← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17745

المعين على تفهم الأربعين ت دغش

ابن الملقن

Полный текст (473 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

أتاكم يعلمكم دينكم، خذُوا عنه" (١). الثامن عشر: الإيمان بالقَدَر واجِبٌ، خيره وشَرّه، حُلْوه ومُرّه، ومعناهُ: أنَّ اللهَ تعالى قَدَّرَ الخَيْرَ والشَّرَّ قبلَ خَلْقِ الخَلْق، وأَنَ جميعَ الكائنات بقضَاءِ الله وقَدَرِهِ، وهو مُريدٌ لها. ويكفي اعتقادٌ جَازِمٌ بذَلِكَ مِن غير نَصْبِ بُرهَان، هذا هو المُخْتَار. التاسع عشر: "الملائكةُ": جمعُ مَلَك، فقيل: لا اشْتِقَاقَ له، وقيل: بلى، فقيل: فعل من الملك، وقيل: مفعل من لأَكَ إذا أرسل، وقيل: مِنَ الألوكة -وهي الرِّسالة-، ومحلّ الخوض في ذلك التفسير (٢). و"اليوم الآخر": هو يوم القيامة، وجاء "وتؤمن بالبعث الآخر" فيحتمل أن يكون تأكيدًا، أو أنَّهُ إحياء بعدَ إماتة، فيكون إشارة إلى النُّطفة (٣). العشرون: وجهُ عَجَبهم من سؤاله وتصديقه، سؤالهُ يقتضي عدم العلم بما يسأل عنه، وتصديقه بما جاء به يقتضي علمه به، وكأَنَّ ظاهر حاله أنه عالمٌ بذلك (٤)، ثم زال التَّعَجب بأنه "جبريل جاءَ يُعَلِّمُكُمْ دينَكُم" فبيَّنَ أنه كان عالِمًا في صورة مُتَعَلِّم لقصدِ التَّعليم، وكذا قال النووي في "شرحه": "سببُ تعجُّبِهم

стр. 107

أن هذا بخلافِ عادَةِ السَّائل الجاهِل، إِنَّما هذا كلام خبيرٍ بالمسؤولِ عنا، ولم يكن في ذلك الوقت مَن يعلمُ هذا غيرَ رسولِ الله ﷺ " (١). الحاي بعد العشرين: "الإِحْسَانُ" مصدر أحسَنَ إحسَانًا، ويتعدى بنفسه كـ: أحسنتُ كذا، وفي كذا، إذا حسَّنته، وهو منقول بالهمزة من حسَّن الشيءَ، ومتعدٍّ بحرف الجرِّ، وهو هنا بالمعنى الأول دون الثاني، إذْ حَاصِلهُ راجعٌ إلى: إتقَانِ العِبَادات، ومُراعاةِ حقوق الله تعالى فيها، ومُراقبته، واستحضار عظمته وجَلالته حالَة الشُروع، وحالة الاستمرار فيها. وأرباب القلوب في هذه المُراقبة على حَاليْن: أحدهما: غالب عليه مشاهدة الحوق، فكأَنَّهُ يراه. ولعل الشارع أشار إلى هذا بقوله: "وجُعِلَت قُرَّةُ عيْنِي في الصَّلاة" (٢). الثاني: مَن لا ينتهي إلى هذه الحالة، لكن يغلب عليه أنَّ الحقّ سبحانه مُطَّلِع عليه، ومُشاهِد له، وإليهِ الإشارة بقوله تعالى: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩)﴾ [الشعراء: ٢١٨، ٢١٩]، وبقوله: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ﴾ [يونس: ٦١] الآية. وهاتان الحالتان ثَمرةُ معرفَةِ (٣) الله تعالى وخَشْيَته، ولذلك فَسَّرَ الإحسان

стр. 108

في حديث أبي هريرة بقوله "أنْ تَخشى الله كَأَنَّكَ تَرَاهُ" (١) فَعَبَّرَ عن المُسَبِّبِ باسم السَّبَب تَوَسُعًا، ثم الألف واللام في "الإحسان" المسؤول عنه المعهود المذكور في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، و ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إلا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠]، ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥] فلَمَّا تكَرَّرَ الإِحْسَانُ في القُرآن في غيرِ آيٍ، ورَتَّبَ عليهِ هذا الثواب الجَسيم، سأل عنهُ الرُّوح الأمين، فأجابَهُ لِتَعْمَلَ بهِ أُمَّته، فيفوزوا بالأَجْرِ الجَسِيم، فقال: "الإحسَان: أن تَعْبُدَ اللهَ" إلى آخره (٢). وهوَ مِن جَوامِعِ كلِمِه الذي أُوتيَها؛ لأنَّهُ لو قَدَّرْنا أن أحدًا قامَ في عبادةٍ وهو يُعاين ربَّهُ -تعالى- لم يترك شيئًا مما يَقْدِرُ عليه مِن الخُضوع والخشوع وحُسن الصَّمت، واجتماعه بظاهره وباطنه على الاعتناء بتتميمها على أحسن الوجوه إلَّا أَتَى بهِ، فقال: اعبد الله في جميع أحوالك كعبادته في حال العيان، فإنَّ التَّتميم المذكور في حال العيان إنما كان لِعِلم العَبْدِ باطّلاع ربّه عليه ﵎، فلا يُقدِم على تَقصِير في هذا الحال إلَّا اطلع عليه، وهذا المعنى موجودٌ في عدَم رؤية العبد، فينبغي أن يعمل بمقتضاه. فمقصود الكلام: الحثُّ على الإخلاص في العبادة، ومُراقبة العبدِ ربَّهُ ﵎ في إتمام الخشوع والخضوع وغير ذلك. وقد نَدَبَ أهلُ الحقائق إلى مُجالسة الصَّالِحين ليكون ذلك مانِعًا مِن تَلَبُّسِهِ بشيءٍ مِن النَّقائِصِ احتِرَامًا لهم واستحياءً منهم، فكيف بمن لا يزال الله ﵎ مُطَّلِعًا عليه في سِرِّه وعلانيته (٣).

стр. 109

* تنبيهان: الأوَّل: قوله "فإنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ" فإنه ينبغي أن يكونَ مُستأنَفًا، وأنَّ الجواب تمَّ عندَ قوله: "كَأَنَّكَ تَرَاه"؛ لأنَّهُ مِنْ جِنسِ مَقُدورِ العَبد، بخلاف رؤيته تعالى. ثانيهما: يؤخَذُ مِنْهُ جوازُ رؤية الباري تعالى لإتيانه بِـ "لَمْ" دونَ "لا"؛ لأنَّ الممكن يُنْفَى بِـ "لَم" والمستحيل بـ "لا" فَيقالُ: زيدٌ لَمْ يَقُم، والحَجَرُ لا [يقوم] (١) ومنه "الشُّفعَةُ فيما لم يُقْسَم" (٢). وقد نطقَ الله بها في الآخرة، وأبعد الله مَن نَفَاها، وفي الدنيا جَائِزةٌ (٣) عَقلًا. الثاني بعد العشرين: "الساعة" المرادُ بها هنا: يوم القيامة، وإن كانَ أصلها وضعًا: مقدارًا ما مِنَ الزَّمان غير مُعيَّن ولا مُحَدَّد، قال تعالى: ﴿مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ [الروم: ٥٥]. والموقتون اصطَلَحوا على أنها: جزءٌ مِن أربعةٍ وعِشرين جُزءًا مِنَ الليل والنهار. فمعنى "أخبرني عن الساعة" أي: عن زمن وجود القيامة، سُمِّيت ساعة -وإن طال زمنها- اعتبارًا بأول أزمنتها، فإنها: ﴿لَا تَأْتِيكُمْ إلا بَغْتَةً﴾ [الأعراف: ١٨٧]، ﴿قَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد: ١٨] (٤). وقوله: "مَا المَسؤول عنها بأعلَمَ مِنَ السَّائل" أي: كِلانا سَواءٌ في عَدَمِ العِلمِ به مِن وقوعها: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤]، ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ [طه: ١٥]، ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾ [الأعراف: ١٨٧].

