ "لا صَامَ من صَامَ الأبدَ، لا صام من صام الأبد" (٥). وعن عبد الله بن عمرو (٦) أيضًا - قال: قال لي رسول الله - صلى الله

стр. 399

عليه وسلم - "أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تقُومُ اللَّيْلَ وتصُومُ النَّهَارَ؟ " قال (١): إِنِّي أفعل ذلث، قال: "فإنَّكَ إذا فعلت ذلك هَجَمَتْ عيناك ونَفِهَتْ (٢) نفسُك، لِعَيْنِكَ حَقٌ، ولنفسك حقٌ، ولأهلك حقٌ، قم ونم وصُمْ وأفطِرْ". وعن أبي قتادة (٣)، قال: جاء رجلٌ إلى النبيّ ﷺ (٤) فقال: كيف تصُومُ؟ فغضبِ رسُولُ الله ﷺ من قوله (٥)، فلما رأى عُمر غضبَهُ - قال: رضينا بالله ربَّاً، وبالإِسلام ديناً، وبمحمدٍ نبياً، نعوذُ بالله من غضبَ الله وغضبِ رسولِهِ (٦)، فجعل عُمَرُ يُردد هذا الكلامَ حتى سكَنَ غضبُه، فقال (٧): يا رسولَ الله! كيف من (٨) يصوُمُ الدهر كُلَّه؟ قال: "لا صام ولا أفطَرَ" (أو قال): "لم يصم ولم يُفطر"، قال: كيف من يصوم يومين ويفطر يوماً؟ قال: "ويطبق ذلك أحد؟ " قال: كيف من يصومُ يوماً ويفطر يوماً؟ قال: "ذلك صوم داود ﷺ (٩) " قال: كيف من يصُومُ يوماً ويفطر يومين؟ قال: "ودِدْتُ أَنِّي طُوِّقْتُ ذلِكَ" ثم قال رسول الله ﷺ "ثلاثٌ من كل شهرٍ ورمضان إلى رمضان، فهذا صيام الدهر كُلِّه، صيامُ يوم عرفة أحتسبُ على الله أنه يكفر السنة التي قبلَهُ، والسنة التي بعدَهُ، وصيام يوم عاشوراء.

стр. 400

أحتسبُ على الله أن يُكفر السنة التي قبلَهُ". وعن عبد الله بن عمر (١)، أَنَّ أهل الجاهليَّةِ كانوا يصومُونَ عاشوراء، وأَنَّ رسول الله ﷺ صامَهُ والمسلمون، قبل أن يُفتَرَضَ رمضانُ، فلما افْتُرِضَ رمضانُ قال رسول الله ﷺ : "إنَّ عاشوراء يومٌ من أيام الله، فمن شاء صامَهُ ومن شاء تركَهُ". وعن ابن عباس (٢)، أنَّ رسول الله ﷺ قَدِمَ المدينة، فوجد اليهُودَ صِيَاماً يوم عاشوراء، فقال لهم رسول الله ﷺ : "ما هذا اليومُ الذي تصومُونَهُ؟ " قالوا: هذا يوم عظيمٌ أنجى اللهُ فيه موسى وقومَهُ وغرَّقَ فِرعوْن وقوْمَهُ، فصامَهُ موسى ﵇ شكراً، فنحنُ نصومُهُ، فقال رسول الله ﷺ : "فنحن أحقُّ وأولى بموسى منكم" فصامه رسول الله ﷺ وأمَرَ بصيامِهِ. البخاري (٣)، عن سلمة بن الأكوع، قال: أمر النبيُّ ﷺ رجلاً من أسلم أن أذن في الناس "أَنَّ من كان أكَلَ فليَصُم بقيَّةَ يومِهِ، ومن لم يكن أكل فليصُم، فإن اليوم يومُ عاشوراءَ". مسلم (٤)، عن ابن عباس، قال: حين صامَ رسول الله ﷺ يوم عاشوراء وأمر بصيامه، قالوا: يارسول الله! إنه يومٌ تُعظِّمُهُ اليهودُ والنَّصَارَى فقال رسول الله ﷺ : "فإذا كان في (٥) العام المقبل، إن شاءَ الله، صُمْنَا اليَوْمَ التاسع".

стр. 401

فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله ﷺ . وعن الحكم بن الأعرج (١) قال: انتهيتُ إلى ابن عباسٍ وهو متوسِّدٌ رداءَهُ في زمزم، فقلتُ له: أخبْرنِي عن صومَ عاشوراء، فقال: إذا رأيتَ هلال المحرَّم فاعدُدْ، وأَصْبِحْ يوم التاسع صائماً، قلت: هكذا كان محمد (٢) ﷺ يصومه؟ قال: نعم. وعن أم الفضل (٣)، أنَّ ناساً تماروا (٤)، عندها يوم عرفة - في صيام رسول الله ﷺ فقال بعضهم: هو صَائمٌ، وقال بعضهم: ليس بصائِمٍ، فأرسلْتُ إليه بقدح من لبن وهو واقِفٌ على بعيرِهِ فشرِبهُ. الترمذي (٥)، عن زيد بن خالد الجُهنيِّ قال: قال رسول الله ﷺ : "من فطَّرَ صائماً كان له مثل أجرهِ، غير أنَّهُ لا ينقصُ من أجر الصَّائِمِ شيئاً". قال: هذا حديث حسن صحيح. مسلم (٦)، عن عائشة قالت: ما رأيتُ رسول الله ﷺ صائَماً العَشْر قَطُّ. الترمذي (٧)، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه

стр. 402

وسلم -: "ما من أيَّامِ العملُ الصالحُ فهنَّ أحبُّ إلى اللهِ من هذه الأيام العشر" فقالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟، فقال رسول الله ﷺ : "ولا الجهادُ في سبيل اللهِ إلا رجِلٌ خرجَ بنفسهِ ومالهِ فلَمْ يرجع من ذلك بشيء". قال: هذا حديث حسنٌ صحيحٌ. باب في الاعتكاف وليلة القدر مسلم (١)، عن ابن عمر، أنَّ رسول الله ﷺ كان يعتكف العشر الأواخِرَ من رمضان. قال نافع: وقد أراني عبدُ الله، المكان الذي كان يعتكفُ فيه رسول الله ﷺ من المسجد. زاد عن عائشة (٢)، حتى توفَّاهُ الله، ثم اعتكف أزواجُهُ من بعده. ولم يَذْكُرِ المكان. النسائي (٣) عن أبيّ بن كعب، أن رسول الله ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان، فسافر عاماً فلم يعتكف، فلما كان العام المقبل اعتكف عشرين. وفي رواية (٤)، عشرين ليلة.

