← Книги сунны

Книги сунны · id 17729

الأحكام الصغرى

عبد الحق الإشبيلي

Полный текст (909 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

قال: فقعد رسول الله ﷺ على جبا الرَّكيَّةِ (١)، فإما دعا، وإمَّا بصق (٢) فيها فجاشَتْ فسقينا واستقينا، ثم إنَّ رسول الله دعا (٣) للبيعة في أصل الشجرة، قال: فبايعتُهُ أوَّلَ الناسِ، ثم بايع وبايع حتى إذا كان في وسطٍ من النَّاسِ قال: "بايع. يا سلمةُ" قال: قلتُ: قد بايعتُكَ يا رسُولَ اللهِ في أولِ النَّاس، قال: "وأيضًا" ورآني رسُولُ الله عَزِلًا (يعني ليس مَعَه سلاح) قال: فأعطاني رسُولُ الله ﷺ حَجَفَةً أو دَرَقَةً (٤) ثم بايع حتى إذا كان في آخِر الناس، قال: "ألا تبايعُني يا سلمة؟ " قال: قلت: قد بايعتُكَ يا رسُولَ الله في أوَّلِ النَّاس، وأوسَطِ الناس، قال: "وأيضًا" فبايعتهُ الثالثة، ثم قال لي: "يا سلمةُ أين حجفتُك أو دَرَقَتُك التي أعطيتُك؟ " قال: قلتُ: يا رسُولَ الله! لقيني عَمِّي عامِرٌ عَزِلًا، فأعطيتُهُ إيَّاهَا، قال فضحِكَ رسول الله ﷺ وقال: "إنك كالذي قال الأوَّلُ: اللهم أبغنِي حبيبًا هو أحبُّ إليّ من نفسي"، ثم إنَّ المشركين راسَلُونا الصُّلْحَ حتى مشى بعضُنا في بعض، واصطلحنا، قال: وكنت تَبِيعًا لِطَلْحةَ بن عبيد الله أسْقي فَرَسَهُ وأحُسُّهُ وأخدُمُهُ وآكل طعامه، وتركتُ أهلي ومالي مهاجرًا إلى الله ورسولهِ قال: فلما اصطلحنا نحن وأهل مكة، واختلط بعضنا ببعضٍ أتيت شجرة فكسحتُ شوكها، فاضجعتُ في أصلها قال: فأتاني أربعةٌ من المشركين من أهلِ مكة، فجعلوا يقعون في رسُولِ الله ﷺ ، فأبغضتُهُم، وتحولتُ إلى شجرةٍ أخرى وعلَّقوا سلاحَهُم واضطجعوا. فبينما هم كذلك إذ نادى منادٍ من أسفل الوادي: يا للمُهاجرين قُتِلَ ابن زُنَيْمٍ، فاخترطتُ سيفىٍ ثمَّ شددتُ على أولئك الأربعةِ وهم رُقودٌ وأخذتُ سلاحهم وجعلتها (٥) ضغثًا في يَدِي، ثم قلتُ: والذيِ كرَّم وجْهَ محمدٍ - صلى الله

стр. 562

عليه وسلم - لاَ يرفَعُ أحدٌ منكم رأسَهُ إلا ضربْتُ الذي فيهِ عَيْنَاهُ قال: ثم جئْتُ بهم أسوقُهُم إلى رسول الله ﷺ ، قال: وجاء عمِّي عامر برجل من العَبَلَاتِ يُقال له مِكْرَزٌ يقودُهُ إلى رسُولِ الله ﷺ على فرس مجقف (١) في تسعين (٢) من المشركين فنظر إليهم رسول الله ﷺ فقال: "دعوهُمْ ليكون (٣) لهم بدءُ الفجور وثنَاهُ" فعفا عنهم رسول الله ﷺ وأنزل الله ﴿وهو الذي كفَّ أيديهم عنكم وأيديَكُم عنهم ببطنِ مكة من بعد أن أظفركُمْ عليهم﴾. الآية كلها. قال: ثم خرجنا راجعين إلى المدينةِ، فنزلنا منزلا بيننا وبين بني لَحْيانَ جَبَلٌ، وهم المشركون فاستغفر رسول الله ﷺ لمن رقى هذا الجبَلَ الليلةَ، كأنَّهُ طليعةٌ للنبي ﷺ وأصحابِهِ قال سلمةُ: فرقيتُ تلك الليلةَ مرتين أو ثلاثًا، ثم قدمنا المدينة فبعَثَ رسُولُ الله ﷺ بظهرِهِ مع رباحٍ غُلامِ رسُولِ الله ﷺ وأنا معهُ وخرجتُ بفرسِ طلحة (٤) أندِّيهِ مع الظهر فلما أصبحنا إذا عبد الرحمن الفزاري قد أغار على سرح (٥) رسول الله ﷺ فاستَاقَهُ أجْمَعَ وقتلَ راعِيهُ قال: فقلت: يا ربَاحُ خُذْ هذا الفرس فأبلِغْهُ طلحةَ بن عَبيدِ الله وأخبر رسول الله ﷺ أن المشركين قد أغاروا على سَرْحِهِ، قال: ثم قمتْ على أكمةٍ فاستقبلتُ المدينةَ فناديتُ ثلاثًا: يا صَبَاحاهْ، ثم خرجت في أثر (٦) القوم أرْميهِمْ بالنَّبْلِ وأرتجز أقولُ: أنا ابن الأكوع ... واليوم يومُ الرُّضَّعِ

стр. 563

فألحقُ رجُلًا منهم فَأصُكه (١) سهمًا في رَحْلِهِ حتى خَلَصَ نصْلُ السهْم إِلى كَتِفِهِ، قال: قلتُ: خذها و: أنا ابن الأكوع ... واليوم يومُ الرُّضَّعِ قال: فواللهِ مازلت أرميهم وأعْقِرُ بهم فإذا رجع إليَّ فَارِسٌ أتيتُ شجرةً فجلست في أصلها ثم رميتُهُ فعقرتُ بِهِ حتى إذا تضايق الجبَلُ فدخلوا في تضايُقِهِ علوتُ الجبل فجعلتُ أرميهم (٢) بالحجارةِ قال: فما زلتُ كذلك أتبعُهُمْ حتى ما خلق الله من بعير من ظَهرِ رسول الله ﷺ إلا خلفته وراء ظهري، وخلوا بينى وبينَهُ ثم اتبعتهم أرميهم حتى ألقوا أكثر من ثلاثين بُرْدَةً وثلاثين رُمحًا يستخِفُّونَ ولا يطرَحُونَ شيئًا إلا جعلتُ عليه آرامًا (٣) من حجارة يعرِفُها رسول الله ﷺ وأصحابه حتى أتوا متضايقًا من ثنيةٍ فإذا هم قد أتاهم فلان بن بدرٍ الفزاري فجعلوا (٤) يَتضحَّونَ (يعني يتغَدَّوْنَ) وحبست (٥) على رأس قرنٍ، قال الفزاريُّ: ما هذا الذي أرى؟ قالوا: لقينا من هذا البرح واللهِ! ما فارقنا منذ غَلَسٍ، يرمينا حتى انتزع كلَّ شيءٍ من أيدينا، قال: فليَقُمْ إليه نفرٌ منكم أربعةٌ، قال: فَصَعِدَ إليَّ منهم أربعة في الجَبلِ، قال. فلما أمكنُوني من الكَلامِ، قال: قلت: هل تعرِفُونني (٦) قالوا: لا، ومن أنت؟، قلتُ: أنا سلمة بن الأكوعِ والذي كرَّم وجْهَ محمد ﷺ لا أطلُبُ رجلًا منكم إلا أدركتُهُ يطلبُنى (٧) فيدركني، قال أحدهم: أنا أظنُّ، قال: فرجعوا قال: فما برحتُ مكاني حتى رأيتُ فوارِسَ رسول الله ﷺ يتخلَّلُون الشجر، قال: فإذا أولهم الأخْرمُ الأسديُّ على إثْرِهِ

стр. 564

أبو قَتَادةَ الأنصاريُّ وعلى إثرهِ المقدَادُ بن الأسودِ الكِنديُّ، قال: فأخذتُ بِعِنَانِ الأخْرَمِ قال: فولَّوا مُدبرين، قلت: يا أخرمُ احذَرْهُم لا يقتطِعُونك (١) حتى يلحق رسول الله ﷺ وأصحابُهُ. قال: يا سلمةُ إن كنت تؤمِنُ بالله واليوم الآخر وتعلَمُ أن الجنَّةَ حقٌّ والنَّارَ حقٌّ فلا تَحُلْ بيني وبين الشهادة، قال: فخلَّيْتهُ فالتقى هو وعبد الرحمن، قال: فَعَقَر بعبد الرحمن فَرَسَهُ وطعنَهُ عبد الرحمن فَقَتَلهُ وتحَوّلَ على فرسِهِ ولَحِقَ أبو قتادة فارِسُ رسُولِ الله ﷺ بعبدِ الرحمن فطعنه فقتَلَهُ فوالذي كَرّمَ وجْهَ محمد ﷺ لتبعتُهُمْ أعْدو على رجِلَيَّ حتى ما أرى ورائي من أصحاب محمد ﷺ ولا غُبَارِهم شيئًا حتى يعدِلُوا قبل غُرُوب الشمس إلى شِعبِ فيهِ ماءٌ يقالُ لَهُ ذُو قَرَدٍ (٢) ليشرَبُوا منه وهم عِطَاشٌ، قال: فنظرُوا إليَّ أَعدُو وراءَهم فحلأتهم عنهُ (يعني أجليتهم) (٣) فما ذاقوا منه قطرةً، قال: ويخرجون فيشتدُّون في ثنيةٍ قال: فَأعْدُو فألَحقُ رجلًا منهم، فأصكُّهُ بسهمٍ في نُغُضِ كَتِفِهِ، قلتُ: خُذْهَا وأنا ابن أكوع، واليوم يوم الرضع قال: يا ثكِلَتْهُ أُمُّهُ! أكوَعُهُ بُكْرَةَ (٤)، قال: قلت: نعم يا عدوَّ نفسِهِ! أكوعُكَ بُكْرةَ، وأردوا فرسين على ثنيةٍ، قال: فجئت بهما أسوقهما إلى رسُولِ الله ﷺ قال: ولَحِقَنِي عامر بسطِيحةٍ فيها مَذْقة من لبن وسطيحةٍ فيها ماءٌ، فتوضأتُ وشربتُ، ثم أتيتُ رسول الله ﷺ وهو على الماء الذي حَلأتُهُمْ عنه (٥)، فإذا رسول الله ﷺ قد أخذ تلك الِإبل وكل شيء استنقذْتُهُ من المشركين وكلَّ رُمْحٍ وبُرْدَة، وإذا بلال

