← Общие книги

Общие книги · id 17731

مفهوم تجديد الدين

بسطامي محمد سعيد

Полный текст (285 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وفي ظني أن النماذج السابقة كافية لإعطاء الحدود العامة والخطوط الرئيسة لهذه المدرسة، والاتجاه الفكري لأصحابها، ومع ذلك قد يبدو من المناسب، إضافة بعض نماذج من أصحاب الأفكار المتناثرة، ونقدمها أيضًا متناثرة. يكتب أحدهم تحت عنوان: "قيل وقال لا تصلح غذاء للجيل المسلم"، يقول: إن إسلام كتب الفقه وكتب التفسير المتداولة اليوم لا يعطي صورة صحيحة عن الإسلام، وينادي بإلحاح للقيام بتكوين صورة جديدة وتطور حديث للفكر الإسلامي، وتغيير صورة الإسلام التي تكونت قبل ألف سنة، حسب مقدرة الناس وظروف مشاكل ذلك العصر، ولم تعد صالحة ولا مناسبة لعصرنا، وأن الجيل المسلم المعاصر لا يرضى أن يعيش عالة على (قيل وقال) " (١). ويكتب آخر داعيًا إلى ضرورة التمييز بين بشرية النبي ﷺ ونبوته لأن "النبي ﷺ بشهادة القرآن وحكمه الذي لا يرده كلام فلاسفة ولا متكلمين بشر مثلنا يوحى إليه وأن بشريته حاضرة في نبوته"، ولهذا يرى أنه لابد من تحديد ما يعد تشريعًا وما لا يعد من أقواله وأفعاله، ولابد من التفريق بين ما هو من العادات وما هو من العبادات، ولابد من بيان ما فعله ﷺ اجتهادًا منه تحقيقًا لمصلحة جزئية يومئذ وليس من الأمور اللازمة (٢)، ويدعو الكاتب نفسه أيضًا إلى التمييز بين الشريعة والفقه، ويعرف الشريعة بأنها الجزء الثابت من النصوص القطعية في ورودها ودلالتها، أما الفقه فهو تفسير الرجال لهذا الجزء الثابت، ويرى أن فائدة هذا التمييز أن الفقه اجتهاد بشر، وخطؤهم وصوابهم ليس تشريعًا، ويرى أن الفقه هو الجزء المتغير من تراث الإسلام (٣). ويتوسع آخر في بحث تقسيم السُّنَّة إلى تشريعية وغير تشريعية ويرى أن أغلب المروي عن الرسول ﷺ هو من النوع الثاني فيقول: "ويلاحظ كون أغلب تصرفات الرسول مبناه التبليغ، قول قد يصل الباحث إلى خلافه عند إمعان النظر

стр. 177

في الصحيح من سُنَّة رسول الله ﷺ ، بل الذي يغلب على الظن أن أغلب المروي عن الرسول ﷺ في شؤون الدنيا -خارج نطاق العبادات والمقدرات والمحرمات- ليس من الشرع اللازم" (١). ويرى العصرانيون تقديم المصلحة على النص، ويحتجون على ذلك ببعض اجتهادات عمر بن الخطاب ويقول أحدهم أن تقديم النص على المصلحة والاستمساك به في أي ظرف وثنية جديدة؛ ففي مقال بعنوان: "وثنيون هم عبدة النصوص" يتساءل كاتب المقال: ما العمل إذا لم تحقق النصوص تحت أي ظرف مقاصد الشريعة، وبدا أن هناك تعارضًا بينهما؟ ويجيب: "أن الثابت عند أغلب الفقهاء أن المصلحة تقدم على النص"، ولا يشير من أين استقى هذا الرأي ولا من هم الفقهاء ثم يقول: "إنه يدعو إلى احترام النصوص وتوقيرها، ولكنه يحذر من المبالغة في تقديسها إلى المدى الذي يوقعنا في محظور عبادة هذه النصوص، ومحاولة تعطيل عقولنا أمامها" ويقول: "وتلك وثنية جديدة، ذلك أن الوثنية ليست فقط عبادة الأصنام، فهذه صيغة الزمن القديم، ولكن وثنية هذا الزمان صارت تتمثل في عبادة القوالب والرموز، وفي عبادة النصوص والطقوس" (٢). وتتبلور كل هذه الآراء عن محاولة تقسيم السُّنَّة إلى تشريعية وغير تشريعية، أو الدعوة إلى تقديم المصلحة على النصوص، أو تقسيم الفقه إلى ثابت ومتغير في هذا الرأي الجريء الذي يرى أن الدين محصور في دائرة العقائد والعبادات فقط، أما في غيرهما فالأمر متروك للناس أن يشرعوا ما شاءوا كيف شاءوا مما يرونه محققًا لمصالحهم، يقول صاحب هذا الرأي: "لا مناص لنا من أن نواجه المسألة الشائكة مواجهة أساسية لكي ندخل تغييرًا جذريًّا على فهم الناس لماهية الدين نفسه، وندخل قلبًا تامًا على فهمهم لدوره في المجتمع حتى نقنعهم بألا يتجاوزوا به النطاق المشروع الذي ينبغي أن يقتصر سلطانه عليه. .

стр. 178

ورأينا الذي نصرح به أن كل ما في القرآن وما في السُّنَة -دعك من مذاهب الفقهاء- من تشريعات لا تتناول العقيدة وما يتعلق بها من شعائر العبادة، بل تتناول أمور الدنيا ومعاملاتها وتنظيمها وعلاقاتها، كل هذه التشريعات بلا استثناء واحد ليست ملزمة في كل الأحوال. . . إن كل هذه التشريعات لم يقصد بها الدوام وعدم التغير، ولم تكن إلا حلولًا مؤقتة احتاج لها المسلمون الأوائل، وكانت صالحة وكافية لزمانهم وبيئتهم، فليست بالضرورة ملزمة لنا، ومن حقنا بل من واجبنا أن ندخل عليها من الإضافة والحذف، والتعديل والتغيير، ما نعتقد أن تغير الأحوال يستلزمه، وما نعتقد أنه الآن كفيل بتحقيق الغايات الإسلامية العليا" (١). وهذا الرأي الصريح الجريء يلخص موقف العصرانية بلا مواراة، وبلا تستر وراء أقنعة متعددة، ويوضح كيف أن العصرانية هي العلمانية مغلفة بغلاف الدين. فنصوص القرآن والسُّنَّة الخاصة بمسائل العقيدة والعبادة هي التي تقبل، أما غيرها في أي ناحية من نواحي التشريع، فتخضع للقص والقطع، والتهذيب والتشذيب، وإعادة التأويل والتفسير، والإلغاء في أكثر الأحيان. وإذا كان هذا الكاتب قد اقتصر على بيان وجهة نظر العصرانية في التشريعات الخاصة بالمجتمع، فقد رأينا أن العصرانية ترى إعادة النظر حتى في مسائل العقيدة -وقد تكون العبادة أيضًا- وقد رأينا نماذج من ذلك في آراء سيد خان ومحمد أسد، وهذا نص آخر فيه المزيد لمن أراد أن يستزيد: "إن اللاهوت التقليدي عند العلماء لا يرضى عقول القرن الحاضر ووجهات نظره، وإذن فإعادة الاختيار وإعادة التفسير وإعادة الصياغة وإعادة التقرير للقواعد الجوهرية للإسلام، تبدو ضرورة ملحة لعصرنا الذي نعيش فيه. . . ينبغي أن يعاد النظر في اللاهوت الإسلامي من جميع نواحيه وينبغي أن تستخدم الفلسفة الحديثة، والميتافيزيقيا والأخلاق، وعلم النفس والمنطق، في صياغة القواعد الأساسية وإعادة تقريرها. . . فالتيار المعاصر من الفكر الأوروبي، والتقدم العظيم الذي حققه المفكرون البروتستانتيون، وتأملات

стр. 179

المفكرين اليهود، وغيرهم في العالم الحديث، يجب أن تستخدم في بصيرة لتقوي وتجدد اللاهوتية الإسلامية. . . ومثل هذا التجديد في فهم الإسلام سيهب القوة والعزاء للكثيرين، الذين فقدوا إيمانهم بالتفسيرات القديمة للعقيدة، ولكنهم احتفظوا بإخلاصهم لجوهر الإسلام" (١).

стр. 180

الفصل الرابع إعجاب الغرب بالعصرانية في العالم الإسلامي

стр. 181

الفصل الرابع إعجاب الغرب بالعصرانية في العالم الإسلامي تمهيد: يرقب الغرب الإسلام بعيون كثيرة، ولدوافع وبواعث متعددة، فهناك أولًا العداء الديني التاريخي، وهناك ثانيًا المصالح الغربية الحيوية في العالم الإسلامي، وهناك ثالثًا الخوف المتأصل من منافس يزيل سيادة الغرب، وهناك غير هذه، ولهذا فإن الغرب يرصد العالم الإسلامي بدقة، ويتابع كل حركة ويحصي ويحلل ويتنبأ، ويوجه ويخطط لمستقبل الإسلام والمسلمين. فهل رصد الغرب ظاهرة التجديد العصراني في العالم الإسلامي؛ وهل أدرك أنها تخدم مصالحه أم أنها عقبة وصخرة في طريقه يجب أن تحارب وتكسر وتزال؟ وهذه أسئلة هامة فإن الله يقول: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٠]، ولهذا فإن نظر الغرب بعين الرضا لحركة ما في العالم الإسلامي له دلالة خاصة، كما أن سخط الغرب عن حركة ما له دلالته، فما موقف الغرب من التجديد العصراني للإسلام؟ نجيب على هذا السؤال من خلال ثلاثة مناظير متاحة لنا ينظر بها الغرب إلى الإسلام وهي: التبشير والاستشراق والإعلام.