стр. 403

مسلم (١)، عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يعتكِفَ صلَّى الفَجْرَ ثم دخل في مُعْتَكَفِهِ (٢)، وِإنَّهُ أمر بخبائِهِ فضُرِب، أراد الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان، فأمَرَتْ زينبُ بخبائها فضُرِبَ، وأمر غيرُها من أزواج النبي ﷺ بخبائِها (٣) فضُرِب فلما صلى رسول الله ﷺ الفجر نظر فإذا الأخبيةُ، فقال: "آلبِر تُرِدْنَ؟ " فأمر بخبائه فقُوِّضَ وتَركَ الاعتكاف في شهر رمضان حتى اعتكف في العشر الأول من شوالٍ. وعنها قالت (٤): كان النبي ﷺ إذا اعتكف، يُدني إليَّ رأسَهُ فأُرَجِّلُهُ، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجِةِ الإِنسان. النسائي (٥)، عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يأتينى وهو معتكف في المسجد فيتكئ على عتبةِ باب حجرتي فأغسل رأسه وأنا في حجرتي وسائره في المسجد. البخاري (٦)، عن صفية زوج النبي ﷺ أنها جاءت إلى رسول الله ﷺ تَزُورُهُ في معتكفه (٧)، في المسجد في العشر الأواخر من رمضان، فتحدَّثت عندُه ساعةً، ثم قامت تنقلبُ، فقام النبي ﷺ معها يِقلِبُها، حتى إذا بلغت بابَ المسجد عند

стр. 404

بابِ أمِّ سلمةَ مَرَّ رجُلانِ من المسلمين (١)، فسلّما على رسول الله ﷺ فقال لهما النبي ﷺ : "على رسلكما إنما هي صفية بنت حييّ" فقالا: سُبحانَ الله يا رسول الله! وكَبُرَ عليهما فقال النبي ﷺ : "إنَّ الشيطانَ يبلغُ من الإِنسان (٢) مبلغ الدَّمِ، وإنَّي خشيتُ أن يقذِفَ في قلوِبكُما شيئاً". وعن عائشة (٣)، قالت: اعتكفتْ مع رسول الله ﷺ امرأةٌ مستحاضةٌ من أزواجِهِ، فكانت ترى الحُمْرَةَ والصُفْرَةَ، فربما وضعْنا الطَّسْتَ تحتها وهي تصلي. والمستحاضة هذه: هي أم حبيبة بنت جحش، أخت زينب بنت جحش، وهى خَتَنَةُ النبي ﷺ . مسلم (٤)، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "من صام رمضان إيماناً واحتساباً، غفِرَ له ما تقدَّمَ من ذنبِهِ، ومن قام ليلةً القدر إيماناً واحتساباً، غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِنْ ذنبهِ". النسائي (٥)، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ "أتاكم شهر (٦) رمضان شهر مبارك، فرض اللهُ عليكم فيه صيامَهُ (٧)، وتفتح فيه أبواب السماء، وتُغْلَقُ فيه أبواب الجحيم، وتُغَلّ فيه مردةُ

стр. 405

الشياطين، لله فيه ليلةٌ هي (١) خيرٌ من ألف شهر من حُرِمَ خيرَهَا فقد حُرِم". مسلم (٢)، عن أبي نضرَةَ، عن أبي سعيد، قال: اعْتكَفَ رسُولُ الله ﷺ العشْرَ الأوَسَطَ من رمضان، يلتمس ليلةَ القدر قبل أنْ تُبَانَ له، فلمَّا انقضين أمر بالبناء فقوِّض (٣)، ثم أُبينت له أنها في العشْرِ الأواخر، فأمر بالبناء فأُعِيدَ، ثم خرج على النِّاسِ فقال: "أيها النَّاسُ! إنها كانت أُبينت لي ليلةُ القدرِ وإنِّى خَرَجْتُ لأخبركم بها، فجاء رجُلان يحْتقَّانِ (٤) معهما الشيطانُ، فنُسِّيتُهَا، فالتمِسُوها في العشر الأواخر من رمضان، التمِسُوها في التاسعة والسابعة والخامسة" قلتُ: يا أبا سعيد! إنَّكم أعلمُ بالعدد مِنَّا، قال: أجل، نحن أحق بذلك منكم، قال: قلتُ: ما التاسعةُ والسابعةُ والخامسةُ؟ قال: إذا مَضَتْ واحِدَةٌ وعشرون، فالتي تليها ثنتان وعشرون، فهى التاسعة، فإذا مضت ثلاثٌ وعشرون فالتي تليها السابعةُ، فإذا مضت خمسٌ وعشرون فالتي تليها الخامسة. البخاري (٥)، عن عبادة بن الصامت، قال: خرج النبي ﷺ ليُخبرنَا بليلةِ القدر. فتلاحى رجُلان من المسلمينَ، فقال: "خرجتُ لأُخبركم بليلة القدر، فتلاحى فلانٌ وفلان فَرُفِعِتْ، وعسى أن يكونَ خيراً لكم، فالتمسوها في التاسعةِ والسابعةِ والخامسة". وعن ابن عباس (٦)، أنَّ النبي ﷺ قال:

стр. 406

"التَمسِوها في العشر الأواخر من رمَضانَ، ليلة القدر في تاسعةٍ تبقى، في سابعة تبقى، في خامسةٍ تبقى". النسائي (١)، عن أبي بكرة، عن النبي ﷺ قال: سمعتهُ يقول: "التمسوها في سبعٍ يبقين أو خمسٍ يبقين، أو ثلاث يبقين، أو آخر ليلةٍ". مسلم (٢)، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ "التمسُوهَا في العشرِ الأواخرِ -يعني ليلة القدر- فإِنْ ضَعُفَ أحدُكُمْ أو عجَزَ فلا يُغلَبَنَّ على السَّبْعَ البَوَاقِي". وعنه (٣)، قال: رأى رجلٌ، أنَّ ليلةَ القدر ليلةُ سبعٍ وعشرينَ. فقال النبي ﷺ : "أرى رُؤياكُم في العشْرِ الأواخر فاطلبُوهَا في الوِتْرِ منها". وعن عبد الله بن أنيسٍ (٤)، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "أُريتُ ليلةَ القَدْرِ ثم أُنْسِيتهُا، وأراني صُبْحَتُها (٥) أسجد في ماءٍ وطين" قال: فمُطرنا ليلة ثلاثٍ وعشرين، فصلَّى بنا رسول الله ﷺ فانصرف، وإنَّ أثر الماء والطين على جبهته. وعن أُبيّ بن كعب (٦)، (وقيل له: إنَّ عبد اللهِ بن مسعود يقولُ: من