стр. 565

قد نَحَرَ ناقةً من تلك (١) الإبل التي (٢) استنَقذْتُ من القوم، وإذا هو يشوي لرسُولِ الله ﷺ من كَبِدِها وسَنَامها، قلتُ: يا رسول الله! خَلِّنِى فأنتخِبُ من القوم مِائَةَ رجُلٍ فأتبعُ القومَ، فلا يبقى منهم مُخبِرٌ إلا قتلتُهُ، قال: فضحك رسول الله ﷺ حتى بَدَتْ نواجِذُهُ في ضوءِ النار ققال: "يا سلمةُ! أتراكَ كنت فاعِلًا؟ " قلتُ: نعم والذي أكرمَكَ. قال: "إنَهُمُ الآن ليُقْرَوْنَ في أرض غَطَفَانَ" فجاء رجلٌ من غطفان فقال: نَحَرَ لهمُ فلانٌ جَزُورا، فلمَّا كشفُوا جِلْدَهَا رأوا غُبارًا، فقالوا: أتاكُمُ القومُ، فخرجُوا هاربين، فلما أصبحنا قال رسول الله ﷺ : "كان خير فُرسَانِنَا (٣) أبو قتادة، وخيرَ رَجَّالَتِنَا سلمةُ" ثم أعطاني رسول الله ﷺ سهمينِ: سهمُ الفارس وسهمُ الرَّاجِلِ، فجمعهُما لِى جميعًا، ثُمَّ أردفني رسول الله ﷺ وراءَهُ على العَضْبَاءِ راجِعينَ إلى المدينةِ. قال: فبينما نحنُ نسِيرُ، قال: وكان رجُل من الأنصارِ لا يُسْبَقُ شَدًّا (٤)، قال: فجعل يقولُ: ألا مُسَابِقٌ إلى المدينةِ؟ هل من مسابقٍ؟ فجعل يُعِيدُ ذلك، فلمَّا سمعتُ كَلاَمَهُ قلتُ: أما تُكْرِمُ كريمًا، ولا تَهَابُ شَرِيفًا؟ قال: لاَ. إلَّا أنْ يكُونَ رسول الله ﷺ ، قلتُ: يا رسول اللهِ بأبي أنت (٥) وأميِّ، ذرني فَلأسْبِقَ (٦) الرجل، قال: "إِنْ شِئْتَ" قلتُ: اذْهَبْ إلَيْكَ، وِثنيتُ رِجليَّ فظفرتُ فَعَدَوتُ قال: فربطتُ عليهِ شَرَفًا أو شرفينِ أسْتَبْقِي نَفسِي (٧) ثمَّ إني (٨) عدوت في إِثْرِهِ فَرَبَطتُ عليهِ شَرَفًا أو شرفين، ثمَّ إنِّي دفعتُ

стр. 566

حتى ألْحَقَهُ، قال: فَأصكُّهُ بين كَتِفَيْهِ قال: قلتُ: قد سُبِقْتَ واللهِ، قال: أنا أظُنُ. قال: فسبقتُهُ إلى المدينهِ، قال: فواللهِ ما لبثنا ثلاثَ ليالٍ حتى خرجنا إلى خيبرَ مع رسول الله ﷺ قال: فجعل عمِّي يرتجز بالقوم: تاللهِ لولا اللهُ ما اهتدينا ... ولا تصدَّقنا ولا صلينا ونحنُ عن فضلكِ ما استغنينَا ... فثبِّت الأقدامَ إن لاقينا وأنزلَنْ سكينةً علينا فقال رسول الله ﷺ : "من هذا؟ " قال: أنا عامِرٌ، قال: "غَفَرَ لَكَ ربُّك" قال: وما استغفر رسولُ الله ﷺ لِإنْسَانٍ يخصُّه إلا استُشْهِدَ. قال: فنادَى عمَرُ بن الخطاب وهو على جملٍ لَهُ: يا نَبِيَّ اللهِ! لولا (١) متعتنا بعامرٍ، قال: فلمَّا قَدِمنا خيبر خرج مَلِكُهُمْ مَرْحَبٌ يخطِرُ بسيفِهِ يقولُ: قد عَلِمَتْ خيبرُ أنِّي مَرْحَبُ ... شاكي السِّلاَحِ بطل مُجَرَّبُ إذا الحرُوبُ أقبَلَتْ تَلَهّبُ قال: وبَرَزَ لَهُ عمِّي عامرٌ فقال: قد علمت خيبرُ أنِّي عَامِرٌ ... شاكِي السِّلاَحِ بَطَلٌ مُغَامِرٌ قال: فاختلفا ضَرْبَتَيْنِ فَوَقَعَ سيفُ مَرْحَب في تُرْسِ عَامِرٍ وذهب عامِرٌ يَسْفُلُ لَهُ فرجع سيفُهُ على نفسِهِ فَقَطَعَ أكْحَلَهُ وكانت فيها نفسُهُ. قال سلمةُ: فخرجتُ فإذا نفرٌ من أصحابِ النبي ﷺ يقولُون: بطَلَ عَمَلُ عامرٍ فقتل نَفْسَهُ، فأتيتُ رسول الله ﷺ وأنا أبكِي فقلتُ: يا رسُول الله! بَطَلَ عمَلُ عامِرٍ؟، قال: قال رسول الله ﷺ : "من قال ذاك (٢)؟ " قلتُ: ناسٌ من أصحابِكَ قال:

стр. 567

"كَذَبَ من قال ذلِكَ، بل لَهُ أجرُهُ مرتينِ" ثم أرسلَنى إلى عَلي وهو أرْمَدُ، فقال: "لأعطينَّ الرايةَ رجُلًا يحبُّ اللهَ ورسولَهُ، ويحبهُ (١) اللهُ ورسولُهُ" قال: فأتيتُ عليًّا فجئتُ به أقودُهُ وهو أرْمَدُ حتى أتيتُ بِهِ رسُولَ الله ﷺ فبصق (٢) في عينيه فَبَرَأ وأعطاه الرَّايةَ وخرج مَرْحَبٌ فقال: قد علمت خيبرُ أنِّي مَرْحَبُ ... شاكِي السِّلاَحِ بطلٌ مُجرَّبُ إذا الحروبُ أقبلتْ تلهَّبُ قال عليٌّ رضى الله عنه: أنا الذي سمتني أمى حَيدَرَهْ ... كليثِ غابات كريه المنظره أوفِيهِمُ بالصَّاعِ كيل السَّنْدَرَهْ قال: فَضَرَبَ رأْسَ مَرْحَبٍ فَقَتَلَهُ وكان الفتح على يديهِ. وعند البخاري (٣) في هذا الحديث - ولم يذكره بكماله - قلت: يا نبي الله! قد حميتُ القومَ الماء وهم عطاش، فابعث إليهم الساعة، قال: فقال: "يا ابن الأكوع ملكت فأسْجح (٤) ". مسلم (٥)، عن عَبد الله بن عمرو قال: حَاصَرَ رسُولُ اللهِ ﷺ أهْلَ الطَّائِفِ فَلَمْ ينل منهم شيئًا، فقال: "إنَّا قَافِلُونَ إن شاء الله" قال أصحابُهُ: نَرْجِعُ ولم نفتَتِحْهُ فقال لهم رسول الله ﷺ : "اغْدُوا على القِتَالِ" فغَدَوْا عليهِ فأصابتهم (٦) جِرَاحٌ، فقال لهم رسول الله ﷺ : "إنَّا قَافِلُون غدًا" فأعجَبَهُم ذلك، فضحك رسُولُ الله ﷺ .

стр. 568

- باب قتل كعب بن الأشرف - مسلم (١)، عن سفيان بن عُيينة، عن عمرو بن دينار قال: سمعتُ جابرًا يقول: قال رسول الله ﷺ : "من لِكَعْبِ بن الأشرفِ؟ فإنَّهُ قد آذى اللهَ ورسولَهُ" قال محمد بن مسلمة: يا رَسولَ اللهِ! أتُحِبُّ أن أقتُلَهُ؟ قال: "نعم" قال: ائْذَنْ لي فلأقلْ. قال: "قُل" فأتَاهُ فقال لَهُ، وذكر ما بينهم (٢)، وقال: إنَّ هذا الرجل قد أراد صدقة وقد عَنَّانَا، فلمَّا سَمِعَهُ قال: وأيضًا، واللهِ لتملُنَّهُ، قال: إنَّا قد اتَبّعْنَاهُ الآنَ ونكرَهُ أن نَدَعَهُ حتى ننظر إلى أي شيءٍ يصير أمرُهُ وقد أردْتُ أن تُسْلِفَني سلفًا، قال: فما ترهن؟ ترهن نساءكم (٣)؟ قال: أنتَ أجملُ العربِ، أنرهَنُك (٤) نساءَنَا؟ قال: أترهنوني (٥) أولادكم قال: يُسَبُّ ابنُ أحَدِنَا فيُقَالُ: رُهِنَ في وَسْقَينِ من تمرٍ ولكن نرهَنُك اللأمَةَ (يعني السِّلاح) قال: فنعمْ، وواعَدَه أن يأتِيَهُ بالحارث وأبي عَبْسِ بن جَبْرٍ وعبَّاد بن بشرٍ، قال: فجاءوا فدعوْه ليلًا، فنزلَ إليهم، قال سفيان: قال غيرُ عمرو: قالَتِ (٦) امرأتُهُ: إني لأسمع صوتًا كأنَّهُ صوتُ دمٍ قال: إنمَّا هذا محمَّد (٧) ورضيعُهُ وأبو نائِلَةَ إنَّ الكريم لو دُعِيَ إلى طعنةٍ ليلًا لأجَابَ، قال محمد: إنِّي إذا جاء فسوفَ أمدُّ يَدِي إلى رَأسِهِ فإذا استمكَنْتُ مِنْهُ فَدُونَكمْ، قال: فلما نَزَلَ، نَزَلَ وهو مُتَوشِّحٌ فقالوا: نجِدُ منْكَ ريحَ الطيبِ، قال: نعم، تحتى فُلاَنَةُ هي أعطرُ نساءِ العربِ قال: فَتَأذْنُ لِي أن أشُمَّ منهُ، قال: نعم، فشُم، فتناولَ فشمَّ، تم قال: أتأذن لِي أن أعُودَ؟ قال: فاستمْكَنَ من رأسِهِ، ثم قال: دُونَكُم، قال: فقتلُوهُ.

