"وهكذا نرى أن قصة هبوط آدم كما جاءت في القرآن لا صلة لها بظهور الإنسان الأول على هذا الكوكب، وإنما أريد بها بالأحرى بيان ارتقاء الإنسان من الشهوة الغريزية إلى الشعور بأن له نفسًا حرة قادرة على الشك والعصيان" (١).
ويقول عن الجنة والنار:
"أما الجنة والنار فهما حالتان لا مكانان، ووصفهما في القرآن تصوير حسي لأمر نفساني؛ أي: لصفة أو حال" (٢).
أما المثال الثاني للنزعة العصرانية عند إقبال فتظهر واضحة في الفصل الذي كتبه عن الاجتهاد وسماه "مبدأ الحركة في الإسلام" (٣)، ويقصد أن المبدأ الذي يواجه به الإسلام التغير والحركة هو الاجتهاد. ويعرف إقبال الاجتهاد ثم يقول: "وأصل الاجتهاد على ما أعتقد هو قول القرآن في آية مشهورة ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩]، وهذا الاستدلال يكشف أن إقبال، لم يكن -آنذاك على الأقل- عميق المعرفة بالثقافة الإسلامية" (٤).
ويطرح إقبال في ذلك الفصل هذا السؤال الذي هو شغل العصرانية الشاغل ". . . وانتقل الآن إلى النظر فيما إذا كان تاريخ الشريعة الإسلامية وبناؤها يتبين فيهما إمكان تفسير الشريعة ومبادئها تفسيرًا جديدًا، وبعبارة أخرى الموضوع الذي أود أن أثير البحث فيه هل شريعة الإسلام قابلة للتطور؟ ".
وعنده أن الإجابة على هذا السؤال تحتاج إلى جهد عقلي عظيم، ويرى أن العالم الإسلامي عليه أن يواجه هذا السؤال بالروح التي كان يواجه بها عمر مشكلات الدين، ويصفه بأنه أول عقل ممحص مستقل في الإسلام. ولا ريب عنده أن التعمق في دراسة كتب الفقه والتشريع الهائلة العدد، لابد من أن تجعل الناقد بمنجاة من الرأي السطحي الذي يقول بأن شريعة الإسلام شريعة جامدة غير قابلة للتطور. ثم يناقش تجديد أصول الفقه الإسلامي من أجل أن يتبخر الجمود المزعوم ويبدو للعيان إمكان حدوث تطور جديد.
стр. 142
تجديد أصول الفقه:
إنه يرى أن القرآن هو الأصل للشريعة الإسلامية، وليس من شك في أن القرآن يقرر بعض المبادئ والأحكام العامة في التشريع، ولكن القرآن ليس مدونة في القانون، فغرضه الأساسي هو أن يبعث في نفس الإنسان أسمى مراتب الشعور بما بينه وبين الله وبينه وبين الكون من صلات. على أن الأمر الجدير بالملاحظة في هذا الصدد هو أن القرآن يعتبر الكون متغيرًا، ومن الواضح الجلي أن القرآن بما له من هذه النظرة لا يمكن أن يكون خصمًا للتطور، وأن المبادئ التشريعية في القرآن رحبة واسعة وأبعد ما تكون عن سد الطريق على التفكير الإنساني والنشاط التشريعي، وأن الرعيل الأول من الفقهاء اعتمدوا على هذه المبادئ واستنبطوا عددًا من النظم التشريعية، على أن مذاهبهم مع إحاطتها وشمولها ليست إلا تفسيرات فردية، وهم لم يزعموا أبدًا أن تفسيرهم للأمور واستنباطهم للأحكام هو آخر كلمة تقال فيها، وبما أن الأحوال قد تغيرت والعالم الإسلامي يتأثر اليوم بما يواجهه من قوى جديدة، فالرأي عنده "أن ما ينادي به الجيل الحاضر من أحرار الفكر في الإسلام من تفسير أصول المبادئ التشريعية تفسيرًا جديدًا، على ضوء تجاربهم وعلى هدي ما تقلب على حياة العصر من أحوال متغايرة هو رأي له ما يسوغه كل التسويغ".
ثم ينتقل إلى أحاديث الرسول المصطفى ﷺ التي هي الأصل الثاني العظيم للشريعة، وينقل رأي المستشرق جولد تسيهر بأن إخضاع الأحاديث للفحص الدقيق على ضوء القوانين المستحدثة في النقد التاريخي، يظهر أنها في جملتها لا يوثق بصحتها. . .
ثم يتناول بالبحث مسألة يعتبرها هامة، وهي أن الفرق بين الأحاديث التي تتضمن أحكامًا تشريعية والأحاديث التي ليس لها طابع تشريعي. . . وحتى السُّنَّة التشريعية يرى أن يبحث عن مدى ما تضمنته من عادات كانت للعرب قبل الإسلام، فتركها الإسلام دون تغيير، وأخرى أدخل فيها النبي تعديلًا. وهل قبول النبي لها تصريحًا أو ضمنًا قد أريد بها أن تكون ذات صفة عامة في تطبيقها.
ويستشهد بأن أبا حنيفة لم يكن أحيانًا يعتمد على هذه الأحاديث، وذلك في نظره موقف جد سليم ثم يقول: "إذا رأى أصحاب النزعة الحرة في التفكير العصري، أنه من الأسلم ألا تتخذ هذه الأحاديث من غير أدنى تفريق بينها،
стр. 143
أصلًا من أصول التشريع؛ فإنهم يكونون بذلك قد نهجوا منهج رجل من أعظم رجال التشريع بين أهل السُّنَّة".
والإجماع عند إقبال الذي هو الأصل الثالث من أصول التشريع الإسلامي قد يكون من أهم الأفكار التشريعية في الإسلام، وهو يرى ضرورة انتقال حق الاجتهاد من الأفراد إلى هيئة تشريعية إسلامية؛ لأن ذلك هو الشكل الوحيد الذي يمكن أن يتخذه الإجماع في الأزمنة الحديثة؛ لأن هذا الانتقال يكفل للمناقشات التشريعية الإفادة من آراء قوم من غير رجال الدين ممن يكون لهم بصر نافذ في شؤون الحياة. وهو يتوقع لمثل هذه الهيئة التشريعية أن تخطئ خطأ فاحشًا في تفسير الشريعة؛ لأنها قد تتألف من رجال ليست لهم دراية بوقائع التشريع الإسلامي، ولكنه يستبعد أن يكون الحل تأليف لجنة دينية مستقلة، تكون لها سلطة الرقابة ويرى أن العلاج الوحيد الناجع للتقليل من وقوع الأخطاء في التأويل، هو إصلاح نظام التعليم القانوني وتوسيع مداه.
ثم يتساءل عن إجماع الصحابة وهل إذا انعقد إجماعهم على أمر ما يكون ملزمًا للأجيال التي بعدهم؟ ويخلص إلى أن القول الجريء في ذلك هو أن الأجيال اللاحقة ليست ملزمة بإجماع الصحابة.
والأصل الرابع من أصول الفقه هو القياس ويرى إقبال أن القياس كان في الأصل ستارًا يتوارى خلفه الرأي الشخصي للمجتهد، وأن النقد الدقيق الذي وجه لمبدأ القياس كان يهدف إلى كبح الميل إلى إيثار النظر المجرد والفكرة التي تدور في العقل على الأمر الواقع، على أن المنتقدين أنفسهم وقعوا في خطأ آخر، وهو أنهم رغم إدراكهم ما للواقع من شأن، إلا أنهم في الوقت نفسه جعلوه ثابتًا إلى الأبد وقصروا نظرهم على (السابقات) التي وقعت بالفعل في أيام النبي وصحابته، ثم يدعو إلى إحسان فهم وتطبيق مبدأ القياس وهو أنه حق طليق في حدود النصوص الملزمة.
وعلى هذه الأسس يدعو إقبال العالم الإسلامي أن يقدم بشجاعة على إتمام التجديد الذي ينتظره، الذي من أهم نواحيه الملاءمة مع أوضاع الحياة العصرية وأحوالها. إلا أن إقبال يضيف بعض التحفظات هي من خير ما كتب في هذا الفصل حين يقول:
"إننا نرحب من أعماق قلوبنا بتحرير الفكر في الإسلام الحديث، ولكن
стр. 144
ينبغي لنا أن نقرر أيضًا أن لحظة ظهور الأفكار الحرة في الإسلام هي من أدق اللحظات في تاريخه. . . فحرية الفكر من شأنها أن تنزع إلى أن تكون من عوامل الانحلال. أضف إلى هذا أن زعماء الإصلاح في الدين والسياسة قد يجاوزون في تحمسهم لتحرير الفكر الحدود الصحيحة للإصلاح إذا انعدم ما يكبح جماح حميتهم الفتية. . . إنه ينبغي ألا ننسى أن الوجود ليس تغيرًا صرفًا فحسب، ولكنه ينطوي أيضًا على عناصر تنزع إلى الإبقاء على القديم. . . فليس في استطاعة أمة أن تتنكر لماضيها تنكرًا تامًا لأن الماضي هو الذي كيف شخصيتها الحاضرة". .
محمد عبده وتلامذته:
كثيرة هي الأقلام التي تناولت الشيخ محمد عبده (١٢٢٦ - ١٣٢٣ هـ / ١٨٤٩ - ١٩٠٥ م) بالدراسة، وبالنقد والتمحيص لآرائه وأفكاره، وقد بلغت إصلاحاته وآراؤه من الشهرة والذيوع ما يغني عن الدخول في تفصيلاتها. إنما نهتم هنا بالاتجاهات العصرانية عند محمد عبده، والتي تظهر في كتاباته، وبالأخص في تفسيره لبعض الآيات، وفي فتاواه، مما يجعل مدرسته الفكرية تضاهي وتشابه في بعض نواحيها مدرسة سيد أحمد خان في الهند، حتى إن تلميذه رشيد رضا لا يخفي إعجابه بمقالة نشرتها في ذلك الوقت جريدة الرياض الهندية عنوانها "هل ولد السيد أحمد خان ثانية بمصر وظهرت جريدته تهذيب الأخلاق بشكل المنار" (١).
ففي منهجه لتفسير القرآن تتجلى واضحة النزعة إلى تفسير القرآن تفسيرًا يتناسب مع المعارف الغربية السائدة في العصر (٢)، ومن الأمثلة المشهورة لذلك تفسيره لقوله تعالى في سورة الفيل: ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤)﴾ [الفيل: ٣، ٤]، بأنها جراثيم الجدري أو الحصبة يحملها نوع من الذباب أو البعوض (٣). وتفسيره لقوله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤)﴾ [الفلق: ٤] بأن المراد هنا "النمامون المُقَطِّعون لروابط الألفة"، "لأن
стр. 145
السحرة المشعوذين يزعمون أنهم يقطعون الأواصر حتى بين المرء وزوجه بسحرهم". وقد اضطره لهذا التفسير إنكاره أن يكون السحر حقيقة ملموسة، بل هو عنده نوع من الأساليب الماكرة، وضروب من الحيل الخفية، ويأول ما جاء في القرآن عن السحر بأنه من قبيل "التمثيل"، ويرد الأحاديث الصحيحة فيه (١). وفي بعض فتاوى محمد عبده نجد محاولة لتأويل أحكام الفقه تأويلًا يتلاءم مع أهواء الحضارة الغربية، وتسويغ واقعها، ومن أهم فتاواه في ذلك حل إيداع الأموال في صندوق التوفير وأخذ الفائدة عليها (٢). وفي مقالة له عن تعدد الزوجات تحدث عن تاريخ التعدد عند الشعوب الأخرى، وعند العرب قبل الإسلام، وأن الإسلام قد خفف من العادة العربية في الإكثار من الزوجات، ووقف عند الأربعة رحمة بالنساء من ظلم الجاهلية، ولكنه يرى الآن للظروف والملابسات السائدة في المجتمع، ولاستحالة العدل بين النساء فلابد من منع تعدد الزوجات، إلا في حالات استثنائية يقررها القاضي (٣).
