← Книги сунны

Книги сунны · id 17729

الأحكام الصغرى

عبد الحق الإشبيلي

Полный текст (909 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

الشعابِ والأودية إنما ذلكم من الشيطان" فلم ينزلوا (١) بعد ذلك منزلاً إلا انضمَّ بعضهم إلى بعض حتى يقال: لو بسط عليهم ثوب لعمَّهُمْ. مسلم (٢)، عن يزيد بن شريك التيمي، قال: كُنَّا عند حُذَيفَةَ، فقال رجُلٌ: لو أدركْتُ رسول الله ﷺ قاتلتُ معه فأبليتُ (٣)، فقال حذيفة: أنت كُنتَ تفعَلُ ذلك؟، لقد رأيتُنَا مع رسول الله ﷺ ليلَةَ الأحزَابِ، وأخذتنا ريخ شديدة ومُرُّ (٤) فقال رسول الله ﷺ ألا رجل يأتيني بخبر القوم جَعَلَهُ الله مَعي يوم القيامة؟ " فسكتنا فلم يُجِبْهُ منَّا أحدٌ ثم قال: "ألا رجل يأَتينا بخبر القوم، جعله الله مَعِي يوم القيامة؟ " فسكتنا (٥) فلم يُجِبْهُ مِنَّا أحَدٌ، ثم قال: "ألارجل يأتينا بخبر القوم جعله الله معي يوم القيامة" فسكتنا، فلم يجبه منا أحد، فقال: "يا حذيفة! قم (٦) فأتنا بخبر القوم" فلم أجِدْ بُدَّا إذْ دعاني باسمي أن أقوم، قال "اذْهبْ فأتِنِي بخَبَرِ القوم ولا تذعرهم عليَّ" فلما ولَّيتُ من عندِهِ كأنما (٧) أمشى في حَمَّام (٨) حتى أتيتُهم، فرأيت أبا سُفْيانَ يَصْلي ظهرَه بالنَّارِ، فوضعتُ سَهْماً في كَبِدِ القَوْسِ، فأردتُ أن أرميَهُ، فذكرتُ قول رسول الله ﷺ : "لا تُذْعرْهم عليَّ" ولو رميتُهُ لأصبْتُهُ، فرجعتُ وأنا أمشي في مثل الحَمَّامِ، فلما أتيتُهُ فأخبرتُهُ خبر (٩)

стр. 527

القوم وفرغتُ (١) قُرِرْتُ (٢)، فأليَسَني رسول الله ﷺ من فضلِ عَبَاءَةٍ كانت عليه يُصلِّي فيها، فلم أزل نائماً حتى أصبحتُ، فقال: "قم يا نومَانُ". وعن سلمة بن الأكوع (٣)، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوةٍ فأصابنا جهدٌ حتى هممنا أن ننحَرَ بعضَ ظَهْرِناَ، فأمر نبي الله صلي الله عليه وسلم - فجمعنا أزوادنا (٤) فبسَطْنَا له نطعاً (٥)، فاجتمع زاد القوف على النطَعِ فتطاولتُ لأخزُرَه (٦) كم هو فَحَزَزتُهُ كَرَ بْضِةِ العَنْزِ (٧)، ونحن أربع عشرةَ مائة قال: فأكلنا حتى شبعنا وحشونا (٨) جُرُبَنَا، فقال نبيُّ الله ﷺ : "فهل من وَضوء" قال: فجاء رجل بإداوة فيها نطفة؛، فأفرغها في قدح فتوضأنا كلنا نُدَغْفِقُهُ دَغْفَقَةً (٩) أربع عشرة مائة. قال: ثمَّ جاء بعد ثمانيةٌ، فقالوا: هل من طَهُورٍ؟ فقال رسول الله ﷺ "فرِغَ الوضوءُ". وعن أبي موسى (١٠)، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الأشعريِّين إذا أرملوا (١١) في الغزو أو قلَّ طعام عيالهم بالمدينةِ جمعُوا ما كان عندهم في ثوبٍ واحدٍ ثم اقتسمُوهُ بينهم في اناء واحد بالسَّويَّةِ فهم منِّي وأنا منهم".

стр. 528

باب النهي عن تمني لقاء العدو والدعوة قبل القتال، والكتاب إلى العدو، وطلب غِرَّتهم، والوقت المستحب للقاء وقطع الثمار وتحريقها. والنهي عن قتل النساء والصبيان . مسلم (١)، عن عبد الله بن أبي أوْفى أن رسول الله ﷺ في بعض أيامه التي لقى فيها العدُوَّ ينتظرُ حتى إذا مالتِ الشَّمسُ قام فيهم فقال: "يا أيها الناسُ لا تتمنَّوا لِقاءَ العدوِّ واسألوا الله العافيةَ، فإذا لقيتموهم فاصبرُوا، واعلموا أن الجنَّةَ تحت ظِلال السُّيُوفِ" ثم قام النبي ﷺ وقال: "اللهم مُنْزِلَ الكِتَابِ ومُجرِيَ السحاب وهازِمَ الأحزاب اهزمهُم وانصرنا عليهم". وعن سهل بن سعد (٢) أن رسول الله ﷺ قال: "لأعطين هذه الراية رجلاً يفتحُ الله على يديه يُحبُّ الله ورسوله ويحبُّهُ الله ورسولُهُ" قال: فبات الناس يدُوكُون (٣) ليلتهم إيهُم يُعطاها، فلما أصبحوا (٤)، غدَوا على رسول الله ﷺ كُلهُم يرجو (٥) أن يُعطَاها، فقال: "أين عليُّ بن أبي طالب؟ " فقالوا: هو يا رسول الله يشتكي عينيهِ، قال: "فأرسلوا إليهِ" فأُتِيَ بِهِ، فبصق رسول الله ﷺ في عينيهِ ودَعَا لَهُ فبرأ حتى كأن لم يكن به وجعٌ فأعطَاهُ الرَّايةَ، فقال عليٌّ: يا رسُول الله! أقاتِلُهُم حتى يكونوا مِثْلَنَا قال: "انْفُذْ على رِسْلِكَ حتى تنزل بساحَتِهم، ثمَّ ادعُهُم إلى الإسلامِ وأخبِرْهُم بما يجبُ عليهم من حقِّ الله (٦)، فواللهِ لأن يهديَ

стр. 529

اللهُ بك رجُلاً" (١) خير من أن يكون لك حُمرُ النعَمِ". وقال النسائي (٢): فنفث في عينيه وهزَّ الراية ثلاثاً فدفعها إليه. مسلم (٣)، عن أنس، أن نبيَّ الله ﷺ كتب إلى كسرى وقيصر والنَّجاشِي (٤)، وإلى كُل جَبَّارٍ يدعوهم إلى الله (٥) ليس بالنجاشي الذي صلى عليه النبي ﷺ . البخاري (٦)، عن أيى سفيان بن حرب، أن هِرَقْل أرسلَ إليه في ركبٍ من قريش، وكانوا تِجاراً بالشَّام في المُدَّةِ التي كان رسول الله ﷺ مادَّ فيها أبا سفيان وكفار قريش، فأتوه وهم بإيلياء، فدعاهم في مجلِسهِ وحولَهُ عظماءُ الرُّوم، ثم دعاهم ودعا بالترجمان (٧) فقال: أيُّكُم أقربُ نَسَباً بهذا الرجل الذي يزعُمُ أنه نبيٌّ؟، فقال أبو سفيان: فقلت: أنا أقربُهُم نسباً، قال: أدنوهُ منَي وقرِّبوا أصحابَهُ واجعلوهُم عند ظَهْرِهِ، ثم قال لترجمانِهِ: قل لهم: إني سائِلُ هذا عن هذا الرجل (٨) فإن كذبني فكذبوه فوالله لولا الحياءُ من أن يَأثِرُوا على كذباً لكذبت عنهُ، ثم كان أوَّلَ ما سألني عنهُ، قال: كيف نسبُهُ فيكم؟ قلتُ: هو فينا ذو نسب، قال: فهل قال هذا القول منكم أحدٌ قط مثله (٩)، قلتُ: لا، قال: فهل كان من آبائه من ملك؟ قلت: لا قال فأشراف النَّاسِ

стр. 530

اتبعوه (١)، أم ضعفاؤهم؟ قلتُ (٢): بل ضعفاوهُم. قال: أيزيدون أم ينقُصُون؟ قلتُ: بل يَزِيدون. قال فهل يرتد أحد منهم سُخْطة لدينهِ بعد أن يدخُلَ فيه؟ قلت: لاَ، قال: فهل كنتم تتَّهِمُونهُ بالكذبِ قيل أن يقول ما قال؟ قلتُ: لا، قال: فهل يَغْدِرُ؟ قلت: لا ونحن منهُ في مُدَّةٍ، لا ندري ما هو فاعلٌ فيها. قال: ولم تُمكِنِّي كلمةْ أُدخِلُ فيها شيئاً غيرُ هذِهِ الكلمة، قال: فهل قاتلتُمُوهُ؟ قلتُ: نعم، قال فكيف كان قتالكم إياه؟ قلتُ: الحربُ بيننا وبينَهُ سِجَالٌ، ينالُ منا وننال مِنْهُ. قال: ماذا يأمُرُكُم؟ قلتُ: يقول: "اعبدوا الله ولا تُشركوا به شيئاً واتركوا ما يقولُ آباؤكم" ويأمرنا بالصلاة والصِّدْقِ والعفافِ والصِّلَة، فقال للتُّرجمان: قل له: سألتُكَ عن نسبه، فذكرتَ أنه ذو نسب وكذلك الرسلُ تبعث في نَسببِ قومها، وسألتُكَ هل قال أحدٌ منكم هذا القول؟ فذكرتَ أنْ لا، فقلتُ: لو كان أحدٌ قال هذا القولَ قبلَهُ لقلتُ رجلٌ يأْتَسي بقول قِيل قبلِهُ، وسألتكَ هل كان من آبائِهِ من مَلِكٍ؟ فذكرتَ أنْ لا قلتُ: فلو كان من آبائِهِ من مَلكٍ قلت: رجُلٌ يطلُبُ مُلكَ أبيه، وسألتُك: هل كنتم تتَّهمونَهُ بالكَذِبِ قبل أن يقولَ ما قال؟ فذكرتَ: أن لا؛ فقد أعرف أنَّهُ لم يكن لِيَذرَ الكَذبَ على النَّاس ويكذب على الله، وسألتُك: أشراف الناس اتَّبعُوهُ أم ضُعَفاوهُم؟ فَذَكرتَ: أن ضعَفاءهم اتبعوه وهم أتباعُ الرُّسُل، وسألتُكَ (٣): أيرتد أحدٌ سُخْطة لدينهِ بغدَ أن يدخُلَ فيه، فذكرتَ: أنْ لا وكذلِكَ الايمانُ حينَ يخالط بشاشة (٤) القلوب، وسألتك: أيزيدون أم ينقصون؟، فذكرتَ أنهم يزيدون، وكذلك أمرُ الايمان حتى يتِمَّ، وسألتك: هل يغدِرُ؟، فذكرتَ: أن لا وكذلك الرُّسُل لا تغدِرُ، وسألتك: بم يأمُركم؟ فذكرتَ: أنه يأمُرُكم أن تعبُدوا