стр. 569

- باب في الغنائم وقسمتها - مسلم (١)، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "فُضِّلْتُ على الأنبياء بست: أعِطيتُ جوامع الكَلِمِ، ونصرت بالرُّعْبِ، وأُحِلَّتْ لِيَ الغنائِم، وجعلت لي الأرضُ مسجدًا وطهورًا (٢)، وأُرسلتُ إلى الخلق كافةَ، وخُتِمَ بِيَ النَّبيُّونَ". وعن ابن عباس (٣) قال: حدثني عمر بن الخطاب قال: لمَّا كان يومُ بدرٍ نَظَرَ رسُولُ الله ﷺ إلى المشركين وهم ألفٌ وأصحابُهُ ثلاث مئة وتسعةَ عشرَ رجلًا، فاستقبلَ نبِيُّ الله ﷺ القبلة، ثم مَدَّ يديه فجعل يهتِفُ بربِّهِ: "اللهم أنجِزْ لي ما وعدتنى، اللهم آت ما وعدتني (٤)، اللهم إن تهللث هذه العصابَةُ من أهلِ الِإسلامِ لا تُعْبَدُ في الأرضِ" فما زالَ يهتف بربه، مادًّا يديه مستقبل القبلة حتى سقط رداوهُ عن منكبيهِ، فأتَاهُ أبو بكرٍ فأخذ رداءَهُ فألقَاهُ على منكَبيهِ، ثم التزمَهُ من ورائِهِ وقال: يا نَبِيَّ الله كفاك (٥) مُناشدتَك ربكَ فإنَّهُ سينجزُ لَكَ ما وَعَدَكَ، فأنزل الله : ﴿إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكَم أني ممدكم بألفٍ من الملاِئكَةِ مُردِفِين﴾ فأمدَّه اللهُ بالملائكةِ. قال ابن عباس: بينما رجُلٌ من المسلمين يومئذٍ يشتَدُّ في أثرِ رجُل من المشركين أمامَهُ إذ سَمِعَ ضربةً بالسَّوطِ فوقَهُ وصوتَ الفارِسِ أقْدِمْ حيزُون (٦)، فنظر إلى المشرِكِ أمَامَهُ فخرَّ مستلقيًا، فنظر إليه، فإذ هو قد خُطِمَ أنفهُ (٧)،

стр. 570

وشُقَّ وجهُهُ كضربةِ السَّوطِ، فاخضرَّ ذلك أجمعُ فجاء الأنصاري، فحدَّثَ ذلك (١) رسول الله ﷺ فقال: "صَدَقْتَ، ذلك من مَدَدِ السماءِ الثالثةِ". فقتَلُوا يومئذٍ سبعين وأسروا سبعينَ. قال ابن عباس: فلما أسَرُوا الأسرى قال رسول الله ﷺ لأبي بكرٍ وعمر: "ما ترون في هؤلاءِ الأسرى (٢)؟ " قال أبو بكر: يا رسول الله! هم بنُو العمِّ والعشيرةِ أرى أن تأخُذ منهم فِديةً فتكونُ لنا قوةً على الكفار فعسى الله أن يَهديَهُم للإِسلامِ، فقال رسول الله ﷺ : "ما ترى؟ يا ابنَ الخطاب؟ " قلتُ: لا واللهِ يا رسُولَ اللهِ، ما أرى الذي رأى أبو بكرٍ ولكني أرى أنْ تُمَكِّنَّا فنضرِبَ أعناقَهُمْ فتُمكن عليًا من عقيل فيضرب عُنُقَهُ، وتمكِّنِّي (٣) من فلانٍ (نسيب لعمر) فأضرب عنقَهُ، فإن هؤلاء أئمَّةُ الكفرِ وصناديدُهَا فَهَوِيَ رسول الله ﷺ ما قال أبو بكرٍ، ولم يهو ما قلتُ فلمَّا كان من الغد جِئْتُ فإذا رسول الله ﷺ وأبو بكرٍ قاعدين يبكيَانِ، قلتُ: يا رسول الله! أخبرني من أي شيءٍ تبكي أنت وصاحبُك، فإن وجدتُ بُكاءً بكيتُ، وإن لم أجد بُكاءً تباكيتُ (٤)، فقال رسول الله ﷺ : "أبكي للذي عَرَضَ عليَّ أصحابُكَ من أخذِهِمُ الفِدَاءَ، لقد عُرِضَ عليَّ عذابُهُم أدنى من هذِهِ الشجرةِ" (شجرة قريبة من رسول الله ﷺ ) فأنزل الله ﴿ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يُتخِنَ في الأرض﴾ إلى قوله ﴿فكلُوا مما غنمتم حلالا طيبًا﴾ فأحل اللهُ الغنيمةَ لَهُمْ.

стр. 571

وعن أبي هريرة (١)، عن رسول الله ﷺ قال: "غَزَا نبيٌّ من الأنبياءِ، فقال لقومِهِ: لا يَتْبَعْنِي رجُلٌ قد ملك بُضْعَ امرأةٍ وهو يريد أن يبني بها، ولمَّا يَبْنِ، ولا أحَد (٢) قد بني بُنيانًا، ولم (٣) يرفع سُقُفَهَا، ولا أحد (٤) قد اشترى غنمًا أو خَلِفَاتٍ (٥) وهو مُنتظِرٌ وَلَادَهَا، قال فغزا فأدنى للقرية حين صلاةِ العصْرِ أو قريبًا من ذلك، فقال للشَّمس: أنتِ مأمورةٌ وأنا مأمور، اللهم احبِسْهَا عليَّ شيئًا، فحُبسَتْ عليْهِ حتى فَتَح اللهُ عليه، قال فجمعوا ما غَنِمُوا، فأقبَلَتِ النَّارُ لتأكله فَأبَتْ أن تطعَمَهُ، فقال: فيكم غُلُولٌ فليبايِعنى من كُلِّ قَبيلةٍ رجُلٌ فبايعُوهُ، فَلَصِقَتْ يدُ رجلٍ بيدِهِ، فقال: فيكم الغُلُولُ، فلتُبايِعْني قبيلتُكَ، فبايعَتْهُ قبيلته (٦)، قال: فَلَصق (٧) بيد رجُلينِ أو ثلاثةٍ، فقال: فيكم الغُلُولُ، أنتم غللتُمْ فأخرجوا لَهُ مِثْلَ رأسِ بقرةٍ من ذهبٍ، قال: فوضعُوهُ في المَالِ وهو بالصعيد، فأقبلَتِ النَّارُ فأكلتْهُ، فلم تحِلَّ الغنائِمُ لأحدٍ من قبلِنا، ذلك بأن الله رأى ضعفنا وعجْزنَا فطيَّبَهَا لَنَا". وعنه (٨) قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى خيبر فَفَتَحَ اللهُ علينا، فلم نَغْنَم ذهبًا ولا وَرِقًا، غنمنا المتاع والطَّعَامَ والثياب، ثم انطلقنا إلى الوادِي، ومع رسُولِ الله ﷺ عبدٌ لَهُ وَهَبَهُ لَهُ رجلٌ من جُذَام يُدعى رفاعةَ بن زيدٍ من بني الضُّبيْبِ، فلما نزلنا الوادِي قام عبدُ رسُولِ الله ﷺ يَحُلُّ رَحْلَهُ، فرُمِيَ بسهمٍ فكان فيه حتفُهُ فقلنا: هنيئًا لَهُ

стр. 572

الشهادَةُ يا رسول الله، قال رسُولُ الله ﷺ : "كلا والذي نفسُ محمد بيدِهِ، إن الشَّمْلَةَ لتلتَهِبُ عليه نارًا أخذها من الغنائِمِ يوم خيْبَر لم تُصِبْهَا المقاسِمُ" قال: ففزعَ الناس، فجاء رجل بِشِرَاكٍ أو شِراكَيْنِ فقال: يا رسُولَ الله أصبتُ يوم خيبَرَ، فقال رسول الله ﷺ : "شراكٌ من نارٍ أو شراكَانِ من نارٍ". اسم الغلام: مِدْعَمٌ. وعنه (١) قال: فبينا رسُولُ الله ﷺ (٢) فذكَرَ الغُلُول فعظَّمَهُ وعظَّمَ أمْرَهُ ثم قال: "لا أُلْفِيَنَّ أحَدَكُمْ يَجِيءُ يومَ القيامةِ على رقبتِهِ بعيرٌ له رُغَاءٌ (٣) يقولُ: يا رسول الله أغثنِي فأقولُ: لا أملِكُ لَكَ شيئًا قد أبلغتُكَ، لا ألْفِيَن أحَدَكُمْ يَجِيءُ يومَ القيامَةِ على رقبتِهِ فرسٌ لهُ حمحمةٌ (٤) فيقولُ: يا رسول الله! أغثنِي، فأقولُ: لا أملكُ لَكَ شيئًا قد أبلغتُكَ، لا أُلْفِيَنَّ أحَدَكُمْ يجيءُ يوم القيامةِ على رقبتِهِ شاةٌ لها ثُغَاءٌ (٥) يقولُ: يا رسول الله! أغثنِي، فأقول: لا أملِكُ لَكَ شيئًا قد أبلغتُكَ، لا أُلْفِيَنَّ أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبتِهِ لَفْسٌ لها صياحٌ (٦) فيقول: يا رسول الله! أغثنِى، فأقول: لا أملك لك شيئًا قد أبلغتك، لا أُلفِيَنَّ أحدَكم يجيء يوم القيامةِ على رقبته رقاعٌ (٧) تخفِق، فيقولُ: يا رسُول الله! أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئًا قد أبلغتُكَ، لا أُلْفِيَنَّ أحدَكم يجئُ (٨) يوم القيامةِ على رقبته صامِتٌ (٩)، فيقول: يا رسول الله! أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئًا قد أبلغتُكَ".

стр. 573

البخاري (١)، عن ابن عمر أنَّ رسول الله ﷺ جَعَلَ للفرَسِ سهمين ولصاحِبِهِ سهمًا. أبو داود (٢)، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ أسْهَمَ لرجل ولفرسه، ثلاثة أسهم، سهمًا له ولفرسه سهمين (٣). مسلم (٤)، عن أبي موسى الأشعري، وذكر هجرته وقدومه مع جعفر من أرض الحبشة، قال: فَوَافَقْنَا رسُولَ الله ﷺ حين افتَتَحَ خيبرَ، فأسْهَمَ لَنَا، أو قال: أعطَانَا منها وما قَسَمَ لأحَدٍ غَابَ عن فتحِ خيبر منها شيئًا، إلا لِمَنْ شَهِدَ معه إلا لأصحاب سفينتنا مع جعفرٍ وأصحابه قسم لهم معهم. وذكر في هذا الحديث، أن النبي ﷺ -لله عليه وسلم - قال: "لكم (٥) أهل السفينة هجرتَانِ". البخاري (٦)، عن ابن عمر وذكر تغيُّبَ عثمان عن بدرٍ قال: كانت تحتهُ بنتُ رسُولِ الله ﷺ وكانت مريضةً فقال له رسول الله ﷺ : "إن لَكَ أجر رجُل ممن شهدَ بدرًا وسهمَهُ". مسلم (٧)، عن يزيد بن هرمز، عن ابن عباس أنه كتب إلى نجدة بن عامر الحروري: كتبتَ تسلني (٨) هل كان رسول الله ﷺ يغزُو

стр. 574

بالنساء؟ وقد كان يغزُو بهنَّ، فيُداوين الجرحى ويُحْذَيْنَ من الغنيمةِ، وأمَّا بسهم فلم يضربْ لهُن وإن رسُولَ الله ﷺ لم يكن يقتُلُ الصبيَانَ، فلا تقتُلِ الصبْيَانَ، وكتبتَ تسلني (١) متى ينقضي يُتْمُ اليَتيم؟، فلعمري إن الرَّجل لتنبُتُ لحيتُهُ وإنهُ لضعيفُ الأخذ بنفسهِ، ضعيفُ العطاءِ منها، فإذا أخذ لِنَفْسِهِ من صالح ما يأخُذُه (٢) الناس، فقد ذهب عنه اليُتمُ، وكتبت تسلني عن الخمس لمن هو؟ وإنا نقولُ: هو لنا، فأبى ذلك علينا قومنا (٣). وفي أخرى (٤)، وسألتَ عن المرأةِ والعَبْدِ هل كان لهما سهمٌ معلوم؟ بمثل ما قال في المرأة. الترمذي (٥)، عن عمير مولى آبي اللحم قال: شهدتُ خَيْبَرَ مع ساداتِي (٦) فكلَّمُوا فيَّ رسول الله ﷺ وكَلَّمُوهُ أنَي مملوكٌ، فأمرني فقُلِّدْتُ السيف فإذا أنا أجُرُّهُ فأمر لِي بشيء من خُرْتِيِّ المَتَاعِ (٧). قال: هذا حديث حسنٌ صحيحٌ. مسلم (٨)، عن عبد الله بن مغفل قال: أصبتُ جِرَابًا من شحْمٍ يوم خيبرَ قال: فالتزمتُهُ فقلتُ: لا أُعْطِي اليومَ أحدًا من هذا شيئًا، فالتفتُّ فإذا رسول الله ﷺ مُتَبَسِّمًا. البخاري (٩)، عن ابن عمر قال: كنَّا نُصِيبُ في مغازينا العَسَلَ والعِنَبَ

