← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17745

المعين على تفهم الأربعين ت دغش

ابن الملقن

Полный текст (473 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

ويجوز أن يكون المُراد ذِكرَ جُمْلَةِ مَا يُؤمران به، لا أَنَّ كُلَّ شخص يؤمر فيه بهؤلاء الأربعة، وقد أسلفنا رواية "وأثره" ويكون ذلك على كلِّ شخصٍ. تاسعها: قد أسلفنا الكلام على معنى "الجَمْع"؛ أن المَنْيَ يَقَعُ في الرَّحِم حينَ انتزاعه بالقُوَّة الشَّهْوَانيَّة الدافعة متفرقًا، فيجمعه الله في مَحَلِّ الوِلادَة مِن الرَّحِم في هذه المُدة -كَمَا أسْلَفنَا عن ابن مسعود بما فيه: "ثم يكونُ عَلَقَةً في مِثل ذلك" و"ذلك" الأول إشارة إلى المحَل الذي اجتمعتْ فيه النُّطفة وصارت عَلَقةً، و"ذلك" الثاني إِشَارَةً إلى الزَّمان الذي هو الأربعون. وكذا القول في قوله: "ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذلكَ، ثُمَّ يُرسل الملك المُوَكَّل بالرَّحِم فينفُخُ فيه الرُّوح" كما قال في حديث أنس: "إنَّ الله قَدْ وَكَّلَ بالرحِمِ مَلَكًا" (١) وظَاهِرُ هذا السِّياق أنَّ المَلَك عندَ مَجيئه ينفخُ الرُّوحَ في المُضغَةِ وليسَ الأمر كذلك؛ إنما ينفخُ فيها بعدَ أن تتشَكَّل تلكَ المُضْغَة بشكل ابن آدم؛ أي: تَتَصَوَّر بصورته، كما قال تعالى: ﴿فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا﴾ [المؤمنون: ١٤]، وكَمَا ذَكَرَ في الآيةِ الأُخرى: ﴿مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ﴾ [الحج: ٥]، أي: مُصَوَّرة وغير مُصَوَّرة، أي: السِّقط. وهذا التخليق والتَّصوير يكون في مُدَّةِ أربعين يومًا وحينئذٍ يُنفخ فيه الرُّوح، وهو المَعْنِيُّ بقوله تعالى ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون: ١٤] (٢). العاشِر: قدَّر النفخ هنا بعدَ مائة وعشرين يومًا، وصحَّ في حديث آخر بعدَ الأربعين أو اثنين وأربعين يومًا؟! فيجمَعُ بينهما: بأنَّ ذلكَ راجِعٌ إلى اختلاف الأَجِنَّة، أو بأن المَلَك ملازمة

стр. 142

ومراعاة لحال النطفة من الأربعين إلى تمام المائة والعِشرين، وقد أوضَحتُ الكلام عليه في "شرح صحيح البخاري" فراجِعْهُ منه تجد ما يشفي العليل. وادَّعَى القاضي عياض أنه: "لم يُختلف في أنَّ نَفْخَ الرُّوح فيه إنما يكون بعد مائة وعِشرين يومًا، وذلك تَمَامُ أربعة أشهر، ودخوله في الخامس، وهذا موجود بالمُشَاهَدَةِ، وعليه يُعَوَّلُ فيما يُحتاج إليه من الأحكام والاستلحَاق عندَ التَّنَازع، ووجُوب النَّفَقات على حَمْل المُطَلَّقات، وذلك لتيقنه بحركة الجنين في الجوف. وقد قيل: إنه الحِكمَة في عِدَّة المرأةِ مِن الوَفاة بأربعة أشهر وعشر -كما مرَّ- وبعدَ الدُّخول في الخامسة تحقق براءة الرَّحِم ببلوغ هذه المُدَّة إذا لم يَظْهَر حمل" (١). ونَفخُ المَلَك في الصُّورة سبب يخلق الله فيها عِندَهُ الرُّوح والحياة، لأنَّ النَّفخَ المُتَعَارف إنَّمَا هوَ إخراجُ ريح مِن النَّافِخ يتَّصِلُ بالمَنْفُوخ فيه، ولا يَلْزَم منهُ عقلًا ولا عادةً في حقِّنا تأثيرٌ في المَنْفُوخ فيه، وإنْ قُدِّرَ حُدوثُ شيء عِنْدَ ذلِكَ النَّفخ، فذلكَ بإحداثِ الله لا بالنَّفخ، وغَايةُ النَّفخ: أن يكونَ مُغَذِّيًا عاديًا لا موجِبًا عَقليًّا، وكذلك القولُ في الأسباب المُعْتَادة؛ فليتأمَّل هذا الأصل، ويتمسك به ليَنْجو مِن مذاهب أهل الضَّلال (٢). وقَد ظَهَر سِرُّ هذا الترتيب، وإن كانت القدرة صالحة لإيجاده وجميع المخلوقات في أَسرع لحظة وأسرع آنٍ، لأنَّهُ كان كذلك في سابقِ عِلْمِهِ. الحادي عشَر: ظاهِرُ قوله: "ويُؤْمَرُ بأرْبعِ كَلِمَاتٍ" الأمرُ بِكِتَابَتِها ابتداءً،

стр. 143

والمُراد أنه يُؤْمَرُ بذلك بعدَ أن يسأل عنه فيقول: يا ربَ! ما الرِّزق؟ ما الأجل؟ ما العمل؟ وشقيٌّ أو سعيد؟ كما تَضَمَّنَتْهُ الأحاديث المذكورة مع هذا الحديث. وفي "الصحيح" مِن طريق ابن مسعود (١)، وابن عمر (٢) أنَّ النُّطفةَ إذا استَقرَّت في الرَّحِم أَخَذَها المَلَك فقال: "أي ربِّ! ذَكَر أم أنثى؟ شقيٌّ أَمْ سعيد؟ ما الأجل؟ ما الأثر؟ بأي أرض تموت؟ فيقال له: انطَلِق إلى أم الكِتَاب؛ فإنَّكَ تجد قصَّةَ هذه النُّطفَة، فينطَلِق فَيَجِد قِصَّتها في أم الكتاب؛ فتلحق، فتأكل رزقها، وتطأ أثرها، فإذا جاءَ أجلها قُبِضَتْ فَدُفِنت في المَكان الذي قُدِّرَ لها". زادَ في رِوايةٍ مِن حديث ابن مسعود: "أنَّ المَلَك يقول: يا ربِّ! مخَلَّقةً أو غيرَ مُخَلَّقةٍ، فإن كانت (٣) غيرَ مخَلَّقةٍ قَذَفَتها الأرحام دَمًا، وإن قيلَ: مُخَلَّقةً قال: أي ربِّ ذَكر أم أنثى" (٤) إلى آخر ما سَلَف. فالمُراد بالاستقرار: صَيْرُورة النُّطفة عَلَقة ومُضغة، لأنَّ النّطفةَ قبلَ ذلِكَ غير مجْتَمعةٍ كما سَلَف، فإذا اجتمعت وصارت علقةً أو مُضغةً، أمْكَنَ حينئذٍ أنْ