стр. 110

وفي " الصحيح": "مَفَاتِيحُ الغَيْبِ خَمْسٌ لا يعْلَمُهن إلَّا الله، وتَلَا: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ (١). ومَعْناه: أنه ينبغي للعالِم والمُفْتِي وغيرهما إذا سُئِلَ عما لا يعلم فليقل: لا أعلم. وأنَّ ذلك لا ينقصه، بل يُسْتَدَلُّ به على ورعِه وتقواه ووُفور عِلْمِه. الثالث بعد العشرين: "الأَمَارة" -بفتح الهَمزة-: العَلامة، وكَذا: "الأَمار" بحذف الهاء (٢)، وكذا "أشراطها" أي: عَلاماتُها. ومنه: ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾، ومنهُ: سُمِّيَ الشُّرَط: لأنهم يُعَلِّمونَ أنفسهم بعلامات يُعْرَفونَ بها. وربما روي "أَمَارَاتها" بالجمع (٣). وأمَّا الإمارة -بالكسر-: فالوِلاية. الرابع بعد العشرين: "الأَمَةُ" هنا الجارية المستولدة، و"رَبَّها": سيدها. و"ربَّتُها"-تأنيث رب-: سيدتُها ومالِكَتُها، وفي رواية "ربَّها" على التَّذكير، وفي أُخرى "بَعْلَها" (٤) وقال: يعني السَّراري. واخْتُلِفَ في معناه على أقوال (٥):

стр. 111

أصحُّها: أنهُ إخبارٌ عن كثرةِ السراري وأولادهن؛ فإنَّ ولَدَها مِن سيدها بمنزِلةِ سيدها؛ لأنَّ مالَ الإنسان صائرٌ إلى ولدِه، وقد يتصرَّفُ فيه في الحال تصرّف المَالِكين: إمَّا بالإذن، أو بقرينة الحال أو عُرف الاستعمال. وعبَّرَ بعضهم عنه: "بأن يستوليَ المُسلِمون على بِلاد الكُفر، فتكثر فيه السَّراري فيكون ولد الأَمَة من سيدها بِمَنْزِلة سيدها لشَرَفه مِن أبيه، وعلى هذا فالذي يكون مِن أشراط السَّاعة: استيلاء المسلمين على المشركين، وكثيرة الفتوح، والتَّسري" (١). ثانيها: أنَّ معناه أن الإماء تلدن الملوك فتكون أُمُّه مِن جُملةِ رعِيَّتِهِ وهو سيدها وسيِّد غيرها من رَعِيَّته: قاله الحربي. ثالِثُها: أن معناه بأنه تفسدُ أحوالُ الناس فيكثر بيعُ أمهات الأولاد في آخر الزمان، فيكثر تردادها في أيدي المشركين حين يشتريها ابنُها من غير علم. وعلى هذا يكون مِنَ الأشراط غَلَبَةُ الجهل بتحريم بيعِ أمَّهَات الأولاد، [والاستهانة بالأحكام الشَّرْعِيَّة، وهذا على قول مَن يرى تحريم بيع أُمَّهات الأولاد] (٢) وَهُم الجُمهُور (٣)، ويَصِحُّ أن يُحْمَلَ ذلِكَ على بَيْعِهِنَّ في حالِ حَمْلِهِنَّ، وهو مُحَرَّمٌ إجماعًا.

стр. 112

ويحتمل على هذا القول ألا يختص هذا بأُمَّهات الأولاد، فإنه يُتَصَوَّرُ في غيرهِنَّ، فإنَّ الأَمَةَ تَلِدُ ولدًا آخر مِن غير سيدها بشُبْهَةٍ، أو رقيقًا بنكاح، أو زنًا ثم تُبَاعُ الأَمَةُ في الصورتين بيعًا صحيحًا، وتَدُور في الأيدي حين يشتريها ولدها، وهذا أكثر وأعَمّ من تقديره في أمهات الأولاد، وقيل فيه غير ذلك. ومنهُ: أنْ يَكثُرَ العقُوقُ في الأولاد، فيُعَامِلُ الولدُ أُمه معامَلَةَ السَّيد أَمَتَهُ مِنَ الإهانةِ والسبِّ. ويَشْهَدُ لذلك حديث أبي هريرة "المرأة" مكان "الأَمَة" (١)، وحديث: "لا تَقُومُ الساعةُ حتى يَكُون الوَلَدُ غيْظًا" (٢). الخامس بعد العشرين: استَدَلَّ بهذا الحديث إمامان على بيع أُمَّهَات الأولاد ومنْعِهِ، وليسَ فيه دِلالةٌ لِواحِدٍ منهما، فإنَّهُ ليسَ كلُّ ما يخبِرُ به الشَّارع بكونه مِن علامات الساعة يكون مُحَرَّمًا أو مذمومًا: فإنَّ تطاول الرعاء في البنيان، وتيسير المال (٣)، وكون خمسين امرأة لهن قيِّم واحِدٌ (٤) ليسَ بحرام، وإنما هذه علاماتٌ، والعلامة تكون بالخَير وغيره (٥).

стр. 113

السادس بعد العشرين: "الحُفاة" -بالحاء المُهمَلة- جمعُ حافٍ، وهو: مَن لا نَعل في رِجْله. و"العُراة": جمعُ عارٍ، وهو: مَن لا شيءَ على جَسَدِه، وفي رواية محمد بن الحذاء التميمي: "الحفاة": "يعني الخدمة". و"العَالَة": -بِفَتح اللام المُخَفَّفة- جمعُ عائل، وهو: الفقير، والعَيْلة: الفقر، وعال الرجلُ يعيل عيلةً: افتقر، وأعالَ يعيل: إذا كثر عياله، قال تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى: ٨]، وقال: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ [النساء: ٣] والمُرادُ: أنَّ أرَاذِلَ الناس يَصيرونَ أهلَ ثروةٍ ظاهِرةٍ. و"الرِّعَاء": -بِكَسر الراء وبالمَدِّ- جمعُ راعٍ، ويُقال فيه: رُعاة -بضمِّ الراء وزيادة الهاء بلا مدٍّ-، وأَصْلُ الرعي: الحِفْظ. و"الشَّاء": الغَنَم، أي: رعاة الغَنَم، ومنه قوله تعالى: ﴿حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾ [القصص: ٢٣]. وهو جمعُ شاةٍ، وخَصَّهم بالذكر؛ لأنهم أضعفُ أهلِ البادية. وجاء "رعاء البَهم": -بفتح الباء- جمعُ بهيمة؛ وأصلها: صِغار الضأن والمعز، وقد يختص بالمعز، وأصله من استَبْهَمَ عن الكلام، ومِنهُ البَهيمة. وكذا في البخاري: "رعاءُ الإبل البُهم" -بضمِّ الباء- جمعُ بهِيم، وهو الأَسْوَدُ الذي لا يُخالِطُهُ لون آخَر، وهو بِكَسر الميم: صفةٌ للإبل، وبِرَفعِها صِفَةٌ للرُّعَاةِ (١).

стр. 114

وقيل: معناه لا شيء لهم، ومنهُ الحديث: "حُفَاةً عُرَاةً بُهمَا" (١). ويَبْعُدُ أنهُ نَسَبَ للبهم إِبِلًا، والظاهر المُلْك. وقال الخطابي: "هو جمعُ بهيم، وهو المجهول الذي لا يُعرف" (٢). والأولى أن يُحمَل: على أنهم سودُ الألوان؛ لأنَّ الأَدمةَ غالِبُ ألوانهم. ورواية "مسلم": "رعاء البهم" مِن غير ذِكر الإبل، وهي مُناسبةٌ؛ لأنَّ المقصود أنهم مع ضعفهم سَيَنْقَلِبُ بهم الحال إلى أن يَصيرُوا مُلوكًا، بخلاف أصحاب الإبل؛ فإنَّهم أصحاب فَخْرٍ وخُيلاء (٣).

