وإذا كان المقصود أن الإنسان لا يصل إلى حقيقة، وكل ما عنده من حقائق لا يمكن القطع والجزم بها، ولا يمكن الاتفاق حولها، فأول ما يواجه هذا القول من نقد أن يسأل ما الدليل على أن هذا القول صادق؟ فإذا قدمت الأدلة على صدقه وأثبتت أنه حقيقة، فهو اعتراف بأن لدينا على الأقل حقيقة نطمئن إليها، وهو اعتراف ينقض ما قدمت الأدلة لإثباته، وإذا كان القول بأن الحقيقة نسبية أمر نسبي أيضًا ولا يمكن القطع والجزم به فكيف يؤخذ به؟ ثم كيف يفسر من يقول أن الحقيقة نسبية ذلك القدر المشترك من الحقائق بين أفراد النوع البشري على اختلاف بيئاتهم وظروفهم وعصورهم؟
والأهم من ذلك أن يسأل هل هناك منهج صحيح للوصول إلى حقائق الدين، أم أن الدين كما هي النظرة الغربية له، لا معايير ولا مقاييس لتحديد حقائقه، بل هو مثل مسائل الآداب والفن مسألة (ذوق)، لا تقوم على منهج علمي محدد، أو معايير منضبطة؟
إن مصادر حقائق الدين ثلاثة أشياء: النصوص الموحاة، ومعاني هذه النصوص، والاستنباط منها، ولكل واحد من هذه الأقسام منهج علمي محدد مضبوط، فهناك منهج علمي لتوثيق النصوص، ومنهج لطريقة فهمها، ومنهج للاستنباط منها، وما يتوصل إليه عن طريق هذه المناهج حقائق لا شك في ذلك. قد يحدث تغيير أو تبديل للنصوص، أو قد يحدث خطأ في الفهم، أو يحدث خطأ في الاستنباط، ولكن هذه مسألة أخرى ومعالجتها تكون بإثبات ما حدث من تحريف بالدليل والبرهان، أما إطلاق العموميات والقول بأن حقائق الدين مسألة نسبية يدركها كل عصر بحسب المعرفة المتاحة، ويراد من وراء ذلك رفض فكر العصور الماضية فقول لا تسنده حجة ولا يمكن قبوله.
محاسن ومساوئ العصرانية في الغرب:
يحسن بنا بعد المناقشة السابقة لنقاط انطلاق الفكر العصراني التي توجه منهجه في التفكير ونظرته للأمور، أن نتناول محاسن ومساوئ العصرانية في الغرب التي لا تشترك فيها مع غيرها. وقد قامت حركات التجديد العصراني في اليهودية والنصرانية، كما رأينا في الفصل الخاص بذلك، وسط معارضة شديدة وجوبهت بنقد مر، ولا أرى فائدة كبيرة في تتبع مسائل الخلاف وآراء كل فريق،
стр. 212
والذي يهمني هنا أن أشير بطريقة عامة أين أصابت العصرانية في الغرب وأين أخطأت؟
ويمكن أن نعد من محاسن العصرانية في الغرب الأمور التالية:
الموضع الأول:
الذي أصابت فيه العصرانية في النصرانية وحركة اليهودية الإصلاحية نقدها للتوراة والتلمود والأناجيل، واعترافها بوجود تناقضات واختلافات متعددة فيها وأخطاء، ووصولها إلى أن هذه الكتب ليست بحال هي الكتب الموحاة، بل قد كتبتها أيدٍ بشرية، وخلطت فيها بين الكلمات الموحاة وأقوال الأنبياء وسيرتهم وأقوال الأحبار والقساوسة، ومزجتها مع ذلك كله بالآداب والمعارف السائدة في العصور التي كتبت فيها.
يقول جورج راندال:
"لقد كشفت الدراسة الدقيقة للنصوص من أجل معرفة واضعيها وتواريخ وضع مختلف أقسامها -وهو ما يسمى (بالنقد الأعلى) - عن وجود تباين أساسي مع الاعتقادات التقليدية، فالفوارق في الأسلوب والروايات المتناقضة عن الحادث الواحد والأوامر المتباينة التي يزعم أنها من عند الله، جعلت التوفيق بين النظرة القائلة بأن كل كلمة وكل نقطة إنما هي وحي إلهي حرفي، وبين الإيمان بحكمة الله وتعقله أمرًا في غاية الصعوبة، أما إذا أخذ الكتاب المقدس من جهة ثانية على أنه عمل عقول بشرية، تأثرت تأثرًا عميقًا بحس إلهي في الأشياء، فإن كل صعوبة تزول، وتصبح الكتب المقدسة سجلًا للمحاولات الأسطورية والخيالية الأولى من أجل فهم العالم ومعناه، وللشعر المقدس وللقوانين الدينية والمدنية والمراسلات النبوية المنبعثة عن أرواح نبيلة" (١).
ومما هو واضح أن العصرانية ليست وحدها صاحبة الفضل في مثل هذه الاكتشافات والاعترافات، بل إن الدراسات قد توسعت في هذا المجال في العصر الحديث، وظهرت الانتقادات للتوراة والإنجيل حتى إن مجمع الفاتيكان -أعلى سلطة في الكنيسة الكاثوليكية- اضطر لأن يعترف ولو جزئيًا، بعد
стр. 213
مناقشات دامت ثلاث سنوات بين عامي (١٩٦٢ - ١٩٦٥ م)، بوجود نقص وعجز في بعض نصوص العهد القديم. فقد جاء في الوثيقة التي أصدرها المجمع:
"إن كتب العهد القديم تسمح للكل بأن يعرف من هو الله ومن هو الإنسان، فضلًا عن الطريقة التي يتصرف بها الله مع الناس بعدالته ورحمته. . . هذه الكتب رغم كونها تحوي النقص والعجز هي أيضًا الشواهد على تربية إلهية حقيقية" (١).
وقد سبقت الدراسات الإسلامية في هذا المجال سبقًا بعيدًا، واتبعت في ذلك منهجًا علميًا دقيقًا، فابن حزم مثلًا عقد فصولًا طويلة في كتابه "الفصل في الملل والأهواء والنحل" لمناقشة التحريف والتغير الذي حدث في التوراة والإنجيل. وكذلك قدم ابن تيمية دراسة نقدية لهذه الكتب في كتابه "الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح". ويستند هذان العالمان الجليلان على أدلة علمية، منها وجود اختلاف وتباين عظيم في النسخ الموجودة لهذه الكتب، يقول ابن تيمية عن ذلك: "ومما يدل على ذلك أنك في هذا الزمان، إذا أخذت نسخ التوراة الموجودة عند اليهود والنصارى والسامرة، وجدت بينها اختلافًا في مواضع متعددة، وكذلك نسخ الإنجيل، وكذلك نسخ الزبور، مختلفة اختلافًا متباينًا، بحيث لا يعلم العاقل أن جميع نسخ التوراة الموجودة متفقة على لفظ واحد، ولا يعلم أن جميع نسخ الإنجيل متفقة على لفظ واحد، ولا يعلم أن جميع نسخ الزبور متفقة على "لفظ واحد" (٢).
ومن أدلة التحريف وجود تناقض في النصوص حول الأمر الواحد، واختلاف في ذكر التواريخ والأسماء عن الواقعة الواحدة (٣)، ومنها أن نقل هذه الكتب لم يكن نقلًا متواترًا ويقول ابن تيمية عن ذلك: "وأما الإنجيل الذي بأيديهم فإنهم معترفون بأنه لم يكتبه المسيح ﵇، ولا أملاه على من كتبه، وإنما أملاه بعد رفع المسيح متى ويوحنا، وكانا قد صحبا المسيح، ولم يحفظه خلق كثير يبلغون عدد التواتر -ومرقس ولوقا وهما لم يريا المسيح ﵇. وقد ذكر
стр. 214
هؤلاء أنهم ذكروا بعض ما قاله المسيح وبعض أخباره، وأنهم لم يستوعبوا ذكر أقواله وأفعاله. . . ونقل اثنين وثلاثة وأربعة يجوز عليهم الغلط" (١). هذا بجانب ركاكة الألفاظ والتعابير، وبخاصة أن هذه الكتب ترجمت من لغتها الأصلية إلى لغات أخرى والترجمة يقع فيها الغلط كثيرًا (٢).
الموضع الثاني:
الذي أصابت فيه العصرانية هدمها لبعض العقائد الباطلة، ومن ذلك مثلًا هدم عقيدة ألوهية المسيح وإيمانها بأنه بشر كسائر البشر.
وقد تتابعت الدراسات اللاهوتية في الغرب لتأكيد بشرية المسيح، ومن ذلك الكتاب الذي صدر في عام (١٩٧٧ م) في لندن بعنوان: "أسطورة تجسد الإله في المسيح" تحرير البروفسير (جون هك) أستاذ اللاهوت بجامعة برمنجهام في بريطانيا، واشترك في تأليفه سبعة أساتذة لاهوت بريطانيون، وقد أثار الكتاب ضجة كبيرة في بريطانيا، وبيعت نسخ الطبعة الأولى كلها يوم إصدارها، وأعيد الطبع مرات بعد ذلك (٣).
وتقول مقدمة الكتاب:
"في القرن التاسع عشر قامت المسيحية في الغرب بتعديلين رئيسين جديدين في مواجهة التوسعات الهامة للمعرفة الإنسانية، فلقد قبلت أن الإنسان هو جزء من الطبيعة وأنه برز ضمن تطور أشكال الحياة على هذه الأرض، وقبلت أن الأناجيل كتبت بأقلام عدة أشخاص في حالات متنوعة، ولا يمكن أن تضفي على كلماتها عصمة (الأمر الإلهي). ولم يأت هذان التعديلان دون صدام مع (أشواك) الحقائق التي سببت جروحًا لم تندمل حتى الآن. ومع ذلك تستمر المعرفة الإنسانية في نموها بتسارع متزايد، والضغط على المسيحية هو الآن أقوى من أيّ وقت مضى لتعدل نفسها لوضع يمكن معه الاعتقاد بها والاقتناع بها، من المفكرين الأمناء الذين تجذبهم بشدة صورة المسيح، والضوء الذي تلقيه تعاليمه على معنى الحياة الإنسانية.
стр. 215
والمؤمنون مقتنعون أن تعديلًا لاهوتيًا رئيسيًا آخر مطلوب الآن في الربع الأخير من القرن العشرين، وتبرز الحاجة لذلك من نمو حجم المعلومات عن الأصول المسيحية، والتي تضم اعترافًا بأن المسيح كان كما هو مقدم في الكتاب الخامس للعهد الجديد (٢ - ١٢) إنسانًا اختاره الله لدور خاص في إطار الإرادة الإلهية، وأن الاعتقاد المتأخر بأنه (الله في صورة إنسان) أو (الشخص الثاني في الثالوث المقدس) الذي يحيى حياة بشرية ليس هو -أي: هذا الاعتقاد- إلا أسلوبًا أسطوريًا أو شاعريًا للتعبير عن أهمية المسيح بالنسبة لنا. وهذا الاعتراف مطلوب منا لمصلحة الحقيقة، ولكن لهذا الاعتراف أهمية متزايدة على صعيد الواقع بالنسبة لعلاقتنا بالناس الآخرين من أبناء الديانات العالمية الكبرى" (١).
الموضع الثالث:
الذي يعد من محاسن حركة اليهودية المتحررة أنها كانت حربًا لحركة الصهيونية، إذ أنها لم تكن تعترف بعقيدة العودة إلى فلسطين وإقامة دولة يهودية فيها، وقد جاء إعلان ذلك صريحًا في مبادئ بتسبرج عام (١٨٩٥ م):
"نحن لا نعتبر أنفسنا أمة بعد اليوم، بل جماعة دينية، ولذا فإننا لا نتوقع عودة إلى فلسطين، أو إحياء للعبادة القربانية تحت ظل أبناء هارون، ولا استرجاع أي من الشرائع المتعلقة بالدولة اليهودية" (٢).