وهكذا نلمح عند محمد عبده بعض ملامح المنهج العصراني، من صرف القرآن عن غير معانيه الظاهرة أحيانًا بحجة أنها تمثيل وتصوير، ورده للسُّنَّة الصحيحة أحيانًا لمعارضتها ما يظن أنه علوم العصر، واستخدام المنهج التاريخي لمعالجة قضايا وأحكام الشريعة وربطها بظروف وملابسات مؤقتة. وإذا كانت هذه النزعات عند محمد عبده نزعات ضعيفة ومصغرة، ربما بحكم ثقافته الأزهرية، إلا أنها قد تركت آثارها في تلامذته من بعده فتضخمت في مجموعة منهم وصارت مضاعفة مكبرة، ومن هؤلاء قاسم أمين وعلي عبد الرازق.
قاسم أمين (٤): سفور المرأة باسم الدين:
القضية الأساسية التي نذر لها قاسم أمين (١٨٦٣ - ١٩٠٨ م) حياته، هي
стр. 146
قضية المرأة، فقد أراد لها أن تتحرر من تقاليدها الماضية وتقتدي بالمرأة الغربية، وقد كان ذلك هو محور آرائه في كتابيه "تحرير المرأة" و"المرأة الجديدة"، فقد أعلن بلا مواراة أن التمسك بالماضي هو من الأهواء التي يجب أن ينهض الجميع لمحاربتها؛ لأنه ميل يجر إلى التدني والتقهقر وأنه هو الداء الذي تلزم المبادرة إلى علاجه، وليس له من دواء إلا معرفة شؤون المدنية الغربية والوقوف على أصولها وفروعها وآثارها، وهو مؤمن أن الغربيين قد وصلوا إلى درجة رفيعة من الأدب والتربية مثل ما أنهم متقدمون في العلوم والصنائع، ومسألة حقوق المرأة وحريتها عند الغرب ليست في نظره مجرد عادة اجتماعية بل هي مسألة علمية، والحقيقة أنهم درسوها -كما يقول- درسًا تامًا كغيرها من المسائل الاجتماعية، إذ يصعب على العقل أن يظن أن علماءهم الذين يجهدون أنفسهم في اكتشاف أسرار الطبيعة يغفلون عن هذه المسألة أو يهملونها، وهذا هو السبب الذي جعله يضرب الأمثال بالأوروبيين ويشيد بتقليدهم، وحمله على أن يستلفت الأنظار إلى المرأة الأوروبية لأن المدنية الإسلامية "ولا يقول الدين الإسلامي"، أخطأت في فهم طبيعة المرأة وتقدير شأنها (١).
وهذا الإيمان العميق عند قاسم أمين بحضارة الغرب وقيمها وآدابها ليس أمرًا مستغربًا ولا مثيرًا للدهشة، بل هو الثمرة الطبيعية لثقافته الغربية البحتة ودراساته في فرنسا، ولكن الأمر الذي يستلفت النظر هو أنه دعا المرأة المسلمة لأن تقلد المرأة الغربية في كل شؤون حياتها، وحبذ لها أن إسلامها ودينها لا يعارض هذا التقليد. ومع أنه يعترف بقلة بضاعته في الثقافة الإسلامية؛ وأنه قليل الاطلاع على ما كتبه المسلمون قصير الباع في علومهم (٢)، ومع أنه يقول عن نفسه "لست أحب الخوض في حديث عن الدين لأسباب تتعلق بطبيعتي الخاصة وبحرصي على مراعاة اللياقة العامة" (٣)، وكلنا يفهم مغزى هذا الاعتراف، إلا أنه مع ذلك ناقش أمهات المسائل الدينية الخاصة بالمرأة من الحجاب والطلاق وتعدد الزوجات وتعليم المرأة وعملها، وكانت المهمة الصعبة أمامه هي أن يوفق
стр. 147
بين الآراء الغربية وبين الشرع، وقد فعل ذلك ببساطة تثير العجب باستخدام مبدأين مفضلين لدى العصرانيين: المبدأ الأول أنه يرى أن أحكام الشرع في هذه المسائل ليست أحكامًا ثابتة؛ بل هي أحكام متغيرة مع الزمان والمكان، ويشرح ذلك في هذه العبارة:
"الشريعة الإسلامية إنما هي كليات وحدود عامة، ولو كانت تعرضت إلى تقرير جزئيات الأحكام لما حق لها أن تكون شرعًا يمكن أن يجد فيه كل زمان وكل أمة ما يوافق مصالحهما"؛ ثم يقول: "فالأحكام المبنية على ما يجري من العوائد والمعاملات فهي قابلة للتغيير على حسب الأحوال والأزمان، فتبين لنا من ذلك أن لنا في مأكلنا ومشربنا وجميع شؤون حياتنا العمومية والخصوصية في أن نتخير ما يليق بنا ويتفق مع مصالحنا بشرط ألا نخرج عن تلك الحدود العامة" (١).
واستنادًا على هذا المبدأ الموسع الفضفاض يرى أن الإسلام يمكن أن يتلاءم ببساطة مع كل التطورات (٢)، ويقول مع أنه من المهم أن نلتفت إلى التمدن الإسلامي القديم ونرجع إليه، ونقف على ظواهره وخفاياه لأنه يحتوي على كثير من أصول حالتنا الحاضرة، ولكن من الخطأ أن ننسخ منه صورة ونحتذي مثال ما كان فيه سواء بسواء؛ لأن كثيرًا من ظواهر هذا التمدين لا يمكن أن يدخل في نظام معيشتنا الحالية (٣).
والمبدأ الثاني الذي يستخدمه قاسم أمين هو "أن أقوال النبي (٤) لا تشكل كلها جزءًا من الدين، فمن الطبيعي أن ننحي من هذه الأقوال تلك المحادثات الأليفة والنصائح الخلقية والحكم الفلسفية، التي لا تشكل التزامات وواجبات دينية، كما يجب أن ننحي أيضًا كل ما لا علاقة له بالفقه والتشريع، وتبقى بعد ذلك الأحاديث القليلة التي تفسر أو تكمل التوجيهات التي يتضمنها القرآن الكريم، بعد تحقق جاد من روايتها، أو بملاحظة مطابقتها مع نص القرآن أو روحه" (٥).
стр. 148
وتحت مظلة هذين المبدأين دعا المرأة إلى ترك الحجاب "لأن الكل متفقون على أن حجاب النساء هو سبب انحطاط الشرق، وإن عدم الحجاب هو السر في تقدم الغرب" (١). ودعاها إلى الاختلاط "لأن نساء العرب ونساء القرى المصرية مع اختلاطهن بالرجال على ما يشبه الاختلاط في أوروبا تقريبًا، أقل ميلًا للفساد من ساكنات المدن اللائي لا يمنعهن الحجاب عن مطاوعة الشهوات والانغماس في المفاسد، وهذا مما يحمل على الاعتقاد بأن المرأة التي تخالط الرجال تكون أبعد عن الأفكار السيئة عن المرأة المحجوبة" (٢). ودعا إلى تعليم وعمل المرأة المسلمة تمامًا مثل الغربية، وشجعها على تعلم الموسيقى والرسم والتصوير وعاب على "من يعدها من الملاهي التي تنافي الحشمة والوقار"، وتحسر أنه "ترتب على هذا الوهم الفاسد انحطاط درجة هذه الفنون في بلادنا إلى حد يأسف عليه كل من عرف ما لها من الفائدة في ترقية أحوال الأمم" (٣).
وفي مسألة الطلاق دعا إلى تقييد الطلاق بسلسلة من الإجراءات، واقترح أن يعتبر الطلاق غير صحيح إلا إذا وقع أمام القاضي (٤). وتعدد الزوجات في نظره ". . احتقار شديد للمرأة، وأنه ليجمل برجال هذا العصر أن يقلعوا عن هذه العادة من أنفسهم، ولا أظن أن أحدًا من أهل المستقبل يأسف على تركها" (٥).
هذه بعض "أبواب الإصلاح" التي طرقها قاسم أمين باسم الشرع والدين، ونحن الآن بعد قرابة القرن من صدور كتابيه (٦) يمكننا بالنظر في أحوال المرأة المصرية وأوضاعها الراهنة، أن نتبين ونلمس كيف كانت دعوته "إصلاحًا" لعقول النساء للإلقاء بأنفسهن طائعات في طوفان الحضارة الغربية.
علي عبد الرازق: شرعية فصل الدين عن الدولة:
من الأفكار الرئيسية في الحضارة الغربية المعاصرة فكرة فصل الدين عن
стр. 149
الدولة، وبعد إلغاء الخلافة الإسلامية في تركيا بعام واحد؛ أي: في عام (١٣٤٤ هـ / ١٩٢٥ م) صدر في القاهرة كتاب مشهور بعنوان: "الإسلام وأصول الحكم" لأحد علماء الأزهر الشيخ علي عبد الرازق، مستمدًا نفس الفكرة الغربية الفصل بين الدين والدولة (١)، لا ليدافع عنها من ناحية علمانية بحتة ولكن ليضفي عليها الشرعية الإسلامية، وليعتبرها أحد أفكار الإسلام الجوهرية. والطريقة التي اتبعها علي عبد الرازق لإدخال هذه الفكرة الغربية في الإسلام، وإلباسها الزي الإسلامي بتأويل أحكام الكتاب والسُّنَّة والفقه، تضع كتاب هذا العالم الأزهري في قمة إنتاج فكر العصرانية.
وعلي عبد الرازق درس بالأزهر وحصل على العالمية منه، وتلقى محاضرات في تاريخ الأدب العربي وتاريخ الفلسفة في الجامعة المصرية على يد بعض المستشرقين، ثم سافر إلى إنجلترا ليكمل دراسته في جامعة أكسفورد، ولكنه لنشوب الحرب العظمى عاد إلى وطنه واشتغل بالقضاء الشرعي (٢). ولم يكن علي عبد الرازق تلميذًا مباشرًا لمحمد عبده، ولكنه كان أثرًا من آثار النزعة الحرة في مدرسته.
والفكرة الأساسية التي يدور حولها كتابه "إن الخلافة نظام تعارف عليه المسلمون تاريخيًا وليس في أصول الشريعة ما يلزم به، وقد تصدى لهذه الفكرة كتاب قبله أصدرته حكومة الكمالين وهو كتاب "الخلافة وسلطة الأمة". فكتاب علي عبد الرازق لا يكاد المرء يظفر فيه بفكرة جديدة، ولكن الكتاب يمتاز بجمال الأسلوب أكثر من امتيازه بالتزام المنهج العلمي، وخطورته ترجع إلى الظروف التي أحاطت بظهوره، كما ترجع إلى جرأته وعنفه في مصادمة عواطف الناس وفي تحدي مشاعرهم، وفي التشكيك الساخر أحيانًا فيما تطمئن إليه نفوسهم، دون أن يقدم الأدلة القوية الواضحة على ما يذهب إليه من مزاعم تخرج عن المألوف (٣).