стр. 115

والمعنى: إذا رأيتَ أهلَ البَادِية -وهذه الصفة غالبة عليهم وأشباههم من أهل الحاجة والفاقة- تُبسَطُ لهم الدّنيا حتى يتباهَوْا في البُنيان فذلك مِن علاماتِها. وقَد وُصِفوا في حديث أبي هُريرة بأنهم "صُمٌ بكم" أي: جَهَلة رَعاع، لم يَسْتَعمِلوا أسماعهم ولا كلامهم في عِلم، ولا في أمر دينهم، وهو نحو قوله تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة: ١٨] أطلَقَ ذلِكَ عليهم. قال قتادة: " ﴿صُمٌّ﴾ عن استماع الحَقِّ ﴿بُكْمٌ﴾ عن التَّكَلُّم به ﴿عُمْيٌ﴾ عن الإبصار له" (١). معَ أَنَّ لهم الأسماع والأبصار؛ لكن لَمَّا لَمْ تحصل لهم ثمرات ذلك صاروا كأنهم عُدِمُوا أَصلَها، وقد أوضَح هذا المعنى قوله تعالى: ﴿هُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩]. والقَصْدُ مِن الحديث: الإخبارُ عن تبدُّلِ الحالِ، بأن يستولي أهلُ البادِيَة الذينَ هذهِ صِفاتُهُم على أهلِ الحاضِرة، ويَتَمَلَّكُوا بالقَهْر والغَلَبَة، فَتكثر أموالُهُم، وتتَّسِع في الحُطَام آمالهم، فَتَنْصَرف همَّتُهم إلى تشييد المباني، وهَدْمِ الدِّين [وشريف المعاني] (٢)، وقد جاءَ في الحديث: "لا تَقُومُ السَّاعَةُ حتى يَكونَ أسعَدَ الناس بالدُّنْيَا لُكَعُ بنُ لُكَع" (٣).

стр. 116

وقَدْ شُوهِدَ ذلِكَ وبَانَ صِدقُ الشَّارع فيما هنالك، فإذا صار أسافِلُ الناس رؤوسًا فقد طاب المَوْتُ، وإذا وُسِّدَ الأمر إلى غيرِ أهلِهِ فانتظِر السَّاعة، فقد فاتَ الفَوْت. والألف واللام في "الحفاة"، "العراة"، "العالة" يجوز أن تكونَ للعُموم، فتختص بقاطع العادة، فإنَّ العادة تقتضي أنَّ كلهم ليسَ على ذلك، ويجوز أن تكون للمعهودين المُخاطَبين، أو لتعريف الماهية، أو لبعض الجنس فلا عموم ولا خصوص، واللام في "أن تلِدَ الأمَةُ" ليست للعموم أيضًا. السابع بعد العشرين: فيه دِلالَةٌ على كَرَاهِيَةِ مَا لَا تَدْعُو الحاجةُ إليهِ مِنْ تَطْويلِ البناء وتَشْيِيده، وفي الحديث: "يُؤْجَرُ ابنُ آدَمَ على كُلِّ شيءٍ إلَّا مَا يَضَعُهُ في هَذَا التُّرَاب" (١). ومَاتَ الشَّارعُ -صَلواتُ الله وسلامه عليه- ولَمْ يَضَع حَجَرًا على حَجَرٍ، ولا لَبِنَةً على لَبِنَةٍ، أي: لَمْ يُشَيِّد بُنْيانًا، ولا طَوَّلَهُ ولا تَأنّقَ فيهِ (٢). الثامن بعد العشرين: قوله "فَلَبِثَ مَلِيًّا" -هو بتشديد الياء- أي: زَمانًا، "مَلِيًّا" أي: كثيرًا، فَحَذَف الموصوف لِظُهوره، ورُوي "فلبثتُ" بتاء مضمومة، فيكون عمر هو المُخْبِر عن ذلك بِنفْسِه، وكان ذلك: ثلاثًا، كما جاء مبينًا في رواية أبي داود، والترمذي وغيرهما. وفي "شرح السنة" للبغوي: "بعدَ ثالثةٍ" (٣). وظاهره أنه بعد ثلاث ليال. وفي ظاهره مُخالَفةٌ لحديث أبي هريرة: "فأَدْبَر الرَّجُل، فقال ﵊: "رُدُّوه" فأخذُوا يَرُدُّوه فَلَم يَرَوْا شيئًا، فقال ﵊:

стр. 117

"هذا جبريل". فيُحتَمَل أنَّ عمر لم يحضُر قولَه هذا، بل كان قامَ، فأُخبِرَ به بعدَ ثَلاثٍ (١). فائدة: "ملِيًّا" غير مهموزة، ومنهُ: ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٦] "لأنَّهُ مِنَ المَلَوَان: الليل والنَّهار (٢). ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٨٣]، و"إن اللهَ لَيُمْلِي للظَّالِمِ" (٣). أمَّا: المليء، ضد المُعْدَم، فهو مهموز؛ لأنَّهُ مِن مَلأَ كِيسَهُ ونحوه مالًا، ومِن الملاءة: وهو اليَسَار، والملأ مِن الناس (٤). التاسع بعد العشرين: قوله "إنه جبريل" جبريل اسم عجمي سرياني، قيلَ معناه: عبد الله، وفيه لُغات وقِراءات مَحَل الخَوْض فيها كتب التفسير (٥). والحديث: دالٌّ على أن الربَّ ﷻ يُمَكِّن الملائكةَ أن يتَمَثَّلُوا فيما شاءوا مِن صُوَر بني آدم، كَمَا نصَّ الله على ذلك في قوله تعالى: ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٧]. وقد كانَ جبريل يتمثَّل لنبينا - عليه أفضَل الصلاة

стр. 118

والسلام- في صُورةِ دِحْية بن خليفة، وقد رآهُ على هيئته مرتين، وعِرْفَانه له هنا إنما هو في آخر الأمر فقط، كما جاء في "صحيح البخاري". وعرفانه له إمَّا: وحيٌ، أو نَظَر، وفي رواية: "مَا جاءَني في صُورة لَمْ أعْرِفها إلا في هذه المَرَّة" (١). ولا يُخاضُ هنا فيما خاضت فيه أهلُ الحُلول -عَصَمَنَا الله مِنهُ-. الثلاثون: "دينُكُم" أي: قواعده أو كُلياته، و"الدِّين" المِلة، والشريعة، ويُستَعْمَلُ -أيضًا- في الجَزَاء، فَمِنْهُ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] أي: يوم الجزاء. وبمعنى العادة: كَدِينكَ مِنْ أُمِّ الحُوَيْرِثِ قَبْلَهَا ... (٢). وروي: كدأبك، وهو أشهَر. وظَاهر قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، وقوله: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥] أنَّ الإسلام جميع الدِّين لا بعضهُ، وإنْ كانَ ظاهِرُ حديث جابر إطلاق الدين على الثلاثة: الإسلام، والإيمان، والإحسان. * تتمات (٣):