стр. 531

الله ولا تُشرِكوا به شيئاً، وينهاكُمْ عن عِبَادةِ الأوثانِ، ويأمُرُكم بالصلاةِ والصِّدقِ والعَفَافِ، فإن كان ما تقول حقاً فسيملك موضع قدميَّ هاتين، وقد كنتُ أعلمُ أنه خارِجٌ ولم اكن أظنُّ أنه منكم، فلو أنِّي أعلم أنِّي أخلُصُ إليه لتجشَّمْتُ لقاءه، ولو كنتُ عنده لَغَسَلْتُ عن قدمه. ثم دعا بكتاب رسول الله ﷺ الذي بعث بِهِ مع (١) دحية إلى عظيم بُصرى فدفعَهُ إلى هِرَقْلَ عظيم الروم (٢) فقرأهُ، فإذا فيه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ من محمَّدٍ عبد اللهِ ورسولهِ إلى هرِقْل (٣) سلامٌ على من اتَّبع الهدى، أما بعدُ فإني أدعوك بِدِعايةِ الإِسلام، أسْلِم تسلَم، يؤتك (٤) الله أجرَكَ مَرّتينِ، فإن توَلَّيتَ فإنَّ عليك إثمَ الأريسِّيين و ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾. قال أبو سفيان: فلمَّا قال ما قال، وفرغ من قراءَةِ الكِتَابِ كَثُرَ عندَهُ الصَّخَبُ وارتفعَتِ الأصواتُ، وأُخرِجْنَا، فقلتُ لأصحابي حين أخرِجنَا. لقد أمِرَ أمْرُ ابن أبي كبشَةَ إنَّه يخافه ملِكُ بني الأصفر فما زلتُ مُوقناً أنه سيظهر حتى أدخل الله عليَّ الإِسلام. وكان ابن الناطُورِ -صاحب إيلياءَ وهرَقلَ- سُقُفاً على نصارى الشام يُحَدِّثُ أن هرقل حين قدم إيْليَاءَ أصبح يوماً خبيث النَّفْسِ، فقال له بعض بطارِقَتِه: قد استنكزنا هيئتكَ، قال ابن الناطُور: وكان هِرقْلُ حذَّاءً ينظرٌ في النُّجُومِ، فقال لهم حين سألوه: إلي رأيتُ الَّليلةَ حين نظرت في النجوم مَلِكَ الخِتَانِ قد ظهر، فمن يختتن من هذِهِ الأمَّةِ، قالوا: ليس يختتِنُ إلَّا اليهودُ؛ فلا

стр. 532

يهمك (١) شأنُهُم، واكُتب إلى مدائنِ مُلْكِكَ فليقتلوا (٢) من فيهم من اليهود، فبينما هم على أمرهم أُتِيَ هرقل برجُلٍ أَرْسَل بِهِ ملك غَسَّانَ يخبرُ عن خبر رسول الله ﷺ فلما استخبَرهُ هرقل قال: اذهبوا فانظروا أمختتن هُوَ أمْ لا؟ فنظروا إليه فحدَّثُوهُ أنَّهُ مخْتَتِنٌ وسألهُ عن العربِ: أيختتنون (٣)؟، فقال: نعم (٤) يختتنون (٥) فقال هِرقل: هذا ملكُ هذِهِ الأمة قد ظهر، ثم كتب هرقل إلى صاحب له بِرُومية وكان نظيره في العلم، وسار هرقل إلى حِمصَ، فلم يرِم حمص حتى أتاهُ كِتَاب من صاحِبِهِ يُوافِقُ رَاي هرقْلَ على خُروجِ النبي ﷺ وأنَّهُ نبيٌّ فأذِنَ هرقلُ لعظماءِ الروم في دَسْكَرَةٍ له بِحِمص، ثم أمر بأبوابها فغُّلَقَتْ، ثم اطَّلَعَ فقال: يا مَعشَرَ الرُّوم، هل لكم في الفلاحِ والرُّشْدِ وأن يَثبُتَ مُلكُكُم فتبايعوا هذا النَّبي؟ فحاصُوا حَيْصَةَ حُمُرِ الوحش إلى الأبوابِ، فوجدوها قد غُلِّقَتْ، فلما رأى هرقل نَفْرَتَهم وأيس من الإيمان قال: رُدُّوهُم عليَّ وقال: إنِّي قلت مقالتي آنِفا، أختَبرُ بها شِدَّتَكُم (٦)، فقد رأيتُ، فسجدوا له ورضُوا عنه، فكان ذلك آخِر شَأْنِ هِرقْلَ. مسلم (٧)، عن ابن عون قال: كتضتُ إلى نافع أسألُهُ عن الدُّعَاءِ قبل القتال؟ فكتب إليَّ: إنَّما كان ذلك في أول الإِسلام، قد أغار رسول الله ﷺ علي بني المصطلق وهم غارُونَ (٨)، وأنعامهم تُسْقى على الماءِ، فقتل مُقاتِلتَهم وسبى سبيَهُمْ، وأصاب يومئذٍ. (قال يحيى: أحسبُهُ قال) جويريةَ

стр. 533

(أو البَتَّةَ) ابنة الحارث. وحدثني هذا الحديث عبد الله بن عمر، وكان في ذلك الجيش. الصحيح جويرية، وهى زوجة ﷺ . مسلم (١)، عن أيى هريرة قال: قال رسول الله ﷺ "الحَرْبُ خُدعةٌ" أبو داود (٢)، عن أم كلثوم بنت عقبة، قالت: ما سمعتُ رسول الله ﷺ يُرخِصُ في شيء من الكذب إلا في ثلاث: كان رسول الله ﷺ يقول: "لا أعدُّهُ كذاباً (٣) الرجل يُصلح بين النّاس، و (٤) يقول القول لا يريد به إلا الإِصلاح، والرجل يقول في الحرب، والرجل يحدث امرأته والمرأة تحدث زوجها". خرجه مسلم (٥) أيضاً. مسلم (٦)، كان رسول الله ﷺ يُغِيرُ إذا طَلَعَ الفَجْرُ، وكان يستَمِعُ الَأذَانَ، فإنْ سمع أذاناً أمسك وإلا أغَارَ، وذكر الحديث. وعن ابن عمر (٧)، أنَّ رسول الله ﷺ قطع نخل بَني

стр. 534

النضير وحرقَ، وَلَها (١) يقول حسَّانُ: لهان (٢) على سَرَاةِ بني لُؤَيٍّ ... حريقٌ بالبُويرَةِ مستطيرُ وفي ذلك نزل (٣) ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّه (٤) ...﴾ الآية. مسلم (٥)، عن ابن عمر قال: وُجِدَت امرأةٌ مَقْتُولة في بعضِ تلك المغازي، فنهى النبي (٦) ﷺ عن قتل النِّساءِ والصبيانِ. وعن الصَّعْبِ بن جَثامَةَ (٧)، قال: سُئِلَ رسول الله ﷺ عن الدار (٨) من المشركين؟ يُيَيتونَ، فيُصِيبُونَ من نسائِهم وَذرَارِيهم، فقال: "هُمْ مِنْهُمْ". باب الوقت المستحب للقتال والصفوف والتعبئة عند اللقاء والسيماء والشعار والدعاء والإستنصار بالله وبالضعفاء والصالحين وفي المبارزة والإنتماء عند الحرب . أبو داود (٩) عن النعمان بن مُقرّن قال: شهدتُ رسول الله - صلى الله عليه

стр. 535

وسلم - إذا لم يقاتل من أول النهار أخر القتال حتى تزول الشمس، وتهب الرياح، وينزل النصر. البخاري (١)، عن أو أسيدٍ قال: قال النبي ﷺ يوم بدر، حين صَفَفْنَا لِقُريش وصفُّوا لنا: "إذا أكثبوكم فعليكم بالنَّبْلِ". البزار، عن عبد الرحمن بن عوف قال: "عبأنا رسول الله ﷺ ليلةَ بدر ليوم بدر". مسلم (٢)، عن أبي هريرة قال: "أقبل رسول الله ﷺ حتى قَدِمَ مكَّةَ، فبعث الزبير على احدى المُجَنِّبَتَيْنِ وبعث خالداً على المُجَنَّبَةِ الأخرى، وبعث أبا عُبَيْدَة على الحُسَّرِ (٣)، فأخذوا بطن الوادى، وذكر الحديث. النسائي (٤) عن علي بن أبي طالب قال: "كان سيمانا يوم بدر الصوف الأبيض". وعن البراء (٥)، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إنكم تلقون عدوكم غداً، فليكن شعارا حمَ لا ينصرون دعوة نبيهم (٦) ". النسائي (٧)، عن صهيب أن رسول الله ﷺ كان يحرك شفتيه بشيء يوم حُنَيْن بعد صلاة الفجر، فقالوا: يا رسول الله! إنك تحرك