стр. 144

تُؤْخَذَ بالكَفِّ، وسَمَّاهَا نُطْفَةً في حالِ كونها عَلَقةً أو مُضغةً باسم مَبْدَئِها. الثاني عشر: يُسْتَفَادُ مِمَّا ذَكرنا أنَّ المرأةَ إذا ألقَت نطفة لم يتَعَلَّق بها حُكْم، بخلاف العَلَقة والمُضْغَة؛ فإنه تنقضي بوضعه العِدَّةُ، وتصيرُ به أمّ ولد عندَ مالكٍ وأصحابه خلافًا للشَّافعي حيث اعتبر التخطيط؛ لأنهُ حينئذ يُسَمَّى ولَدًا، وإلَّا فيلزم ثبوتها بالنُّطفة (١). الثالث عشر: قوله: "إنَّ أَحَدَكم لَيَعْمَلُ بِعَمَل أهل الجنَّةِ ... " إلى آخرِه. ظاهِرُهُ صحّة العمل، ومنعُ القَدَر السَّالف الذي يظهر عندَ الخاتِمة. ومعنى "فيَسْبِقُ عليه الكتاب" أي: حكمه الذي كتب في بطن أُمِّه مُسْتَنِدًا إلى سابِقِ عِلمِه القديم فيه "فيعمَلُ بعَمَلِ أهل النار فَيَدخُلُها" أي: بحُكْمِ القَدَر الجاري عليه المستند إلى خلقِ الدَّواعي والصَّوارف في قلْبهِ إلى ما يَصدر عنه مِن أفعالِ الخير والشَّر، فمن سبَقَت له السَّعادةُ صَرَفَ اللهُ قَلبَهُ إلى خير يُخْتَمُ (٢) له به، ومَن سبقَت له الشَّقاوة عكسُهُ (٣). وفي بعضِ روايات هذا الحديث: "وإنما الأعمَال بالخَواتيم" (٤). وفي حديث آخر: "اعمَلُوا فكُلّ مُيَسَّر لِما خُلِقَ لَهُ، أَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السعادَةِ فيُيَسَّرُ لِعَمَل أهلِ السَّعادَةِ، وأَمَّا مَن كانَ مِن أهل الشَّقاوة فَيُيَسَّرُ لِعَمَل أهلِ الشَّقَاوة" (٥).

стр. 145

وقلوب الخلق يُصَرِّفها كيف يشاء، فالمُوَفَّق من بَدَا عمله بالسَّعادة وخُتِمَ بها، والمَخْذُول عكسه، وكذا من بدا بالخَيْر وخُتِمَ بالشَّر لا عكسه. وأهل الطريق في كُل حالهم يخافون سوء الخاتِمَة -نجانا الله منها- (١). وتصرُّف الله في خلقهِ ظاهِرًا: إمّا بِخرْقِ العادات كالمُعْجِزة، وإِمَّا بِنَصبِ الأدلة والأمارة كالأحكام التَّكليفية؛ أو باطنًا: إما بتقدير الأسباب نحو: ﴿وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ﴾ [الأنفال: ٤٢] وشِبهه. أو بِخَلق الدَّواعي والصَّوارف نحو: ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٨]، ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ﴾ [الأنعام: ١١٠]، ﴿ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ)﴾ [التوبة: ١٢٧]، "يا مُصَرِّفَ القُلوبِ صَرِّفْ قلوبَنَا على طَاعَتِكَ" (٢). وفي الحديث إشارةٌ إلى تعاطي الأسباب للسَّعادة والشَّقاوة، وبها يظهر ما جُبِلَ عليه مِن الخير والشَّر: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]، ثمَّ لا يَنْبَغي له مع ذلك أن يعجب بها خوف احتِبَاطها، ومن لُطْفِ الله تعالى أنَّ انقلابَ الناس مِنَ الخَيْر إلى الشَّر نَادِرٌ، والكثيرُ عكسه "إنَّ رحمَتي سَبَقَت غَضبِي" (٣). خاتِمَة: الكافر والعاصي يختلفان في التَّخليد وغيره، فالكافر مخلدٌ في النَّار أبدًا، والعاصي المُوَحِّدُ لا يُخَلدُ، وأَمرُهُ في التَّعذيب إلى رَبِّه.

стр. 146

ثمَّ الحديث دَالٌّ على إثبات القدر كما سلف. وأنَّ التَّوبة هادِمةٌ لِمَا سَلَف. وأنَّ مَن ماتَ على شيءٍ حُكِمَ له بهِ، فَجَميعُ الواقِعات بِقضائهِ وقَدَرهِ خيرها وشرِّها، حلوها ومُرِّها، نَفْعِهَا وَضُرِّها، إِيمانها وكُفْرِها، ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] (١). * * *

стр. 147

الحديث الخامس عن أُمِّ المُؤْمِنِين أُمِّ عبدِ اللهِ عائِشةَ ﵂ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ أَحْدَثَ في أَمْرِنا هَذا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهوَ ردٌّ". رواهُ البُخَاريُّ وَمُسْلِمٌ (١). وفي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: "مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عليهِ أَمْرُنا فَهوَ ردٌّ" (٢). * * * الكلامُ عليه مِن وُجُوه: أحدها: في التَّعريف بِراوِيه، وهي الصِّدِّيقة بنت الصِّدِّيق، الحَبيبَةُ بنت الحبيب، عائشة بنت أبي بكر -عبد الله بن أبي قُحافة عثمان-، كُنيت بابن أُختِها عبد الله بن الزُّبير، رُوي أنها قالت: "يا رسول الله! كُلُّ نِسَائِكَ لهُنَّ كُنى إلَّا أَنَا". فقال: "اكْتَنِي بابن أُختُكِ عبد الله" (٣). وأَبْعَدَ مَن قال بِسِقطٍ لها.

стр. 148

تَزَوَّجَها ﵊ قبلَ الهِجرة، وبَنَى بها بعدَ وقعةِ بدرٍ في السَّنَة الثانية، وقيل: في الأولى. وماتت بعدَ الخمسين عن نيِّف وستين سنة (١). وقولهم في عائشة وغيرها مِنْ أَزْواجِهِ: "أُمُّ المُؤْمنِين" أي: في الاحترام والتوقير، لا في الخَلْوَة، والمُسَافَرة، وحُرمَةِ نِكاح بناتِهِنَّ، ولا النظر، وقد أشبَعتُ الكلام علي ذلكَ في "شرح صحيح البخاري"، و"الخصائص" فليراجع منهما (٢). ثانيها: معنى "أحْدَثَ" أتَى بِأَمْرٍ حَادِثٍ. و"أَمْرُنا": دِينُنَا وشَرْعُنا، ويُطْلَق على الشأن، وجَمْعُهُ: أمورٌ، ومِنْهُ: ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هود: ٩٧] أي: مَا شأنهُ، ويُطْلَق ويُرادُ بهِ مَصْدَر: أَمَرَ، وجَمعهُ: أوامِر. و"مَا لَيْسَ مِنْهُ" أي: لا يستَنِدُ إلى شيءٍ مِن أدلةِ الشَّرع. فأَمَّا تفريع الأصول التي هي مِنهُ فإنَّ ذلكَ لا يتناوله هذا الردُّ: كَكِتابةِ القُرآن في المَصاحِف، وتحرير المَذَاهب، وكتب النَّحو، والحِساب والفَرائض وغيرها مِن العلوم. "فهوَ ردٌّ" أي: مَرْدُودٌ عليه، غير مقبول منه ولا نُجِيزه، كالخَلْق بمعنى المخلوق، و"نَسجُ اليَمَن" أي: منسُوجه، ومنهُ الحديث: "الغَنَمُ والوَلِيدَةُ ردٌّ