стр. 182

شهادة التبشير: يكشف كتاب ألف عن خطة التبشير على ضوء دراسة الاتجاهات المعاصرة في الجدل بين الإسلام والنصرانية، اهتمام التبشير بتجديد الإسلام وإصلاحه من داخله! فيقول مؤلف الكتاب هاري درمان Harry Dorman: " يتوقع من المبشرين في الأقطار الإسلامية في ظرف عدة أعوام، أن تثمر جهودهم في تجديد الإسلام وتطويره، أكثر من تطوير عقلية المسلمين وتغييرهم، ومما لا شك فيه أن هذا مجال واسع مفتوح للعمل لا يغفل عنه في أي حال". ويدعو الكاتب المبشرين إلى تدعيم صلات التعاون مع حركات التجديد الإسلامي، متى كان الظرف مواتيًا ومناسبًا لما يمكن أن تؤديه من خدمة للتبشير (١). وكان الاتجاه نفسه قد برز في مؤتمر المبشرين في أول هذا القرن في القاهرة عام (١٩٠٦ م) فقد ناقش المؤتمر موضوع "الإسلام الجديد" وأبدى حماسة لحركات الإصلاح الدينية الجديدة مثل حركة سيد أحمد خان في الهند، والتي تقرب المسلمين من تعاليم أوروبا وبالتالي من النصرانية (٢)، ونقرأ في وثائق المؤتمر السرية تقرير القس غيردنر Gairdner الذي يقول: "إن حركة التحرر Liberalism في الإسلام لم تتطور هنا (في مصر) كما هي الحال في الهند، ولا يزال المسلمون هنا بعيدين بدرجة كبيرة عن "الإسلام الجديد" الذي نما في الهند، ولكن مع ذلك فإنه قد بدأت تنشأ في مصر حركة إصلاح تزداد أهميتها كل يوم، والذي يقود هذه الحركة هو المفتي الأكبر السابق محمد عبده، الذي يدعو إلى (العودة إلى القرآن) مع عدم قبول الحديث كحجة في مسائل العقيدة، ويقال إن له تأثيرًا في صغار المشايخ والأفندية، إلا أن المشايخ كبار السن ينظرون إليه بعين الشك. . . وبالرغم من كل شيء فقد ترك آثاره ويوجد الآن كثير من الشباب ممن تلقوا تعليمًا غربيًا يحملون آراءه ويطورونها. ولكن -يجب ألا نظن أن هذه الحركة التحررية تذهب بعيدًا في

стр. 183

طريق تقبل وجهات النظر المسيحية، أو حتى تتسم بتلك الجرأة التي اتسمت بها تفسيرات أمير علي للإسلام، إنها حركة تطهير أكثر منها حركة تحرير، ولا تزال أوضاع المسلمين القديمة التي أضفى عليها الزمن قدسية خاصة يتمسك بها ويحافظ عليها بكل عناد. ولكن أهلية وذكاء أمثال هؤلاء الرجال الجدد تجعلنا نتحقق من ضرورة رعايتهم، رعاية شاملة وخصوصية مع جهد ومثابرة متواصلة للاتفاق معهم" (١). الاستشراق يتفاءل بتطور الإسلام: ينظر الاستشراق إلى حركات التجديد العصراني للإسلام بنفس نظرة التفاؤل التي ينظر بها المبشرون، ويعقد على هذه الحركات آمالًا عريضة لتطوير الإسلام، ولا يكتفي الاستشراق بالآمال والأماني بل له وسائله الخاصة لدفع المسلمين في هذا الاتجاه (٢). والذي يهمنا هنا أن نبرز موقفه من هذه الحركات. نقرأ مثلًا في كتاب جولد تسيهر "العقيدة والشريعة في الإسلام" في الفصل الأخير عن (الحركات الدينية الأخيرة) كلامه عن "المرحلة العصرية الحديثة من مراحل تطور الإسلام في الهند" ويتحدث عن هذه المرحلة قائلًا: "إن اتصال المسلمين الوثيق بالمدنية الغربية، وخضوع الملايين الفقيرة منهم لدول غير إسلامية، وذلك بسبب ما قام به الأوروبيون من الفتح والاستعمار، وكذا مساهمتهم في المظاهر العصرية للحياة الاجتماعية، نتيجة لغزو المدنية الغربية لبلادهم -كل هذه العوامل قد أحدثت أثرًا عميقًا في الطبقات الإسلامية المستنيرة، وفي علاقاتها بما توارثته من نظريات وتقاليد دينية، وكانت هذه النظريات والتقاليد في حاجة شديدة ملحة إلى التقريب والملاءمة بينها وبين الظروف الجديدة. وقد اهتدت هذه الطبقات المستنيرة إلى العمل على نقد التعاليم الإسلامية، والتفرقة بين معالم الإسلام الأصلية والزيادات التاريخية التي أضيفت إليه، والتي يسهل تضحيتها في سبيل حاجات المدنية ومقتضيات العمران. . . وإن هذه

стр. 184

الميول العقلية التي رمت إلى التوفيق بين الحياة والفكر الإسلاميين، وبين مطالب الحضارة الغربية التي نفذت إليهما، شايعها على الأخص المستنيرون من مسلمي الهند، وعضدوا نشاطها الاجتماعي والأدبي، وساهموا في جهودها الخصبة المنتجة، فالسيد أمير علي والسير سيد أحمد خان بهادور وأضرابهما من الشخصيات البارزة الأخرى في العالم الإسلامي، كانوا قادة هذه الحركة الروحية، التي ترمي إلى إحياء الإسلام وإعادة تنظيمه. وقد تحققت نتائج هذه الحركة في الحياة الروحية الجديدة للإسلام الهندي، الذي يتقدم شيئًا فشيئًا في همة ومثابرة، وهو إسلام عقلي حكم هؤلاء المستنيرون عقولهم في فهم تعاليمه، متأثرين بالتيارات الفكرية في المدنية الحديثة، ومال أشياع الماضي المستمسكون به إلى تسمية هذه الجهود بالاعتزال الجديد. وهذه الروح العصرية التي بدأ ظهورها في الهند قد أثرت في التفكير الديني في البلاد الإسلامية الأخرى، مصحوبة بغيرها من المؤثرات، ومع ذلك فالأثر الهندي لا يزال ضعيفًا إلى اليوم. ومن البلاد الإسلامية التي تأثرت بنزعة التجديد مصر وتونس والجزائر والأقطار التتارية الخاضعة للحكم الروسي. وعلى كل حال فإن الجهود التي بذلها المسلمون في البقاع الإسلامية المختلفة للأخذ بأسباب الحضارة، واتصال هذه الجهود بحياتهم الدينية اتصالًا وثيقًا، لما يعدهم إلى مرحلة جديدة في تطور الإسلام فيعمدوا في المستقبل نتيجة لهذه المحاولات إلى أن ينتقدوا مصادر الفقه والعقائد الإسلامية نقدًا تاريخيًا علميًا" (١). وكان جولد تسيهر في بداية فصله هذا، قد تحدث عن الطريقة التي يتطور بها الإسلام وتصوره عن كيف أمكن ويمكن للشريعة أن تواجه التطور وتحول الظروف وتغيرها، بعد أن يقرر أنه "ليس من الصواب أن نعد الجمود وعدم القابلية للتغيير من الصفات اللازمة للشريعة الإسلامية". وفي رأيه أن من أوائل هذه الطرق "فتح ثغرة في حصن السُّنَّة المنيع"، حين يتعذر على المسلمين "أن يتقيدوا بالفكرة السُّنِّية المتشددة التي يعدونها المعيار الأوحد للحق والقانون" (٢).

стр. 185

والأمر الثاني في نظره تجاوز "ما تقرر في عصور الإسلام الأولى من عادات وتقاليد"، ثم هناك مفهوم (المصلحة)؛ أي: ما يقتضيه الصالح العام، وهو الغاية من تطبيق الشريعة، وهو مفهوم واسع ومن الممكن بناء عليه "التخلي عن القواعد التي قررتها الشريعة إذا ما يثبت أن مصلحة الجماعة تتطلب حكمًا يغاير حكم الشرع" (١). وهناك أيضًا مبدأ "تبعية الأحكام للأحوال" ويمكن به اتخاذ أحكام جديدة في الظروف التي تتغير (٢). المستشرق جب: نبوءة بمستقبل الإسلام: كتاب المستشرق جب (الاتجاهات الحديثة في الإسلام Modern Trends in Islam) يبحث بكامله في موضوع واحد هو موضوع التجديد العصراني في الإسلام. ولقد سبقه في هذا المضمار كتابان: كتاب تشالز آدمز Adams Charles. C. (الإسلام والتجديد في مصر، Islam and Modernism in Egypt)، والذي ظهر عام (١٩٣٣ م). وكتاب ولفرد كانتول سميث W.C Smith الإسلام المعاصر في الهند Modern Islam in India والذي نشر في عام (١٩٤٣ م). ويأتي كتاب جب متممًا ومكملًا لجهود الكتابين السابقين، ومعتمدًا على التحليل واستخلاص النتائج، أكثر من الاعتماد على السرد التاريخي، الذي اهتم به الأولان. والكتاب في الأصل ست محاضرات ألقاها المؤلف في جامعة شيكاجو في عام (١٩٣٦ م) ضمن برنامج محاضرات عن الأديان المقارنة (٣). يحتوي الكتاب على ستة فصول: الفصلان الأولان تمهيد للدراسة، وثلاثة فصول تشتمل على صلب الدراسة، ثم فصل خاتم. يتحدث في الفصل الأول عن منابع الفكر الإسلامي القرآن والسُّنَّة والإجماع، ولا يخلو حديثه عنها من الهنات، ولكن تناولها يخرج بنا عن موضوع البحث. وفي الفصل الثاني يتحدث عن الاتجاهات والحركات الفكرية في الإسلام بين القرن الثاني عشر والتاسع عشر الميلادي (الخامس والثالث عشر الهجري) ويصفها بما يسميه "التوتر

стр. 186

الداخلي في الإسلام" ويفصل الحديث عن الحركات الأخيرة حركة محمد بن عبد الوهاب في الجزيرة العربية، ونشاط الأفغاني ومحمد عبده وسيد أحمد خان، ونشاط الجماعات الصوفية التي تمثل في انتشار القديمة منها وتأسيس أخرى جديدة. ثم تأتي الفصول الثلاثة التالية دراسة متكاملة عن العصرانية في الإسلام، (حتى زمن تأليف الكتاب) تحت العناوين: مبادئ العصرانية The Principles of Modernism، الديانة العصرانية الجديدة Modernism Religion ، والقانون والمجتمع (أي: إصلاحات العصرانية فيهما). ويحلل في الفصل الأخير مستقبل الإسلام في العالم وبخاصة مستقبل التجديد العصراني. وليس غرضي هنا أن أعطي ملخصًا كاملًا للكتاب ولكن سأعرض فقط نقاطًا من رؤيته وتحليلاته للحركة العصرانية في الإسلام. منذ البداية يقدم لنا جب نبوءة صريحة عن مستقبل الإسلام في نظره، ويذكر أن غرضه الأساسي في الكتاب البحث عن: إلى أي مدى تحققت هذه النبوءة؟ فبعد أن يرصد التطورات الأخيرة في المسيحية في القرن التاسع عشر والعوامل التي أدت إلى ظهور الحركة العصرانية في الغرب يقول: "يجب علينا أن ننتظر تطورات في حركة التفكير الإسلامي بشكل مواز للتفكير الغربي في القرن التاسع عشر، إذ إن الأوضاع التقليدية في الإسلام بوجه عام متشابهة للأوضاع في الدين المسيحي في القرن الثامن عشر في أوروبا، وأن انتشار التعليم العلماني في المائة سنة الأخيرة في البلاد الإسلامية عرّض الفئات المثقفة من المسلمين لنفس التأثيرات التي دفعت إلى ظهور الفكر الديني الغربي الحديث. وإذا كانت الأسباب المتماثلة تؤدي إلى نتائج متشابهة فيجب علينا أن نتوقع حدوث تطور مماثل في الفكر الديني الإسلامي" (١). فهل تحققت هذه النبوءة؟ في محاولته للإجابة على هذا السؤال، يقدم عرضًا مقتضبًا لتطور حركة التجديد العصراني في مصر والهند، وأهم النتائج التي توصلت عمومًا إليها،