وقد قادت حركة اليهودية الإصلاحية هذه Reform Judaism لواء العداء والمعارضة للصهيونية، ولها مواقف متعددة في المراحل التاريخية المختلفة منذ أن كانت العودة إلى فلسطين فكرة وحلمًا، وخلال مراحل تأسيس الدولة الإسرائيلية، وعبر الأحداث التي تمر بها قضية فلسطين حتى اليوم.
ومن الممكن للمسلمين أن يستفيدوا من هذه المواقف ويمكن عن طريقها خدمة القضية الفلسطينية.
стр. 216
أخطاء العصرانية في الغرب:
إذا كان ما اعتبر مقدسًا من كتب اليهودية والنصرانية هو في حقيقة الأمر كتابات بشرية، يتجلى فيها الفكر البشري بطبيعته القاصرة، فإن اكتشاف هذه الحقيقة لابد أن يهز أي مؤمن من هذين الديانتين، ولابد أن تثور في ذهنه تساؤلات حائرة ما التغيير والانحراف الذي حدث وما درجته؟ وكيف يمكن تمييز الصواب من الخطأ؟ وأين الحقائق الإلهية الثابتة التي تضمنها الوحي الإلهي وما الزوائد التي أضافها البشر؟ وكيف يتم تصحيح ما تسرب من الأخطاء البشرية للدين.
وقد كانت العصرانية محاولة للإجابة على هذه الأسئلة الحائرة، ولكن لما كانت هي أيضًا محاولة بشرية للتصحيح، تعتمد على معارف البشر فقط وعلى تجاربهم، وليس بين أيديها نصوص الدين الأصلية الصحيحة، أو أي مصادر موثوقة لم يدخلها التغيير والتبديل، فقد فقدت المقياس والمعيار الذي يمكن أن يتم وفقه التصحيح ولهذا جاء تجديدها خبطًا عشوائيًا يصيب أحيانًا ويخطئ في أكثر الأحيان. ذلك أنه إذا كان العقل البشري عاجزًا ابتداء عن ابتداع دين وضعي، فمن الخطأ الظن أن بإمكان هذا العقل تصحيح ديانة محرفة اعتمادًا على معارف البشر وحدها.
وهكذا فإن اتخاذ المعارف البشرية وحدها أساسًا لتصحيح الدين هو الخطأ الأساسي للعصرانية في الغرب، الذي كانت نتيجته الفشل وراء الفشل، والخبط والتيه، ومعالجة الانحراف بانحراف أكبر، واستبدال الباطل بآخر من نوعه، أو أخطر منه.
وهنا يكمن الفرق الأساسي بين الإسلام وبين هاتين الديانتين المحرفتين، إذ إن القرآن والسُّنَّة وهي نصوص الإسلام الأصلية الموحاة، محفوظة بكل حروفها وألفاظها ومعانيها، وهذا الحفظ يجعل للإسلام وهو الرسالة الإلهية الأخيرة للبشرية ميزة وخاصية فريدة، ذلك أن بين يدي كل جيل في كل عصر، الأصول الصحيحة التي يمكن في ضوئها بعث الدين نقيًا خالصًا.
стр. 217
الفصل الثاني نقد المسائل التفصيلية
стр. 218
الفصل الثاني نقد المسائل التفصيلية
تمهيد:
العصرانية عند المسلمين -كما وصفها جب (١) وكما هي في الغرب- لا تشكل تيارًا من الأفكار المنتظمة، بل هي في حقيقة الأمر آراء متناثرة لأفراد مستقلين عن بعضهم البعض، ورغم أن بعضهم قد نجح في تكوين مدرسة فكرية، وجمع حوله بعض التلاميذ والأتباع، إلا أن هذه المدرسة ليست وحدة متناسقة من الآراء، وتلاميذها خليط من الميول والاتجاهات وأشتات مبعثرة من الفكر.
وفي الفصول التي عرضنا فيها فكر هذه المدرسة اهتممنا بإبراز آراء كل مفكر على حدة، وسوف نهتم هنا بتجميع الآراء المشتركة وتصنيفها، مع نقدها وتمييز أوجه الصواب والخطأ فيها، وقد يكون من المناسب تناول الآراء حسب الأقسام المعهودة فنتحدث أولًا عن الآراء في العقيدة، ثم في التفسير، ثم في الحديث، ثم في أصول الفقه، ثم في الفقه وهكذا.
стр. 219
من عقائد العصرانية:
قدم سيد خان منهجًا متكاملًا في العقائد الإسلامية، اهتمت به الدراسات الإسلامية المعاصرة وبخاصة المستشرقون (١) وربما كان سيد خان هو الوحيد من بين مفكري العصرانية المسلمين الذي وجد الجرأة للإفصاح عن آرائه في هذا المجال الذي هو من أكثر المجالات إثارة لمشاعر المسلمين، ولا يدانيه في ذلك إلا محمد أسد، أما بقية مفكري العصرانية فقد قصروا أنفسهم على مجال التشريع وسكتوا عن الخوض في مجال العقائد. وليس من الميسور هنا تقديم دراسة متكاملة لمنهج سيد خان العقائدي أو لآراء محمد أسد في هذا الباب، ولكن أثناء عرض فكرهما كنا قد ألممنا ببعض آرائهما، ونحب هنا أن نمحص تلك الآراء ونتناولها بالترتيب التالي:
١ - مما لا شك فيه أن أسماء الله سبحانه وصفاته من أمور الغيب التي لا يعلم حقيقة كنهها وكيفيتها إلا الله ، ومن هذه الأسماء ما استأثر الله بعلمه ولم يطلع عليه أحدًا من خلقه، ربما لأن العقل البشري عاجز عن فهمه؛ ولكن الأسماء والصفات التي عرف الله بها نفسه إلى خلقه في القرآن والسُّنَّة، فلا شك أن في مقدور البشر إدراك مدلولاتها، ويستطيع العقل البشري أن يحيط بمعانيها، وإن كان لا يدرك كيفيتها. فالعقل البشري يفهم أن الله حي حقيقة، عليم حقيقة، بصير حقيقة، سميع حقيقة، متكلم حقيقة، وهكذا سائر الأسماء والصفات، وإن كنا لا نستطيع أن ندرك طبيعة وكيفية حياته وعلمه وبصره وسمعه وكلامه وجميع صفاته. ولهذا قال أبو عمر بن عبد البر (٢): "أهل السُّنَّة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسُّنَّة، والإيمان بها وحملها على الحقيقة لا على المجاز، إلا أنهم لا يكيفون شيئًا من ذلك ولا يحدون فيه صفة محصورة" (٣).
وقد التبس على محمد أسد وجه الصواب في هذه المسألة، فظن أن البشر
стр. 220
لا يدركون إلا الصفات السلبية؛ أي: أن الله سبحانه ليس كذا، أما صفات الإثبات فما هي إلا مجازات عامة Generelized Metaphores، تنقل إلينا -وإن كانت بصورة ناقصة- فكرة عن وجود الله وفعله. وهذا الرأي ليس جديدًا، بل هو رأي قديم لبعض الفرق المنحرفة (١). والذي أوقع محمد أسد في هذا الخطأ كما وقع فيه من سبقه، هو الظن أن إطلاق هذه الأسماء والصفات وهي بلغة البشر يجعل الذهن ينصرف إلى المعهود للعقل البشري، مما يقع تحت تجاربه وذلك يوهم مماثلة بين الله ومخلوقاته. ولكن هذا خطأ إذ إن إطلاق صفة ما على الله سبحانه، وإطلاق الصفة نفسها على شيء من مخلوقاته لا يوجب تماثلًا أو تشابهًا. ومحمد أسد نفسه في ذات عبارته السابقة يثبت لله وجودًا وفعلًا Existance and activity، وكلنا يعلم أن الأشياء المبثوثة في هذا الكون لها وجود ولها نوع من الفعل، فكما أن الله موجود حقيقة، فكذلك الكون موجود حقيقة، وليس هذا مثل هذا. والله تعالى له ذات حقيقة، والمخلوقات لها ذوات حقيقة، وليست ذاته كذوات المخلوقات. وكذلك لله علم وسمع وبصر حقيقة، ولبعض المخلوقات علم وسمع وبصر حقيقة، وليس علمها وسمعها وبصرها مثل علم الله وسمعه وبصره. ولله كلام حقيقة وللبشر كلام حقيقة، وليس كلام الخالق مثل كلام المخلوقين، وهكذا سائر الأسماء والصفات. وهذا الموضع من فهمه فهمًا جيدًا وتدبره انكشف له غلط كثير من الأذكياء فيه (٢).
فالله عرّف نفسه إلى الخلق بلغتهم، واختار الألفاظ المناسبة التي تصف لهم ما غاب عنهم، وهذه الألفاظ تصف الغيب وصفًا حقيقيًا وليس وصفًا مجازيًا رمزيًا.
٢ - كلنا نؤمن يقينًا أن الله خلق هذا الكون وما فيه من نواميس وقوانين، ولكن هل تخلى الله عن الكون بعد خلقه ووقف متفرجًا عليه (سبحانه) وتركه لمجموعة من القوانين العمياء تتحكم فيه؟
هذا الظن المتهافت هو مفهوم سيد خان عن الكون والطبيعة، وبنظرة بسيطة يمكن لأي أحد أن يميز أن ثبات قوانين ونواميس الطبيعة، لا يعني أن هذه
стр. 221
القوانين تعمل بنفسها، بل إن أي قانون يحتاج لسلطة مهيمنة وقوة تُسَيِّر الأشياء وفقه. والذي خلق الكون ونواميسه هو الذي يدبر هذا الكون كيف شاء، بهذه النواميس والقوانين أو بغيرها قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾ [فاطر: ٤١]، وقال: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [الحج: ٦٥]، وسمى الله تعالى نفسه (الحي القيوم)؛ أي: القائم بتدبير خلقه (١). وأخبرنا عن نفسه أنه كل يوم هو في شأن، وجاء في معنى ذلك أن من شأنه أن يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل، ويحيي ويميت ويذل، ويرزق ويمنع، ويغفر ذنبًا ويكشف كربًا، ويجيب داعيًا (٢).
٣ - وإذا رسخت في الذهن الحقيقة البديهية السابقة، وهي أن هذا الكون وما فيه من قوانين طبيعية وسنن اجتماعية هي من خلق الله تعالى وتدبيره، فلن يكون خرق هذه القوانين بأي صورة من الصور أمرًا خرافيًا أسطوريًا. ولكن الذي يرسخ في ذهنه قيام هذا الكون بنفسه، واكتفاؤه عن خالقه، هو الذي يرى المعجزات في أي شكل من أشكالها ضربًا من الوهم والخيال. وبسبب تأثير هذا التصور المادي الإلحادي في العلوم العصرية، أنكرت العصرانية المعجزات والخوارق وقدحت خيالها لتقديم التأويلات المختلفة لها. وهذا الموقف هو سمة مشتركة للعصرانية في الغرب وعند المسلمين، متمثلًا في سيد خان ومحمد أسد، كما أنه انحراف قديم ظهر عند المسلمين عندما تأثروا بالفلسفة اليونانية، وهو انحراف لا صلة له بالعلم وبعيد عن العقل، إنما هو الظن القائم على النظرة المادية البحتة.