стр. 149

عليكَ" (١). أي: مردود؛ فمعناه: أنهُ باطِلٌ غير معتدٍّ به. وقوله: "ليسَ عليهِ أَمْرُنَا" أي: لا يَرْجعُ إلى دَليلِ شرعنا، كما سَلَفَ. الثالث: هذا الحديث قاعِدَةٌ عَظِيمةٌ مِن أعظَمِ قَواعِدِ الدِّين، وأعمَّها نفعًا، وينبَغِي حِفْظُهُ وإشاعَتُهُ واستعمالُه في إبطالِ المُنْكَرات، وهوَ مِن جَوامِعِ كَلِمِهِ الذي أوتيها -عليه أفضَلُ الصلاة والسَّلام-، وذلِكَ أنهُ صَريحٌ في ردِّ كُلِّ بِدْعَةٍ، وكلِّ مُخْتَرَعٍ مِمَّا لا يُوافِقُ قَواعِد الشَّريعة (٢). ورِوايَةُ مُسْلمٍ: "عَمَلًا" حَسَنةٌ، وهي الثَّابتة، وذلِكَ أَنَّهُ قَدْ يُعانِدُ بعضُ الفَاعِلين بدعة سُبِقَ إليها؛ فإذا احتُجَّ عليه بالحَديث، يقول: أنا ما أَحْدَثتُ شيئًا! فَيُردُّ عليه بالرِّواية الأخرى "مَنْ عَمِلَ" وكُلُّهُ صريح في ردِّ المُحْدَثَات؛ سواءٌ أحْدَثَها هو أو غيره، فكلُّ مَا خَرجَ على الشَّرع باطِلٌ لا عِبْرَةَ بهِ، فكُلُّ دليلٍ نافٍ لحكم ما ليسَ مِن شرعنا وليسَ عليهِ أَمْرُنا، وعُدَّ مِنَ المَنْهِيَّات: الطَّهارة بماء حرام أو نجسٍ، والصلاةُ بغير نيَّةٍ، وبدون استقبال القِبلة وباقي الشرائط، والصوم بغير نِيَّةٍ، والحج كذلكَ، والبيوع المنهي عنها: كالغرر، والنَّجش. والأنكِحة: كالشِّغار، والمُتعةِ. والتخصيصات أمرٌ شرعي (٣).

стр. 150

ووِلايةُ خالدٍ في مؤتة (١) كانت مِن المصالح العامة، وسُرَّ الشَّارعُ بذلِكَ وَمَدَحَهُ. ثمَّ الحديث دالٌّ علي أنَّ النَّهيَ يقتضي الفَسادَ -أيضًا- (٢). والله أعلم (٣). * * *

стр. 151

الحديثُ السَّادِس عن أبي عبدِ الله النُّعْمَانِ بنِ بَشيرٍ ﵁ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ الحَلالَ بَيِّنٌ، وإنَّ الحَرامَ بَيِّنٌ، وبَيْنَهمَا مُشْتَبِهاتٌ لا يَعْلَمُهنَّ كَثيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ في الشُّبُهاتِ وقَعَ في الحَرَامِ، كالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى يُوشِكُ أنْ يَرْتَعَ فيهِ، أَلا وإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمَى، أَلا وَإِنَّ حِمَى اللهِ مَحَارِمُهُ، أَلا وَإِنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلا وهيَ القَلْبُ". رواهُ البُخَارِيُّ ومُسْلِمٌ (١). * * * الكلامُ عليهِ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: النُّعمان هذا كما كَنَّاهُ مَدَنيٌّ خَزْرَجيٌّ، صحابيٌّ ابن صحابيٍّ، وأُمُّهُ عمرة بنت رواحة، أخت عبد الله بن رواحة، وهو أولُ مولودٍ وُلدَ في الأنصَار بعدَ قُدُومِ رسول الله ﷺ المدينة، ووُلِدَ هو وعبد الله بن الزُّبَيْر عام اثنين

стр. 152

مِنَ الهِجرة في قولِ الأكثرين، وتُنْسَبُ إليه مَعَرَّةُ (١) النُّعمان، لأنه كان مُقِيمًا بها أو واليًا عليها، وَوَليَ حمص ليزيد، وقُتِلَ: في أواخر سنة أربعٍ وستين، أو سنة ستٍّ (٢). ثانِيها: هذا الحديث رواهُ عن النبي ﷺ غير النُّعْمَان، رواه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وابنه الحسن، وابن مسعود، وجابر بن عبد الله، وابن عمر، وابن عباس، وعمَّار بن ياسر ﵃. ثانيها: هذا الحديثُ مُجْمَعٌ علي عِظَمِ موقِعهِ، وكثرةِ فوائِدِهِ، وأَنَّهُ أحد الأحاديث التي يدورُ عليها الإسلام. قال جماعة: "هو ثلثه". وقال أبو داود: "ربعه" (٣). ومَنْ أنْعَمَ النَّظَرَ وجَدَه حاويًا لجميعهِ؛ فإنهُ مُشْتَمِل علي الحَلالِ والحرامِ، والمُتَشَابِهِ، ومَا يُصْلحُ القُلوبَ وَمَا يُفْسِدُها، وتتعلَّقُ أعمالُ الجَوارح بها فيستلزم إذًا معرفةَ تفاصيل أحكامِ الشريعةِ كلِّها، أصولها وفُرُوعِها (٤). وهو أصلٌ -أيضًا- في الوَرَع، وهو: تركُ المُتشابهِ إلى غيرهِ، "دع ما يَريبُكَ إلى مَا لا يَريبكَ".

стр. 153

وقال الحسن البصري-﵀: "أدرَكْنا أقوامًا كانوا يتركون سبعين بابًا مَن الحلال؛ خشية الوقوع في بابٍ مِنَ الحرام" (١). وثبتَ عن الصِّديق أنه أكلَ شُبهَةً غير عالِمٍ بها، فَلَمَّا علِمَها ادخَلَ يَدَهُ في فيه فَتَقَيَّأهَا (٢). وقال أبو ذرٍّ ﵁: "تمام التَّقوى أن يتَّقِيَ اللهَ العَبْدُ بتركِ بعض الحلالِ مَخَافَةَ أنْ يكونَ حرامًا، حِجَابًا بينَهُ وبينَ الحرام" (٣). وقيل لإبراهيم بن أدهم ﵀: ألَا تَشْرَب مِن ماءِ زَمزَم؟ فقال: "لو كانَ لي دَلوٌ لَشَرِبتُ" (٤). إشارة إلى أنَّ الدَّلوَ مِن مالِ السُّلطان، وكانَ يشبهه في الحديث: "أفتِ نفسكَ وإن أفتاكَ المُفْتُونَ" وسيأتي في الحديث السابع بعدَ العِشرين "وإن أفتاكَ الناس وأفتوكَ". وعن زيد بن ثابت انه قال: "مَا شيءٌ أسهل مِن الوَرَع، إذا رابَكَ شيءٌ فَدَعهُ" وهذا سهل علي مَن سهَّلهُ الله، صعبٌ علي كثيرٍ مِن الناسِ أثقلُ من الجبالِ، وهذا شبيه بقول بعصْ سُلَماءِ الصُّدورِ: "لا شيءَ أسهل من صيد الأسد! قيل: وكيف ذاك؟! قال: واحدٌ يفتح رأس الجوالق، وآخر يكشكش"!

стр. 154

ثمَّ هذا الحديث يرجع من آي الكتاب إلى قوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ٥٧]، ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٧] أي: حلالًا، ليخرج الخبيث والمُحَرَّم. ومِنَ السُّنَّةِ الحديث الذي ذَكَرناهُ ويأتي: "دَعْ مَا يَريبُكَ إلى مَا لَا يَريبُكَ". وفي "الترمذي" مِن حديث عائذ بن عمرو مرفوعًا: "لَا يَبْلغُ أَحَد أَنْ يَكُونَ مِنَ المُتَّقين حتى يَدَعَ مَا لَا بَأْسَ بهِ حِذَارًا مِمَّا بهِ بَأسٌ" (١). رابعهما: في ضَبْطِ ألفاظِهِ ومَعَانيه: "الحرام": الممنوع منهُ شرعًا (٢)، والحلالُ ضِدُّه: وهو ما عُلِمَ أصله، أو ما لم يتبين حرمته وهو أسهل مِنَ الأول. و"المُشْتَبِهات": ما تُردِّدَ بينَهُمَا، وقامت فيه شُبهَةُ الحِلِّ والحُرْمَة. والمُراد: أن نوعهما بيِّن لا يَخْفَى، ثابتٌ بنُصوص الكتاب والسُّنة، يعرِفُهُ كلُّ أحدٍ، ولا يُحتَاجُ إلى تَعدادهِ. والمُرادُ بقوله: "لَا يَعْلَمُهنَّ كثيرٌ مِنَ الناس" أنها ليسَتْ بِواضِحَةِ الحِلِّ ولا الحُرْمَة؛ فلهذا لا يَعْرِفُهَا كثيرٌ مِنهُم، وأمَّا العُلَمَاء فَيَعْرِفونَ حُكْمَها بِنَصٍّ