стр. 187

فيقول: إنه يجب ألا نبالغ في أمر انتشارها وأهميتها، فهي حركة ضعيفة ولا تقارب قوة الإسلام (المحافظ) وتأثيره، وأن الجماعات (المحافظة) وبخاصة في مصر تراقب "التجديد العصراني" بحذر ومتحفزة للإطباق عليه متى حانت الفرصة (١)، وأنها بشكل أساسي تنحصر في عوام المثقفين ثقافة غربية Educated Laymen، وأنها لا تشكل تيارًا منتظمًا من النظريات ذات الأسس السليمة المقبولة، ولكنها بصفة عامة تأثيرات فردية وردود فعل شخصية Subjective impulses (٢) . ويستمر جب في تحليلاته فيقول، بما أن المبدأ الأساسي للعصرانية ينحصر في المطالبة بالحرية الواسعة للبحث في المصادر الإسلامية، واستخدام الفكر الحديث في تفسيرها، دون اهتمام بآراء الفقهاء والعلماء الأوائل (٣)، إلا أنه لا يجد إلا في الهند وفي تركيا إلى حد ما مجددين شرعوا في إعادة النظر في أسس الشريعة كلية (٤)، وبينما كان رجال الدين أنفسهم في الغرب هم الذين أعادوا تشكيل الفكر الديني وفقًا للآراء الفلسفية والتاريخية السائدة، فلا يمكنه أن يجد بين علماء الدين الإسلامي من يقوم بهذا النشاط، باستثناء الجهود المحدودة جدًا التي قام بها الشيخ محمد عبده (٥). ورغم أن الدراسة النقدية للمؤلفات التي وضعت في القرون الوسطى عن السُّنَّة والفقه قد أصبحت سلاحًا للعصرانيين لا يستغنى عنه، إلا أن القرآن لم يتعرض لأي نوع من أنواع النقد التاريخي سوى من فئة قليلة (٦). ولكن إذا كان الباب لم ينفتح لنقد القرآن، إلا أنه قد انفتح لإعادة تفسيره في ضوء المعرفة الحديثة، مما أدى إلى اطراح طرق التفسير القديمة. يقول جب: "مدعيًا أن الحاجة كانت ماسة لخطوة من هذا النوع": "إن الأجيال المسلمة الحاضرة بحاجة أن يبرهن لها أن لا شيء في القرآن

стр. 188

خاطئ لأن الزمن تجاوزه، وأن التفكير العلمي والتاريخ الحديث لم يؤثر قط في قيمته كوحي كامل ونهائي لقضايا الكون، وإلا انهدم القول بأنه كلام الله الحرفي. وهكذا كانت الحاجة ماسة لإعادة تفسير القرآن، بما يعتبر من صميم التفكير العلمي المعاصر، مثل تفسير "الطير الأبابيل" بمعنى جراثيم. (ورغم أن جب يرى أن مثل هذا التفسير مدعاة للسخرية)، إلا أنه يعتقد أن ما هو أهم من محتواه أنه "قد طرح منهج التفسير القديم جانبًا" (١). ويقارن المؤلف بين حركتي التجديد في مصر والهند، فيرى أن اتجاهات التفكير في الهند ذهبت أبعد مما يشاهد في الشرق الأدنى، وأن من أسباب ذلك أن التعليم على النمط الأوروبي دخل الهند قبل أن يعرفه الشرق الأدنى، وانتشر أكثر، كما أن وضع الهند المستقل والحرية التي ينعم بها المسلمون، تجعلهم يعبرون عن آرائهم بمنأى عن سلطة دينية رسمية (كالأزهر في مصر) تراقبهم وتقمعهم (٢). ويصف مدرسة سيد خان في استخدامها مبدأ الملاءمة مع الطبيعة Conformity to nature، ورفض مبدأ المعجزات، بأنه اتجاه (عقلاني) ولكنها بلغت في أقصى تطرفها تحت ستار العلوم الطبيعية حدود المبالغات والأوهام (٣). ولعل إقبال في رأي المؤلف يشكل أهم صورة للطائفة الإسلامية الحديثة في الهند، لكنه من الناحية الفكرية الصورة المخيبة للآمال نظرًا لمتناقضاته (٤). ولكن الهند في رأي المؤلف أنجبت طائفة واحدة جديدة ناجحة هي حركة الأحمدية (القاديانية)، التي اتخذت شكل إصلاح تحرري سلمي، وهي تفتح الطريق لبداية جديدة لأولئك الذين فقدوا إيمانهم بالإسلام القديم (٥). وينتقد جب كتابات العصرانيين فيقول: إنه مهما كان تعاطفه مع أهداف (المصلحين) وجهودهم المبذولة للخلاص من وطأة الماضي، إلا أنه يرى أن أغلب كتاباتهم "تثير الدهشة وتصدمنا بطريقتها في المناقشة وبحث الحقائق، إننا نحس بخطأ ما فيها، ولو من عدم التوافق، كأن المؤلف إما عاجز عن التصرف

стр. 189

بما لديه؛ أو أنه يرغب في بلوغ نتيجة مرسومة سلفًا"، ولكنه لا يندهش من كل ذلك ويرى أن هذا الفكر لا زال في بداية الطريق (١). وفي فصله عن إصلاحات الحركة العصرانية في المجتمع والقانون، يرى أن العصرانيين يتبنون وجهة النظر الغربية في كثير من إصلاحاتهم، وتمتد مطالباتهم بإصلاحات في ميادين الطلاق وتعدد الزوجات والإرث والوقف وغيرها (٢). ويحلل الفصل الذي خصصه سيد أمير علي لبحث وضع المرأة في الإسلام، ويصفه بأنه "سرد عمليًا كل المقترحات الحديثة حول المسألة، وبطريقة أكثر إقناعًا من أغلب المؤلفين الذين أتوا بعده، ورددوا أقواله في كل اللغات الإسلامية، بأعنف النغمات وألطفها" (٣). ويصف موقف العصرانية عمومًا حيال قضايا القانون والمجتمع، بأنه فوضى فكرية واندفاع عاطفي خيالي وإن كان يأمل أن يولد استمرار المطالبة بالإصلاحات في هذه المجالات "تطورًا داخليًا في الإسلام" (٤). وفي الفصل الأخير يقدم جب نصائحه من أجل مستقبل أفضل للإسلام في العالم! إذ إنه يعتقد أن الإسلام ليس مهددًا من الخارج بقدر ما هو مهدد من الداخل، وما يحدث حين يقوى الأثر التقني للحضارة الغربية في المجتمع الإسلامي بصورة أعمق هو إما أن تزداد العلمانية انتشارًا، أو أن الحركة المهدية (ويعني: بها أي حركة ترى أن الحقيقة إنما تظهر بحد السيف) سوف تحدث رد فعل عنيف (٥)، ولكن جب يرى طريقًا آخر يمكن أن يتم التوفيق بواسطته بين الإسلام والفكر المعاصر، ويقول: إنه طريق بمتناول المفكرين المسلمين لو أنهم تنبهوا لأهميته وشاءوا استعماله، هذا الطريق هو منهج البحث التاريخي وطرائقه. إن هذا المنهج -كما ينصح جب- هو وحده الكفيل بإيجاد النقد العلمي المقبول، وإعادة مرونة التفكير الإسلامي. وبعد هذه النصيحة الغالية يختم جب كتابه بالتساؤل والتفاؤل: "هل يمكننا

стр. 190

أن نتبين قرينة ما تدل على التفكير الإسلامي في هذا المنحنى؟ هذه القرائن والحق يقال نادرة ولكنها موجودة، وأنه لأمر له دلالته أن يكون أكبر المصلحين الحقيقيين في الإسلام الشيخ محمد عبده متأثرًا تأثرًا عميقًا بإنتاج وتفكير ابن خلدون، وأن ينتشر في تعاليم تلاميذه المفهوم التطوري لسير التاريخ انتشارًا بطيئًا، مجاوزًا الحدود التي يضعها في وجهه المذهب السُّنِّي التقليدي. . . ولكن هذه ليست إلا خطوة أولى وأن الحرب على جمود السلفية لم تبدأ بعد" (١). نظرة الإعلام الغربي: نشرت مجلة الايكونوميست البريطانية في يناير (١٩٨١ م) مقالًا مثيرًا بعنوان: "المسلمون والعالم المعاصر" (٢)، ويعالج المقال قضية الصراع بين الإسلام والغرب، ويتساءل هل هناك فرصة للملاءمة بينهما. وكاتب المقال صحفي وسياسي يدعى (جودفري جانس) تقول عنه المجلة أنه قضى خمسًا وعشرين سنة في الشرق الأوسط، فهو خبير بشؤونه، ولأهمية المقال الذي يبين وجهة نظر الإعلام الغربي فيما يجري في عالمنا الإسلامي المعاصر، ومرئياته عن محاولات التجديد التي تسعى للتوافق مع الغرب، نقتبس هنا بعضًا من فقراته (٣). يبدأ المقال بتأكيد الصراع بين الغرب والإسلام فيقول: "في الوقت الحاضر يواجه ويتحدى الإسلام والعالم الغربي أحدهما الآخر، ولا تطرح أية ديانة كبرى أخرى مثل هذا التحدي للغرب. والسبب في ذلك أن الإسلام واجه الغرب كرًا وفرًا طيلة (١٥٠٠) سنة، والفترة الحالية هي فترة (كر). وكان الصراع السياسي متواصلًا طيلة المائة وثمانين سنة الماضية على الأقل. ومن الناحية الروحية Spiritually تحدى النظامان أحدهما الآخر طيلة قرن تقريبًا، أما من الناحية الاقتصادية فقد استمر هذا التحدي طيلة العشرين سنة الماضية.

стр. 191

وهنالك أسباب عديدة طويلة الأمد وقصيرة الأمد تستلزم أن يواجه العالمان الإسلامي والغربي بعضهما البعض، فعلى الأمد الطويل هناك حقيقة التماس الجغرافي بين المدنيات والدول، فكما بين الأفراد فالجيرة نادرًا ما أنتجت روح جوار طيبة، وهناك شمولية الإسلام إذ لا يوجد فرق بين "المسجد" والدولة ولا فرق بين ما لله وما لقيصر. وفي المدى القصير هناك ما يسمى في الغرب "الإسلام المتطرف" وينظر إليه باعتباره مثيرًا للنزاع والجدل وبخاصة بعد ازدياد القوة الاقتصادية الجديدة للبلدان المنتجة للنفط (ومعظمها بلدان إسلامية)، وبعد فرض العقوبات الشرعية مثل الجلد والرجم في باكستان وغيرها، والدعاية التي أعطيت لهذه الأحداث في وسائل الإعلام الغربية، وأيضًا بعد الضجة التي أثيرت حول أحداث إيران، والتأثير الأوسع نطاقًا للثورة الإسلامية في إيران. فهل هناك أية إمكانية لتفاهم متبادل بل ولاتفاق حقيقي؟ كان الغرب يتساءل لماذا لا يستطيع الإسلام أن يتقبل روح العصر؟ ويقترح النقاد الغربيون إعادة النظر في الإسلام من خلال المفاهيم المعاصرة، وآخر صيغة حديثة مقترحة هي ضرورة تجديد الإسلام وربطه بحاجات العصر الراهن. وهكذا فإن أكثر الغربيين جدية يتساءلون ببساطة (لماذا لا يستطيع المسلمون أن يكونوا مثلنا؟). (نعم، لم لا؟) كان هذا الجواب الإسلامي الأول قبل حوالي قرن على تحدي العالم الغربي الذي كان عندئذ في كامل قوته. وبناء على الافتراض الذي ثبت الآن زيفه، بأن القوة العسكرية والسياسية والاقتصادية الغربية، هي امتداد لقوته الروحية والفكرية، نظر المسلمون المتعلمون في ذلك الوقت إلى مجتمعاتهم التقليدية، وهي مهزومة وتسيطر عليها القوى الغربية، فقرروا أنهم والإسلام متحجرون ومتخلفون ويعيشون خارج العصر. ولم تكن المسألة بالنسبة لهؤلاء المتعلمين مسألة ما إذا كان ينبغي على الإسلام أن يكيف نفسه مع القرنين التاسع عشر والعشرين، ولكنها كانت كيف وإلى أي مدى وبأي سرعة يجب عليه أن يفعل ذلك. وبسبب انطلاقهم من هذه الفرضية الانهزامية لم يصل المفكرون المسلمون الأوائل أمثال الأفغاني وعبده ورضا، الذين نشطوا بين (١٨٧٥