стр. 119

الأولى: قوله "شديد بياضِ الثِّياب" إلى آخِرِه، إشَارَة إلى غَرَابةِ هذه القِصَّة، لأنَّ الرَّجُل هيئته هيئة حاضِرٍ لا يَخْفَى عليه أَمْرُ الدِّين مع اشْتِهارِه غالِبًا خُصوصًا في المَدِيحْة، وسُؤاله سُؤال أَعْرَابي وَارد غير عالم بالدِّين، وهذا بِخِلاف حديث طَلْحَة: "جَاءَ أَعْرابيّ مِن أهلِ نَجْدٍ، ثائرُ الرَّأس" الحديث (١)، إذ وصَفَهُ بِصفةِ الأَعْرَاب الوَارِدِين، فلَمْ يَكُن في سُؤاله غرابة ولا عَجَب. الثانية: فيه اسْتِحبابُ التَّجَمُّل وتَحسين الهَيئَة للعَالِم والمُتَعَلِّم، وجبريل مُعَلِّم مِن جِهةٍ، لقوله: "يُعَلِّمُكم"، ومُتَعَلِّم من أُخرى، مِن كَوْيه جاءَ في صُورَةِ سائلٍ. الثالثة: مُنَاداته باسمهِ كَمَا يُنادِيه الأعراب، مِن باب التَّعْمِية على حاله، ففيه جَوَازُ تسمية المُتَعَلِّم (٢) شَيْخَهُ، والمرؤوس رئيسَهُ باسمِهِ، لكن غَلَبَ في العُرْف تَلْقيبُهُم، فينبغي اتِّباعه، إلَّا أن يُعلَم أنه لا ينقبض من [تسميته باسمِهِ الأَصْلِي] (٣)، ولا يتأذى به، فيكون هو الأولى اتباعًا لهذه السُّنَّة وغيرها؛ ولأنَّهُ أقرَبُ إلى التَّواضعِ، وأولى بالصِّدق. الرابعة: فيه إجابَةُ المُستفتي على ما فَهم من القرينة، فإنَّهَا كالنَّص، فإنَّهُ سأَلهُ عن الإسلام وهو مُحتمل لسؤاله عن حقيقته، أو شرطه، أو مكانه وغير ذلك، فأَجَابَهُ بِمَاهِيَّته وحقيقته. الخامسة: فيه أنه ينبغي لمن حَضَرَ مَجَالِسَ العُلَماء إذَا عَلِمَ بأهلِ المَجْلِس حاجةً إلى مَسْأَلةٍ السُّؤَالُ عنها، لِتَحصل الإفادة لهم.

стр. 120

السادسة: فيه -أيضًا- الرِّفقُ بالسائل، وإدناؤه مِنْهُ؛ ليَتَمَكَّنَ مِن لسُؤالِهِ، وتنبيه العالم تلامِذته على اقتِبَاس الفوائد، وغرائِب الوَقائع. السابعة: قد يُستَدلّ بالحديث على أن الاسم غير المُسَمَّى، من حيث إنَ جبريل سأل عن الإسلام والإيمان والإحسان، فأتى بأسمائها وأجابَهُ الشَّارع عن معانيها، ولو كان هو هو لَمَا احتاج إلى السؤال عنه لِعِلمِهِ به، ولَمَا أُجيب؛ بل كان جوابه: إنكَ عالِمٌ بِمُسَمَّى مَا سألتَ عنهُ لِعِلمِكَ باسمه. وفي هذه المسألة أقوالٌ -وقَد أفرَدَها البطليوسي- (١). أحَدُهُما: ما ذَكَرنا. وثانيها: أَنَّهُ هُوَ، لقوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]. وأُجيب: بأَنَّهُ ضَمَّنَ سبح معنى اذكر، فكأنَّهُ قال: اذكر اسم ربِّكَ. كقوله: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٥]، وعكسه: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ﴾ [آل عمران: ٤١]، ضمَّن "اذكر" معنى: سبِّح ونَزِّهْ، أي: نَزِّههُ عَمَّا لا يَلِيقُ به (٢). ومِنَ الحُجَّةِ لهم -أيضًّا-: قوله تعالى: ﴿بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى﴾ [مريم: ٧] ثُمَّ قال: ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم: ١٢] فنادى، ويحيى اسمُهُ، فَدَلَّ على أنه هُوَ. وأُجيب بأنَّ المعنى: يا أيها الغلام الذي اسمُه يحيى، فنادى المسمى لا الاسم.

стр. 121

وثالثها: أنَّ الاسم للمسمى (١) لا هُوَ هو ولا هو غيره، كالواحد مِنَ العشرة لا هو هي ولا هو غيرها. وأُجيب: بأنَّ هذا لا يتحقق؛ لأنا إذا قُلنا: هذا الشيء لهذا، إنما نعني أنه ملكه أو اختصاصه، وأمَّا ما كان كذلك فهو يقتضي المغايرة، لأنَّ ملك الشيء نفسه واستحقاقه لها واختصاصه بها مُحال. * تنبيهان (٢): الأول: المغايرة، إما بالذات: كزيد غير عمرو، أو بالحال والصِّفة: كوَجْهِ زيد اليوم غير وجهه أمس. والمغايرة بين الاسم والمسمى إنما هو بالأول. ثانيهما: الاسم: هو الموضوع للذات تعريفًا أو تخصيصًا كـ"زيد". والمُسَمَّى: هو الموضوع له. وبِكَسر الميم: الواضِعُ، والتَّسمِيَةُ وهي: الوضع لتلك الذات، وبهذا ظَهَر أنَّ الاسم غير المسمى. ثالثهما: مِن شُبَه الخَصْم: أنَّ الرَّبَّ ﷻ قال: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [المائدة: ٧٢] لكن المُراد: اعبدوا الذات التي اسمها الله، والجلالة المعظمة دالة، والمعبود مدْلُولها وهو [الذات] (٣) القديمة الواجبة الوجود (٤).

стр. 122

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 123

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 124

الثامنة (١): فَسَّرَ ﵊ الإحسان بالمُرَاقَبَة كَمَا سَلَفَ، فالعَبْدُ يُشَاهِدُ رَبَّهُ بِعيْنِ إيمانه، وأَنَّهُ مُطَّلِعٌ عليه في جميع أحواله؛ فلا ينحرف، ويتأدَّبُ. التاسعة: العِبادة إمَّا: قلبيَّة -كالإيمان-، أو بدَنِيَّة -كالإسلام-، ولَمَّا كان الإحسان: هو المُراقبة بالإخلاص فيهما؛ فلا يُظْهِر الإيمانَ رياءً أو خوفًا فيكون منافقًا، ولا يُظهِر أعمال الإسلام لغير الله، فيكون مُرائيًا مُشرِكًا، بل يرى أنَّ اللهَ مُطَّلِعٌ عليه يَرَى جميعَ حاله، فالإحسان شرطٌ فيهما، أو كالشَّرط إذْ بدون الإخلاص والمُراقَبة فيهما لا يُقبَلان، قال تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ﴾ [البقرة: ١١٢]، ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [لقمان: ٢٢]، ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا﴾ [المائدة: ٩٣] (٢). العاشرة: حُكِيَ عن بعض شُيُوخ الطَّريق أنه ذَكَرَ هذا الكلام يومًا، فقال: "اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه". ثمَّ وقف! وهو إشارةٌ صُوفيَّةٌ؛ أي: أنَّكَ إذا أفنيتَ نفسَكَ فَلَم ترها شيئًا شاهَدْتَ ربَّكَ!! لأنها حِجَابٌ دونَهُ، فإذا ألقَى الحِجاب شاهَدَ الجَناب. ويُشبهُ هذا ما حُكِيَ دُونَهُ عن بعضهم أنه قال: رأيتُ رَبَّ العِزَّة في المَنَام

стр. 125

فقلتُ: يا ربِّ! كيفَ الطَّريقُ إليكَ؟ فقال: "خَلِّ نفسَكَ وتعال" (١). الحادية عشْرة: للساعة شُروطٌ كبيرةٌ أُخرى، منها: طُلُوع الشمس مِن مغْربها، وخُروج الدَّابة، والدَّجال، ويأجوج مأجوج، وكَثْرَةُ الهَرْج، وفَيْضُ المال حتى لا يقبله أحدٌ، وحَسْرُ الفُرات عن جبلٍ مِن ذَهَب، وفيها كُتُب مؤلفةٌ. ولعله إنما اقتَصرَ في الحديث على أَمَارَتَيْن مِنْهَا تحذيرًا للحاضِرين وغيرهم منها -أعني كثرة اتخاذ السَّراري وبيعهن، والتَّطَاول في البنيان- لاقتضاء الحال ذلك، إذ لعلَّهم كانوا يتعاطَوْنَ شيئًا مِنْ ذَلِك فَزَجَرَهُم. الثانية عشرة: حاصِلُ ما ذَكَر ﵊ أنَّ أجزَاءَ الدِّين ثلاثة: "الإسلام": وهو الشَّهادتان، والعِبَادَات الخمس، وتفصيلها التام محله كتب الفقه. و"الإحسان": وهو المُراقبة والإخلاص، ومَحَلّه التام كتب التصوّف: كـ "القوت"، و"الإحياء" ونحوهما (٢).