٤ - وبسبب هذه النظرة المادية البحتة، التي تحاول أن تقصر كل شيء في هذا الكون في الإطار المادي المحسوس، تجيء المحاولات الأخرى لتأويل أمور الغيب تأويلًا حسيًا، فيقال: إن النبوة ملكة إنسانية، والوحي حاسة سادسة في البشر ومرحلة عليا من العبقرية، والملائكة قوى الخير في النفس، والشياطين الإغراءات النفسية الشريرة، ووصف النعيم والعذاب ليس وصفًا لأمور حقيقة حسية إنما إشارات رمزية. . . وأمثال ذلك من التخيلات التي امتلأت بها قديمًا
стр. 222
كتب المتفلسفة من المسلمين وبعثت حية في هذا العصر باسم التجديد. والذي يغيب عن ذكاء هؤلاء الأذكياء أنهم يعتمدون في فهمهم لأمور الغيب على ما تدركه حواسهم، فهل يكون الحس والتجربة والملاحظة مصدرًا من مصادر معرفة الغيب؟ إن مسائل الغيب لا تدخل في دائرة اختصاص الحس والتجربة ولا يمكن نفيها أو إثباتها بهذا الطريق. إن المصدر الوحيد المتاح للبشر لمعرفة أمور الغيب هو الخبر الصادق عن طريق الأنبياء، وللمرء كامل الحرية أن يعلن كفره وإلحاده بتلك الأخبار ويخرج نفسه من دائرة المسلمين، ولكن لا يمكن أن يدخل نفسه في زمرة المسلمين ثم يفهم ويأول أخبار الأنبياء كيف شاء، في ضوء المعارف البشرية القاصرة المحدودة، ومهما كدّ ذهنه فإن تأويلاته لا تعدو أن تكون خيالات محضة مثل الروايات العلمية Science fiction، فهل يمكن أن تحل الروايات الأدبية محل حقائق العلم؟
ولهذا فما زال المؤمنون بأخبار الأنبياء في كل أمة يؤمنون بالوحي وبالملائكة، والجن والشياطين، وصفات الجنة والنار، كما جاءت صفاتها في هذه النصوص والأخبار، ويعدونها حقائق يقينية وليست رموزًا وأمثلة. فما جاءت به النصوص عن الوحي وكيفيته، وعن الملائكة وطبيعتهم، وحقيقة خلقهم وصفاتهم، وأصنافهم وأفعالهم، وعن الجن وماهيتهم وخصائصهم ومهامهم، وعن أنواع النعيم والعذاب الحسية والنفسية، كل ذلك وصف حقيقي لأمور واقعة، ويفهم بمعانيه المباشرة الظاهرة (١)؛ لأن تلك هي الطريقة العلمية الوحيدة، لمعرفة الإنسان بعالم الغيب الرحيب، التي لا تقوم على الحدس والتخمين.
منهج العصرانية في التفسير:
يتلخص منهج العصراية في التفسير في العبارة التالية (٢):
"في ضوء الظروف الجديدة وتوسع المعرفة الإنسانية، لا يمكنك الاعتماد في فهم القرآن على التفاسير القديمة، التي اشتملت على كثير من الخرافات.
стр. 223
ولكن ينبغي فهم النص القرآني من خلال معرفتنا وتجاربنا الذاتية. . . لأنه من مزايا القرآن الفذة أنه كلما ازدادت معرفتنا بهذا العالم وازدادت تجاربنا؛ تكشفت لنا آياته عن معان ثرة جديدة لم تخطر من قبل، وقد يختلف فهمنا لآية من القرآن مع فهم المفسرين الأوائل، وقد يكون هذا الاختلاف حادًا وواسعًا أحيانًا، بل ومتناقضًا مع آراء من سبقونا. ولا غبار في ذلك لأن المفسرين الأوائل فهموا نصوص القرآن على ضوء اللغة والسُّنَّة، جنبًا إلى جنب مع المعارف العامة المتاحة لهم، وما تجمع لدى المجتمع الإنساني حتى عصرهم من تجارب عامة".
إن التأمل في هذه العبارة وتحليلها يبعث في الذهن تساؤلين: ما الأساس الذي يعتمد عليه في فهم القرآن في كل عصر؟ وهل لازدياد المعرفة البشرية المستفادة من تجارب البشر الذاتية أثر في تفسير القرآن؟
أما الأساس الذي يعتمد عليه في فهم القرآن في كل عصر فما زال أصحاب الفكر المستقيم في كل عصر خلال أربعة عشر قرنًا يرون "أن الطريق المستقيم لتأويل القرآن وتفسير آياته هو أن يتفكر المرء في كلماته وصيغ الآية التي يريد أن يعرف معناها، من حيث اللغة أولًا ثم يضعها في سياقها، ثم يراجع ما ورد في مختلف مواضع القرآن من الآيات المتعلقة بنفس مضمونها، ويرى أي تفسير من تفاسيرها المتعددة المحتملة ينسجم مع هذه الآيات وأيها مخالف لما ورد فيها من المضمون، وبديهي أن قولًا لأحد إذا كان يحتمل تفسيرين أو أكثر فما العبرة إلا بتفسير هو على انسجام مع ما له من التصريحات الأخرى عن مضمون قوله. فإذا بذل المرء محاولته لمعرفة معنى القرآن بالقرآن إلى هذا الحد، فلينظر أي معنى يتقرر للآية قيد الدراسة على ضوء أقوال وأفعال من جاء بالقرآن -أي: محمد ﷺ -، وبأي وجه فسرها أولئك الذين كانوا من أتباعه في أقرب عصر لحياته.
إن أهمية السُّنَّة في تفسير القرآن تأتي من أن القرآن كتاب منزل من عند الله تعالى على محمد ﷺ ، ليبينه للناس ويعلمهم إياه، وحينئذ لابد من الاعتراف بأن مفهومه السليم الموثوق به هو ما أدركه ﷺ (١).
стр. 224
"ويجب أن يعلم أن النبي ﷺ بيَّن لأصحابه معاني القرآن كما بيَّن لهم ألفاظه، فقوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] يتناول هذا وهذا.
وقد قال أبو عبد الرحمن السلمي: حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن كعثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما، أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي ﷺ عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل (١)، قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعًا". ولهذا كانوا يبقون مدة في حفظ السورة، وأقام ابن عمر على حفظ البقرة عدة سنين.
ومن الأدلة على ذلك أن الله تعالى قال: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص: ٢٩] وقال: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [النساء: ٨٢] وقال: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ [المؤمنون: ٦٨] وتدبر الكلام بدون فهم معانيه لا يمكن.
وكذلك قال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣)﴾ [الزخرف: ٣] وعقل الكلام متضمن لفهمه. ومن المعلوم أن كل كلام فالمقصود منه فهم معانيه دون مجرد ألفاظه فالقرآن أولى بذلك. وأيضًا فالعادة تمنع أن يقرأ قوم كتابًا في فن من العلم كالطب والحساب ولا يستشرحوه، فكيف بكتاب الله تعالى الذي هو عصمتهم وبه نجاتهم وسعادتهم وقيام دينهم ودنياهم.
ومن التابعين من تلقى جميع التفسير عن الصحابة كما قال مجاهد: عرضت المصحف على ابن عباس أوقفه عند كل آية منه وأسأله عنها "والمقصود أن التابعين تلقوا التفسير عن الصحابة كما تلقوا عنهم علم السُّنَّة" (٢).
ومن مظاهر سوء الفهم أن يقول قائل أن النبي ﷺ لم يفسر جميع القرآن، وأن الصحابة لم يشرحوا إلا القليل منه، ذلك أن الشارح أو المفسر لأي كتاب لا يشرح إلا ما غمض من ذلك الكتاب، أما ما كان واضحًا في نفسه ولا يحتاج لبيان فلا يحتاج إلى شرح، ولهذا ما استوثق الرسول ﷺ من أن الصحابة يدركون معناه السليم، فلم يأت فيه بعبارات إضافية. وكذلك الصحابة حين نقلوا معانيه إلى من بعدهم. وهكذا استمرت الأجيال منذ عهد الصحابة، كل جيل ينقل إلى الجيل الذي يليه معاني القرآن، ووجد في كل عصر من يوضح للجيل الجديد ما
стр. 225
أشكل عليه منه. ومن المؤكد أن بين أيدينا اليوم مفهوم القرآن السليم الذي أدركه النبي ﷺ (١) لم يضع منه شيء. وهذا المفهوم السليم هو الذي ضمته كتب التفاسير التي بين أيدينا، والتي ضمت التفسير المأثور عن الصحابة والتابعين وإلا فأين يوجد؟
أثر المعرفة البشرية في فهم القرآن:
تتقدم المعارف البشرية المعتمدة على تجارب البشر الذاتية، وتزداد في كل يوم، وتكشف تبعًا لذلك أخطاء في معارف العصور الماضية، فهل يؤثر ذلك في فهم القرآن؟ وهل تتغير معاني القرآن تبعًا لتغير المعرفة البشرية المتاحة في كل عصر؟
من المعلوم أن القرآن قد اشتمل على جوامع الكلم، فالعبارة الوجيزة منه بل الكلمة الواحدة تحمل معنى كليًا وجامعًا، وهذا المعنى الكلي الأساسي يتسع للفهم، كلما ازداد التفكير فيه، وكلما ازدادت معارف البشر وازدادت تجاربهم، ولكن مما ينبغي التنبه له أن جميع المعاني الجديدة تنبع من ذلك المعنى الكلي الأساسي، ولا تناقضه ولا تخالفه، وإلا فلن تكون فهمًا صحيحًا للقرآن الكريم. قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣].
فكلما ازدادت معرفة البشر بالكون والآفاق، وبأقطار السموات والأرض وبأنفسهم، وبحوادث التاريخ ووقائعه، كلما تبينت أكثر فأكثر حقائق القرآن (٢).
يقول المودودي عن ذلك:
"إنه ما من ريب في أن الإنسان على قدر ما يزداد علمًا بالكون وحقائقه، يزداد بصيرة وعمقًا في مفاهيم القرآن، ولكن لا يدل ذلك على أنه بهذا الطريق يصير أكثر علمًا بالقرآن حتى من محمد ﷺ وتلاميذه المرتشفين بمناهل علمه مباشرة، ولا على أن أحدًا إذا تلقى قدرًا وافرًا من علم الفلك والطبيعيات والكيمياء وما إليها، فالمحتوم أن يعد من أكثر الناس وأحسنهم علمًا بالقرآن" (٣).
стр. 226
ومن هذه الإيضاحات يكون قد تبين وجه الخطأ في منهج العصرانية في تفسير القرآن، وهو أن المعاني الثرة الجديدة التي تتكشف للإنسان كلما ازداد معرفة بالكون وآفاقه، لا يمكن أن تناقض وتعارض المعاني الأساسية التي فهمها المفسرون الأوائل، ذلك أن تلك المعاني لم يكن مصدرها المعرفة البشرية، بل كان أساسها الفهم النبوي الكريم للقرآن. وبسبب الاعتماد على معارف البشر العصرية وحدها وفيها ما فيها من القصور والأخطاء، وبسبب إهمال تفاسير الأولين، وقعت العصرانية في انحرافات شنيعة في التفسير، وحسبنا أمثلة على ذلك تفسير سيد خان، ومحمد عبده، ومحمد أسد.
هل هناك منهج نقد حديث للسُّنَّة ؟
تقر العصرانية عمومًا بالسُّنَّة مصدرًا من مصادر التشريع، ولكنها تثير اعتراضات عديدة في وجه الحديث النبوي مما يجعل إقرارها نظريًا بحتًا. والذي يبحث في هذه الاعتراضات يجدها ادعاءات معادة ومكررة، منذ قرون الإسلام الأولى على أيدي الخوارج والشيعة والمعتزلة، وعلى أيدي المستشرقين وتلاميذهم في عصرنا الحاضر. فالاعتراض بتأخر كتابة الحديث وبتدوينه في عصر الاضطرابات السياسية مما يضعف الثقة والاعتماد على هذا التدوين؛ والاعتراض بأن المحدثين اهتموا بنقد سند الأحاديث فقط ولم يهتموا بنقد المتن؛ والاعتراض بأن الأحاديث التي يثبت المحدثون صحتها فيها ما يناقض القرآن؛ أو ما يناقض بعضها بعضًا؛ أو ما يناقض العقل والتجربة والعلوم البشرية؛ أو ما يناقض حقائق التاريخ الثابتة؛ والاعتراض بأن أحاديث الآحاد لا تقوم بها حجة (١)؛ وأمثالها من الاعتراضات كلها ادعاءات مشهورة ومعروفة؛ وتوفرت للرد عليها ونقدها كتب قديمة (٢)، ولا يتسع المجال هنا لتمحيص هذه الاعتراضات وإثبات ما فيها من أخطاء.