стр. 192

و ١٩٣٥ م) إلى أكثر من تصفيق أكفهما ببعضها، وفشلوا في تقديم أية مقترحات رئيسة وإيجابية للإصلاح. ولحسن الحظ أن الإسلام ولأسباب ليس أقلها حيويته المستمرة أنتج ردود فعل أخرى على تحدي العالم المعاصر، وبسبب الثقة الجديدة بالنفس عند المسلمين أصبح التساؤل الأول هو: هل من الضروري أن يتكيف الإسلام مع القرن العشرين؟ ثم إذا كانت الإجابة بالإيجاب يأتي التساؤل بعد ذلك حول: كيف وإلى أي مدى يتم هذا التكيف؟ كيف يكون الإسلام واثقًا من نفسه إلى هذا الحد في هذا الوقت وهذا العصر وكيف يجرؤ على أن يطلب من العالم المعاصر أن يتكيف معه؟ السبب الأول والأفضل لهذه الثقة بالنفس لدى المسلمين هو اليقين الهادئ بأن الإسلام دين حي ويؤكد ذلك في أعين المسلمين أنفسهم على الأقل، أن الإسلام دين عالمي ينتشر بسرعة على العكس من أي عقيدة أخرى، والنمو يؤكد الحيوية. ولكن لماذا يجب أن يكون الإسلام حيويًا بصفة خاصة إلى هذا الحد في عصر الشك الروحي هذا؟ ويجيب المسلمون المعاصرون أن السبب في ذلك فقط في أن عمر الإسلام هو (١٤٠٠) سنة وأنه أحدث العقائد في العالم، بل لأنه قبل كل شيء عقيدة واضحة بسيطة ويخلو من تعاليم المسيحية المعقدة، كما أن المبادئ الأخلاقية الإسلامية عملية ومن الواضح أنها تلائم بصورة حسنة حقائق الوجود اليومية، والإسلام في صيغ عبادته وأماكنها يختلف كثيرًا عن الطقوس الفخمة وشبه الوثنية لبعض أشكال المسيحية والبوذية والهندوسية. وإضافة لما سبق فإن الإسلام في نسخته السُّنِّية (التي تشمل ٩٠ بالمائة من المسلمين) ديمقراطي ويقول بالمساواة إلى حد كبير ويخلو من المؤسسات الدينية ومراتب رجال الدين. ولأن للإسلام هذه الصفات (المعاصرة) كونه بسيطًا وعالميًا، ودون طقوس ويقول بالمساواة، فإن وجهة النظر الإسلامية تخلص إلى أنه يتفق مع الروح والعرف السائدين في أواخر القرن العشرين. ورغم أن هذه الحجج توفر أسبابًا صالحة بصفة واضحة، لوجوب ألا يكون الإسلام والعالم المعاصر على خلاف مع بعضهما البعض فإن الخلاف بينهما هو حقيقة فعلية. وإذا حكم المرء من وسائل الإعلام العامة التي تعكس الشعور الشعبي، فإنه يجد بدلًا من الفهم المتبادل والود المتوقعين تنافرًا متبادلًا

стр. 193

على مستوى روحي وفلسفي عميق بين الإسلام والمجتمع الغربي. مظاهر النفور: ما يجده الإسلام منفرًا في ثقافة الغرب هو بصفة أساسية غياب الإيمان، إلا أن هناك أشياء كثيرة جدًا يرفضها الإسلام في المجتمع الغربي المعاصر ومنها الأنانية الفردية للمجتمع الغربي المدمرة للعائلة والأمة في النهاية، ومن مظاهر ذلك الانغماس في الجنس والإباحية الحيوانية. ويبدو أنه ليس في إمكان الغرب أن يعمل إلا القليل لهذه الميزات السائدة في مدنيته لجعل المسلمين أقل نفورًا منها، ما لم يعد الغرب إلى ينابيع إيمانه. وهكذا إذا لم يتمكن الغرب من تغيير عيوبه، ماذا يستطيع الإسلام أن يفعل في مجال التكيف والتأقلم؟ يبدو هذا الاحتمال أكثر مدعاة للأمل، عندما ينظر المرء في تلك العناصر الموجودة في الإسلام، والتي تلقى الاعتراض من المجتمع الغربي. ويبدو أن هناك ثلاثة من هذه العناصر وهي عناصر قانونية واجتماعية، ولذلك فإنها على ما يبدو قابلة للتغير، وليست مسائل عقدية حتى لا تقبل التعديل. هذه العوامل الثلاثة المثيرة للاعتراض من جانب الغرب هي موقف الإسلام من المرأة، والعقوبات الشرعية للزنا والسرقة، وتحريم الربا. وموقف الإسلام من المرأة لا يثير اعتراض الغربيين المعاصرين فحسب، بل وأي امرئ يؤمن بالقيمة الإنسانية للفرد، أما منع الربا فيمكن الروغان حوله، وحتى العقوبات يمكن إبعادها بتفسيرات أخرى، ولكن لا يمكن أن يكون هناك مهرب من الحقيقة الجلية، وهي أن الإسلام يضع المرأة التي تكون نصف البشرية في مرتبة ثانوية، وخاصة في مسألة تعدد الزوجات وسهولة الطلاق والتمييز في الإرث. وكل ذلك منصوص عليه بدقة واضحة في السورة الرابعة من القرآن التي عنوانها (سورة النساء)، وفي هذه السورة هناك تأكيد على المساواة الروحية بين الرجال والنساء، ولكن هناك تأكيد أيضًا أن هذه المساواة ليست أساسية ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣٤]، وفي هذه السورة أيضًا نص على عدم المساواة في الإرث حيث للذكر مثل حظ الأنثين، وليس للأرملة أكثر من ربع ميراث زوجها. وعندما جاء النبي محمد ﷺ بهذه الأحكام في الجزيرة العربية في القرن السابع، وكان هو نفسه يتيمًا، فإن هذه الأحكام كانت جريئة وإنسانية،

стр. 194

وفي صف المرأة، ولأنها أعطت النساء والأرامل واليتامى مكانة في مجتمع لم تكن لهن فيه حقوق، وإن كانت مكانة ثانوية. وكانت حقوق المرأة المسلمة والوضع العائلي لها بموجب عقد الزواج أفضل من الأوضاع التي كانت تتمتع بها المرأة في أي مكان في العالم حتى عام (١٨٠٠ م)، ولكن بدلًا من الحفاظ على روح الإصلاح التي صنعت النصوص القرآنية، لإعطاء النساء المسلمات مركزًا متساويًا في العالم المعاصر، يقال خاصة من رجال الدين المسلمين، أنه لا يمكن تعديل القرآن نفسه. وهكذا أصبحت نصوص القرآن الذي جاء أصلًا للإصلاح ثابتة وسندًا لأوضاع مختلفة. وإذا اتبع الإسلام خطى متشددي آخر الزمان وأصر على التطبيق الصارم للنصوص القرآنية بالنسبة لوضع المرأة، والعقوبات والربا، فإنه من الطبيعي عندئذ ألا تكون هناك إمكانية للاتفاق بين الإسلام والغرب. وردود الفعل الإسلامية للرفض الغربي لهذه الجوانب الثلاثة تقع في ثلاثة أنواع: فهناك الرفض المبسط القائل هذا هو الإسلام، وسيظل كذلك فخذوه أو اتركوه، وهي وجهة نظر متشددة، وجواب غير مناسب على التحدي المعاصر. وإذا كان رد الفعل الأول هذا جريئًا ويتميز بقلة الحياء، فإن رد الفعل الثاني يبدو في أعين الغرب غير مقنع، في محاولته إيجاد الأعذار والمسوغات للموقف الإسلامي، إذ يقال أنه يجب توفر أربعة شهود عيان للزنا، وأنه لن تكون هناك سرقة في مجتمع عادل، وبالتالي لن يكون هناك قطع للأيدي وهلم جرا، وكثير من هذا النوع من التسويغ جاء وما زال يأتي في شبه القارة الهندية، خاصة من باكستان وأقل المعبرين عنه كان أمير علي في كتابه "روح الإسلام". ورد الفعل الإسلامي الثالث هو ببساطة وعلى العكس تمامًا من رد الفعل الأول ويقول المعبرون عنه: علام كل هذه الضجة؟ فالقانون الشرعي ليس ثابتًا، وببساطة دعوا جانبًا أحكامه حول النساء، والعقوبات والربا، باعتبارها حواش وإضافات لجوهر الإسلام الروحي الخالد. رمي أبواب الاجتهاد بالمنجنيق: رد فعل الفريق الأخير من المفكرين المسلمين هو الذي يبدو منطقيًا أكثر من وجهة النظر الغربية. ولكن ليست القضية كذلك في الإسلام نفسه، إذ أن

стр. 195

هناك مبدأين إسلاميين، يجعلان من الصعب على معظم المسلمين القبول بتغيير كاسح كهذا. المبدأ الأول هو الإيمان الأساسي بثبات القرآن وحصانته ضد التغيير، أما المبدأ الثاني فهو التأكيد على أن أقوال النبي ﷺ وأفعاله، التي يتضمنها الحديث الشريف، ملزمة للمؤمنين بالقدر نفسه؛ لأن النبي -عليه أفضل الصلاة والسلام- كان رجلًا كاملًا، والمثال الإنساني الذي لا يخضع للتساؤل. ويمكن التعامل مع المبدأ الثاني بسهولة إلى حد ما لأنه حتى المسلمون المتشددون اعترفوا بأن الكثير من الأحاديث غير صحيحة. أما المبدأ الأول الخاص بالحرمة الكلية للقرآن فيمكن التعامل معه برقة واحترام من خلال (الناسخ والمنسوخ)، أي: أن آيات معينة في القرآن نفسه تنسخ أو تبطل آيات معينة أخرى. وهو يزيل القدسية الكاملة المضفاة على كل آيات القرآن، واستخدام مبدأ النسخ على نطاق واسع يفتح للمسلمين مجالًا للتفريق بين ما هو ثابت ودائم في القرآن وما هو مؤقت وخاص. ويمكن لهذه التفرقة أن تتم بالتمييز بين سور القرآن التي نزلت على النبي في مكة، وبين السور التي نزلت عليه وهو حاكم ومشرع وقائد لأول مجتمع إسلامي في المدينة. وهذا يعني (فتح باب الاجتهاد) الذي جرى الحديث عنه كثيرًا، والذي أعلن علماء الدين المحافظون أنه أغلق في القرنين العاشر والحادي عشر الميلاديين. ولكن من الواضح أن فتح أبواب الاجتهاد، يمكن أن يتم فقط بعمل حاسم ذي شجاعة روحية وأخلاقية، تنبعث من داخل الأمة الإسلامية، ومن المجتمع الإسلامي نفسه. وواضح أن ذلك لم يحدث بعد. وفي كتابات المصلحين الأوائل تتكرر الإشارات إلى حاجة الإسلام إلى (لوثر). ولكن لا يمكن خلق أمثال لوثر بناء على الطلب، ومع ذلك فإن الحاجة قائمة في الإسلام لشخص مثله تمامًا، شخص قوي الإرادة، عالي الصوت، ومصلح اجتماعي ديني، واثق من نفسه، شخص لا يوقف أطروحته على الاجتهاد فحسب، بل ويرمي أبواب الاجتهاد بالمنجنيق إذا لم تبد دلائل على الانفتاح.