стр. 407

قَامَ السَّنَةً أصابَ ليلةَ القَدْرِ)، فقال أُبيّ: واللهِ الذي لا إله إلا هو إنَّها لَفيِ رمضان، (يحْلِفُ ما يَسْتَثْنِى)، والله إنَّي لأعَلمُ أيُّ ليلةٍ هي، هي الليلةُ التي أَمَرَناَ رسول الله ﷺ بقيَامِهَا هي ليلةُ صبيحةِ سبعٍ وعشرينَ، وأمارَتُها أن تطلُعَ الشمسُ في صبيحةِ يومها بيضاءَ لا شُعَاعَ لها. أسند هذه العلامة في طريق أخرى (١) إلى النبي ﷺ . أبو داود (٢)، عن ابن عمر، قال: سُئِلَ رسول الله ﷺ وأنا أسمع - عن ليلة القدر، فقال -: "هي في كل رمضان". الترمذي (٣)، عن أبي ذر، قال: صُمْنا مع رسول الله ﷺ فلم يُصَلِّ بنا حتى بقى سبعٌ من الشهر. فقامَ بنا حتى ذهب ثلثُ ألليل، ثم لم يَقُمْ بنا، في السادسةِ، وقام بنا في الخامِسةِ حتى ذهب شطرٌ من الليل. فقلنا له: يا رسُول الله! لو نفَّلْتنا بقية ليلتنا هذه؟ فقال: "إِنَّهُ من قام مع الإِمام حتى ينصرف كُتِبَ له قيام ليلةٍ"، ثم لم يصل بِنا حتى بقي ثلاثٌ من الشهر، وصلَّى بنا في الثالثةِ، ودعا أهلَهُ، ونساءَهُ، فقام بنا حتى تخوَّفنا الفلاحَ، قيل: وما الفلاحُ؟ قال: السحور. قال: حديث حسنٌ صحيحٌ. مسلم (٤)، عن عائشة قالت: كانَ رسول الله ﷺ إذا دخل العَشْرُ أحيا الليلَ، وأيقظَ أهلَهُ، وجَدَّ وشدَّ المِئزرَ.

стр. 408

كتاب الحج بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) مسلم (٢)، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "العمرةُ إلى العمرةِ كفارةٌ لما بينهُما، والحجُّ المبرورُ ليس له جزاءٌ إلا الجنة". النسائي (٣)، عن عبد الله هو ابن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : "تابِعُوا بين الحج والعُمرة فإنَّهما يَنْفِيَانِ الفْقَر والذُّنوبَ، كما ينفي الكِيرُ خَبَثَ الحديد، والذهب والفضة، وليس للحَجِّ المبرور ثوابٌ دُونَ الجنةِ". مسلم (٤)، عن أيى هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من أتى هذا البيتَ فلم يرفُثْ ولم يفسُقْ رجَعَ كيوم ولدته أمُّهُ (٥) ". وقال البخاري (٦): من حج لله فلم يرفث ... الحديث.

стр. 409

وعن عائشة (١)، أن رسول الله ﷺ قال: "ما من يومٍ أكثر من أن يُعتِقَ اللهُ فيه عبداً من النارِ، من يوم عرفةَ، وإنَّهُ ليدنوُ ثمَّ يُبَاهِي بهمُ الملاِلكةَ فيقول: ما أَرادَ هؤلاءِ؟ ". وعن أبي هريرة (٢) قال: خطنا رسولُ الله ﷺ فقال: "يا أيها (٣) الناس! قدْ فرض اللهُ عليكم الحجَّ فَحُجُّوا" فقال رجل: أكُلَّ عامٍ يا رسولَ الله؟ فسكتَ، حتى قالها ثَلاثَاً، فقال رسول الله ﷺ : "لو قُلْتُ: نعم. لوجَبَتْ ولَمَا استطعتُمْ" ثم قال: "ذرُوني ما تركْتُكُم، فإنِّما هلك من كان قبلكم بكثرة سُؤَالِهِمْ واختلافهم على أنبيائهم فإذا أمرتُكم بشئ فأتوا منهُ ما استطعتمُ، وإذا نهيتُكُم عن شيءٍ فدعوهُ". وقال النسائي (٤)، من حديث ابن عباس: "لو قلتُ: نعم، لوجَبتْ ثمَّ إذاً لا تسمعون ولا تُطعون، ولكنَّهُ حَجَّةٌ واحدةٌ". مسلم (٥)، عن ابن عباس قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يخطُبُ يقولُ: "لا يخلُوَنَّ أحدٌ (٦) بامرأة إلا ومعها ذو محرم، ولا تُسَافِر المرأة إلا مع ذِي محرم"، فقال رجل: يا رسول الله إن امرأتي خرجت حاجَّةً وإنِّي اكْتُتِبْتُ في غزوةِ كذا وكذا قال: "انطلق فحُجَّ مع امرأتِكَ". وعن أبي هريرة (٧) قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يَحِلُّ

стр. 410

لامرأَةٍ مُسْلِمةٍ تُسَافِرُ مسيرةَ ليلةٍ، إلا ومَعَهَا رَجُل ذُو حُرْمَةٍ منها". وقال أبو داود (١): "بريداً". مسلم (٢)، عن نافعٍ، أن ابن عمر كان لا يقدمُ مكةَّ إلا باتَ بِذِي طوًى، حتى يُصْبحَ ويغتسِلَ ثم يدخُلُ مكةَ نهاراً، ويذكُرُ عن النبي ﷺ أنَّهُ فَعَلَهُ. وعن عائشة (٣) قالت: طيَّبْتُ رسُولَ الله ﷺ لحُرْمِهِ حينَ أحْرَمَ، ولِحِلِّهِ قَبْلَ أن يَطُوفَ بالبيتِ بطيب فيه مسك (٤). وعنها (٥) قالت: أنا طيبت رسول الله - صلى الله عليه وسسلم عند إحرامه ثم طاف في نسائه ثم اضطجع محرماً. وعنها قالت (٦): كأنَّي أنظر إلى وبيصِ الطِّيب (٧) في مفرِق رسول الله ﷺ وهو مُحْرِمٌ. وقال النسائي (٨): بعد ثلاث وهو محرم (٩). وقال عن عائشة أيضاً (١٠)، كان النبي ﷺ إذا أراد أن