стр. 155

أو قِيَاسٍ أو استِصحَابٍ ونحو ذلك، فإن لم يظهر فالمختار بناء ذلك في الأشياء قبل وُرُود الشرع، والأصح أنه لا يحكم بشيء فيه. و"اتقى" معناه: تَرَكَ. و"الشُّبهات": جمعُ شُبهة، وهو: ما يُخَيَّلُ للناظِرِ أَنَّهُ حُجَّةٌ وليسَ كذلك، وفيه إيقاعُ الظَّاهرِ موضع المُضْمَر تفخيمًا لشأن اجتنابات الشبهات، إذ المشتبهات: الشبهات بعينها. و"العِرض" -بكسرِ العين- هنا: النَّفس، فهيَ مَحَلّ الذَّمِّ والمَدح مِنهُ، ولهُ مَحَامِلُ أُخَرُ في غير هذا الموضع. و"اسْتَبرأ" -مهموزٌ، وقد يخفف- أي: طَلَبَ البَرَاءَةَ لِدينه مِنَ النَّقص وحصَّلها له، كـ "استبرأ مِنَ البول" حَصَّل البراءة منه، فصان نفسه عن النقص والخلل، ووقوع الناس فيه. وقد جاء في الأثر: "مَن وَقَفَ مَوْقِفَ تهمَةٍ فَلَا يَلُومَنَّ مَن أساءَ الظَّنَّ به" (١). وقد قال الشَّارع: "علي رِسْلِكُما إنَّها صَفِيَّة" (٢) خوفًا عليهما أنْ يَهْلِكَا. وقد قال في تلكَ التَّمرة: "لَوْلَا أَنْ أَخْشَى أَنْ تَكونَ مِن تَمْرِ الصَّدَقَةِ لأكلْتُها" (٣).

стр. 156

وقِصَّةُ بريرةَ: "هوَ عليْها صَدَقَةٌ، ولَنَا هَدِيَّةٌ" (١) مِنْ بابِ التَّشْرِيع (٢). وقوله: "ومَن وَقَعَ في الشُّبهات وقعَ في الحَرام": أي: يُصادفه وإن لم يتعمدهُ، أو بتمرينه على الشبهات يقع فيه، فإن المعاصي بريد الكفر -أي: رسوله- فيَنْدَرِجُ مِن دَرَجَةٍ إلى أُخرى بالتَّساهُلِ والتَّسمُّحِ، ومنه: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧]، نَهى عن المُقَارَبَةِ حَذَرًا مِنَ المُواقعة، وقليلُ الشُّربِ يَدْعُو لِكَثِيرهِ، والخلوة بالأجنبيَّةِ تَدْعُو إلى الفُّجورِ، والقُبلَة للصائم -إذا حرَّكت شهوته- تدعو للوطء، ومنهُ لعنُ السَّارق يَسْرِقُ البَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ، أي: فيتدرَّجُ إلى ما يقطعُ يده (٣)، ووطءُ الزَّوجةِ والأَمَةِ فيما بين الإِلْيَتَيْن بدون الإيلاج مما يجن (٤) فيه، لكن صرَّحُوا بجَوَازِهِ، وأقلُّ أحوالهِ الكراهةُ. و"الحِمَى" المَمْنُوع يعني المحمي، فالمَصْدَر فيه واقع موقع اسم المفعول.

стр. 157

و"حِمى الملك": ما حَجَزَهُ لخيلِهِ ونحوها من آلاتِ مَصَالحهِ، ومنه "حِمَى كُلَيْب" (١)، قال الشاعر (٢): أَبَحْتَ حِمَى تِهَامَةَ بَعْدَ نَجْدٍ ... وَمَا شَيْءٌ حَمَيْتَ بِمُسْتَبَاح وهذا ضَرَبَهُ مَثَلًا محسُوسًا؛ لتكونَ النَّفسُ لها أشد تصورًا، فَتَتَأَدَّبُ معهُ، كما يُتأدبُّ مع الأكابر، فَكُلُّ مَلِكٍ له حِمى يحميه من الناس، ويمنعهم من دخوله، فمن خالف ودَخَله عاقَبَهُ، فالرَّبُّ -جَلَّ وتعالى- حماه: محارِمُهُ التي حرَّمَها، كالجرائم علي النَّفس والمال والعِرض، وتُطْلَق المَحَارِمُ علي المَنْهِيَّات قَصْدًا، وعلى تركِ المأموراتِ استِلْزَامًا، وإطلاقها علي الأول أشهر، وقد حرَّمَ إبراهيم مكَّةَ، وحرَّمَ الشارع المدينة، وحمى عمر الشرق والرَّبذة. و"يوشِكُ" -بِكَسر الشين- مضارع "أوشَكَ" -بفتحها- وهي مِن أفعال المقاربة والملابسة، ومعناها هنا: يقعُ في الحرام بسُرْعَةٍ وقُرْبٍ. و"يَرْتَعُ" -بفتح التاء- مُضارع رَتَعَ. و"المُضْغَة": القِطْعة مِنَ اللحم كما سلف. و"صَلَح" و"فَسَدَ" بفتح اللام والسين وضمِّهما، والفتح أفصَح وأشهر.

стр. 158

و"القلب": عضوٌ باطِنٌ في الجسدِ، عليه مَدَارُ حالِ الإنسان، وهو عضو صغيرُ الجِرْمِ، ولذلِكَ سمَّاهُ مُضْغَةً ولَكِنَّه عظيم الجُرْمِ، وهو أَشْرَفُ أَعْضَائِهِ؛ لِسُرْعَةِ الخَوَاطِرِ فيه، وتَرَدُّدِهَا عليه، وتقلّبه: ومَا سُمِّي الإنسانُ إلَّا لِنَسْيِهِ ... وَلَا القلبُ إلَّا أَنَّهُ يَتَقَلَّبُ وقد عبَّر عنه بالعقل نفسه، قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: ٣٧] أي: عقلٌ، وقال تعالى: ﴿فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ [الحج: ٤٦]. وقوله: "ألا وإنَّ" هو افتتاحٌ لِفَهْمِ الكَلام، نحو: ﴿أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ﴾ [هود: ٨]، ﴿أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ [فصلت: ٥٤]. وتُكْسر "إنَّ" بعدَ هذه، أعني "أَلا" الاستفتاحية لا غير، نحو: ﴿أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١) [المجادلة: ٢٢]، ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾ [البقرة: ١٢]. "أَلا إنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً ... " إلى آخِره، معناه: إنَّ صَلاحَ الجَسَدِ -وهو البَدَنُ- تابعٌ لِصَلاحِ القلب، وفسادَهُ تابعٌ لِفَسَادهِ؛ لأنَّهُ مبدأُ الحَرَكات البَدَنِيَّة والإراداتِ النَّفسانية، فإن صَدَرت عنه إرادة صالِحة تحرك الجَسَدُ حركةً صالِحَةً وكذا الفاسِدة. وبالجُمْلَة فالقلبُ كالمَلِكِ، والجَسَدُ وأعضاؤُهُ كالرَّعِيَّةِ، ولا شكَّ أنَّ الرَّعيَّة تصلُحُ بِصَلاح المَلِك، وتَفْسُدُ بِفَسَاده، وأيضًا القلبُ كالعَيْن، والجَسَد كالمَزْرَعةِ إنْ عَذُبَ ماءُ العين عذُبَ الزَّرعُ، أو مَلُحَ مَلُحَ، -وأيضًا- القلبُ كالأرض وحركات الجسد كالنباب: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ

стр. 159

وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إلا نَكِدًا﴾ [الأعراف: ٥٨]، وقد شُقَّ ﵊ عن قلبه مَرَّتين واستُخْرِجَ مِنْهُ عَلَقة سوداء، وقيل: هذه حظُّ الشيطان مِنكَ، ثم طُهِّرَ فطابَ قلبُهُ وشجره فصار فردًا (١). وقيل: صلاحُ القلبِ في خمسةِ أشياء: قِراءةُ القرآن بالتَّدبر، وخلاء البطن، وقيام الليل، والتَّضرع عندَ السَّحر، ومُجَالَسةُ الصَّالِحين (٢). قلتُ: وأكل الحلال وهو رأسُهَا (٣). وقد قيل: إذا صُمْتَ فانظُر على طعام مَن تُفْطِر، فإنَّ الرَّجُلَ ليأكُلُ الأكلةَ فتغل قلبه كالأديم فلا يَنْتَفِعُ بهِ أبدًا! وما أحسن مَن قال: الطعام بذر الأفعال، إن دخل حلالًا خرجَ حلالًا، وإن دَخَلَ حَرَامًا خرجَ حرامًا، وإن دَخَل شُبْهَةً خرجَ شُبهةً. وقال بعضهم: "استَسْقَيتُ جُنديًّا فسقاني شربةً، فعادت قسوتها على قلبي أربعين صباحًا"! (٤). خامِسُها: في فوائِدِهِ: الأولى: الحثُّ علي فِعْلِ الحَلالِ واجْتِنَاب الحرامِ، والإمساكُ عن الشُّبهات، والاحتياطُ للدِّين والعِرض، وعَدَمُ تعاطي الأمور المُوجِبةِ لسُوءِ

стр. 160

الظنِّ والوقوعِ في المَحْذُورِ. وقِسْمَةُ الحديث إلى الأقسام الثلاثة -الحلال، والحرام، والمشتبه- صحيحة؛ لأنه إِنْ نَصَّ فيه علي الفعل فالجَوَاز، أو المنع فالحرام، أو سكت عنه فهو المُشْتَبه، فإنْ نَصَّ عليه فيهما، وإن عُلِمَ المُتأخر فالأول منسوخ وإلَّا فهو المشتبه. تقسيم الشيء إنما يحرم لمعنى في عينه -كما قسّم بينها-، أو لخلل في وجه اكتسابه، وجميع ما ينتفع به من المعادن والنبات والحيوان، فالأول -المعادن- حلال ما لم يضر، والثاني كذلك، والثالث ما لا يؤكل حرام وما يؤكل حلال. والثاني الحرام المحض. ثانيها: الأخذ بالورع -وهو أصلٌ فيه- كما أسلفناه. الثالثة: أنه لا ورعَ في تركِ المُباح؛ عملًا بقوله: "الحَلالُ بَيِّن والحرام بيِّنٌ" وهو الظاهر، وإن كانت مسألة خلافية كما أوضحتها في "شرح العُمْدَة" (١). الرابعة: سدُّ الذرائع، وقد أَكْثَرَتْ مِنْهُ المالِكِيَّةُ (٢). الخامسة: تعظيمُ القَلبِ والسَّعي فيما يُصْلِحُهُ ويُفْسِدُهُ، وهل الحواس مع العقل كالحُجَّاب معَ المَلِك أو كالطاقات؟ على قولين. السادسة: أنَّ العَقْلَ فِيهِ -أي القلب- وهو مذهبنا خلافًا لأبي حنيفة حيثُ قال: في الدِّماغ.

стр. 161

وقيل: إنه مشتركٌ (١). السابعة: أن العقوبة مِن جِنْسِ الجِنايَةِ. وضَرْبُ الأمثالِ للمعاني الشرعيَّةِ العَمَلِيَّة. وأَنَّ الأعمالَ القلبيَّةَ أفضلُ مِنَ البَدَنِيَّةِ، وأنها لا تصلحُ إلَّا بهِ (٢)، وغير ذلكَ مِمَّا هوَ موَضَّحٌ في "شرحي للعُمْدَة" فراجِعْهُ مِنْهُ (٣). فائدتان: الأولى: اختلفَ العلماء في معنى الشُّبهات في الحديث على أقوال: أحدها: أنها الحرام، أو ما في حيِّز الحرام، عملًا بقوله: "فمَنِ اتَّقى الشبهاتِ فقد استَبْرَأَ لِدِينهِ وعِرْضِهِ". ثانيها: أنها الحلال، عملًا بقوله: "كالرَّاعِي يَرْعَى حولَ الحِمَى يُوشِكُ أنْ يَقَعَ فيهِ" فدلَّ أن ذلك حلال، وأن تركهُ ورع وهو الصواب. والورع عندَ ابن عمر ومَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَهُ: تركُ قِطْعَةٍ مِنَ الحَلال خوف مُواقَعَةِ الحرامِ. وعبارة بعضهم: أنه حلالٌ يتورعُ عنه، وفيها نظر (٤).

стр. 162

ثالثها: أنها غيرهما، فيُتَوقَّفُ وهو مِن باب الورع -أيضًا-، يُوَضِّحهُ قوله: "لا يعلَمُهنَّ كثيرٌ مِنَ الناس" وهو دالٌّ على أن منهم مَن يَعْلَمُها على حالها، وقد قال ﵊: "كيفَ وقَدْ قِيلَ" (١). وقال لِسَوْدَة: "احتجبي مِنهُ" -أي: احتياطًا- وهي أخت عَبْد (٢) بن زَمْعَةَ؛ لأجلِ الشَّبَهِ (٣). وقال لعديٍّ: "إنَّمَا سَمَّيْتَ على كَلْبِكَ ولم تُسَمِّ على الآخَر" (٤). الثانية (٥): قسَّمَ ابن المُنْذِر الشُّبه أقسامًا (٦): شَيءٌ يَعْلَمُهُ المَرْءُ حَرامًا ثم يشكُّ فيه، هل هو باقٍ أم لا؟ فلا يحل الإقدام عليه إلَّا بيقين. كَشَاتَيْن ذَبَحَ أَحَدَهُمَا مجوسي وشَكَكْنَا في عَيْنِها. وعكسه أن يكون الشيء حلالًا، فيشك في تحريمه كالزَّوجَة يشك في طلاقها، والأَمَة يشك في عِتقِها، وكالحَدَث يَشُكُّ فيه بعدَ يقينِ الطَّهارةِ فلا أَثَرَ لهُ.

стр. 163

وشيءٌ يَشُكُّ في حُرْمَتِهِ أو حِلِّهِ على السَّوَاءِ؛ فالأَوْلى التَّنَزُّهُ كما فعلَ الشَّارعُ في التَّمْرَةِ الساقِطَة وقوله: "لَوْلَا أَنَّي أَخْشَى أنْ تَكُونَ مِنَ الصَّدَقَةِ لأَكَلْتُها" (١). * * *

стр. 164

الحديثُ السَّابعُ عن أبي رُقيَّةَ تَمِيمِ بنِ أوْسٍ الدَّارِيِّ ﵁، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "الدِّينُ النَّصِيحَةُ"، قُلْنَا: لِمَنْ؟ قال: "للهِ ولِكِتَابِهِ، ولِرَسُولِهِ، ولأَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ، وعَامَّتِهِمْ". رواه مسلمٌ (١). * * * الكلامُ عليه مِنْ وُجُوه: أحدها: رُقَيَّة -بِضَمِّ الراء وفتحِ القاف، وتشديد الياء- كُنّي بذلِكَ ببنتٍ له اسمها: رقية، لم يُولَد له غيرها، وهو تميم بن أوس بن خارجة بن سُود بن جَذِيمة بن وداع -ويقال: ذراع- بن عَدِيّ بن الدَّار بن هانئ بن حبيب بن نُمارة بن لَخْم -وهو مَالِك- بن عَدِيِّ بن الحارث بن مُرَّة بن أُدد بن يشجب بن عريب بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان الدَّاري، صاحِبُ رسول الله ﷺ ، نسبةً إلى جَدٍّ لهُ -كما ذكرنا-.