стр. 227
ولكن من أكبر دعاوى العصرانية دعوى أن مهمة المسلمين اليوم استخدام ما يسمى مقاييس النقد العصري على الأحاديث واستعمال المناهج الحديثة في توثيق النصوص وتحليل الحديث النبوي على ضوء ذلك، فلا يقبل منه إلا ما أثبتت المقاييس الحديثة صحته وسلامته، وبما أن هذا الموقف من الحديث النبوي موقف قوي الصلة بالفكرة الأساسية التي يقوم عليها بنيان العصرانية، وهي رفع شعار العصرانية والحكم على التراث في ضوء المعارف الحديثة، فلهذا كان لابد من إلقاء نظرة فاحصة هل هناك حقيقة منهج نقد حديث للأحاديث النبوية؟
لعل الأوفق أن نعطي أولًا لمحة عن منهج علماء الحديث في نقد الحديث، ثم نتناول الإجابة على السؤال المطروح. فمن المعروف أن نقد السُّنَّة يقوم على دعامتين: نقد السند ونقد المتن. أما نقد سند الحديث فهو نقد أهلية الرجال الذين نقلوا الحديث، والمقصود منه التحقق من أن الناقل للحديث يحمل من المؤهلات ما تجعلنا نثق في خبره، وأهم هذه المؤهلات أمران: صدق الحديث ويستدل على ذلك بسيرته وحسن أخلاقه واستقامة سلوكه وهو ما يسميه علماء الحديث بالعدالة، وثانيهما أن تكون ذاكرته قوية إذا كان ينقل الحديث من حفظه، أو يكون المصدر الذي ينقل منه موثوقًا به إذا كان يحدث من كتاب، وهذا ما يسميه علماء الحديث بالضبط "ويلاحظ الباحث المتفحص أن الأسس والأركان الأساسية لعلم الرواية ونقل الأخبار، موجودة في الكتاب العزيز والسُّنَّة النبوية، فقد جاء في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦]، وجاء في السُّنَّة قوله ﷺ : "نضّر الله امرأ سمع منا شيئًا فبلغه كما سمعه فرب مبلغ أوعى من سامع" (الترمذي كتاب العلم وقال عنه: حسن صحيح) ففي هذه الآية الكريمة وهذا الحديث الشريف مبدأ التثبت في أخذ الأخبار وكيفية ضبطها بالانتباه لها ووعيها والتدقيق في نقلها للآخرين" (١).
أما نقد المتن فهو نقد محتوى الحديث وقد اهتم به علماء الحديث، ووضعوا له قواعد وردوا بها كثيرًا من الأحاديث الموضوعة. وقد لخص الأستاذ مصطفى السباعي في كتابه القيم "السُّنَّة ومكانتها من التشريع الإسلامي" هذه
стр. 228
القواعد وبلغ بها خمس عشرة قاعدة (١) وهي كالتالي:
١ - ألا يكون الحديث ركيك اللفظ لا يقوله بليغ أو فصيح فـ"إن للحديث ضوءًا كضوء النهار".
٢ - ألا يكون مخالفًا لبدهيات العقول بحيث لا يمكن تأويله مثل "إن سفينة نوح طافت بالبيت سبعًا وصلَّت عند المقام ركعتين".
٣ - ألا يكون مخالفًا للقواعد العامة في الحكم والأخلاق مثل "جور الترك ولا عدل العرب".
٤ - ألا يكون مخالفًا للحس والمشاهدة مثل "لا يولد بعد المائة مولود لله فيه حاجة".
٥ - ألا يخالف البديهي في الطب مثل "الباذنجان شفاء من كل داء".
٦ - ألا يكون داعية إلى رذيلة تتبرأ منها الشرائع مثل "النظر إلى الوجه الحسن يجلي البصر".
٧ - ألا يخالف المعقول في أصول العقيدة من صفات الله ورسله مثل "إن الله خلق الفرس فأجراها فعرقت فخلق نفسه منها".
٨ - ألا يكون مخالفًا لسُنَّة الله في الكون والإنسان مثل حديث عوج بن عنق وأن طوله ثلاثة آلاف ذراع.
٩ - ألا يشتمل على سخافات وسماجات يصان عنها العقلاء مثل "الديك الأبيض حبيبي، وحبيب حبيبي جبريل".
١٠ - ألا يخالف القرآن أو محكم السُّنَّة بحيث لا يحتمل التأويل مثل "ولد الزنا لا يدخل الجنة إلى سبعة أبناء" فإنه مخالف لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] ومثل: "إذا حدثتم عني بحديث يوافق الحق فخذوا به حدثت أو لم أحدث" فإنه مخالف للحديث المتواتر "من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار".
стр. 229
١١ - ألا يكون مخالفًا للحقائق التاريخية المعروفة عن عصر النبي ﷺ ، مثل حديث أن النبي ﷺ وضع الجزية على أهل خيبر، بشهادة سعد بن معاذ وكتابة معاوية بن أبي سفيان، مع أن الثابت في التاريخ أن الجزية لم تكن معروفة ولا مشروعة في عام خيبر، وإنما نزلت آية الجزية بعد عام تبوك، وأن سعد بن معاذ توفي قبل ذلك في غزوة الخندق، وأن معاوية إنما أسلم زمن الفتح. فحقائق التاريخ ترد هذا الحديث وتحكم عليه بالوضع.
١٢ - ألا يوافق مذهب الراوي الداعي إلى مذهبه مثل أن يروي رافضيٌّ حديثًا في فضائل أهل البيت، مثل ما رواه حبة بن جدين قال: سمعت عليًا ﵁ قال: "عبدت الله مع رسوله قبل أن يعبده أحد من هذه الأمة خمس سنين أو سبع سنين". قال ابن حبان: "كان حبة غاليًا في التشيع واهيًا في الحديث".
١٣ - أن يخبر الحديث عن أمر وقع بمشهد عظيم، ثم ينفرد راو واحد بروايته، مثل حديث (غدير خم) الذي يدعي أن النبي ﷺ نص فيه صراحة على خلافة علي بن أبي طالب، فإن من إمارات الوضع في هذا الحديث أن يصرح بوقوعه على مشهد من الصحابة جميعًا، ثم يقع بعد ذلك أن يتفقوا جميعًا على كتمانه حين استخلاف أبي بكر الصديق ﵁.
١٤ - ألا يكون ناشئًا عن باعث نفسي حمل الراوي على روايته.
١٥ - ألا يكون مشتملًا على إفراط في الثواب العظيم على الفعل الصغير والمبالغة بالوعيد الشديد على الأمر الحقير.
أين منهج النقد الحديث:
لا أحد حتى الآن من العصرانيين أو غيرهم قدم منهجًا متكاملًا يمكن أن يعتبر منهجًا حديثًا لنقد الأحاديث النبوية، ولا يعدو الأمر أن يكون دعوى وضجة عن ضعف مناهج الأقدمين وإمكانية تقديم منهج عصري، أما أين هذا المنهج فلم تتفتق عنه عبقريتهم بعد. وحدث ولا حرج عن الجرأة الشديدة في الادعاء، والقصور والعجز البالغ عند المطالبة بإبراز أي شيء من هذا المنهج.
ومن المحاولات في هذا المجال أن سيد خان يشترط لقبول الأحاديث أن تتفق مع نص وروح القرآن، وأن تتفق مع العقل والتجربة البشرية، وألا تناقض
стр. 230
حقائق التاريخ الثابتة (١)، فهل هذه قواعد جديدة؟
من مراجعة القائمة الماضية لقواعد النقد نجد أنها قد ضمت هذه القواعد بل وزادت عليها (٢)، فمن البديهي أن وظيفة السُّنَّة أن تبين وتوضح ما في القرآن ولهذا لا يمكن أن تناقض القرآن، وكل ما أثبتت كتب الأحاديث صحته عن الرسول ﷺ فكله موافق لنص القرآن لا يخالفه البتة ولا يناقضه. أما شرط موافقة "روح القرآن" فكلمة روح كلمة عامة جدًا، وليس لها معنى محدد، وبإمكان كل أحد أن يدعي أن روح القرآن هي كذا، وليس لذلك أية ضوابط، ولا يمكن قبول نقد الأحاديث بمثل هذا التعميم.
أما ما يتفق من الحديث مع العقل وتجارب البشر وعلومهم فهل يماري في ذلك أحد؟ ولكن السؤال هو: أي عقل هو المقصود؟ وأي علوم البشر وتجاربهم هي المرادة؟ إن العقل البشري متفاوت في حكمه على الأشياء، وعلوم البشر وتجاربهم منها ما هو محض افتراضات ونظريات تقوم على الحدس والتخمين، وما يثبته العلم اليوم ينفيه غدًا، أما الحقائق العقلية الصريحة، والحقائق العلمية القطعية، فلا تناقضها الأحاديث الصحيحة التي أثبتها أئمة الحديث. وقد قال النبي ﷺ للذي جرب شرب العسل وادعى أن التجربة البشرية لم تثبت أن العسل شفاء- قال له: "صدق الله وكذب بطن أخيك" (٣)، فكلام الله تعالى صدق كله، وكلام الرسول صدق كله، والتجربة البشرية تصدق وتكذب.
والقاعدة الثالثة التي يشترطها سيد خان في الأحاديث ألا تناقض حقائق التاريخ الثابتة، وهذه جملة تحتاج إلى فحص. فبأي شيء تثبت وقائع التاريخ وبأي شيء تصبح حقيقة قطعية لا تقبل النقض؟ هل الفروض التي تبنى على الحفريات والأحجار وهياكل الموتى هي حقائق تاريخية تعارض الأحاديث؟ هل أقاصيص المؤرخين ورواياتهم للحدث الواحد المتناقضة ومشاربهم وميولهم المختلفة التي تؤثر في تسجيلهم للأخبار. . . هل كل ذلك حقائق تاريخية ثابتة؟.
وهكذا فمع أن سيد خان يقدم قواعد تتفق مع القواعد التي قدمها علماء
стр. 231
الحديث، إلا أن الطريقة التي يستخدم بها سيد خان هذه القواعد، والحرية الواسعة التي يمارس بها استعمالها، تختلف اختلافًا جوهريًا عن طريقة علماء الحديث.
"نعم إن العلماء ﵏ لم يستعملوا تلك المقاييس إلا في النطاق الذي لابد منه، فلم يردوا حديثًا إلا بعد تعذر التأويل بحيث يتحقق فيه على وجه التأكيد فقد شرط من شروط الصحة ووجود علامة من علامات الوضع، وقد جعلوا عمدتهم الأولى نقد السند وبه أزاحوا من طريق السُّنَّة آلافًا بل عشرات الألوف من الأحاديث المكذوبة، ثم نقدوا المتن في الحدود التي ذكرناها على نطاق ضيق إذ كانوا متثبتين، لا يلقون الكلام على عواهنه ولا يجازفون في دين الله بالهوى والعاطفة.
وعذر العلماء ﵏ واضح فيما فعلوه، ذلك بأنهم إنما يبحثون في أحاديث تنسب إلى النبي ﷺ ، وللنبي ظروف خاصة به تجعل مقاييس النقد في حديثه أدق وأصعب من مقياس النقد في أحاديث الناس؛ لأنه رسول يتلقى الوحي من الله أوتي جوامع الكلم وأعطي سلطة التشريع، وأحاط من أسرار الغيب بما لم يحط به إنسان عادي.
ومن هنا ضيّق علماؤنا دائرة نقد المتن بمقدار ما وسعوا في دائرة نقد السند؛ لأن الذين ينقد حالهم في السند رجال يجري عليهم من القوانين ما يجري على الناس جميعًا، أما المتن فإنه كلام ينسب إلى من هو فوق البشرية في علومه ومعارفه واستعداده.