стр. 411

يُحْرِمَ ادَّهن بأطيبِ دهن يجده (١)، حتى أرى وبيصَهُ في رأسِهِ ولحيتهِ. البخاري (٢)، عن ابن عباس قال: انطلق النبي ﷺ من المدينةِ بعد ما تَرَجَّلَ، وادَّهن ولَبِسَ إزارَهُ ورداءهُ هو وأصحابُه، فلم يَنْهَ عن شئٍ من الأرديةِ تُلبَسُ إلا المزَعْفرَةَ التي تَرْدَع (٣) على الجلد (٤)، فأصبحَ بذي الحُليفةِ، رَكِبَ راحلتَهُ حتى استوى على البيدآءِ أهلَّ هو وأصحابهُ، وقلَّد بدنَتَهُ، وذلك لخمس بَقِينَ من ذى القعدةِ، فقدِمَ مكةَ لأربع خلونَ (٥) من ذى الحجَّةِ، فطافَ بالبيت وسعى بين الصَّفا والمروَةِ، ولمَ يحِلَّ من أجلِ بُدْنِه لأنه مُقلِّدها (٦)، ثم نزل بأعلى مكة عند الحَجُونِ وهو مُهلٌّ بالحجِّ، ولم يقرَب الكعبةَ بعد طوافِه بها حتى رجع من عَرَفَةَ، وأمر أصحابه أن يطوفوا بالبيت وبينَ الصفا والمروةِ، ثمَّ يُقصِّروا من رُؤسِهم ثم يَحِلَّوا، وذلك لمن لم يكن معهُ بَدَنة قلَّدَها ومن كانت معهُ امرأتُهُ فهيَ لهُ حَلالٌ والطِّيبُ والثيابُ. أبو داود (٧)، عن ابن عمر أن النبي ﷺ لَبَّد رأسَهُ بالعَسَل. ولمسلم (٨)، عن ابن عمر، أنَّ رجُلاً سألَ رسول الله ﷺ : ما يَلْبَسُ المحرمُ من الثيابِ؟ فقال رسول الله ﷺ :

стр. 412

"لا تلبَسُوا القُمُصَ ولا العَمَائِمَ، ولا السَّرَاويلَاتِ ولا البرانِسَ، ولا الخفافَ إلا أحَدٌ لا يجدُ النعلين فليلبس الخفين، وليقطعهُمَا أسفل من الكعبين ولا تلبَسُوا من الثياب شيئاً مسَّهُ الزعفرانُ، ولا الوَرْسُ" (١). زاد الترمذي (٢) "ولاَ تنتقب المرأة الحَرَامُ ولا تلبس القفازين". وقال: حديث حسنٌ صحيح. مسلم (٣) عن ابن عباس قال: سمعتُ رسول الله ﷺ وهو يخطُبُ يقولُ: "السَّروايِلُ، لمن لم يجد الإِزارَ، والخفَّانِ لمن لم يجد النعلينِ" يعني المحرم. أبو داود (٤)، عن سالم أن عبد الله يعني ابن عمر - كان يصنع ذلك -يعني قطع الخفين (٥) للمرأة المحرمِة- ثم حَدَّثَتْهُ صفية بنت أبي عبيد أنَّ عائشة حدثتها أن رسول الله ﷺ قد كان رخَّص للنساء في الخفين فترك ذلك. مسلم (٦)، عن يعلي بن أمية، أنَّ رجلاً أتى النبي ﷺ وهو بالجعْرَانة قد أهلَّ بالعمرةِ وهو مُصَفِّرٌ لحيَتهُ ورأسَهُ، وعليه جُبَّة، فقال: يا رسول الله! إِنِّي أحرمتُ بعمرةٍ، وأنا كما ترى، فقال: "انْزِعْ عنك الجُبَّةَ، واغسل عنك الصفرة، وما كُنتَ صانعاً في حجك فاصْنَعْهُ (٧) في عُمرتِكَ".

стр. 413

وفي طريق أخرى (١)، عليه (٢) جبة مُتَضَمِّخٌ بطيب. وفي أخرى (٣)، عليه جبة بها أثر من (٤) خلوق. وفي أخرى (٥)، فقال النبي ﷺ : "أما الطيب (٦)، فاغسله ثلاث مرات". زاد النسائي (٧)، "ثم أحْدِثْ إحراماً" قال: ولا أحسِبُهُ بمحفُوظٍ واللهُ أعلم، يعني هذه الزيادة. مسلم (٨) عن ابن عباس قال: وقَّت رسُول الله ﷺ لأهل المدينةِ، ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحُفةَ، ولأهل نجدٍ، قرناً (٩)، ولأهل اليمن يَلَمْلَم. قال: "فهنَّ لهم (١٠)، ولمن أتى عليهنَّ من غير أهلهِنَّ ممن أراد الحج والعمرةَ، فمن كان دونهن فمن أهلِهِ، وكذا فكذلك (١١) حتى أهل مكة يُهِلُّونَ منها". وفي طريق أخرى (١٢)، "ومن كان دون ذلك، فمن حيث أَنْشأَ حتى أهل مكةَ، من مكة".