стр. 196

وبعد هذه الدعوة الحارة للبحث عن (لوثر) ينسف أبواب الاجتهاد، ويغير أحكام المرأة والحدود والربا، من أجل التوافق مع الغرب، ينهي الكاتب مقاله بأن أمل الغرب الوحيد هو من خلال مثل هذا "الفاتح المنتظر لأبواب الاجتهاد" فيقول: "إن الإسلام المتشدد لا يمكن أو سوف لن يكون مفهومًا ومقبولًا لدى الغرب. . . ومع ذلك فإنه لا فائدة في محاولات الغرب التوافق مع أولئك المسلمين الذين ينتقصون من قدر الإسلام، أو مع أولئك الذين يريدون رؤيته وقد تجاوزه الزمن على أسس غربية، فالتقليد لم يكن أبدًا أفضل شكل للإطراء، ولذلك فإن الطريق كما يبدو ستكون من خلال "أبواب الاجتهاد". أمريكا وتجديد الإسلام: تسعى أمريكا للتأثير على العالم الإسلامي بطرق عديدة، خاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام (٢٠٠١ م) التخريبية، التي دمرت فيها مبان في مدينتي نيويورك وواشنطن وقتل فيها المئات، والتي اتهم المسلمون بتدبيرها وتنفيذها. ولقد نشرت مؤسسة رند الأمريكية للبحوث في عام (٢٠٠٣ م) تقريرًا هامًا (١) عن كيف يمكن لأمريكا أن تحقق عالمًا إسلاميًا يتلاءم مع مصالحها؟ وهذا ملخص موجز لأهم نقاط هذا التقرير الخطير الذي صدر من مؤسسة لها أثرها في تخطيط سياسة أمريكا. يبدأ التقرير بتحليل أوضاع العالم الإسلامي الحاضرة، فيذكر أنه يعاني من اضطراب وصراع خطير بين تيارات كثيرة تحاول أن تخرجه من أزمته الحالية المتمثلة في تخلفه الحضاري المريع. ويحث التقرير الغرب على ألا يقف مكتوف اليد من هذا الصراع، بل لابد له من أن يتدخل ويبحث عن شركاء من المسلمين، من أجل صياغة "إسلام" يتلاءم مع الحضارة الغربية، ويمنع التطرف والإرهاب وتهديد مصالح الغرب. ويعترف التقرير بأن إدخال التعديل على ديانة عالمية ضخمة ليس بالأمر السهل، بل هو محفوف بالكثير من التعقيدات

стр. 197

والمزالق، لكن لابد من البحث عن أنجح السبل واختيار مسلمين شركاء يساعدون في مهمة تعديل الإسلام حسب ما يريد الغرب. ولهذا يحلل التقرير تيارات التغيير في العالم الإسلامي، ويقسمها إلى فئات حسب قربها وبعدها عن النموذج الغربي. الفئة الأولى: الأصوليون ويصفهم بأنهم متشددون يرغبون في الإمساك بزمام السلطة، ومن ثم تطبيق الإسلام حسب منظورهم الخاص. ويذكر التقرير مثالين لهذه الفئة هما المتشددون من الشيعة في إيران، والوهابيون فى الجزيرة العربية. ويرى التقرير أن هؤلاء يعادون الديمقراطية والغرب ولا يبالون في فرض آرائهم بالقوة، وإن كان لا يحبذ كلهم العنف والإرهاب. الفئة الثانية: التقليديون وهم المحافظون ومعظمهم ينتمي إلى الاتجاهات الصوفية التي سادت العالم الإسلامي في فترات انحطاطه، ومع أن هؤلاء لا يطالبون بحكومة إسلامية، لكنهم يرون أن من واجب الدولة والسلطة السياسية العلمانية، توفير الحماية لهم والحرية لمزاولة نشاطهم، ولهذا هم يحاولون السيطرة والنفوذ ما أمكن. ويجعلهم هذا عرضة للاستغلال من قبل العلمانيين، الذين يجعلونهم مطية يركبونها لبلوغ أهدافهم. وإن كان معظم التقليديين محافظين، إلا أن منهم إصلاحيون يقدمون بعض التنازلات من أجل التعايش مع الحياة العصرية، خاصة أولئك التقليديون الذين يعيشون في الغرب. الفئة الثالثة: المجددون وهم يسعون إلى إحداث تغييرات واسعة في فهم الإسلام، الذي يعتبرون أن فهمه قد تأثر بالظروف التاريخية الماضية، واختلط بالتقاليد والأعراف المحيطة به. وهم يريدون تحريره من أصر هذه القيود وتعديله ليكون ملائمًا للعصر الحاضر. وهم يرون أن النموذج الإسلامي التاريخي وتطبيقه حتى في عصر الرسول، لم يعد مناسبًا الآن، ولكن يمكن الاحتفاظ بجوهر الإسلام وتكييفه حتى يناسب العصر، ويرون أن القيم والمبادئ الغربية من الديمقراطية والحرية وغيرها تتماشى بسهولة مع الإسلام، ولهذا يودون إدخال الحداثة الغربية في الإسلام فيتطور تماشيًا مع العصر. ومن الواضح أن هذه الفئة هي فئة التجديد العصراني التي جاء تفصيل آرائها في ثنايا هذا البحث.

стр. 198

الفئة الرابعة: العلمانيون وهم الذين يرون فصل الدين عن السياسة لأنه أمر خاص لا يتعلق بالشؤون العامة. ويرون أنه ينبغي المحافظة على ألا يتدخل الدين في السياسة، ولا تتدخل الدولة في حرية الأفراد الدينية، ولا يرى هؤلاء أي تعارض بين الشرائع الدينية والشرائع الوضعية التي يجعلون لها الحاكمية في المجتمع. وتمثل تركيا النموذج للعلمانية في العالم الإسلامي. ويدعو التقرير أمريكا خاصة والغرب عامة بمساعدة فئة التجديد العصراني؛ لأنها هي الأقرب للغرب والأكثر استعدادًا لتعديل الإسلام وتغييره. ورغم أن فئة العلمانيين كانت هي خيار الغرب في العصور الماضية، لكن التقرير يحذر من أنهم فقدوا مكانتهم في العالم الإسلامي، بسبب فشل برامجهم السياسية والاقتصادية وفشل مبادئهم للقومية وغيرها، وأن المستقبل سيكون فيمن يركب موجة الإسلام السياسي. ولهذا يقترح التقرير دعم التقليديين لمحاربة الأصوليين، وأهم من ذلك دعم العصرانيين ومساعدتهم بعدد من الطرق منها: ° نشر وتوزيع كتبهم ودراساتهم بأسعار رخيصة. ° تشجيعهم للكتابة للشباب والجمهور العام. ° تضمين آرائهم في كتب التربية الدينية بالمدارس. ° توفير منابر لهم يخاطبون الناس من خلالها. ° توفير مواقع إلكترونية ومعاهد ومدارس وإعلام وغيرها من الطرق التي تنشر آراءهم.

стр. 199

الباب الثالث العصرانية في ميزان النقد

стр. 200

الفصل الأول نقد المبادئ العامة

стр. 201

الفصل الأول نقد المبادئ العامة تمهيد: كانت الفصول الماضية عرضًا خالصًا للفكر العصراني منذ بداية ظهوره في النصف الثاني من القرن الماضي، وسردًا للآراء منسوبة لأصحابها. ونخصص هذا الفصل للتحليل، والنقد والتقويم، وبيان مواضع الصواب والخطأ. ورغم اختلاف نظرة العصرانية التفصيلية لمسائل الدين بين دين ودين، وبين مفكر وآخر إلا أن التمعن وتدقيق النظر، يرجع أصول هذه الفكرة إلى مبادئ أساسية، هي التي توجه منهجها في التفكير ونظرتها إلى الأمور الجزئية. وهذه الأصول والمبادئ الأساسية هي التي سوف توضع في ميزان النقد أولًا، ثم تتبعها التفاصيل والفروع. فروض العصرانية الأساسية: العصرانية في الدين -كما سبق تعريفها- هي أيّ وجهة نظر في الدين، ترى أن التقدم العلمي الحاضر والمعارف المعاصرة، تستلزم إعادة النظر في الفكر الديني القديم، وتأويل تعاليم الدين لتتلاءم مع معارف العصر السائدة وظروفه.

стр. 202

والمتأمل في هذا التعريف يرى أنه يقوم على فرض أساسي كبير، وهو أن العصر الحاضر بظروفه وأحواله، وعلومه ومعارفه، وتقدمه وتطوره، لا يناسبه ولا يتلاءم معه الفكر الديني التقليدي القديم، الذي نشأ وتكون متأثرًا بظروف عصره السائدة فيه. وإذا كان ذلك الفكر صالحًا لذلك الزمان فإنه ليكون صالحًا لهذا العصر فلابد من إيجاد المواءمة بينه وبين الظروف الجديدة المتغيرة. وقد تكون هذه المواءمة بإعادة تفسير وتأويل بعض تعاليم الدين، ورفض التفسيرات القديمة لها، وقد تكون باطراح بعض التعاليم التي لم تعد مناسبة وتغييرها بتعاليم مناسبة. وعلى كل حال فإنه لابد من إعادة تكييف الدين على ضوء ظروف ومعارف العصر السائدة. ومن الممكن تقسيم هذا الفرض الأساسي إلى أجزاء ثلاثة: أولًا: عصرنا الحاضر عصر متطور متقدم، وشهد تحولات وتغيرات كبيرة. ثانيًا: ترتبط تعاليم الدين في كل عصر بظروفه وأحواله، مما يجعل بعضها لا يناسب عصرنا الحاضر. ثالثًا: نظرة كل عصر إلى حقائق الدين نظرة نسبية بحسب المعارف المتاحة له، وما كان يؤمن بأنه حق في عصر قد لا يكون حقًا في هذا العصر. وبناء على التصورات الثلاثة المتقدمة، يأتي التساؤل: ما الثابت في الدين، الذي يناسب كل عصر، وما المتغير الذي يتغير تبعًا لتغير المعرفة وتغير الأحوال. وإجابة العصرانية الأولية على هذا التساؤل هي أن الجزء الإلهي في الدين الذي مصدره الوحي هو الجزء الثابت في الدين، والجزء البشري في الدين الذي كونته عقول البشر هو الجزء المتغير، ومن ثم ينبع التساؤل: ما الإلهي في الدين، وما البشري؟ هذه هي الفروض الثلاثة الأساسية التي تنبني عليها فكرة العصرانية، والسؤالان الكبيران اللذان يستتبعان تلك الفروض. وهذه الأمور الخمسة تشترك فيها كل حركات العصرانية، سواء ما كان منها في اليهودية، أو النصرانية، أو الإسلام. وإذا انحلت عقدة هذه الأمور، واتضح وجه الصواب فيها، بانت حقيقة العصرانية، وأصبح من السهل الميسور نقد المسائل التفصيلية التي تقوم عليها.