стр. 126

و"الإيمان" ومُتعلَّقُهُ سِتَّةُ أشياء: الرَّب ﷻ ، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقَدَر، ومحلّه كْتب "الفَلْسَفَة"! (١)، ولا حاجةَ بنا إليها (٢) إلَّا لمناظرةٍ أو رَدٍّ.

стр. 127

ولابد من لفظٍ في الإيمان عند التمكن، وأَمَّا الكفار: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر: ٨٥]، ولا بُدَّ مع توحيد الرب ﷻ من سَلْبِ ما لا يَليقُ به عنه. ومن اعتقاد الملائكة: عباد مُكرَمون، ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]. والكتب المنَزَّلة نؤمن بها ونَعْمَل بها مَا لَمْ يثبت نسخها، والأنبياء والرسل يجب اعتقادهم، وكذا القَدَر ومَن نفاه فأمرُه إلى الله. ونؤمِنُ بما بعد الموت، ثُم المَحْشَر، ثم الجزاء والحساب، وقد صنَّفَ البيهقي "البعث والنُّشور"، وعبد الحق (١)، وفي كلٍّ مقنع (٢). * * *

стр. 128

الحديث الثالث عن أبي عبد الرحمن عبد الله بنِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ ﵁ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يقُولُ: "بُنيَ الإِسْلامُ على خَمْسٍ: شَهادَةِ أنْ لا إِلَهَ إلَّا اللهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ رَسُولُهُ (١)، وإِقَامِ الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ البَيْتِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ". رواه البُخاري ومُسْلِم (٢). * * * الشرح: الكلام عليه من وجوه: أحدهما: هُوَ داخِلٌ في ضِمْنِ مَا قَبْلَهُ -كَما أسلَفناهُ- حيثُ سألهُ جبريل عن الإسلام؛ فأجابه بهذه الخمس، ومَرْجِعُهُ مِن القُرآن: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إلا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩]، ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ﴾ [الفتح: ٢٩]، ﴿وَأَقِيمُوا

стр. 129

الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:٤٣]، ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة:١٨٣]، ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥]، ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. ومَرجِعُهُ مِن السُّنّة عِدَّةُ أَحَاديث شَهِيرة. وهو حديثٌ عظيمٌ، أحدُ قواعِدِ الإسلام، وجوامِع الأحكام؛ لأنَّ فيه معرفة الدِّين، وما يُعْتَمَدُ عليه، ويَجْمَعُ أَرْكَانَهُ. ثانيها: البخاري أخرَجَهُ في "الإيمان" و"التفسير"، ومسلم في "الإيمان" و"الحج" (١)، ووقع له خماسيًّا، والبخاري وقع له رباعيًّا فَعَلا. ثالثها: راوِيهِ الإمامُ الصَّالِحُ الزَّاهِدُ العابدُ: أبو عبد الرحمن -كما حكاه المصنِّف- قُرَشيّ عَدَوي مَكِّيٌّ، أُمُّه زينب -وقيل: ريطة بنت مظعون-، أسلَمَ قديمًا مع أبيه وهو صغير، وهاجر معه، ولا يَصِحُّ قول مَن قال: قَبْلَ أبيه، واسْتُصغِرَ عن أُحُد، وشَهِدَ الخَنْدَق وما بعدها، وهو أحد السِّتَّةِ المُكْثِرين، وأَحَدُ العَبَادِلة الأربعة (٢). ماتَ بفَخٍّ بقُرب مكَّةَ بعدَ السَّبعين بعدَ مَقْتَلِ ابن الزُّبير ﵁ بأشهُرٍ، جاوَزَ الثَّمَانين (٣).

стр. 130

رابعها: معنى "بُنِيَ" أُسِّسَ، وأصلُ البِناء أن يكون في المحسوسات دونَ المعاني، فاستعماله في المعاني مِن باب المجاز الاستعدادي، وقد جاءَ هُنا في غاية الحُسن والبَلاغة إذ جَعَلَ الإسلام قواعد وأركانًا محسوسةً، وجَعَل الإسلام مبنيًّا عليها. وقوله: "على خمسٍ" أي: خمس دعائم، أو قواعد هي خِصَالهُ المذكورة، فلذلك لم يلحق التاء في خمسٍ، ولو أراد الأركان لقال: "على خمسة" معَ أنه جاءَ في رواية لِمُسلم: "على خمسةٍ" (١) وهو صحيح أيضًا، أي: خمسة أشياء، أو أركان، أو أصول. ويُحتملُ أنَّ المرادَ في الأولِ: خمسة أشياء، فَحُذِفَت الهاء؛ لكون الأشياء لم تُذكَر، كقوله تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، والمعني: عشرة أيام (٢)، كقوله ﵊ "مَنْ صَامَ رَمَضَان وأتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّال" (٣) ونحو ذلك. خامسها: قوله: "شهادةِ أَنْ لا إِلَهَ إلَّا الله" ومَا بعدَها هو مخفوضٌ على البَدَل من "خمس" وهو الأحسن، ويجوز الرَّفعُ، إما على تقدير مبتدأ محذوف، أي: أحدها شهادة أن لا إله إلا الله، أو على حذف الخبَر، أي: منها شهادة أن لا إله إلَّا الله، وحذفُ الخبر أولى. قوله: "إقام الصلاة" أصله: وإقامةُ الصلاة، حُذِفت التاء تَبَعًا للازدِواج

стр. 131

مع "وإيتاء الزكاة" فالحذف ونحوه طلبًا للازدواج في كلام العرب نحو: الغَدَايَا، والعشايا، و"وارجِعْنَ مَأْزُورَاتٍ غَيرَ مَأْجُورَات" (١)، و"الرِّجْس النِّجْس" (٢)، وهو كثير في كَلامِهِم. سادِسُها: قوله "وإيتاء الزكاة" أي: أهلها، فحَذَف المفعول بدليل: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى﴾ [البقرة: ١٧٧]، و"الإيتاء": الإعطاء، وقد سَلَفَ معنى الزكاة، والصلاة، والحج في الحديث قبله. سابعها: قد أسلَفْنَا أنَّ مَعْنَى قوله ﵊: "بُني الإسلام على خمس" أنَّ هذه الخمس أساس دينِ الإسلام وقواعده، عليها يُبْنَى وبها يقوم، ولم يَذكر معها الجهاد -وإن كان الدِّينُ ظَهَرَ به وانقمع به عُبَابُ (٣) الكفرة-؛ لأنه لم يَكُن فُرِضَ إذْ ذاك، أو لأنَّهُ من فروض الكفايات وتلكَ مِنْ فُروض الأعيان. وصَار جماعة كثيرة إلى: أنَّ فرضَ الجهاد [قد