стр. 414

زاد النسائي (١)، ولأهل العراقِ ذاتُ عرقٍ. خرجه من حديث عائشة، وقال فيه: ولأهل الشامِ ومِصْرَ جُحفةَ (٢). وعند البخاري (٣)، أن عمر بن الخطاب حدَّ لأهل العراق ذات عِرق. مسلم (٤)، عن سالم بن عبد الله عن أبيه قال سمعتُ رسول الله ﷺ يُهْلُّ مُلَبِّداً (٥) (٦) يقول: "لبيكَ اللهمَّ لبيك، لبَّيكَ لا شريك لك لبيك، إنَّ الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك" لا يزيد على هؤلاء الكلمات. وإن عبد الله بن عمر كان يقول: كان رسول الله ﷺ يركَعُ بذى الحليفةِ ركعتين، ثم إذا استوتْ به الناقة قائِمةً عند مسجد ذي الحليفةِ، أهَلَّ بهؤلاءِ الكلماتِ. وكان عبد الله بن عمر يقول: كان عُمر بن الخطاب يُهِلُّ بإِهلال رسول الله ﷺ -من هؤلاء الكلماتِ، ويقولُ: لبيك اللهم لبيك، لبيك وسعديْك، والخير في يديك، والرَّغبَاءُ (٧) إليك والعملُ. النسائي (٨)، عن السائب بن خلاد، عن رسول الله ﷺ

стр. 415

قال: "جاء في جبريل ﵇ فقال: يا محمدُ مُرْ أصحابَكَ أن يرفعوا أصواتَهُم بالتلبيةِ". باب أبو داود (١)، عن سعد بن أبي وقاص قال: كان نبي الله ﷺ إذا أخذ طريق الفُرع أهلَّ إذا استقَلَّت به راحلتُه، وإذا أخذ طريق أُحد أهلّ إذا أشرف على جبل البيداء. مسلم (٢)، عن سالم بن عبد الله، أَنَّهُ سمع أَباهُ يقول: بيداؤكم (٣) هذه التي تَكذِبُون فيها (٤) على رسول الله ﷺ ، ما أهَلَّ رسول الله ﷺ إلا من عند المسجدِ، يعني ذا الحليفةِ. باب القران والإِفراد النسائي (٥)، عن أنس، أنَّ رسول الله ﷺ صلَّى الظهر بالبيداءِ ثم رَكِبَ وصعد جَبَلَ البيداءِ وأَهلّ بالحجِّ والعمرةِ حين صلَّى الظهر. البخاري (٦)، عن أنس قال: صلَّى النبي ﷺ بالمدينة

стр. 416

ونحن معه (١)، الظهرَ أربعاً والعصَر بذي الحليفةِ ركعتين، ثم بات بها حتى أصبح ثمَّ ركب حتى استوت به راحلته (٢) على البيداءِ، حَمِدَ الله وسبَّح وكبَّر، ثم أهلَّ بحجٍّ وعُمرةٍ وأهلَّ الناسُ بهما، فلما قدِمْنا أمرَ الناس فحلُّوا، حتى إذا كان يوم التروية أهلُّوا بالحجِّ ونحر النبي ﷺ بَدَنَاتٍ بيدهِ قياماً وذبح رسولُ الله ﷺ بالمدينة كبشين أملحينِ. مسلم (٣)، عن مُطَرِّفٍ قال: قال لي عِمْرَانُ بن حُصين: أُحدثُك حديثاً عسى الله أن ينفعك بِهِ: إنَّ رسول الله ﷺ جمع بين حج (٤) وعُمرةٍ، ثمَّ إنه (٥) لم يَنْهَ عنه حتى ماتَ، ولم ينزل فيه قرآن يُحَرِّمُهُ، وقد كان يُسَلمُ عليَّ حتى اكتويتُ، فتُرِكْتُ، ثم تركتُ الكيَّ فعادَ. وعن بكر بن عبد الله (٦)، عن أَنس قال: سمعتُ النبي ﷺ يُلبِّي بالحج والعمرةِ جميعاً. قال بكر: فحدثتُ بذلك ابن عمر فقال: لبَّى بالحج وحدَهُ، فلقيتُ أنساً فحدثتُهُ بقول ابن عمر، فقال: ما تَعدُونَنَا إلا صِبياناً! سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "لبيك عمرةً وحجاً". وعن عبد الله (٧) بن شقيق، قال: كان عثمان ينهى عن المتعة، وكان عليٌّ يأمر بها، فقال عثمان لعليٍّ كلمةً. ثم قال عليٌّ: لقدَ عِلمْتَ أَنَّا قد تمتعنا مع رسول الله ﷺ فقال: أجل ولكنَّا كُنَّا خائِفين.

стр. 417

النسائي (١)، عن البراءِ بن عازب قال: كنتُ مع علي بن أبي طالب حين أمَّرَهُ رسول الله ﷺ على اليمنِ، فلمَّا قدِمَ على النبي ﷺ ، قال عليٌّ: فأتيتُ رسول الله ﷺ فقال لي (٢)، "كيف صنعتَ؟ " قلتُ: أَهْلَلْتُ بإهلالك قال: "فإني سُقْتُ الهدي وقرنْتُ" قال: وقال (٣) لأصحابه: "لو استقبلت من أمري كما (٤) استدبرت لفعلتُ كما فعلتم ولكن (٥) سقتُ الهدي وقرنْتُ". البخاري (٦)، عن عمر بن الخضاب قال: سمعتُ رسول الله ﷺ بوادي العقيقِ يقول: "أتاني الليلةَ آتٍ من ربِّي فقال: صَلِّ في هذا الوادي المبارَكِ وقل: عُمرةٌ في حَجَّة". مسلم (٧)، عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ فقال: "من أَرادَ منكُم أن يُهلَّ بحجٍّ وعُمرةٍ فليفعل، ومن أراد أن يُهلَّ بحجٍّ فليُهل، ومن أراد أن يُهل بعمرةٍ فليُهل" قالت عائشة: فأهلَّ رسول الله ﷺ بحجٍّ وأهل به ناسٌ معُه، وأهلَّ ناس بالعمُرة والحجِّ وأهلَّ ناسٌ بعُمرةٍ وكنتُ فيمن أهلَّ بالعُمرةِ. زاد عنها في طريق أخرى (٨) فأمَّا من أهلَّ بُعمرةٍ فحلَّ، وأَما من أهل بحجٍّ أو جمع الحج إلى العمرة (٩) فلم يَحِلُّوا حتى كان يوم النَّحْرِ.