стр. 165

وقيل: إلى موضِعٍ يُقالُ له: دارين. ويقالُ له -أيضًا-: الدَّيري، نِسبةً إلى دَيْر كان يتعبدُ فيه (١). أسلَمَ سَنَةَ تِسْعٍ، وانتَقَلَ مِنَ المَدِينَةِ إلى الشَّامِ بعدَ مَقْتَلِ عثمان، ونَزَلَ ببيتِ المَقْدِسِ. روىَ عنهُ الشَّارُعُ "حديثَ الجَسَّاسَةِ" (٢)، وهي مَنْقَبَةٌ شَريفةٌ جدًّا، ويَدْخُلُ في ذلِكَ رِوايةُ الأكابِرِ عن الأصاغِر (٣). قيلَ: ولا يُعْرَفُ أنَّ الشَّارعَ روى عن صَحَابي غيره (٤). قال ابن طاهر (٥): "روى عنهُ عطاءُ بنُ يزيد الليثي في "الإيمان" حديثًا واحِدًا وهو حديث "الدِّينُ النَّصيحة" فقط". وكان صاحِبَ ليلٍ وقُرآن، كانَ يختِمُ القُرآن في رَكْعَةٍ، ورُبَّمَا ردَّدَ الآيةَ الواحِدةَ الليلَ كُلَّهُ إلى الصَّباح.

стр. 166

واشتَرَى حُلَّةً بألفٍ يَخْرُجُ فيها إلى الصلاةِ، وهو أوَّلُ مَنْ قصَّ بإذنِ عمر ﵁، ماتَ سَنَةَ أربَعينَ ببيتِ جبريل، قرية مِن قُرى الخليل ﵇ (١). ثانيها: هذا الحديثُ انفَرَدَ بإخراجِهِ "مسلم"، وليسَ لهُ عَنْهُ في "صحيحه" سواه (٢). وأخرجَهُ البخاري في الترجمة مُعَلَّقًا، فقال: "بابُ قول النبي ﷺ : "الدِّينُ النَّصيحة لله، ولِرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامَّتِهم"." (٣). وإنما لم يُخْرِجهُ لأنَّ سُهَيْلًا -الراوي عن عطاء- ليسَ مِنْ شَرْطِهِ لِنِسْيَانِهِ، وهو ابن أبي صالح. نعم؛ أخرجَ له مقرونًا (٤)، ولم يخرج البخاري في "صحيحه" لهم شيئًا (٥). وادَّعى الخطَّابي أن أشهَرَ طُرقهِ: سهيل بن أبي صالح، قال: "ورُوِيَ -أيضًا- مِنْ طُرُقٍ لا بأسَ بها" (٦). وقال ابن بطَّال: "رواه ابن عجلان عن القعقاع، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعًا" (٧).

стр. 167

ثالِثُهَا: هذا الحديث مَرْجِعُهُ مِنَ القُرآن: قوله تعالى: ﴿إذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩١]، ولهذا ذَكَرَهَا البخاري معه (١). وأخرجَ الشَّيخان في "صحيحيْهِما" مِن حديث جرير بن عبد الله البَجَلي: "بايَعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ على (٢): إِقَامِ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، والنُّصْح لِكُلِّ مُسْلِمٍ" (٣). رابعُها: هذا الحديثُ عظيمُ الشَّأنِ، وعليهِ مَدَارُ الإسلام، ولا يُقبَلُ مِنْ قَوْلِ بعضهِم أنهُ أَحَدُ أَرباعِ الإسلام (٤)، بل مَدَارُها عليه، فإنهُ جِماعُها؛ لإيجازِه وكثرةِ معانِيهِ، بل هي داخلة تحت كلِّ كلمةٍ مِنْهُ؛ فالكتابُ مُشْتَمِل على الدِّينِ كُلِّهِ أَصْلًا وَفَرْعًا، عَمَلًا واعتِقادًا، فإذا آمَنَ بِهِ وعَمِلَ بما تَضَمَّنهُ على وجههِ فقد جمعَ الكُلَّ. و"النَّصِيحَةُ": كلِمَةٌ جامِعَةٌ، معناها: حيازَةُ الحَظِّ للمنصوح لهُ، ومعناه: قِوامُ الدِّين وعماده النَّصيحةُ، كـ"الحَجُّ عَرَفَة" (٥)، و"الناس تميم"، و"المالُ الإبل".

стр. 168

ولكَ أن تقولَ: الدِّينُ محصُورٌ فيها، فإن مِنْ جُمْلَتِها طاعةُ اللهِ ورسوله، والإيمان والعمل بما قالاهُ (١) مِن كِتَابٍ وسُنَّةٍ، وليسَ وراء ذلِكَ معنى الدِّين. وقد سَلَفَ في "حديث جبريل" (٢) أنَّ الدِّينَ هو: الإسلام، والإيمان، والإحسان، وجميعُ ذلِكَ مُنْدَرجٌ تحتَ ما ذَكَرْناهُ مِنَ النَّصيحةِ (٣). فنصيحةُ الله : الإيمانُ به، وطاعته بالقلبِ والبَدَن. و"لِكِتَابهِ": تعظِيمُهُ، وتوقِيرُهُ، والإيمانُ بهِ، والعملُ بما فيه. و"لِرَسُوله": تَصْدِيقُ (٤) ما جاءَ بهِ، وإعانتُهُ على إقامةِ أمرِ ربِّهِ قَوْلًا، وعَمَلًا، واعتِقَادًا. و"لأئِمَّةِ المسلمينَ": بالوفاءِ لهم بِعَهدِهِمْ، وتنبيهِهِمْ على مَصَالِحِ رُشْدِهم. و"عَامَّة المسلمينَ": بذلك، وأنْ يُحِبَّ لهم ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ. وقد أوضحتُ الكلام عليه في "شرح صحيح البخاري" فراجِعْهُ مِنْهُ (٥). خاتمة: "النَّصيحةُ": مصدر نَصَحَ يَنْصَحُ نَصِيحَةً، ونُصْحًا -بِضَمِّ النون- فأمَّا "نصحت الثوب" فمصدره: نَصْحًا -بالفتح- وهو في اللغة: الإخلاص،

стр. 169

وقيل: من النَّصح -بالفتح- وهي الخياطة، وتُسمى الإبرة: المِنْصَحة، والنِّصَاح: الخَيْط، والنَّاصِحُ: الخَيَّاطُ، فيكونُ النَّاصِحُ لأَخيهِ يَلُمُّ شَعثَهُ وَيَضُمُّهُ، كما تَضُمُّ الإبرةُ خرقَ الثَّوبِ (١). * * *

стр. 170

الحديثُ الثامِنُ عن ابنِ عُمَرَ ﵁ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حتَّى يَشْهدُوا أنْ لا إِلهَ إلَّا اللهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا رسُولُ اللهِ، ويُقِيمُوا الصَّلاةَ، ويُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ؛ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهمْ وأَمْوَالَهمْ إلَّا بِحَقِّ الإِسْلامِ، وحِسَابُهمْ على اللهِ تعالى". رواه البُخاري ومسلم (١). * * * الكلام عليهِ مِنْ وُجوُهٍ: أحَدها: التَّعريفُ بِرَاوِيهِ وقد سلف. ثانِيها: هذا الحديث لم يقل فيه مُسلِمٌ: "إلَّا بحق الإسلام"، وأخرجاهُ مِنْ حديثِ أبي هريرة -أيضًا- وفيه: "ويُؤْمِنُوا بي، وبِمَا جِئْتُ بهِ" (٢). وأَخرجَهُ "البخاري" مِن حديث أنس (٣)، و"مسلمٌ" مِن حديث جابر (٤).

стр. 171

وهو حديثٌ عظيمٌ، قاعِدةٌ مِنْ قواعِدِ الدِّين. ولَمَّا أخرجه ابن حِبَّان في "صحيحه" مِنْ حديثِ أبي هُريرة قال: "تَفَرَّدَ به الدَّرَاوَرْدِيُّ" (١) -ثم أخرجه من حديث ابن عمر- ثم قال: "تفردَ به شُعبة" (٢). قال: "وفيه بيانٌ واضِحٌ بأنَّ الإيمانَ أجزاءٌ ملا وشُعَب تَتبَايَنُ أحْوَالُ المُخَاطَبِينَ [فيها] (٣)؛ لأنه (٤) ﵊ ذَكَر فيه: "حتى يَشْهدُوا أن لا إلهَ إلَّا الله، وأَني رسول الله". وهذا هو الإشارة إلى الشُّعبة التي هي فرضٌ علي المُخَاطَبين في جميع الأحوال، ثم قال: "ويقيموا الصلاة" فَذَكَرَ النبي ﷺ الذي هو فرضٌ على المُخَاطَبِينَ في بعضِ الأحوالِ، ثم قال: "ويؤتوا الزكاة" فَذَكَر الشيءَ الذي هو فَرْضٌ علي بعضِ المُخَاطَبين في بعضِ الأحوال، فدلَّ ذلك على أَنَّ كُلَّ شيء مِنَ الطَّاعات التي تُشْبِهُ الأَشيَاءَ الثَّلاثَة التي ذَكَرَهَا في هذا الخَبَر مِنَ الإيمان. تَفَرَّدَ بِهِ حَرَمِيُّ بن عُمارة (٥) " (٦). قلتُ: لا؛ فقد أخرجه مسلم من حديث عبد الملك بن الصَّبَّاح عن شُعبة، فلم يتفرَّد به (٧). ثالثها: معنى "أُمِرتُ" أي: أَمَرَني رَبِّي، ولا يَتَأَتَّى هنا احتمالُ مَا إذا قال

стр. 172

ذلك الصَّحابي؛ لاحتمالِ أن يكونَ الآمِرُ غيره، وحَذْفُ الفاعل هنا مِن باب التَّعظيم، وهو مِن قولهم: أمر كذا، أو لا يذكرون الآمِرَ تعظيمًا لهُ وتفخيمًا. وقوله: "أن أُقاتِلَ" أي: بأن أُقاتِل؛ لأنَّ الأمرَ إِنَّما يتعدَّى -غالِبًا- بالباء، و"أمرتُكَ الخيرَ" ونحوه مُؤَوَّلٌ علي جعلِهِ مِمَّا يتعدى بِنَفْسِهِ. و"الناس" قد تكونُ مِن الجِنِّ أيضًا، قالهُ الجوهري (١). والمُرادُ هنا: الإنس خاصة؛ لأنه لم يُقاتِل غيرهم، وإِنْ أَسْلَمَ على يَدِهِ جِنُّ "نصيبين"، ورسالتهُ عامَّةٌ. ثُمَّ مِنَ الإنس: عبدةُ الأوثان دون أهل الكتاب؛ فإنهم يقولون: لا إله إلَّا الله، والأمر بالمُقاتلة يُفْضِي إلى القَتْلِ، فيستنبطُ مِنْهُ الإقدام على قتله إذا أَخَلَّ بشيء مِنْ ذلِكَ فالجاحِدُ كافِرٌ، والمُتَكاسل المصر على الترك يُقْتَلُ حدًّا عندَنا، وكفرًا عندَ أحمد، وهو مقتضى العِصْمَة، لا يُقال أنَّ الحديث في الكافر الأصلي فإن المسلم أولى بدليل قضاء المرتد دونَ الأصلي. وقوله ﵊: "حَتَّى يَشْهدُوا" وإن كان غاية ففيه معنى الشَّرط، وحُكم ما بَعْدَ الغَايَةِ مُخالِفٌ لِمَا قَبْلَها، فكفُّ القِتال عنهم مَشْرُوطٌ بالشَّهَادَتَيْن والصلاة والزكاة، وإذا انتفى الشرط انتَفَى المَشْرُوط، وإذا انتفى فعل الصلاة والزكاة انتفى كفُّ القِتال والقتل، وصارَ التَّقدير: إنْ صَلّوا وزكوا كُفَّ عنهم القِتال، ويشهد له قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا﴾ [التوبة: ٥]، وفي الأُخرى: ﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١].

стр. 173

وقوله: "ويُؤْتُوا الزَّكَاةَ" لابُدَّ مِن تقدير مفعول محذوف؛ أي: ويؤتونكم الزكاة، أو: يؤتوا الإمام، ونحو ذلك. رابعها: ذكر حديث ابن عمر السالف -أيضًا- الصوم والحج، ولم تذكر هنا؟! فَلَعَلَّهُ كان قبل فرضهما، وهو مِن بابِ الزِّيادة في الأحكام لا التعارض والنَّسخ. خامِسها: معنى"عصموا" منعوا، و"العصم" المنع، و"العصام" الخيط الذي يُشَدُّ بهِ فَمُ القِربةِ، سُمِّي به؛ لمنعه الماء من السيلان. و"المال" يقع على العين وغيرها مِنْ ماشِيَةٍ وعَرَضٍ وغير ذلك، وذلِكَ إشارةٌ إلى كُلِّ ما تَقَدَّم، وكأَنَّهُ غَلَّبَ القولَ على الفعل، وموضوع "إذا" للمُحَقَّق بخِلاف "إن" فإنها للمشكوك فيه، فكأَنَّهُ جاءَ على طريق التفاؤل بتحقيق الفعل منهم. ومعنى: "إلَّا بحقِّ الإسلام" أي: القتل بالقصاص والزنا، لكن الزَّاني والقاتل لا يُباحُ مالهما بخلاف الكافر، فكأنه جاء علي طريق التَّغليب. ومعنى: "وحِسابُهم على الله" أي: أمرُ سَرائِرهم إليه، وأمَّا نحنُ فنحكم بالظاهر فنعامِلُهُم بمقتضى ظاهر أفعالهم وأقوالهم، فرُبَّ عاصٍ في الظاهر يُصادِفُ عندَ الله خيرًا في الباطن، وعكسه. وشَبيه هذا الحديث الصحيح: "إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إليَّ .. " الحديث (١). سادسها: هذا الحديث نصٌّ في قِتَال مانِعِي الزَّكاة، ولم يبلغ الصِّديق

стр. 174

والفاروق حتى تشاجَرَا في قتالهم، وجَرَت بينهما مناظرةٌ في ذلِكَ، واحتاج الصِّديق إلى القياس بأن قال: "واللهِ لأقُاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بينَ الصلاةِ والزكاة". قال أبو بكرٍ: "والزكاة مِن حَقِّها" (١). * تَتِمَّاتُ: لا بُدَّ مع هذا مِنَ الإيمانِ بجميعِ ما جاءَ بهِ الشَّارعُ؛ عملًا بالرِّواية السالِفة. وتُقبَلُ توبةُ الزِّنديق عندنا على أصحِّ الأوجُهِ الخمسَةِ -خلافًا لمالك-، وهو عِنْدَنا: مُنْكِرُ الشَّرع جُمْلَةً (٢). وشرحُ الحديث مُوَضَّحٌ في "شَرْحِي لصحيح البُخَارِي" فلا بُدَّ لَكَ مِنْ مراجَعته، وإنما أُشيرُ هنا إلى أطرافٍ مِنْهُ (٣). * * *

стр. 175

الحديث التاسع عن أبي هُرَيْرَةَ عبدِ الرَّحمن بنِ صخْرٍ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "مَا نَهيْتُكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ، وَمَا أَمَرْتكُمْ بِهِ فأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَثْرَةُ مَسَائِلِهمْ، واخْتِلافُهمْ على أَنْبِيائِهمْ". رواه البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ (١) * * * الكلامُ عليهِ مِنْ وُجُوهٍ: أحَدها: في التَّعْرِيف بِرَاوِيهِ، وما ذَكَرَهُ في اسمِهِ هو الأصحُّ مِنْ عِدَّةِ أقوال. وصحَّحَ غيرهُ: عبدُ شمسٍ، وعبدُ الله. وهو أوَّل من كُني بهذه الكنية؛ لهِرَّةٍ كان يَلعَبُ بها، كنَّاهُ الشَّارعُ بذلكَ، أو والِدُهُ، أو لأنَّهُ كان يُحْسِنُ إليها، وهو راوي حديث: "دَخَلَت امْرَأَةٌ النَّارَ في هِرَّةٍ ... " (٢). فَلَعَلَّهُ أخذَ بقِيَاس العكسِ، ورَجاءَ الثواب في هذه.