стр. 575

فنأكُلُهُ ولا نرفَعُهُ. أبو داود (١)، عن محمد بن أبي مجالد، عن عبد الله بن أبي أوفى قال: قلتُ: هل كنتم تخمسون -الطعام- في عهد رسول الله ﷺ ؟ قال: أصبنا طعامًا يوم خيبر فكان الرجلُ يجيءُ فيأخذ منه مقدار ما يكفيه ثم ينصرف. مسلم (٢)، عن رافع بن خديج قال: كُنَّا مع رسُولِ الله ﷺ بذِي الحُليفَةِ من تِهَامةَ، فأصبنا غنمًا وإبلًا فعجل القومُ فأغلوا بها القدور فأمر بها فكُفِئَتْ ثم عَدَلَ عشرًا من الغنم بجزورٍ. وعن أبي هريرة (٣)، قال: قال رسول الله ﷺ : "إيُّمَا قريةٍ أتيتُموها، وأقمتُمْ فيها فسهْمُكُمْ- فيها، وأيُّما قريةٍ عصتِ اللهَ ورسولَهُ فإن خُمُسَهَا للهِ ولرسولهِ ثم هِيَ لَكُمْ". البخاري (٤)، عن أسلمَ مولى عمر قال: قال عمر: لولا آخِرُ المسلمين ما فُتِحت قرية إلا قسمتُها بين أهلها (٥)، كما قسمَ رسول الله ﷺ خيبرَ. زاد النسائي، سهْمانا.

стр. 576

أبو داود (١)، عن بشير بن يسار مولى الأنصار (٢)، عن رجل (٣) من أصحاب النبي ﷺ ، أن النبي ﷺ لا ظهر على خيبر قسمها على ستة وثلاثين سهمًا، جمع كلّ سَهْم مائةَ سهم، فكان لرسول الله ﷺ وللمسلمين النصف من ذلك وعزل النصف الباقي لمن نزل به من الوفود والأمور ونوائب الناس. وعن ابن عمر (٤) قال: لما افتتحت خيبر سألت يهودُ رسولَ الله ﷺ أن يُقِرّهُمْ على أن يعملوا على النصف مما خرج منها، فقال رسول الله ﷺ : "نقركم (٥) فيها على ذلك ما شئنا" فكانوا على ذلك، وكان التمر يقسم على السُّهْمان من نصف خيبر، ويأخذ رسول الله ﷺ الخمس، وكان رسول الله ﷺ أطعم كل امرأة من أزواجه من الخمس مائة وسق تمرًا، وعشرين وسقًا شعيرًا، وذكر الحديث. وقد ذكره مسلم (٦) , إلا الخمس في الموضعين، وقسمته التمر على السهمان، فإنه لم يذكره. وذكر أبو داود (٧) أيضًا، عن عمر قال: كانت لرسول الله ﷺ ثلاث صفايا: بنو النضير، وخيبر، وفَدَك، فأما بنو النضير: فإنها كانت حُبُسًا لنوائبهِ، وأما فدك: فكانت حبسًا لأبناء السبيل، وأما خيبر: فجزأها

стр. 577

رسول الله ﷺ ثلاثة أجزاء: جزأين بين المسلمين، وجزءًا أنفقه لأهله، فما فَضَلَ عن نفقةِ أهلهِ جعلهُ بين الفقراء المهاجرين. مسلم (١)، عن عبد الرحمن بن عوف أنَّهُ قال: بينا أنا واقِفٌ في الصَّفِّ يوم بدر، إذ (٢) نظرت عن (٣) يميني وشِمَالي فإذا أنا بين غُلامينِ من الأنصارِ، حديثةٍ أسنانُهُما تمنيتُ لو كنتُ بين أضلَع مِنْهُمَا، فغمزَني أحدُهُما فقال: يا عمِّ! هل تعرِفُ أبا جهل قال: قلتُ: نعم، وما حاجَتُكَ إليهِ يا ابن أخي؟ قال: أُخْبِرْتُ أنَّهُ يسبُ رسُولَ الله ﷺ والذي نفسي بيدِهِ لَئِنْ رأيتُهُ لا يُفَارِقُ سوادِى سوادَهُ حتى يموتَ الأعْجَلُ مِنَّا، قال: فتعجَّبْتُ لذلك، قال: فغمزني الآخر فقال مثلها، فلم أنْشَبْ أن نظرتُ إلى أبي جهل يزُولُ في النًاسِ فقلتُ: ألا تريَانِ؟ هذا صاحِبُكُمَا الذي تسألانِ عَنْهُ، قال: فابتدَرَاهُ فضربَاهُ بسيفيهما، حتى قَتَلاهُ، ثم انصرفا إلى رسُولِ الله ﷺ فأخْبَرَاهُ فقال: "إيُّكما قَتَلَهُ؟ " فقال كلّ واحدٍ منهما: أنا قتلتهُ (٤)، فقال: "هل مسحتُما سيفيكُمَا؟ " قالا: لا، فنظر في السيفَيْنِ فقال: "كِلاكُمَا قَتَلَهُ" وقضى بسَلَبِهِ لِمُعاذِ بن عمرو بن الجموح (والرجلان: معاذ بن عمرو ابن الجموح ومعاذُ بن عفراء). وعن عوف بن مالك (٥)، قال: قتل رجلٌ من حِمْيَرَ رجُلًا من العدو، فأرَادَ سَلَبَهُ، فمنَعَهُ خالد بن الوليد وكان واليًا عليهم، فأتى رسُولَ الله ﷺ عوفُ بن مالكٍ فأخبرَهُ، فقال لخالد: "ما منعك أن تُعْطِيَهُ سَلَبَهُ؟ "

стр. 578

قال: استكثرتُهُ يا رسُولَ الله، قال: "ادفعه إليه" فمرَّ خالدٌ بعوفٍ فجرَّ بردائِهِ ثم قال: هل أنجزتُ لك ما ذكرتُ لَكَ من رسولِ الله ﷺ ؟ فسمِعَهُ رسُولُ الله ﷺ فاستُغْضبَ، فقال: "لا تُعْطِهِ يا خالِدُ (١)، هل أنتم تاركو (٢) لي أُمراتي؟ إنَّما مثلُكُم ومثلُهُم كمثلِ رجُل استُرِعِيَ إِبلًا وغنمًا فرعاها ثم تحيَّنَ سقيَهَا، فأوردها حوضًا، فَشَرَعَتْ (٣) فشربت صفوَه، وتركتْ، كدرهُ فصفوُهُ لكم وكدرُهُ عليهِم". وفي رواية (٤) أخرى، قال عوف: فقلت يا خالد: أما علمتَ أنَّ رسُولَ الله ﷺ قضى بالسَّلَب للقاتِلِ؟ قال: بلى ولكنيِّ استكثرتُهُ. أبو داود (٥)، عن عوف بن مالك وخالد بن الوليد، أنَّ رسول الله ﷺ قضى بالسلب للقاتل ولم يخمس السلب. مسلم (٦)، عن سلمة بن الأكوع قال: غزونا مع رسول الله ﷺ هَوَازِنَ، فبينا نحن نتضحَّى (٧) مع رسُولِ الله ﷺ إذ جاء رجلٌ على جملٍ أحمَرَ، فأناخَهُ في انتزَعَ طلقًا من حَقَبهِ فقيد بِهِ الجمل، ثم تقدَّمَ يتغدَّى مع القومِ وجعل ينظرٌ وفينا ضعفةٌ ورِقَّةٌ في الظَّهْرِ، وبعضُنَا مشاةٌ إذ خرج يشتدُّ (٨) فأتى جملَهُ فأطلق قيدَهُ ثم أناخَهُ وقَعَد عليْهِ فأثَارَهُ فاشتدَّ بِهِ

стр. 579

الجملُ فاتَّبعَهُ رجلٌ على ناقةٍ ورقَاءَ. قال سلمةُ: وخرجتُ أشتدُّ فكنت عند وَرِكِ الناقةِ ثم تقدمتُ حتى كنتُ عندْ وَرِكِ الجمل ثم تقدمتُ حتى أخذتُ بِخِطَامِ الجمل فأنختُهُ فلما وَضَعَ ركبته في الأرض، اخترطتُ سَيْفِي فضربتُ رأسَ الرجُلِ فَنَدَرَ (١) ثم جئتُ بالجملِ أقودُهُ، عليه رَحْلُهُ وسِلاَحُهُ فاستقبلني رسول الله ﷺ والنَّاسُ مَعَهُ فقال: "من قتل الرجل؟ " فقالوا: ابن الأكوعِ قال: "لَهُ سَلَبُهُ أجْمَعُ". وعن أبي قتادة (٢)، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ عام حُنينِ، فلما التقينَا كانت للمسلمين جولةٌ، قال: فرأيت رجُلًا من المشركين قد علا رجُلًا من المسلمينَ فاستدرتُ إليه حتى أتيتُهُ من ورائِهِ، فضربتُهُ على حَبْلِ عاتِقِهِ وأقبَل عليَّ فضمَّني ضمةً وجدتُ منها ريح الموتِ، ثم أدركَهُ الموتُ، فأرسلَني فلحقتُ عمر بن الخطاب فقال: ما للناس؟، فقلتُ: أمرُ اللهِ، ثمَّ إنَّ الناسَ رجعُوا، وجَلَسَ رسول الله ﷺ فقال: "من قتل قتيلًا، لَهُ عليه بَيَنةٌ فله سَلَبُهُ" قال: فقمتُ فقلت: من يشهدُ لي؟، ثم جلستُ، ثم قال مثل ذلك، قال: فقمتُ فقلتُ: من يشهد لي؟، ثم جلستُ، ثم قال ذلك الثالثةَ. فقمتُ فقال رسول الله ﷺ : "مالك؟ يا أبا قتادَةَ" فقصصُت عليه القصَّةَ، فقال رجل من القوم: صَدَقَ يا رسول الله و (٣) سلب ذلك القتيل عندي، فأرضِهِ من حقِّهِ، فقال أبو بكر: لاهَا الله إذًا لا يعمِدُ إلى أسدٍ من أُسْدِ الله، يُقاتِلُ عن الله وعن (٤)

стр. 580

رسُولِهِ فيُعطيك سَلَبَهُ، فقال رسول الله (١) ﷺ : "صدق فأعطهِ إيّاه" فأعطانِي إياه (٢) فبعتُ الدِّرع فابتعتُ به مَخرَفًا (٣) في بني سلمةَ فإنَّه لَأوَّلُ مالٍ تأثَّلْتُهُ في الإِسلام. أبو داود (٤)، عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ ، يومئذ- يعني يوم حنين-: "من قتل كافرًا فله سَلبه" فقتل أبو طلحة يومئذٍ عشرين رجلًا وأخذ أسْلابَهُمْ. وعن ابن عمر (٥)، قال: بعثنا رسول الله ﷺ في جيش قِبلَ نجد، وانْبَعثتْ سرية من الجيش، فكان سُهْمَان الجيش اثنا عشر بعيرًا اثنا عشر بعيرًا، ونُفِّل أهل السرية بعيرًا بعيرًا، فكانت سُهْمانهُم ثلاثة عشر، ثلاثة عشر. زاد في أخرى (٦)، بعد الخمس. وفي أخرى (٧)، فلم يغره رسول الله ﷺ ، وذكر أن أمير السرية نفلهم. مسلم (٨)، عن ابن عمر، أنَّ رسول الله ﷺ كان يُنَفِّلُ بعضَ من يبعث من السَّرايَا لِأنْفُسِهِمْ خاصَّةً، سِوَى قَسْمِ عَامَّةِ الجيشِ،

стр. 581

والخمُس في ذلِكَ كُلهِ واجِبٌ (١). أبو داود (٢)، عن حبيب بن مسلمة، أن رسول الله ﷺ كان يُنَفِّلُ الربع بعد الخمس، والثلث بعد الخمس، إذا قَفَلَ (٣). وعن أبي الجويرية الجَرْسي (٤)، قال: أصبت بأرض الروم جَرَّةً حمراء، فيها دنانير في إِمْرَةِ معاوية وعلينا يومئذٍ رجل من أصحاب النبي ﷺ من بني سُليم يقال لَهُ: معْنُ بن يزيد، فأتيتُهُ بها، فقسّمها بين المسلمين فأعطاني منها مثل ما أعطى رجلًا منهم، ثم قال: لولا أني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "لا نَفَلَ إلا بعد الخمس" لأعطيتك ثم أخذ يعرض عليَّ من نصِيبه فأبيت. وعن جبير بن مطعم (٥)، قال: لما كان يوم خيبر وضع رسول الله ﷺ سهم ذي القربي في بني هاشم، وبنى المطلب، وترك بني نَوْفَلٍ، وبني عبد شمس، فانطلقتُ أنا وعثمان بن عفان حتى أتينا رسول الله ﷺ ، فقلنا: يا رسول الله! هؤلاء بنو هاشم، لا نُنْكِرُ فضلهم للموضع الذي وضعك الله به منهم، فما بال إخواننا بني المطلب أعطيتهم وتركتنا، وقرابتنا واحدة؟ فقال رسول الله ﷺ : "إنَّا وبَنُو المطلب لا نفترق في جاهلية ولا إسلام، وإنما نحن وهم شيءٌ واحدٌ" وشبَّك بين أصابعه.

стр. 582

زاد البخاري (١)، قال ابن إسحق: وعبدُ شمسِ وهاشمٌ والمطَّلبُ إخوةٌ لِأمٍّ، أُمُّهُم عاتكَةُ بنتُ مُرَّةَ. وكان نوفَلٌ أخاهم لأبيهم. أبو داود (٢)، عن علي بن أبي طالب، قال: ولَّاني رسول الله ﷺ خُمُسَ الخمس، فوضعتُه مَواضعهُ حياةَ رسُولِ الله ﷺ ، وحياة أبي بكر، وحياة عمر، فأتى بمال، فدعاني، فقال: خذه، فقلتُ: لا أريدُهُ، قال: خذه فأنتم أحق به، قلت: قد استغنينا عنه فجعلهُ في بيت المال. وذكر ابن أبي خيثمة، عن عبد الله بن بريدة، أنَّ رسُولَ الله ﷺ بعث عليًا إلى خالد ليقسم بينهم الخمس فاصطفى علىٌّ منها سبية فأصبح يقطر رأسه فقال خالد لبريدة: ألا ترى ما صنع هذا الرجل؟ قال بريدة: وكنتُ أبغض عليًا فأتيت النبي ﷺ فلما أخبرته قال: "أتبغض عليًا" قلت: نعم قال: "فأحبه فإن له في الخمس أكثر من ذلك". خرّجه البخاري (٣)، وهذا أبين والإِسناد صحيح. أبو داود (٤)، عن عمرو بن عبسة، قال: صلَّى بنا رسول الله ﷺ إلى بعير من المغنم، فلما سلَّما أخذ وَبَرَةً من جَنْبِ البعير، قال: "ولا يَحِل لي من غنائِمِكم مثلُ هذا، إلا الخمس، والخمس مردودة فيكم".

стр. 583

البخاري (١) عن مروان بن الحكم، والمسوَر بن مخرمة، أنَّ رسول الله ﷺ قال (٢) حين جاءَهُ وفد هوازِن مسلمينَ، فسألوه أن يَرُدَّ إليهم أموالهم وسبيَهُم، فقال رسول الله ﷺ : "أحبُّ الحديث إليَّ أصْدَقُهُ فَاختَاروا إحدى الطائفتينِ: إما السَّبيَ وإمَّا المالَ. وقد كنتُ استأنيتُ بهم" - وقد كان رسول الله ﷺ انتظر آخرهم (٣) بضع عشرة ليلة حين قَفَلَ من الطَّائِفِ - فلمَّا تبيَّنَ لهم أنَّ رسُول الله ﷺ غيرُ رادٍّ إليهم إلا إحْدَى الطَّائِفتين، قالوا: فإنا نختارُ سبْيَنَا، فَقَامَ رسول الله ﷺ في المسلمين فأثنى على الله بما هُو أهْلُهُ ثُمَّ قالَ: أمَّا بَعْدُ فإنَّ إخوانَكُم هؤلاء جَاءونَا تَائِبينَ، وإنِّي قد رأيتُ أن أرُد إِلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ، فمن أحَبَّ مِنْكُم أنْ يُطيبَ ذلك فَلْيَفْعَلْ، ومن أحبَّ مِنْكُم أن يكون على حَظِّه حتى نُعْطِيهُ إيَّاهُ من أول ما يفئ الله علينا فليفعل. فقال الناس: قد طيّبنا ذلك لِرَسُول الله ﷺ . فقَالَ رسول الله ﷺ : "إنا لا ندري من أذِنَ منكم في ذلك ممن لم يَأذَنْ، فارجِعوُا حتى يرفَعُوا إلينا عُرفَاؤكم أمرَكم" فَرَجَعَ الناس، فكلَّمَهُمَ عُرفاؤهم، ثم رَجَعوا إلى رسول الله ﷺ فَأخْبَروهُ أنهُمْ قد طيبوا وأذِنُوا. مسلم (٤)، عن سعد بن أبي وقاص، قال: أعْطى رسُولُ الله ﷺ رهطًا وأنا جالس فيهم، فترَكَ رسُولُ الله ﷺ منهم (٥) من لم يُعطِهِ، وهو أعْجَبهُم إليَّ (٦)، فقمت إلى رسول الله ﷺ

стр. 584

فسارَرْتُهُ فقلتُ: يا رسول الله! مالك عن فُلاَنٍ؟ فو الله! إني لأرَاهُ مؤمنًا. قال: "أو مسلمًا؟ " فسكت قليلا ثم غلبني ما أعلم منه فقلت يا رسول الله! مالك عن فلانٍ فوالله إني لأراه مؤمنا، قال: "أو مسلمًا" قال: "إني لأعطي الرجُلَ وغيرُهُ أحبُ إليَّ مِنْهُ خشيةَ أن يُكَبَّ (١) في النَّارِ على وجهِهِ". وعن أنس بن مالك (٢)، أن نَاسًا من الَأنصار قالُوا، يومَ حُنَيْن، حين أفاءَ اللهُ على رسُولِهِ من أمْوالِ هَوَازِنَ ما أفَاءَ. فَطَفِقَ رسُولُ الله ﷺ يُعْطِي رجالًا من قريشٍ، المِائَةَ من الِإبل فقالوا: يَغْفِرُ الله لِرَسُولِ الله ﷺ يعطي قريشًا ويَترُكُنَا وسُيُوفُنَا تقطُرُ من دمَائِهم. قال أنس بن مالك: فحُدِّث ذلك رسُولُ الله ﷺ من قولهم، فأرْسَلَ إلى الَأنصارِ فَجمعهم في قُبَّةِ من أدَمٍ، فلما اجتَمعُوا جَاءَهُمْ رسُولُ الله ﷺ فقال: "ما حديثٌ بلغني عَنْكُمْ؟ " فقال لَهُ فُقَهَاءُ الَأنْصَار: أمَّا ذَوُو رأينا، يا رَسُولَ الله! فلم يقُولُوا شيْئًا. وأمَّا أُنَاسٌ (٣) حديثةٌ أسْنَانُهمْ، قالُوا: يغفرُ الله لِرَسوله. يعطي قريشًا ويترُكُنَا، وسيوفُنَا تقطر من دمائهم! فقال رسُولُ الله ﷺ : "فإنيَ أعْطِي رجالًا حديثى عهدٍ بكُفْرٍ. أتألَّفُهُم (٤). أفلا ترضون أن يذهبَ الناس بالأموال. وترجعون إلى رحالكم برسول الله؟ فو الله! لَمَا تنقلبُونَ بهِ خيرٌ مما ينقلبُونَ بِهِ" فقالوا: بلى. يا رسُولَ اللهِ! قد رضينا. قال: "فإنكم سَتَجِدُونَ أُثْرَةً شديدةً فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله. فإنيِّ على الحوضِ" قالوا: سنصبِرُ. وفي بعض طرق هذا الحديث (٥)، عن عبد الله بن زيد، أن النبي

стр. 585

- ﷺ قال إذ جمعهم: "يا معشر الأنصارِ! ألم أجدكم ضُلاَّلًا، فهداكُمُ الله بِي؟ وعالةً، فأغناكُمُ الله بي؟ ومتفرِّقِينَ فجمعكم الله بي؟ " ويقُولُونَ: اللهُ ورسُولُهُ أمَنُّ. فقال: "ألا تُجيبُونِي؟ "فقالُوا: اللهُ ورسُولُهُ أمَنُّ. فقال: "أمَا إنّكُمْ لو شِئْتُمْ أن تقُولُوا كَذَا وكَذَا. وكان من الأمْر كَذَا وكَذَا "لِأشياءَ عدَّدَهَا -زعم عمروُ بن يحيى أنْ لاَ يَحْفَظُها- فقال: "ألا تَرْضَوْنَ أن يَذْهَبَ النَّاسُ بالشَّاءِ والِإبِل، وتذهَبُونَ بِرَسُولِ اللهِ إِلىَ رِحَالِكُمْ؟ الأنْصَارُ شِعَارٌ والنَّاسُ دِثَارٌ، ولولا الهجرَةُ لكنت امْرَأً مِنَ الَأنْصَارِ". وفي طريق آخر (١)، "ولو سلك النَّاسُ وادِيًا، وسلكَتِ الأنصارُ شعبًا، لسلكتُ شعب الأنصار". وعن أبي سعيد الخدري في هذا الحديث قال: "ألا تجيبون يا معشر الأنصار" قالوا: بماذا نجيب يا رسول الله، ولله ولرسوله المنّ والفضل، فقال: "أما والله، لو شئتم لقلتم ولصدقتم ولقلتم: أتيتنا مكذَّبًا فصدقناك، وطريدًا فآويناك، ومخذولًا فنصرناك، وعائلًا فأغنيناك" وقال في آخر الحديث: فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم وقالوا: رضينا برسول الله قسما وحظا. ذكر هذا الحديث ابنُ إسحاق وسفيان بن عيينة وغيرهما، وهى الأشياء التي لم يذكرها مسلمُ بن الحجاج، والله أعلم. البخاري (٢) عن عمرو بن تغلب، قال: أعطى النبي ﷺ قومًا ومنع قومًا (٣) آخرين، وكأنهم عتبوا عليهم، فقال: "إني أعطي قومًا

стр. 586

أخاف ظَلَعَهُمْ وجَزَعَهُم وأكِلُ قومًا إلى ما جعل الله في قلوبهم من الغنى والخير (١) منهم عمرو بن تغلب" قال عمرو بن تغلب (٢): ما أحب أن لي بكلمة رسول الله ﷺ حُمُر النَّعم. البخاري (٣)، عن المسور بن مخرمة قال: قَدِمَتْ على النبي ﷺ أقْبِيةٌ، فقال (٤) أبي مخرَمَةُ: انطلق بِنَا إليه عسى أن يُعْطينا (٥) منها شيئًا، فقامَ أبي على البابِ فتكلَّمَ، فعَرَفَ النبي ﷺ صوتَهُ، فخرج النبي - صلى الله عليه ولكل وَمَعَهُ قَباءٌ وهو يُريه محاسنه ويقول: "خبأتُ هذا لكَ، خبأت هذا لك". زاد في طريق أخرى (٦)، وكان في خُلُقِه شيء. أبو داود (٧)، عن عوف بن مالك، أنَّ رسول الله ﷺ كان إذا أتاهُ الفيء قَسَمَهُ من يومه، فأعطى الآهِلَ حظَّين، وأعطى الأعزب حظًا، فدُعِينا وكنت أُدعى قبل عمّار، فدُعيت فأعطاني حظين، وكان لي أهل، ثم دعي بعدُ عمار بن ياسر فأُعطي حظًا واحدًا. أبو داود (٨)، عن عمرو بن حريث، قال: خطَّ لي رسول الله ﷺ دارًا بالمدينةِ لقوس وقال: "أزيدك، أزيدُكَ" (٩).

стр. 587

وعن وائِل بن حُجْر (١)، أن النبي ﷺ ، أقطعه أرضًا بحضرموت. وعن ابن عمر (٢)، أن النبي ﷺ ، أقطعَ الزبير حُضْرَ فَرَسِهِ (٣) فأجرى فرسه حتى قام، ثم رمى بسوطه، فقال: "أعطوهُ من حيث بلغ السوط". باب في الصلح والجزية البخاري (٤)، عن المسور بن مخرمة، ومروان بن الحكم، قالا: "خرج رسُولُ الله ﷺ زَمَنَ الحُدَيْبِيَةِ حتى إذا كانوا ببعضِ الطرَّيقِ (٥)، قال النبي ﷺ : "إنَ خالد بن الوليد بالغَميمِ، في خيل لِقُريش طَلِيعةً، فخُذُوا ذاتَ اليَمينِ"، فواللهِ ما شعر بهم خالد حتى إذا هم بِقَتَرَةِ (٦) الجيش، فانطلق يركُضُ نذيرًا لِقُريْشٍ، وسارَ النبي ﷺ ، حتى إذا كان بالثنِيَّةِ التي يُهْبِطُ عليهم (٧) منها، بَرَكَتْ به راحِلتُهُ. فقالَ الناسُ: حَلْ حَلْ. فألحَّتْ (٨). فقالوا: خَلأتِ القَصْواءُ. خلأت القصواء (٩)، فقال النبي ﷺ : "ما خَلأَتِ القَصواءُ وما ذاكَ لها بِخُلُقٍ، ولكن حَبَسَهَا

стр. 588

ْحَابسُ الفيلِ (١) "، ثم قال: "والذي نفسي بيدهِ، لا يسألوني (٢) خُطَةً يُعَظِّمُونَ فيها حُرُماتِ الله إلا أعطيتهم إياها". ثم زَجَرَهَا فوَثبَتْ. قال: فَعَدَل عنهم حتى نزل بأقْصى الحُدَيبيَةِ على ثَمَدٍ (٣) قليل الماءِ يَتَبَرَّضُهُ النَّاسُ تَبَرضًا (٤) فلم يلبث (٥) الناس حتى نَزَحُوهُ، وشُكِيَ إلى رَسولِ الله ﷺ العَطشُ، فانتَزَعَ سهمًا من كِنانَتهِ ثم أمَرَهُم أن يجعلوهُ فيها (٦)، فواللهِ ما زالَ يَجِيشُ لهم بالرَّيِّ حتى صدروا عنه (٧) , فبينما هم كذلك، إذْ جاءهم (٨) بُدَيْلُ ابن وَرْقاءَ الخُزاعِيُّ في نفرٍ من قومِهِ من خُزاعَةَ- وكانوا عَيْبَةَ (٩) نُصْح رسول الله ﷺ من أهل تِهَامَةَ - فقال: إنيِّ تركتُ كعب بن لُؤَي وعامر بن لؤي نزلوا أعدادَ (١٠) ميِاهِ الحديبيةِ معهم العُوذُ المطَافِيلُ (١١) وهم مُقاتلِوكَ وصادُّوك عن البيتِ. فقال رسول الله ﷺ : "إنَا لم نجئ لِقِتال أحدٍ، ولكنَّا جِئنا مُعتمرين، وإِنَّ قريشًا قد نهِكَتْهُمُ الحربُ وأضرَّت بهم، فإن شاءُوا مادَدْتهم مُدَّةً ويُخلّوا بيني وبين الناسِ (١٢)، فإن أظهر إن شاءُوا أن يدخلوا فيما دخل فيه النَّاسُ فَعَلوا، وإلا فقد جَمُّوا (١٣). وإن هم

стр. 589

أبوا فوالذي نفسي بيدِهِ لأقاتلنهم على أمْري هذا حتى تَنْفَردَ سالِفَتي، وليُنفِذَنَّ اللهُ أمْرَهُ" فقال بُدَيْلْ: سأبلغُهُم ما تقولُ. فانطَلَقَ حتى أتى قُريشًا قال: إِنَّا قد (١) جِئْناكم مِن هذا الرَّجُل، وسمعناهُ يقولُ قولًا فإن شِئْتُم أنْ نَعْرِضَهُ عليكُمْ فعَلْنا. فقال سُفَهاؤهُم: لا حاجَةَ لَنَا أنْ تُخْبِرنا (٢) عنه بشيءٍ. وقالَ ذوو الرَّأي منهم: هاتِ ما سَمِعْتَهُ يقولُ. قال: سمِعْتُهُ يقولُ: كذا وكذا. فَحَدَّثَهُم بما قال النبر ﷺ . فقام عُرْوةُ بن مسعودٍ فقال: أي قَوْمِ، ألسْتُم بالوالِدِ؟ قالوا: بلى. قال: أو لَسْتُ بالوَلَدِ؟ قالوا: بلى. قال: هل تتهموني؟ قالوا: لا. قال: ألستُم تعلمون أني استنفرت أهلَ عُكاظَ، فلمّا بَلَّحُوا (٣) على جئتُكُم بأهلى وولدي ومَن أطاعني؟ قالوا: بلى. قال: فإنَ هذا قد عَرَضَ عليكم خُطَّةَ رُشْدٍ اقبلوها ودعوني آتهِ. قالوا: ائتِهِ. فأتاه فجعل يُكَلِّم النبي ﷺ فقال النبي ﷺ نحوًا من قولهِ لبُديل. فقالَ عُرْوَةُ عند ذلك: أي مُحمَّدُ، أرايتَ إِنِ استأصَلْتَ أمرَ قومِكَ، هل سَمِعْتَ بأحَدٍ من العَرَبِ اجْتاحَ أهْلَهُ قَبلكَ؟ وإن تَكُن الأخرى، فإنى واللهِ لا أرى وُجوها، وإنيِّ لَأرى أشوابًا (٤) من الناسِ خَلِيقًا (٥) أن يفروا عنك (٦) ويدَعوكُ. فقال له أبو بكرٍ الصديق: امْصُصْ بَظر (٧) اللاتِ، أنحنُ نَفِرُّ (٨) ونَدعُهُ؟ فقال: من ذا؟ فقالوا: أبو بكر الصديق (٩)، فقال: أما والذي نفسي بيد، لولا يَدٌ كانت لك عندي لم أجْزكَ بها لَأجَبْتُكَ. قال: وجعل يُكَلمُ النبي - صلى الله

стр. 590

عليه وسلم - فكلما تكلم، أخذ (١) بلحيته، والمغيرة بن شعبة قائم على رأس النبي ﷺ ومَعَهُ السَّيفُ وعليهِ المِغْفَرُ، فكُلَّما أهْوَى عُرْوةُ بِيدِهِ إِلى لِحْيَةِ النبي ﷺ ، ضَرَبَ يَدَهُ بنعْلِ السيفِ وقال (٢): أخّر يَدَكَ عن لِحْيَةِ النبي ﷺ ، فَرَفَعَ عُرْوَةُ رأسَهُ فقال: من هذا؟ قالوا: المغيرةُ بن شعبة. فقال: أيْ غُدَر، ألستُ أسعى في غَدْرَتِكَ؟ وكان المُغيرَةُ صَحِبَ قومًا في الجاهِليَّةِ فقتلهم وأخذ أموالهم ثم جاء فأسْلَمَ. فقال النبي ﷺ : "أمَّا الإِسلام فَأقبَلُ وأما المال فلسْتُ مِنهُ في شيء" (٣). ثم إِنَّ عُروةَ جعل يَرْمُقُ أصحابَ النبي ﷺ بعينَيْهِ. قال: فواللهِ ما تنخَّمَ رسولُ الله ﷺ نُخامَةً إلا وَقَعَت في كفِّ رَجُل مِنهُم فدَلكَ بها وَجْهَهُ وَجِلْدهُ, وإذا أمرهم ابْتَدَرُوا أمْرَه، وإذا توضَّأ كادوا يقتتلون على وضوئِهِ، وإذا تكلم خَفَضوا أصْواتَهُما عِنْدَهُ، وما يُحدُّون النظر إليه (٤) تعظيمًا لَهُ. فرجعَ عُرْوةُ إلى أصحابِهِ فقال: أي قَوْمِ، واللهِ لقد وَفَدتُ على المُلوك، ووَفَدتُ على كسرى وقيصر (٥) والنجاشيِّ، واللهِ إِنْ رأيتُ مَليكًا قطُّ يُعَظِّمُهُ أصحابُهُ ما يعَظِّمُ أصحابُ مُحمد مُحمَّدًا، واللهِ إِنْ تنخَّمْ نخامةً إلا وَقَعَتْ في كفِّ رَجُل منهُم فَدَلَكَ بها وجههُ وجِلْدَهُ، وإذا أمَرَهم ابتَدَروا أمْرَهُ، وإذا توضَّأ كادوا يقتتلون على وضوئِهِ، وإذا تكلم خفضوا أصواتَهُمُ عِنْدَهُ، وما يُحِدُّونَ النظر إليه تعظيمًا له، وإنّهُ قد عَرَضَ عليكم خُطةَ رُشدٍ، فاقبلوها (٦) , فقال رجل من بني كنانَةَ: دعوتي آتيِهِ، قالوا: ائتِهِ، فلما أشْرَفَ على النبي ﷺ وأصحابِهِ قال رسول الله ﷺ : "هذا فلانٌ،

стр. 591

وهو من قوم يُعَظِّمونَ البُدْنَ. فابعثوها لَهُ". فبُعِثَتْ لَهُ، واستقبلَهُ الناسُ يُلَبّونَ. فلمَّا رأى ذلِكَ قال: سبحان اللهِ، ما ينبغى لِهؤلاءِ أن يُصَدُّوا عن البيتِ. فلما رَجَعَ إلى أصحابِهِ قال: رأيتُ البُدْنَ قد قُلدَتْ وأشْعِرَتْ، فما أرى أن يُصدُّوا عن البيتِ. فقام رجُلٌ منهم يُقالُ لَهُ مِكْرَزُ بنُ حَفْص فقال: دَعوني آتيهِ. فقالوا: ائتِهِ. فلمَّا أشرف عليهم قال النبي ﷺ : "هذا مِكْرَز ابن حفص (١) وهو رجُلٌ فاجِرٌ". فجعل يُكَلِّمُ النبي ﷺ . فَبَيْنَمَا هو يُكَلمُهُ إذ جاءَ سُهيل بن عمرو، قال عكرمة (٢): لما جاء سُهيل قال النبي ﷺ : "سَهُل لكم من أمركُم". رجع إلى الحديث (٣). قال: فجاء سُهيل بن عمرٍو فقال: اكتب (٤) بيننا وبينكُمْ كتابًا. فَدعَا النبي ﷺ الكاتِبَ، فقال النبي ﷺ : "اكتب (٥) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ"، فقال: سهيلٌ: أمَّا الرحمنُ فواللهِ ما أدْري ما هو، ولكن اكتُبْ باسمك اللهم, كما كُنتَ تكتُبُ، فقال المسلمون: واللهِ لا نكتُبُها إلا "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" فقال النبي ﷺ : "اكتب باسمِكَ اللهم"، ثم قال: "هذا ما قاضى عليه محمد رسولُ اللهِ"، فقال سهيلٌ: لو كنا (٦) نعلمُ أنَّكَ رسُول اللهِ ما صَدَدْناكَ عن البيتِ ولا قاتلناك، ولكن اكتب محمد بن عبد الله، فقال النبي ﷺ : "واللهِ إني لَرَسُولُ الله وإن كذَّبتُمُوني، اكتب محمَّدُ بنُ عبد اللهِ". قال (٧): وذلك لقولِهِ لا يسألوني خُطَّةً يُعَظِّمون فيها حُرُماتِ اللهِ إلَّا أعطيتُهُم

стр. 592

إيَّاها. فقال النبي ﷺ : "على أن تُخلّوا بيننا وبين البيتِ فَنَطوفَ بِهِ". قال سُهيلٌ: والله لا تتحدَّثُ العربُ أنَّا أخذنا ضُغْطَةً، ولكن ذلك من العامِ المُقبِلِ (١)، فقال سُهيلٌ: وعلى أنه لا يأتِيكَ مِنَّا رَجُلٌ -وإن كان على دينك- إلا رددتَهُ إلينا. قال المسلمون: سبحان اللهِ، كيف يُرَدُّ إلى المشركين وقد جاءَ مُسلمًا؟ فبينما هم كذلك، إذ دخل أبو جندل بن سُهيل بن عمرو يَرْسُفُ في قُيود، قد خرج من أسفل مكةَ حتى رمى بنفسه بين أظهُر المسلمين، فقال سهيل: هذا يا محمد أوَّلُ ما أقاضيك عليه أن ترُدَّهُ إليَّ فقال النبي ﷺ : "إنا لم نقضِ الكتاب بعد". قال: فوالله إذًا لم أصالحك على شيء أبدًا. فقال النبي ﷺ : "فأجِزْهُ لي"، قال: ما أنا بمُجِيز ذلك (٢) لك. قال: "بلى فافعَلْ"، قال: ما أنا بِفاعِل. قال مِكْرَزٌ: بلى قد أجزنَاهُ لك. قال أبو جندلٍ: أيْ معشر المُسلمينَ، أُرَدُّ إلى المشركين وقد جِئتُ مسلمًا؟ ألا ترون ما قد لقيتُ؟ وكان قد عُذِّبَ عذابًا شديدًا في اللهِ. قال عمر بن الخطاب: فأتيتُ نَبي الله ﷺ فقلتُ: ألَسْتَ نَبىَّ الله حقًا؟ قال: "بلى". قلت: ألسنا على الحقِّ وعدونا على الباطل؟ قال: "بلى" قُلتُ: فَلِمَ نُعطي الدَّنيَّةَ في ديننا إذًا؟ قال: "إني رسول الله ولستُ أعْصِيهِ، وهو ناصِرِي"، قلت: أو ليس كُنتَ تُحدِّثُنا أنَّا سنأتي البيتَ فنطوفُ بِهِ؟ قالَ: "بلى"، قال: "فأخْبَرتُكَ أنَّا نأتيه العامَ؟ " قلتُ: لا. قالَ: " فإتكَ آتِيهِ ومُطَوِّفٌ بهِ ". قال: فأتيتُ أبا بكرٍ فقلتُ: يا أبا بكرٍ، أليس هذا نبي الله حقًا؟ قال: بلى. قلتُ: ألسنا على الحقِّ وعدونا على الباطل؟ قال: بلى، قلتُ: فلم نعطي الدَّنيَّة في ديننا إذا؟ قال: أيها الرجُلُ، إنَهُ رسُولُ الله وليس يَعْصِي رَبَّه، وهو ناصِرُه فاستمسِكْ بغرزِهِ فوالله إِنَهُ على الحَقِّ. قلتُ: أوليس كان يحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به، قال: بلى.

стр. 593

قال: فأخبرَكَ أنك تأتيهِ العام؟ قلتُ: لا. قال: فإنَّكَ آتيهِ ومُطوِّف بِهِ. قال عمر (١): فعملتُ لذلك أعْمالًا. قال: فلما فرغَ من قضيَّةِ الكتابِ، قال رسول الله ﷺ لأصحابه: "قوموا فانحَرُوا ثُمَّ احْلِقوا". قال: فوالله ما قام منهم رجُلٌ حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلمَّا لم يقم منهم أحد دخل على أمِّ سَلَمَةَ فذكر لها ما لقى من النَّاس، فقالت أم سلمة: يا نبي الله أتحبُّ ذلك؟ اخرُج، ثم لا تُكَلِّم منهم أحدًا حتى تنحر بُدْنَكَ، وتدعو حالِقَك فيحلقك. فخرج فلم يُكَلِّم أحدًا منهم (٢) حتى فعل ذلك: نحر بُدْنَهُ ودعا حالِقَهُ (٣). فلما رأوا ذلك قاموا فَنَحروا، وجَعَلَ بعضهُم يحلق بعضًا، حتى كاد بعضهم يقتل بعضًا غمًّا. ثم جاءَهُ نِسوة مؤمناتٌ، فأنزل الله ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا جاءَكم المؤمنات مُهاجِراتٍ﴾ حتى بلغ ﴿بعصم الكوافِرِ﴾ فطلق عمر يومئذ امرأتين كانتا له في الشِّرك، فتزوَّجَ إحداهما مُعاوية بن أبي سفيان والأخرى صفوان بن أُميَّة، ثم رجع النبي ﷺ إلى المدينةِ، فجاءه أبو بَصيرٍ رجُلٌ من قريشِ وهو مسلم، فأرسلوا في طلبه رجُلين فقالوا: العهد الذي جعلت لنا، فدفَعَهُ إلى الرجلينِ، فَخَرجَا بِهِ حتى بلغا ذا الحُليفة، فنزلوا يأكلون من تَمْرٍ لَهُم، فقال أبو بصيرٍ لأحد الرجلين: إني لأرى سيفك هذا جيدًا (٤)، فاستلَّهُ الآخر فقال: أجل والله إنهُ لجيِّدٌ، لقد جرَّبت بِهِ ثم جربتُ (٥) فقال أبو بصير: أرني أنظر إليهِ، فأمْكَنَهُ منه فَضَربَهُ به حتى بَرَدَ، وفرَّ الآخر حتى أتى المدينةَ، فدخَلَ المسجدَ يعدو، فقال رسول الله ﷺ حين رآه: "لقد رأى هذا ذُعْرًا"، فلما انتهى إلى النبي ﷺ

стр. 594

قال: قُتِلَ والله صاحبي وإني لمقتول. فجاء أبو بصير فقال: يا نبي الله، قَدْ والله. أوْفى الله ذِمَّتك قد رددتنى إليهم، ثم أنجاني الله منهم. قال النبي ﷺ : "ويلُ أمِّه مسعَرَ حَرْبٍ لو كان لَه أحَدٌ"، فلما سَمِعَ ذلك عرف أنه سيردُّهُ. إليهم، فخرج حتى أتى سيف البحر. قال وينفلت منهم أبو جندل فلحق بأبي بصير فجعل لا يخرُج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصيرٍ حتى اجتمعت معه منهم عِصابَة، فوالله ما يسمعون بعير خرجت لِقُريش إلى الشام إلا اعترضوا لها، فقتلوهم، وأخذوا أموالههم، فأرسلت قريش إلى النبي ﷺ تُناشِدُهُ الله والرَّحِم لما أرسل فمن أتاهُ فهو آمِنٌ فأرسل النبي ﷺ إليهم فأنزل الله : ﴿وهو الذي كفَّ أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة﴾ حتى بلغ ﴿حَمِيَّةَ الجاهلية﴾ وكانت حَمِيتهُم أنهم لم يُقرُّوا أنه نبي الله، ولم يقروا ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وحالوا بينه وبين البيت". ذكر أبو داود (١) في هذا الحديث، ولم يذكره بكماله "أنهم أصطلحوا على وضع الحرب عشرة سنين يأمَنُ فيهن الناس وعلى أن بيننا عَيْبَة مكفوفة وأنه لا إسلال ولا إغلال (٢) ". مسلم (٣)، عن أنس، في هذا الحديث قال: اشترطوا على النَّبي ﷺ أنَّ من جاء مِنْكُمْ لم نرُدهُ عليكم، ومن جاءَكُمْ منَّا رَدَدْتُمُوهُ علينا. فقالوا: يا رسول الله! أنكتُبُ هذا؟ قال: "نَعَمْ. إنَّهُ من ذهب منَّا إليهم، فأبْعَدَهْ الله. ومن جاءنا منهم سيجعل اللهُ له فرجًا ومَخْرَجًا".

стр. 595

وعن البراء بن عازب (١) قال: لما حسر (٢) النبي ﷺ عند البيتِ، صَالَحَهُ أهلُ مكَة على أن يدخُلَهَا فيُقِيمَ بها ثَلاَثًا ولا يدخُلَهَا إلا بجُلُبَّانِ (٣) السِّلاَحِ، السَّيْف وقِرَابهِ، ولا يخرُج بأحدٍ معهُ من أهلها. ولا يمَنَع أحدًا يمكثُ بها ممن كان مَعَهُ. قال لعلي: "اكتب الشرطَ بيننا. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هذا ما قاضى عليهِ مُحمَّدٌ رسُولُ الله"، فقال المشركون: لو نَعْلَمُا أنَّك رسول الله تابعناك. لكن اكتُبْ محمَّدُ بنُ عبدِ اللهِ فَأمَرَ عليًا أن يَمْحَاهَا. فقال علي: لا والله! ما أمحَاهَا. فقال رسول الله ﷺ : "أرِنِىِ مكانها" فأراه مكانها فمحَاهَا. فكتب "ابن عبد الله" فأقام بها رسول الله ﷺ ثلاثة أيام: فلمَّا كان اليومُ الثالث، قالوا لعلي: هذا آخر يوم من شرطِ صاحِبِكَ فأمُرهُ فليخرج، فأخبره بذلك فقال: "نعم" فخرج. أبو داود (٤)، عن نعيم بن مسعود قال: سمعتُ (٥) رسولَ الله ﷺ يقول لهما يعني- لرسُوليَ مُسَيْلمة- حين قرأ كتاب مُسَيْلمة: "ما تقُولاَنِ أنتما؟ " قالا: نقول كما قال، قال: "أمَا واللهِ لولا أنَّ الرُّسل لا تُقتل لضربتُ أعناقكما". البخاري (٦)، عن بَجَالة بن عبدة قال: أتَانَا كِتَابُ عمر بن الخطاب قبل موتِهِ بِسَنَةٍ، فَرِّقُوا بين كُل ذِي مَحْرَم من المجُوسِ، ولم يكن عمر أخذ الجِزْيَةَ من المجُوسِ حتى شهد عبد الرحمن بن عوف "أنَ رسُولَ الله - صلى الله عليه

стр. 596

وسلم - أخَذَهَا من مَجُوس هَجَر". وعن عمرو بن عوف (١)، أنَّ سول الله ﷺ بَعثَ أبا عُبيدَةَ إلى البحرين يأتي بجزْيتِهَا، وكان رسُولُ الله ﷺ هُوَ صَاَلح أهْلَ البحرين وأمَّر عليهم العَلاءَ بن الحَضْرَميِّ، فَقَدِمَ أبو عُبَيْدَةَ بمَال من البحرين، فسمعت الأنصارُ بقُدُوم أبي عبيدة فوافوا (٢) صَلاةَ الصّبحِ مَعَ النبي ﷺ ، فلمَّا صلَّى بِهمُ الفجر انصَرَفَ، فتعرَّضُوا لَهُ، فتبسَّم رَسُولُ الله ﷺ حين رآهُمْا وقال: "أظنُّكُمْا قدَ سَمعتُم أنَّ أبَا عبيدَةَ قَدْ جَاءَ بشيءٍ" قالوا: أجَلْ يا رسُول الله، قال: "فأبشِرُوا وأمِّلُوا ما يسُرُّكُمْ، فَواللهِ لا الفقر أخشى عليكُمْ، ولَكِنْ أخشى عليكُما أنَ تُبْسَطَ الدنيا عليكم (٣) كما بُسِطَتْ على من كان قَبلَكُمْ-، فتنافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، وتُهْلِكَكم كَمَا أهْلَكَتْهُمْا". النسائي (٤)، عن قيس بن عُبادٍ قال: انطلقتُ أنا والأشتر إلى عليّ، فقُلْنَا: هل عهد إليك نبيُّ الله ﷺ شيئًا لم يعهده إلى الناس عامَّةً؟ قال: إلا ما في كتابي هذا (٥)، فأخرج كتابًا من قِرَابِ سَيْفِهِ، فإذا فيه "المؤمنُونَ تتكافؤ (٦) دماؤُهُم، وهما يَدٌ على من سِوَاهُمْ. ويسعى بذمتهم أدْنَاهُمْ، ألا لا يُقْتَلُ مُؤمِنٌ بكافرٍ، ولا ذو عهدٍ في عهده، من أحْدَثَ حَدَثًا فعلى نفسه، أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين".

стр. 597

وقال البخاري (١) في هذأ الحديث: "ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدنا فمن أخفر مسلمًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل". البخاري (٢)، عن أم هانيءٍ بنت أبي طالب، قالت: قلتُ يا رَسُول الله زعم ابنُ أُمِّي عليٌ أنَّهُ قاتلٌ رجلًا قد أجَرْتُهُ، فلان هُبيرةَ. فقال رسُول الله ﷺ : "قد أجَرنَا من أجَرتِ يا أُمَّ هانئٍ". مسلم (٣) , عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قال رسول الله ﷺ : "أربعٌ من كُن فِيهِ كان مُنَافِقًا خالصًا، ومن كانت فِيهِ خلَّةٌ منهُنَّ كانت فيه خَلَّةٌ من نِفاق حتى يَدَعَهَا: إذا حَدَّثَ كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا وعَدَ أخْلَفَ، وإذا خَاصَمَ فَجَرَ". وعن أبي سعيد الخدري (٤)، قال: قال رسول الله ﷺ : "لكل غادر لِواءٌ يومَ القيامةِ يُرْفَعُ لَهُ بِقَدرِ غَدرَته (٥)، ألا وَلا غادِرَ أعظَمُ غدرًا من أمير عامَّةٍ". وفي حديث ابن عمر (٦)، "فيقال هذه غدرةُ فلان". الترمذي (٧)، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "ألاَ

стр. 598

من قَتَلَ نَفْسًا مُعَاهدةً (١) لَهُ ذمَّةُ الله وذِمَّة رسُولهِ فقدْ أخْفَرَ بِذِمَّةِ اللهِ، فلا يُرَيح ريح (٢) الجَنَّةِ وإِنَّ ريحها ليوجد من مسيرةِ سبعين خريفًا". قال: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. مسلم (٣)، عن حُذيفةَ بن اليمان، قال: ما منعني أن أشْهدَ بدرًا إلا أنّي خرجتُ وأبي حُسَيْلٌ (٤)، فَأخَذَنا كُفَّارُ قُريشٍ. فقالوا: إنَّكُمْ تريدون محمّدًا؟ فقُلنا: ما نريدُهُ، ما نريدُ إلا المدينَةَ، فأخذوا مِنَّا عهد الله وميثَاقَهُ لننصرِفَنَّ إلى المدينةِ، ولا نقاتِلُ مَعَهُ فأتينا رسول الله ﷺ فأخبرْنَاهُ الخبر فقال: "انصرفا نَفِي لهم بعهدِهِمْ ونستعِينُ الله عليهِم". أبو داود (٥) , عن أبي رافع قال: بَعَثتْنِي قريش إلى رسول الله ﷺ ، فلما رأيتُ رسول الله ﷺ أُلْقي في قلبي الإِسلام، فقلت: يا رسول الله ﷺ : إني والله لا أرجع إليهم أبدًا، قال رسول الله ﷺ : "إني لا أخِيسُ بالعهْدِ (٦)، ولا أحبس البُرُدَ ولكن ارجع فإن كان في نفسك الذي في نفسك الآن فارجع" قال: فذهبت، ثم أتيتُ النبي ﷺ ، فأسلمتُ. قال أبو داود: كان هذا في الزمان الأول، وأما اليومَ فلا يصلح. وعن سليم بن عامر (٧)، قال: كان بين معاوية والروم عهدٌ، وكان يسير

стр. 599

نحو بلادهم، حتى إذا انقضى العهد غزاهم، فجاء رجلٌ على فرس أو برْذَوْنٍ (١) وهو يقول: الله أكبر، الله أكبر، وفاءٌ لا غدر، فنظروا فإذا عمرو بن عَبَسَةَ، فأرسل إليه معاوية فسأله، فقال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "من كان بينَهُ وبين قومٍ عهد فلا يَشُدُّ عُقدةً ولا يحلها حتى يَنْقضِى أمدُها أو يَنْبِذَ إليهم على سَوَاء" فرجع معاوية ﵀. وعن سفيان الثوري، عن مسروق، عن عبد الرحمن بن غُنْمٍ، قال: كتبت لعمر بن الخطاب حين صالح نصارى الشام وشرط عليهم فيه ألا يحدثوا في مدينتهم ولا حولها (٢) ديرًا ولا كنيسة ولا قلية (٣) ولا صومعة راهب ولا يجددوا ما خرب منها، ولا يمنعوا كنائسهم أن ينزلها أحد من المسلمين ثلاث ليال يطعمونهم، ولا يأووا جاسوسًا، ولا يكتموا غشًا للمسلمين، ولا يعلّموا أولادهم القرآن، ولا يظهروا شِركًا، ولا يمنعوا ذوي قرابتهم من الإِسلام إن أرادوه، وأن يوقِّروا المسلمين، وأن يقوموا لهم من مجالسهم إذا أرادوا الجلوس، ولا يتشبهوا بالمسلمين في شيءٍ من لباسهم في قلنسوة ولا عمامة ولا نعلين، ولا فرق شعر ولا يتسمّوا بأسماء المسلمين، ولا يتكنوا بكناهم، ولا يركبوا سرجًا، ولا يتقلدوا سيفًا، ولا يتخذوا شيئًا من سلاح ولا ينقشوا خواتمهم بالعربية، ولا يبيعوا الخمور، وأن يجزّوا مقادم رؤوسهم، وأن يلزموا زيّهم حيث ما كانوا وأن يشدوا الزنانير على أوساطهم، ولا يظهروا صليبًا، ولا شيئًا من كتبهم في شيء من طرق المسلمين، ولا يجاوروا المسلمين بموتاهم ولا يضربوا بالناقوس إلا ضربًا خفيفًا، ولا يرفعوا أصواتهم بالقراءة في كنائسهم في شيء من حضرة

стр. 600

المسلمين، ولا يخرجوا شعانين (١)، ولا يرفعوا مواتهم أصواتهم، ولا يظهروا النيران معهم، ولا يشتروا من الرقيق ما جرت عليه سهام المسلمين، فإن خالفوا شيئًا مما شرطوه فلا ذمة لهم، وقد حلّ للمسلمين منهم ما يحل من أهل المعاندة والشقاف. البخاري (٢)، عن عمر بن الخطاب، قال: وأوصِيهِ بذِمَّةِ الله وذمة رسُولِه ﷺ أن يُوَفَّى لَهُمْا بِعَهْدِهم، وأن يُقَاتلَ مِنْ ورائهم، ولا يُكلَّفُوا إلا طاقتهم. أبو داود (٣)، عن عقبة بن عامر، قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "لا يدخل الجنة صاحبُ مَكْسٍ" يعني الذي يَعْشُرُ الناس. مسلم (٤)، عن عمر بن الخطاب، أنَّهُ سَمِعَ رسول الله ﷺ يقول: "لأُخرجَنَّ اليَهُودَ والنَّصارى من جزيرةِ العربِ، حتَّي لا أدَعَ إلا مُسْلِمًا". وعن أبي هريرة (٥)، ﵁ قال: بينما نحن في المسجِدِ، إذ خرج إلينا رسُولُ الله ﷺ فقال: "انطلِقُوا إلى يهُودَ" فخرجنا مَعَهُ حتى جِئْنَاهُم، فقامَ رسُولُ اللهِ ﷺ فنادَاهُم: "يا معشر يهود!
следующие страницы →