стр. 536

شفتيك بشيء، قال: "إن نبياً ممن كان قبلكم"، ثم ذكر كلمة معناها أعجبته كثرة أمته فقال: "لن يروم أحد هؤلاء بشيء" فأوحى الله إليه أن خَيِّر أمتك بين إحدى ثلاث: أن أسلط عليهم عدوأ من غيرهم فيستبيحهم، وإما أن أسلط عليهم الجوع، وإما أن أرسل الموت، فقالوا: أما الجوع والعدو فلا طاقة لنا بهما ولكن الموت، فأرسل الله عليهم الموت، فمات منهم في ليلة سبعون ألفاً، فأنا أقول: اللهم بك أحاول (١)، وبك أصاول (٢)، وبك أقاتل". أبو داود (٣)، عن أنس قال: كان رسول الله ﷺ إذا غَزَا قال: "اللهم أنت عَضُدِي ونصيري، بك أحاول، وبك أُصاول (٤)، وبك أقاتل". مسلم (٥)، عن عمر بن الخطاب قال: لمَّا كان يومُ بدرٍ، نَظرَ رسُولُ الله ﷺ إلى المشركينَ وهم ألفٌ وأصحابُهُ ثلاثُ مِئةٍ وتسعةَ عشر رجُلاً، فاستقبَلَ رسول الله ﷺ القِبْلَةَ ثم مدَّ يديهِ، فجعل يهتِفُ بربه: "اللهم أنجِزْ في ما وعدتني، اللهم آت ما وعدتَني" وذكر الحديث. وسيأتي في باب تحليل الغنائم إن شاء الله. أبو داود (٦)، عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله - صلى الله عليه

стр. 537

وْسلم: "ثنتان لا تُردَّانِ (أو قال: ما تردان) (١) الدعاء عند الأذان (٢) وعند البأس حين يُلحِمُ بعضه (٣) بعضاً". زاد في أخرى (٤): "وتحت (٥) المطر". النسائي (٦)، عن سعد بن أبي وقاص أنه ظنَّ أنَّ لهُ فضلاً على من دونه من أصحابِ النبي ﷺ فقال نبيُّ الله ﷺ : "إِّنما نصر (٧) الله هذه الأمة بضعيفِها، بدعوتِهِم وصلاتِهِم وِإخلاصِهِم". أبو داودا (٨)، عن أبي الدرداء قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "أبغوني الضعفاء، فإنَّما تُرزقون وتُنصرون بضعفائكم". مسلم (٩)، عن أبي سعيد الخدريِّ، عن النبي ﷺ قال: "يَأتِي على النَّاسِ زمانٌ يغزو فِئَامٌ من النَّاسِ" فيقال لهم: هلْ (١٠) فيكم من رأى رسول الله ﷺ ؟ فيقولون نعم. فيُفتَحُ لهم، ثم يغزو فثامٌ من النًاسِ، فيقال لهم: هل (١٠) فيكم من رأى من صَحِبَ رسول الله ﷺ ؟، فيقولون: نعم، فيُفتَحُ لهم، ثم يغزو فِئَامٌ من النَّاس، فيقال لهم:

стр. 538

هل فيكم من رأى من صَحِبَ من صَحِبَ رسول الله ﷺ فيقولون: نعم فيُفتح لهم". البزار (١)، عن على رضى الله عنه، وذكر غزوة بدرٍ قال: وبات رسول الله ﷺ ليلته يدعو ويقول: "اللهم إن تُهْلِكْ هذه العصابة لا تُعبد في الأرض" فلما طلع الفجر قال: "الصلاة عباد الله" فأقبلنا من تحت الشجرة. والجحف، فحثَّ أو حضَّ (٢) على القتال، وقال: "كأني أنظر إلى صرعاهم" قال: فلما دنا القوم إذا فيم (٣) رجل يسير في القوم على جمل أحمر، فقال النبي ﷺ للزبير: "نادِ بعض أصحابك، فَسَلْه من صاحب الجمل الأحمر؟ فإن يكُ في القوم أحدٌ يأمر بخير فهو" فسأل الزبير: من صاحب الجمل الأحمر؟ فقالوا: عتبة بن ربيعة، وهو ينهى عن القتال وهو يقول: إني (٤) أرى قَوْماً مستميتين، والله ما أظن أن تصلوا إليهم حتى تهلكوا، قال: فلما بلغ أبا جهل ما يقول، أقبل إليه فقال: مُلِئَتْ رئتك رُعباً حين رأيت محمداً وأصحابه، فقال له عتبة: إيَّاي تعير يا مصفّر استه (٥)، ستعلم أينا أجبن، فنزل عن جمله واتّبعه أخوه شيبة وابنه الوليد، فدَعَوْا للبراز (٦)، فانتدب (٧) لهم شباب من الأنصار، فقال: من أنتم؟ فأخبروه فقال: لا حاجة لنا فيكم، إنما أردنا بني عمِّنا، فقال رسول الله ﷺ : "قم (٨) يا حمزة! قم يا علي! قم يا عبيدة بن الحارث" قال فأقبل حمزة إلى (٦) عتبة وأقبلت إلى (٩) شيبة وأقبل

стр. 539

عبيدة إلى (١) الوليد، قال: فلم يُلْبِث حمزة صاحبه أن فرغ منه، قال: ولم ألبِث صاحبى، قال واختلفت بين الوليد وبين عبيدة (٢) ضربتان، وأثخن كلّ واحدٍ منهما صاحبه، قال: فأقبلت أنا وحمزة إليهما ففرغنا من الوليد، واحتملنا عبيدة. خرجه مسلم مختصراً. مسلم (٣)، عن أبي إِسحاق قال: جاء رجل إلى البراءِ فقال: أكنتم ولَيتُم يوم حُنَيْن؟ يا أبا عُمَارَةَ! فقال: أشهدُ على رسول الله ﷺ أنه ما ولى: ولكنه انطلق أخِفَّاءُ من الناس وحسر (٤) الى هذا الحي من هوازِنَ، وهم توم رُمَاةٌ، فرموهم بِرِشْقٍ من نَبْلٍ كأنَّها رِجْلٌ من جَرَادٍ، فانكشفوا فأقبل القومُ إلى رسول الله ﷺ وأبو سُفيان بن الحارث يقودُ به بغلَتَهُ فنزل، ودعا واستنصر، وهو يقول: أنا النَّبيُّ لا كذب ... أنا ابن عبد المطَّلِبْ اللهم نزِّلْ نصرك". قال البراء: كنَّا والله إذا احمْرَّ البأسُ نتَّقي بِهِ، وإن الشجاع منَّا للذي يُحاذِي بِهِ - يعني النبي ﷺ . وعن العباس بن عبد المطلب (٥)، قال: شهدتُ مع رسول الله ﷺ يوم حُنين، فلزمتُ أنا وأبو سفيان (٦) رسول (٧) الله ﷺ فلم نفارقه. ورسول الله ﷺ على بغلةٍ لَهُ بيضاءَ، أهداها له

стр. 540

فروةُ بن نُفاثَةَ الجُذَامّي، فلما التقى المسلمون والكفَّارُ ولَّى المسلمون مدبرين. فطفق رسول الله ﷺ يَركُضُ بغلتَهُ قبل الكفار، قال العباس: وأنا آخِذٌ بخطام (١) بغلةِ رسول الله ﷺ أكفّها إرادةَ ألا تسرع وأبو سفيان آخِذ بركَابِ رسول الله ﷺ ، فقَال رسول الله ﷺ : "أي عَباسُ! نادِ أصحاب السَّمُرةِ" فقال عباس: (وكان رجلًا صيتاً): فقلتُ بأعلى صوتي: أين أصحابُ السَّمُرةِ، قال: والله لكأن عَطْفَتَهُم حين سمعوا صوتي عطفةُ البقر على أولادِهَا، فقالوا: يا لبَّيْك يا لبَّيْك! قال: فاقتتلُوا والكُفَّار والدَّعوَةُ في الأنصارِ يقولون: يا معشر الأنصار (٢)! ثم قُصِرَتِ الدعوةُ علي بني الحارث بن الخزرَجِ (٣)، فنظر رسول الله ﷺ على (٤) بغلته كالمُتَطَاوِلِ عليها، إلى قتالِهِم، فقال رسول الله ﷺ : "هذا حِينَ حَمِيَ الوَطِيسُ"، قال: ثم أخذ رسول الله ﷺ حصياتٍ فرمى بهن وجوه الكُفار، ثم قال: "انهزَمُوا ورب محمدٍ"، قال: فذهبتُ أنظر، فإذا القتالُ على هيئتِهِ فيما أرى، قال: فوالله ما هو إلا أن رماهم بحصياتِهِ فما زِلتُ أرى حدَّهم كلِيلاً وأمرهم مُدْبِراً. وعن سلمة بن الأكوع (٥)، في هذا الحديث قال: فلما غَشُوا (٦) رسول الله ﷺ نزل عن البغلةِ ثم قبض قبضةً من تُرابِ الأرض (٧)، ثم استقبل بها (٨) وجوههم فقال: "شاهتِ الوُجُوهُ" فما خلق الله منهم إنساناً

стр. 541

إلا ملأ الله (١) عينيه تراباً بتلك القبضةِ، فولَّوا مدبرين وهزمهم (٢) الله، وقسم رسول الله ﷺ غنائِمَهُم بيَن المسلمين. باب مسلم (٣)، عن بريدة قال: غَزَا رسول الله ﷺ تسْعَ عشرَةَ غزوة، قاتلَ في ثمانٍ مِنْهُنَّ. البخاري (٤) عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله ﷺ أحسن الناس وأشجَعَ النَّاس، ولقد فَزِعَ أهْلُ المدينة (٥)؛ فخرجرا نحو الصوت فاستقبلَهُم النبي ﷺ وقد استبرأَ الخَبَرَ وهُو على فرس لأبي طلحة عُرى، وفي عُنُقِهِ السيفُ وهو يقولُ: "لَمْ تُراعُوا لم تُرَاعُوا" ثم قال: وَجَدْنَاهُ بحرا، أو قال إنَّه لبحرٌ. أبو داود (٦)، عن قيس بن عُبَاد قال: كان أصحاب النبي ﷺ ورضي عنهم (٧) يكرهون الصوت عند القتال. وعن أقوله موسى (٨)، عن رسول الله ﷺ مثل ذلك.