стр. 132

سقطَ بعدَ فتح مكَّةَ] (١). ولَمَّا أَوْرَدَهُ البخاري في "التفسير" ذكَرَ فيه أنَّ رَجُلًا قال لابن عمرَ: "مَا يَحْمِلُكَ على أنْ تَحُجَّ عَامًا وتعتَمِرَ عامًا وتترُكَ الجِهاد"؛ وفي روَايَةٍ: "أنَّ رجُلًا قال لابن عمر: ألا تغْزُو؟ فقال: إني سمعت رسولَ اللهِ ﷺ يقول: "إنَّ الإسلامَ بُنِيَ على خمسٍ" الحديث (٢). وهو دالٌّ على أن ابن عمر كان لا يَرى فرضه: إمَّا مُطْلَقًا كما نُقل عنه، أو في ذلكَ الوقت. ثامنها: جاء هنا: "بُنِيَ الإسلام على خَمْسٍ شهادة أن لا إله إلَّا الله" وجاءَ في بعض طُرقه: "على أنْ يُوَحَّدَ الله" (٣). وفي أُخرى: "على أَنْ تَعبُدَ اللهَ، وتَكْفُر بِمَا دُونَهُ" (٤) بدل: الشَّهَادة. والظَّاهر أنَّ ما عَدَا الأُولي مِن بَابِ الرِّوَايَةِ بالمعنى. تاسِعها: جاء هُنا تقديم الحج على رَمَضان، وفي طريقين لـ"مُسلِم"، وفي بعض الطُّرق عكسُهُ، وفي بعضها: "فقال رجلٌ: الحج وصيام رمضان؟ فقال ابن عمر: "لا؛ صيام رمضان والحج، هكذا سَمِعْتُهُ من رسول الله ﷺ ".

стр. 133

وهذا الرجل اسمه يزيدُ بن بِشْر السَّكْسَكِيُّ، نبَّهَ عليه الخطيب في "مبهماته" (١)، على أنَّ في روايةٍ لأبي عوانة في "مستخرجه على مسلم" أنَّ ابن عمر قال للرجل: "اجعل صيام رمضان آخرهن كَمَا سَمِعتُه مِنْ رسول الله ﷺ " (٢). وأبعَدَ بعضهم فوهَّم رِوَايَةَ تَقْدِيم الحَجِّ، والصوابُ التأويل: إمَّا بنسيان ابن عمر الرِّواية الأُخرى عند الإنكار. أو كان لا يَرَى رِوَايَةَ الحديث بالمعنى؛ وهي مسألةٌ خِلافية مذكورَة في الأُصول وعلوم هذا الفن. أو أنَّ الواو للترتيب. أو أنَّهُ رَوَاهُ على الأَمرَيْن، لكِنَّهُ لمَّا ردَّ عليه الرجل قال: "لا ترد مَا لا عِلْمَ لَكَ بهِ" كما رواه في إحداهما. أو أنَّ ابن عمر أرشَدَهُ إلى التاريخ؛ لأنَّ فرضَ رمضان قبلَ الحجِّ. أو لأنها هكذا نزلت، لكن لم يتحرر لي وقت فرضِ الزَّكاة (٣). * * *

стр. 134

* تَتِمَّات: الأولى: العبادات؛ إمَّا بدنِية كالصلاة، أو ماليَّة كالزكاة، أو مُركبة منهما كالحجِّ، وأَمَّا الصوم فيجوز أن يكون مِن ذلك؛ لدخول التَّكفير بالمَالِ فيه. الثانية: شَبَّهَ ﵊ الإسلام بِبَيْتٍ بُنِيَ على دَعائِم خمسٍ كما جاءَ في الحَديث الآتي "ألا أُنبئك بِمِلاكِ الأمر .. ، وعَمُوده .. ، وذِرْوَة سَنَامِهِ: الجهاد" (١). ومعلومٌ أن البيت لا يَثْبُتُ بِدُونِ أركانه ودعائِمِهِ الَّتي يُبْنَى عليها. الثالثة: من تَرَكَ ما عَدَا الشَّهَادَتين لا يخرجُ به عن الإسلام بل عن كماله، اللهم إلَّا إذا تَرَكَهَا جَاحِدًا لِوُجُوبها، وتارِكُ الصَّلاةِ كَسَلًا لا يَكْفُر على الأصح عندنا (٢). ويُقتَلُ بالإصرار حدًّا، وقال أحمد: كُفرًا (٣).

стр. 135

الرابعة: هذا الحديث وإنْ كان مُطْلقًا فحديث: "خمسُ صَلَواتٍ كتبَهنَّ على عباده في اليوم والليلة" (١) مُبيِّنٌ لهُ. * * *

стр. 136

الحديث الرابع عن أبي عَبْدِ الرَّحمنِ عَبْدِ اللهِ بنِ مَسْعُود قالَ: حَدَّثنا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهوَ الصَّادِقُ المَصْدُوقُ-: "إِن أَحَدَكمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ في بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْما نُطْفَةً (١)، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرسَلُ المَلَكُ فَيَنْفُخُ فيهِ الرّوحَ، وَيُؤْمَرُ بِأَرْبعِ كلِمَاتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِهِ، وأَجَلِهِ وَعَمَلِهِ، وشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ، فَوَالَّذي لا إِلَهَ غيْرُهُ إنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنةِ حتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وبَيْنها إلَّا ذرَاعٌ فَيَسْبِقُ عليهِ الكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النارِ فَيَدْخُلُها، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وبينَها إلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عليهِ الكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهلِ الجَنَّةِ فَيَدْخُلُها". رواهُ البُخاريُّ ومُسْلِم (٢). * * *

стр. 137

الشَّرح: هذا حَديثٌ عظيم يَتَعلَّقُ بمبتدأ الخَلْق ويهايتهِ، وأحكام القَدَر في المبدأ والمَعَادِ جليلٌ حفيلٌ، ومرجِعُهُ من الكتاب إلى آيات القدر نحو: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ [الإنسان: ٣]، ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧]. ومَرْجِعُهُ مِنَ السُّنَّةِ كحديث "مُحَاجَّه آدم وموسى" (١). وحديث: "كُلق مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ" (٢). ثم الكلام عليه وجوه: أحدها: في التَّعريف بِراوِيهِ وهو: السَّيدُ الجليل أبو عبد الرحمن عبد الله بن مسعود الهذلي الكُوفيُّ، أسلَمَ بِمَكَّةَ قديمًا، وهاجَر إلى الحَبَشَة، ثُمَّ إلى المَدينَة، وشَهِدَ بَدْرًا والمَشَاهِدَ كُلَّها، وكانَ كثير الدُّخول عليه، ماتَ بالكوفة، وقيل: بالمدينة بعدَ الثلاثين إمَّا سنة اثنين أو ثلاث (٣). ثانيا: في ألفاظه ومَعَانيه: معنى: "حَدَّثَنا" أنشَأَ لَنَا خَبَرًا حادِثًا، وهو أَصل فيما يَسْتَعْمِلُهُ المُحَدِّثون مِن قولهم: "ثنا" مِن لفظ الشيخ، وإِمَّا قراءةً عليه، و"أنبأنا" إجازةً (٤).

стр. 138

و"الصَّادِقُ": الآتي بالصدق، وهو الخَبَر المُطَابق. و"المَصْدُوق": الذي يأتيه غيره بالصدق، فهو "صادِق" في قَوْلِهِ، وفيما يأتيه مِنَ الوَحْي، "مَصْدُوقٌ" أنَّ الله صَدَّقه فيما وعَدَه به، وهذا تأكيد، وعلى هذا القياس: الكاذِبُ والمَكْذُوب. ومنه قولُ على يومَ النَّهْرَوَان: "واللهِ مَا كَذَبْتُ ولا كَذَبَ مَنْ أخْبَرَني" (١). والشَّارع صادقٌ فيما أَخْبَر، مَصْدُوق فيما أُخبِر؛ لأنَّ جبريل يُخبِرُهُ، وعكْسُهُ ابن صيَّاد حين قال: "يَأْتِيني صَادِق وكَاذِبٌ" (٢)، و"أَرَى عَرشًا على المَاء" (٣)، فهو إذن كاذب مَكْذُوب. ومعنى "يُجْمَعُ": يُضَمّ وتُحْفَظُ مَادةُ خَلْقه وهو الماء الذي علق منه. و"العَلَقَة": قِطْعَةُ دَمٍ قبلَ أنْ تيبس. و"المُضْغَة": قطعةُ لَحْم قَدْرَ مَا تُمْضَغُ، كغُرْفَةٍ: مِقدارُ ما يُغرف. و"الرُّوح": هو المعنى الذي يَحْيَا بهِ الإنسانُ، وهو مِنْ أَمْرِ اللهِ تعالى كَمَا أخبر، وللناس في تحقيقه اختلاف كبير، ولفظُهُ مشتركٌ بين معانٍ (٤). و"الرِّزق": مَا يَتَناوله الإنسان في إقامةِ مُدّته من مأكولٍ ومشرُوبٍ ومَلْبُوس وغير ذلك. و"الأَجَل": مُدَّة الحياة.