فقد يخرج كلامه مخرج المجاز لا الحقيقة -كما فعل القرآن كثيرًا- فيتوهم من ينظر فيه لأول مرة أنه غير صحيح، بينما المراد منه غير حقيقته اللغوية التي تتبادر إلى الذهن.
وقد يخرج كلامه مخرج الإخبار عن المغيبات التي تقع في مستقبل الزمان، ولم يكن وقت النقد قد حان زمن تحققها فلا يصح التسرع في الإنكار.
وقد يخرج كلامه مخرج الإخبار عن حقائق علمية، لم تكتشف في عصر الرسالة ولا في عصور الناقدين، وإنما تكتشف فيما بعد كحديث ولوغ الكلب في الإناء فقد أثبت العلم الحديث صحة ما جاء فيه، بينما عدها علماؤنا من قبل من الأمور التعبدية التي لا يحيط الناس بمعناها وحكمتها.
стр. 232
كل هذا يجعل علماؤنا ﵏ على حق في تثبتهم وتأنيهم في رد الأحاديث إذا بدت عليها بادرة شبهة، أو تردد العقل في فهمها ولم يجزم باستحالتها بعد تأكدهم من صحة السند وسلامة رجاله من أن يكون فيهم كذاب أو ضعيف أو متهم" (١).
الاجتهاد في أصول الفقه:
من أولى المسائل في أصول الفقه التي تثير العصرانية حولها الغبار هذه القضية: هل بالإمكان حدوث تطور جديد في أصول الفقه؟
لعل إقبال من أوائل من أثاروا هذه المسألة، وناقش في كتابه "تجديد الفكر الديني في الإسلام" الأصول الأربعة: الكتاب والسُّنَّة، والإجماع والقياس، والرأي عنده "إن ما ينادي به الجيل الحاضر من أحرار الفكر في الإسلام، من تفسير أصول المبادئ التشريعية تفسيرًا جديدًا، على ضوء تجاربهم وعلى هدي ما تقلب على حياة العصر من أحوال متغايرة هو رأي له ما يسوغه كل التسويغ" (٢).
وتبنت الدعوة إلى الاجتهاد في أصول الفقه مجلة المسلم المعاصر إذ كتب مؤسسها د. جمال الدين عطية في كلمة التحرير لأول عدد صدر منها واصفًا المجلة بأنها "مجلة الاجتهاد" وأنها ". . تنطلق من ضرورة الاجتهاد وتتخذه طريقًا فكريًا، ولا تكتفي بالبحث في ضرورة فتح باب الاجتهاد في فروع الفقه بل تتعداه إلى بحوث الاجتهاد في أصول الفقه" (٣). واشتملت المجلة في العدد نفسه والأعداد التالية على بعض المقالات عن هذا الموضوع (٤).
ويردد هذه الدعوة آخرون منهم الدكتور أحمد كمال أبو المجد، إذ كتب يقول: "والاجتهاد الذي نحتاج إليه اليوم ويحتاج إليه المسلمون ليس اجتهادًا في
стр. 233
الفروع وحدها، وإنما في الأصول كذلك، وكم من مسألة تواجه المسلمين اليوم، فإذا بحثوها وأعملوا الجهد طلبًا لحكم الإسلام فيها، أفضى بحثهم إلى وقفة مع الأصول. . . وليس ما تردده الكثرة الغالبة من المعاصرين، من امتناع الاجتهاد في الأصول، إلا التزامًا بما لا يلزم وتقصيرًا في بذل الجهد بحثًا عما ينفع الناس" (١).
وحتى لا يضيع الفكر في متاهات من التعميمات، فإن الخطوة الأولى لتلمس الحقيقة في هذا الموضوع الخطير، تبدأ بتحديد ما المقصود بالاجتهاد في أصول الفقه.
قد يكون المقصود من ذلك عدة أمور نجملها فيما يلي:
١ - استحداث قواعد جديدة في أصول الفقه لم تكن معروفة من قبل ولم يصل إليها السابقون. وهذا هو المعنى المتبادر عادة من كلمة اجتهاد بمعناها الاصطلاحي إذ أن الاجتهاد في الفقه عادة ينصرف إلى استنباط أحكام جديدة للحوادث الطارئة.
فإذا كان هذا هو المقصود من الاجتهاد في أصول الفقه، فأين هذه القواعد الجديدة المستحدثة؟ فبدلًا من إثارة الضجيج وضرب الطبول عن إمكان الاجتهاد أو عدم إمكانه، فمن كانت عنده قواعد جديدة فليأت بها، وليطلع العالم عليها وحينئذ فقط تتحقق إن كانت هي بحق قواعد علمية تقوم على الدليل والبرهان، أم أنها محض تخرصات وأهواء شخصية. وفيما أعلم لا أحد قدم قواعد جديدة.
٢ - وقد يكون المقصود من الاجتهاد عدم التقليد في أصول الفقه، بمعنى أنه لا تقبل الآراء فيه إلا بحجة ودليل، حتى لو أثبتها الأوائل، ويظل الباب مفتوحًا للترجيح بين الآراء المتنازع فيها والمختلف فيها.
ولا ريب أن هذا معنى صحيح وهل يخطر ببال كل ذي عقل أن الاستمساك بتقليد آراء الرجال والإذعان لها دون حجة ودليل أمر محمود؟ لا أظن أحدًا من الأوائل دعا إلى ذلك ولا يرتضيه أحد من المعاصرين. وهذه هي
стр. 234
كتب أصول الفقه قديمها وحديثها مشحونة بسوق الآراء والأدلة عليها والترجيح بينها.
٣ - وقد يكون المقصود بالاجتهاد توسيع وتفصيل بعض القواعد التي بحثها علم أصول الفقه. وقد أوضح هذا المعنى أحد الذين تناولوا هذا الموضع فقال: ". . . وهناك مسائل تتعلق بالأصول تحتاج إلى مزيد إيضاح وتفصيل، من ذلك تقسيم السُّنَّة إلى تشريعية وغير تشريعية. . . ومن ذلك الإجماع إذا كان مبنيًا على أمر مصلحي زمني قابل للتغير والتطور بتغير الزمان والمكان والحال. . . وهذا يجر إلى قضية أخرى، وهي قضية تغير الأحكام أو تغير الفتوى بتغير الأزمان، وما ينبغي أن يوضع لها من حدود وضوابط. . . إلى غير ذلك من القضايا والموضوعات التي يكشف عنها طول البحث والنظر في الفقه وأصوله، وتطبيقاته في هذا العصر. . . وهذا كله يفسح الميدان لدعاة الاجتهاد ولو كان في أصول الفقه ذاتها" (١).
ولما كانت القضايا المثارة تحت هذا المعنى للاجتهاد في أصول الفقه، تستحق مزيدًا من الفحص والتمعن حتى تسفر الحقيقة عن وجهها، ويتضح ما إذا كانت الدعوة للاجتهاد صادقة أم كاذبة، كان لابد من إخضاع هذه القضايا للبحث. فإذا ظهر أن هناك اجتهادًا معاصرًا في هذه المسائل، كان الاجتهاد في أصول الفقه أمرًا واقعًا، وإن ظهر أن دعوى الاجتهاد في هذه الأمور لا تقوم على أساس، اتضح أن إمكان الاجتهاد في أصول الفقه لا يعدو أن يكون إمكانًا نظريًا بحتًا حتى الآن.
السُّنَّة التشريعية وغير التشريعية:
يقوم مبدأ تقسيم السُّنَّة إلى تشريعية وغير تشريعية على مبدأ التمييز بين بشرية الرسول ونبوته. ومن القضايا التي تلتقي فيها العصرانية في الشرق والغرب يهوديها ونصرانيها ومسلمها هذه القضية، التي يعبر عنها أحيانًا بمبدأ التمييز بين ما هو إلهي Divine وبشري Human في الدين. ولعل لليهود والنصارى عذرهم
стр. 235
في المناداة بهذا المبدأ؛ لأن الحاخامات والباباوات عندهم زعمت أن كل ما يصدر منها هو وحي من عند الله، وادعت هذه الطبقة لنفسها العصمة من الخطأ في آرائها وأقوالها، بل وبلغ التطرف نهايته في المسيحية في ادعاء ألوهية المسيح. ولهذا كانت المطالبة بفصل ما هو إلهي ومصدره الإله، عما هو بشري ومصدره البشر، وتأكيد بشرية المسيح مطالبة لها مسوغاتها ودوافعها في اليهودية والمسيحية (١)، إذ قصد من ذلك إزاحة القدسية عن الإضافات البشرية للكتب المقدسة، وإزاحة القدسية عن طبقة رجال الدين، واعتبارهم في منزلة عادية كسائر البشر، واعتبار آرائهم وتفسيراتهم للدين آراء بشرية تخضع للنقد وتقبل الخطأ والصواب.
وقد اتخذت فكرة الفصل بين الجزء الإلهي في الدين والجزء البشري مبدأين في الإسلام على أيدي العصرانيين:
الأول: التمييز بين بشرية النبي ﷺ ونبوته.
الثاني: التمييز بين شريعة الله وشريعة الفقهاء.
ونتحدث هنا عن المبدأ الأول، أما المبدأ الثاني فسوف يأتي الحديث عنه، إن شاء الله.
ويشرح عبد الوهاب خلاف مبدأ التمييز بين بشرية النبي ﷺ ونبوته، فيقول تحت عنوان: "ما ليس تشريعًا من أقوال الرسول وأفعاله":
"ما صدر عن رسول الله ﷺ من أقوال وأفعال، إنما يكون حجة على المسلمين واجبًا اتباعه، إذا صدر عنه بوصفه أنه رسول الله، وكان مقصودًا به التشريع العام والاقتداء. وذلك أن الرسول ﷺ إنسان كسائر الناس، اصطفاه الله رسولًا إليهم، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الكهف: ١١٠].
١ - فما صدر عنه بمقتضى طبيعته الإنسانية من قيام وقعود، ومشي ونوم، وأكل وشرب فليس تشريعًا؛ لأن هذا ليس مصدره رسالته ولكن مصدره إنسانيته، لكن إذا صدر منه فعل إنساني ودل دليل على أن المقصود من فعله الاقتداء به، كان تشريعًا بهذا الدليل.
стр. 236
٢ - وما صدر عنه بمقتضى الخبرة الإنسانية والحذق والتجارب في الشؤون الدنيوية، من اتجار أو زراعة، أو تنظيم جيش أو تدبير حربي، أو وصف دواء لمرض أو أمثال هذا، فليس تشريعًا أيضًا؛ لأنه ليس صادرا عن رسالته، وإنما هو صادر عن خبرته الدنيوية وتقديره الشخصي، ولهذا لما رأى في بعض غزواته أن ينزل الجند في مكان معين، قال له بعض صحابته: أهذا منزل أنزلكه الله أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ فقال: "بل هو الرأي والحرب والمكيدة"، فقال الصحابي: ليس هذا بمنزل، وأشار بإنزال الجند في مكان آخر لأسباب حربية بيَّنها الصحابي.
ولما رأى الرسول أهل المدينة يؤبرون النخل أشار عليهم ألا يؤبروا، فتركوا التأبير (يعني: التلقيح) وتلف التمر فقال لهم: "أبروا، أنتم أعلم بأمور دنياكم".
٣ - وما صدر عن رسول الله ودل الدليل الشرعي على أنه خاص به وأنه ليس أسوة فيه فليس تشريعًا عامًا، كتزوجه بأكثر من أربع زوجات لأن قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣] دل على أن الحد الأعلى لعدد الزوجات أربع، وكاكتفائه في إثبات الدعوى بشهادة خزيمة وحده لأن النصوص صريحة في أن البينة شاهدان.