стр. 203

وأول ما يستلفت النظر في الفروض الثلاثة الآنفة، أنها في الأصل ليست نظريات دينية، بمعنى أنها لم تتولد أساسًا نتيجة تفكير ديني، أو جاء بها وحي إلهي، إنما هي نظريات فكرية فلسفية نشأت خارج الدين. وعلى وجه الدقة فإنها من نظريات علم الفلسفة وعلم الاجتماع الغربيين. فمبدأ التطور Evolution (١) ، والمذهب النسبي Relativism، وعلم اجتماع المعرفة Sociology of knowledge، وأمثالها كلها ذات تأثير عميق في الفكر العصراني، وقد شيد بناءها فلاسفة الغرب وعلماء الاجتماع فيه، ولا يزال الجدل يحتدم حولها، ولها أنصارها ومؤيدوها، ونقادها ومعارضوها. وعلى هذا البناء الذي لم يستقر بعد ولم يعترف بأنه حقائق علمية ثابتة، تقيم العصرانية فكرها وتريد أن تحاكم الدين على أساسه. نقد فكرة التطور: تتحدث العصرانية عن التغير الاجتماعي والتطور الثقافي وكأنه مسلمة بديهية لا تحتاج إلى إثبات، ولكن هل تبدو فكرة التطور كذلك، إذا نظر إليها المرء بعين فاحصة؟ ما التطور؟ إن الكلمة في معناها الواسع تعني تغيرًا متواصلًا من حالة أولية إلى حالة متقدمة، وهذا المعنى يتضمن أن هناك تحولًا دائمًا يحدث، وأن هذا التحول يحدث نحو الأحسن، ومن هذا يمكن أن يقال أن التطور هو التغير نحو الأفضل أو أنه التحول نحو الأصلح. والمدهش هنا أنك مهما عرَّفت التطور بأي ألفاظ متقاربة، فإن الذي يبدو واضحًا أن كلمة التطور لا تحمل معنى ذاتيًا مستقلًا، أو بعبارة أخرى أن كلمة التطور كلمة فارغة المحتوى، إلا إذا أضيفت إلى غيرها. ذلك أن التغير نحو الأحسن أو التحول نحو الأفضل يقتضي أن يكون واضحًا ما الأحسن وما الأفضل. إن التطور هو حركة إلى الأمام، ولا يمكن الحكم بأن حركة ما إلى

стр. 204

الأمام أو إلى الوراء، إلا إذا كنا نعرف تمامًا ما الأمام وما الوراء. لابد من غاية أو هدف حتى يتضح ما إذا كانت الحركة تقترب من هذه الغاية أو تبتعد (١). لهذا نجد من السهل الحكم بأنه قد حدث تطور في التقنية، ذلك أن غاية التقنية أمر واضح وهو تحسين وسائل المعيشة، ومن الممكن بمعايير محددة أن نتبين ما إذا كانت وسيلة ما أحسن من غيرها أم لا. أما في حياة الإنسان الاجتماعية فمن الذي يحدد ما الأحسن وما الأفضل؟ من الذي يحدد ما الأمام وما الوراء؟ إن وظيفة الدين الأولى أن يعطى الإنسان تصورًا واضحًا لما هو الأحسن وما هو الأصلح، وأن يحدد له بدقة الغايات الصحيحة والأهداف القويمة التي ينبغي أن يتجه لها بسعيه وحركته. ولهذا فقد كانت كلمة صائبة تلك التي انتقد بها هرش الحركة التجديدية في اليهودية حين قال: "إن الدين في نظرهم صحيح مادام لا يتعارض مع التطور، وفي نظرنا التطور صحيح مادام لا يتعارض مع الدين" (٢). لقد نشأت العصرانية في منتصف القرن الماضي، حين كانت فكرة تطور المجتمع البشري فكرة مسيطرة على الأذهان، وأولع الناس بها أيما ولع، وقدحوا أذهانهم وخيالهم لوضع نظريات عديدة حولها، ولكن "ربما لا يوجد اليوم من بين المشتغلين بالعلوم الاجتماعية من يؤمن بنظرية تطور المجتمع في خط واحد نحو التقدم وفق مراحل محددة" (٣) مع أن فكرة التطور الاجتماعي بهذا المفهوم غير صحيحة، فإن التغير الاجتماعي مسألة واقعة ومشاهدة ما في ذلك شك، ووظيفة الدين أن يوجه هذا التغير وأن يدفع به في مسار صحيح، وأن يصحح كل تغير يتناقض مع مُثُلِه وغاياته. فهل جعلت العصرانية الدين الحاكم على كل تغير، أم أنها تسعى لأن يتكيف الدين ويتلاءم مع كل تغير؟ إن التغير صحيح مادام يسير في إطار الدين وفي الاتجاه الذي يحقق غاياته، ولن يكون الدين صحيحًا إذا استجاب لكل تغير.

стр. 205

"باعتباري مريدًا وتابعًا لدين لا يمكنني -أبدًا- أن أقبل وضعًا يستجيب فيه هذا الدين لكل تغير، ولا يمكن أن توافق أنت على ذلك أيضًا؛ لأن الدين ليس مقياس حرارة يقتصر عمله على تسجيل درجة الحرارة، ولا هو بالأداة التي ترصد اتجاه هبوب الرياح. . . لا يمكن تعريف الدين بهذه العبارات ولا يمكن أن يصير إلى أداة آلية غريبة. وليس بيننا واحد يريد من الدين أن يعمل كسجل لتغيرات الأزمنة، وأن دينًا وضعيًا مزعومًا لا يمكن أن يتحمل هذا الوضع فكيف بدين منزل؟ إن الدين يقر التغير كحقيقة واقعة، ويعطي أكمل مجال لسير الأمور من أجل تحول صحيح سليم. الدين يتقدم مع الحياة يدًا بيد ولا يواكبها فقط كتابع لها. . . ووظيفته هو أيضًا أن يميز بين تغير سليم وآخر غير سليم، وبين نزعة هدامة وأخرى بناءة. . . ويجب أن يقرر الدين فيما إذا كان التحول نافعًا، أو ضارًا بالبشرية، أو بأتباعه على الأقل. وبينما يتمشى الدين مع الحياة الديناميكية جنبًا إلى جنب من جهة، فإنه يعمل حارسًا وحاميًا لها من جهة أخرى، وتجب عليه مهمة المراقبة والضبط أيضًا. وليس من مهمة الوصي أن يدعم كل ما يفعله القاصر الموضوع تحت وصايته، ويؤيد كل ميوله الجيدة منها والسيئة، أو أن يصادق بختم الموافقة على كل شيء يسعى وراءه. . . بل إن الدين يمتلك ختمًا واحدًا وحبرًا واحدًا ويدًا واحدة فقط. . . وليس من شأنه أن يلصق طابعه على أي وثيقة أو صك. . . بل يجب عليه أن يميز ويختار. أجل إنه يفحص (الوثيقة) أولًا، ثم يصدر حكمه، فإن وجد فيها خطأ أو ضررًا حاول الدين أن يتركها، برفق إذا أمكن، أو بقوة إذا اقتضى الأمر ذلك، وإذا عرضت عليه وثيقة واعتبرها ضارة بالجنس البشري، فهو لا يمتنع عن تصديقها وختمها فقط، بل يكافح لمقاومتها" (١). مكانة عصرنا بين العصور: "إن الإنسان في كل عصر اعتبر عصره "عصرًا جديدًا" وظن العصور السالفة

стр. 206

عصورًا بائدة كانت تخلو من المزايا والمحاسن، وكان الناس فيها مصابين بالجهل والرجعية. أما عصره فهو جديد وأبناؤه متنورون متحضرون، متحلون بالعلوم والفنون، ونملك من الأشياء ما لم يحظ به الأولون. هذا الظن الخاطئ وقع فيه الإنسان في كل عصر. مع أننا إذا أغمضنا النظر عن الابتكارات العلمية والتطورات التقنية -التي قد فتح الله أبوابها على الإنسان رويدًا رويدًا- رأينا أن الإنسان لم يدخل عليه أي تبدل منذ الإنسان الأول إلى يومنا هذا: ظل قالب ذهنه نفس القالب، وظلت مواهبه الفكرية نفس المواهب، وظلت أهواء نفسه نفس الأهواء، وظلت متطلبات جسده نفس المتطلبات، وظل نمط تفكيره نفس النمط، لم يحصل أي فرق جوهري في تلك الجوانب أبدًا، وذلك أن الفطرة التي فطر عليها الإنسان ما زالت نفس الفطرة التي فطر عليها سيدنا آدم ﵇. وهذا هو السر في أن المنكر الذي أصيب به قوم لوط قبل أربعة آلاف سنة مثلًا، نرى اليوم وبعد أربعة آلاف من السنين يصاب به البلد البالغ في التحضر والتطور مثل أمريكا، التي تدعي أنها لا يقارعها بلد في العالم كله في نهضتها ورقيها، ونرى فيها ورثة قوم لوط يربو عددهم على عشرين مليون نفر. فأي فرق يا ترى قد طرأ على الإنسان في فطرته في تلك المئات من القرون. وهكذا إذا قال فرعون -في قديم الأزمان- لوزيره: فاجعل لي صرحًا لعلي أطلع إلى إله موسى أين هو؟ ومن هو؟ وكيف هو؟ نرى اليوم وبعد ثلاثة آلاف وخمسمائة سنة مضت على تلك المقولة أنه لما ارتفع القمر الصناعي الأول الذي أطلقته روسيا، إلى مائة وخمسين أو مائتي ميل من الأرض إلى الفضاء، انفجر رئيس وزرائها آنذاك المستر خروتشوف قائلًا: اطلعنا إلى الآفاق السماوية، ولم نجد فيها أي وجود للإله؟ ويعلم من ذلك بداهة أنه لم يدخل أي تعديل على عقلية الإنسان في تلك الحقبة الطويلة من الزمان، التي تشتمل على ثلاثة آلاف وخمسمائة من السنين. لم يتبدل أسلوب تفكيره ونظره إلى الأشياء. نعم إذا حصل هناك فرق في هذا الباب فهو أن فرعون ما كان يقدر في ذلك العصر، إلا أن يبني عمارة شامخة لتحقيق غايته إلى أكثر حد. . . أما منكرو العصر الحاضر وفراعنته فقد تمكنوا من صنع الأقمار الصناعية وغزو الفضاء؛ أي: حصل تطور في التكنولوجيا فقط ولم يحصل أي تطور من الناحية العقلية. وكما أن الدهرية وجدوا في سالف الأزمان كذلك يوجدون في العصر