стр. 139

ثالثها: قوله "بِكَتْبِ": هو بالباء المُوحَّدة وهو بدلٌ مِن أربع. و"شْقيّ أو سَعيد": مرفوع، خبر مبتدأ محذوف؛ أي: وهو شقي أو سعيد. وفي صحيح ابن حِبَّان مِن حديث أبي الدرداء مرفوعًا: "فَرَغَ اللهُ إلى كُلِّ عَبْدٍ مِنْ خَمسٍ: مِن رِزْقِهِ، وأجَلِهِ، وعَمَلِهِ، وأَثَرِهِ، ومَضْجَعِهِ" (١). يعني قبرَهُ، فإنَّهُ مضْجَعُهُ على الدوام: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان: ٣٤]. وفي "تجريد الصحاح" لرزين من حديث سهل بن سعد مرفوعًا: "إِذَا وقَعَت النُّطْفَة في الرحِم" الحديث، وفيه: "أَذَكر أَمْ أنثَى، أَشَقيٌّ أمْ سَعِيد، ومَا عُمْرُهُ ومَا رِزْقهُ، ومَا أَثَرُهُ، وَمَا مَصَائِبُهُ، فيقولُ الله ويكتبُ المَلَكُ، فَإِذا ماتَ الجَسدُ دُفِنَ مِن حيثُ أخِذَ ذلِكَ التراب". والمُراد "بالذِّراع": تمثيل القرْب. رابعها: لا التِفاتَ إلى ما حُكِيَ عن عمرو بن عبيد -وكان مِن زُهَّاد القَدَريَّة- مِن إنكار الحديث، فهو أقل من هذا! (٢).

стр. 140

خامسها: بيَّنَ الخطيب الحافظ في كتاب "الفصل للوصل" أنَّ أوَّل الحديث إلى قوله: "وشقي أو سعيد" وما بعده مِن كلام ابن مسعود، ثمَّ بَرْهَنَ لذلك (١). سادسها: ظاهِرُ الحَديث أنَّ أعمال الحَسَنَات والسَّيئات أمارَات وليست بِمُوجِبات، وأنَّ العَاقِبة في ذلك للسَّابِقَة. سابِعُها: قوله "في بطنِ أُمِّه أربَعينَ يومًا" يُريد: نُطْفَةً، قال بعضُ العُلماء: ولِذلكَ جُعِلَ على المُتَوَفى عنها أربعة أشهُرٍ وعَشْرًا، لأنَّ الأربعة لاعتِبار الخِلْقَة وعشر احتياط، ولغيرها ثلاث حِيَض لأنَّ عليها رقيبًا، وأُبيح لها أن تتزيَّن وتعايظ (٢) زوجها. وجاء تفسيره عن ابن مسعود: "أنَّ النُّطْفَةَ إِذَا وقَعَت في الرَّحِم وأرَادَ اللهُ خلق بشرٍ فيها، طارت في بَشرَة المرأةِ تحتَ كُلِّ ظُفْرٍ وشَعْر ثُمَّ تمكُثُ أربَعينَ ليلةً ثم يَنْزِلُ مَا في الرَّحِم فذلكَ جَمْعُها" (٣). والذي في الحَديث الذي يجمع خلقه أربعين يومًا بخلاف تفسيره أنه يُجْمَع بعدَ الأربعين، وسيأتي إيضاحُهُ. ثامِنُها: جاءَ في رِوَايةٍ بحذف "وعمله" والمُراد يكتبان أربعة أشياء من حاله: "رزقه" قِلَّةً وكَثْرَةً، وحلالًا وحَرامًا، ومِن أي جهة هوَ ونحو ذلك، و"أجله" طولًا وقصرًا، و"عمله" صالحًا وطالحًا، و"شقي" في الآخرة أو "سعيد".

стр. 141

ويجوز أن يكون المُراد ذِكرَ جُمْلَةِ مَا يُؤمران به، لا أَنَّ كُلَّ شخص يؤمر فيه بهؤلاء الأربعة، وقد أسلفنا رواية "وأثره" ويكون ذلك على كلِّ شخصٍ. تاسعها: قد أسلفنا الكلام على معنى "الجَمْع"؛ أن المَنْيَ يَقَعُ في الرَّحِم حينَ انتزاعه بالقُوَّة الشَّهْوَانيَّة الدافعة متفرقًا، فيجمعه الله في مَحَلِّ الوِلادَة مِن الرَّحِم في هذه المُدة -كَمَا أسْلَفنَا عن ابن مسعود بما فيه: "ثم يكونُ عَلَقَةً في مِثل ذلك" و"ذلك" الأول إشارة إلى المحَل الذي اجتمعتْ فيه النُّطفة وصارت عَلَقةً، و"ذلك" الثاني إِشَارَةً إلى الزَّمان الذي هو الأربعون. وكذا القول في قوله: "ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذلكَ، ثُمَّ يُرسل الملك المُوَكَّل بالرَّحِم فينفُخُ فيه الرُّوح" كما قال في حديث أنس: "إنَّ الله قَدْ وَكَّلَ بالرحِمِ مَلَكًا" (١) وظَاهِرُ هذا السِّياق أنَّ المَلَك عندَ مَجيئه ينفخُ الرُّوحَ في المُضغَةِ وليسَ الأمر كذلك؛ إنما ينفخُ فيها بعدَ أن تتشَكَّل تلكَ المُضْغَة بشكل ابن آدم؛ أي: تَتَصَوَّر بصورته، كما قال تعالى: ﴿فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا﴾ [المؤمنون: ١٤]، وكَمَا ذَكَرَ في الآيةِ الأُخرى: ﴿مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ﴾ [الحج: ٥]، أي: مُصَوَّرة وغير مُصَوَّرة، أي: السِّقط. وهذا التخليق والتَّصوير يكون في مُدَّةِ أربعين يومًا وحينئذٍ يُنفخ فيه الرُّوح، وهو المَعْنِيُّ بقوله تعالى ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون: ١٤] (٢). العاشِر: قدَّر النفخ هنا بعدَ مائة وعشرين يومًا، وصحَّ في حديث آخر بعدَ الأربعين أو اثنين وأربعين يومًا؟! فيجمَعُ بينهما: بأنَّ ذلكَ راجِعٌ إلى اختلاف الأَجِنَّة، أو بأن المَلَك ملازمة