стр. 176

أسْلَمَ عامَ خيبَر، وروى فوقَ خمْسَةِ آلاف، وماتَ بالمَدِينةِ بعدَ الخمسين، ودُفِنَ بالبَقيع، وما اشْتَهرَ أنَّ قَبرَهُ بِقُرب عَسْقَلان فلا أصلَ لهُ، ذاكَ صحابيٌّ آخر اسمُهُ جندرةُ بنُ خَيْشَنة أبو قِرْصَافَةَ (١)، فاسْتَفِد ذلك. ثانيها: قوله: "واختِلافُهم" هو بضَمِّ الفاء لا بِكَسْرِها، كما ضَبَطَهُ النَّوَوي في "نُكَتِهِ" (٢) عطفًا على"كثرة" لا على "مسائلهم" أي: أهلكهم كثرة مسائلهم، وأهلكهم اختلافهم، وهو أبلغ؛ لأنَّ الهلاكَ نشأ عن الاختلاف. ثالِثها: هو أَنَّ الحديث ذَكَره مسلمٌ مطوَّلًا، وزاد في أوَّله: خَطَبَنا رسولُ اللهِ ﷺ فقال: "يا أَيُّها النَّاس! قد فُرِضَ عليكُم الحَجُّ فحُجُّوا" فقال رَجُلٌ (٣): أكلَّ عَامٍ يا رسُولَ اللهِ؟ فسَكَتَ -حتى قالها ثلاثًا-، فقال رسول الله ﷺ : "لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ، لَوَجَبَتْ، ولَمَا اسْتَطَعْتُم" ثمَّ قال: "ذَرُوني مَا تَرَكْتُكُمْ، فَإنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ، واخْتِلافِهِمْ على أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا أَمَرْتكُمْ بشَيءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وإذا نَهيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ" (٤). وهذا السائل هو الأقرع بن حابس كما جاء في رِوايةٍ أُخرى (٥).

стр. 177

رابعها: هذا الحديث يرجِعُ إلى قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ [الأنعام: ١٥٩] الآية. وهو دالٌّ على وُجُوبِ أَمْرَيْن: تركُ المَنْهِيَّات، والأمر بالاجتِنَاب هو للوجُوب، وفعل المستطاع من الأمور، لقوله: "فأْتُوا" أي: افْعَلُوا منه ما اسْتَطَعْتُم، والأمْر بفعله للوجوب، قاك تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]. والحديث مُخَصِّصٌ للآيةِ، أو مُبيِّنٌ لها، أو أنَّ الآيةَ خُضَّت بقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وهي مُفَسِّرَةٌ لقوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] أو ناسِخَةٌ لها. و ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ هو: امْتِثالُ أوامِرِهِ واجْتِنابُ مَنَاهِيهِ. ولم يأمرنا تعالى إلَّا بالمُسْتَطَاع، قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] وقال: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، وقال في الحجِّ: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، وهو رُخْصَةٌ مِنْهُ علينا بذلك، والاستطاعة: الإطاقة. خامسها: هذا الحديث أحدُ قواعِدِ الإسلام المُهِمَّةِ، ومِمَّا أوتيه -عليه أفضلُ الصلاة والسلام- مِنْ جَوَامِعِ الكلمِ الجَمَّةِ؛ فإنَّهُ يدخُلُ فيه مَا لا يُحْصَى مِنَ الأحكام: كما إذا وَجَدَ بعض ما يكفيه لطَهَارتِهِ فإنَّهُ يَسْتَعْمِلُهُ ويتيمم للباقي، وكَمَا إذا قدر علي بعضِ الفاتِحَة، أو بعضِ السُّترة، أو بعض الفطرة في الزَّكاة، وغير ذلكَ مِمَّا لا يُحْصَى مِمَّا أوضَحْنَاهُ في "الأشباه والنظائر" (١) ولله الحمدُ.

стр. 178

وكذا إذا وجبَ إزالةُ مُنْكَراتٍ قدرَ على البَعْض، وما يُباح للاضطرار ولا يدخلُ في النَّهي فإنه أذن فيه، وكذا الإكراه على الرِّدَّةِ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بالإيمان ونحو ذلك. والمَأْمُورُ به مُتَوَقِّفٌ على فِعْلٍ، بِخِلاف المنهي عنه فإنَّهُ كفٌّ مَحْضٌ؛ فلذا قال: "واجْتَنِبُوهُ"، وقال في الأوَّل: "فأْتُوا مِنْهُ ما اسْتَطَعْتُم". سادِسُها: كثرةُ المسائل المراد بها عن غير ضَرُورةٍ، وقَدْ نُهِيَ عن الأغلوطات في الدِّين (١)، وكثرةُ الاختِلاف يُؤَدِّي إلى التَّفَرُّق، ومَقصُودُ الشَّارعِ عَدَمُهُ. سابعُهَا: هذا الحديثُ مِنْ خِطابِ المشافهة، ولا يعمُّ بذاته؛ وإنما هو مِن باب: حُكْمِي على الواحد حُكمي على الجماعة. خاتمة: مَا رواه مُسْلِمٌ في ذِكْرِ الحَجِّ يَسْتَدِلُّ بهِ مَن يقول: إِنَّ الأمرَ لا يَقْتَصي التَّكرارَ، وهو الأصح، وقيل: يقتضيه، وقيل: يُتَوَقَّف، فما زاد على مَرَّة على البيان. ويَسْتَدِلُّ به -أيضًا- مَنْ يَقُولُ أنه ﵊ لهُ أنْ يَجْتَهِدَ في الأحكام.

стр. 179

وأَن الأصل عدم الوجوب. وأن لا حُكْمَ قبْلَ وُرُودِ الشَّرع.

стр. 180

الحديثُ العَاشِرُ عن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: "إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إلَّا طَيِّبًا، وإِنَّ اللهَ أَمَرَ المُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ المُرْسَلِينَ فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [المؤمنون: ٥١]، وقالَ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢]، ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أشعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إلى السَّمَاءِ: يا ربِّ! يا ربِّ! وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، ومَشْرَبُهُ حَرامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وغُذِيَ بالحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟ ". رواهُ مُسْلِمٌ (١). * * * أَمَّا رَاوِيهِ فقد سَلَف الكَلامُ عليْهِ. وأَمَّا المَتْنُ فَهوَ أَحَدُ الأحاديت التي عليها قواعِدُ الإسلام، ومباني الأحكام، ومَا أَعَمَّ نَفْعَهُ، ومِمَّا تَضَمَّنَهُ بيانُ شَأنِ حكم الدُّعاء، وشرطه، ومانِعه، و"الدُّعاءُ مُخُّ العِبادة" (٢)، لأَنَّ الدَّاعِي إنما يدعو عند انقِطَاع الآمال عَمَّا سِواهُ،
следующие страницы →