والكاتب يجيد "الروغان" حول الآيات والأحاديث، وهو أكثر مهارة في
стр. 150
"الروغان" من آرائه التي يعلنها بنفسه حتى ولو خطتها يمينه. ومن أطرف ما يمكن أن يقرأ دفاعه عن نفسه عند محاكمته، ووصمه الناس بعدم فهم مقاصد كلامه ومعانيه، ثم ما نشره بعد ذلك في الصحف دفاعًا عن "دفاعه"، عندما اتهم بالتردد والرجوع عن آرائه أمام المحكمة (١).
والنتيجة التي انتهى إليها علي عبد الرازق يلخصها في خاتمة الكتاب بهذه الكلمات "إن الدين الإسلامي بريء من تلك الخلافة التي يتعارفها المسلمون، وأنها ليست في شيء من الخطط الدينية. . . كلا ولا القضاء ولا غيرهما من وظائف الحكم ومراكز الدولة، وإنما تلك كلها خطط سياسية صرفة لا شأن للدين بها فهو لم يعرفها ولم ينكرها ولا أمر بها ولا نهى عنها، وإنما تركها لنا لنرجع فيها إلى أحكام العقل وتجارب الأمم وقواعد السياسة" (٢).
يناقش علي عبد الرازق ما يورد من أدلة على الخلافة من آيات القرآن، فيذهب إلى أن معناها أوسع وأعم من أن يقصد به الخلافة، وأما ما ورد من الأحاديث في شأن الإمامة والبيعة والجماعة وغيرها، فهي لا تصلح دليلًا لأولئك الذين يتخذون الخلافة عقيدة شرعية، وحكمًا من أحكام الدين، إذ هي لا تدل على أكثر مما دل عليه ذكر المسيح لبعض الأحكام الشرعية عن حكومة قيصر، ثم يناقش دليل الإجماع من أن المسلمين منذ عهد الصحابة إلى يومنا هذا أجمعوا على وجوب نصب خليفة، فيورد أن الخلافة الإسلامية كانت منذ عهد أبي بكر الصديق إلى هذا اليوم عرضة للخارجين عليها المنكرين لها. ولحركة المعارضة هذه تاريخ كبير جدير بالاعتبار، وأنها أحيانًا كانت تتخذ شكلًا قويًا مما جعل الخلافة لا ترتكز إلا على أساس القوة الرهيبة والبطش، فهل بعد هذا يمكن أن يدعى الإجماع عليها؟ (٣).
ثم يقول: "إن يكن الفقهاء أرادوا بالإمامة والخلافة ذلك الذي يريده علماء السياسة بالحكومة كان صحيحًا ما يقولون، من أن إقامة الشعائر الدينية وصلاح
стр. 151
الرعية يتوقفان على الخلافة، بمعنى الحكومة في أي صورة كانت الحكومة ومن أي نوع، مطلقة أو مقيدة، فردية أو جمهورية، استبدادية أو دستورية، ديمقراطية أو اشتراكية أو بلشفية" (١).
ويؤكد علي عبد الرازق أن زعامة الرسول ﷺ كانت زعامة دينية وولاية روحية، لا شأن لها بالحكم والسياسة. وأن النبي ﷺ لم يسع إلى تأسيس دولة. وأن كثيرًا من أعمال الحكومات ووظائفها الأساسية لم يكن موجودًا في عهد النبي ﷺ ، وأن بعض ما يشبه أن يكون في السيرة النبوية من مظاهر الحكومة السياسية وآثار السلطة، كان فقط وسيلة لجأ إليها النبي ﷺ تأييدًا للدعوة وتثبيتًا للدين (٢).
ثم يدرس الشيخ علي الخلافة والحكومة في التاريخ الإسلامي، ليقرر أن الإسلام نظام ديني لا صلة له بأنظمة السياسة، وأن ما تعارف عليه المسلمون من نظام للحكم فهو مسألة تاريخية لا دخل للدين بها، وأن دولة العرب قامت كما قامت من قبلها دول وقامت من بعدها دول، ولهذا لا شيء في الدين يمنع المسلمين من أن يهدموا نظام الخلافة، ذلك النظام العتيق الذي ذلوا له واستكانوا وصور لهم الخطأ والوهم أنه من الدين، وأن يبنوا نظام حكومتهم على ضوء تجارب الأمم الأخرى وما أنتجته العقول البشرية في علوم الاجتماع والسياسة (٣).
والذي يرمي إليه علي عبد الرازق هو أن يأخذ المسلمون نظم الغرب السياسية ويؤسسوا حكمهم عليها، ولكن أخطر ما في الأمر والذي أثار الضجة العالية عن الكتاب هو أنه لم يدع إلى ذلك بالصراحة التي ينادي بها دعاة التغريب والعلمانيون، وإنما قدم دعوته في قالب الإسلام، وغلفها بغلاف الشرع، واحتج عليها بحجج دينية، وتلك هي العصرانية في صورة من أوضح صورها، وبوجه من أكثر وجوهها سفورًا وبروزًا.
стр. 152
الفصل الثالث مفهوم التجديد عند العصرانية في العالم الإسلامي
٢ - الطبقة الثانية من المفكرين
стр. 153
الفصل الثالث مفهوم التجديد عند العصرانية في العالم الإسلامي
٢ - الطبقة الثانية من المفكرين
تمهيد:
الطائفة الأولى من المفكرين الذين حواهم الفصل السابق طائفة تقدمت ومضت، أما الطائفة الثانية التي يتناولها هذا الفصل فمجموعة جديدة من المعاصرين، بعضهم لا يزال حيًا، وسوف نرى كيف أنهم خلفوا أولئك، وبعثوا الحياة في أفكارهم وآرائهم، وشرحوا ووسَّعوا، وقعَّدوا القواعد، وأضافوا وحذفوا، فكانوا بذلك حلقة في سلسلة متصلة، وعرضًا جديدًا لفكر قديم.
محمد أسد: نسخة أوروبية لسيد خان
محمد أسد (أو ليوبولدفايس) مستشرق نمساوي الأصل، كان في أول أمره مراسلًا للصحف الأوروبية في الشرق الأوسط، وبعد تجوال في ربوعه وبخاصة في جزيرة العرب هداه الله فأعلن إسلامه في عام (١٩٢٦ م). وبعد فترة من العيش بالمملكة العربية السعودية انتقل إلى الهند، ومكث فيها مدة طويلة، وكانت
стр. 154
له صلات قوية بالحركة الفكرية فيها، وبعد إنشاء حكومة باكستان عمل في خدمة حكومتها، حتى استقال من خدمتها عام (١٩٥٢ م) وكان يشغل منصب ممثلها في الأمم المتحدة (١).
وقد عرفه العالم العربي من خلال أول كتاب ترجم له إلى اللغة العربية بعنوان: "الإسلام على مفترق الطرق"، وصدرت الترجمة عام (١٩٤٦ م)، واشتهر وذاع بسبب هذا الكتاب الذي لاقى انتشارًا واسعًا يتضح من تعدد طبعاته. ومن خلال الكتاب -يبدو فكر المؤلف ناصعًا ورؤيته واضحة، وبخاصة لمعايب الحضارة الغربية ولأخطار تقليدها على المسلمين، ولمزايا الإسلام عليها ولأهمية التمسك بأسسه وأصوله الكتاب والسُّنَّة. ولما كان المؤلف من أبناء الغرب وأهله أحدث نقده للحضارة الغربية، وشهادته للإسلام بغض النظر عن قيمة محتواه، تأثيرًا قويًا ولاقى رواجًا وإعجابًا.
ولكن كتب المؤلف الأخرى لا تعطي الانطباع الذي يعطيه كتابه السالف، وإذا استبعدنا كتابه "الطريق إلى مكة المكرمة" الذي هو قصة أدبية رائعة عن الثلاثين سنة الأولى من حياته واعتناقه الإسلام، ولا يعد كتابًا فكريًا، فإن كتبه الأخرى (٢) تنضح بفكر عصراني خالص، حتى إن المرء لا يجانب الصواب كثيرًا إذا وصفه -وبخاصة في ترجمته لمعاني القرآن والحواشي والهوامش التي ضمتها الترجمة- بأنه نسخة أوروبية لسيد خان، أعظم مفكري العصرانية المسلمين. ولا غرو فإنه لتأثره بالمادية الغربية التي لا تؤمن بما وراء المحسوس المشاهد، لم يستطع أن يتخلص من بقاياه الجاهلية، فأقبل في الإسلام على العصرانية يأول ويفسر كل شيء في حدود عالم الحس وأذواق الغرب. ويقدم لنا محمد أسد -تمامًا كسيد خان- نموذجًا متكاملًا للفكر العصراني الإسلامي، إذ لم يقتصر فكره في دائرة واحدة من دوائر الإسلام، بل شمل العقائد والتفسير والحديث والفقه. ونقدم هنا أمثلة قليلة من ذلك.
стр. 155
المفتاح الأساسي لفهم القرآن في نظره هو في الآية السابعة من سورة آل عمران ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧]؛ يقول: "فهذه الآية هي التي تجعل رسالة القرآن سهلة التناول ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [يونس: ٢٤]. وهو يعرف المتشابه بأنه تلك الآيات التي جاء التعبير فيها بطريقة مجازية، والتي تتضمن معنى رمزيًا لا يمكن الإفصاح عنه مباشرة ولو في كلمات كثيرة. أما لماذا يحتوي القرآن على المتشابه فيقول: لأنه يتحدث عن عالم (الغيب) ذلك العالم الذي هو وراء إدراك البشر الحسي، ولما كان العقل البشري لا يدرك الأشياء ولا تكون عنده معرفة إلا من خلال تجاربه الماضية (هكذا يقول)، فلا يمكن نقل معاني (الغيب) له إلا باستعارة أمثلة وتشبيهات تؤخذ من نفس هذه التجارب، أو كما يقول الزمخشري (تمثيلًا لما غاب عنا بما نشاهد)، ثم يقفز من ذلك إلى النتيجة التالية (وهكذا يبين لنا القرآن بوضوح أن كثيرًا من تعبيراته وآياته يجب أن تفهم باعتبار أنها متشابهة، لسبب بسيط وهو أنها لتخاطب العقل البشري فلا يمكن أن تخاطبه بغير هذه الطريقة، فإذا أخذنا كل تعبير في القرآن وكل كلمة وكل آية بمعناها الظاهري الحرفي، وغضضنا الطرف عن احتمال أن تكون متشابهة، أو رمزًا أو مثالًا، فإننا نسيء إلى روح النص القرآني ذاته" (١).