стр. 207

الحاضر، وكما أن دعاة الفجور والمجون ومقترفي السوء والفاحشة، برزوا إلى مسرح الحياة في الأحقاب الخالية، كذلك شوهدوا اليوم وفي العصر الحاضر؛ أي: أنه لم يدخل أي فرق حتى في نوعية مجونهم وفجورهم، هكذا وكما أن الدنيا رأت أناسًا عرفوا الحق وآمنوا به وجاهدوا في سبيله في زمن نوح ﵇، كذلك ترى الدنيا وفي العصر الحاضر جماعات من البشر من حملة الحق ودعاته. فما زال الخير هو الخير بنصه وفصه، وما زال الشر هو الشر بقَضِّه وقضيضه، ومن تقدم وسائل الإنسان وأساليبه، واكتشافاته العلمية واستخدام تلك الاكتشافات في مجالات الحياة، إذا طرأ على طبيعة الانسان فرق، فليس ذلك الفرق أساسيًا وجوهريًا، وانما هو فرق في التقنية والأسلوب" (١). نقد معارف العصر: تدعو العصرانية إلى النظر إلى تعاليم الدين من خلال معارف العصر ومن خلال الثقافة الحديثة. وما يتعارض مع هذه المعارف في نظرها تعتبره من الزوائد التي أدخلها البشر على الدين بفهمهم ومعرفتهم المتاحة لهم في عصرهم. وبما أن المعرفة البشرية تتقدم وتتسع آفاقها، فإنه لابد من إعادة النظر في فهم العصور الماضية للدين، وإرساء فهم جديد على ضوء المعارف العصرية. وليس هناك من ريب أن الدين الصحيح هو الذي يساير المعرفة البشرية في اتساعها ولا يتناقض مع اكتشافات العلوم الجديدة، مهما تكاثرت وتعددت. ولكن القضية بالتعميم الذي تنادي به العصرانية يحتاج إلى نظر، فما هي حقيقة معارف العصر التي تدعونا العصرانية أن نطرح من أجلها تراث الدين في العصور الماضية؟ إن ذلك الإعجاب الكبير والثقة المفرطة بمعارف العصر تتداعى أمام ثلاثة مطاعن أساسية (٢):

стр. 208

المطعن الأول: إن ثقافة العصر بالمفهوم الواسع لكلمة ثقافة تقوم كلها على أمور علمية، بل إن بعض نواحي هذه الثقافة ما تكون إلا على أذواق وأهواء لا صلة لها بالعلم، وليس ذلك قاصرًا على الآداب والفنون فقط بل يشمل مسائل أخرى كثيرة من شعب الحياة، خذ مثلًا الربا في الشعبة الاقتصادية وأوضاع المرأة في الشعبة الاجتماعية، فهذه وأمثالها لم تخضع لدراسة علمية دقيقة، ولا نظر إليها بنظر البحث العلمي المجرد بل هي عادات وتقاليد، تكونت على أثر عوامل متعددة، ولهذا فمن الخطأ أن يظن مثل قاسم أمين أو غيره، أن هذه الأوضاع قد بحثت بحثًا علميًا، وانتهى الناس إلى أن الاختلاط مثلًا هو مما يحبذه العلم، وأنه من المظاهر العصرية اللازمة، ولا حتى عمل المرأة، أو مسألة الطلاق، أو مسألة تعدد الزوجات أو غيرها من المسائل. إن من يظن هذا الظن يخلط خلطًا عجيبًا بين العلم والمعرفة وبين الأذواق والأهواء. المطعن الثاني: إن القليل جدًا من معارف العصر وعلومه، باعتراف المتخصصين وذوي الخبرة في هذه العلوم، هو من الحقائق العلمية الثابتة والأمور اليقينية التي لا تقبل النقض. ومعظم العلوم العصرية حتى التجريبية منها، دعك عن العلوم الاجتماعية والإنسانية، تقوم على فروض واحتمالات، وفي كل يوم ينقض العلم نظرية ويبني نظرية أخرى، فكيف يخضع الدين لتفسيرات وتأويلات وفهم مختلف اعتمادًا على فروض واحتمالات متغيرة متبدلة؟ المطعن الثالث: مطعن هام وخطير، وهو أن معارف العصر بكل فروعها وأقسامها حتى العلوم التجريبية منها، لا تقوم على حقائق مجردة، معتمدة على المشاهدة والتجربة والاستنتاج، بل قد صاحبتها تصورات وتفسيرات ونظريات تسيطر عليها الروح الإلحادية المادية، فصاغت كل العلوم داخل هذا الإطار وصبتها في قالبه، ودونت كل حرف فيها بمداد الإلحاد والعداء للدين، وكل ما خرج عن الإطار المادي اعتبر خارج دائرة العلم، ووضع في باب الخرافات والأساطير، والأوهام والتخيلات. وهكذا فإن ذلك التصور الإلحادي المادي قد ترك آثاره في كل فروع معارف العصر، وحين تنظر العصرانية للدين من خلال معارف العصر بكل ما فيها، ترتكب بحق الدين وبحق العلم، أخطاء شنيعة، وتأتي محاولاتها للتوفيق بين الدين وبين معارف العصر محاولات خرقاء شوهاء.

стр. 209

إن الموقف الصحيح هو أن معارف العصر برمتها، حتى التجريبية ينبغي أن تصاغ وتعاد كتابتها وتدوينها تدوينًا إسلاميًا، في ضوء مفاهيم الدين وداخل إطاره، ومن الخطأ البين أن يعكس الأمر وينظر إلى الدين من خلال معارف العصر ويعدل ويغير فيه بحسب ذلك. ارتباط الفكر بالظروف: من التصورات الأساسية عند العصرانية أن الفكر مرتبط بالظروف التي ينشأ فيها، وبالعصر الذي يظهر فيه، وتؤثر فيه عوامل الزمان والمكان. وانطلاقًا من هذا التصور يوصف الفكر الديني القديم (بالظرفية) وينادى بتطويره وجعله حديثًا معاصرًا، والحجة الأساسية التي تقدم لرفض ذلك الفكر، أنه تقليدي نشأ في عصور ماضية، وأنه ليس مسايرًا لاتجاهات العصر وتياراته. وصلة الفكر بالظروف التي ينشأ فيها وإلى أي حد يرتبط الفكر بهذه الظروف ولا ينفك عنها مسألة ظهرت فيها نظريات عديدة، ووصل التطرف أقصاه عند بعض الفلاسفة فجعلوا الفكر وليد الظروف الاقتصادية وأدوات الإنتاج فقط. والنقد الأساسي الذي يوجه إلى أمثال هذه النظريات أنها تنظر إلى جانب واحد، وذلك ما يوقعها في الأخطاء إذ أنها تغفل عن سؤال هام وهو ما الذي يكوّن الظروف التي يقال إن الفكر مرتبط بها. لعل المرء لا يحتاج إلى تفكير كثير ليصل إلى أن الله سبحانه قد جعل الإنسان عاملًا مؤثرًا فعالًا في الكون، وأن الإنسان بما أوتي من مواهب عقلية وقوى فكرية يؤثر في الظروف وتكوينها، وإذا كان صحيحًا أن طبقات كثيرة من المجتمع تخضع للظروف السائدة وتنقاد لها، إلا أن قادة الفكر ورواده ممن يجتهدون ويجددون، وتستحدث على أيديهم الآراء الجديدة والاكتشافات والاختراعات، لا يخضعون للظروف ولا يتأثرون بها. لقد عجزت العلوم الاجتماعية عن تفسير ظاهرة التجديد والابتكارات Innovations، بغير اعتبارها شذوذًا عن الظروف السائدة في المجتمع، وظاهرة فريدة لما حبا الله به العقل الإنساني من قدرات ومواهب (١).

стр. 210

وإذا كان القول بأن الفكر يرتبط بالظروف تكتنفه مصاعب ويواجه بالنقد؛ فإن رفض الفكر لمجرد أنه نشأ في عصور ماضية، ولمجرد كونه قديمًا، قول لا صلة له بالعلم وبعيد عن الموضوعية، مهما صدر عمن يتحلى بأفخم الألقاب العلمية. إن الفكر لا يمكن أن يقبل أو يرفض باعتبار الزمان أو المكان الذي ظهر فيه ولكن يرفض إذا قدمت الأدلة على خطئه، فإذا ثبت أن الفكرة صحيحة كانت صحيحة ولو ظهرت في أحقاب ما قبل التاريخ، وإذا ثبت أن الفكرة خاطئة فهي خاطئة ولو أعلنها عباقرة العصر الحاضر. هل حقائق الدين نسبية؟ إذا قيل إن الفكرة إما خاطئة أو صائبة -بغض النظر عن الزمان الذي شهد ظهورها- قالت العصرانية: ولكن إدراك حقائق الدين مسألة نسبية، فليس هناك صواب مطلق و"إن الحقيقة الثابتة تختلف الأنظار إليها باختلاف زاوية سقوط الشعاع الفكري". والكاتب الفاضل الذي قرأت له هذا القول لا يقدم دليلًا أو حجة، بل يكتفي بالإشارة إلى أن نظرة الإنسان إلى الأشياء نظرة جزئية، وليست نظرة شاملة كاملة، وأن هذه النظرة هي بحسب معارف المرء وثقافته، وبحسب اهتماماته والزاوية التي ينظر منها (١). وقضية النسبية Relativism في الحق truth أو في الأخلاق ethics قضية فلسفية، تتناحر حولها الفلسفة منذ أن عرف الإنسان الفلسفة وكعادة الفلاسفة في مناقشة القضايا، تتعقد وتتشابك الآراء، والفلاسفة وحدهم هم الجديرون بأن يغرقوا في مثل هذه المباحث، وهل استطاعت الفلسفة يومًا ما أن تحل لغزًا؟ وفي بساطة نتساءل: ما المقصود بأن الحقيقة نسبية؟ إذا كان المقصود أن معرفة الإنسان قاصرة وعلمه قليل، وأنى له بالعقل الذي يدرك الأشياء إدراكًا شاملًا، فهذا ليس موضع اختلاف، والبشرية بما فيها من عجز وقصور مؤهلة لإدراك قدر من المعارف تكفيها لأداء مهامها في هذه الفترة القصيرة من عمرها على الأرض.

стр. 211

وإذا كان المقصود أن الإنسان لا يصل إلى حقيقة، وكل ما عنده من حقائق لا يمكن القطع والجزم بها، ولا يمكن الاتفاق حولها، فأول ما يواجه هذا القول من نقد أن يسأل ما الدليل على أن هذا القول صادق؟ فإذا قدمت الأدلة على صدقه وأثبتت أنه حقيقة، فهو اعتراف بأن لدينا على الأقل حقيقة نطمئن إليها، وهو اعتراف ينقض ما قدمت الأدلة لإثباته، وإذا كان القول بأن الحقيقة نسبية أمر نسبي أيضًا ولا يمكن القطع والجزم به فكيف يؤخذ به؟ ثم كيف يفسر من يقول أن الحقيقة نسبية ذلك القدر المشترك من الحقائق بين أفراد النوع البشري على اختلاف بيئاتهم وظروفهم وعصورهم؟ والأهم من ذلك أن يسأل هل هناك منهج صحيح للوصول إلى حقائق الدين، أم أن الدين كما هي النظرة الغربية له، لا معايير ولا مقاييس لتحديد حقائقه، بل هو مثل مسائل الآداب والفن مسألة (ذوق)، لا تقوم على منهج علمي محدد، أو معايير منضبطة؟ إن مصادر حقائق الدين ثلاثة أشياء: النصوص الموحاة، ومعاني هذه النصوص، والاستنباط منها، ولكل واحد من هذه الأقسام منهج علمي محدد مضبوط، فهناك منهج علمي لتوثيق النصوص، ومنهج لطريقة فهمها، ومنهج للاستنباط منها، وما يتوصل إليه عن طريق هذه المناهج حقائق لا شك في ذلك. قد يحدث تغيير أو تبديل للنصوص، أو قد يحدث خطأ في الفهم، أو يحدث خطأ في الاستنباط، ولكن هذه مسألة أخرى ومعالجتها تكون بإثبات ما حدث من تحريف بالدليل والبرهان، أما إطلاق العموميات والقول بأن حقائق الدين مسألة نسبية يدركها كل عصر بحسب المعرفة المتاحة، ويراد من وراء ذلك رفض فكر العصور الماضية فقول لا تسنده حجة ولا يمكن قبوله. محاسن ومساوئ العصرانية في الغرب: يحسن بنا بعد المناقشة السابقة لنقاط انطلاق الفكر العصراني التي توجه منهجه في التفكير ونظرته للأمور، أن نتناول محاسن ومساوئ العصرانية في الغرب التي لا تشترك فيها مع غيرها. وقد قامت حركات التجديد العصراني في اليهودية والنصرانية، كما رأينا في الفصل الخاص بذلك، وسط معارضة شديدة وجوبهت بنقد مر، ولا أرى فائدة كبيرة في تتبع مسائل الخلاف وآراء كل فريق،

стр. 212

والذي يهمني هنا أن أشير بطريقة عامة أين أصابت العصرانية في الغرب وأين أخطأت؟ ويمكن أن نعد من محاسن العصرانية في الغرب الأمور التالية: الموضع الأول: الذي أصابت فيه العصرانية في النصرانية وحركة اليهودية الإصلاحية نقدها للتوراة والتلمود والأناجيل، واعترافها بوجود تناقضات واختلافات متعددة فيها وأخطاء، ووصولها إلى أن هذه الكتب ليست بحال هي الكتب الموحاة، بل قد كتبتها أيدٍ بشرية، وخلطت فيها بين الكلمات الموحاة وأقوال الأنبياء وسيرتهم وأقوال الأحبار والقساوسة، ومزجتها مع ذلك كله بالآداب والمعارف السائدة في العصور التي كتبت فيها. يقول جورج راندال: "لقد كشفت الدراسة الدقيقة للنصوص من أجل معرفة واضعيها وتواريخ وضع مختلف أقسامها -وهو ما يسمى (بالنقد الأعلى) - عن وجود تباين أساسي مع الاعتقادات التقليدية، فالفوارق في الأسلوب والروايات المتناقضة عن الحادث الواحد والأوامر المتباينة التي يزعم أنها من عند الله، جعلت التوفيق بين النظرة القائلة بأن كل كلمة وكل نقطة إنما هي وحي إلهي حرفي، وبين الإيمان بحكمة الله وتعقله أمرًا في غاية الصعوبة، أما إذا أخذ الكتاب المقدس من جهة ثانية على أنه عمل عقول بشرية، تأثرت تأثرًا عميقًا بحس إلهي في الأشياء، فإن كل صعوبة تزول، وتصبح الكتب المقدسة سجلًا للمحاولات الأسطورية والخيالية الأولى من أجل فهم العالم ومعناه، وللشعر المقدس وللقوانين الدينية والمدنية والمراسلات النبوية المنبعثة عن أرواح نبيلة" (١). ومما هو واضح أن العصرانية ليست وحدها صاحبة الفضل في مثل هذه الاكتشافات والاعترافات، بل إن الدراسات قد توسعت في هذا المجال في العصر الحديث، وظهرت الانتقادات للتوراة والإنجيل حتى إن مجمع الفاتيكان -أعلى سلطة في الكنيسة الكاثوليكية- اضطر لأن يعترف ولو جزئيًا، بعد

стр. 213

مناقشات دامت ثلاث سنوات بين عامي (١٩٦٢ - ١٩٦٥ م)، بوجود نقص وعجز في بعض نصوص العهد القديم. فقد جاء في الوثيقة التي أصدرها المجمع: "إن كتب العهد القديم تسمح للكل بأن يعرف من هو الله ومن هو الإنسان، فضلًا عن الطريقة التي يتصرف بها الله مع الناس بعدالته ورحمته. . . هذه الكتب رغم كونها تحوي النقص والعجز هي أيضًا الشواهد على تربية إلهية حقيقية" (١). وقد سبقت الدراسات الإسلامية في هذا المجال سبقًا بعيدًا، واتبعت في ذلك منهجًا علميًا دقيقًا، فابن حزم مثلًا عقد فصولًا طويلة في كتابه "الفصل في الملل والأهواء والنحل" لمناقشة التحريف والتغير الذي حدث في التوراة والإنجيل. وكذلك قدم ابن تيمية دراسة نقدية لهذه الكتب في كتابه "الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح". ويستند هذان العالمان الجليلان على أدلة علمية، منها وجود اختلاف وتباين عظيم في النسخ الموجودة لهذه الكتب، يقول ابن تيمية عن ذلك: "ومما يدل على ذلك أنك في هذا الزمان، إذا أخذت نسخ التوراة الموجودة عند اليهود والنصارى والسامرة، وجدت بينها اختلافًا في مواضع متعددة، وكذلك نسخ الإنجيل، وكذلك نسخ الزبور، مختلفة اختلافًا متباينًا، بحيث لا يعلم العاقل أن جميع نسخ التوراة الموجودة متفقة على لفظ واحد، ولا يعلم أن جميع نسخ الإنجيل متفقة على لفظ واحد، ولا يعلم أن جميع نسخ الزبور متفقة على "لفظ واحد" (٢). ومن أدلة التحريف وجود تناقض في النصوص حول الأمر الواحد، واختلاف في ذكر التواريخ والأسماء عن الواقعة الواحدة (٣)، ومنها أن نقل هذه الكتب لم يكن نقلًا متواترًا ويقول ابن تيمية عن ذلك: "وأما الإنجيل الذي بأيديهم فإنهم معترفون بأنه لم يكتبه المسيح ﵇، ولا أملاه على من كتبه، وإنما أملاه بعد رفع المسيح متى ويوحنا، وكانا قد صحبا المسيح، ولم يحفظه خلق كثير يبلغون عدد التواتر -ومرقس ولوقا وهما لم يريا المسيح ﵇. وقد ذكر

стр. 214

هؤلاء أنهم ذكروا بعض ما قاله المسيح وبعض أخباره، وأنهم لم يستوعبوا ذكر أقواله وأفعاله. . . ونقل اثنين وثلاثة وأربعة يجوز عليهم الغلط" (١). هذا بجانب ركاكة الألفاظ والتعابير، وبخاصة أن هذه الكتب ترجمت من لغتها الأصلية إلى لغات أخرى والترجمة يقع فيها الغلط كثيرًا (٢). الموضع الثاني: الذي أصابت فيه العصرانية هدمها لبعض العقائد الباطلة، ومن ذلك مثلًا هدم عقيدة ألوهية المسيح وإيمانها بأنه بشر كسائر البشر. وقد تتابعت الدراسات اللاهوتية في الغرب لتأكيد بشرية المسيح، ومن ذلك الكتاب الذي صدر في عام (١٩٧٧ م) في لندن بعنوان: "أسطورة تجسد الإله في المسيح" تحرير البروفسير (جون هك) أستاذ اللاهوت بجامعة برمنجهام في بريطانيا، واشترك في تأليفه سبعة أساتذة لاهوت بريطانيون، وقد أثار الكتاب ضجة كبيرة في بريطانيا، وبيعت نسخ الطبعة الأولى كلها يوم إصدارها، وأعيد الطبع مرات بعد ذلك (٣). وتقول مقدمة الكتاب: "في القرن التاسع عشر قامت المسيحية في الغرب بتعديلين رئيسين جديدين في مواجهة التوسعات الهامة للمعرفة الإنسانية، فلقد قبلت أن الإنسان هو جزء من الطبيعة وأنه برز ضمن تطور أشكال الحياة على هذه الأرض، وقبلت أن الأناجيل كتبت بأقلام عدة أشخاص في حالات متنوعة، ولا يمكن أن تضفي على كلماتها عصمة (الأمر الإلهي). ولم يأت هذان التعديلان دون صدام مع (أشواك) الحقائق التي سببت جروحًا لم تندمل حتى الآن. ومع ذلك تستمر المعرفة الإنسانية في نموها بتسارع متزايد، والضغط على المسيحية هو الآن أقوى من أيّ وقت مضى لتعدل نفسها لوضع يمكن معه الاعتقاد بها والاقتناع بها، من المفكرين الأمناء الذين تجذبهم بشدة صورة المسيح، والضوء الذي تلقيه تعاليمه على معنى الحياة الإنسانية.

стр. 215

والمؤمنون مقتنعون أن تعديلًا لاهوتيًا رئيسيًا آخر مطلوب الآن في الربع الأخير من القرن العشرين، وتبرز الحاجة لذلك من نمو حجم المعلومات عن الأصول المسيحية، والتي تضم اعترافًا بأن المسيح كان كما هو مقدم في الكتاب الخامس للعهد الجديد (٢ - ١٢) إنسانًا اختاره الله لدور خاص في إطار الإرادة الإلهية، وأن الاعتقاد المتأخر بأنه (الله في صورة إنسان) أو (الشخص الثاني في الثالوث المقدس) الذي يحيى حياة بشرية ليس هو -أي: هذا الاعتقاد- إلا أسلوبًا أسطوريًا أو شاعريًا للتعبير عن أهمية المسيح بالنسبة لنا. وهذا الاعتراف مطلوب منا لمصلحة الحقيقة، ولكن لهذا الاعتراف أهمية متزايدة على صعيد الواقع بالنسبة لعلاقتنا بالناس الآخرين من أبناء الديانات العالمية الكبرى" (١). الموضع الثالث: الذي يعد من محاسن حركة اليهودية المتحررة أنها كانت حربًا لحركة الصهيونية، إذ أنها لم تكن تعترف بعقيدة العودة إلى فلسطين وإقامة دولة يهودية فيها، وقد جاء إعلان ذلك صريحًا في مبادئ بتسبرج عام (١٨٩٥ م): "نحن لا نعتبر أنفسنا أمة بعد اليوم، بل جماعة دينية، ولذا فإننا لا نتوقع عودة إلى فلسطين، أو إحياء للعبادة القربانية تحت ظل أبناء هارون، ولا استرجاع أي من الشرائع المتعلقة بالدولة اليهودية" (٢). وقد قادت حركة اليهودية الإصلاحية هذه Reform Judaism لواء العداء والمعارضة للصهيونية، ولها مواقف متعددة في المراحل التاريخية المختلفة منذ أن كانت العودة إلى فلسطين فكرة وحلمًا، وخلال مراحل تأسيس الدولة الإسرائيلية، وعبر الأحداث التي تمر بها قضية فلسطين حتى اليوم. ومن الممكن للمسلمين أن يستفيدوا من هذه المواقف ويمكن عن طريقها خدمة القضية الفلسطينية.
следующие страницы →