стр. 418

وعن أبي موسي (١)، قال: قدمتُ على رسول الله ﷺ وهو بالبطحاء (٢) فقال: "بم أهللت؟ " قال: قلتُ: أهللتُ بإهلال النبي ﷺ . قال: "هل سُقتَ من هدي؟ " قلتُ: لا. قال: "فطف بالبيتِ وبالصفا والمروة ثم حِلَّ" فطفتُ بالبيتِ وبالصفا والمروة ثم أتيتُ امرأةً من قومى فمشطَتْنِى وغَسَلَتْ رأسِي، فكنتُ أُفتي النَّاس بذلك في إمارةِ أبي بكر وإمارة عمر. فإِني لَقَائمٌ بالموسم إذْ جاءني رجُلٌ فقال: إنك لا تدري ما أحدث أمير المؤمنين في شأن النُّسُكِ، فقلتُ: أيها الناس من كنَّا أَفتيناه بشيء فليتئِدْ (٣)، فهذا أمير المؤمنين قادِمٌ عليكم فَبِهِ فائْتَمُّوا. فلمَّا قَدِمَ قلتُ: يا أمير المؤمنين! ما هذا الذي أحدثتَ في شأن النُّسك؟ قال إنْ نَأْخُذْ بكتاب الله فإن الله قال: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ وِإن نأخُذْ بسُنَّةِ رسول الله ﷺ فإن النبي ﷺ لم يَحِلَّ حتى نَحَرَ الهدي. وفي طريق أخرى (٤)، قال عمر: قد علمتُ أن رسول الله ﷺ قد فعله (٥) ولكني كرهِتُ أن يظلوا مُعْرِسين بهنَّ في الأَراكِ، ثم يَروحُونَ في الحَج تقطُرُ رؤوسهم. أبو داود (٦)، عن قتادة، عن أبي شيخ الهُنائي أن معاوية بن أبي سفيان قال لأصحاب النبي - صلى الله عليه وصلم: هل تعلمون أن النبي ﷺ نهى عن كذا (٧)، وعن ركوب جلود النمور؟، قالوا:

стр. 419

نعم، قال: فتعلمون أنه نهى أن يقرن بين الحج والعمرة؟ فقالوا: أما هذه فلا، فقال: أما إنها معهن ولكنكم نسيتم. قال أبو داود: الهنائي اسمه خيوان بن خالد (١)، ممن قرأ على أبي موسى من أهل البصرة. خيوان بالخاء المنقوطة وفي باب الخاء المنقوطة (٢)، ذكره أبو محمد بن أبي حاتم وقال: روى عنه قتادة ويحيى بن أبي كثير، وذكر أبو محمد علي بن أحمد أن أبا شيخ لم يسمع هذ الحديث من معاوية بن أبي سفيان وقد سمع منه غير ذلك. بين هذا في حجة الوداع. باب حجَّة النبي ﷺ - مسلم (٣) عن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه، عن جابر ابن عبد الله قال: إن رسول الله ﷺ مكث تسع سنين لم يحج، ثم أذن في الناس في العاشرة أنَّ رسول الله ﷺ حاجٌ، فقدِمَ المدينةَ بشرٌ كثير، كلهم يلتمِسُ أن يأتَمَّ برسول الله ﷺ ويعمل مثلَ عملِهِ، فخرجنا مَعَهُ، حتى أتينا ذا الحليفةِ فولَدَتْ أسماءُ بنت عُمَيسٍ محمد بن أبي بكرٍ، فأرسلَتْ إلى رسول الله ﷺ كيف أصْنَعُ؟ قال: "اغتسلي واستثفرى بثوبٍ وأحرمي" فصلَّى رسول الله ﷺ في المسجدِ ثم رَكِبَ القصواءَ. حتى إذا استوت به ناقتُهُ على البيدَاءِ. نظرتُ إلى مَدِّ بصرِي بين يديهِ، من رَاكِبٍ وماشٍ، وعن يمينه مثل ذلك وعن يسارِهِ مثل ذلك ومن خلفِهِ مثلَ ذلك، ورسول الله ﷺ بين أظهُرِنَا وعليه

стр. 420

ينزِل القرآن وهو يعرف تأويلَهُ، وما عَمِلَ (١) من شيء عَمِلْنَا بِهِ، فأهَلَّ بالتوحيد "لبيكَ اللهم لبيكَ، لبيك لا ثريك لك لبَّيك، إنَّ الحمدَ والنعمةَ لك والملك لا شريك لَكَ" وأهلَّ النَّاسُ بهذا الذي يُهلُّونَ بِهِ، فلم يرُدَّ رسول الله ﷺ شيئاً منه (٢)، ولزم رسول الله ﷺ تلبيتَهُ. قال جابر: لسنا ننوي إلا الحجَّ لسنا نعرِفُ العُمْرَةَ، حتى إذا أتينا البيتَ معهُ استلم الرُّكْنَ فرمل ثلاثاً ومشى أربعاً، ثم نَفَذَ إلى مقامِ إبراهيم فقرأ ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ فجعل المقامَ بينَهُ وبين البيتِ فكان أَبِي يقولُ (ولا أعلَمُهُ ذكره إلا عن النبي ﷺ ): كان يقرأ في الركعتينِ قل هو الله أحدٌ، وقل يا أيها الكافرون، ثم رَجَعَ إلى الرُّكْنِ فاستلَمَهُ ثم خرج من البابِ إلى الصفا، فلمّا دنا من الصفا قرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ "أبدأ بما بدأ الله به" فبدأ بالصفا، فرقَى عليه حتى رأى البيتَ فاستقبلَ القبلة، فوحَّدَ اللهَ وكبَّرهُ وقال: "لا إله إلا الله وحده لا شريكَ لَهُ لَهُ الملكُ وله الحمد وهو على كل شئ قدير، لا إله إلا الله وحده أنجز وعَدهُ، ونَصَرَ عبَدهُ، وهزم الأحزَابَ وَحْدَهُ " ثمَّ دعا بين ذلك. قال مثل هذا ثلاثَ مراتٍ. ثمَّ نَزَلَ إلى المروةِ حتى انصبَّتْ قدماهُ في بطن الوادي (٣) حتى إذا صَعِدَتا مشى، حتى أتى المروةَ، ففعل على المروةِ, كما فعل على الصَّفَا، حتى إذا كان آخِرُ طواف (٤) على المروةِ قال: "لو أَنِّي استقبلْتُ من أمري ما استدبرتُ لم أسُقِ الهَدْيَ، ولجعلتها (٥) عُمْرَةً، فمن كان منكم ليس معهُ هدْيٌ فليَحِلَّ وليَجْعَلْهَا عُمْرةً" فقام سراقة بن جُعْشُمٍ فقال: يا رسول الله!

стр. 421

أَلِعامِنَا هذا أم لأبدٍ؟ فشبَّكَ رسول الله ﷺ أصابِعَهُ واحدةً في الأخرى وقال: "دخَلَتِ العمرةُ في الحج (١) لا بَلْ لأبِدٍ أبَدٍ" وقدِمَ عليٌّ من اليَمَنِ بِبُدْنِ النبي ﷺ فوجَدَ فاطمةَ مِمَّنْ حَلَّ، ولبَسِتْ ثياباً صَبيغاً، واكتَحَلَتْ، فأَنكر ذلك عليها، فقالت: أبي أمرني بهذا (٢)، قال: فكان عليٌّ يقُولُ، بالعراقِ: فذهبتُ إلى رسول الله ﷺ مُحَرشاً على فاطمة للذي صنعَتْ مُستفْتياً رسول (٣) الله ﷺ ، فيما ذكرَتْ عَنْهُ. فأخبرتُهُ أنِّي أنكرتُ ذلك عليها. فقال: "صَدَقَتْ صَدقت. ماذا قُلْتَ حين فَرضْتَ الحجَّ" قال: قلت: اللهم إِنِّي أُهِلُّ بما أَهَلَّ به رسول الله ﷺ (٤)، قال: "فإنَّ مَعِي الهدي" قال (٥): "فلا تَحِلُّ" قال: فكان جماعةُ الهَدْيِ الذي كان (٦) قدم به علِيٌّ من اليمن والذي أتى به النبي ﷺ مائَةً. قال: فحلَّ الناسُ كلُّهم وقصَّروا إلا النبي ﷺ ومن كان معه هديٌ، فلما كانَ يوم التَّروية توجهوا إلى مِنىً، فأهَلُّوا بالحج، ورَكِبَ رسول الله ﷺ فصلى بها الظهر والعصر والمغرِبَ والعشاء والفَجْرَ ومكث (٧) قليلاً، حتى طلعَتِ الشمسُ فأمر بَقُبِّةٍ من شَعَرٍ تُضْرَبُ له بِنَمِرَةَ، فسارَ رسول الله ﷺ ولا تَشُكُّ قريشٌ إلا أنَّهُ واقِفٌ عند المشعَرِ الحرامِ, كانت قُريش تصنعُ في الجاهليةِ، فأجازَ رسول الله ﷺ حتى أتى عرفَةَ فوجَدَ القُبَّةَ قد ضُرِبَتْ له بنَمِرَةَ، فنزل بها حتى إذا زاغتِ الشمسُ أمر بالقَصْواءِ فَرُحِلتْ لَهُ فأَتى بَطنَ الوادي

стр. 422

فَخَطَب الناس وقال: "إنَّ دِمَاءكُمْ وأموالَكُم حرامٌ عليكم، كحُرْمَةِ يومِكُمْ هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، أَلا كُلُّ شيءٍ من أمر الجاهلية تحتَ قَدَمي موضُوعٌ، ودمَاءُ الجاهليةِ موضوعةٌ وإن أوَّلَ دمٍ أضع من دِمائنا دَمُ ابن ربيعَةَ ابن الحارث كان مُسترضِعاً في بني سعدٍ فَقَتَلَتْهُ هذيلٌ، ورِبَا الجاهليَّةِ موضوعةٌ (١)، وأَوَّلُ ربًا أَضعه (٢) رِبَانَا، رِبَا عبَّاسِ بن عبد المطلب فإِنَّهُ موضوعٌ كُلُّهُ. فاتقوُا الله في النِّساء فإنَّكُمْ أخذتُمُوهُنَّ بأَمانِ الله، واستحللتُمْ فروجَهُنَّ بكلمَةِ الله، ولكم عليهنَّ ألا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أحداً تكرَهُونَهُ. فإِنْ فَعلْنَ ذلك فاضربُوهُنَّ ضرباً غير مُبَرِّحٍ، ولهن عليكم رزقهُنَّ وكسوتهن بالمعروفِ، وقَدْ تركت فيكم ما لن تضلوا بعدهُ أن اعتصمتُمْ بِهِ كتِابَ الله، وأنْتم تسأْلُونَ عنِّي فما أنتمُ قائِلوُنَ؟ " قالوا: نشهدُ أنَّكَ قد بلَّغْتَ وأديْتَ ونصَحْتَ، فقال بإصبعِهِ السَّبَّابَةِ يرفَعُهَا إلى السماءِ، ويْنكتُهَا إلى النَّاسِ "اللهم اشهد، اللهم اشهد" ثلاث مرات ثم أذَّنَ، ثم أقام، فصلَّى الظهر، ثم أقام فصلّى العصر، ولم يُصَلِّ بينهُمَا شيئاً، ثم رَكِبَ رسول الله ﷺ حتى أتى الموقِفَ فجعل بطنَ ناقتِه القصواءِ إلى الصَّخَرَاتِ وجعل جَبْلَ المشاة بين يديه واستقَبل القبلَةَ فلم يزل واقفاً حتى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وذهبتِ الصُّفْرةُ قليلاً حتى غاب القُرْصُ واردَفَ أُسَامَة بن زيد خَلْفَهُ ودفع رسُولُ الله ﷺ وقد شَنقَ للقصْوَاءٍ الزِّمَامَ حتى إنَّ رأسَهَا ليُصِيبُ مورك رجْلِهِ ويقولُ بيده اليمنىِ: "أيها النَّاس! السكينَةَ السكينَةَ" كُلَّمَا أتى حَبْلاً من الحبَالِ أرخى لها قليلاً، حتى تصْعَدَ، حتى أتى المُزْدَلِفَةَ فصلى بها المغرِبَ والعشاءَ بأذانٍ واحدٍ وإقامتين، ولم يُسبح بينهما شيئاً، ثم اضطجَعَ رسولُ الله ﷺ حتى طلع الفجر فصلى الفجر حين تبين لهُ الصبح بأذانٍ وإقامةٍ، ثم رَكِبَ القَصْواءَ حتى أتى المشعَرَ الحرامَ، فاستقبلَ القبلةَ فدعاهُ وكبرهُ وهلّلهُ ووحَّدَهُ فلم يزل واقفاً حتى أسفر

стр. 423

جداً، فدفع قبْلَ أن تطلُعَ الشمسُ وأردف الفَضْلَ بن عباس وكان رجُلاً حَسَنَ الشَّعْرِ أبيض وسيماً، فلما دفع رسُول الله ﷺ مرَّتْ (١) ظُعُنٌ يَجْرِينَ، فطفِقَ الفضل ينظر إليهنَّ، فوضع رسول الله ﷺ يده على وجهِ الفضل، فحول الفضل وجهه إلى الشق الآخر ينظرٌ، فحوَّلَ رسول الله ﷺ يده من الشق الآخر على وجهِ الفضلِ، فصرف (٢) وجهه من الشق الآخر (٣) حتى أتى بطن مُحَسِّرٍ فحرَّكَ قليلاً ثم سلكَ الطريق الوُسطى التي تخْرجُ على الجمرةِ الكبرى، حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة فرماها بسبع حصياتٍ. يُكبِّرُ مع كل حصاةٍ منها. حصى الخزفِ رمى من بطن الوادِي، ثم انصرف إلى المَنْحَر، فنحر ثلاثَاً وستين بُدْنةً (٤) ثم أعطى علياً فنحر ما غَبَر وأشركه في هديه ثم أَمَرَ من كل بدنةٍ ببضعةٍ فجُعلت في قِدْرٍ، فَطُبخت فأكلَا من لحمها وشربا من مرقِهَا، ثم ركب رسوُل الله ﷺ فَأفَاضَ إلى البيت فصلى بمكة الظهر فأتى بني عبد المطلب يَسْقُون على زمزم فقال: "انزعوا بني عبد المطلب. فلولا أن يغلِبكم النَّاسُ على سِقايتكم لنزعتُ معكم" فناولُوه دلواً فشرب مِنْهُ. باب مسلم (٥)، عن ابن عمر قال: تمتَّع رسُولُ الله ﷺ في حجَّةِ الودَاعِ بالعمرةِ إلى الحج. وأهْدَى. فَسَاقَ معهُ الهدي من ذي الحُليفةِ،

стр. 424

وبدأَ رسُولُ الله ﷺ فأهَلَّ بالعمرةِ. ثم أهلَّ بالحج، وتمتع النَّاس مع رسول الله ﷺ بالعمرةِ إلى الحجِّ. فكان من الناس من أَهدى فَسَاقَ الهدي، ومنهم من لم يُهْدِ. فلمَّا قَدِمَ رسول الله ﷺ مكةَ قال للناس: "من كان منكم أهدى، فإنَّه لا يَحِل من شيء. حَرُمَ منْهُ حتى يقضي حجَّهُ. ومن لم يكن منكم أَهدى، فليَطُفْ بالبيت وبالصَّفَا والمروةِ وليُقَصِّر ولْيَحْلِلْ. ثم ليُهلَّ بالحج وليُهدِ فمق لم يجد هديا فليَصُمْ ثلاثة أيَّامٍ في الحج وسبعةٍ إذا رجَعَ إلى أهله" وطافَ رسول الله ﷺ حين قدم مكةَ، فاستلم الرُّكْنَ أَوَّلَ شيءٍ ثم خبَّ (١)، ثلاثةَ أطواف من السبع، ومشى أربعةَ أطوافٍ، ثم ركع حين قضى طوافَهُ بالبيت عند المقامِ ركعتين. ثم سلَّم، فانصرَفَ. فأتى الصَّفا. فطافَ بالصفا والمروةِ سبعة أطوافٍ، ثم لم يَحْلِلْ من شيء حَرُمَ منهُ حتى قضى حجَّهُ، ونحر هديَهُ يوم النِّحْرِ، وأفاض فطاف بالبيتِ، ثم حلَّ من كل شيءٍ حَرُمَ منه. وفَعَلَ مثل ما فعل رسُولُ الله ﷺ من أهدى فساق (٢) الهدي من النَّاسِ. وعن عائشة (٣)، أنَّها أهلَّت بُعمرةٍ فَقَدِمَتْ ولم تَطُفْ بالبيتِ حتى حاضَتْ. فَنَسَكَتِ المَنَاسِكَ كُلها، وقد أهلَّتْ بالحَجِّ فقال لها النبي ﷺ يوم النَّفْرِ "يَسَعُكِ طوافُكِ (٤) لِحَجِّكِ وعُمْرَتِكِ" فأَبتْ فَبَعثَ بها مع عبدِ الرحمن إلى التَنْعيِم فاعتمرتْ بعد الحَجِّ. وعن جابر بن عبد الله (٥) قال: لم يطُفِ النبي ﷺ ولا أصحابُهُ بين الصفا والمروةِ، إلا طوافاً واحداً، طوافَهُ الأول.

стр. 425

الترمذي (١)، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "من أحرم بالحجِّ والعمرةِ أجزأه طوافٌ واحِدٌ وسعىٌ واحدٌ (٢)، حتى يَحلَّ منهما جميعاً". قال: هذا حديث حسنٌ صحيحٌ غريبٌ. مسلم (٣)، عن عروة بن الزبير قال: حجَّ رسول الله ﷺ فأخبرتْنىِ عائشةُ أَنه (٤) أول شيء بدأَ بِهِ حين قَدِمَ مكةَ أنهُ توضأ ثم طاف بالبيتِ. الحديث. وعن ابن عمر (٥)، أنَّ رسول الله ﷺ كانَ إِذا طَافَ بالبيتِ الطَّواف الَأوَّلَ، خبَّ ثلاثاً ومشى أربعاً وكان يسعى ببطنِ المَسِيلِ إذا طاف بين الصفا والروةِ، وكان ابن عمر يفعلُ ذلك. وعن ابن عباس (٦) قال: قَدِمَ رسول الله ﷺ وأصحابُهُ مكة، وقد وَهَنَتْهُمْ حُمّى يثرِبَ، قال المشركون: إنَّهُ يقدَمُ عليكم غداً قومٌ قد وهنتهُمُ الحُمّى. ولقوا منها شدةً. فجلسُوا مِمَّا يلي الحِجْرَ (٧) وأمرهم النبي ﷺ أن يرمُلُوا ثلاثة أَشواطٍ، ويمشُوا ما بين الركنين. لِيرَى المشركونَ جَلَدَهُمْ، فقال المشركون: هؤلاء الذين زعمتُم أَنَّ الحمّى قد وهنتهم،
следующие страницы →