ومن خلال اعتبار كثير من نصوص القرآن رموزًا وأمثلة، يمكن لأي امرئ أن يفسر ما شاء كيف شاء، ولم لا؟ فهل يمكن الادعاء إن للرمز معنى واحدًا بعينه هو المعنى المقصود دون غيره؟ وهذا ما فعله محمد أسد، فقد أوّل ما شاء كيف شاء ضاربًا بقواعد اللغة وبكثير من تفسيرات السلف عرض الحائط، ولم يتقيد بها -كما يقول- أليس من: "مزايا القرآن الفذة أنه كلما ازدادت معرفتنا بهذا العالم، وازدادت تجاربنا كلما تكشفت لنا آياته عن معانٍ ثرة جديدة لم تخطر من قبل" وهذا في ظاهره صحيح إذا أريد به أن معاني القرآن الأولية، يمكن أن تتسع للفهم بازدياد معرفة البشر، ولكن اتساع الفهم لا يناقض المعنى الأولي الأساسي، فهل هذا الذي يقصده محمد أسد؟ من عبارته التالية يبدو أن الذي يقصد إليه أن النص الواحد يمكن أن تكون له معانٍ متعددة، بل ومتناقضة حسب ثقافة المفسر المتاحة له في عصره، فهو يستمر ليقول:
стр. 156
"لقد أدرك أسلافنا العظماء هذه الحقيقة إدراكًا كاملًا، وفي تفسيرهم للقرآن اقتربوا من نصوصه من خلال (عقولهم)، أو بعبارة أدق حاولوا شرح معاني القرآن على ضوء اللغة العربية والسُّنَّة جنبًا إلى جنب مع المعارف العامة المتاحة لهم، مما تجمع لدى المجتمع الإنساني حتى عصرهم من تجارب وثقافة، ولهذا كان من الطبيعي أن يختلف في أحيان كثيرة فهم أحد المفسرين لآية من القرآن عن فهم من سبقوه، وقد يكون ذلك الاختلاف -وغالبًا ما يكون- حادًا وواسعًا، ويناقض بعض المفسرين بعضهم بعضًا، ولكن ذلك لم يخلق عداء بينهم، لإدراكهم لعنصر النسبية في التفكير البشري، وأنه لا أحد يبلغ الكمال" (١).
ولنأخذ مثلًا كيف يفسر محمد أسد صفات الله الواردة في القرآن. يقول: بما أن الله كائن لا تحده حدود الزمان والمكان فإن كل ما يمكننا أن ندركه عنه ما يسمى بالصفات السلبية (What he is not)، أما صفاته الثبوتية فلا يمكن أن نكون عنها إلا فكرة ناقصة عن طريق استعارات وأمثلة عامة ومجملة. ولهذا فهو يعتبر هذه الصفات مجازات لابد من تأويلها، فيقول عندما يوصف الله تعالى بأنه في السماء أو أنه: ﴿عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، فإن هذه ليست إلا أداة لغوية لتقرب لنا معنى فوق إدراك البشر، وهو قدرة الله الواسعة وسلطانه القاهر فوق كل شيء وكذلك عندما يوصف الله بأنه (السميع) (البصير) فإن ذلك لا يمت بصلة إلى ظاهرة السمع والبصر العضوية، ولكنه فقط يصور بطريقة مفهومة للعقل البشري حضور الله عند كل شيء وكل حدث. وكذلك كثير من الصفات التي يبدو لأول وهلة أنها تعني التجسيم، مثل الغضب والفرح والحب و ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧]، وأمثالها فهي لا تعدو أن تكون (تراجم) في لغة بشرية، ورموزًا لأفعال الله تعالى (٢).
ونفس الرموز -في رأي أسد- موجودة في وصف القرآن لليوم الآخر والحياة الثانية، والجنة والنار. وكل ما جاء من وصف لهذه الأمور ما هو إلا رموز مأخوذة من تجاربنا، فكأن القرآن يقول لنا: "تخيلوا كل ما يمكن لكم تخيله مما
стр. 157
ينعم به الإنسان نفسيًا وبدنيًا، وتخيلوا نعيمًا فوق ما تتخيلون بأضعاف مضاعفة، ونعيمًا في ذات الوقت مختلفًا عن كل ما تتخيلون، فإنكم فقط حينئذ تكونون قد أدركتم لمحة وإن كانت غامضة عما يسمى (الفردوس). ونفس الأمر صادق أيضًا عن وصف القرآن للنار" (١). وهو بذلك يعني أن وصف القرآن للجنة والنار لا ينبغي أن يؤخذ على ظاهره، أو على أنه وصف لحقائق واقعة، بل هو مجرد تمثيل وتصوير.
وهو ينظر إلى بقية أمور الغيب والسمعيات الأخرى، مثل الجن والملائكة والمعجزات، بالنظرة نفسها، أي: أنها كلها رموز وأمثلة. وبكل (تمحل) يعطيها تفسيرات في حدود عالم الحس وليس له من دليل إلا الحدس والتخمين والخيال الواسع.
فقصة أهل الكهف -مثلًا- ونومهم لمدة ثلاثمائة عام ثم استيقاظهم يرى أنها ليست إلا "أسطورة"، واعتمادًا على الاكتشاف الحديث لما سمي مخطوطات البحر الميت Dead sea scrolls، يرى أن المقصود بأهل الكهف مجموعة من اليهود كانت تعزل نفسها في الكهوف تفرغًا لدراسة الصحف المقدسة ونقلها وكتابتها. ولما كان الناس من حولهم يعظمونهم وينظرون إليهم نظرة قدسية، فمن المحتمل جدًا أن يكونوا قد نسجوا حولهم بسبب عزلتهم التامة عن العالم، أسطورة النوم لمدة طويلة ثم (الاستيقاظ) بعد أن يكونوا قد أكملوا مهمتهم المقدسة؛ أي: أن القرآن يحكي فقط أسطورة شائعة. ولكن لماذا يحكيها القرآن؟
يقول: إن القرآن يستخدمها بطريقة رمزية بحتة ليوضح أولًا قدرة الله الكاملة على الإماتة -"النوم"- والإحياء -"الاستيقاظ"-؛ ويشير ثانيًا من خلالها إلى التضحية التي يمكن أن يدفع إليها الإيمان، فيعتزل قوم أتقياء العالم الفاسد نجاة من شروره (٢).
وكذلك يرى أن قصة سليمان ﵇ التي يحكيها القرآن والمعجزات التي تصاحبها كلها كانت أساطير شائعة عند العرب وأهل الكتاب من يهود ونصارى
стр. 158
حين نزول القرآن، ومن الممكن إعطاؤها تفسيرات "عقلية"، "هكذا يقول: فلديه تفسيرات جاهزة لكل شيء، ولكن لا فائدة في ذلك لأن القرآن وجد هذه الأساطير في البيئة التي نزل فيها، فحكاها كما هي دون أن يؤكد صحتها أو يدحضها فاستخدمها لأنها كانت ضاربة بجذورها فى عقول الناس، ليبث من خلالها بعض مفاهيمه العقدية والأخلاقية" (١).
وإذا كانت هذه أمثلة لواحدة من وسائله لرفض المعجزات باعتبارها أساطير فقط، إلا أنه في أحيان أخرى يعطيها تأويلات تبعدها أن تكون خارقة للعادة. من ذلك مثلًا قصة إبراهيم مع الطيور الأربعة، ففي نظره أن إبراهيم لم يقتل الطيور ولم يقطعها أجزاء ثم أحياها الله بعد ذلك، بل كل ما في الأمر أنه علَّم الطيور ودرَّبها على طاعته وإجابة أوامره، وهذا عنده هو معنى ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ [البقرة: ٢٦٠]، ثم إن إبراهيم وضع كل طائر على جبل، ثم حين دعاها أجابته. والمغزى من ذلك أنه إذا كانت الطيور بمثل هذا التعليم والتدريب تطيع الإنسان ولا تعصي أمره، فكذلك الله الذي يطيعه كل شيء، فهو قادر على أن يحيي الموتى بأمرهم بكلمة منه "كن" (٢).
ويقول عن الحوت الذي التقم يونس ﵇ أن القرآن يذكره بأداة التعريف (الحوت) لأن أسطورته كانت معروفة فهو بذلك حوت معروف معهود. وفي هذه المرة لا يكتفي بالقول أنه أسطورة بل يعطيه تفسيرًا من تفسيراته (العقلانية) من بنات أفكاره، فيقول: مما لا شك فيه أن التقام الحوت هنا ما هو إلا رمز للغم والكرب الذي وقع فيه يونس (٣).
ويفسر حجارة السجيل في سورة الفيل مثل تفسير محمد عبده، الذي صرح في مقدمة الكتاب أنه تأثر به كثيرًا واقتبس منه في عدة مواطن (٤)، فسبب هلاك أصحاب الفيل كان وباء الجدري أو الحصبة، والطير الأبابيل في تفسيره هي ناقلات ذلك الوباء (٥).
стр. 159
والأمثلة كثيرة ومتعددة، وبإيجاز يمكن القول أن أي معجزة في القرآن ضاق عقل أسد المادي عن إدراكها، راح يأولها بهذه الجرأة وبهذا الخرص والخبط.
الفقه من خلال ذوقه الأوروبي:
وإذا كانت هذه نظرة أسد إلى أمور العقيدة ومنهجه في تفسيرها؛ فكيف ينظر إلى مسائل الفقه التي لا يستسيغها "ذوقه" الأوروبي. ويأتي أولًا السؤال ما الذي لا يستسيغه "الذوق" الأوروبي من الفقه الإسلامي، ثم ننظر ثانيًا في "المنهج العلمي" الذي يقدمه أسد لتأويله ليوافق "ذوق" الغرب المتحضر.
نختار ثلاث دوائر من التي يكثر اعتراض الغرب عليها في الإسلام: "وضع المرأة، والحدود، والربا". والأمثلة عن هذه تكفي.
أما عن المرأة فنكتفي برأي أسد في الحجاب. يقول عن قوله تعالى في ذلك في سورة النور: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١] أن المقصود بها اللباس المحتشم وستر الزينة، إلا ما يظهره الإنسان في العادة الجارية" (١)؛ أي: العادة الجارية في مجتمعه. ويعيب على المفسرين الأوائل أنهم قصروا ما يظهر على الوجه والكفين فقط وأحيانًا أقل، ويقول أن معنى: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ أوسع من ذلك، ويرى أنه لفظ عام، وأنه بعمومه قصد منه أن يفتح المجال للتغيرات التي تحدث في حياة الإنسان الخلقية والاجتماعية في كل زمان. إن الأمر البالغ الأهمية هو في "غض البصر وحفظ الفرج"، وما يحقق هذه الغاية في كل زمان هو الذي يحدد ما يعد من "الحشمة أو ما لا يعد في مظهر الإنسان الخارجي" (٢)؛ أي: أن المقياس والمعيار الأساسي هو الحشمة، وليس لذلك حدود إلا ما تحدده عادة المجتمع الجارية وليس بالضرورة أن يكون ذلك ستر ما عدا الوجه والكفين.