стр. 142

ومراعاة لحال النطفة من الأربعين إلى تمام المائة والعِشرين، وقد أوضَحتُ الكلام عليه في "شرح صحيح البخاري" فراجِعْهُ منه تجد ما يشفي العليل. وادَّعَى القاضي عياض أنه: "لم يُختلف في أنَّ نَفْخَ الرُّوح فيه إنما يكون بعد مائة وعِشرين يومًا، وذلك تَمَامُ أربعة أشهر، ودخوله في الخامس، وهذا موجود بالمُشَاهَدَةِ، وعليه يُعَوَّلُ فيما يُحتاج إليه من الأحكام والاستلحَاق عندَ التَّنَازع، ووجُوب النَّفَقات على حَمْل المُطَلَّقات، وذلك لتيقنه بحركة الجنين في الجوف. وقد قيل: إنه الحِكمَة في عِدَّة المرأةِ مِن الوَفاة بأربعة أشهر وعشر -كما مرَّ- وبعدَ الدُّخول في الخامسة تحقق براءة الرَّحِم ببلوغ هذه المُدَّة إذا لم يَظْهَر حمل" (١). ونَفخُ المَلَك في الصُّورة سبب يخلق الله فيها عِندَهُ الرُّوح والحياة، لأنَّ النَّفخَ المُتَعَارف إنَّمَا هوَ إخراجُ ريح مِن النَّافِخ يتَّصِلُ بالمَنْفُوخ فيه، ولا يَلْزَم منهُ عقلًا ولا عادةً في حقِّنا تأثيرٌ في المَنْفُوخ فيه، وإنْ قُدِّرَ حُدوثُ شيء عِنْدَ ذلِكَ النَّفخ، فذلكَ بإحداثِ الله لا بالنَّفخ، وغَايةُ النَّفخ: أن يكونَ مُغَذِّيًا عاديًا لا موجِبًا عَقليًّا، وكذلك القولُ في الأسباب المُعْتَادة؛ فليتأمَّل هذا الأصل، ويتمسك به ليَنْجو مِن مذاهب أهل الضَّلال (٢). وقَد ظَهَر سِرُّ هذا الترتيب، وإن كانت القدرة صالحة لإيجاده وجميع المخلوقات في أَسرع لحظة وأسرع آنٍ، لأنَّهُ كان كذلك في سابقِ عِلْمِهِ. الحادي عشَر: ظاهِرُ قوله: "ويُؤْمَرُ بأرْبعِ كَلِمَاتٍ" الأمرُ بِكِتَابَتِها ابتداءً،

стр. 143

والمُراد أنه يُؤْمَرُ بذلك بعدَ أن يسأل عنه فيقول: يا ربَ! ما الرِّزق؟ ما الأجل؟ ما العمل؟ وشقيٌّ أو سعيد؟ كما تَضَمَّنَتْهُ الأحاديث المذكورة مع هذا الحديث. وفي "الصحيح" مِن طريق ابن مسعود (١)، وابن عمر (٢) أنَّ النُّطفةَ إذا استَقرَّت في الرَّحِم أَخَذَها المَلَك فقال: "أي ربِّ! ذَكَر أم أنثى؟ شقيٌّ أَمْ سعيد؟ ما الأجل؟ ما الأثر؟ بأي أرض تموت؟ فيقال له: انطَلِق إلى أم الكِتَاب؛ فإنَّكَ تجد قصَّةَ هذه النُّطفَة، فينطَلِق فَيَجِد قِصَّتها في أم الكتاب؛ فتلحق، فتأكل رزقها، وتطأ أثرها، فإذا جاءَ أجلها قُبِضَتْ فَدُفِنت في المَكان الذي قُدِّرَ لها". زادَ في رِوايةٍ مِن حديث ابن مسعود: "أنَّ المَلَك يقول: يا ربِّ! مخَلَّقةً أو غيرَ مُخَلَّقةٍ، فإن كانت (٣) غيرَ مخَلَّقةٍ قَذَفَتها الأرحام دَمًا، وإن قيلَ: مُخَلَّقةً قال: أي ربِّ ذَكر أم أنثى" (٤) إلى آخر ما سَلَف. فالمُراد بالاستقرار: صَيْرُورة النُّطفة عَلَقة ومُضغة، لأنَّ النّطفةَ قبلَ ذلِكَ غير مجْتَمعةٍ كما سَلَف، فإذا اجتمعت وصارت علقةً أو مُضغةً، أمْكَنَ حينئذٍ أنْ

стр. 144

تُؤْخَذَ بالكَفِّ، وسَمَّاهَا نُطْفَةً في حالِ كونها عَلَقةً أو مُضغةً باسم مَبْدَئِها. الثاني عشر: يُسْتَفَادُ مِمَّا ذَكرنا أنَّ المرأةَ إذا ألقَت نطفة لم يتَعَلَّق بها حُكْم، بخلاف العَلَقة والمُضْغَة؛ فإنه تنقضي بوضعه العِدَّةُ، وتصيرُ به أمّ ولد عندَ مالكٍ وأصحابه خلافًا للشَّافعي حيث اعتبر التخطيط؛ لأنهُ حينئذ يُسَمَّى ولَدًا، وإلَّا فيلزم ثبوتها بالنُّطفة (١). الثالث عشر: قوله: "إنَّ أَحَدَكم لَيَعْمَلُ بِعَمَل أهل الجنَّةِ ... " إلى آخرِه. ظاهِرُهُ صحّة العمل، ومنعُ القَدَر السَّالف الذي يظهر عندَ الخاتِمة. ومعنى "فيَسْبِقُ عليه الكتاب" أي: حكمه الذي كتب في بطن أُمِّه مُسْتَنِدًا إلى سابِقِ عِلمِه القديم فيه "فيعمَلُ بعَمَلِ أهل النار فَيَدخُلُها" أي: بحُكْمِ القَدَر الجاري عليه المستند إلى خلقِ الدَّواعي والصَّوارف في قلْبهِ إلى ما يَصدر عنه مِن أفعالِ الخير والشَّر، فمن سبَقَت له السَّعادةُ صَرَفَ اللهُ قَلبَهُ إلى خير يُخْتَمُ (٢) له به، ومَن سبقَت له الشَّقاوة عكسُهُ (٣). وفي بعضِ روايات هذا الحديث: "وإنما الأعمَال بالخَواتيم" (٤). وفي حديث آخر: "اعمَلُوا فكُلّ مُيَسَّر لِما خُلِقَ لَهُ، أَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السعادَةِ فيُيَسَّرُ لِعَمَل أهلِ السَّعادَةِ، وأَمَّا مَن كانَ مِن أهل الشَّقاوة فَيُيَسَّرُ لِعَمَل أهلِ الشَّقَاوة" (٥).

стр. 145

وقلوب الخلق يُصَرِّفها كيف يشاء، فالمُوَفَّق من بَدَا عمله بالسَّعادة وخُتِمَ بها، والمَخْذُول عكسه، وكذا من بدا بالخَيْر وخُتِمَ بالشَّر لا عكسه. وأهل الطريق في كُل حالهم يخافون سوء الخاتِمَة -نجانا الله منها- (١). وتصرُّف الله في خلقهِ ظاهِرًا: إمّا بِخرْقِ العادات كالمُعْجِزة، وإِمَّا بِنَصبِ الأدلة والأمارة كالأحكام التَّكليفية؛ أو باطنًا: إما بتقدير الأسباب نحو: ﴿وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ﴾ [الأنفال: ٤٢] وشِبهه. أو بِخَلق الدَّواعي والصَّوارف نحو: ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٨]، ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ﴾ [الأنعام: ١١٠]، ﴿ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ)﴾ [التوبة: ١٢٧]، "يا مُصَرِّفَ القُلوبِ صَرِّفْ قلوبَنَا على طَاعَتِكَ" (٢). وفي الحديث إشارةٌ إلى تعاطي الأسباب للسَّعادة والشَّقاوة، وبها يظهر ما جُبِلَ عليه مِن الخير والشَّر: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]، ثمَّ لا يَنْبَغي له مع ذلك أن يعجب بها خوف احتِبَاطها، ومن لُطْفِ الله تعالى أنَّ انقلابَ الناس مِنَ الخَيْر إلى الشَّر نَادِرٌ، والكثيرُ عكسه "إنَّ رحمَتي سَبَقَت غَضبِي" (٣). خاتِمَة: الكافر والعاصي يختلفان في التَّخليد وغيره، فالكافر مخلدٌ في النَّار أبدًا، والعاصي المُوَحِّدُ لا يُخَلدُ، وأَمرُهُ في التَّعذيب إلى رَبِّه.
следующие страницы →