стр. 542

وعن سمرة بن جندب (١)، أما بعدُ فإنَّ النبي ﷺ سمَّى خيلنا خيل الله إذا فزعنا، وكان رسول الله ضلى الله عليه وسلم - يأمر (٢) بالجماعة والصبر والسكينة، وإذا قاتلنا. وعن أبي أسيد (٣) قال: قال رسول الله ﷺ يوم بدر: "إذا أكثبوكم فارموهم بالنبل، ولا تسلُّوا السيوف حتى يغشوكم". مسلم (٤) عن أنس بن مالك، أنَّ رسول الله ﷺ أُفرد يوم أحُدٍ في سبعةٍ من الأنصار ورجلين من قريش، فلما رَهِقُوهُ قال: "من يُردُّهُم عنَّا وله الجنة، أو هو رفيقي في الجنة؟ " فتقه مَ رجل من الأنصار فقاتل حتى قُتل، ثم رَهِقُوه أيضاً (٥)، فلم يزل كذلك حتى قتل السبعةُ، فقال رسول الله ﷺ (٦): "ما أنصَفْنَا أصحابَنا". البخاري (٧)، عن أبي هريرة قال: بَعَثَ رسول الله ﷺ عشرةَ رهطٍ سَرِئةً عينا (٨) وأمَّر عليهم عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح (٩) الأنصاري - جد عاصم بن عمر بن الخطاب - فانطلقوا حتى إذا كانوا بالهدَأةِ- وهو بين عُسْفَانَ ومكة- ذُكِرُوا لِحيٍّ من هُذيل، يُقَالُ لهم بنو لَحْيَانَ، فنفروا

стр. 543

لهم قربها من مائتي رجُل، كلهم رامٍ، فاقْتَصُّوا آثارَهُمْ حتى وَجَدُوا مَأكَلَهُم تمراً تزوَّدُوهُ من المدينةِ، فقالوا: هذا تمرُ يثْرِبَ، فاقتَصُّوا آثارَهم، فلما رآهم عاصِمٌ وأصحابه لجأوا الى فَدْفَدٍ (١) وأحاط بهم القومُ، فقالوا لهم: انْزِلوا فأعطونا (٢) بأيدِيكُمُ ولكُمُ العَهدُ والمِيثاقُ ولا نقتُلُ منكُمْ أحداً، فقال عاصِمُ ابن ثابت أميرُ السَّريَة: أمَّا أنا فواللهِ لا أنْزِلُ اليومَ في ذِمَّةِ كَافِر، اللهُمَّ أخْبِر عنَّا نَبِيَّكَ، فَرَمَوهُم بالنَّبْلِ فقتلُوا عاصماً في سَبْعَة فنزلَ اليهم ثلاثةُ رَهْطٍ بالعهدِ والميثاقِ، منهم خُبَيْبٌ الأنصاريُّ، وابنُ دَثِنَةَ ورجُلٌ آخر، فلمَّا استمكنُوا منهم أطلقوا أوتار قِسِيهم فأوثقوهُم فقال الرجل الثالث: هذا أوَّلُ الغَدْرِ، والله لا أصْحَبُكُمْ، إنَّ (٣) في هؤلاء لأُسوةً -يُريدُ القَتْلَى- فجررُّوه (٤) وعالجوه على أن يصحَبَهُمْ (٥)؛ فَقَتَلُوهُ فانطلَقُوا بخُبَيْبٍ وابن دَثِنَةَ حتى باعُوهُما بمكَّةَ بَعدَ وَقِيعةِ بدر، فابتاع خُبيباً بنو الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف، وكان خُبَيْبٌ هُوَ قَتلَ الحَارِثَ بن عامِر يوم بديى، فَلَبثَ- خُبيبٌ عندهم أسيراً، فأخبرني عبيد الله (٦) بن عياض، أن بنت الحارثِ أخَبرتهُ: أنهم حين اجتمعُوا استعارَ منها مُوسى يستحدُّ بِها فأعارتْهُ فأخذَ ابناً لي وأنا غافلة حتى أتاهُ، فَفَزِغتُ فَزْعَةً عَرَفَها خُبيبٌ في وَجْهِي، فقال تَخشيْن: أن أقتُلَهُ؟ ما كُنتُ والله (٧) لأفْعَلَ ذلِكَ، واللهِ ما رأيتُ أسِيراً قطُّ خيراً من خُبَيْب والله لقد وجدتُهُ يوماً يأكل من قِطفِ عِنَبٍ في يديه وإنهُ لَمُوثَقٌ في الحَدِيدِ (٨) وما بمَكَةَ من ثَمَرٍ، وكانت

стр. 544

تقولُ: إنَّهُ لَرِزْق من الله رَزَقَهُ خُبَيْباً، فلمَّا خرجوا من الحَرَمَ ليقتلُوهُ في الحِل، قال لهم خُبيبٌ: ذرُوني أركع ركعتين، فتركوه فركع ركعتين (١) ثم قال: لولا أن تظنوا أنَّ مَا بي جزع (٢)، اللهم أحصهم عداً (٣). وما (٤) أبالي حين أقتل مسلماً ... على أي شق كان لله مصرعِي وذلك في ذات الِإله، وإن يشأْ ... يبارك على أوصالِ شلْوٍ مُمَزَّع (٥) فَقَتَلَهُ ابنُ الحارثِ، فكان خُبيبٌ هو الذي (٦) سنَّ الركعتين لكل امرئٍ مسلم، قُتِلَ صبْراً واستجاب الله (٧) لعاصم بن ثابت يوم أُصِيبَ، فأخْبَرَ النبيُّ - صلى الله وسلم - أصحابَهُ خبرَهُم وما أُصيبوا، وبعث ناسٌ من كفار قريش إلى عاصم حين حُدّثُوا أنه قُتِلَ ليُؤْتوا بشئٍ منه يُعرَفُ، وكان قد قَتَلَ رجلًا من عظمائِهِم يوم بدرٍ فبُعِثَ على عاصِمٍ مِثْلُ الظُّلَةِ من الدَّبْر (٨) فَحَمَتْهُ من رسُولِهم، فلم يقدِروا على أن يُقطع (٩) من لحمه شيء. وذكره في المغازي (١٠) قال فيه: فَنَفروا لهم بقريبٍ من مائة رجلٍ رام، وقال فيه: والله لولا أن تحسبوا أن ما بي جَزَعٌ لَزدْت، اللهم أحصِهم عدداً واقتلهم بدداً ولا تُبِق منهم أحداً.

стр. 545

فلست أبالي حين أقتل مسلماً البيتين .. ثم قام إليه أبو سِرْوَعة عُقبةُ بن الحارث فقتله. مسلم (١) عن يزيد بن أبي عبيدٍ قال: قلتُ لِسَلَمَةَ: على أيِّ شيءٍ بايعتُمْ رسُولَ الله ﷺ يومَ الحُدييِيَة؟ قال: بايعناه (٢) على الموت. وعن جابر بن عبد الله (٣) قال: كنَّا يَوْمَ الحُدَيبية ألفاً وأربع مائةٍ فبايعنَاهُ، وعُمَرُ آخِذ بيدِهِ تحت الشَّجرةِ وهى سمُرةٌ. وقال: بَايعنَاهُ عن أنْ لا نفِر ولم نُبايعْهُ على الموتِ. أبو داود (٤)، عن جابر بن عَتيك، أن النبي ﷺ كان يقول: "إن من الغيرة ما يحبهُ (٥) الله، ونها ما يبغض الله، فأما التي يحبها الله فالغيرةُ في ريية (٦)، وأما التي ييغضها الله فالغيرة في غير ريبة، كان من الخيلاء ما يبغض الله ومنها ما يحب الله فأما الخيلاء التي يحب الله فاختيال الرجل بنفسه (٧) عند القتال، واختياله عند الصدقة وأما التي ييغض الله فاختياله في البغي والفخر". النسائي (٨)، عن أبي أيوب، عن النبي ﷺ وسألوه عن

стр. 546

الكبائِر فقال: "الشرك (١) باللهِ وقَتْلُ النفس المُسْلِمَة والتولي (٢) يوم الزحف". البخاري (٣)، عن أنس قال: صلَّى النبي ﷺ الصبح قريباً من خيبر بغلسِ ثم قال: "الله أكبرُ خَرِبت خيبرُ، إنَّا إذا نزلنا بساحةِ قوم فساء صباح المنذرين" فخرجوا يسَعَون في السِّكك، فقتل النبي ﷺ المقاتلة، وسبى الذُّرِّية، وكان في السبي صفيةُ بنت حيي (٤)، فصارت إلى دِحيةَ الكلبيّ، ثم صارت إلى النبي ﷺ فجعل عِتقها صداقَها. مسلم (٥)، عن أبي هريرة قال: بعث رسول الله ﷺ خيلاً قِبَلَ نجدٍ، فجاءت بِرَجُلٍ من بني حنيفةَ يُقالُ له ثُمامَةُ بن أُثَالٍ، سيدُ أهلِ اليمْامةِ فربطُوهُ بسارية من سواري المسجد، فخرج إليهِ رسول الله ﷺ فقال: "ماذا عندكَ يا ثُمامةُ؟ " فقال: عندي يا محمد خيرُ إنْ تَقْتُلْ تقتل ذا دمٍ، وإن تُنعِم تُنعِم على شاكرٍ وإن كُنتَ تُريد المال فَسْلْ تُعْطَ مِنْهُ ما شِئتَ، فتركَهُ رسول الله ﷺ حتى إذا كان من (٦) الغد، فقال: "ما عندك يا ثمامة" " قال: ما قُلتُ لك: إن تنعِم تُنْعِم على شاكر وإن تَقتُل تقتُل ذا دم (٧) فتركه رسول الله ﷺ حتى كان بعد (٨) الغد، قال: "ما عندك ثُمَامَةُ" قال ما قلتُ (٩) لك، إن تُنْعِم تنعِم على شاكر وإذ تَقتُل تَقتُل ذا دم وإن كُنتَ تريدُ المال فَسَلْ تُعْطَ مِنْهُ ما شِئْتَ، فقال له رسول الله - صلى الله

стр. 547

عليه وسلم -: "أَطلِقُوا ثُمَامَةَ" فانطلق إلى نخلٍ قريب من المسجد، فاغتسل، ثم دخل المسجد، فقال: أشهدُ أن لا إِلَهَ إلا اللهُ، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُهُ ورسُولُهُ. يا محمد! واللهِ ما كان على الأرض وجهٌ أبغضَ إليَّ من وجهك، فقد أصْبَحَ وجهُكَ أحَبَّ الوُجوُهِ كُلّها إليَّ، واللهِ ما كان من دِين أَبغَضَ إليَّ من دينِكَ، فأصبَحَ دينُك أحبَّ الدِّين كُله إليَّ، والله ما كان من بلدٍ أَبغَضَ إليَّ من بلَدِكَ فأصبَحَ بلدُك أحبً البلاد كُلّها إليَّ، كان خَيْلَكَ أخذتْني وأنا اريدُ العُمرةَ، فَمَاذَا ترى؟ فبشَرهُ رسول الله ﷺ وأمَرَهُ أن يَعتَمِر، فلمَّا قَدِمَ مَكَّةَ قال له قائِلٌ: أصَبَوتَ؟ قال: لاَ، ولكني أسلمتُ مع رسول الله ﷺ ، وَلاَ والله لا تأتيكم (١) من اليْمامَةِ حَبَّةُ حِنْطَةٍ حتى يأذَنَ فِيها رسول الله ﷺ . البخاري (٢)، عن جابر بن عبد الله قال. لما كَانَ يوم بَدر أُتي بأساري (٣) وأتى بالعباس ولم يكن عليهِ ثوث فَنَظرَ النَّبيُّ ﷺ لَهُ (٤) قَمِيصاً فَوَجَدُوا قَمِيص عَبْدِ اللهِ بن أُبيِّ يَقْدُرُ عَلَيْهِ (٥)، فَكَسَاهُ النبي ﷺ إِيَّاهُ، فَلِذلِكَ نَزَعَ النبيُّ ﷺ قَمِيصَهُ الذي أَلَبَسَهُ". قال ابنُ عُيَيْنَةَ: كانت له يَدٌ (٦) عند النبي ﷺ فأحبَّ أن يُكافِئَهُ. النسائي (٧)، عن علي بن أبي طالب قال: جاء جبريل إلى النبي - صلى الله

стр. 548

عليه وسلم - يوم بدر، فقال: خيِّر أصحابك في الأسارى، إن شاءوا في القتل، وإن شاءوا في الفداء على أن يُقتل منهم عاماً مقبلاً مثلهم، فقالوا الفداء، ويُقتل منا. وعن عطية القُرظي (١) قال: عُرضنا على النبي ﷺ يوم قريظة فكان من أنبت قُتِل ومن لم يَنْبُت خُلِّيَ، فكنت فيمن لم ينبت فخلى سبيلي. النسائي (٢)، عن سعد بن أبي وقاص قال: لما كان يوم فتحِ مكةَ أمَّنَ رسول الله ﷺ الناس إلا أربعةَ نفر وامرأتين، وقال: "اقتُلُوهُم وإنْ وجدتموهم مُتَعلِّقِينَ بِأَسْتَارِ الكعبة" عكرمة بن أبي جهل وعبد الله بن خَطَلٍ ومَقيسُ بن صبابةَ وعبد الله بن أبي السَّرح (٣)، فأما عبد الله بن خَطَلٍ فأدركَ وهو مُتَعَلِّقٌ بأستارِ الكَغبَهِ فاستبق إليه سعيدُ بن حُرَيث وعمارُ بن ياسرٍ، فسبقَ سعيدٌ عماراً وكان أشبَّ الرجُلَينِ فَقَتَلَهُ، وأما مقيسُ بن صُبَابةَ فأدركَهُ النَّاسُ في السُّوق فقتلُوهُ، وأما عِكْرِمَةُ فركب البحر فأصابتهم عاصفٌ فقال أصحاب السفينة أخلصوا فإن آلهتكم لا تغنى عنكم ها هنا شيئاً (٤) فقال عكرمة: واللهِ لئن لم ينْجني في (٥) البحر إلا الإِخلاَصُ فما (٦) ينجيني في البَرِّ غيرُهُ اللهم إنَّ لَكَ على عهداً إنْ أنتَ عافيتني ممَّا أنا فيه أن آتى محمداً حتى أضع يدِي في يَدِهِ فلأجدنَّهُ عَفُواً

стр. 549

كَرِيمًا، فجاء فأسلم، وأما عبد الله بن أبي سرح (١)، فإنَّه اختبأ عند عثمان بن عفان فلمَّا دعا رسول الله ﷺ النَّاس إلى البيعةِ جَاءَ به حتى أوقَفَهُ على رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، بايع عبد الله، فنظر (٢) إليه ثلاثًا. كُل ذلك يأبى، فبايَعهُ بعد ثلاثٍ ثم أقبل على أصحابِهِ فقال: أما كان فيكم رجُلٌ رشيدٌ يَقُومُ إلى هذا حين (٣) رآني كَفَفْتُ يَدي عن بيعتِهِ فيقتُلَهُ" فقالوا: وما يدرينا ما في نفسك يا رسول الله (٤)، هلا أومأْتَ إلينا بعينك. قال: "إنه لا ينبغى لنبيٍّ أن تكون له خائنةُ الأعين". أبو داود (٥)، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "أعَفُّ النَّاسِ قِتلَةً أهل الإِيمان". البخاري (٦)، عن عبد الله بن يزيد قال: نهى رسول الله ﷺ عن النُّهْبى والمَثُلَة. النسائي (٧)، عن أبي هريرة قال: بعثنا رسول الله ﷺ في بعثٍ وقال: "إن وجدتم فلانًا وفلانًا -لرجلين من قريش- فأحرقوهما بالنّار" ثم قال رسول الله ﷺ حين أردنا الخروج: "إني كنت أمرتكم أن تحرقوا فلانًا وفلانًا، وإن النَّارَ لا يُعذِّب بها إلا الله فإن وجدتموهما فاقتلوهما".

стр. 550

أبو داود (١) عن ابن عباس، أن النبي ﷺ جعل فداء أهل (٢) الجاهليةِ يوم بدر أربع مئة". البخاري (٣)، عن أنس أنَّ رِجَالًا من الأنصار استأذنوا رسول الله ﷺ فقالوا: "ائْذَنْ لَنَا فَلْنَتْرُكْ لابن أُخْتِنَا عَبَّاس فِدَاءَهُ"، فقال: "لا تَدَعُون مِنْهُ دِرْهَمًا". وعن أبي جُحيفة (٤)، قال: قلتُ لعليٍّ ﵁: هل عِندَكم شيءٌ من الوَحْي إلا ما في كِتابِ الله؟، قال: لا والَّذِي فَلَقَ الحَبَّةَ وَبَرأ النسَمَةَ، ما أعلَمهُ إلا فهمًا يُعْطيه الله رجُلًا في القرآنِ، وَمَا في هذِهِ الصَّحيفةِ، قلتُ: وما في الصحيفةِ؟ قال: العقلُ، وفَكَاكُ الأسِير، وأن لا يُقْتَلُ مُسْلمٌ بكَافر". مسلم (٥)، عن سلمة بن الأكوع، قال: غَزَوْنَا فَزَارَةَ وعلينا أبو بكر أمَّرهُ رسول الله ﷺ علينا، فلما كان بيننا وبين الماء ساعة أمرنا أبو بكر فعرسنا، ثم شن الغارة، فورد المَاءَ فَقَتَلَ من قَتَلَ عَلَيْهِ وسَبَى، وأنظرُ إلى عُنُقٍ من النَّاسِ فيهم الذَّرَاريُّ، فخشِيتُ أن يَسْبِقوني إلى الجَبَلِ، فَرَمَيْتُ بِسَهْمٍ بَينهُمْ وبين الجَبَلِ، فلمَّا رأوا السَّهْمَ وقَفُوا فجِئتُ بِهِم أسُوقُهُمْ، وفِيهِمُ امرأةٌ من بَني فَزَارَةَ، عليها قِشْعٌ من جلد (٦) (قال: القشع: النِّطعُ)، معها ابنةٌ لها من أحْسَنِ العَرَبِ فسُقتُهم حتى أتيتُ بِهم أبا بكر، فنفَّلَنِي أبو بكر

стр. 551

ابْنَتَهَا فقدِمت (١) المدينة وما كشفتُ لها ثوبًا. فَلَقِيَني (٢) رسول الله ﷺ في السُّوقِ، فقال: "يا سَلَمَةُ هَبْ لي المرأةَ"، فقلتُ: يا رسُولَ الله! لقد أعجبتْني وما كشفتُ لها ثَوبًا، ثم لَقِيَني رسول الله ﷺ من الغَدِ في السُّوقِ، فقال (٣) "يا سلمةُ هَبْ لي المرْأة لله أبوكَ"، قلتُ: هِيَ لَكَ يا رَسُولَ اللهِ! فوالله مِا كَشَفْتُ لَهَا ثوبًا، فبعثَ بها رسول الله ﷺ إلى أهْلِ مكة، ففدى بِها ناسًا من المسلمين كانُوا أُسِرُوا بِمَكَّةَ. البخاري (٤)، عن أنس بن مالك عن أبي طلحة (٥)، عن النبي ﷺ أنَّهُ كان إذا ظَهَرَ على قومٍ أقَامَ بالعَرْصَةِ ثَلاثَ ليال. مسلم (٦)، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ : "من ينظُرُ لَنَا ما صَنَعَ أبو جَهْل؟ " فانطلق ابن مسعود فوجدَهُ قد ضَرَبَهُ ابنا عفراء حتى برد (٧)، قال: فأخذ بلحيتهِ فقال: آنت أبو جهل؟ فقال: وهل فوق رجُل قتلتموهُ (أو قال) قتلهُ قومُهُ؟. وفي رواية، فلو غير أكَّارٍ (٨) قَتَلَني. زاد النسائي في هذا الحديث، أنه أتى النبي ﷺ ، فأخبره فقال له رسول الله ﷺ : "انطلق فأرني مكانه" قال: فانطلقتُ معه فأريته إياه فلما وقف عليه حمد الله ثم قال: "هذا فرعون هذه الأمة".

стр. 552

مسلم (١)، عن جرير بن عبد الله قال: قال لي رسُولُ الله ﷺ : "يا جرير ألا تُريحني من ذِى الخَلْصَةِ" بيت لخثعم. كان يُدعى الكعبَةَ اليَمَانِيَةِ (٢)، قال فنفرت في خمس ومائَةِ فارسٍ، وكنتُ لا أثبُتُ على الخيلِ، فذكرتُ ذلك لِرَسُولِ الله ﷺ فَضَرَبَ بيده (٣) في صدري فقال: "اللهم ثبِّتْهُ واجعلْهُ هاديًا مهديًا". فانطلق فحَرَّقهَا بالنَّارِ، ثم بَعَثَ جريرٌ إلى رسول الله ﷺ رجلًا يُبَشِّرُهُ يكنى أبا أرطَاةَ مِنَّا، فأتى النبي (٤) ﷺ فقال: ما جِئْتُكَ حتى تركنَاهَا كأنَّها جملٌ أجرَبُ فبرك رسول الله ﷺ على خيلِ أحْمَسَ ورِجالها (٥) خمس مرَّاتٍ. البزار (٦)، عن بريدة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أبردتم (٧) إلي بريدًا فأبردوه حسن الوجه، حسن الإسم". الترمذي (٨)، عن السائب بن يزيد، قال: لما قدم رسول الله ﷺ من تبوك، خرج الناس يتلقونَهُ إلى ثنيةِ الوداع، قال السائب: فخرجتُ مع الناس وأنا غلام. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.

стр. 553

مسلم (١)، عن جابر بن عبد الله وقفل مع رسول الله ﷺ من غزاة، قال: فلما قدم صِرارًا (٢) أمر ببقرة فذُبحت، فأكلوا منها، فلما قَدِم المدينة أمرني أن آتي المسجد فأصلي ركعتين. باب البخاري (٣)، عن ابن عمر قال، بعثَ رسول الله ﷺ خالدَ بن الوليد إلى بني جَذَيمة فدعاهم إلى الإِسلام، فلم يُحسنوا أن يقولوا: أسلمنا، فجعلوا يقولون: صبأنا. صبأنا، فجعل خالدٌ يقتُلُ، ويأسِرُ، ودفع (٤) إلى كلِّ رجل منا أسيرَهُ حتى إذا كان يوم، أمر خالدٌ أن يَقتُل كلّ واحد (٥) منا أسيرَهُ، فقلت: واللهِ لا أقُتلُ أسيري ولا يقتُل أحد (٥) من أصحابي أسيرَه حتى قدمنا على النبي ﷺ فذكرناه، فرفع النبي - صلى الله عليه رسلم يَدَيه (٦) فقال: "اللهمَّ إني أبرأ إليك مما صنعَ خالد" مرتين. النسائي (٧)، عن عبد الله بن جعفر، قال: بعث رسول الله ﷺ جيشًا واستعمل عليهم زيد بن حارثة وقال: "إن قُتِل زيد أو استشهد فأميركم جعفر بن أبي طالب، فإن قتل جعفر أو استشهد فأميركم عبد الله بن رواحة" فلقوا العدو فأخذ

стр. 554

الراية زيدٌ فقاتل حتى قُتِل، ثم أخذ الراية جعفرٌ فقاتل حتى قُتِل، ثم أخذ الرايةَ عبدُ الله ابنُ رواحة فقاتل حتى قتل، ثم أخذ الراية خالد بن الوليد ففتح الله على يديه، فأتى خبرهم النبي ﷺ فخرج إلى النَّاس، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "إن إخوانكم لقوا العدوَّ، فأخذ الرايةَ زيدٌ فقاتل حتى قُتِل أو استشهد، فأخذ الرايةَ جعفرٌ فقاتل حتى قُتِل أو استشهد، ثم أخذ الراية عبدُ الله ابنُ رواحة، فقاتل حتى قتل أو استشهد، ثم أخذ الرايةَ سيفٌ من سيوف الله: خالدُ بن الوليد، ففتح الله عليه"، ثمَّ أمهل آل جعفر ثلاثًا أن يأتيهم، ثم أتاهم فقال: "لا تبكوا على أخي بعد اليوم" ثم قال: "ادعوا لي بني أخي" فجيء بنا كأنا أفرخ فقال: "ادعوا لي الحلاق" فجيء به (١) فأمره فحلق رؤوسنا ثم قال: "أما محمد فشبيه عمنا أبي طالب، وأما عبد الله فشبيه خَلْقى وخُلقى" ثم أخذ بيدي فأشالها، فقال: "اللهم اخلف جعفرًا في أهله وبارك لعبد الله في صفقة يمينه" ثلاثًا. وعن أبي قتادة في هذا الحديث، قال: "فوثب جعفر فقال: يا رسول الله! ما كنت أرهب أن تستعمل علي زيدًا، فقال: امضِ فإنك لا تدري أي ذلك خير". ذكره علي بن المديني في كتاب العلل (٢). البخاري (٣)، عن عروة بن الزبير، قال: لما سَار رسولُ الله ﷺ عامَ الفتح، فبلغ ذلك قُريشًا، خرج أبو سفيان بن حرب، وحكيمُ بن حِزام، وبُدَيلُ بن ورقاء يلتمسون الخبرَ عن رسول الله ﷺ فأقبلوا يسيرون حتى أتوا مرَّ الظهرانِ، فإذا هم بنيران كأنها نيرانُ عرفة، فقال أبو سفيان: ما هذه؟ لكأنها نيرانُ عرفة، فقال بُدَيلُ بن ورقاء: نيرانُ بني عمرو، فقال أبو سفيان: عمرٌو

стр. 555

أقل من ذلك، فرآهم ناسٌ من حَرَس رسولِ الله ﷺ فأدْركوهم، فأخذوهم فأتوا بهم رسول الله ﷺ فأسلم أبو سفيان، فلما سار قال للعباس: "احبس أبا سفيان عند خطم الجَبل حتى ينظرُ إلى المسلمين" فحبسه (١) فجعلتِ القبائل تمرُّ (٢) مع النبي ﷺ تمرُّ كتيبةً كتيبةً على أبي سفيانَ، فمرَّت كتيبة فقال: يا عبَّاس من هذه؟ فقال: هذه غِفار، فقال: مالي ولغِفار، ثم مرت جُهَينةُ، فقال مثل ذلك، ثم مرَّت سعدُ بن هُذَيم، فقال مثل ذلك، ثم (٣) مرَّت سُلَيم، فقال مثل ذلك حتى أقبلَت كتيبةٌ لم يرَ مثلها، قال: من هذه؟ قال: هؤلاء الأنصار عليهم سعدُ بن عبادة معهُ الراية، فقال سعدٌ (٤): يا أبا سفيان! اليومَ يومُ الملحمة، اليومَ تُستحَل الكعبة، فقال أبو سفيان: يا عباس حبذا يوم الذِّمار، ثم جاءت كَتيبة وهي أقلُّ الكتائب، فيهم رسولُ الله ﷺ وأصحابه، وراية النبي ﷺ مع الزبير (٥) فلما مرَّ النبي ﷺ بأبي سفيان قال: ألم تعلم ما قال سعدُ بن عبادة؟، قال: "ما قال؟ " قال: قال كذا وكذا، فقال: "كذبَ سعد، ولكن هذا يومٌ يُعظمُ الله فيه الكعبة ويومٌ تُكسى فيه الكعبة" قال: وأمرَ رسولُ الله ﷺ أن تُركزَ رايته بالحَجون. قال عروة: فأخبرَني نافع بن جُبير بن مُطعم قال: سمعتُ العباس يقول للزبير: يا أبا عبد الله هاهنا أمرك رسول الله ﷺ أن ترَكزَ الراية. قال: وأمر رسول الله ﷺ يومئذ خالد بن الوليد أن يَدخلَ من أعلى مكة من كَدَاء، ودخل النبي ﷺ من كَدا، فقُتِلَ من خيل خالد ابن الوليد يومئذ رجلان حُبَيْشُ بن الأشعَر وكُرز بن جابر الفهريّ.

стр. 556

مسلم (١)، عن أبي هريرة، قال: أقْبَلَ رسُولُ الله ﷺ حتى قدِمَ مكَّةَ، فَبَعثَ الزبير على إحدى المُجَنبتَيْنِ (٢) وبعث خالدًا على المجنبةِ الأخرى، وبعث أبا عبيدةَ على الحُسَّرِ (٣)، فأخذوا بطنَ الوادي، ورسولُ الله ﷺ في كتيبةٍ قال: فَنَظرَ فرآني فقال: "أبو هريرةَ " فقلتُ: نعم (٤)، لبيك رسول الله (٥)، لبيك رسول الله، فقال: "لا يأتينى إلا أنصاريٌّ" قال: فأطافُوا بِهِ ووبَّشَتْ (٦) قريش أوبَاشًا لها وأتباعًا، فقالُوا: نُقَدِّمُ هؤلاءِ، فإن كان لهم شيءٌ كُنا معهم، فإن أصيبوا أعْطَيْنَا الذي سُئِلْنَا، فقال رسول الله ﷺ : "تَرَوْنَ إلى أوْبَاشِ قريش وأتباعِهِمْ" ثم قال بيديه (٧): إحداهُما على الأخرى ثم قال: "حتى تُوافُوني بالصَّفَا" قال: فانطلقنا فما شَاءَ أحدٌ منّا أن يَقْتُلَ أحدًا إلا قَتَلَهُ، وما أحدٌ منهم يُوَجِّهُ إلينا شيئًا، قال: فجاء أبو سُفيانَ فقأل: يا رسولَ اللهِ أُبيحَتْ خَضْرَاءُ قريشٍ، لا قرَيْشَ بَعْدَ اليومِ، ثم قال: "من دخل دَارَ أبي سُفيانَ فهو آمِنٌ" فقالت الأنصار بعضهم لبعض: أمَّا الرجُلُ فأدركَتْهُ رغْبَةٌ في قَرْيَيهِ ورافَة بعشيرَتِهِ، قال أبو هريرة: وجاء الوَحْيُ وكان إذا جاءَ (٨) لا يَخْفَى علينا، فإذا جَاءَ فَلَيْسَ أحد يرفَعُ طرفَهُ إلى رسُولِ الله ﷺ حتى ينقضى الوحيُ، فلما قضى (٩) الوحيُ، قال رسول الله ﷺ : "يا معشر الأنصَارِ" قالوا: لبَّيْكَ يا رسُولَ اللهِ، قال: "قلتم: أمَّا الرجُلُ فأدركَتْهُ رغبةٌ في قريتهِ" قالوا: قد كان

стр. 557

ذلك (١)، قال: "كلَّا إنِّي عبد الله ورسُولُهُ هاجرتُ إلى الله وإليكم، المحيا محياكُمْ والمَمَاتُ مَمَاتُكُمْ" فأقبلوا إليه يبكُونَ ويقولون: والله ما قُلنا الذي قُلنا إلا الضِّنَّ (٢) باللهِ وبرسولِهِ، فقال رسول الله ﷺ : "إنَّ الله ورسوله يُصَدِّقانِكُمْ ويَعْذِرَانِكُمْ" قال: فأقبَلَ النَّاسُ إلى دارِ أبي سُفيان وأغلقَ النَّاس أبوابَهُمْ، قال: وأقبل رسولُ اللهِ ﷺ حتى أقبل إلى الحَجَرِ، فاستَلَمهُ، ثم (٣) طاف بالبيتِ، قال: فأتى على صنمٍ إلى جنبِ البيتِ كانوا يعبدُونهُ، قال: وفي يَدِ رسول الله ﷺ قوسٌ، وهو آخِذٌ بِسِيَةِ القَوْسِ (٤) فلما أتى على الصنم جعل يطعن (٥) في عينيه ويقول: "جاء الحقُّ وزَهَقَ الباطِلُ"، فلما فَرَغَ من طَوَافِهِ أتى الصفا (٦) فعلا عليه حتى نظر إلى البيتِ فرفع يديه فجعل يحمد الله ويدعُو ما شَاءَ أن يَدعُوَ. وفي أخرى (٧): "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن ألقى السِّلاحَ فهو آمِنٌ، ومن أغْلَقَ بَابَهُ فهو آمِنٌ". وفيها: "قلتم أمَّا الرَّجُلُ قد أخذته (٨) رأفةٌ بعشيرتِهِ ورغبةٌ في قريتهِ ألا فما (٩) اسمى إذًا! (ثلاث مرات)، أنا محمد عبد الله ورسوله". وقال النسائي (١٠) في هذا الحديث: ولجأت صناديد قريش وعظماؤها إلى الكعبة، يعني دخلوا فيها، قال: فجاء رسول الله ﷺ حتى طاف

стр. 558

بالبيت فجعل يمر بتلك الأصنام ويطعنها بسية القوس (١) ويقول: "جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقًا" حتى إذا فرغ وصلى جاء فأخذ بعضادتي الباب، ثم قال: "يا معشَر قريش ما تقولون؟ " قالوا: نقول: ابن أخ وابن عم رحيم كريم. ثم أعاد عليهم القول: "ما تقولون؟ " قالوا مثل ذلك قال: "فإني أقول كما قال أخى يوسف: ﴿لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين﴾ "، فخرجوا فبايعوه على الإسلام. ذكر النسائي هذا الحديث في التفسير. أبو داود (٢)، عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ عامَ الفتح جاءَه العباسُ بن عبد المطلب بأبي سفيان بن حرب، فأسلم بِمَرّ الظهران، فقال له العباس: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل يُحِبُّ هذا الفخر فلو جعلتَ لَهُ شيئا، فقال: "نعم، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلقَ بابَهُ فهو آمن". وعن وهب بن مُنبه (٣)، قال: سألتُ جابرًا: هل غنموا يوم الفتح شيئًا؟ قال: لا. مسلم (٤)، عن ابن عمر أن يَهُودَ بني النضير وقُريظةَ حاربُوا رسُولَ الله ﷺ ، فأجْلَى رسُولُ الله ﷺ بني النَّضِيرِ وأقر قُرَيْظةَ ومنَّ عليهم حتى حَارَبَتْ قُريظَةُ بعد ذلك، فَقَتَلَ رجالهم وقَسمَ نساءَهُمْ وأولادَهُمْ وأموالَهُمْ بين المسلمين إلا أنَّ بعضهُمْ لَحِقُوا برَسولِ الله ﷺ فآمَنَهُمْ وأسلموا، وأجْلَى رسول الله ﷺ يهُودَ المدينةِ

стр. 559

كُلهم: بني قَيْنُقَاعَ (وهم قوم عبد الله بن سلامٍ) ويهُودَ بني حَارِثَةَ، وكُلَّ يهوديٍّ كان بالمدينةِ. وعن أبي سعيد الخدري (١)، قال: نَزَلَ أهلُ قُرَيظَةَ على حُكْمِ سعد بن معاذٍ، فأرْسَلَ رسول الله ﷺ إلى سعدٍ فأتَاه على حمارٍ، فلما دنا قريبًا من المسجِدِ قال رسول الله ﷺ (٢): "قوموا إلى سيِّدِكُمْ" (أو خيركم) ثم قال: "إنَ هؤلاءِ نزلُوا على حُكْمِكَ" قال: تَقْتُلُ مُقاتِلَتَهُمْ وتَسْبِى ذُريتهم، قال: فقال رسول الله ﷺ : "قضيتَ بحكمِ الله" وربما قال: "قضيت بحكم الملك" وفي حديث عائشة (٣)، فنزلُوا على حُكْمِ رسول الله ﷺ ، فردَّ رسُولُ الله ﷺ الحُكْمَ إلى سعد بن معاذ (٤). وزاد، وتُقْسَم أموالهم. أبو داود (٥)، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ أن كُفارَ قريش كتبوا إلى ابن أُبيٍّ ومن كان معه يعبد (٦) الأوثان من الأوس والخزرج، ورسولُ الله ﷺ يومئذ بالمدينة قبل وقعة بدر: إِنكم آوَيْتُمْ صاحبنا، وإِنا نقسم بالله لتُقاتلنهُ أو لتخرجُنَّه أو لنسيرَنَّ إليكم بأجمعنا حتى نقتل مقاتلتكم ونستبيح نساءكم فلما بلغ ذلك عبد الله بن أُبي ومن كان معه من عبدة الأوثان، أجمعوا لقتال رسول الله ﷺ فلما بلغ ذلك النبي ﷺ لقيهم فقال: "لقد بلغ وعيدُ قُريشٍ منكم المبالغ، ما كانت تكيدُكم بأكثر مما تريدُون أن تكيدُوا

стр. 560

بِهِ أنْفُسَكم، تريدُون أن تُقَاتلوا أبنَاءَكم وإِخوَانكُم" فلما سمعوا ذلك من النبي ﷺ تفرقوا، فبلغ ذلك كفار قريش، فكتبت كفار قريش بعد وقعة بدر إلى اليهود: إِنكم أهل الحَلْقَةِ والحُصُونِ وإنكم لتُقاتلُنَّ صاحبنا أو لنفعلنَّ كذا وكذا ولا يحول بيننا وبين خَدَمِ نسائكم شيء - وهي (١) الخلاخيل-، فلما بلغ كتابهم النبي ﷺ أجمعت بنو النضير بالغَدرِ: فأرسلوا إلى النبي ﷺ اخرج إلينا في ثلاثين رجلًا من أصحابك وليخرج منا ثلاثون حبرًا، حتى نلتقي في مكان المَنْصَف فيسمعوا منك، فإن صدقوك وآمنوا بك، آمنا بك فقصَّ خبرهم فلما كان الغدُ غدا عليهم رسول الله ﷺ بالكتائب فحاصرهم (٢)، فقال: "إنكم لا تأمنون عندي إلا بعهد تعاهدوني عليه"، فأبوا أن يعطوه عهدًا فقاتلهم يومَهم ذلك، ثم غدا الغد علي بني قريظة بالكتائب (٣)، وترك بني النضير ودعاهم أن يعاهدوه، فعاهدوه فانصرف عنهم وغدا إلى بني النضير بالكتائب، فقاتلهم حتى نزلوا على الجَلَاءِ، فَجلَتْ بنو النضير واحتملوا ما أقلَّتِ الِإبلُ من أمتعتهم، وأبواب بيوتهم وخشبها، فكان نخل بني النضرِ لرسول الله ﷺ خاصة، أعطاه الله إياها وخصَّه بها، فقال: ﴿ما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب﴾، يقول بِغَيْرِ قتال، فأعطى النبي ﷺ أكثرها للمهاجرين وقسَمها بينهم، وقسم منها لرجلين من الأنصار كانا ذوي حاجة لم يقسم لأحد من الأنصار غيرهما، وبقي منها صدقة رسول الله ﷺ التي بيد (٤) بني فاطمة. مسلم (٥)، عن سلمة بن الأكوع قال: قدمنا الحديبيةَ مع رسُولِ الله ﷺ ونحنُ أربعَ عشرةَ مائةً وعليها خمسُونَ شاةً، لا ترويها،

стр. 561

قال: فقعد رسول الله ﷺ على جبا الرَّكيَّةِ (١)، فإما دعا، وإمَّا بصق (٢) فيها فجاشَتْ فسقينا واستقينا، ثم إنَّ رسول الله دعا (٣) للبيعة في أصل الشجرة، قال: فبايعتُهُ أوَّلَ الناسِ، ثم بايع وبايع حتى إذا كان في وسطٍ من النَّاسِ قال: "بايع. يا سلمةُ" قال: قلتُ: قد بايعتُكَ يا رسُولَ اللهِ في أولِ النَّاس، قال: "وأيضًا" ورآني رسُولُ الله عَزِلًا (يعني ليس مَعَه سلاح) قال: فأعطاني رسُولُ الله ﷺ حَجَفَةً أو دَرَقَةً (٤) ثم بايع حتى إذا كان في آخِر الناس، قال: "ألا تبايعُني يا سلمة؟ " قال: قلت: قد بايعتُكَ يا رسُولَ الله في أوَّلِ النَّاس، وأوسَطِ الناس، قال: "وأيضًا" فبايعتهُ الثالثة، ثم قال لي: "يا سلمةُ أين حجفتُك أو دَرَقَتُك التي أعطيتُك؟ " قال: قلتُ: يا رسُولَ الله! لقيني عَمِّي عامِرٌ عَزِلًا، فأعطيتُهُ إيَّاهَا، قال فضحِكَ رسول الله ﷺ وقال: "إنك كالذي قال الأوَّلُ: اللهم أبغنِي حبيبًا هو أحبُّ إليّ من نفسي"، ثم إنَّ المشركين راسَلُونا الصُّلْحَ حتى مشى بعضُنا في بعض، واصطلحنا، قال: وكنت تَبِيعًا لِطَلْحةَ بن عبيد الله أسْقي فَرَسَهُ وأحُسُّهُ وأخدُمُهُ وآكل طعامه، وتركتُ أهلي ومالي مهاجرًا إلى الله ورسولهِ قال: فلما اصطلحنا نحن وأهل مكة، واختلط بعضنا ببعضٍ أتيت شجرة فكسحتُ شوكها، فاضجعتُ في أصلها قال: فأتاني أربعةٌ من المشركين من أهلِ مكة، فجعلوا يقعون في رسُولِ الله ﷺ ، فأبغضتُهُم، وتحولتُ إلى شجرةٍ أخرى وعلَّقوا سلاحَهُم واضطجعوا. فبينما هم كذلك إذ نادى منادٍ من أسفل الوادي: يا للمُهاجرين قُتِلَ ابن زُنَيْمٍ، فاخترطتُ سيفىٍ ثمَّ شددتُ على أولئك الأربعةِ وهم رُقودٌ وأخذتُ سلاحهم وجعلتها (٥) ضغثًا في يَدِي، ثم قلتُ: والذيِ كرَّم وجْهَ محمدٍ - صلى الله

стр. 562

عليه وسلم - لاَ يرفَعُ أحدٌ منكم رأسَهُ إلا ضربْتُ الذي فيهِ عَيْنَاهُ قال: ثم جئْتُ بهم أسوقُهُم إلى رسول الله ﷺ ، قال: وجاء عمِّي عامر برجل من العَبَلَاتِ يُقال له مِكْرَزٌ يقودُهُ إلى رسُولِ الله ﷺ على فرس مجقف (١) في تسعين (٢) من المشركين فنظر إليهم رسول الله ﷺ فقال: "دعوهُمْ ليكون (٣) لهم بدءُ الفجور وثنَاهُ" فعفا عنهم رسول الله ﷺ وأنزل الله ﴿وهو الذي كفَّ أيديهم عنكم وأيديَكُم عنهم ببطنِ مكة من بعد أن أظفركُمْ عليهم﴾. الآية كلها. قال: ثم خرجنا راجعين إلى المدينةِ، فنزلنا منزلا بيننا وبين بني لَحْيانَ جَبَلٌ، وهم المشركون فاستغفر رسول الله ﷺ لمن رقى هذا الجبَلَ الليلةَ، كأنَّهُ طليعةٌ للنبي ﷺ وأصحابِهِ قال سلمةُ: فرقيتُ تلك الليلةَ مرتين أو ثلاثًا، ثم قدمنا المدينة فبعَثَ رسُولُ الله ﷺ بظهرِهِ مع رباحٍ غُلامِ رسُولِ الله ﷺ وأنا معهُ وخرجتُ بفرسِ طلحة (٤) أندِّيهِ مع الظهر فلما أصبحنا إذا عبد الرحمن الفزاري قد أغار على سرح (٥) رسول الله ﷺ فاستَاقَهُ أجْمَعَ وقتلَ راعِيهُ قال: فقلت: يا ربَاحُ خُذْ هذا الفرس فأبلِغْهُ طلحةَ بن عَبيدِ الله وأخبر رسول الله ﷺ أن المشركين قد أغاروا على سَرْحِهِ، قال: ثم قمتْ على أكمةٍ فاستقبلتُ المدينةَ فناديتُ ثلاثًا: يا صَبَاحاهْ، ثم خرجت في أثر (٦) القوم أرْميهِمْ بالنَّبْلِ وأرتجز أقولُ: أنا ابن الأكوع ... واليوم يومُ الرُّضَّعِ

стр. 563

فألحقُ رجُلًا منهم فَأصُكه (١) سهمًا في رَحْلِهِ حتى خَلَصَ نصْلُ السهْم إِلى كَتِفِهِ، قال: قلتُ: خذها و: أنا ابن الأكوع ... واليوم يومُ الرُّضَّعِ قال: فواللهِ مازلت أرميهم وأعْقِرُ بهم فإذا رجع إليَّ فَارِسٌ أتيتُ شجرةً فجلست في أصلها ثم رميتُهُ فعقرتُ بِهِ حتى إذا تضايق الجبَلُ فدخلوا في تضايُقِهِ علوتُ الجبل فجعلتُ أرميهم (٢) بالحجارةِ قال: فما زلتُ كذلك أتبعُهُمْ حتى ما خلق الله من بعير من ظَهرِ رسول الله ﷺ إلا خلفته وراء ظهري، وخلوا بينى وبينَهُ ثم اتبعتهم أرميهم حتى ألقوا أكثر من ثلاثين بُرْدَةً وثلاثين رُمحًا يستخِفُّونَ ولا يطرَحُونَ شيئًا إلا جعلتُ عليه آرامًا (٣) من حجارة يعرِفُها رسول الله ﷺ وأصحابه حتى أتوا متضايقًا من ثنيةٍ فإذا هم قد أتاهم فلان بن بدرٍ الفزاري فجعلوا (٤) يَتضحَّونَ (يعني يتغَدَّوْنَ) وحبست (٥) على رأس قرنٍ، قال الفزاريُّ: ما هذا الذي أرى؟ قالوا: لقينا من هذا البرح واللهِ! ما فارقنا منذ غَلَسٍ، يرمينا حتى انتزع كلَّ شيءٍ من أيدينا، قال: فليَقُمْ إليه نفرٌ منكم أربعةٌ، قال: فَصَعِدَ إليَّ منهم أربعة في الجَبلِ، قال. فلما أمكنُوني من الكَلامِ، قال: قلت: هل تعرِفُونني (٦) قالوا: لا، ومن أنت؟، قلتُ: أنا سلمة بن الأكوعِ والذي كرَّم وجْهَ محمد ﷺ لا أطلُبُ رجلًا منكم إلا أدركتُهُ يطلبُنى (٧) فيدركني، قال أحدهم: أنا أظنُّ، قال: فرجعوا قال: فما برحتُ مكاني حتى رأيتُ فوارِسَ رسول الله ﷺ يتخلَّلُون الشجر، قال: فإذا أولهم الأخْرمُ الأسديُّ على إثْرِهِ

стр. 564

أبو قَتَادةَ الأنصاريُّ وعلى إثرهِ المقدَادُ بن الأسودِ الكِنديُّ، قال: فأخذتُ بِعِنَانِ الأخْرَمِ قال: فولَّوا مُدبرين، قلت: يا أخرمُ احذَرْهُم لا يقتطِعُونك (١) حتى يلحق رسول الله ﷺ وأصحابُهُ. قال: يا سلمةُ إن كنت تؤمِنُ بالله واليوم الآخر وتعلَمُ أن الجنَّةَ حقٌّ والنَّارَ حقٌّ فلا تَحُلْ بيني وبين الشهادة، قال: فخلَّيْتهُ فالتقى هو وعبد الرحمن، قال: فَعَقَر بعبد الرحمن فَرَسَهُ وطعنَهُ عبد الرحمن فَقَتَلهُ وتحَوّلَ على فرسِهِ ولَحِقَ أبو قتادة فارِسُ رسُولِ الله ﷺ بعبدِ الرحمن فطعنه فقتَلَهُ فوالذي كَرّمَ وجْهَ محمد ﷺ لتبعتُهُمْ أعْدو على رجِلَيَّ حتى ما أرى ورائي من أصحاب محمد ﷺ ولا غُبَارِهم شيئًا حتى يعدِلُوا قبل غُرُوب الشمس إلى شِعبِ فيهِ ماءٌ يقالُ لَهُ ذُو قَرَدٍ (٢) ليشرَبُوا منه وهم عِطَاشٌ، قال: فنظرُوا إليَّ أَعدُو وراءَهم فحلأتهم عنهُ (يعني أجليتهم) (٣) فما ذاقوا منه قطرةً، قال: ويخرجون فيشتدُّون في ثنيةٍ قال: فَأعْدُو فألَحقُ رجلًا منهم، فأصكُّهُ بسهمٍ في نُغُضِ كَتِفِهِ، قلتُ: خُذْهَا وأنا ابن أكوع، واليوم يوم الرضع قال: يا ثكِلَتْهُ أُمُّهُ! أكوَعُهُ بُكْرَةَ (٤)، قال: قلت: نعم يا عدوَّ نفسِهِ! أكوعُكَ بُكْرةَ، وأردوا فرسين على ثنيةٍ، قال: فجئت بهما أسوقهما إلى رسُولِ الله ﷺ قال: ولَحِقَنِي عامر بسطِيحةٍ فيها مَذْقة من لبن وسطيحةٍ فيها ماءٌ، فتوضأتُ وشربتُ، ثم أتيتُ رسول الله ﷺ وهو على الماء الذي حَلأتُهُمْ عنه (٥)، فإذا رسول الله ﷺ قد أخذ تلك الِإبل وكل شيء استنقذْتُهُ من المشركين وكلَّ رُمْحٍ وبُرْدَة، وإذا بلال

стр. 565

قد نَحَرَ ناقةً من تلك (١) الإبل التي (٢) استنَقذْتُ من القوم، وإذا هو يشوي لرسُولِ الله ﷺ من كَبِدِها وسَنَامها، قلتُ: يا رسول الله! خَلِّنِى فأنتخِبُ من القوم مِائَةَ رجُلٍ فأتبعُ القومَ، فلا يبقى منهم مُخبِرٌ إلا قتلتُهُ، قال: فضحك رسول الله ﷺ حتى بَدَتْ نواجِذُهُ في ضوءِ النار ققال: "يا سلمةُ! أتراكَ كنت فاعِلًا؟ " قلتُ: نعم والذي أكرمَكَ. قال: "إنَهُمُ الآن ليُقْرَوْنَ في أرض غَطَفَانَ" فجاء رجلٌ من غطفان فقال: نَحَرَ لهمُ فلانٌ جَزُورا، فلمَّا كشفُوا جِلْدَهَا رأوا غُبارًا، فقالوا: أتاكُمُ القومُ، فخرجُوا هاربين، فلما أصبحنا قال رسول الله ﷺ : "كان خير فُرسَانِنَا (٣) أبو قتادة، وخيرَ رَجَّالَتِنَا سلمةُ" ثم أعطاني رسول الله ﷺ سهمينِ: سهمُ الفارس وسهمُ الرَّاجِلِ، فجمعهُما لِى جميعًا، ثُمَّ أردفني رسول الله ﷺ وراءَهُ على العَضْبَاءِ راجِعينَ إلى المدينةِ. قال: فبينما نحنُ نسِيرُ، قال: وكان رجُل من الأنصارِ لا يُسْبَقُ شَدًّا (٤)، قال: فجعل يقولُ: ألا مُسَابِقٌ إلى المدينةِ؟ هل من مسابقٍ؟ فجعل يُعِيدُ ذلك، فلمَّا سمعتُ كَلاَمَهُ قلتُ: أما تُكْرِمُ كريمًا، ولا تَهَابُ شَرِيفًا؟ قال: لاَ. إلَّا أنْ يكُونَ رسول الله ﷺ ، قلتُ: يا رسول اللهِ بأبي أنت (٥) وأميِّ، ذرني فَلأسْبِقَ (٦) الرجل، قال: "إِنْ شِئْتَ" قلتُ: اذْهَبْ إلَيْكَ، وِثنيتُ رِجليَّ فظفرتُ فَعَدَوتُ قال: فربطتُ عليهِ شَرَفًا أو شرفينِ أسْتَبْقِي نَفسِي (٧) ثمَّ إني (٨) عدوت في إِثْرِهِ فَرَبَطتُ عليهِ شَرَفًا أو شرفين، ثمَّ إنِّي دفعتُ
следующие страницы →