стр. 160
وفي مجال الحدود نأخذ مثالًا رأيه في عقوبة الحرابة، وخلاصة رأيه: أن من يظن أن (العقوبات الوحشية) الواردة في الآية ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣]، من يظنها عقوبات شرعية، فقد وقع في خطأ بالغ، وأن ما ذهب إليه المفسرون من أن المقصود بهذه الآية فرض عقوبات جنائية رأي مرفوض مطلقًا، مهما كانت الأسماء التي قالت بهذا الرأي كبيرة ومشهورة. ويؤكد أن الآية لا تنشئ أمرًا ولا تقصد تنفيذ طلب بل هي تقرير لحقيقة ويسوق لتأييد رأيه بعض الحجج، من ذلك أن الأفعال الواردة في هذه الآية ﴿يُقَتَّلُوا﴾ ﴿يُصَلَّبُوا﴾ ﴿تُقَطَّعَ﴾ ﴿يُنْفَوْا﴾ واردة بصيغة المضارع، ولا يفهم منها الأمر والطلب "وهذا مثال لأحد المواضع التي يظهر فيها ضعفه في اللغة". ومن الحجج أيضًا أن صيغة هذه الأفعال تدل على المبالغة، ويفهم هو من ذلك أن المقصود أن القتل والصلب والقطع هو لأعداد كبيرة، فهل يمكن أن يكون المقصود أن يعاقب عدد كبير من المحاربين ويعفى عن البقية؟ إذا كان القصد السجن فليس ذلك نفيًا من كل الأرض، وإذا كان المقصود النفي من دار الإسلام فدار الإسلام ليست هي كل الأرض. ومن أقوى الأدلة عنده على أن الآية لا تقرر عقوبات شرعية؛ لأن العقوبات الواردة فيها قد ذكرها القرآن على لسان فرعون الذي هو مثال الطغيان والشر والعدوان في القرآن، حين قال: ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (١٢٤)﴾ [الأعراف: ١٢٤]، "فهل يعقل أن يجعل القرآن هذه عقوبات شرعية للمجتمع المسلم، وقد اعتبرها في موضع آخر جريمة نكراء من جرائم عدو الله فرعون؟ ".
ويخلص من ذلك إلى أن التفسير الصحيح للآية أنها تقرر حقيقة، وهي أنه لا مهرب لمن يحاربون الله ورسوله من العقاب الذي يجرونه على أنفسهم بأنفسهم وذلك أنه بسبب ما يحدث من الصراع بينهم، فإنهم يقتلون أنفسهم بأعداد كبيرة، ويعذبون ويشوهون بعضهم بعضًا بأعداد كبيرة، إلى الحد الذي يقطعون فيهم دابر بعضهم بعضًا أحيانًا ﴿يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾؛ ويرى أن هذا التفسير هو الذي يستقيم مع سياق الآية وتزول به الاعتراضات التي يعترض بها على التفسير الأول (١).
стр. 161
وعن الربا يقول أن تعريفه لم يزل أمرًا مشكلًا للفقهاء، وأنهم عرَّفوه بحسب الظروف الاقتصادية السائدة في عصورهم، وأنه بالنظر إلى الاقتصاد السائد عند العرب عند نزول تحريم الربا يمكن تعريفه في ضوء ذلك عمومًا بأنه الفائدة التي تجنى من الدين استغلالًا لحاجة الفقير المحتاج، من غني قادر، وأنه بالنظر إليه من خلال ذلك يبدو أن مسألة تحديد المعاملات التي يمكن أن تعتبر داخلة تحت الربا هي مسألة أخلاقية في المقام الأول، وتعتمد أساسًا على الدوافع والبواعث التي تقوم عليها العلاقة الاجتماعية والاقتصادية بين الدائن والمدين، وإلى أي مدى يتحملان معًا الربح والخسارة. وذلك كما هو واضح يتغير تبعًا لتغير النمو الاقتصادي والاجتماعي والتقني، وعلى هذا فإن كل جيل من المسلمين هو الذي يضع بحسب ظروف عصره المعنى الجديد للربا والدوائر التي يشملها (١).
وتكفي هذه الأمثلة لبيان اتجاهات محمد أسد العصرانية وننتقل منه إلى كاتب آخر.
العصرانية وتطوير الدين:
من الإنتاج الهام لمدرسة العصرانيين كتاب بعنوان: "الفكر الإسلامي والتطور" والكتاب كما يقول عنه صاحبه: "محاولة لمناقشة قابلية الإسلام في أصوله للتطور ولرصيد المسلمين التاريخي في التطور وللواقع المعاصر واحتياجنا للوعي بحقيقة التطور عندنا وعند غيرنا" (٢).
ولم تكن هذه المحاولة الوحيدة لمناقشة قضية التطور وعلاقتها بالتجديد وبالدين، فقد كانت القضية مثار نقاش وندوات عامة ومقالات في الصحف في مصر قبل قرابة القرن (٣). وأمين الخولي في كتابه "المجددون" يقول: "إننا ننتهي باطمئنان إلى أن التجديد الديني إنما هو تطور والتطور الديني هو نهاية التجديد الحق" (٤). ولا غرابة -كما يقول- في المطالبة بالتطور في المجال الديني؛ لأن
стр. 162
النظرة السليمة الأساس تبين اطراد ناموس التطور وشموله، وأنه يبدو أكثر وضوحًا في حياة الأديان وتدين الإنسان. والتطور عنده يشمل الدين في جوانبه المختلفة، العقائد والعبادات والمعاملات، "فليست فيه أحكام تبقى على بقاء الزمن ولا ينالها أي تغيير" (١).
ومحمود الشرقاوي يجعل عنوان أحد كتبه: "التطور روح الشريعة الإسلامية"، الذي كان أصدر فصلًا منه قبل ذلك بعنوان: "تقويم الفكر الديني" ويقرر فيه "أن الإسلام لا يتعارض أبدًا مع سير البشرية وتحولها، وأنه دين لين واسع الأفق نستطيع أن نوفق بين روحه وبين كل مظهر من مظاهر الحضارة، وأن نجد في نصوصه ما يساير الأطوار المختلفة التي تتخطاها البشرية في عصورها المتباينة" (٢).
وبعد هذه المقدمة يقول أن التوفيق بين الدين والحضارة يتم بأن "نفرق بين (روح) الدين وغايته، وبين الدين كتقاليد وأشخاص. . . فروح الدين وجوهره هما الشيء الخالد الباقي الذي لا يتعارض مع أي عصر" (٣). ويشيد بهذه المناسبة بالسيد أمير علي وكتابه "روح الإسلام" ويصفه بأنه كان من دعاة الفهم الواسع للشريعة وبأستاذه ومعلمه السيد أحمد خان (٤). كما يقدم أمثلة تبين كيف أن الشريعة مطاوعة، ويقترح بعض الإصلاحات في مجال المرأة ومجال الاقتصاد، من تقييد الطلاق ومنع التعدد، وإباحة الفائدة في معاملات البنوك، والأخذ بمبدأ الوصية الواجبة في الميراث (٥).
ونعود إلى كتاب "الفكر الإسلامي والتطور" فنطالع في صدر صفحاته الأولى الخلفية الفكرية للكتاب، إذ نقرأ ملخصًا لبعض آراء إقبال -والتي سبق عرضها (٦) عن: هل الشريعة قابلة للتطور؟ ويضعها الكاتب تحت عنوان جذاب
стр. 163
"قضايا كبرى يثيرها الشاعر الفيلسوف إقبال" (١). وتظهر خلفية فكرية أخرى من مواقف الفكر العصراني الغربي حين يقول: "تلك بعض مواقف الفكر الديني في الغرب إزاء التطور الاجتماعي، وتلك صورة مما يكتب هناك عن هذه القضية، فإلى أي مدى تجاوب الفكر الإسلامي؟ (٢) وتظهر خلفية الكتاب الفكرية أيضًا فيما يورده من أمثلة لتطور الفكر الديمقراطي في الغرب والفكر الاشتراكي وتعدد مدارسه وأزيائه، من اشتراكية وطنية وشيوعية دولية، وستالينية وتروتسكية وخروتشوفية وتيتوية وماوتسية، ثم يتساءل: ترى لماذا يكتب على الفكر الإسلامي وحده الجمود؟ " (٣).
والتطور عند مؤلف الكتاب مسألة حتمية في كل شيء. كل شيء يتطور، تتطور البيئة ويتطور سكان البيئة من الأحياء، فلا عجب إذن أن يكون قانون هذه البيئة الاجتماعي هو التطور، "ولن تقف حركة التطور الكوني والإنساني إلا حين تقف عجلة هذه الحياة الأرضية البشرية ونواميسها كلها، وتدع المكان لحياة أخرى في عالم جديد له خصائص جديدة ترشحه للثبات والخلود" (٤).
والدين يساير هذا التطور إذ فيه شيء من المرونة والصلاحية للتغير والتبدل لمواجهة التطور؛ يقول المؤلف: "يظن كثيرون أن الدين دائرة مقفولة وكتلة جامدة. . . مجموعة قضايا متناهية نهائية. . . والحق أن الدين ليس قاموسًا أبجديًا محصور المحتويات معدود الكلمات يكفي أن نكشف عن أي كلمة فيه فنجدها بترتيب حروفها وأمامها التعاريف. . . ليس الدين كذلك بحال. . . إنه صالح لكل زمان ومكان ولا يعني ذلك أن تطبيقًا واحدًا بعينه للدين صالح لكل زمان ومكان فهذا محال. . . وإنما يعني ذلك أن الأصول الإسلامية من المرونة بحيث تصلح للبقاء وتحتمل أعباء التنقل بين مختلف الأجواء" (٥).
وكما رأينا عند العصرانية في الغرب فإن فكرة التطور تجر معها بعض
стр. 164
الذيول. من هذه الذيول أن فهم الدين وتطبيقه ظاهرة اجتماعية لصيقة الصلة بالظروف والعصر الذي تنشأ فيه يقول المؤلف: "إن الدين لا يمكن فصله عن العقل الإنساني الذي يتلقاه ويستقبله ويطبقه. . . وإن العقل الإنساني لا يمكن نزعه عن مجاله الحيوي الذي يضرب فيه بجذوره ونعني بذلك البيئة المحلية والعالمية والثقافية والاجتماعية. . . هذه حقيقة سيكولوجية اجتماعية (١)، لابد من اعتبارها لتقدير وضع الفكر الديني تقديرًا صحيحًا" (٢).
وفي موضع آخر يعاد تأكيد هذه النظرية مرة ثانية "إن الإسلام في تاريخه النظري والتطبيقي محصلة عدة عوامل متفاعلة. . . أصول ثابتة ولكنها مرنة هي قوام الدين وبيئة معينة وعقلية معينة وعن طريق تفاعل الإسلام مع الزمان والمكان ينتج مفهوم الدين وتطبيقه" (٣).
وما هي النتائج إذا رسخت هذه النظرية في الأذهان؟
النتيجة أولًا مما يقوله الكاتب: "لا تصبح التجربة المثالية للدين مثلًا هي عصر الخلفاء الراشدين. . . إن هذه تجربة مثالية بالنسبة لظروف الخلفاء الراشدين السائدة في وقتهم وبالنسبة لتفكيرهم وزمانهم وبلادهم وأقوامهم" (٤).
والنتيجة ثانيًا ما ينقله الكاتب عن الدكتور فضل الرحمن (٥): "إن العقل الإنساني لا يقف قط والمعرفة تسير دائمًا إلى الأمام، وكل تغير كبير في رأي الإنسان عن العالم يستلزم ترجمة جديدة وإعادة تقدير للحقائق الأساسية للعقيدة. . . ولكن هذه التفسيرات يجب ألا تفرض على العقيدة من الخارج بل يجب أن تنمو داخل نظام الاعتقاد ذاته، وبغير هذا لا تستطيع تلك التفسيرات أن
стр. 165
تقنع المسلمين الآخرين" (١). "يجب ألا يغيب عن بالنا مغزى الفقرة الأخيرة من كلام فضل الرحمن".
وترتفع درجة حماس مؤلف "الفكر الإسلامي والتطور" لهذا الرأي فيقول: "قال قائل: يجب أن ينقح الدين كل مائة سنة! وأنا أصحح التعبير فأقول: أنه يجب أن نصحح فهمنا للدين كل سنة، وكل شهر وكل يوم وكل لحظة؛ لأن المعرفة لا نهاية لآفاقها، ولأن التقدم الإنساني لا توقف لسيره" (٢) (قارن هذا الرأي برأي العصرانية المسيحية "إن تعديل العقائد التقليدية في ضوء المعرفة السائدة يجب أن يتم المرة تلو المرة ما دامت معرفة الإنسان تنمو وحياته الاجتماعية تتغير") (٣).
ومن الذيول التي تجرها فكرة التطور أن إدراك حقائق الدين أمر نسبي، ويصف الكاتب هذه النظرية بأنها "حقيقة فلسفية ربما أفزعت الكثيرين ممن يقدسون الدين كمفاهيم جامدة ثابتة" ويشرحها هكذا "إن الحقيقة الثابتة تختلف الأنظار إليها باختلاف زاوية سقوط الشعاع الفكري، وهذه النظرية الجزئية تكون حاجزًا عن إدراك الحقيقة الكلية الشاملة المحيطة، وقد يتسنى أن يتسع أفق النظر ولكن بمزيد من العمر ومزيد من تعاقب الأجيال على العلم والعمل" (٤).
ويمضي في الشرح ". . . كذلك الدين تتفاوت قوى الأفراد والأجيال في تفهم مبادئه وتطبيقها، واللغة التي يعبر بها الدين عن حقائقه ظاهرة بشرية فهي قابلة للأخذ والرد والتأويل والتحوير" (٥). ويقول أيضًا: ". . . وسيظل الدين معرضًا لتجدد القوالب في الفهم والعرض والتطبيق، ويتأثر بزاوية الشعاع الساقط عليه وقد يزيغ البصر تجاهه بين انعكاسات الأضواء وانكساراتها وتؤثر ظروف الأفراد والجماعات على جهاز الرؤية والإدراك" (٦).
стр. 166
ما الهدف من وراء تأكيد ذلك؟
ربما يكون الهدف أن نعي تمامًا أن الاتفاق في أمر من أمور الدين مسألة بعيدة المنال (وبكلمات الكاتب). . . "هذا تاريخ المسلمين الفكري. . . تاريخ الفرق والمذاهب يشهد باختلافهم في الأصول، واختلاف أهل السُّنَّة والشيعة، والمعتزلة والأشاعرة والمتكلمين والفلاسفة والفقهاء والصوفية. . . واختلاف المسلمين في الفروع ذائع معروف. . . ثم هناك اختلاف آخر في السياسة والحكم. . . إلى آخر ما هناك من اختلافات. . . سيقال أنهم في أمور اتفقوا. . . نعم اتفقوا على ما قلت في دوائر واسعة جدًا لن يغنيهم الوفاق فيها على شيء! " (١).
هل هذا تقرير أن الخلاف أمر واقع أم يعني أن الخلاف أمر سائغ؟ حتى الخلاف في كل شيء "لأن الحقيقة الثابتة تختلف الأنظار إليها باختلاف زاوية سقوط الشعاع الفكري" كما يقول؟.
ما المقياس إذا حدث مثل هذا الاختلاف بين المسلمين؟ هل المقياس النصوص؟ هل المقياس العقل؟ ولكن الكاتب يقول: "من أين نأتي بالعقل الذي يتطابق مع الحكمة الإلهية تمامًا حتى يزعم أنه حدد مقاصد الله بالتمام والكمال دون زيادة أو نقصان؟ " (٢). "أنى يتأتى للإنسان أن يستعلي على ضغط غرائزه وإيحاء مجتمعه وحدود طاقاته، والتي تخطط له مسالك دون أن يشعر لينصب نفسه ترجمانًا نهائيًا لعلم الله الواسع المحيط في تشريعه المنزل؟ " (٣).
أم أنه لا مقياس "لأن الحقيقة الثابتة تختلف الأنظار إليها باختلاف زاوية سقوط الشعاع الفكري؟ ".
أمثلة عملية للتطور:
ولا يكتفي المؤلف بالدعوة النظرية لمواجهة الدين للتطور، بل يقدم لنا أمثلة عملية لهذا التطور الذي يطمع فيه.
ونبدأ بأمثلة من الفقه الخاص بالمرأة، فنقرأ في أحد الفصول الدعوة إلى
стр. 167
تقييد الطلاق، وتقييد تعدد الزوجات، والدعوة إلى الاختلاط وترك الحجاب. ونطالع الإطار العام الذي يضع فيه الكاتب قضية المرأة في هذه الفقرة:
"أول ما ينبغي أن يراعى في قضية المرأة وأشباهها، أنها وثيقة الارتباط بواقع البيئة الاجتماعية، والمجتمع الواحد يختلف من زمن لآخر، والمجتمعات تتباين فيما بينها، ومن ثم قد تتفاوت المجتمعات -ولو كانت كلها إسلامية- في صورة ما تطبقه من تشريعات، وهنا ينبغي ألا يحمل الدين عبء هذه الفوارق الطبيعية الحتمية، بل أولى للجميع أن ينسبوا هذه الأحكام الاجتهادية لواقع العصر والبيئة، وأن يعترف المتخلف بأن الدين لم ينه عن صور التقدم الرائعة التي تطبق عند غيره، ولكنه سيصل إلى بلوغ هذه المرحلة بعد حين، وعلى المسلمين جميعًا أن يكونوا على وعي من أن اختيار جماعة لصورة من صور التطبيق، إنما يأتي نتيجة كونها قريبة لواقع المجتمع ميسورة التطبيق فيه، فمرجع الاختلاف كثيرًا ما يكون لأسباب فنية تطبيقية، لا لأسباب أصولية تشريعية" (١).
ولأن القضية شائكة فإن المؤلف يصوغ آراءه في مرونة ولين، وهو يعلم ما أثارته القضية من ضجيج. فتقييد الطلاق الذي ظهرت فكرته في كتاب "تحرير المرأة" لقاسم أمين -كما يذكر الكاتب نفسه- لا يطالب به بذلك الجمود وقصور النظر الذي طالب به قاسم، بل يضيف إليه تعديلًا جديدًا وهو عبارة "التقييد بحسب الظروف" فيقول:
"والمهم أن الدين ليس فيه ما يمنع من تقييد الطلاق، وليس فيه في الوقت نفسه ما يحتم هذا التقييد بصورة معينة من الصور، وهذا مما تختلف فيه البيئات والعصور، وليس في اختيار شكل قانوني معين افتئاتًا على مرونة التشريع، فإننا نختار لأنفسنا وزماننا ونزيل القيد إذا انتفت دواعيه" (٢).
ويناقش قضية تعدد الزوجات بمثل هذه المرونة ويضع بين قوسين (بحسب الظروف) فيقول: "ونحن فيما نختار لأنفسنا إذا اخترنا لا نجمد الشريعة بحال بل إنما هو رأي يوافق جيلنا ومجتمعنا لا غير. . . وأنا لا أنتصر لدعاة التقييد (تقييد تعدد الزوجات) حين أقرر أن ليس في الشرع ما يمنع من هذا التقييد، إنما
стр. 168
أعرض وجهة نظر الدين فحسب، إذ الأمر هنا اجتهادي بحت متروك لمدى التطور الاجتماعي" (١).
وحقوق المرأة السياسية مسألة اجتماعية قبل كل شيء تستوحي فيها البيئة الاجتماعية لا النظريات الفقهية، وفي نظره أن الإسلام لم يحل بين المرأة وبين مباشرة حقوقها السياسية (٢).
ويدعو إلى الاختلاط ويسميه "الاختلاط المأمون" لأن "المجتمع الذي يلتقي فيه الرجال والنساء في ظروف طبيعية هادئة محكمة، لن يغدو فيه مثل هذا اللقاء قارعة تثير الأعصاب وتطلق الوقود على البارود، فسيألف الرجل رؤية المرأة ومحادثة المرأة، وستألف المرأة بدورها الرجل، وهكذا يهدأ السعار الجنسي المضطرم ويضيق مجال الانحراف والشذوذ، وتتجمع لدى الجنسين خبرات وحصانات وتجارب" (٣).
وإذا كان وجهك قد تجهم لمثل هذا الكلام فلا تبتئس فإن المؤلف يرضيك بإضافة أن الاختلاط "حسب الظروف"؛ إذ يمضي قائلًا: "فإباحة الاختلاط النظيف ليس معناها إقحام هذا الاختلاط على كل بيئة وإدخاله كل بيت. . . إن المباح الشرعي معناه أنه ليس حرامًا، لكنه أيضًا ليس ملزمًا مادام التطور لم يبلغ المدى الذي يرى فيه المجتمع أن ينتفع من هذه المباحات. وقد يرى فرد أن يتنازل عن حق إباحة الدين له ويتراضى مع زوجه على عدم الاختلاط، أو عدم الخروج، أو وضع الحجاب، فليختر ما يريحه ولكن ليعلم أن هذا ليس حكم الله الذي يلزم كل مسلم ومسلمة" (٤).
ومن قضية المرأة ينتقل الكاتب إلى قضية من القضايا التي يكثر طرقها في العصر، قضية حرية الفكر تأثرًا بالحريات الواسعة التي يتيحها الغرب للفكر الإنساني، أو هكذا يظن، فهل في الإسلام متاريس وسدود من حديد أمام حرية الفكر؟ تأتي إجابة الكاتب لهذا التساؤل في فصل عنوانه: "الحديد والنوافذ
стр. 169
المفتوحة"، وتجيء الإجابة من خلال النظر في قضيتين قضية الجهاد وقضية الردة.
فالجهاد محدود بحدود "الدفاع المشروع" لا يستقدم عنه خطوة ولا يستأخر خطوة، مقصور على "حكم الضرورات الحربية وحدها" ولتأمين الدولة فقط (١)، ومن هذه "السماحة" التي يتحلى بها الإسلام مع أعدائه خارج الحدود ينتقل إلى سماحته داخل الحدود، ويناقش على ضوء هذه "السماحة" عقوبة جريمة الردة، وينقل عن أحد الكُتَّاب رأيه. . . "وخلاصة رأينا أن القرآن لم ينص في آية ما على قتل المرتدين عن الإسلام إلى دين آخر"؛ أي: "دون تحول لصفوف المحاربين". . . ثم إن لبدء ظهور الإسلام من الأحكام ما ليس لغيره؛ لأنهم كانوا إذ ذاك يلحقون بأقوامهم، ويحاربون المسلمين في صفوفهم أو يظهرونهم على عوراتهم. . . "فلم يكن الارتداد لمجرد الخروج من الدين؛ والمستقرئ لأحاديث الباب لا يكاد يجدها تخرج عما قلنا". . . ثم يعقب المؤلف على هذا الرأي: بأن جريمة الردة حقًا يحيط بها بعض الغموض، وإننا تعوزنا فيها الأمثلة التطبيقية القضائية المفصلة، "وغموضها في صالح المتهمين حتى تتضح. والصورة التي طبق بها المسلمون شريعة العقاب تدل على توقي الإسراف في التجريم والإدانة بالشبهات. . . وإذا كان ذلك في العصور الوسطى فكيف بعصرنا الذي انضبطت فيه تشريعات العقوبات والإجراءات؟؟ " (٢).
ويختم هذا النقاش بقوله: "فالأصول والتطبيقات تشهد بأن الدولة الإسلامية لم تتكئ على القوة، لتغلق نوافذ الفكر في الداخل، أو تجبر الناس على اعتناق دينها في الخارج" (٣).
هذا بعض ما يريده مؤلف كتاب "الفكر الإسلامي والتطور" من أوجه التطور، وهو يعطي في مجمله القضايا الرئيسة والدوائر الكبيرة التي تهتم بها مدرسة التجديد العصراني الجديدة، ويكشف لنا جانبًا من طرق معالجتها لإيجاد المعادلة بين الإسلام وبين الفكر الغربي، ومعه في المدرسة نفسها مفكرون آخرون فلنمض قدمًا في عرض فكرهم.
стр. 170
سقطة كتاب "أين الخطأ ":
بين أيدينا كتاب "أين الخطأ: نظرات في تصحيح مفاهيم ونظرة تجديد" (١)، وقد وصف أحد العلماء في مقالات متتالية له في مجلة "الأمان" آراء صاحب الكتاب بأنها (سقطة شنيعة) وعثرة (٢)، والذي يتصفح ذلك الكتاب يتبين له مدى صدق ما وصف به.
والكتاب صدر عام (١٩٧٨ م) وهو يشتمل كما جاء في عنوانه على آراء المؤلف عن تجديد الدين، وعلى تصحيحه لبعض ما يظنه أخطاء. نقرأ في مدخل الكتاب رأيه في التجديد بعد أن يسوق حديث: "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها" فيقول:
"والحديث الكريم هذا هو في نظري دستور كامل لحركية الشريعة وديناميتها في مجال صيرورة الزمن، فهي تجدد دائم يدوس أصنام الصيغ في مسار طويل. . . إذًا فلا قوالب ولا أنماط ولا مناهج ثابتة بل تبدلية عاملة دائبة. . . وكل توقف في الكيف داخل أطر يصيب الأفراد والجماعات بتحجر، يؤول إلى حتمية تخلف بل انحدار ذريع. . . وقد أحس القدامى بدواعي التغير فلا ينبغي أن يؤخذ الخلف والسلف جميعًا بالمقتضى الواحد "فقد خلقوا لزمان غير زمانكم" (٣).
ويستطرد قائلًا: "ثم نقع في الحديث الشريف على عبارة (تجديد دينها) وهي أمضى في الدلالة على "التشكل والتكيف" بحسب الموجب أو المقتضي؛ لأنها تتجاوز الترميم إلى الإبداء والإنشاء، إنشاء آخر، فلم يخص التجديد بشأن دون شأن أو بأمر دون أمر، بل أحيانًا في أمورها مجتمعة، وهذا واضح بكلمة (دينها) الذي هو هنا بمعنى الأقضية والنظم" (٤).
فالتجديد في نظره تبدل وتغير، وتشكل وتكيف في الشريعة، إزاء الظروف
стр. 171
المتغيرة أبدًا، ويبدو ذلك أكثر صراحة ووضوحًا في عبارته التالية، في وصف ما يسميه الشريعة العملية "فالشريعة العملية إذن هي من البيان بحيث تغدو طوع البنان إزاء الظروف الموجب مهما بدا متعسرًا ومتعذرًا" ويقول أيضًا: "وإذا ضممنا الحديث السابق -يعني: حديث التجديد- إلى مثيل له، وهو "أني بعثت بالحنيفية السمحة" يتضح ببيان جلي أن خاصية الشريعة الأولى هي الطواعية" (١).
ويضيف المؤلف حديثًا آخر مخضعًا إياه كسابقيه لفهمه الخاص الجديد، حين يقول: "وإذا كان الإسلام العملي مصدر إبداع، فقد صوره الحديث النبوي بما هو أجمع وأكمل: "بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ. . ." ولكن لا كما فهمه القدماء بظنهم أن كلمة "غريبًا" من الغربة، بل هي من الغرابة؛ أي: الإدهاش مما لا يفتأ يطالعك به من جديد، حتى لنقول إزاءه في كل عصر: "إن هذا لشيء عجاب" (٢).
والكاتب في نظرته للشريعة "العملية" كما يسميها لا يحتج إلا بالقرآن فقط والحديث المشهور، وما دون ذلك فهو عنده مما يستأنس به فقط، ولكن لا تقوم به حجة، يقول: "إني في الواقع لا أقول ولا أعتد إلا بالكتاب الكريم والمشهور من الحديث الذي هو في قوة المتواتر، وبالمنطق الفقهي الشامل لعلوم الخلاف والأصول والاستدلال، وما عدا ذلك لا أرتفع أو أرقى به عن مقام الاستئناس إلى مقام الحجية، لأكون صميمًا مع الإسلام العملي الصحيح" (٣). ومن الواضح أن عبارة المنطق الفقهي الشامل عبارة واسعة عامة ولا حرج أن تتسع ما أمكن لها أن تتسع!.
ويستمر الكاتب ليدلل على موقفه في الاحتجاج بالكتاب فقط بقوله: "فقد جاء في الحديث (٤): "والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ليس عندنا إلا ما في القرآن إلا فهمًا يعطى رجل في كتابه". . . فالأمر الشرعي بينهما فقط؛ أي: القرآن والفطنة في معقوله. . . ونحن حين نمعن النظر في تعبير "إلا فهمًا يعطى رجل في كتابه" "والعدول عن السائغ" "يعطاه رجل" ندرك أن المقصود به اللقانة؛ أي:
стр. 172
الفهم المعطى إلهامًا" (١).
وهو يسمي هذا الفهم المعطى إلهامًا نوعًا من الوحي الجديد، فيكتب تحت عنوان: "مفهوم جديد للوحي": "الإنسان مصدر وحي إلهامي في التفصيل والتفريع بحسب الظروف والمقتضيات"، ويستدل على هذا الرأي بقول عمر: "تحدث للناس أقضية بقدر ما يحدث لهم من الفجور" ولكنه يردف أن معنى الفجور هنا ليس الفسوق ومبعث المعاصي كما قد يتوهم البسطاء الساذجون، بل معناه (الفتوق المتجددة) تجدد فتوق الينابيع، ويرى أن هذا التخريج هو الذي يوضح المرامي البعيدة والغايات العظمى في تعبير عمر" (٢).
وعنده أن القرآن نفسه قابل لمعانٍ متعددة استدلالًا بحديث: "أنزل القرآن على سبعة أحرف"، ويشرح هذا الحديث ". . . أنه قابل لأشتات من وجوه المعاني وهذا إيضاح أن القرآن مطواع لتقبل الدلالات على أنواعها" (٣).
تصحيح الأخطاء:
ومن أهداف كتاب "أين الخطأ" أن يصحح بعض الأخطاء الشائعة، وأن يعالج "بنظرات شرعية بعض متفرقات من تحديات عصرية، ورغبة في إبداء ما يعد قديمًا قديمًا بأنه الجديد الجديد، ولكن في بؤبؤ عين غير حولاء" (٤) وهذه بعض الأخطاء التي يود معالجتها وتصحيحها.
تحت عنوان: "خداع الألفاظ والأوهام في الأحكام" يناقش موضوعًا "شغل الناس كثيرًا وشغل الفقهاء أكثر منذ قرابة قرن. . . وهو: هل يجوز التعامل المصرفي (البنكي) أم لا؟ وهل يأثم متعاطيه أم يسوغ له؟ وهل هو مندرج تحت الربويات أم غير مندرج؟ " والكاتب يتأسف أن الجلة من الفقهاء في هذا العصر تبادر إلى الإدلاء بالرأي في أي مستحدث قبل معرفته حق المعرفة، وأنه رغم أن الكثرة من فقهاء العصر مالت إلى التحريم، وأن الفوائد الناجمة هي من نوع ربا النسيئة، ولكنه، يرى أنه ما من شك أن المسألة من أصلها لا تخرج عن كونها
стр. 173
من خداع الألفاظ. الذي كثيرًا ما يكون المطية للخطأ؛ لأنهم أطلقوا على ما يأخذه المستثمر فائدة مال لا سعي فيه، فأوهمتهم كلمة "الفائدة" أنها ربوية، ولكن في نظره أن المصرف يتعرض للربح والخسارة، فكم من مصارف توقفت وتعرضت لشهر الإفلاس، ولهذا فإنه لا ضمانة حتمية للمال الأصلي نفسه، فضلًا عن الربح الدائم، وينتهي إلى أن هذا الأمر يخرج التعامل المصرفي من باب الربويات، وأنه مباح والفائدة فيه مباحة (١).
وفي فصل آخر يتناول قضية الحدود فيقول: "وخلاصة ما انتهيت إليه أن العقوبات المنصوصة ليست مقصودة بأعيانها حرفيًا بل بغاياتها. . . وليس معنى هذا الرأي أن عقوبة القطع في السرقة ليست هي الأصل، وأنها لا تطبق، بل أعني أن العقوبة المذكورة غايتها الردع الحاسم، فكل ما أدى مؤداها يكون بمثابتها، وتظل هي الحد الأقصى الأقسى بعد أن لا تفي الروادع الأخرى وتستنفد. . . ومثلها الجلد في موجبه. . . وجل ما في الرأي الذي طرحه، أنه أشبه بما يتبع في القوانين الجزائية، من النص على عقوبة ما فيتعداها ويتجاوزها القاضي إلى الأخف، فيحكم بالغرامة لا بالسجن وذلك تبعًا للدواعي والملابسات والظروف.
وانتهيت إلى هذا الرأي انسياقًا مع روح القرآن الكريم، الذي جعل القصاص صيانة للحياة، وإشاعة للأمن العام، وليس لجعل المجتمع مجموعة مشوهين، هذا مقطوع اليد والآخر مقطوع الرجل، والآخر مفقوء العين أو مصلوم الأذن أو مجدوع الأنف. .
. . . والقرآن إن في السرقة أو الزنا عبَّر بصيغة اسم الفاعل ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [المائدة: ٣٨] ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ [النور: ٢] ومعروف أن التحلية بأداة التعريف في هذا المورد، تجعله أقرب إلى النسبة؛ أي: من غدا هذا وهذه ديدنه ..
. . . ولأن القرآن الكريم سبق إلى تقرير أن أكثر التجاوزات ضد المجتمع والتعديات الجزائية ناشئة عن حالات مرضية -ويستدل هنا بقوله تعالى: ﴿يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ [النساء: ١٧]- مصدرها في الغالب البيئة، وما يكمن فيها من عوامل
стр. 174
تسوق قسرًا إلى الاضطراب السلوكي والجموح العملي. . . فهؤلاء ينبغي معالجتهم بروادع علاجية.
والذي يهمني من هذا كله اعتماد "التعزير" الخاضع لتقدير القاضي، وحصر النظر فيه وحده وأنه لا قطع ولا جلد ولا حد إلا بعد استتابة ونكول وإصرار معاود للمعصية" (١).
أما الرجم فلا يقول به مطلقًا: "لأن ما شاع وذاع من قول بالرجم يعتمد على طائفة من الأحاديث لم ترتفع عن درجة الحسن"، وهذه الأحاديث في نظره مخالِفةٌ مخالَفةً صريحةً للقرآن، ولو كان عقاب المحصنة من الحرائر الرجم حتى الموت كان أحرى أن ينص عليه تعيينًا لهوله، وادعاء النسخ بالحديث قلب لمقاييس الاستدلال (٢).