ويراعى أن قضاء الرسول في خصومة يشتمل على أمرين: أحدهما إثباته وقائع، وثانيهما حكمه على تقدير ثبوت الوقائع. فإثبات الوقائع أمر تقديري له وليس بتشريع، وأما حكمه بعد تقدير ثبوت الوقائع فهو تشريع. ولهذا روى البخاري ومسلم عن أم سلمة أن رسول الله سمع خصومة بباب حجرته فخرج إليهم فقال: "إنما أنا بشر وأنه يأتيني الخصوم، فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض فأحسب أنه صادق فأقضي له بذلك، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار فليأخذها أو ليتركها".
والخلاصة أن ما صدر عن رسول الله ﷺ من أقوال وأفعال في حال من الحالات الثلاث التي بيَّنَّاها، فهو من سُنَّته ولكنه ليس تشريعًا ولا قانونًا واجبًا اتباعه، وأما ما صدر من أقوال وأفعال بوصف أنه رسول ومقصود به التشريع العام واقتداء المسلمين به فهو حجة على المسلمين وقانون واجب اتباعه" (١).
стр. 237
ومبدأ تقسيم السُّنَّة إلى تشريعية وغير تشريعية من المبادئ الهامة عند سيد خان، وقد نقلنا هذا الرأي من قبل عنه، وقلنا: إنه حتى الأحاديث التي يقبلها وتصح فيها شروطه فهو يقسمها إلى قسمين: أحاديث خاصة بالأمور الدينية وأحاديث خاصة بالأمور الدنيوية، فالأحاديث في دائرة أمور الدين هي الملزمة عنده وعلى المسلمين أن يستمسكوا بها، أما الأحاديث في أمور الدنيا فهي غير داخلة في مهمة الرسول ﷺ مطلقًا، ويرى أن كل ما جاء في هذا المجال فهو خاص بظروف العرب وحالتهم في زمان النبوة، وتشمل الأمور الدنيوية كل المسائل السياسية والإدارية والاجتماعية والاقتصادية، أما أمور الدين فهي تختص فقط بالعقائد والعبادات (١).
ولا ينفرد سيد خان بتوسيع دائرة السُّنَّة غير التشريعية إلى الحد الذي شرحناه، بل يشاركه في هذا الرأي آخرون، وهذا يدل على مدى خطورة هذا المبدأ، إذ إنه عمليًا ينتهي إلى حصر الدين في مجموعة العقائد والعبادات فقط. يقول أحمد كمال أبو المجد: "إن كثيرًا من أقواله وأفعاله (يعني: الرسول ﷺ ) قد صدرت عنه بحكم تلك البشرية، دون أن يكون المقصود منها التشريع وتقرير الأحكام الملزمة للناس من بعده" (٢)، وفيما يبدو أن هذا رأي محمد سليم العوا في بحثه لهذا الموضوع (٣).
فما هي الحجج التي تساق لتقسيم السُّنَّة إلى تشريعية وغير تشريعية؟
يعتمد أصحاب هذا الرأي على عدد من الأدلة والحجج، ونناقش فيما يلي ما أورده الشيخ خلاف فيما نقل عنه قبل قليل، وما يورده غيره.
الحجة الأولى: أفعال الرسول الجبلية:
يقال: إن من السُّنَّة غير التشريعية ما صدر من الرسول ﷺ من أفعال بمقتضى جبلته البشرية وطبيعته الإنسانية، مثل حركات الجسم وتصرفات الأعضاء، أو القيام أو القعود في بعض المواطن أو في بعض الأزمنة اتفاقًا؛
стр. 238
وفي حقيقة الأمر إن في هذا النوع من أفعال الرسول نوعًا من الاشتباه، يوقع بعض الناس في اللبس. وممن شرح هذا الأمر شرحًا وافيًا العلامة الشوكاني، فأوضح أن هذا النوع من الأفعال ليس فيه أسوة أو قدوة، ولا يتعلق به أمر باتباعه أو نهي عن مخالفته، ولكن مع ذلك فإن هذه الأفعال تدل على إباحتها، والإباحة من الأحكام الشرعية (١).
ومن التأمل في هذا النوع من الأفعال الجبلية، يتضح أنها تلك الأعمال التي لا اختيار للمرء لهيئتها وكيفيتها، تمامًا مثل الصفات الخلقية. فكما لا يتأسى بالرسول ﷺ في صفاته الخلقية في لونه وطوله وصفة وجهه، فكذلك لا يتأسى به في أفعاله الجبلية؛ لأن ذلك التأسي لا يملكه أحد، ولا يدخل في اختياره، ولا يقدر عليه حتى لو أراده.
وعلى هذا فمن يطلق على هذه الأفعال أنها ليست تشريعية، بمعنى أنه ليس فيها تأس ولا اقتداء فهو إطلاق صحيح. ومن قال أن هذه الأفعال تشريعية لأنها تدل على حكم شرعي وهو الإباحة، والتشريع يتنوع إلى إباحة وندب وواجب وغيره، فهو أيضًا مصيب. وعلى هذا فلابد من تحديد ما المقصود بكلمة تشريع أو غير تشريع، فإن الغموض في تحديد معاني المصطلحات يوقع في اللبس. والمعاصرون الذين بحثوا السُّنَّة غير التشريعية، لم يحددوا معناها بكل دقة وضبط، ويوهم كلامهم أن المراد أن من سُنَّة النبي ﷺ ما ليس بتشريع، بمعنى أن منها ما لا يدل على حكم شرعي، حتى لو كان هذا الحكم الإباحة، وهو معنى خاطئ لا شك فيه. أما إذا كانوا يقصدون من مصطلح السُّنَّة غير التشريعية، أنه تلك السُّنَّة التي ليس فيها إلزام، بمعنى أنها لا تدل على فرض أو حرمة، ولا تدل على ندب أو كراهة، بل تدل على إباحة، فصبيان المدارس يعلمون أن المباح من أقسام السُّنَّة، وهل ادعى أحد أن كل السُّنَّة في درجة واحدة من درجات الإلزام؟ ثم هل الإباحة ليست من التشريع؟ أليس تحليل الحلال من أهم مقتضيات الإيمان؟ ألا يقدح في الإيمان تحريم الحلال أو تحليل الحرام؟ فإذا
стр. 239
كان الحل والجواز يمثل هذه الأهمية، فكيف تكون السُّنَّة التي تدل على هذا الحل وهذه الإباحية سُنَّة غير تشريعية؟
الحجة الثانية: خطط الرسول الحربية:
وقد استدل على تقسيم السُّنَّة إلى تشريعية وغير تشريعية بحادثة مشورة الحباب بن المنذر في غزوة بدر حين قال للنبي ﷺ : يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل، أمنزلًا أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال: "بل هو الرأي والحرب والمكيدة". قال: يا رسول الله، فإن هذا ليس بمنزل ثم أشار عليه بأن ينزل منزلًا آخر (١).
وقد جعلت هذه الحادثة دليلًا على أن تدبير الحروب من أقسام السُّنَّة غير التشريعية، وتأتي على هذا الاستدلال اعتراضات أساسية:
١ - الحادثة نفسها غير ثابتة، فقد رواها ابن هشام في سيرته وفي روايته لها جهالة، ورواها الحاكم وفي سندها من لا يعرف، وقال عنها الذهبي: حديث منكر، وذكرها ابن كثير في البداية والنهاية وفي رواتها متهم (٢). وإذا كانت الحادثة غير ثابتة فلا تقوم بها حجة.
٢ - وعلى فرض صحة ثبوت الحادثة فما وجه الدليل فيها؟ هل لأن النبي ﷺ صدر فيها عن رأيه من غير وحي، ولهذا فهي سُنَّة غير تشريعية، أم لأنه استشار أصحابه في الأمر ونزل عن رأيه لرأيهم.
فعلى الصحيح من رأي العلماء أن النبي ﷺ كان يجتهد برأيه أحيانًا، من غير وحي، في بعض أحكام الشرع، وأحيانًا كان يشاور أصحابه في أمور لا يشك أنها من الأمور الدينية. فقد روي "أنه شاور أبا بكر وعمر ﵄ في مفاداة الأسارى يوم بدر، فأشار عليه أبو بكر بأن يفادي بهم ومال رأيه إلى ذلك حتى نزل قوله تعالى: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨)﴾ [الأنفال: ٦٨]. ومفاداة الأسير بالمال جوازه وفساده من أحكام الشرع ومما هو
стр. 240
حق الله تعالى، وقد شاور فيه أصحابه وعمل فيه بالرأي إلى أن نزل الوحي بخلاف ما رآه. وقد شاورهم فيما يكون جامعًا لهم في أوقات الصلاة ليؤدوها بالجماعة، ثم لما جاء عبد الله بن زيد ﵁ وذكر ما رأى في المنام من أمر الأذان فأخذ به، وقال: "ألقها على بلال"، ومعلوم أنه أخذ بذلك بطريق الرأي دون طريق الوحي، ألا ترى أنه لما أتى عمر وأخبره أنه رأى مثل ذلك قال: "الله أكبر هذا أثبت"، ولو كان قد نزل عليه الوحي به لم يكن لهذا الكلام معنى، ولا شك أن حكم الأذان مما هو من حق الله، ثم جوز العمل فيه بالرأي" (١).
فإذا قيل: إن السُّنَّة غير التشريعية هي التي تصدر عن رأي الرسول من غير وحي، إذ أنها حينئذ صادرة عنه بوصفه بشرًا، فهلَّا قيل أن الأذان من السُّنَّة غير التشريعية؛ لأنه صدر عن رأي من غير وحي، أو هلَّا قيل: إن مسألة مفاداة الأسرى من السُّنَّة غير التشريعية؛ لأن الرسول قد حكم فيها برأيه ثم خطأه الوحي.
ولعله يحسن في هذا المقام أن نبين أنه لا فرق في سُنَّة النبي ﷺ بين أن يأتي بها الوحي أو تصدر عن رأيه، وذلك أنه بخلاف ما يكون من الرأي من غيره من المجتهدين فإن النبي لا يقر على الخطأ. فإذا بيَّن أمرًا من رأيه وأقر عليه كان ذلك صوابًا لا محالة، وصار ذلك بسكوت الوحي عليه وموافقته له ضمنًا، وإقراره عليه، وكأنه صدر من الوحي ابتداء. "والدليل على هذه القاعدة ما روي أن خولة ﵂ لما جاءت إليه تسأله عن ظهار زوجها منها قال: "ما أراك إلا قد حرمت عليه"، فقالت: إني أشتكي إلى الله، فأنزل الله تعالى قوله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ [المجادلة: ١] "وبيَّن فيها حكم الظهار" فعرفنا أنه كان يفتي بالرأي في أحكام الشرع، وكان لا يقر على الخطأ، وهذا لأنا أمرنا باتباعه، قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، وحين بيَّن بالرأي وأقر على ذلك كان اتباع ذلك فرضًا علينا لا محالة، فعرفنا أن ذلك هو الحق المتيقن به، ومثل ذلك لا يوجد في حق
стр. 241
الأمة فالمجتهد قد يخطئ" (١).
ولعله من الطريف حقًا أن نعلم أن ابن كثير أضاف إلى رواية حادثة الحباب بن المنذر، أن النبي ﷺ أتاه بعد ذلك جبريل، وملك، فقال له الملك: إن الله يقول لك أن الأمر هو الذي أمرك به الحباب بن المنذر (٢). فإذا قبلنا ثبوت حادثة الحباب هذه، فينبغي أن يعلم أن الوحي قد أقرها صراحة، فلا تكون راجعة إلى الرأي والخبرة وحدها.
الحجة الثالثة: حديث تلقيح النخل:
من أقوى حجج اشتمال السُّنَّة على أمور غير تشريعية، هي الشؤون الدنيوية، حديث تلقيح النخل الذي قال فيه النبي ﷺ : "أنتم أعلم بأمور دنياكم". وفيما يلي عدد من الروايات الصحيحة لهذا الحديث:
١ - عن موسى بن طلحة عن أبيه قال: مررت مع رسول الله ﷺ بقوم على رؤوس النخل، فقال: "ما يصنع هؤلاء؟ " فقالوا: يلقحونه، ويجعلون الذكر في الأنثى فتلقح، فقال رسول الله ﷺ : "ما أظن ذلك يغني شيئًا"، فأخبروا فتركوه. فأخبر رسول الله ﷺ بذلك فقال: "إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه فإني إنما ظننت ظنًا فلا تؤاخذوني بالظن، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئًا فخذوا به فإني لن أكذب على الله ". (رواه مسلم) (٣).
