← Общие книги

Общие книги · id 17731

مفهوم تجديد الدين

بسطامي محمد سعيد

Полный текст (285 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

خاطئًا؛ لأنها اتخذت العصر وما فيه من قيم متغيرة مقياسًا لحقائق التوراة الثابتة. إنها تجعل العصر هو الحاكم إما أن تتكيف اليهودية معه أو تموت، ولكن هِرش يرى أن موت اليهودية هو في تطويعها لمبادئ العصر المتغيرة. إن الطريقة الصحيحة في نظره هي أن تجعل التوراة وما فيها من حقائق ثابتة معيارًا لما في العصر من خير أو شر؛ لأن التوراة هي في المنزلة العليا فوق متغيرات الحضارة، من غير أن تغمض التوراة عينيها عن كل ما هو نافع في المعرفة الجديدة. ويوجز رأيه في عبارات قليلة في أحد كتبه فيقول: "إن الدين في نظرهم صحيح مادام لا يتعارض مع التطور، وفي نظرنا التطور صحيح مادام لا يتعارض مع الدين" (١). عاصفة التجديد في أمريكا (٢): لم تكن حركة اليهودية الإصلاحية (Reform Judaism) قاصرة على ألمانيا بل تعدتها إلى غيرها من البلاد الغربية، فدخلت للجاليات اليهودية في فرنسا وإنجلترا وأمريكا وغيرها، وذلك في منتصف القرن التاسع عشر الميلادي. وإذا كانت ألمانيا هي مركز الحركة حتى ذلك الوقت، إلا أنه بسبب الظروف غير المستقرة التي كانت تمر بها أوروبا عمومًا، وبسبب هجرة اليهود الواسعة وبخاصة الألمان إلى أمريكا، تحول مركز الحركة وثقلها في النصف الأخير من ذلك القرن إلى الولايات المتحدة الأمريكية. كانت بوادر الحركة في أمريكا قد ظهرت منذ العقود الأولى في ذلك القرن، مقتفية آثار الحركة في ألمانيا ومعتمدة عليها في فكرها وفي نوعية إصلاحاتها، ويؤرخ عادة لهذه البداية بالعام (١٨٢٨ م) حيث تأسست في ولاية كارولينا الجنوبية جمعية صغيرة باسم "جمعية الإسرائيليين التجديدية" (Society of Israelites Reformed) ولكن الحركة استمرت ضعيفة ومتعثرة إلى أن هاجر أحد الأحبار الذين شاركوا في الحركة الألمانية، فكانت لجهوده آثار في إنعاش الحركة في أمريكا، وبفضل نشاطه تكونت في عام (١٨٧٣ م) مؤسستها المعروفة

стр. 107

حتى اليوم "اتحاد الطوائف العبرية الأمريكي" (The Union of American Hebrew congregations) (١) . وقد سارت الحركة في أمريكا في أطوار وظروف مشابهة لما مرت به الحركة في ألمانيا وبغض النظر عن التفاصيل فإن أكبر حدث شهدته الحركة كان عام (١٨٨٥ م)، حيث اجتمع تسعة عشر حبرًا من مفكريها وأصدروا وثيقة هامة ظلت لمدة نصف قرن تعبر عن مبادئ الحركة الأساسية وعقيدتها، وعرفت هذه الوثيقة باسم "خطة بتسبرج" (pittsburgh platform) وقد شملت الوثيقة ثمانية مبادئ (٢) وهذه بعض الفقرات منها: ١ - نحن نشهد أن اليهودية تعبر عن أعلى تصور للفكر الديني الذي بينته كتبنا المقدسة، وطوره وشكل روحه علماء اليهود، ليلائم التقدم الفلسفي والأدبي في عصر كل منهم. ٢ - نحن نشهد أن كتبنا المقدسة هي سجل لما قام به الشعب اليهودي في سبيل خدمة الإله الواحد. "لقد أهمل بتاتًا ذكر طبيعة هذه الكتب وهل هي وحي أم لا؛ لأن المؤتمرين لم يتفقوا على تعريف واحد للوحي". ونحن نشهد أن الاكتشافات العلمية لا تعارض عقائد اليهودية. "كانت نظرية دارون قضية الوقت ولنفي التعارض معها رفض الفهم الحرفي لقصة الخلق كما جاءت في أسفار التوراة". ٣ - لا نقبل الآن من الشريعة الموسوية إلا أحكامها الأخلاقية، ونرفض كل ما لا يتلاءم مع أفكار وقيم وسلوك الحضارة العصرية. ٤ - في المبدأ الرابع رفضت جميع النظم والقوانين الخاصة بطقوس الكهنة وملابسهم، باعتبار أنها تكونت تحت تأثير ظروف غريبة على الذهن المعاصر. ٥ - في المبدأ الخامس فسرت عقيدة ظهور "المسيح" الذي بشرت به كتبهم المقدسة إلى أنها رمز "لإقامة مملكة الحق والعدل والسلام في العالم"،

стр. 108

وصاحب هذا التفسير الجديد رفض اعتبار اليهود "شعبًا وقومية" بل هم "جماعة دينية". ٦ - أعلن أن اليهودية دين متطور يصارع دائمًا ليكون متماشيًا مع العقل، ومن الممكن إقامة صلات تعاون مع المسيحية والإسلام باعتبارهما تولدا من اليهودية. ٧ - مع الاستمرار في الإيمان بخلود النفس إلا أن عقيدة الآخرة المتمثلة في العقاب والثواب الجسدي والجنة والنار رفضت تمامًا "والحجة التي قدمت أنها ليست لها "جذور أصيلة" في اليهودية "وإن كان من الواضح أن السبب الأساسي هو الزعم بأن هذه العقيدة مناقضة للعلم الحديث". ٨ - أعلن أن من واجب اليهودية الآن أن تشارك في الجهود العصرية لتحقيق العدالة الاجتماعية "كان الصراع الطبقي أحد المشاكل التي تجد العناية من المفكرين آنذاك". اليهودية التجديدية في القرن العشرين (١): شهد القرن الحالي تراجعًا في حركة التجديد الحرة اليهودية في مركز ثقلها الأساسي في أمريكا، ويدلل على هذا التراجع في الأفكار نحو تبني ما كان يرفض من قبل ويوسم "بالتقليدية"؛ التعديل الذي طرأ على مبادئ بتسبرج والذي أعلن في عام (١٩٣٧ م) من مجلس الحركة التشريعي، الذي يسمى المؤتمر المركزي لحاخامات أمريكا (the Central Conference of American Rabbis) وقد أعطيت مبادئ ١٩٣٧ م اسم "المبادئ الإرشادية لحركة التجديد اليهودية" (Principles of reform judaism Guiding) وقصد بذلك إسباغ صفة المرونة عليها وأنها ليست مبادئ ملزمة. ولكن الفروق بين المبادئ الجديدة والمبادئ القديمة كانت كبيرة، ويعلق الأستاذ بلاو (Blau) أستاذ الديانات بجامعة كولومبيا على ذلك بقوله: "إن الفروق بين الاثنين واسعة جدًا بحيث يبدو كأن الوثيقتين لم يصدرا من حركة واحدة" (٢).

стр. 109

لقد عادت الحركة لاستعمال اللغة العبرية في الصلوات، وأعيد للصلوات كثير من الطقوس التي رفضت في القرن السابق، وأصبح يحتفل بكثير من الأعياد كالطريقة التقليدية، وعادت ليوم السبت حرمته وعادت لهجة الحديث عن كثير من المسائل أكثر اعتدالًا وأكثر اقترابًا من وجهة النظر التقليدية (١). وليس هذا التراجع في الأفكار والمبادئ فقط بل إن فكر اليهودية المجددة يعتبر فكر أقلية والفرقة التقليدية (Orthodox) لا تزال تضم أغلبية اليهود في أمريكا (٢). وفي دولة اليهود التي أقاموها في فلسطين لا تعترف الدولة بفرقة اليهودية المتحررة وقد يكون ذلك بسبب العداء التاريخي بينها وبين الحركة الصهيونية، والمعابد الحرة القليلة التي أنشئت وسط معارضة كبيرة لا تجد تشجيعًا ولا دعمًا ماديًا من الدولة (٣). ورغم أن الإقبال على الدين نفسه ضعيف وسط اليهود في العالم، إلا أنه في محيط المتدينين القلة، لا يمكن الزعم أن حركة اليهودية الإصلاحية، بعد قرنين من الصراع، قد استطاعت أن تغير الصورة بالقدر الذي كانت تحلم به. التجديد العصراني للنصرانية: وفي نفس الوقت الذي كانت تزدهر فيه تلك الحركة لتجديد اليهودية كانت النصرانية بشقيها الكاثوليكية والبروتستانتية تشهد تطورات مماثلة، تشترك في نفس الهدف وهو إيجاد التآلف بين إيمان الآباء وبين أفكار العالم الحديث. يقول أحد الكُتَّاب الغربيين ممن سجلوا هذه الظاهرة وهو جون راندال في كتابه "تكوين العقل الحديث": ". . . الذين دعوا أنفسهم بالمتدينين الأحرار في كل فرقة دينية، سواء بين البروتستانت أو اليهود أو حتى الكاثوليك قد ذهبوا إلى القول أنه إذا كان للدين أن يشكل حقيقة حية، وإذا كان له أن يظل تعبيرًا دائمًا عن الحاجات الدينية للجنس البشري، فلابد له أن يتمثل الحقيقة والمعرفة الجديدتين، وأن يتآلف مع الشروط المتغيرة في العصر الحديث من فكرية واجتماعية" ويقول هؤلاء إن تعديل

стр. 110

العقائد في ضوء المعرفة السائدة "يجب أن يتم المرة تلو المرة ما دامت معرفة الإنسان تنمو وحياته الاجتماعية تتغير" (١). ولا شك أن هذه الاتجاهات سعت لإحداث تغيير جذري في النصرانية أكبر بكثير مما حاوله الإصلاح الديني السابق على يد لوثر وكالفان. وعمومًا تنسب نشأة حركة التجديد الحديثة في القرنين التاسع عشر والعشرين إلى ثلاثة عوامل رئيسة (٢)، فهناك أولًا: التقدم العلمي الهائل الذي أوجد تصورًا جديدًا للكون يخالف التصور القديم، ولما كان اللاهوت المسيحي قد اشتمل في صلب عقائده على نظريات عفا عليها الزمان فقد نشبت حرب عنيفة بينه وبين العلم الحديث. وهذا التباين والاختلاف بين اللاهوت والعلم الحديث يشتد ويزداد عندما ينشأ تسليم مطلق بقوة العلم الحديث ومنهجه، وافتراضاته والفلسفات الجديدة التي تصاحبه، ومن أجل التوفيق بين المعارف الجديدة وعقائد الدين انبرى رجال الدين أنفسهم لإعادة تأويل هذه العقائد على ضوء العلم والفلسفات الحديثة. والعامل الثاني الفعال الذي دفع بهذه الحركة للظهور هو استخدام منهج النقد التاريخي في نقد التوراة والإنجيل، فقد أخضعا لمقاييس البحث التي أخضعت لها كل الكتابات والمخطوطات التاريخية القديمة، وجرت محاولات لاكتشاف التناقضات في رواياتها والاختلافات في أسلوبها ومن ثم برز السؤال هل هي كتب مقدسة موحاة من الله أم هي من وضع بشر؟ ومن مؤلفوها ومتى ألفت؟ وقد شاركت مجموعة من اللاهوتيين في هذه البحوث وسلموا بنتائجها، واستخدموها في صالح الدعوة إلى تعديل العقائد في ضوء المعرفة الجديدة. العامل الثالث الذي كان له أثره أيضًا هو توسع الدراسات الدينية المقارنة، فقد اتجهت الأبحاث إلى دراسة أديان الإغريق والمصريين، وأديان الهند وأديان المجتمعات البدائية في أفريقيا وآسيا، ونشأت نظريات وفلسفات عن أصل وتطور الدين وقد دعمت هذه الدراسات نقد الكتاب المقدس المسيحي، إذ بدا مماثلًا من جهات كثيرة للآداب المبكرة والكتب المقدسة عند الشعوب الأخرى، وتدعمت أكثر وجهة النظر الداعية إلى إجراء التعديلات على تعاليم الدين.