وفي غير قضايا الحدود له آراء في فقه المرأة، وبخاصة في مسألة زواج المسلمة من الكتابي، وهو يرى أن مثل هذا الزواج حلال، اعتمادًا على الآية ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥]. . . وفي ظنه أن الاقتصار على ذكر حل الزواج بين مسلم وكتابية شأن النظم القرآني كله، خرج مخرج الاكتفاء، وأن الآية كما هي صريحة في النص على تبادل حلية الطعام، هي صريحة في تبادل حلية الزوجية؛ أي: نساؤهم حل لنا ونساؤنا حل لهم.
ويرى أن الفقهاء وإن درجوا إجماعًا على القول بعدم حل مثل هذا الزواج، إلا أن إجماعهم في نظره متأخر، ولا يقوم على دليل قطعي. ويقول عن قوله تعالى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢١]، إن التعبير بكلمة ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٢١)﴾ [البقرة: ٢٢١] يجعلها خاصة المورد؛ أي: المشركين فقط، لا كل مخالف في الدين والتعبير بكلمة ﴿خَيْرٌ﴾ مفادها التفضيل لا الحكم.
стр. 175
ويقول عن آية الممتحنة: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠]، أنها أيضًا خاصة بالمهاجرات من دار الشرك ولهذا يفسر الكفر هنا بالشرك لا مطلق المخالفة في الدين.
وفي سخرية لاذعة يقارن بين قضية حرمة زواج المسلمة من الكتابي، وبين ما ينقله عن علم الاجتماع من أن لكل قبيلة بدائية طوطمًا تؤلهه، ويتبع ذلك ما يسمى "التابو"؛ أي: حرمة المس، وهو حرمة زواج المرأة ممن لا يؤله نفس طوطمها أو ما يسمى بالزواج (الخارجي)، في مقابلة ما يسمى بالزواج (الداخلي)؛ أي: زواجها ممن يؤله نفس طوطمها، ثم يقول: "وما أشبه القضية المثارة بهذه المقولة البدائية" (١).
وهكذا يقدم لنا مؤلف "أين الخطأ" مجموعة من الأخطاء التي يريد تصحيحها: فالتعامل المصرفي مباح وليس ربويًّا وفوائده جائزة، وأنه لا رجم في الإسلام، وأنه لا قطع ولا جلد، إلا بعد معاودة الجريمة وتكرارها، وأن الزواج المختلط بين المسلمين والكتابيين رجالهم ونسائهم حلال شرعًا، فهل يا ترى كان وصف مثل هذه الآراء بأنها سقطة شنيعة كافيًا أم أنها "فوق" هذا الوصف؟
مفكرون آخرون:
ومن مدرسة العصرانية آخرون، ليست لهم كتابات مستقلة، وفي الغالب أيضًا ولا آراء مستقلة (٢)، ولكنهم بين الحين والآخر تظهر لهم مقالات هنا وهناك في بعض المجلات (٣)، أو يشاركون ببعض المحاضرات والبحوث في تجمعات ومؤتمرات ذات أسماء وألوان شتى (٤)، وما أكثرها في عصرنا هذا،
стр. 176
وفي ظني أن النماذج السابقة كافية لإعطاء الحدود العامة والخطوط الرئيسة لهذه المدرسة، والاتجاه الفكري لأصحابها، ومع ذلك قد يبدو من المناسب، إضافة بعض نماذج من أصحاب الأفكار المتناثرة، ونقدمها أيضًا متناثرة.
يكتب أحدهم تحت عنوان: "قيل وقال لا تصلح غذاء للجيل المسلم"، يقول: إن إسلام كتب الفقه وكتب التفسير المتداولة اليوم لا يعطي صورة صحيحة عن الإسلام، وينادي بإلحاح للقيام بتكوين صورة جديدة وتطور حديث للفكر الإسلامي، وتغيير صورة الإسلام التي تكونت قبل ألف سنة، حسب مقدرة الناس وظروف مشاكل ذلك العصر، ولم تعد صالحة ولا مناسبة لعصرنا، وأن الجيل المسلم المعاصر لا يرضى أن يعيش عالة على (قيل وقال) " (١).
ويكتب آخر داعيًا إلى ضرورة التمييز بين بشرية النبي ﷺ ونبوته لأن "النبي ﷺ بشهادة القرآن وحكمه الذي لا يرده كلام فلاسفة ولا متكلمين بشر مثلنا يوحى إليه وأن بشريته حاضرة في نبوته"، ولهذا يرى أنه لابد من تحديد ما يعد تشريعًا وما لا يعد من أقواله وأفعاله، ولابد من التفريق بين ما هو من العادات وما هو من العبادات، ولابد من بيان ما فعله ﷺ اجتهادًا منه تحقيقًا لمصلحة جزئية يومئذ وليس من الأمور اللازمة (٢)، ويدعو الكاتب نفسه أيضًا إلى التمييز بين الشريعة والفقه، ويعرف الشريعة بأنها الجزء الثابت من النصوص القطعية في ورودها ودلالتها، أما الفقه فهو تفسير الرجال لهذا الجزء الثابت، ويرى أن فائدة هذا التمييز أن الفقه اجتهاد بشر، وخطؤهم وصوابهم ليس تشريعًا، ويرى أن الفقه هو الجزء المتغير من تراث الإسلام (٣).
ويتوسع آخر في بحث تقسيم السُّنَّة إلى تشريعية وغير تشريعية ويرى أن أغلب المروي عن الرسول ﷺ هو من النوع الثاني فيقول: "ويلاحظ كون أغلب تصرفات الرسول مبناه التبليغ، قول قد يصل الباحث إلى خلافه عند إمعان النظر
стр. 177
في الصحيح من سُنَّة رسول الله ﷺ ، بل الذي يغلب على الظن أن أغلب المروي عن الرسول ﷺ في شؤون الدنيا -خارج نطاق العبادات والمقدرات والمحرمات- ليس من الشرع اللازم" (١).
ويرى العصرانيون تقديم المصلحة على النص، ويحتجون على ذلك ببعض اجتهادات عمر بن الخطاب ويقول أحدهم أن تقديم النص على المصلحة والاستمساك به في أي ظرف وثنية جديدة؛ ففي مقال بعنوان: "وثنيون هم عبدة النصوص" يتساءل كاتب المقال: ما العمل إذا لم تحقق النصوص تحت أي ظرف مقاصد الشريعة، وبدا أن هناك تعارضًا بينهما؟ ويجيب: "أن الثابت عند أغلب الفقهاء أن المصلحة تقدم على النص"، ولا يشير من أين استقى هذا الرأي ولا من هم الفقهاء ثم يقول: "إنه يدعو إلى احترام النصوص وتوقيرها، ولكنه يحذر من المبالغة في تقديسها إلى المدى الذي يوقعنا في محظور عبادة هذه النصوص، ومحاولة تعطيل عقولنا أمامها" ويقول: "وتلك وثنية جديدة، ذلك أن الوثنية ليست فقط عبادة الأصنام، فهذه صيغة الزمن القديم، ولكن وثنية هذا الزمان صارت تتمثل في عبادة القوالب والرموز، وفي عبادة النصوص والطقوس" (٢).
وتتبلور كل هذه الآراء عن محاولة تقسيم السُّنَّة إلى تشريعية وغير تشريعية، أو الدعوة إلى تقديم المصلحة على النصوص، أو تقسيم الفقه إلى ثابت ومتغير في هذا الرأي الجريء الذي يرى أن الدين محصور في دائرة العقائد والعبادات فقط، أما في غيرهما فالأمر متروك للناس أن يشرعوا ما شاءوا كيف شاءوا مما يرونه محققًا لمصالحهم، يقول صاحب هذا الرأي:
"لا مناص لنا من أن نواجه المسألة الشائكة مواجهة أساسية لكي ندخل تغييرًا جذريًّا على فهم الناس لماهية الدين نفسه، وندخل قلبًا تامًا على فهمهم لدوره في المجتمع حتى نقنعهم بألا يتجاوزوا به النطاق المشروع الذي ينبغي أن يقتصر سلطانه عليه. .
стр. 178
ورأينا الذي نصرح به أن كل ما في القرآن وما في السُّنَة -دعك من مذاهب الفقهاء- من تشريعات لا تتناول العقيدة وما يتعلق بها من شعائر العبادة، بل تتناول أمور الدنيا ومعاملاتها وتنظيمها وعلاقاتها، كل هذه التشريعات بلا استثناء واحد ليست ملزمة في كل الأحوال. . . إن كل هذه التشريعات لم يقصد بها الدوام وعدم التغير، ولم تكن إلا حلولًا مؤقتة احتاج لها المسلمون الأوائل، وكانت صالحة وكافية لزمانهم وبيئتهم، فليست بالضرورة ملزمة لنا، ومن حقنا بل من واجبنا أن ندخل عليها من الإضافة والحذف، والتعديل والتغيير، ما نعتقد أن تغير الأحوال يستلزمه، وما نعتقد أنه الآن كفيل بتحقيق الغايات الإسلامية العليا" (١).
وهذا الرأي الصريح الجريء يلخص موقف العصرانية بلا مواراة، وبلا تستر وراء أقنعة متعددة، ويوضح كيف أن العصرانية هي العلمانية مغلفة بغلاف الدين. فنصوص القرآن والسُّنَّة الخاصة بمسائل العقيدة والعبادة هي التي تقبل، أما غيرها في أي ناحية من نواحي التشريع، فتخضع للقص والقطع، والتهذيب والتشذيب، وإعادة التأويل والتفسير، والإلغاء في أكثر الأحيان.
وإذا كان هذا الكاتب قد اقتصر على بيان وجهة نظر العصرانية في التشريعات الخاصة بالمجتمع، فقد رأينا أن العصرانية ترى إعادة النظر حتى في مسائل العقيدة -وقد تكون العبادة أيضًا- وقد رأينا نماذج من ذلك في آراء سيد خان ومحمد أسد، وهذا نص آخر فيه المزيد لمن أراد أن يستزيد:
"إن اللاهوت التقليدي عند العلماء لا يرضى عقول القرن الحاضر ووجهات نظره، وإذن فإعادة الاختيار وإعادة التفسير وإعادة الصياغة وإعادة التقرير للقواعد الجوهرية للإسلام، تبدو ضرورة ملحة لعصرنا الذي نعيش فيه. . . ينبغي أن يعاد النظر في اللاهوت الإسلامي من جميع نواحيه وينبغي أن تستخدم الفلسفة الحديثة، والميتافيزيقيا والأخلاق، وعلم النفس والمنطق، في صياغة القواعد الأساسية وإعادة تقريرها. . . فالتيار المعاصر من الفكر الأوروبي، والتقدم العظيم الذي حققه المفكرون البروتستانتيون، وتأملات
стр. 179
المفكرين اليهود، وغيرهم في العالم الحديث، يجب أن تستخدم في بصيرة لتقوي وتجدد اللاهوتية الإسلامية. . . ومثل هذا التجديد في فهم الإسلام سيهب القوة والعزاء للكثيرين، الذين فقدوا إيمانهم بالتفسيرات القديمة للعقيدة، ولكنهم احتفظوا بإخلاصهم لجوهر الإسلام" (١).
стр. 180
الفصل الرابع إعجاب الغرب بالعصرانية في العالم الإسلامي