٢ - عن رافع بن خديج قال: قدم النبي ﷺ المدينة المنورة وهم يأبرون النخل (يلقحون النخل) فقال: "ما تصنعون؟ " قالوا: كنا نصنعه، قال: "لعلكم لو لم تفعلوا كان خيرًا"، فتركوه فنفضت (يعني: أسقطت ثمرها) قال: فذكروا ذلك له فقال: "إنما أنا بشر، اذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأيِّ فإنما أنا بشر" (رواه مسلم) (٤).
٣ - عن أنس أن النبي ﷺ مر بقوم يلقحون النخل فقال: "لو لم تفعلوا
стр. 242
لصلح" فخرجت شيصًا (الشيص هو التمر الرديء) فمر بهم فقال: "ما لنخلكم" قالوا: قلت: كذا كذا قال: "أنتم أعلم بأمور دنياكم" (رواه مسلم) (١).
٤ - عن عائشة أن النبي ﷺ سمع أصواتًا، فقال: "ما هذه الأصوات؟ " قالوا: النخل يؤبرونه يا رسول الله، فقال: "لو لم يفعلوا لصلحٍ"، فلم يؤبروا عامئذ فصار شيصًا، فذكروا ذلك للنبي ﷺ فقال: "إذا كان شيئا من أمر دنياكم فشأنكم به، وإذا كان شيئًا من أمر دينكم فإليَّ" (رواه أحمد بن حنبل) (٢).
ويقول الدكتور العوا عن هذا الحديث:
"ولو لم يكن غير هذا الحديث الشريف في تبيين أن سُنَّته ﷺ ليست كلها شرعًا لازمًا وقانونًا دائمًا لكفى. ففي نص عبارة الحديث بمختلف رواياته تبين أن ما يلزم اتباعه من سُنَّة رسول الله ﷺ ما كان مستندًا إلى الوحي فحسب، وذلك غالبه متعلق بأمور الدين وأقله متعلق بأمور الدنيا، وليس أوضح في الدلالة على هذا من قوله ﷺ : "إنما أنا بشر" "وأنتم أعلم بشؤون دنياكم" وكان بوسعه أن يقول: إني لا خبرة لي بالنخل -إذ ليس في مكة نخل- أو لا أحسن الزراعة فبلدي واد غير ذي زرع، ولكنه ﵊ تخير أحسن العبارات وأجمعها، وجل من حديثه في هذه المسألة الجزئية، قاعدة كلية عامة، مؤداها أنه في ما لا وحي فيه من شؤون الدنيا فالأمر للخبرة والتجربة والمصلحة، التي يحسن أرباب الأمر معرفتها دون من لا خبرة له به. فلم يكن الجواب قاصرًا على مسألة تلقيح النخل وإنما جاء شاملًا لكل أمر مما لم يأت فيه وحي بقرآن أو سُنَّة" (٣).
وفهم الحديث على هذا النحو قال به أيضًا سيد خان وعدد من المعاصرين، وتوسع فيه بعضهم حتى حصر الدين في العقائد والعبادات فقط، وللمرء أن يسأل هنا هل كان الناس يفهمون الحديث على هذا النحو قبل هؤلاء؟
من مطالعة شروح هذا الحديث والتعليقات عليه (٤)، ومن التأمل في رواياته تتجلى الأمور التالية:
стр. 243
١ - أن النبي ﷺ لم يصدر منه أمر للقوم بترك التلقيح ولم يصدر منه خبر أن التلقيح مفيد أو غير مفيد، بل هو قد ظن ظنا وأساء القوم فهم هذا الظن فتركوا التلقيح بناء عليه. يقول ابن تيمية موضحًا ذلك: ". . . والرسول ﷺ لم ينههم عن التلقيح، ولكن هم غلطوا في ظنهم أنه نهاهم، كما غلط من غلط في ظنه أن الخيط الأبيض والخيط الأسود هو الحبل الأبيض والأسود" (١).
ويؤكد النووي هذه الحقيقة فيقول: ". . . قال العلماء: ولم يكن هذا القول خبرًا، وإنما كان ظنًا كما بينه في هذه الروايات" (٢). والروايات التي يشير إليها النووي هي ما جاء أن النبي ﷺ قال: "ما أظن يغني ذلك شيئًا. ." فأخبروا بذلك فتركوه، وحين لم يثمر النخل قال: "إن كان ينفعهم فليصنعوه فإني إنما ظننت ظنًا فلا تؤاخذوني بالظن".
٢ - جاء في روايات هذا الحديث أن النبي ﷺ أضاف قائلًا: "أنتم أعلم بأمور دنياكم" وتضيف رواية أخرى أنه قال: "إذا كان شيئًا من أمر دنياكم فشأنكم به وإذا كان شيئًا من أمر دينكم فإلي".
فماذا يقصد الرسول ﷺ بأمور الدنيا؟
لدينا على الأقل مثال واحد عن المقصود بأمور الدنيا لا يثور حوله جدل، وهو تلقيح النخل، حتى هذا المثال الوحيد لم يصدر عن النبي فيه خبر صريح أو أمر جازم، وهكذا الحال في أقرب الأمور شبهًا بتلقيح النخل من أمور الفلاحة وما شابها، فإننا لا نجد خبرًا عن الرسول ﷺ عن كيفية خياطة الملابس مثلًا، أو عن كيفية صنع السيوف والدروع، وعن كيفية طبخ الأطعمة أو نصب الخيام، أو أمثالها من معايش الدنيا. فلما لم نجد ذلك علمنا أن النبي ﷺ لم تكن مهمته أن يبين هذه الأمور، وإنما مهمته أن يبين أمور الدين ولهذا قال لهم: "إذا كان شيئًا من أمر دنياكم فشأنكم به، وإذا كان شيئًا من أمر دينكم فإلي" وقال لهم: "أنتم أعلم بأمور دنياكم".
فكل ما بيَّنه الرسول ﷺ وجاءت به سُنَّته، فهو من أمور الدين، وأما
стр. 244
معايش الدنيا من مثل الأمور المذكورة، فلم يتعرض لها الرسول ببيان.
٣ - ومما يؤكد أن كل ما بيَّنه الرسول ﷺ فهو من أمور الدين شيئان:
الأول: أن النبي ﷺ لم يبين لنا فرقًا واضحًا في سُنَّته بين أمور الدنيا وأمور الدين، ولو كان مثل هذا التقسيم حقيقة قائمة لأوضح لنا كيف نميز بين القسمين تمييزًا لا نقع معه في لبس؛ لأن الحاجة لا شك ماسة لمثل هذا التمييز، فلما لم نجد بيانًا عن الرسول ﷺ مع قيام الحاجة إليه تأكدنا أن التقسيم إلى سُنَّة خاصة بأمور الدين وسُنَّة خاصة بأمور الدنيا تقسيم لا وجود له. وحتى أولئك الذين وقع في وهمهم هذا التقسيم لم يستطع أحد منهم أن يقدم معيارًا صحيحًا للتمييز بين ما ظنوه سُنَّة تشريعية وغير تشريعية، ولن يستطيعوا لأن هذا التمييز لا يقوم إلا في أذهانهم فقط.
والثاني: أن الصحابة والتابعين وأئمة المجتهدين والفقهاء وقادة الرأي والفكر خلال أربعة عشر قرنًا، لم يعرف عن أحد منهم أنه رد سُنَّة من سُنن الرسول ﷺ بحجة أنها خاصة بأمور الدنيا، مع كثرة اختلافهم ورد بعضهم على بعض عند تعارض الأدلة.
الحجة الرابعة: الأحاديث النبوية عن الطب:
يشرح المستشرق موريس بوكاي (١) هذه الحجة كالآتي:
هناك بعض الأحاديث غير المقبولة علميًا في مواضيع الطب والمعالجة، ومع أن هذه الأحاديث صحيحة؛ إلا أن الحديث قد يكون صحيحًا لا شك فيه، ولكنه قد يكون متعلقًا بشأن من شؤون الدنيا مما لا وحي فيه، وعندئذ لا فرق في ذلك بين النبي ﷺ وبين غيره من البشر لحديث: "أنتم أعلم بأمور دنياكم"، وهذه الأحاديث المتعلقة بموضوعات طبية، تعطينا صورة عن مفاهيم ذلك العصر وآرائهم في مثل هذه المواضيع الطبية.
وللتدليل على رأيه سرد عددًا من الأحاديث المتعلقة بالطب والتي يرى أنها لا تتفق مع حقائق العلم الحديث، وفيما يلي نقوم بتصنيف هذه الأحاديث التي ذكرها. وننظر هل صحيح أنها لا تتفق مع حقائق العلم الحديث؟ وهل صحيح
стр. 245
ما استنتجه من أنها ناشئة عن الخبرة في عصر الرسول ﷺ فقط؟
ويمكن تصنيف هذه الأحاديث على النحو التالي:
١ - الأحاديث المتعلقة بالعين والسحر. ولا أدري ما الحقيقة العلمية التي تناقض هذه الأحاديث؟ ففضلًا عن أن مسائل العين والسحر لا تدخل في نطاق الطب التجريبي الغربي الحديث، فإن القرآن قد أثبت أيضًا السحر والعين، ولا يوجد دليل علمي واحد ينفي وجودها، فكيف ينكر أمر تضافر على إثباته القرآن والسُّنَّة اعتمادًا على تصور مادي بحت لا يقوم إلا على الظن.
٢ - الأحاديث التي أشارت لبعض الخواص الطبية العلاجية لبعض الثمار مثل التمر أو الحبوب مثل الحبة السوداء، أو بعض الأغذية مثل لبن الناقة. ومن العجيب أن يستريب أحد فيما أخبر به النبي ﷺ من وجود خصائص علاجية. في هذه المواد، وإلا فمن أين تستخرج الأدوية قديمًا وحديثًا، ألا تستخرج من مثل هذه المواد.
٣ - الحديث الذي أخبر عن استخدام بول الإبل كدواء. ومن الثابت طبيًا أن البول حتى بول الإنسان ليس ضارًا إذا شرب، بل إن هناك أدوية فعالة جدًا تستخرج الآن من البول، وقد بدأت الدراسات الحديثة تتسع في هذا المضمار.
٤ - الأحاديث التي تشير إلى أن من أصول العلاج ثلاثًا: الكي والأشربة والجراحة (شرطة محجم) فهل تغيرت طرق العلاج هذه، أم كل ما هناك أنه قد أصبحت وسائل متقدمة لاستخدامها. (من مظاهر سوء الفهم حصر الكي أو غيره في كيفية معينة، فالحديث لم يتعرض لهذه الكيفية، إنما أشار فقط لأصول طرق العلاج).
٥ - الحديث الذي يشير إلى أن الذباب ينقل في بعض أجزاء جسمه سمومًا وأن في بعض أجزاء جسمه الأخرى مضادات لتلك السموم، وكل ما يمكن أن يقال من الناحية الطبية أن العلم لم يكتشف ذلك حتى الآن، ولكن هل يستطيع أحد أن يجزم بنفي إمكان اكتشاف ذلك مستقبلًا.
٦ - الحديث الذي يشير إلى أن الحمى من فيح جهنم وينصح بإبرادها بالماء. واستعمال الضمادات المثلجة لخفضها من طرق العلاج المستخدمة الآن، أما كون الحمى من فيح جهنم فهناك تفسيران لذلك: أولهما: أن حرارة الحمى
стр. 246
شبيهة بحرارة جهنم وهذا لا اعتراض عليه. والثاني: أن هناك صلة حقيقة بين حرارة الحمى وبين جهنم والاعتراض في وجه التفسير الثاني هو كيف تكون هذه الصلة بين الحمى وبين جهنم؟ فهل يستطيع بشر بأي تجربة علمية أن يثبت أن مثل هذه الصلة لا يمكن أن توجد؟ إن جهنم من أمور الغيب والنبي ﷺ هو وحده الخبير بأمور الغيب.