стр. 111

حركة التجديد في الكاثوليكية: أطلق البابا بيوس العاشر في عام (١٩٠٧ م) في منشورين أصدرهما على هذه الحركة اسم العصرانية (Modernism) ودمغها بالكفر والإلحاد ووصفها بأنها "مركب جديد لكل عناصر البدع والهرطقة القديمة" (١)؛ فقد أعلن قائلًا: "لو حاول إنسان أن يجمع معًا جميع الأخطاء التي وجهت ضد الإيمان، وأن يعصر في واحدة عصارتها وجوهرها كلها لما استطاع أن يفعل ذلك بأفضل مما فعل العصرانيون" (٢). وقد كان صدور هذين المنشورين بداية لسلسلة من الإجراءات التي اتخذتها سلطات الكنيسة الكاثوليكية في روما لقمع هذه الحركة، وقد كان من الإجراءات الأخرى وضع الكتب والمجلات التي تشتمل على آرائها في قوائم الكتب المحرمة قراءتها على الكاثوليك، وطرد بعض القساوسة من الكنيسة وإعلان كفرهم، وصياغة قسم معين عرف باسم "القسَم ضد العصرانية" (oath against Modernism) أصبح لزامًا على كل من أراد أن يتبوأ منصبًا دينيًا في الكنيسة أن يقسمه (٣)، وبسبب هذا القمع اضمحلت الحركة رويدًا رويدًا حتى تلاشت داخل الكنيسة. كان مهد الحركة في فرنسا ومنها إلى دول أوروبا الأخرى وأمريكا. وكان من أبرز قادة هذه الحركة الراهب الفرنسي لويزي (Loisy) (١٨٥٧ - ١٩٤٠ م) والذي أعلنت ردته (excommunicated) في عام (١٩٠٨ م) والذي كان في البداية أستاذًا في المعهد الكاثوليكي في باريس، ثم بعد أن أبعد انتقل إلى كلية علمانية هي الكوليج دي فرانس أستاذًا لتاريخ الكنيسة. نشر لويزي أول كتاب له آثار العاصفة في (١٩٠٢ م) بعنوان: "الإنجيل والكنيسة" (L Evangile et Eglise) وقد وصف الناشرون الكتاب بأنه مخطط تاريخي لتطور المسيحية، وتفسير لأشكالها ورموزها وعقائدها، لتتوافق مع معلومات التاريخ وطرق التفكير المعاصرة، ثم أتبعه بمجموعة من الكتب كان شعاره فيها "الولاء للكنيسة والعلم" وكان هدفه

стр. 112

دومًا إيضاح أن الكاثوليكية متوافقة ومنسجمة مع العقل وطرق البحث العلمي الحر. وفي إنجلترا كان ممن برزوا الأب جورج تيريل (Tyrel) ت ١٩٠٩ م) وقد أعلن كفره وطرد من الكنيسة أيضًا. ويعرف جورج تيريل العصرانية بقوله: ". . . إنها محاولة للتوفيق بين أسس العقيدة الكاثوليكية وبين العقل ونتائج النقد التاريخي التي لا تقبل الجدل. . . وأنها تهدف إلى إثبات الانسجام والوئام الكامل بين حقائق الدين وبين التعبيرات المتغيرة والمتطورة لهذه الحقائق في شكل عقائد (doctrines) ومؤسسات. . .". ويقول أيضًا ". . . في نظري أن أحسن وصف للعصرانية أنها الرغبات والجهود لتكوين مجموعة جديدة من مبادئ اللاهوت، تتماشى مع منهج البحث النقدي التاريخي. . . وأعني بالعصراني (Modernist)؛ أي: متدين من أي كنيسة يؤمن بإمكانية إيجاد توافق بين حقائق الدين الأساسية وبين الحقائق الأساسية في العالم المعاصر" (١). والحركة العصرانية في الكنيسة الكاثوليكية لم تكن حركة منظمة أو فرقة مستقلة، بل كانت بالأحرى مجموعة من الأفكار وأحيانًا متناقضة لمفكرين مستقلين عن بعضهم البعض، وإن جمعت بين بعضهم حبال الصداقة والود، وتبادل الرسائل والأفكار، والصفات المشتركة التي تجمعهم هي أن حركاتهم نبعت من داخل الكنيسة، فقد كانوا جميعًا من أصحاب المناصب الدينية فيها، وأنهم سعوا لتقويض سلطة الكنيسة المطلقة، ورفض المنقول (Tradition) المتمثل في النصوص الحرفية للكتب المقدسة، وفي الشروح القديمة لها، مع محاولة إعادة تأويل عقائد الكاثوليكية على ضوء المعرفة الحديثة.

стр. 113

النقد التاريخي للمنقول: الجانب الأول في العصرانية هو ما اضطلعت به من نقد للتوراة والإنجيل في إطار ما سمي بالنقد التاريخي، ومن الكتب التي تناولت هذا الجانب كتاب الراهب لويزي "أناجيل مرقص ومتى ولوقا" (L S Evangiles Sypnotiques)، والذي ظهر عام (١٩٠٧ م). والكتاب ضخم في مجلدين عدد صفحاته ١٨٣٢ صفحة؛ وفي هذا الكتاب توصل الراهب الكاثوليكي إلى آراء مدهشة. فهو يؤكد أن الأناجيل بصورتها الحالية تشتمل على مجموعة من الأساطير والخرافات ولهذا لا يمكن أن تكون هي كلمات الله المقدسة. ولكن ما هي هذه الخرافات والأساطير؟ في نظره كل ما هو غيبي وخارق للطبيعة (Supernatural) فهو خرافة. . . مثل ماذا؟ مثل ولادة المسيح من أم عذراء يقول: "فهذه الأسطورة لابد أن تكون قد تكونت خارج فلسطين في أرض بعيدة عن موطن عيسى وبعيدة عن أي معرفة حقيقية بتفاصيل حياته. . ." وهو مؤمن بأن المسيح قد ولد من أم وأب كما يولد سائر الناس، وأن أباه هو يوسف النجار. . . وكذلك موت عيسى في تحليلاته قد أحيط بكثير من الأوهام، وحسب بحثه العلمي التاريخي أن عيسى قد قتله أعداؤه اليهود، وقطعوا جسده إربًا إربًا ورموا أجزاء رفاته في قناة للمياه. ولكن تلاميذه لم يصدقوا موته، واستمروا يعتقدون أنه ما زال على قيد الحياة، وادعى بعضهم رؤيته في مكان ما ثم تطورت هذه العقيدة إلى أنه رفع من قبره وأن قبره قد وجد خاويًا! ويمثل هذا الخيال الخصب يستمر لويزي في نقده، ويقسم معجزات عيسى إلى قسمين: معجزات عادية مثل: إشفاء المرضى، وأخرى خارقة للطبيعة مثل: إحياء الموتى وتكثير الطعام وما إليها، وفي اعتقاده أن النوع الأول فقط هو الصحيح أما النوع الآخر فلم يحدث أبدًا. وهذا عنده أحد الأدلة على أن الأناجيل كتبتها عقول بشرية وحشتها بما لا يصدقه العقل! وعلى نفس الأسس في رفض كل ما هو فوق الطبيعة ينتقد فكرة ألوهية عيسى ويقول: "إن ادعاء أن عيسى إنسان مقدس، وأنه كان واعيًا بأنه إله في صورة بشر لا يمكن أبدًا إثبات أنه حقيقة، بل هناك أكثر من دليل على أنه باطل. . . إن عقيدة ألوهية المسيح ما هي إلا رمز للصلة القوية التي تربط الإنسانية جمعاء بالله ممثلة في شخص المسيح" (١).

стр. 114

وعلى هذا المنهج تقيم العصرانية رفضها لسلطة المنقول (Tradition) لأنه يناقض ما أثبته العلم الحديث في نظرها، وتدعي أن المنقول سواء تمثل في الأناجيل أو في شروحها، ما هو إلا تعبير عن التطور المرحلي للفكر الديني في العصر الذي كتب فيه. إنها تنفي نفيًا باتًا أن تكون النصوص التي تلصق بها صفة القدسية، قوالب محدودة جامدة لحقائق الدين ثابتة لكل الأزمنة، ولكنها فقط تعبير عن مشاعر وتجارب البشر في عهد تاريخي معين. وبناء على هذا يعتقد أن الحقائق الدينية تخضع لتفسيرات متطورة حسب تقدم المعرفة البشرية، وكلما تقدمت المعرفة حدثت تصورات جديدة لحقائق الدين (١). يقول جورج تيريل في كتاب "برنامج العصرانية": ". . . القديس توما الأقويني (٢) كان المجدد الصحيح في زمنه، والرجل الذي جاهد بثبات وعبقرية عجيبين للتوفيق بين الإيمان والفكر في أيامه، ونحن الخلفاء الصحيحون للمدرسيين في كل ما كان ذا قيمة صحيحة في عملهم، وفي حسهم الدقيق في تكييف الديانة المسيحية مع الأشكال الدائمة التغير في الفلسفة والثقافة العامة" (٣). وكانت من نتائج هذا النقد التاريخي أن دخلت فكرة التطور في تعاليم الدين وتبع ذلك مفهوم نسبية الحقيقة (٤)، وصاحب ذلك بعض المبادئ الأخرى ذات الصلة. ذلك أن المرء إذا آمن أن تعاليم الدين تخضع لتطور مستمر، وتكيف وتشكل حسب نمو المعرفة، فإن ذلك يستتبع أن تنشأ في ذهنه مجموعة من الأسئلة الهامة منها: ما الثابت والمتغير في الدين؟ وهل حقائق الدين مطلقة (absolute) ما دامت تتكيف حسب المعرفة النامية؟ فالعصراني يواجه هنا سؤالًا حرجًا: كيف يوفق بين تطور تعاليم الدين وعقائده في كل عصر وبين قيمتها كحقيقة؟ ولقد حاولت العصرانية التغلب على هذه الصعوبة بأن تفرق بين ما تسميه "الروح" (Spirit) وبين "الشكل" (form)

стр. 115

الذي يأخذه التعبير العقدي، واصفة "الروح" بأنها أمر ثابت ومطلق، وواصفة الشكل بأنه "أداة" فقط ذات قيمة نسبية ومتغيرة. وتعرف "روح" الدين تعريفًا غامضًا "أو هكذا بدا لي" إذ يقال أنها ذلك الإدراك الذي يقوم شاهدًا على وجود تجربة دينية معينة، ولكن هذا الإدراك والوعي بالتجربة الدينية لا يمكن إلا وأن يمر عبر العقل البشري الذي يترجمه في فكر ورموز تصطبغ وتتأثر بالعادات والتقاليد وطرق التفكير السائدة في زمن ظهورها. فالروح هي ذلك الإدراك، أما الشكل فهي تلك الرموز التي يعبر فيها عنه، ولذا فهي قابلة لأكثر من تفسير (١). إعادة تفسير النصرانية: إن الدعوة الرئيسة لحركة العصرانية هي المناداة بضرورة إعادة تفسير مفاهيم النصرانية التقليدية في ضوء ما يسمى معارف العصر. ويقول العصرانيون أن عقائد المسيحية الحالية قد نصت ضمن الفلسفة الأفلاطونية الحديثة، ولا يمكن فهمها إلا في حدود تلك الفلسفة، وقد أخذوا هم على عاتقهم أن يعيدوا تفسيرها على ضوء الفلسفة الجديدة، ولأنهم ذهبوا إلى أنها رموز فكرية تمثل تجربة الماضي الدينية فقد احتفظوا بالكلمات والعبارات القديمة، ولكنهم استعملوها في معان مختلفة تمامًا عن المعنى الذي استعمله فيها أوغسطين والأقويني وكالفان وويزلي، وتبريرهم لهذا يقوم على القول أن كلًّا من هؤلاء المفكرين أخذ اللغة التقليدية بدوره وفسرها تفسيرًا مختلفًا عن الآخر. وأن معنى المذاهب القديمة كان دائم التغير للتكيف مع العالم الفكري الجديد الذي يعيش فيه المفكر. . . إن اللاهوت يجب أن يصب خمر المعرفة الجديدة في الزجاجات القديمة من العقائد الكلاسيكية (٢)، وقد أخذت هذه التفسيرات اللاهوتية الجديدة أشكالًا عديدة، ولكن مهما يكن شكلها فقد تضمنت انفصالًا جذريًا عن المفاهيم اللاهوتية القديمة (٣). والمفتاح الأساسي الذي استعمل لإعادة تفسير تعاليم النصرانية هو مذهب الحلول، وهو أن الله والكون والإنسان شيء واحد. وعلى ضوء هذا المذهب

стр. 116

ذهبت العصرانية تفسر كل العقائد والأمور الغيبية، التي تظن أنها متعارضة مع ما يثبته الحس والتجربة والعلوم العصرية، "ولم يتبين لي كيف أن العصرانية آمنت أن مذهب الحلول نفسه مذهب موافق للعقل ولما يثبته الحس والتجربة". ومهما يكن الأمر فإن فكرة الحلول إذا طبقت على الوحي "فكل الكلمات الحكيمة والرسالات الرفيعة من أي رجل جاءت فهي وحي"، فالفلاسفة والشعراء والأنبياء والقديسون "جميع هؤلاء كانوا مدارج للوحي الإلهي" (١)، وذلك لأن الإنسان نفسه ذو طبيعة إلهية. وبكلمات جورج تيريل الوحي هو التجلي الذاتي (Self-Manifestation) للإله في حياتنا الباطنية"، إن كلمة وحي "في الأصل ترمز إلى تجربة دينية، ثم أصبحت تدل على التعبير عن تلك التجربة ونقلها للآخرين"؛ وعلى هذا فالوحي "ظاهرة خالدة موجودة في كل نفس متدينة ولا ينقطع أبدًا. . ." (٢). والمعجزات ليست هي تدخلًا منفصلًا من الذات الإلهية لخرق قوانين الطبيعة، بل كل شيء في الطبيعة فهو معجزة، والمعجزات في كل مكان وكل حادث، حتى حوادث الطبيعة، والشائعة هي معجزة إن كان فيها ما يؤدي إلى تفسير ديني. وليس الخلود استمرارًا للحياة وراء القبر بل يمكن أن نحصل عليه الآن وفي هذه الحياة، وهو أن نتحد مع الثابت الخالد ونحن وسط المؤقت وأن نكون أزليين في كل لحظة. "فالنظرية القديمة التي أقرها مجمع خاليدونية (Council of Calcedon) في عام (٤٥١ م) كان معناها أن الشخص الواحد يسوع يملك طبيعتين متباينتين متمايزتين تمامًا، الإلهية والإنسانية. أما بعد توحيد ما هو إلهي وما هو إنساني، فقد فقدت قيمتها جميع نقاط المجادلات القديمة حول الأصل الإلهي للمسيح، والتجسد، وولادة العذراء، فالمسيح إلهي حقًا تمامًا كما أن جميع الناس إلهيون، لكنة كان واعيًا لألوهيته وتمكن من أن يخضع حياته بشكل أتم إلى هذه الألوهية" (٣). رفض سلطة الكنيسة: ومن أهداف العصرانية أيضًا رفض سلطة الكنيسة، ولكن ليس إلغاؤها بل

стр. 117

تحويلها إلى مؤسسة اجتماعية. فالمفروض أن لا تكون الكنيسة مصدرًا للتفسير والتشريع، وأن لا تكون هي الجهة التي تحدد الخطأ والصواب وتميز بين الحق والباطل، ولكن الذي يحدد ذلك هو الحكم الفردي للمرء (Private Judgement)، فمن الممكن للكاثوليكي أن يرفض التفسيرات التي تقدمها سلطات الكنيسة ويصل إلى تفسيرات خاصة به يقبلها ضميره (١). وتعتبر العصرانية الكنيسة مؤسسة تاريخية، ولكن لم يؤسسها المسيح إنما نشأت استجابة لحاجات معينة، وأنها بأنظمتها الحالية أثر من تطور المسيحية، خدمت الدين المسيحي في ظروف سابقة ولكنها الآن وبأنظمتها العتيقة تقتل "الروح" الحقيقية للمسيحية، ولكن مع هذا فإن أحدًا من الكُتَّاب الرئيسيين في هذه الحركة لم يقدم طريقة محددة لإصلاح الكنيسة، ولقد كان يظن أنه بإحياء "الروح" الحقيقية للمسيحية فإن الكنيسة تلقائيًا وبحركة من داخلها ستصلح أخطاءها، وتستجيب للحاجات التي تفرضها عليها ظروف العصر (٢). التجديد العصراني للبروتستانتية: وفي الوقت نفسه وفي خطوط متوازية سار التجديد في البروتستانتية الحرة (Liberal Protestantism)، ومن المؤكد أن المفكرين في كلا الحركتين قد أثروا وتأثروا بعضهم ببعض (٣). وفي كل من ألمانيا وإنجلترا وفرنسا وأمريكا ظهر مفكرون بارزون في حركة البروتستانتية الحرة. وحتى تتضح أوجه المقارنة بين العصرانية في شقي النصرانية، هذه بعض أمثلة من آراء أحد المفكرين الكبار وهو البروفيسور أوجيست سباتية (١٨٣٠ - ١٩٠١ م)، الذي كان أستاذًا في كلية اللاهوت البروتستانتي في جامعة باريس، وتظهر آراء سباتية في مؤلفين "مخطط فلسفة الدين" (١٨٩٧ م) و"دين السلطة ودين الروح" (١٩٠٣ م)، ويغطي الكتابان نفس الموضوعات، وينتقدان نقدًا مرًا ما سمي بدين "السلطة" والمقصود بها البروتستانتية التقليدية (Orthodox Protestantism) والكاثوليكية، ويحبذان ما يسميه

стр. 118

المؤلف "دين الروح" (١)، وهذه قراءات في فكرة (٢): نقرأ مفهوم تطور الدين في مثل قوله: "إن المعرفة الدينية تبقى بالضرورة خاضعة للتحول الذي يحكم تجليات الحياة والفكر الإنساني"، "إن الأشكال التي لا تستطيع بعد أن تكون مرنة قابلة للتغير، والرموز التي استنفذت تفسيرها الحي، والجسم المتصلب الذي لا يتمثل ويرفض أي عنصر وارد من الخارج -هذه كلها تمثل حالة موت وعقم يتلوها انحلال سريع". وهو ينتقد البروتستانتية التقليدية لأنها تتجاهل الظروف التاريخية والنفسية التي تنظم شكل وظهور المعرفة الدينية. ونقرأ أيضًا: "إن الضمير الإنساني الفردي وحده هو الحاكم على حقائق الدين "إن حقائق الدين ونظامه الأخلاقي يتوصل إليها عن طريق ذاتي شخصي (Subjective) وهو ما يمكن تسميته بالضمير"، والوحي هو الوعي الدائم بالإله في الإنسان، ولأن الإنسان ذو طبيعة مزدوجة فالكتاب المقدس خليط مما هو إلهي وبشري، وعلى ذلك لا يمكن الاقتباس منه مباشرة والاحتجاج به وفرض سلطته المطلقة على الفكر اللاهوتي المعاصر. وعيسى كان "مجرد بشر" والمعرفة المتاحة له كانت هي الثقافة السائدة في عصره وسط اليهود، فلهذا كان يؤمن بالمعجزات بنفس الطريقة التي يفهمها بها عصره، وهي إمكانية تدخل الإله في قوانين الطبيعة، مع أن المعجزات الآن -تلك الوسيلة التي كانت برهانًا على صحة الدين في الماضي- قد أضحت أعصى في البرهان من الدين نفسه. ويؤمن سباتية بفكرة الحلول أيضًا يقول: "اكتشف في شعوري الوجود المستتر والحقيقي لعلة خاصة هي أنا ولعلة كلية هي الله. . . بداخلي أنا يسكن كائن أكبر مني، إنه ضيف غريب مستتر، استشعر فعله السرمدي تحت الظواهر المتغيرة لنشاطي. . . إنني لا أستطيع أن أفهم وجود المتناهي مع اللامتناهي لكن هذه الثنائية موجودة في كل مكان. .".

стр. 119

تعريفات وخطوات للإصلاح: تلك لمحات تعطي فكرة عن تشابه خطى التجديد في الكاثوليكية والبروتستانتية، ونقدم هنا بعض تعريفات للعصرانية لكتاب إنجليزي بروتستانتيين، تزيد الحقيقة السالفة تأكيدًا ووضوحًا. يقول أحدهما (برسي جاردنر) (Percy Gardner): " إن العصرانية (Modernism) مبنية على التطور العلمي والمنهج النقدي التاريخي، وإن أهدافها ليست هي طرح وإلغاء حقائق الدين المسيحي، ولكن ما ترمي إليه هو إنعاش هذه الحقائق وتجديدها، على ضوء المعرفة النامية، وإعادة تفسيرها بطريقة تلائم ظروف العصر الثقافية". . . ويقول آخر (فرنون ستور (Vernon Storr): " العصرانية هي تلك المحاولات التي تبذلها مجموعة من المفكرين لتقديم حقائق الدين المسيحي في قوالب المعرفة المعاصرة. . . إننا الآن لا نركب المركبات التي تجرها الخيول، ولا نلبس ملابس أجدادنا، ولا نتكلم لغتهم، ولا نؤمن أن الأرض هي مركز النظام الشمسي كما كانوا يؤمنون، فلماذا في ميدان اللاهوت نكره على أن نفكر بعقول العصور البالية. . . الويل للكنيسة التي تغمض عينيها فتعمى عن رؤية نعمة المعرفة الجديدة" (١). ولعل في تطور حركة العصرانية في إنجلترا ما يعطي نموذجًا من خطواتها العملية في الإصلاح (٢). فقد أدى ازدهارها هناك إلى تأسيس اتحاد للعصرانيين في عام (١٨٩٨ م) سمي اتحاد رجال الكنيسة المعاصرين (The Modern Churchmens Union) وكان شعاره "من أجل تقدم الفكر الديني الحر"، وكان من نشاطات هذا الاتحاد بث المفاهيم العصرانية في مدارس التعليم الديني، وتقديم الدراسات والبحوث ونشر الكتب وإصدار المجلات والدوريات، وإعادة صياغة العقائد ومراجعة كتب الصلوات، وإصلاح طرق التبشير ووسائله في الخارج. ومن جهوده إصدار مجلتين إحداهما "رجل الكنيسة الحر" (Churchman Liberal) ما بين (١٩٠٤ - ١٩٠٨ م) والأخرى "رجل الكنيسة المعاصر" (Modern Churchman) شهرية من (١٩١١ م) إلى (١٩٥٦ م). وعقد الاتحاد سلسلة من المؤتمرات ومن أهمها مؤتمر في عام (١٩٢١ م) في كمبردج كان له صدى واسع.

стр. 120

وقدم الاتحاد صياغة جديدة للعقائد البروتستانتية في وثيقة وكانت توزع باسم "الإيمان المسيحي المعاصر بلغة المسيحية القديمة"، وخطا الاتحاد خطوة أخرى جريئة وهي وضع كتاب جديد لتلاوته في الصلوات ظهر في عام (١٩٢٨ م)، اشتمل على تراتيل ملفقة من فرق المسيحية المختلفة، لكن البرلمان الإنجليزي رفض الاعتراف بشرفية استعماله في الكنائس، إلا أنه استمر يستخدم اختيارًا بصفة غير قانونية. وموقف العصرانية الإنجليزية من الكنيسة نابع من قناعتها الراسخة أن الكنيسة ليست لها عصمة من الخطأ مطلقة، أو تعاليم ثابتة أو أعراف جامدة أو دستور محدد، ولكن مع ذلك فإن الكنيسة في نظرها هي المؤسسة الوحيدة الصالحة لإقامة مملكة المسيح في الأرض، ولهذا كانوا يدعون إلى "كنيسة قوية مستقرة في دولة مسيحية متطورة"، ودعوا للتعاون بين الدولة والكنيسة، وخاصة في مجالات التعليم وإلى ولاء المسيحي للاثنين معًا. خاتمة العرض: وفي خاتمة هذا العرض المجمل لحركات التجديد العصراني في اليهودية والنصرانية بشقيها التي شهدها القرنان التاسع عشر الميلادي والعشرون، يحق للمرء أن يتساءل: هل نجحت هذه الحركات في استقطاب العقل المعاصر الذي سعت جاهدة لتقديم تأويلات دينية جديدة تناسبه؟ لعل الإجابة الدقيقة المعتمدة على الإحصائيات والأرقام غير متيسرة، إلا أن العالم الغربي في ذات القرنين الماضيين قد شهد انحلالًا وتراجعًا في التدين مما لا يترك مجالًا لأحد أن يظن أن تلك "الجرعات" الممزوجة صناعيًا في معامل العصر؛ قد حققت شيئًا في إرضاء عقل الرجل المعاصر وقلبه وضميره ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١) رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً (٢) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (٣)﴾ [البينة: ١ - ٣]. صدق الله العظيم (١).

стр. 121

الفصل الثاني مفهوم التجديد عند العصرانية في العالم الإسلامي ١ - الطبقة الأولى من المفكرين

стр. 122

الفصل الثاني مفهوم التجديد عند العصرانية في العالم الإسلامي ١ - الطبقة الأولى من المفكرين تمهيد: عرف العالم الإسلامي في تاريخه الحديث طبقة من المفكرين تسعى إلى محاولة إيجاد مواءمة بين الإسلام وبين الفكر الغربي المعاصر، وذلك بإعادة النظر في تعاليم الإسلام وتأويلها تأويلًا جديدًا. وإذا كان ذلك هو هدف العصرانية (Modernism) في الغرب كما رأينا في الفصل السابق فمن الممكن إطلاق نفس الاصطلاح على النزعات المماثلة في الفكر الإسلامي المعاصر. وفي عدد من الكتابات الحديثة التي تناولت هذه الظاهرة بالعرض والتحليل استعمل مصطلح (Modernism) (العصرانية) لوصفها (١)، وإن كان عدد من

стр. 123

الكُتَّاب قد فضَّل استعمال لفظ التَجدُّد أو التطوير أو التحديث (جعل الإسلام حديثًا) وأحيانًا لفظ التجديد (١) وإذا عُرِفت سمات وخصائص هذه المدرسة فلا مشَّاحة في الاصطلاح. أبو العصرانية في العالم الإسلامي: رائد العصرانية (Modernism) في العالم الإسلامي هو سيد أحمد خان (٢) (١٢٣٢ - ١٣١٥ هـ / ١٨١٧ - ١٨٩٨ م) "فقد كان سيد خان أول رجل في الهند الحديثة يتحقق من ضرورة وجود تفسير جديد للإسلام، تفسير تحرري وحديث وتقدمي" (٣). ولم يكن سيد خان أول ممثل للنزعة العصرانية (٤) فحسب بل كان نموذجًا كاملًا لها، وكل الذين جاءوا من بعده لم يضيفوا شيئًا جديدًا، بل كانوا يعيدون صياغة أفكاره بصورة أو أخرى. وإذا أمعنا النظر في تعريف العصرانية التي هي في جملتها محاولة للتوفيق بين الدين والعصر الحديث بإعادة تأويل الدين وتفسير تعاليمه في ضوء المعارف العصرية السائدة، فإن هذا التعريف برمته ينطبق على المدرسة الفكرية التي أنشأها سيد خان، تلك المدرسة التي قامت -كما يقول الأستاذ أبو الحسن الندوي-: "على أساس تقليد الحضارة الغربية وأسسها

стр. 124

المادية، واقتباس العلوم العصرية بحذافيرها وعلى علاتها، وتفسير الإسلام والقرآن تفسيرًا يطابقان ما وصلت إليه المدنية والمعلومات الحديثة في آخر القرن التاسع عشر المسيحي، ويطابقان هوى الغربيين وآراءهم وأذواقهم، والاستهانة بها لا يثبته الحس والتجربة ولا تقرره علوم الطبيعة في بادئ النظر من الحقائق الغيبية" (١). ولد سيد خان في دلهي في أسرة من علية القوم عريقة وذات صلة وطيدة بالحكام المغول، وإن كانت فقيرة، ونشأ في جو مشبع بالتصوف، وقرأ في صغره القرآن وعلوم اللغة العربية واللغة الفارسية، ولكن لم يكد يمضي في هذه الدراسة قليلًا إلا ورغب عنها ونفض يده منها. وعلى يد أحد أفراد عائلته أخذ يتعلم الرياضيات وعلم الهيئة، ولم يكن حظه فيها إلا كحظه في دراسته الأولى وانقطع أخيرًا عن التعلم في سن الثامنة عشرة، وعاش في شبابه حياة مرح يحضر حفلات الرقص والغناء الشائعة في طبقته (٢). وفي سن الثانية والعشرين اضطر بسبب وفاة والده للالتحاق بخدمة الحكومة الإنجليزية في سلك القضاء، وعمل في عدد من المدن الهندية. وبعد فترة ثاب إلى نفسه وبدأ في تغيير حياته وإصلاحها، وأقبل على التعلم من جديد ثم ألف عددًا من الكتب في السيرة النبوية والتاريخ (٣). وكان إخفاق الثورة الهندية عام (١٨٥٧ م) نقطة تحول في حياته إذ رأى بأم عينيه المأساة التي عاشها المسلمون وسقوط دولتهم والخراب والدمار الذي لحقهم، وكاد أن يهاجر ويترك وطنه إلا أنه فضَّل البقاء. ومنذ أول وهلة كان يدرك أن تلك الثورة نتيجتها الفشل، فلهذا وقف في أثنائها يناصر الإنجليز ويساعد في حمايتهم ونجاة بعض عائلاتهم من القتل (٤). لقد أيقن بعد تلك الثورة الفاشلة أن ولاء المسلمين للحكم الإنجليزي هو السبيل الوحيد لإنقاذهم، ولم يكن ذلك موقفًا سياسيًا فحسب بل كان نابعًا من إعجابه المفرط بالإنجليز

стр. 125

وبحضارتهم وعلومهم. ولهذا جعل نصب عينيه منذ تلك اللحظة هدفًا سعى لتحقيقه طول حياته، وهو أن يقلد المسلمون الإنجليز والحضارة الغربية في كل شيء، مما جعل جون ماكدونالد الذي كان محررًا آنذاك في إحدى صحف مدينة "الله آباد" يصفه والزمرة التي بدأت تلتف حوله من المسلمين بأنهم "إنجليز في كل شيء باستثناء العناصر الأساسية لعقيدتهم الدينية" (١). وفي كتاب له ظهر في تلك الفترة بعنوان: "ولاء المسلمين في الهند" كتب سيد خان يقول بأن هذا الولاء محبذ من تعاليم الدين في مثل هذه الظروف، واستدل بخدمة نبي الله يوسف ﵇ لعزيز مصر بكل إخلاص وولاء، مع أن عزيز مصر لم يكن على دين يوسف (٢). وابتدأ سيد خان إصلاحاته بإزالة الحواجز بين المسلمين وبين الإنجليز، وقد كان من تلك الحواجز امتناع المسلمين من مخالطة الإنجليز ومؤاكلتهم فألف سيد خان كتاب "أحكام طعام أهل الكتاب" دعا فيه إلى معايشة الإنجليز ومشاركتهم موائدهم والتشبه بهم في آدابهم وتقاليدهم (٣)، وتوج هذه الدعوة إلى تدعيم الصلات وتقويتها بالإقبال على دراسة الإنجيل وشرح بعض أجزائه، وكان أحد أهداف تلك الدراسة -التي ظهرت بعنوان: "تبيين الكلام" والتي لم يكتب لها أن تكتمل- أن يظهر أوجه الشبه بين الإسلام والمسيحية (٤). وفي عام (١٨٦٩ م) سنحت الفرصة لسيد خان لزيارة إنجلترا وكانت رغبته كما كتب في خطاب قبل سفره أن يطلع بنفسه "على العظمة الباهرة للحضارة الغربية" في مهدها "لا ليستفيد هو وحده من هذه التجربة بل ليستفيد قومه أيضًا" لأنه حين يعود سوف يعلمهم ما تعلمه ويضع نفسه نموذجًا لهم "في الاقتباس من الغرب (٥)، ومكث سيد خان في لندن سبعة عشر شهرًا كان فيها" ضيفًا مبجلًا وزائرًا كريمًا وصديقًا عزيزًا، في الأوساط الإنجليزية المحترمة، وحضر المآدب

стр. 126

الملكية الفخمة، والولائم "الأرستقراطية"- التي تمثل الحضارة الأوروبية في أروع مظاهرها وأخلاق الطبقة الحاكمة وطبقة الأشراف، ونال الوسام الملكي ولقب الشرف، وقابل الملكة وولي العهد والوزراء الكبار، واختير عضوًا فخريًا في الجمعيات العلمية ذات الشرف الكبير، وحضر حفلة نادي المهندسين الكبار، واطلع على المشاريع والخطط التقدمية التي مرت بها البلاد في الزمن القريب، والتي أخذت ثورة وانقلابًا في الأوضاع وفي مستوى البلاد ومكنتها من بسط نفوذها وسيطرتها الفكرية" (١). وعاد سيد خان إلى بلاده ونفسه ممتلئة إعجابًا بما شاهد ورأى، وأخذ على عاتقه بعد عودته إلى مماته، أن يفتح أعين المسلمين إلى عظمة الحضارة الغربية، ويشق لهم طريقًا للاقتباس منها واحتذائها، وكانت وسيلته إلى ذلك عدة مبادئ: "التعاون في المجال السياسي، واستيعاب علوم الغرب في المجال الثقافي، وتكييف وإعادة تأويل الإسلام في المجال الفكري" (٢)، ولقد أنشأ بعد عودته مجلة "تهذيب الأخلاق" وهدفها الرئيس إصلاح التفكير الديني للمسلمين -كما يراه- وإزالة ما في هذا الفكر من قيود تمنعهم من التقدم (٣)، وأنشأ كليته عليكره المعروفة الآن باسم جامعة عليكره، وكان الهدف منها تعليم آداب الغرب ولغاته بالدرجة الأولى (٤) ومن أهم المؤلفات التي اضطلع بها في تلك الفترة "تفسير القرآن" الذي لم يكمله، وقد أراد من ورائه أن يثبت أن حقائق الإسلام وتعاليمه لا تتعارض مطلقًا مع قوانين الطبيعة (Nature)؛ لأن القرآن هو "كلمة الله" وقوانين الطبيعة هي "فعل الله" ولا يتعارض كلامه مع فعله. "هذا كلام في ظاهره صحيح ولكنه يعتمد على تصورنا نحن لما نظن أنه تعارض" ومن أجل ذلك الهدف وضع تفسيرًا خالف فيه كلام العرب وآراء السلف وإجماعهم لمحاولته تأويل ما ظنه تعارضًا بين كلام الله وبين قوانين الطبيعة.

стр. 127

آراء سيد خان: كيف سعى سيد خان لتكييف الإسلام وملاءمته للحضارة الغربية؟ اعتبر سيد خان القرآن وحده الأساس لفهم الإسلام مستشهدًا لذلك بقول لعمر بن الخطاب: "حسبنا كتاب الله"، وفي ضوء الظروف الجديدة وتوسع المعرفة الإنسانية لا يمكن الاعتماد في فهم القرآن على التفاسير القديمة وحدها، التي اشتملت على كثير من الخرافات، ولكن ينبغي الاعتماد على نص القرآن وحده، الذي هو بحق كلمة الله، ومن خلال معرفتنا وتجاربنا الذاتية يمكن لنا أن نفسر القرآن تفسيرًا عصريًا (١). وليس في القرآن ما يخالف قوانين الطبيعة، ويعني سيد خان بالطبيعة (nature) نفس المعنى الذي استعمله علماء أوروبا في القرن التاسع عشر للميلاد، نظام كوني مغلق يخضع لقوانين عمياء ليس فيها أي مجال للخرق أو الاستثناء (٢). ويستخدم سيد خان مفهومين لتقديم تفسير عصري للقرآن لا يناقض كما يعتقد قوانين الطبيعة، أولهما مفهوم المحكم والمتشابه، الذي جاء في قوله تعالى ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧]، فهو يرى أن هذا التقسيم إلى محكم ومتشابه هو بعينه دليل على أن الإسلام هو دين الطبيعة، فالآيات المحكمة هي الأساسية والآيات المتشابهة هي الرمزية. الأولى تشتمل على أساسيات العقيدة، والثانية لأنها قابلة لأكثر من تفسير واحد فهي تساير تطور معارف البشر، فكلما تغير العصر وتغيرت الظروف وزادت معارف البشر وتجاربهم فلابدَّ في مقابلة ذلك أن يحدث تغير في فهم الناس للآيات المتشابهة، فقد يكون هناك تفسير لها مناسب لطور معين من المعرفة البشرية، ولكن في عصر آخر قد يوجد تفسير آخر يكون مناسبًا لطور المعرفة الجديد والمتقدم. وفي هذه الحالة يكون الاستمساك بالفهم القديم والنظر إلى الوراء هو عين الجهل بهدف القرآن من جعل بعض آياته متشابهة وقابلة لأكثر من تفسير (٣).

стр. 128

والقاعدة الثانية: التي يعتمد عليها سيد خان في فهم القرآن يوضحها بمثال: فإذا قال قائل إنني لن أفعل كذا حتى تطلع الشمس من المغرب، فهو يقصد أن يبين أنه من المستحيل أن يفعل ما يشير إليه، فهذا هو المعنى الأساسي من حديثه، أما ذكر طلوع الشمس من المغرب فهو معنى ثانوي، ولا يفهم من حديثه أنه يرمي إلى بيان أن طلوع الشمس من المغرب حقيقة أم لا. فهكذا القرآن فهو مشتمل على حقائق أساسية هي المقصودة من الحديث، ولكن هذه المعاني الأساسية تصاحبها معان ثانوية وفرعية مأخوذة من بيئة العرب وظروفهم، ولا يعني ذكر القرآن لها أنها حقائق (١). والقرآن وحده عند سيد خان هو الأساس لفهم الدين أما الأحاديث فلا يعتمد عليها. ويثير في هذا الموطن بعض الشبهات، فالأحاديث غير صالحة للاحتجاج كما يزعم لأنها لم تدون في العهد النبوي بل دونت في القرن الثاني من الهجرة في عصر مضطرب بالصراعات السياسية والاختلافات الدينية، وهذا كان له أثره في كثرة الأحاديث الموضوعة كما أن كثيرًا من هذه الأحاديث قد روي بالمعنى، ولهذا فهي تحمل فهم الراوي للحديث وليست هي كلمات الرسول ﷺ بعينها. ويقول: إن المحدثين اهتموا بنقد السند والرجال ولم يهتموا بنقد متن الحديث ومحتواه، ويرى أن مهمة المسلمين اليوم هي استخدام ما يسميه مقاييس النقد العصري على الأحاديث "دون أن يفصل ما هي هذه المقاييس"، ولهذا فهو يقبل من الأحاديث فقط ما يتفق مع نص وروح القرآن وما يتفق مع العقل والتجربة البشرية وما لا يناقض حقائق التاريخ الثابتة. ويشير إلى تقسيم الأحاديث إلى متواترة ومشهورة وأحاديث آحاد، فيرى أن المتواترة مقبولة أما المشهورة لا تقبل إلا بعد أن تخضع للنقد أما أحاديث الآحاد فهو لا يميل إلى قبولها مطلقًا. وحتى الأحاديث التي يقبلها وتصح فيها شروطه فهو يقسمها إلى قسمين: أحاديث خاصة بالأمور الدينية وأحاديث خاصة بالأمور الدنيوية، فالأمور الدينية مثل العقيدة عن الله سبحانه وصفاته، وشعائر العبادات، أما الأمور الدنيوية فهي تشمل المسائل السياسية والإدارية والاجتماعية والاقتصادية. فالأحاديث في دائرة

стр. 129

أمور الدين هي الملزمة وعلى المسلمين أن يستمسكوا بها، أما الأحاديث في أمور الدنيا فهي غير داخلة في مهمة الرسول ﷺ مطلقًا، بل كان ما جاء في هذا المجال فهو خاص بظروف العرب وحالتهم في زمان النبوة، وهي ليست ملزمة للمسلمين، ذلك لأن أمور الدين ثابتة، أما أمور الدنيا فمتغيرة، ويستدل على هذا التقسيم بحديث تأبير النخل الذي قال فيه الرسول ﷺ : "أنتم أعلم بأمور دنياكم" (١). ويسخر سيد خان من أولئك الذين يظنون أن كل شيء قد اكتمل على أيدي الفقهاء الأقدمين، ويقول: مما لا شك فيه أنهم قد أحسنوا الصنيع، ولكن من المنافي للعقل كما يرى أن نتخيل أن أحكامهم التي توصلوا إليها في الظروف الخاصة بأيامهم صالحة أيضًا لعصرنا الحديث، وذلك لأن حاجات عصرنا -في رأيه- تختلف كلية عن حاجات عصرهم، فلهذا يدعو إلى أن نكف عن الولاء الأعمى لهم. إن أحكام هؤلاء الفقهاء لا تعدو أن تكون من صنع بشر معرضين للخطأ وهي صالحة لزمانهم، ولابد أن تعدل لتتكيف مع ظروفنا وحاجتنا الحاضرة. وفي حماس بالغ يقول: "إننا أتباع الإسلام ولسنا أتباع زيد وعمرو! إن أحكام هؤلاء الفقهاء غير ملزمة لنا والأحكام الملزمة الوحيدة هي ما جاءت به النصوص (٢). ونعيد إلى الأذهان هنا موقفه السابق من النصوص! " وقد كان سيد خان حقًا جادًا في مخالفة الفقهاء السابقين، وفي فصل خاص في السيرة الضخمة التي كتبها عنه صديقه ألطاف حسين حالي، يحصي حالي إحدى وأربعين نقطة في آراء سيد خان لم يتمكن هو على الأقل من أن يجد لها تعضيدًا عند العلماء السابقين، كما يذكر حالي عشر نقاط لم يُروَ مثلها قط في تراث السلف (٣). ولا يرفض سيد خان قبول آراء الفقهاء السابقين في صورتها الفردية فقط بل حتى ولو كانت هذه الآراء جماعية، فهو لا يعترف بتاتًا بالإجماع مصدرًا من مصادر التشريع الإسلامي. إن باب الاجتهاد في نظره مفتوح في كل المسائل ولا

стр. 130

يجب تقييده بآراء مجموعة من الفقهاء اتفقت على شيء في عصر معين من الممكن -كما يحتج- أن يكون سبب اتفاقهم ذلك ناجمًا عن ظروف خاصة، وبتغير هذه الظروف يفقد مثل هذا الاتفاق أهميته. وبنفس القدر يرفض سيد خان تلك الهيمنة لإجماع الصحابة لأن المشاكل التي تواجهنا اليوم يمكن حلها بصورة أفضل إذا أخذنا في الاعتبار النظرة الشاملة لحالتنا الراهنة فقط دون الاعتماد على أحكام سابقة يعتقد أنها كلية ونهائية (١). ويدعو سيد خان إلى الاجتهاد -بالطبع الاجتهاد المبني على أسسه وقواعده هو- ولا يتحرج أن يؤدي مثل هذا الاجتهاد إلى فوضى فكرية بسبب كثرة الأخطاء؛ لأنه يرى أن تباين وجهات النظر والحرية الواسعة هي الوسيلة الوحيدة لتقدم الأمة (٢). النتائج العملية لهذا المنهج: ويستخدم سيد خان هذا المنهج الذي اختطه لفهم الدين لإعادة تأويل القرآن وإعادة النظر في الإسلام وتطويع مفاهيمه لموافقة قيم الغرب وآرائه، وذلك بجرأة وصراحة لا يواريها شيء، ولا يترك مجالًا من مجالات الدين إلا وأسهم فيه برأي. فالألوهية عند سيد خان كما هي عند الفلاسفة هي "العلة الأولى" والله خلق الكون والطبيعة ووضع لها قوانين ولكنه لا يتدخل في هذه القوانين بعد ذلك (٣)، والنبوة ملكة إنسانية وموهبة من الطبيعة واستعداد ينميه الفرد كما ينمي الشاعر مواهبه "وإن كان يقر مع هذا المفهوم للنبوة بختمها" (٤)، والوحي ليس أمرًا خارقًا من خارج النفس البشرية، ولكنه مرحلة عليا من مراحل الإدراك والإحساس والغريزة التي توجد عند كل إنسان حتى عند الحيوانات والحشرات (٥). ولا يرى سيد خان في المعجزات أمرًا خارقًا لقوانين الطبيعة، بل المعجزة

стр. 131

عنده هي حدث موافق لهذه القوانين، ولكنه يثير الدهشة والإعجاب عند الناس لأنه يظهر وكأنه يخالف المجرى العادي للأمور. وفي ضوء هذه النظرة للمعجزة يقدم تأويلات لمعجزات الأنبياء لتتماشى مع قوانين الطبيعة. فقصة صاحب الحمار الذي مر على القرية الخاوية على عروشها وتعجب كيف يحييها الله، ليست أحداثًا واقعية بل هي رؤيا في المنام. وقصة إبراهيم ﵇ مع الطيور الأربعة هي أيضًا رؤيا منامية، وعن قصة انفلاق البحر لموسى ﵇ يقول سيد خان: إن الضرب في قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (٦٣)﴾ [الشعراء: ٦٣]، معناه المشي والذهاب كما تقول ضرب في الأرض، فالله يأمر موسى بالسير في البحر الذي كان في ذلك الوقت مخاضة ضحلة. والحوت الذي التقم يونس ﵇ لم يبتلعه، ثم لفظه من جوفه، إنما التقمه بمعنى أمسكه بفمه (١). وميلاد عيسي عند سيد خان لم يكن معجزة، بل كان ميلادًا طبيعيًا من زواج "قارن هنا موقف العصرانية المسيحية من هذه القضية" (٢) والملك الذي بشر مريم بمولده فقالت ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ [مريم: ٢٠]، أتاها في رؤيا في النوم قبل الزواج. ووصف مريم بأنها ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ لا يعني أنها عذراء بل هو وصف لها بالطهارة من دنس الرذيلة، ووصف عيسى بأنه كلمة من الله أو روح منه لا يشير إلى أن ميلاده كان شيئًا خارقًا غير عادي، بل قد وصفت أشياء أخرى بهذه الكلمات في أكثر من موضع. وعيسى توفي وفاة عادية ومات كما يموت سائر البشر ويستدل على ذلك بقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ [آل عمران: ٥٥]، وقول عيسى كما حكاه القرآن ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ١١٧]، أما رفعه إليه فلا يعني رفعه إلى السماء بل هو رفع منزلته (٣). وقصة خلق آدم يفسرها سيد خان في ضوء نظرية دارون، فالماء والطين تفاعلا كيميائيًا، فكانت النتيجة خلية حية من الممكن أن تكون هي الأصل لكل

стр. 132

الكائنات الحية من حيوانات وإنسان، وآدم الذي يجيء ذكره في القرآن لا يعني فردًا بعينه، ولكنه رمز للإنسانية جمعاء، ولم تحدث محاورة حقيقية بين الله سبحانه والملائكة عن خلق البشرية، ولكن جاء التعبير عن المواهب التي منحها الإنسان - ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١]- في شكل قصصي أدبي ليقرب فهمه للناس (١). والملائكة ليست كائنات ذات أجنحة وتتشكل، بل الملائكة هي قوى الطبيعة، وفي الإنسان المقصود بها قوى الخير، والشياطين قوى الشر (٢)، والجن قبائل بدائية كانت تعيش في جزيرة العرب وكانت خاضعة للملك سليمان (٣)، ووصف الجنة والنار ليس هو وصفًا لأمور حسية، بل هي إشارات رمزية لحالات نفسية من الألم والعذاب (٤). فقه سيد خان: وفي مسائل الفقه لسيد خان نظرات كثيرة تسير وفق منهجه لتقريب أمور الدين من مفاهيم الحضارة الغربية، ونقدم هنا بعض النماذج. في فقه العبادات كان منهجه أن يفسر ممارسات العبادة بمنطق عقلي بحت، فغسل الأعضاء في الوضوء نظافة ورمز للطهارة المعنوية، والقبلة كانت في مبدأ الأمر للتفريق بين أهل الكتاب والمسلمين ثم أصبح تقليدًا دائمًا. والصلاة القصد منها توجيه انتباه المرء لخالقه، وحركات اليدين أمر مساعد لهذا الهدف، والإحرام والطواف وتقبيل الحجر الأسود ورمي الجمرات عادات باقية من الأديان الأولى في طفولة البشرية، واحتفظ بها الإسلام مع أنها عادات بدائية -مثل لبس ثوب غير مخيط- لتكون ذكرى لأولئك الأطهار الأوائل من الصالحين (٥). ويتحدث سيد خان عن الجهاد فيدفع أن الإسلام يسعى لإكراه الناس على

стр. 133

الدخول في الدين، ولكن الجهاد مشروع فقط للدفاع عن النفس وفي حالة واحدة فقط هي اعتداء الكافرين على المسلمين من أجل حملهم على تغيير دينهم، أما إذا كان الاعتداء من أجل أمر آخر مثل احتلال الأراضي وليس هدفه الدين فالجهاد غير مشروع. "يضع سيد خان في ذهنه هنا احتلال الإنجليز للهند ويريد أن يجد مبررًا لمسالمتهم" (١). والربا المحرم في نظر سيد خان هو الربح المركب الذي يدفعه الفقير مقابل دينه كما هي العادة الشائعة عند العرب، أما الفائدة البسيطة في المعاملات التجارية المعاصرة والبنوك فليس ربًا وليست حرامًا (٢). ويضع الميراث في مرتبة ثانية بعد الوصية جمعًا بين آيات الميراث والوصية "إذ في نظره أنه لا نسخ في القرآن"، وبناء على هذه النظرة يرى أن يقسم مال المتوفى بالطريقة التي يوصي بها، وتنفذ وصيته كما هي دون أي قيود، فهو لا يعترف بالأحاديث التي تقيد نفاذ وصية الميت في ثلث ماله فقط أو التي تمنع أن تكون وصيته لأحد من ورثته. إن للموصي مطلق الحرية في أن يوصي كما يشاء، وينبغي احترام رغبته هذه بعد موته. أما تقسيم المال عن طريق نظام الإرث فهو للحالات التي لا توجد فيها وصية (٣). ويناقش سيد خان قضية تعدد الزوجات ويؤكد أن الأصل هو زواج الواحدة أما التعدد فهو الاستثناء، والقرآن قد جعل شرط هذا النوع من الزواج العدل، وبما أن العدل غير مستطاع كما يذكر القرآن نفسه فلهذا لا يباح تعدد الزوجات إلا في الحالات النادرة ويجب أن يقصر على الظروف الاستثنائية (٤). وفي دائرة الحدود يرفض سيد خان الأخذ بعقوبة الرجم للزاني، ويعتمد في رفضه لهذه العقوبة على دليلين: الأول أن الرجم لم يذكر في القرآن وهذا عنده كاف لأن الحديث في نظره لا تقوم به حجة، والثاني على فرض قبولنا للأحاديث التي أثبتت الرجم فهذه الأحاديث -في رأيه- تحكي فقط العادة التي شاعت في

стр. 134

تلك الأيام تقليدًا لليهود (١)، واستنادًا على الحجة نفسها يرى أن الدية ما هي إلا عادة عربية قديمة ولا تناسب العصر (٢). والنفي الوارد في عقوبات الحرابة لا يمكن الآن تنفيذه وإلا فما الفائدة أن نخرج المجرم من بلده إلى بلد آخر يعيث فيه فسادًا (٣)، وقطع الأيدي والأرجل كانت عقوبة مقبولة في العهود الأولى إذ لم تكن هناك سجون أما الآن فينبغي الكف عن تطبيق هذه العقوبات الوحشية التي تنافي التمدن والحضارة (٤). خلفاء سيد خان: كانت تلك هي بعض النماذج من فكر سيد خان وآرائه ومنها تتضح لنا صورة عن نهجه وطريقته للملاءمة بين الإسلام والعصر الحديث. وقد أصبح منهجه ذاك مدرسة فكرية تأثر بها تلاميذه وخلفاؤه إلى اليوم، ومن أشهر هؤلاء التلاميذ شراغ علي، وأمير علي وخدابخش الشاعر، وغلام أحمد برويز، وخليفة عبد الحكيم، ومولانا محمد علي أحد قادة حركة الأحمدية (٥). ومن أظهر مؤلفات شراغ علي (الإصلاحات السياسية والقانونية والاجتماعية المقترحة للامبراطورية العثمانية والدول الإسلامية الأخرى) وفي هذا الكتاب تظهر الدعوة إلى التوفيق بين الإسلام والعصر بالطريقة المفضلة لهذه المدرسة، إذ نقرأ في مقدمة الكتاب "لقد حاولت أن أوضح في هذا الكتاب أن الإسلام الذي علمه محمد -نبي العرب- فيه من المرونة (Elasticity) ما يمكنه من تكييف نفسه مع التغييرات السياسية والاجتماعية التي تحدث حوله". ويمضي للقول: "إن القرآن -أي: تعاليم محمد- ليس حاجزًا عن التقدم الروحي، ولا مانعًا من حرية الفكر بين المسلمين ولا سدًا أمام التجدد (Innovation) في أي ميدان من ميادين الحياة سياسية أو اجتماعية أو فكرية أو خلقية". ثم ماذا بعد تأكيد هذه النغمة المكررة؟ إن الوسيلة التي يقترحها لهذا التزاوج بين الإسلام

стр. 135

والتقدم، هي ألا نلصق صفة القدسية بما ليس بمقدس. إننا نضخم هالة القدسية حول النبي وحول أقواله وأفعاله مع أنه "مجرد بشر" وصحيح أن تعاليمه في الأمور الدينية واجبة الاتباع "ولكنه حين يتجرأ بالرأي في الأمور الأخرى فهو لا يعدو أن يكون بشرًا"، وبهذا المفهوم يرى أن النبي "لم يوحد بين الدين والدولة مطلقًا"، وهكذا يفتح شراغ علي بهذه المفاهيم الطريق لمن يريد إسلامًا حديثًا (١). ومن تلاميذ سيد خان سيد أمير علي (١٨٤٩ - ١٩٢٨ م) وقد كان من طائفة الشيعة، تلقى تعليمه في كلية عليكره ثم في إنجلترا، وعرف بتعمقه في الثقافة والآداب الإنجليزية، ومن أشهر كتبه (روح الإسلام) الذي ألفه بالإنجليزية وظهر عام (١٩٢٢ م) ولاقى هذا الكتاب وبخاصة في الغرب رواجًا لا مثيل له (٢). والكتاب في حقيقته كتاب تاريخ عرض في القسم الأول منه للسيرة النبوية، وفي القسم الثاني عرض التاريخ الفكري والعلمي والسياسي للإسلام، وتاريخ الفرق والمذاهب، ونقرأ في ثنايا ذلك مثل هذه الفقرات التي تدلنا على النزعة العصرانية فيه. يقول: "فوا حسرتاه على فقهاء المسلمين في الوقت الحاضر لقد حطمت آفة الجمود عندهم زهرة الدين الصحيح، كما قتلت روح الإخلاص المقدسة فيه. . . لقد تجاهل مسلمو الوقت الحاضر "الروح" فقلبوها حبًا في النصوص الجامدة واستعاضوا عنها بتقديس "الحرف" نفسه. . . إن أصحاب الرسول الأولين في تقديرهم وإعجابهم بمعلمهم الأكبر كانوا يطبعون على قلوبهم أوامره وشريعته وتعليماته التي شرعها لصالح المرحلة التي جاء فيها أي: لظروف مجتمع طفولي. . . وإذا فرضنا أن أعظم مصلح جاء به التاريخ. . . رافع لواء العقل. . . الرجل الذي أعلن أن العالم خاضع لقانون الطبيعة المتطور المتقدم. . . إذا افترضنا أن هذا الرجل كان يتوقع أن تلك الجرعات التي جاء بها والتي استدعتها الظروف السائدة لمجتمع نصف متحضر لن تكون أبدًا غير قابلة للتحول حتى

стр. 136

نهاية العالم. . . إذا فرضنا هذا فإننا نكون بذلك قد ظلمنا نبي الإسلام كل الظلم. . . . . . فليس هناك من يحمل مفهومًا نافذًا عميقًا، بأن ضرورات هذا العالم الذي يسير قدمًا بظواهره الاجتماعية والخلقية الدائبة التغير، وباحتمال أن يكون الوحي الذي أنزل إليه لن يكون صالحًا لكل الظروف الممكنة أكثر مما يحمل محمد. . . فالمعلم العظيم الذي كان يدرك ملابسات عصره كل الإدراك، وكذلك حاجات القوم الذي كان عليه أن يعمل بينهم، قد رأى ببصيرته النافذة وبعد نظره الثاقب -وربما أمكن القول أنه تنبأ- أن وقتًا سيأتي لابد أن يفرق فيه بين التنظيمات العارضة والمؤقتة، وبين التعليمات الدائمة والعامة (١). وفي موضع آخر يقول: "إن ما يبدو على قواعد الإسلام من عنف وصرامة أم عدم قابلية للتكيف مع الأوضاع الحاضرة في الفكر هي التي تقصيه عن كونه دينًا عالميًا. . . ولكن شيئًا من التمحيص في قيمة الشرائع والمفاهيم التي جاء بها محمد وبعض الإنصاف في تحري الحقائق لابد أن يجلو الطبيعة المؤقتة لتلك القواعد ويجعلها تبدو منسجمة مع متطلبات الأزمنة الحاضرة. . ." (٢). ولكن أين نضع الفاصل بين التشريعات المؤقتة والخاصة بظروف العرب والتشريعات الدائمة الثابتة؟ لعل الإجابة تبدو في هذه العبارة من كتابه: "إن الإسلام يتطلب من معتنقيه اعترافًا بسيطًا بحقيقة أزلية، ومزاولة بعض واجبات خلقية، أما في النواحي الأخرى فهو يمنحهم أوسع مجال لتحكيم العقل" (٣). ولعلنا نجد مثالًا من التشريعات التي يرغب في تغييرها لأنها لم تعد تناسب العصر في رأيه في تعدد الزوجات وفي الرق إذ يأمل "أن يأتي الوقت القريب الذي يعلن فيه علماء الإسلام في مجمع علمي، أن تعدد الزوجات والرق منافيان تمامًا لأحكام الإسلام" وذلك لأن الظروف التي أباحت ذلك في العهود البدائية (Primitive) قد زالت (٤).

стр. 137

ومن تلاميذ سيد خان مولانا محمد علي من طائفة القاديانية، وفي أحد كتبه نجد له بعض الآراء الفقهية التي تبين طريقته في محاولة تعديل الإسلام وفق الروح الغربية، ونقدم نماذج من آرائه في مجالات المرأة والحدود والجهاد. فالجهاد في رأيه من أجل الدفاع فقط والمحافظة على الوجود القومي للمسلمين (١)، ويرى أنه لا رجم في الإسلام والحوادث القضائية المروية في ذلك عن الرسول كانت اتباعًا لشريعة اليهود قبل أن ينزل عليه في المسألة قرآن، ونسخ ذلك بالآيات الواردة بقصر عقاب الزنا على الجلد فقط (٢)، ويرى أن عقاب السرقة متروك لظروف الجاني وتقدير القاضي لها، وأن قطع اليد فقط للحالات المتكررة والسرقات الكبيرة (٣)، وعقاب الخمر في العهد النبوي كان عقابًا بسيطًا وخفيفًا وأن جلد الأربعين لم يبدأ إلا في عهد عمر بن الخطاب الذي زاده أحيانًا إلى ثمانين، وقد يكون ذلك في نظره بسبب أنه انضاف إلى شرب الخمر إزعاج الرأي العام (٤). ويحل مولانا محمد علي زواج المسلم من الهندوسية باعتبار أن لهم ديانة وكتبًا مقدسة اعتمادًا على أن بعض الفقهاء اعتبر أن الصابئة من أهل الكتاب (٥)، ويرى أن الاختلاط بين الجنسين مباح بدليل أنه مباح في الحج وفي الصلاة وأنه أمر يعتمد على التقاليد الاجتماعية وحدها والأعراف السارية، ولا يمكن وضع ضوابط ثابتة وجامدة له (٦). ومن تلاميذ سيد خان غلام أحمد برويز وهو من منكري السُّنَّة (٧)، وطائفته طائفة مشهورة في باكستان وتهاجم بشدة من المسلمين وبخاصة من الجماعة الإسلامية، وللأستاذ أبي الأعلى المودودي صولات وجولات معه. هذه مجموعة من خلفاء سيد خان حملوا فكره واتبعوا طريقته، وهم نماء لمدرسة العصرانية في الهند.

стр. 138

تجديد إقبال: "إن العمل العظيم الذي أداه الدكتور محمد إقبال في مجال الإصلاح له قيمة كبرى لا ينساها التاريخ الإسلامي، والعمل المهم الذي أنجزه محمد إقبال هو أنه أعلن حربًا لا هوادة فيها ضد الغرب وحضارته المادية، فقد كان الرجل الوحيد في عصره الذي لا يدانيه أحد في تعمقه في فلسفة الغرب ومعرفته بحضارته وحياته، فلما نهض يفند فلسفته وأفكاره المادية بدأ يذوب سحر الحضارة الغربية الذي كان يذيب القلوب ويستولي على النفوس" (١). بهذه الكلمات وصف الأستاذ أبو الأعلى المودودي جهود محمد إقبال (١٨٧٧ - ١٩٣٨ م) في مجال الإصلاح والتربية؛ وهي شهادة لها وزنها من رجل عاصره وعرفه. ويضيق نطاق هذه الدراسة عن تعداد إصلاحات إقبال، إنما نعرض هنا لأحد كتبه الذي لا يذكر اسم إقبال في العالمين العربي والغربي إلا ويقرن به. ذلك الكتاب الذي كان في الأصل ست محاضرات ألقاها عام (١٩٢٨ م) في الجامعات الهندية بطلب من الجمعية الإسلامية في مدراس وجمعت في كتاب باللغة الإنجليزية بعنوان: " Thout in islam reconstruction of Religious" وترجم إلى العربية بعنوان: "تجديد الفكر الديني في الإسلام"، فهذا الكتاب في بعض محتوياته يناقض ويهز الصورة التي رسمها العلامة المودودي لإقبال. فهو في بعض فقرات الكتاب يحبذ صراحة تلك السرعة الكبيرة التي يتجه بها المسلمون روحيًا نحو الغرب، بعد أن ظل التفكير الديني راكدًا خلال القرون الخمسة الأخيرة، ويرى أنه لا غبار على هذا الاتجاه؛ لأن الثقافة الأوروبية في جانبها العقلي ليست إلا ازدهارًا لبعض الجوانب الهامة في ثقافة الإسلام، ورغم أنه أضاف أنه يخشى أن ينخدع المسلمون بالمظهر الخارجي البراق للثقافة الأوروبية ويعجزوا عن إدراك كنهها وحقيقتها (٢)، إلا أنه لم يخف إعجابه البالغ

стр. 139

بالإصلاحات التركية التي لا يماري أحد أنها كانت حركة تغريب وقعت فيما خشي منه إقبال نفسه، وهو الانبهار بالمظهر الخارجي للحضارة الغربية، ولكن إقبال كان يعتبرها حركة "اجتهاد" لإعادة بناء الشريعة من جديد على ضوء الفكرة والخبرة في العصر الحديث، ويصفها بأنها أكثر اتفاقًا مع روح الإسلام (١). ويشيد بالطريقة التي يمارس بها التركي "الاجتهاد" في قضاياه السياسية والدينية مستوحيًا على النحو الذي يفعله حقائق التجربة وحدها، لا التفكير الفلسفي المدرسي لفقهاء عاشوا وفكروا تحت ظلال أحوال من الحياة متباينة (٢)، ويقول: إن نهضة الإسلام المرتقبة لابد أن تحذو المثال التركي وأن تفعل ما فعله الترك فتعيد النظر في تراث الإسلام العقلي (٣). ويستطرد للقول: إن معظم الأمم الإسلامية اليوم يكررون القول بالقيم التي قال بها السلف بطريقة آلية، أما تركيا فهي الأمة الإسلامية الوحيدة التي نفضت عن نفسها سبات العقائد الجامدة، واستيقظت من الرقاد الفكري وهي وحدها التي نادت بحقها في الحرية العقلية وهي وحدها التي انتقلت من العالم المثالي إلى العالم الواقعي، وهذه النقلة وهذه الحياة الجديدة الفسيحة الأرجاء المفعمة بالحركة، لابد أن تستحدث لتركيا مواقف توحي بآراء جديدة وتقتضي تأويلات مستحدثة للأصول، والمبادئ، تلك الأصول والمبادئ التي كانت لها قيمة نظرية فقط عند قوم لم يمارسوا الانفتاح (٤). من هذه الآراء تتكشف معالم التجديد الذي يدعو إقبال الأمم الإسلامية إليه، فالتغير والحركة والنمو الذي يصيب العالم الإسلامي من اتجاهه نحو الغرب، يقتضي إعادة النظر في التراث وإعادة بناء الشريعة من جديد على ضوء الفكر والتجربة المعاصرة، واستحداث تأويلات جديدة للمبادئ والأصول. وهذه هي معالم العصرانية (Modernism) بعينها فهل كانت تلك حقًا هي أفكار إقبال؟ وهل كان حقًا يدعو إلى هذا النوع من التجديد؟

стр. 140

تناقض إقبال: تصف مريم جميلة هذه الآراء بأنها "من الأخطاء الفكرية التي وجدت طريقها إلى مؤلفات محمد إقبال النثرية باللغة الإنجليزية"، وتقول: إن أسوأ ما في الأمر أن العالم الذي يتكلم الإنجليزية، "ينبغي أن تضاف العربية أيضًا"، والذي يجهل أشعاره بالأوردية والفارسية (١)، يعتقد أن هذا الكتاب يمثل بدقة أفكار العلامة محمد إقبال، وتؤكد أن إقبال نفسه اعترف في آخر حياته أنها خطأ كبير، وتسوق مقتطفات من شعره تناقض الآراء التي طرحها في الكتاب، وتعضد مريم جميلة أقوالها برسالة شخصية بعثها إليها المودودي جاء فيها: ". . . ولكن محمد إقبال بكل عبقريته الشعرية، لم يكن ينجو من الأخطار، ولسوء الحظ فإن كتاباته لا تخلو كلية من التناقضات، لقد كان إقبال يمر دومًا بمراحل مختلفة للتطور العقلي أثناء حياته، ولم يستطع أن يكوِّن فكرة صافية عن الإسلام إلا في السنوات القليلة الأخيرة من حياته، ففي السنوات الأولى من حياته تداخلت أفكار ومؤثرات غربية مع أفكاره الإسلامية" (٢). ونمضي قدمًا في قراءات أخرى لفكر إقبال في كتابه تجديد التفكير الديني في الإسلام. والكتاب في الأصل كتاب فلسفي وهو محاولة كما يقول عنه مؤلفه لإعادة بناء الفلسفة الإسلامية بناء جديدًا آخذًا بعين الاعتبار المأثور من فلسفة الإسلام إلى جانب ما جرى على المعرفة الإنسانية من تطور في نواحيها المختلفة (٣)، ويبحث إقبال في هذا الكتاب المعرفة المكتسبة عن طريق التجربة الحسية، والمعرفة المكتسبة عن طريق ما يسميه التجربة الدينية "الصوفية"، ويقارن بين نوعي المعرفة هذين ويناقش أيضًا حقيقة النفس وحريتها وخلودها والألوهية والنبوة وختم الرسالة ومبدأ التغير والحركة في الكون والمجتمع. وأقدم مثالين يظهر بهما ما عند إقبال من نظرة عصرانية. ويطالعنا المثال الأول في تلك التأويلات التي يقدمها لبعض العقائد والتي تشابه تأويلات سيد خان والفلاسفة الأولين. يقول عن قصة هبوط آدم:

стр. 141

"وهكذا نرى أن قصة هبوط آدم كما جاءت في القرآن لا صلة لها بظهور الإنسان الأول على هذا الكوكب، وإنما أريد بها بالأحرى بيان ارتقاء الإنسان من الشهوة الغريزية إلى الشعور بأن له نفسًا حرة قادرة على الشك والعصيان" (١). ويقول عن الجنة والنار: "أما الجنة والنار فهما حالتان لا مكانان، ووصفهما في القرآن تصوير حسي لأمر نفساني؛ أي: لصفة أو حال" (٢). أما المثال الثاني للنزعة العصرانية عند إقبال فتظهر واضحة في الفصل الذي كتبه عن الاجتهاد وسماه "مبدأ الحركة في الإسلام" (٣)، ويقصد أن المبدأ الذي يواجه به الإسلام التغير والحركة هو الاجتهاد. ويعرف إقبال الاجتهاد ثم يقول: "وأصل الاجتهاد على ما أعتقد هو قول القرآن في آية مشهورة ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩]، وهذا الاستدلال يكشف أن إقبال، لم يكن -آنذاك على الأقل- عميق المعرفة بالثقافة الإسلامية" (٤). ويطرح إقبال في ذلك الفصل هذا السؤال الذي هو شغل العصرانية الشاغل ". . . وانتقل الآن إلى النظر فيما إذا كان تاريخ الشريعة الإسلامية وبناؤها يتبين فيهما إمكان تفسير الشريعة ومبادئها تفسيرًا جديدًا، وبعبارة أخرى الموضوع الذي أود أن أثير البحث فيه هل شريعة الإسلام قابلة للتطور؟ ". وعنده أن الإجابة على هذا السؤال تحتاج إلى جهد عقلي عظيم، ويرى أن العالم الإسلامي عليه أن يواجه هذا السؤال بالروح التي كان يواجه بها عمر مشكلات الدين، ويصفه بأنه أول عقل ممحص مستقل في الإسلام. ولا ريب عنده أن التعمق في دراسة كتب الفقه والتشريع الهائلة العدد، لابد من أن تجعل الناقد بمنجاة من الرأي السطحي الذي يقول بأن شريعة الإسلام شريعة جامدة غير قابلة للتطور. ثم يناقش تجديد أصول الفقه الإسلامي من أجل أن يتبخر الجمود المزعوم ويبدو للعيان إمكان حدوث تطور جديد.

стр. 142

تجديد أصول الفقه: إنه يرى أن القرآن هو الأصل للشريعة الإسلامية، وليس من شك في أن القرآن يقرر بعض المبادئ والأحكام العامة في التشريع، ولكن القرآن ليس مدونة في القانون، فغرضه الأساسي هو أن يبعث في نفس الإنسان أسمى مراتب الشعور بما بينه وبين الله وبينه وبين الكون من صلات. على أن الأمر الجدير بالملاحظة في هذا الصدد هو أن القرآن يعتبر الكون متغيرًا، ومن الواضح الجلي أن القرآن بما له من هذه النظرة لا يمكن أن يكون خصمًا للتطور، وأن المبادئ التشريعية في القرآن رحبة واسعة وأبعد ما تكون عن سد الطريق على التفكير الإنساني والنشاط التشريعي، وأن الرعيل الأول من الفقهاء اعتمدوا على هذه المبادئ واستنبطوا عددًا من النظم التشريعية، على أن مذاهبهم مع إحاطتها وشمولها ليست إلا تفسيرات فردية، وهم لم يزعموا أبدًا أن تفسيرهم للأمور واستنباطهم للأحكام هو آخر كلمة تقال فيها، وبما أن الأحوال قد تغيرت والعالم الإسلامي يتأثر اليوم بما يواجهه من قوى جديدة، فالرأي عنده "أن ما ينادي به الجيل الحاضر من أحرار الفكر في الإسلام من تفسير أصول المبادئ التشريعية تفسيرًا جديدًا، على ضوء تجاربهم وعلى هدي ما تقلب على حياة العصر من أحوال متغايرة هو رأي له ما يسوغه كل التسويغ". ثم ينتقل إلى أحاديث الرسول المصطفى ﷺ التي هي الأصل الثاني العظيم للشريعة، وينقل رأي المستشرق جولد تسيهر بأن إخضاع الأحاديث للفحص الدقيق على ضوء القوانين المستحدثة في النقد التاريخي، يظهر أنها في جملتها لا يوثق بصحتها. . . ثم يتناول بالبحث مسألة يعتبرها هامة، وهي أن الفرق بين الأحاديث التي تتضمن أحكامًا تشريعية والأحاديث التي ليس لها طابع تشريعي. . . وحتى السُّنَّة التشريعية يرى أن يبحث عن مدى ما تضمنته من عادات كانت للعرب قبل الإسلام، فتركها الإسلام دون تغيير، وأخرى أدخل فيها النبي تعديلًا. وهل قبول النبي لها تصريحًا أو ضمنًا قد أريد بها أن تكون ذات صفة عامة في تطبيقها. ويستشهد بأن أبا حنيفة لم يكن أحيانًا يعتمد على هذه الأحاديث، وذلك في نظره موقف جد سليم ثم يقول: "إذا رأى أصحاب النزعة الحرة في التفكير العصري، أنه من الأسلم ألا تتخذ هذه الأحاديث من غير أدنى تفريق بينها،

стр. 143

أصلًا من أصول التشريع؛ فإنهم يكونون بذلك قد نهجوا منهج رجل من أعظم رجال التشريع بين أهل السُّنَّة". والإجماع عند إقبال الذي هو الأصل الثالث من أصول التشريع الإسلامي قد يكون من أهم الأفكار التشريعية في الإسلام، وهو يرى ضرورة انتقال حق الاجتهاد من الأفراد إلى هيئة تشريعية إسلامية؛ لأن ذلك هو الشكل الوحيد الذي يمكن أن يتخذه الإجماع في الأزمنة الحديثة؛ لأن هذا الانتقال يكفل للمناقشات التشريعية الإفادة من آراء قوم من غير رجال الدين ممن يكون لهم بصر نافذ في شؤون الحياة. وهو يتوقع لمثل هذه الهيئة التشريعية أن تخطئ خطأ فاحشًا في تفسير الشريعة؛ لأنها قد تتألف من رجال ليست لهم دراية بوقائع التشريع الإسلامي، ولكنه يستبعد أن يكون الحل تأليف لجنة دينية مستقلة، تكون لها سلطة الرقابة ويرى أن العلاج الوحيد الناجع للتقليل من وقوع الأخطاء في التأويل، هو إصلاح نظام التعليم القانوني وتوسيع مداه. ثم يتساءل عن إجماع الصحابة وهل إذا انعقد إجماعهم على أمر ما يكون ملزمًا للأجيال التي بعدهم؟ ويخلص إلى أن القول الجريء في ذلك هو أن الأجيال اللاحقة ليست ملزمة بإجماع الصحابة. والأصل الرابع من أصول الفقه هو القياس ويرى إقبال أن القياس كان في الأصل ستارًا يتوارى خلفه الرأي الشخصي للمجتهد، وأن النقد الدقيق الذي وجه لمبدأ القياس كان يهدف إلى كبح الميل إلى إيثار النظر المجرد والفكرة التي تدور في العقل على الأمر الواقع، على أن المنتقدين أنفسهم وقعوا في خطأ آخر، وهو أنهم رغم إدراكهم ما للواقع من شأن، إلا أنهم في الوقت نفسه جعلوه ثابتًا إلى الأبد وقصروا نظرهم على (السابقات) التي وقعت بالفعل في أيام النبي وصحابته، ثم يدعو إلى إحسان فهم وتطبيق مبدأ القياس وهو أنه حق طليق في حدود النصوص الملزمة. وعلى هذه الأسس يدعو إقبال العالم الإسلامي أن يقدم بشجاعة على إتمام التجديد الذي ينتظره، الذي من أهم نواحيه الملاءمة مع أوضاع الحياة العصرية وأحوالها. إلا أن إقبال يضيف بعض التحفظات هي من خير ما كتب في هذا الفصل حين يقول: "إننا نرحب من أعماق قلوبنا بتحرير الفكر في الإسلام الحديث، ولكن

стр. 144

ينبغي لنا أن نقرر أيضًا أن لحظة ظهور الأفكار الحرة في الإسلام هي من أدق اللحظات في تاريخه. . . فحرية الفكر من شأنها أن تنزع إلى أن تكون من عوامل الانحلال. أضف إلى هذا أن زعماء الإصلاح في الدين والسياسة قد يجاوزون في تحمسهم لتحرير الفكر الحدود الصحيحة للإصلاح إذا انعدم ما يكبح جماح حميتهم الفتية. . . إنه ينبغي ألا ننسى أن الوجود ليس تغيرًا صرفًا فحسب، ولكنه ينطوي أيضًا على عناصر تنزع إلى الإبقاء على القديم. . . فليس في استطاعة أمة أن تتنكر لماضيها تنكرًا تامًا لأن الماضي هو الذي كيف شخصيتها الحاضرة". . محمد عبده وتلامذته: كثيرة هي الأقلام التي تناولت الشيخ محمد عبده (١٢٢٦ - ١٣٢٣ هـ / ١٨٤٩ - ١٩٠٥ م) بالدراسة، وبالنقد والتمحيص لآرائه وأفكاره، وقد بلغت إصلاحاته وآراؤه من الشهرة والذيوع ما يغني عن الدخول في تفصيلاتها. إنما نهتم هنا بالاتجاهات العصرانية عند محمد عبده، والتي تظهر في كتاباته، وبالأخص في تفسيره لبعض الآيات، وفي فتاواه، مما يجعل مدرسته الفكرية تضاهي وتشابه في بعض نواحيها مدرسة سيد أحمد خان في الهند، حتى إن تلميذه رشيد رضا لا يخفي إعجابه بمقالة نشرتها في ذلك الوقت جريدة الرياض الهندية عنوانها "هل ولد السيد أحمد خان ثانية بمصر وظهرت جريدته تهذيب الأخلاق بشكل المنار" (١). ففي منهجه لتفسير القرآن تتجلى واضحة النزعة إلى تفسير القرآن تفسيرًا يتناسب مع المعارف الغربية السائدة في العصر (٢)، ومن الأمثلة المشهورة لذلك تفسيره لقوله تعالى في سورة الفيل: ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤)﴾ [الفيل: ٣، ٤]، بأنها جراثيم الجدري أو الحصبة يحملها نوع من الذباب أو البعوض (٣). وتفسيره لقوله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤)﴾ [الفلق: ٤] بأن المراد هنا "النمامون المُقَطِّعون لروابط الألفة"، "لأن

стр. 145

السحرة المشعوذين يزعمون أنهم يقطعون الأواصر حتى بين المرء وزوجه بسحرهم". وقد اضطره لهذا التفسير إنكاره أن يكون السحر حقيقة ملموسة، بل هو عنده نوع من الأساليب الماكرة، وضروب من الحيل الخفية، ويأول ما جاء في القرآن عن السحر بأنه من قبيل "التمثيل"، ويرد الأحاديث الصحيحة فيه (١). وفي بعض فتاوى محمد عبده نجد محاولة لتأويل أحكام الفقه تأويلًا يتلاءم مع أهواء الحضارة الغربية، وتسويغ واقعها، ومن أهم فتاواه في ذلك حل إيداع الأموال في صندوق التوفير وأخذ الفائدة عليها (٢). وفي مقالة له عن تعدد الزوجات تحدث عن تاريخ التعدد عند الشعوب الأخرى، وعند العرب قبل الإسلام، وأن الإسلام قد خفف من العادة العربية في الإكثار من الزوجات، ووقف عند الأربعة رحمة بالنساء من ظلم الجاهلية، ولكنه يرى الآن للظروف والملابسات السائدة في المجتمع، ولاستحالة العدل بين النساء فلابد من منع تعدد الزوجات، إلا في حالات استثنائية يقررها القاضي (٣). وهكذا نلمح عند محمد عبده بعض ملامح المنهج العصراني، من صرف القرآن عن غير معانيه الظاهرة أحيانًا بحجة أنها تمثيل وتصوير، ورده للسُّنَّة الصحيحة أحيانًا لمعارضتها ما يظن أنه علوم العصر، واستخدام المنهج التاريخي لمعالجة قضايا وأحكام الشريعة وربطها بظروف وملابسات مؤقتة. وإذا كانت هذه النزعات عند محمد عبده نزعات ضعيفة ومصغرة، ربما بحكم ثقافته الأزهرية، إلا أنها قد تركت آثارها في تلامذته من بعده فتضخمت في مجموعة منهم وصارت مضاعفة مكبرة، ومن هؤلاء قاسم أمين وعلي عبد الرازق. قاسم أمين (٤): سفور المرأة باسم الدين: القضية الأساسية التي نذر لها قاسم أمين (١٨٦٣ - ١٩٠٨ م) حياته، هي
следующие страницы →