٧ - الإخبار بأن هناك جنسًا من الثعابين يسبب العمى ويسقط الحمل. وهذا النوع من الثعابين نوع معروف حتى الآن وموجود ومشهور ويعرف باسم الكوبرا (Cobra)، ومن المعروف عنه أنه يصوب سمه إلى عين فريسته ليعميها. أما إسقاط الحمل فقد يكون بسبب الفزع من رؤيته أو بسبب سمه إذا لدغ.
وهكذا فالنظر في الأحاديث التي ساقها موريس بوكاي نخلص إلى أنه ليس فيها حديث واحد يخالف حقائق العلم الحديث، وفي حقيقة الأمر لا يستطيع أحد أن يعثر على حديث من هذا النوع، إنما الذي يوقع في الالتباس ويوهم أن هناك تناقضًا، إمّا سوء فهم الحديث أو الجهل بالعلم الحديث، ولهذا فإن الطريقة المثلى إذا وقع في نفس المرء التباس من هذا النوع، أن يتثبت من صحة الحديث ويراجع شروحه ويستوثق من فهم الحديث على وجهه الصحيح، ويسأل في المسائل العلمية جهات الاختصاص ولا يسارع إلى الإنكار ورد الأحاديث الصحيحة، ففضلًا عن أن ذلك ليس منهجًا علميًا صحيحًا، فهو ليس سبيل الذين رسخ الإيمان في قلوبهم.
ويحسُن التنويه هنا بأمرين:
أولهما: إن مثل هذه الاعتراضات لم تظهر في عصرنا هذا فحسب ولكنها ظهرت في العصور الماضية، ولم تكن تصدر إلا ممن عرف عنهم انحراف في التفكير، فهذا ابن قتيبة مثلًا من علماء القرن الثالث الهجري يؤلف كتابًا في الرد على مثل هذه الاعتراضات وسمى كتابه: "كتاب تأويل مختلف الحديث، في الرد على أعداء أهل الحديث والجمع بين الأخبار التي ادعوا عليها التناقض والاختلاف، والجواب عما أوردوه من الشبه على بعض الأخبار المتشابهة أو المشكلة بادئ الرأي" (١).
стр. 247
وثانيهما: أن من بعض ما ظن الناس فيه تناقضًا مع ما عندهم من المعرفة في عصرهم، قد ظهر خطؤه في هذا العصر، مع تقدم العلم، ومن ذلك الأمر بغسل الإناء الذي يلغ فيه الكلب. وقد نقل الخطابي من علماء القرن الرابع الهجري اعتراضًا على أحد الأحاديث فقال: "اعترض بعض سخفاء الأطباء على حديث إبراد الحمى بالماء بأن قال: اغتسال المحموم بالماء خطر يقربه من الهلاك؛ لأنه يجمع المسام ويحقن البخار، ويعكس الحرارة إلى داخل الجسم، فيكون ذلك سببًا للتلف". ثم رد الخطابي على ذلك بأن قال: "وإنما أوقعه ذلك جهله بمعنى الحديث، والجواب أن هذا الإشكال صدر عن صدر مرتاب في صدق الخبر، فيقال له أولًا: من أين حملت الأمر على الاغتسال وليس في الحديث الصحيح بيان الكيفية". . . إلى أن قال: "وإنما قصد الرسول ﷺ استعمال الماء على وجه ينفع، فليبحث عن ذلك الوجه ليحصل الانتفاع به" (١).
ولا أظننا في هذا العصر الذي أصبح فيه إبراد الحمى بالماء طريقة طبية مستخدمة، نقابل ذلك الاعتراض المثار، بغير السخرية من جهل صاحبه، وجنايته على الطب وعلى الدين. وفي حقيقة الأمر فإن الطب النبوي كله يحتاج لدراسة دقيقة، وربما توصل الناس عن طريق البحث والتجارب إلى اكتشافات عظيمة، ولو كانت هذه الثروة العلمية عند الغربيين لأفادوا منها كثيرًا ولكن المسلمين اليوم متأخرون متخلفون في كثير من مجالات الحياة.
الحجة الخامسة: تصرفات الرسول بالرسالة وبالإمامة والقضاء:
قسم الإمام القرافي تصرفات الرسول إلى أنواع، تصرفات بوصفه رسولًا، وبوصفه مفتيًا، وبوصفه قاضيًا، وبوصفه إمامًا (رأس دولة) (٢)، وقد ذهب من احتج بهذا التقسيم إلى أن تصرفات الرسول ﷺ في القضاء والإمامة ليست من
стр. 248
السُّنَّة التشريعية الملزمة (١).
وإذا تمعنا في هذا الذي ذكره الإمام القرافي يتضح أن المقصود من تقسيم تصرفات الرسول ﵇ إلى تصرفات بالرسالة وبالقضاء وبالإمامة، هو التفرقة بين الأمور الخاصة بالسلطة التنفيذية، والتي لا يجوز للأفراد العاديين مباشرتها، والتي تختص بالسلطة القضائية والتي لا يجوز لعامة الأفراد ممارستها، إلا بعد حكم قضائي وإذن، وبين الأمور التي ترك للناس الحرية في التصرف فيها دون حاجة إلى إذن من السلطات. فالمقصود من كلام القرافي البحث عن ذلك في تصرفات الرسول ﷺ بيانًا للاختصاصات، وتوزيعًا للسلطات وحصرًا لما يدخل تحت اختصاص كل سلطة من سلطات الدولة. ولا يفهم من كلام القرافي بحال أن تصرفات الرسول في قسم الإمامة والقضاء ليست تشريعية. بل إن صفة الرسالة وهي الوظيفة التشريعية، لا تفارق الرسول ﷺ حتى حين يتصرف باعتباره رأس دولة أو حين ترفع إليه الخصومات ويقضي فيها بوصفه قاضيًا. فهو حين يقسم الغنائم، أو حين يقيم الحدود، أو حين يعلن الحرب وكل ذلك من تصرفات الإمام (رأس الدولة)، فتشريعه في هذه الأمور تشريع لازم لكل إمام بعده وكذلك أحكامه القضائية.
السُّنَّة تشريع كلها:
والخلاصة أن السُّنَّة تشريع كلها ما كان منها أقوالًا أو أفعالًا. يقول ابن تيمية: "إن جميع أقواله يستفاد منها شرع. . . ويدخل في ذلك ما دل عليه من المنافع في الطب" (٢). "وقد روي أن عبد الله بن عمرو كان يكتب ما سمع من النبي ﷺ فقال له بعض الناس: إن رسول الله ﷺ يتكلم في الغضب فلا تكتب كل ما تسمع، فسأل النبي ﷺ عن ذلك فقال: "اكتب فوالذي نفسي بيده ما خرج من بينهما إلا حق"؛ يعني: شفتيه الكريمتين" (٣).
أما الأفعال فأيضًا كلها تشريع، إلا تلك الأفعال الجبلية التي لا يدخل في طوع بشر اختيار كيفيتها وهيئتها.
стр. 249
شريعة الله وشريعة الفقهاء:
المبدأ الثاني الذي تحاول العصرانية أن تضع به خطًا فاصلًا بين الجزء الإلهي في الدين والجزء البشري، هو مبدأ التمييز بين شريعة الله وشريعة الفقهاء، فتوصف الأولى بالثبات والدوام، وتوصف الثانية بالتغير والتقلب حسب ظروف العصر.
يكتب أحمد أبو المجد عن ذلك فيقول:
"إننا نؤكد ضرورة التمييز بين الشريعة والفقه، فالشريعة هي الجزء الثابت من أحكام الإسلام، الثابت في النصوص القطعية في ورودها ودلالتها، والفقه تفسير الرجال لهذا الجزء الثابت المستمد مباشرة من النصوص القطعية وقياساتهم عليه، واجتهاداتهم فيما لا نص فيه وترجيحهم بين ما بدا تعارضه من الأدلة، وهو اجتهاد بشر يتفقون ويختلفون وقلمَّا يجتمعون، وخطؤهم وصوابهم ليس تشريعًا، ولكنه يعكس حظ كل واحد منهم من المعرفة بالوقائع ومصادر الأحكام، وقواعد التفسير وأصول الترجيح كما يعكس ظروف الزمان والمكان. . . ويعكس بعد ذلك كله رأيه ورؤيته للقيم والمصالح والاعتبارات. . . وهو في ذلك كله يرمز إلى الجزء المتغير من تراث الإسلام. . . وباطل قول من قال: إن الأول لم يترك للآخر شيئًا. . . فقد ترك له عالمًا كاملًا غير عالمه ودنيا غير دنياه. . . وتجربة جديدة لا تغني عنها تجربة قديمة، فتلك أمة قد خلت ولا تسألون عما كانوا يعملون" (١).
أما أن الشريعة تشتمل على نصوص منزلة من عند الله تعالى وعلى تفسير الرجال لتلك النصوص واجتهادهم فيما لا نص فيه فذلك حق لا مراء فيه. أما وصف فقه الرجال بالتغير وعدم الثبات فهو الموضع الذي يحتاج إلى فحص وتأمل. وذلك أن كلمة التغير كلمة تحتمل معانٍ متعددة، فمن الخطأ البين أن يقصد منها اطراح فقه العصور الماضية، والبدء في تدوين فقه عصري جديد. "وإذا قرر الجيل الحاضر أن يعرض عن كل ما أنجزته الأجيال الماضية من عمل وجهد، وأن يؤسس له بناء جديدًا، على قواعد جديدة، فإن للأجيال الآتية بعده
стр. 250
أن تتخذ قرارًا سفيهًا مثل هذا. ولذا فإن شعبًا لم يفارقه العقل لا يبدد الجهود والأعمال التي تمت على أيدي أسلافه وإنما يتقدم إلى الأمام مضيفًا إلى الأعمال السابقة أعمالًا جديدة لم يتح للأولين أن يقوموا بها وهكذا لا يزال يتقدم بخطى حثيثة في ميدان الكمال والإتقان" (١).
إن الفقهاء الأوائل بشرٌ ما في ذلك شك، ولا يعني ذلك أن ما قالوه فهو خطأ يجب اطراحه. أو لسنا أيضًا بشرًا فما الذي يجعل لنا فضلًا عليهم؟ إن فقه الأولين فيه الخطأ والصواب وكل ذي عقل يري أن ما كان صوابًا قبلناه وما كان خطأ طرحناه.
وإذا كان تقسيم الشريعة إلى شريعة الله وشريعة الفقهاء له إيحاءات خاطئة، فالأفضل منه أن يجعل ذلك التقسيم أكثر تفصيلًا، حتى يكون أكثر بيانًا ووضوحًا وقد قسم الإمام ابن تيمية الشريعة ثلاثة أقسام (٢): شريعة منزلة وهي القرآن والسُّنَّة، وشريعة اجتهادية وهي ما توصل إليها عن طريق الاجتهاد، وشريعة محرَّفة وهي التي يظن أنها من الشرع وهي محض انحرافات. فالشريعة الاجتهادية تتعدد الآراء فيها في المسألة الواحدة ونقبل ونرفض منها بحسب الأدلة، أما الانحرافات والتحريفات فمرفوضة كلها.
الثابت والمتغير في الإسلام:
من مبادئ العصرانية تقسيم الدين إلى ثوابت ومتغيرات وقد تناول مفكروها هذه القضية بالبحث في المسيحية واليهودية (٣) والإسلام (٤). ويشرح الدكتور معروف الدواليبي هذا المبدأ في مقال له بعنوان: "النصوص وتغير الأحكام بتغير الزمان" فيقول: