إلى موضعه الآن -وكان مُلْتَصِقًا بالبيت-، وكَم لَهُ مِنْ سابقةٍ ولاحِقةٍ، ونَزَل القرآن بموافقته في عِدَّةِ مواضع.
رُوِيَ لهُ عن النبي ﷺ خمسمائة حديث ونيِّف، اتفق الشيخان منها على ستةٍ وعِشرين حديثًا، وانفرد البخاري بأربعةٍ وثلائين، ومسلم بأحد وعشرين. ولِيَ الخِلافة عشر سنين ونصف، واستُشْهِدَ يومَ الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين من الهجرة، وهو ابن ثلاث وستين سنة -على الصحيح-، وغَسَّلهُ ابنهُ الزاهد: عبد الله، وكَفَّنَهُ في ثوبين سحولِيَّين، وصلّى عليه: صُهيب، ودُفِنَ في الحجرة النبوية على ساكنها محمد رسول الله أفضلُ الصلاة والسلام.
قَتَلَهُ أبو لؤلؤة فيروز النصراني -قاتلهُ الله تعالى- (١).
وترجمتهُ مبسوطةٌ في "شَرْحِي للعُمدَة"، وَذَكرتُ فيها أن في الرواة عمر بن الخطاب ستةٌ سواه (٢)، نعم؛ هوَ فَرْدٌ في الصحابة -رضوان الله تعالى عنهم أجمعين- (٣).
* * *
وأَمَّا البخاري -مُخَرِّجُ الحديث- فهو: أميرُ المؤمنين أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بَزدِزْبه -بفتح الباء وإسكان
стр. 72
الراء وكسر الدال ثم زاي ثم باء موحدة ثم هاء، وهو بالبُخارِيَّة، ومعناه بالعربية: الزرَّاع- الجعفي مولاهم.
كَتَبَ بخراسان، والجبال، والعراق، والحجاز، والشام، ومصر، عن أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين وخلق يزيدون على ألفٍ.
وروى عنه الترمذي، والنَّسائي -فيما قيل-، ومُسلم -خارج الصحيح-، وأبو زرعة، وابن خزيمة، وآخر مَن حذَث عن البخاري ببغداد: الحسين بن إسماعيل المحاملي.
وصحيحه متواتر عنهُ. واشتهر عنه مِن رواية الفِرَبْري.
وُلِدَ بعدَ صلاة الجمعة لثلاث عشرة خَلَت من شوال سنة أربع وتسعين ومائة، وتوفي ليلة السبت عند صلاة العشاء ليلةَ عيد الفِطْر، ودُفِنَ يومَ الفِطر بعد الظهر، سنة ست وخمسين ومائتين، ودفن بخَزتَنْك -قرية على فرسخين من سمرقند- وفضائله جمةٌ أفردت بالتأليف -سقى الله ثراه- (١).
وأمَّا مسلمٌ -مخرِّجه أيضًا- فهو: الإمام أبو الحُسين مُسْلِم بن الحجَّاج ابن مسلم القُشَيْري النِّيسابوري صاحب "المسند الصحيح" وغيره.
وُلِدَ سنة أربع ومائتين، ومات في رجب سنةَ إحدى وستين.
رَحَلَ إلى الحجاز، والشام، والعراق، ومِصر، وأخَذَ الحديث عن أحمد بن حنبل، وحَرمَلة وخلائق.
стр. 73
روى عنه الترمذي حديثًا واحدًا.
فائدة: البُخَاري -بضَمِّ الباء المُوَحّدة، ثُمَّ خاءٌ مُعجَمَة- نسبةً إلى بخارى: بلدٌ معروفٌ بما وراء النهر، خَرَجَ مِنها جماعَةٌ مِن العلماء في كُلِّ فن، ولها تاريخ، ومِن أَجَلِّهم صاحِبُ "الصَّحِيح" هذا.
والقُشَيري: -بفتح الشين وسكون الياء المثناة تحت، ثمَّ راء، ثُمَّ ياء النِّسبة- نِسْبَة إلى قُشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، قبيلة كبيرةٌ، يُنسب إليها جماعةٌ مِن العلماء منهم هذا الإمام.
قلتُ: والقُشيري -أيضًا- نسبةً إلى قُشير بطنٌ مِن أسلَم، منهم: سلمَةُ بن الأكوَع (١).
فائدة أخرى: قِراءَةُ الحديث يُسْتَشْفَى بها عِنْدَ نُزول الكَرب، وكيفَ لا وهي أحدُ الوَحيَيْن.
حكى أبو الحسين الفَرَّاء في "طبقاته" أنَّ البخاري ذهبَت عَيْنَاهُ في صِباه فرأَى في منامِهِ إبراهيم الخليل -صلوات اللهِ وسلامُهُ عليه- فتفل فيها، أو دَعَا له فَعَادَت (٢).
فَكَأَنَّ قراءةَ الناسِ لكِتَابهِ عندَ حُلولِ الكَزبِ مأخوذٌ مِنْ ذلك؛ لأنَّ مُصَنِّفَهُ
стр. 74
فُرِّجَت كُربته (١).
فائدة أخرى: قولُهُ: "إِمَامَا المُحَدِّثين" هو باعتِبار ما كانا عليه مِن الزُّهدِ والورعِ والجِدِّ والاجتهاد في تخريج "الصحيح" حتى ائتمَّ بهما من جاء بعدهما، كابن خُزيمة، وابنُ حِبَّان، وأبي عَوانة وغيرهم.
وقوله: "اللَّذَيْنِ هُمَا أَصَحُّ الكُتُبِ المُصَنَّفةِ" لا شَكَّ في ذلكَ ولا مِريَةَ.
وقولُ الشَّافعي ﵁ مِثْل ذلك في "المُوَطَّأ" كان قَبْلَ وُجُودِهما (٢).
ثمَّ "كتاب البخاري" أصحُّ من "كتاب مُسْلِمٍ" كما ذَكَرَهُ الإسماعيلي.
وخالفَ أبو علي النيسابوري فقال: "مَا تحتَ أديمِ السَّماء أصح مِن كتاب مسلم" (٣).
стр. 75
وَوَافَقَهُ على ذلك بعضُ شُيُوخ المَغْرِب، والصَّحِيحُ الأَوَّل (١).
الوجهُ الثاني: هذا الحديثُ أَحَدُ أركانِ الإسلام، وقواعِدِ الإيمان، وهو صحيح جليلٌ مُتَّفقٌ على صِحَّته، مُجْمَعٌ على عِظَمِ مَوْقِعِهِ، وثبوته من حديث الإمام أبي سعيد يحيى بن سعيد الأنصاري، رواه عنه الحفَّاظ والأعلام الجَمّ الغفير فوق الثلاثمائة نفسٍ كما عددَهم ابن منده في "مستخرجه" (٢).
الوجهُ الثالث: هذا الحديث خَرَّجَهُ البخاري في "صحيحه" في سبعةِ مواضع منه، وخَرَّجهُ مُسْلِمٌ في "الجهاد"، وخرَّجه أصحاب "السنن الأربعة" -أيضًا-، وخرَّجه قبلهم الإمام أحمد في "مُسْنَده"، ولم يخرجه مالك في "الموطأ" مِنْ جِهته (٣).
الوجه الرابع: هذا الحديث رواه عن النبي ﷺ غير عمر بن الخطاب نحو عشرين صحابيًّا. لكن قال الحُفَّاظُ: "لا يَصِحُّ إلَّا مِنْ جهةِ عُمَر فقط" (٤).
وهو فردٌ غريبٌ باعتِبَارٍ، مَشْهُورٌ باعتبارٍ آخر. وليسَ بمتواتر كما يُظَنُّ (٥)، فإنه لا يصح إلَّا عن عمر، ولا عنه إلَّا مِنْ جِهة علقمة، ولا عنهُ مِن جهة
стр. 76
محمد بن إبراهيم التيمي، ولا عنه إلَّا مِن جهة يحيى بن سعيد الأنصاري (١)، وعنه اشتهر، فرواه عنه خَلائِق -كما سلَفَ- فتكرَّرَت الغَرَابةُ فيه أربع مرَّات، وقَن ذَكَرتُ هنا، وفي "شرح العُمْدَة" أمورًا حديثثة تتعلق بإسناده فراجعها منهُ (٢).
الوجه الخامس: هذا الحديث أحدُ الأحاديث التي عليها مدار الإسلام، وقد اختُلِف في عَدِّها على عشرةِ أقوالٍ ذَكَرتُها في "الشرح" المشار إليه، ونَقْتَصِر منها على ثلاثة (٣):
أحدها: أنها ثلاثة، أحدها: هذا الحديث، وثانيها: حديث "مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ المَرءِ تَركُهُ مَا لا يَعْنِيه"، وثالِثُها: حديث "الحَلالُ بيِّن والحَرَامُ بَيِّنٌ".
ثانيها: أنها أربعة، بزيادة حديث: "ازهد في الدُّنيَا يُحِبّكَ اللهُ".
ثالثها: أنها خمسة، "الأعمال بالنيات"، و"الحَلالُ بَيِّن والحَرَامُ بَيِّنٌ"، "ومَا نَهيتكُم عنهُ فانتَهوا، ومَا أَمرتكُم بهِ فَأتُوا مِنهُ مَا استَطَعتُم"، و"لا ضَرَرَ وَلَا ضِرَار" (٤).
الوجه السادس: هذا الحديث عظيمُ المَوْقِع، كثيرُ الفائدة، أصلٌ مِن أُصُول الدين.
وقَد خطَبَ النبيُّ ﷺ فقال: "يا أيّها الناس! إنما الأعمال بالنيَّة" كما
стр. 77
أخْرَجَهُ البخاري في أَحَدِ المواضع السَّبعةِ السَّالِفةِ (١).
وخَطَبَ به عمر بن الخطاب أيضًا على مِنْبَر رسولِ اللهِ ﷺ كما أَخْرَجَهُ أيضًا (٢).
قال أبو داود: "وهو نِصْف الفقهِ" (٣).
وقال الشافعي ﵀، وأحمد: "يدخُلُ فيه ثُلُت العِلمِ" (٤).
وسَبَبُهُ -كما قال البيهقي-: "أنَّ كَسْبَ العَبْدِ بِقَلْبهِ، ولسانِهِ، وجَوَارِحِهِ. فالنِّيَّة أَحَدُ أقسامها الثلاثة، وأرجحها؛ لأنها تكونُ عِبادةً بانفرادها بخلاف الآخرَين، ولهذا كانت نيَّةُ المؤمن خيرًا مِنْ عَمَله (٥)؛ ولأنَّ القول والعمل يدخلهما الفساد بالرياء ونحوه بخلاف النيَّة" (٦).
стр. 78
وقال عبد الرحمن بن مهدي: "يدخلُ هذا الحديث في ثلاثين بابًا مِنَ الإرَادَات والنيَّات" (١).
وقال أبو عُبَيْد: "ليسَ شيءٌ مِن أخبارِ النبيِّ ﷺ حديث أجمع وأغنى وأكثر فائدة وأبلغ من هذا الحديث" (٢).
الوجه السابع: هذا الحديثُ مِنْ أَجَلِّ أعمال القُلوب والطَّاعات المتعلِّقَةِ بها، وعليه مَدَارُها وهو قاعِدَتُها، فهو قاعِدَةُ الدِّين؛ لِتَضَمُّنه حكم النِّيات التي محلها القلب، بخلاف الذِّكر الذي مَحَلّه اللِّسان.
ولهذا لو نَوَى الصلاة بلسانه دونَ قلبِهِ لم تصح، ولو قرأ الفاتحةَ بِقَلبه دونَ لسانه لم تصح (٣)، فهو أصلٌ في وجُوب النيَّة في سائر العبادات، لأنها كالأرواح للأشباح (٤).
الوجه الثامن: هذا الحديثُ أصلٌ في الإخلاص أيضًا، وشواهِدهُ كثير مِنَ الكتاب والسنّة، قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥].
وقال رسوله -عليه أفضَل الصلاة والسلام-: " ... ولَكِنْ جِهادٌ ونِيةٌ" (٥).
الوجه التاسع: افتتحَ المُصَنِّفُ -رحمهُ اللهُ تعالى- "أربَعينَهُ" بهذا الحديث؛ اقتداءً بالسَّلَف ﵏ فإنَّهم كانوا يَسْتَحِبُّونَ افتتاحَ
стр. 79
مُصَنَّفاتِهم به (١)، وفَعَلُوهُ تنبيهًا للطَّالِب على حُسنِ النيَّةِ، واهتمامه بذلك، واعتنائه به.
ومِمَّن افتَتَحَ كتابه به: البخاري، مع أَنَّهُ لا يُناسبُ ما ترجَمَهُ به مِن باب "بدء نزول الوحي"؛ وإنما أرادَ ما ذَكَرناه (٢).
الوجه العاشر: "سَمِعْتُ" قيل: تتعدَّى (٣) إلى مَفْعُولين، وهو مذهب أبي علي الفارسي في "إيضاحه" (٤).
والأصح: أنها لا تَتَعَدَّى إلَّا إلى مفعول واحِدٍ، والفعل الواقع بعدَ المفعول في موضِع الحال، أي: سَمِعتُ حال قوله كذا (٥).
الوجه الحادي عشر: لفظُ "إِنَّمَا" لفظةٌ جَليلَةٌ، وهي موضُوعةٌ للحَصْرِ تُثبِتُ المذكور وتنفي ما عَدَاهُ، هذا مذهب الجمهور مِنْ أهلِ اللغة والأصول، وعلى هذا؛ هل هو بالمنطوق أو بالمفهوم؟ فيه مذهبان للأصوليين. واختار الآمدي أنها لا تفيد الحصر بل تفيد تأكيد الإثبات، وهو الصحيح عند النُّحاة، ونَقَلوه عن أهل البصرة (٦).
стр. 80
* احتج الأولون بوجوهٍ:
أحدها: أنَّ العربَ الفُصَحاء قد استعملوها في مواطن الحصر، فوجب أن تكون حقيقة فيه؛ لأنَّ الأصل في الإطلاق الحقيقة.
وعُورِضَ بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢]. وأُجيب: بأنَّ المراد: هم الكامِلُونَ في الإيمان؛ جمعًا بينَ الأدِلَّةِ.
ثانيها: أنها في غالب مَوارِدِها للحصر، فَوَجَبَ أن تكونَ موضُوعةً له؛ حَملًا لها على الغالب.
وعُورِضَ بالمنع وبالتَّسليم؛ لكن لا نُسلِّم أن ذلك يوجِبُ أنها موضوعة للحَضرِ؛ لِجَواز غَلَبَةِ الاستعمال في غير ما وُضِعَت له.
ثالثها: أنَّ "إِنَّمَا" مُرَكَّبَة مِن نفي وإثباتٍ، فاقتضت لفظة "ما" نَفْيَ الحكم عَمَّا بعدَها، وإثباتُهُ لِمَا قبْلها، وهو باطِل إجمَاعًا، أو إثباتُ الحُكمِ لِمَا بعدَها ونَفْيه عن غيره، وهو المطلوب.
وعُورِضَ بأنَّها ليست نافية، بل زائدة كافَّة مُوَطِّئة لدخول الفعل كما سَلَف عن النحاة.
وأيضًا لا نُسلِّم تركيبها من "إنَّ" و"ما" بل هي كلِمةٌ موضوعة مِن أَصلِها كذلك من غير تركيب.
تنَزَّلنا وسلَّمنَا، لكن لا نُسلِّم أَنَّ "ما" فيها للنَّفْيِ.
стр. 81
وإن سلَّمناهُ، لكن لا نُسلِّم أنَّ معنى مُفْرَدَيْهِمَا (١) -أعني: "إنَّ" و"ما"- بعد التركيب معناهُمَا قَبْلَهُ؛ لأَنَّ التركيب يُغَيِّرُ معاني المفردات نحو: "لولا" فإنها مُرَكَّبةٌ مِنْ "لو" و"لا" وليسَ معناها معنى واحد منهما.
* واحتج الآخَرون بوجوه:
أحدها: أنها وَرَدَت لغير الحَصر كثيرًا، فلتكن حقيقة فيه كما سَلَفَ.
وعُورِضَ بما سَلف.
ثانيها: أنا إذا قُلنا: إنما قامَ زيدٌ، حَسُنَ أَنْ يُقال: فهل قامَ عمرو؟ ولو كانت للحَصْرِ لَمَا حَسُنَ هذا الاستفسارُ؛ لأنَّهُ تحصيلُ حاصِلٍ.
وللأوَّل أن يُجيب: أنه إنما حَسُن لاحتمال أنها استُعمِلَت في غيره مجازًا، لَا لأنها تَقْتَضِي الحَضرَ.
ثالثها: أنها لو كانت للحصر لاستوى قولنا: "إنما قام"، و"ما قام إلَّا زيد" لكنَّهما لا يستويان، إذ الثاني أقوى مِنَ الأوَّل.
وجوابهُ بمنع القوة، تَنَزَّلنا وسَلَّمنا، لكن لا يلزم أنها ليست للحصر؛ لجواز اشتراكهما فيه، واختصاص أحدهما بمزيد قوة تأكيد فيه، كما اشترك "السين" و"سوف" في معنى "التنفيس"، وكانت "سوف" أكثر تنفيسًا؛ لكثرة حُرُوفِها، فكذلك: "ما قامَ إلا زيد" أكثر حُرُوفًا مِنْ "إنما قامَ زيد"، ولأنَّ الحصر في "إِنما قامَ زَيد" معنوي، وفي "مَا قَامَ إلا زيد" لَفْظِيّ، فاقتضى التـ]ـصرِيحَ (٢)؛ لأجل "مَا" و"إلَّا" جمعًا بينَ النَّفي والإثبات بالمُطَابقة.
стр. 82
رابعها: أنَّ أُسامة بن زيد روى: "إِنَّمَا الرِّبا في النسِيئَةِ" (١) ولم ينْحَصِر الرِّبا فيها، بل هُوَ ثابتٌ في التَّفَاضُلِ.
وأُجيب: بأنَّ ابن عباسٍ من أهلِ اللسان وقد فَهِمَ من حديث "إنما" الحَصر، وقال به. وإنما رِبَا الفَضْل ثابتٌ بدليل آخر [ناسِخ] (٢) لهذا المفهوم.
وحديث: "مَا مِن نَبيٍّ من الأنبياء إلا وقد أُوتِيَ مِنَ الآيات مَا آمنَ عليهِ البَشَرُ، وإِئمَا كانَ الذي أوتيتُهُ وحيًا ... " (٣) هي هنا لإثبات الوحي لا لِنَفي ما عَدَاه، فإِنَّهُ قد ثَبَتَ لهُ غيرهُ مِنَ الآيات.
وحَكَى بعضُ شارحي هذه "الأربعين" أن "إنما" تَقْتَضِي الحصرَ عُرفًا لا وضعًا؛ لأنَّ الوضع غُيِّبَ عنا بخلاف العُرف فإنه كثير (٤). وقد ذَكَرتُ هنا في "شرح العُمدَة" فوائد متعلقة بهذه اللفظة فراجِعها منه (٥).
الثاني عشر: "الأعمال" حرَكَاتُ البَدَن، ويُتَجَوَّزُ بها عن حركات النفس، وإنما عَبَّرَ بـ "الأعمال" دون "الأفعال"؛ لِئَلَّا يتناول أفعال القلوب، كالخوف والرجاء وغيرهما، فَإِنَّها متميزةٌ (٦) لله تعالى بصورتها.
الثالث عشر: النيَّات جمعُ نيَّة -بالتَّشديد، وقيل: بالتخفيف-، وجُمِعَت لاختلاف أنواعها، وأصلها: القصد، وهو عَزمُ القلب (٧).
стр. 83
وفي الشرع: القَصدُ المُقْتَرِنُ بالفِعل.
ومحلُّها القلبُ عند الجمهور، ويُستَحَب مساعدة اللسان له خلافًا للمالكية (١).
الرابع عشر: الباء في قوله "بالنيَّات" يحتَمل أنْ تكُونَ "باء" السَّبب، ويحتمل أن تكون "باء" المُصَاحبة، ويَنْبَنِي على ذلك: أنَّ النية جزءٌ مِنَ العِبادة أم شَرطٌ؟ والأصح الأول (٢).
الخامس عشر: قوله ﵊ أيضًا: "بالنيات" هو متعلق بالخبَر المحذوف، وهل التَّقديرُ صحّتها أو كمالها؟ فيه مدهبان للأصوليين، وأظهرهما أوَّلهما؛ لأنه أقرَبُ إلى حُضُوره بالذِّهن عندَ الإطلاق، فالحَملُ عليه أولى، وقد قال به: الشافعي، ومالك، وأحمد، وداود، وجمهور أهل
стр. 84
الحجاز، فلا تصِحُّ طهارة إلَّا بنية وضوءًا كان أو غُسلًا أو تيَمُّمًا.
وذَهب أبو حنيفة ﵀ ومَن وافَقَهُ إلى الثاني، فيصِحَّان بغَيْر نِيَّةٍ، ووافق في التَّيمم.
وأبعدَ الأوزاعي فقال: يصح بغيرِ نِيَّةٍ -أيضًا-.
والمسألة مبسوطةٌ بأَدِلَّةِ الفريقين في "شرحي للعمدة" فراجِعهُ منه، وذَكَرتُ فيه مع ذلك فُرُوعًا مُهِمَّةً تَتَعَلَّقُ بالنيَّة فسارع إليه (١).
السادس عشر: قوله ﵊: "وإِنَّمَا لِكُلِّ امرئٍ ما نَوَى" أي جزاءُ ما نوى خيرًا وشرًّا، فهوَ مِن باب حَذْفِ المُضَاف نحو: ﴿وسئل القرية﴾ [يوسف: ٨٢] أي: أهلها.
السابع عشر: فائدة ذِكرِ قوله "وإنما لكل امرئٍ ما نَوَى" بعدَ قوله: "إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّات" تَعيِينُ المَنْوِي؛ ومَنع الاستِنَابَةِ فيها، وقد استُثْنِي مِن الثَّاني نيَّةُ الولي عن الصبي في الحج، والمسلم عن زوجته الذميَّة عند طُهرها مِنَ الحَيْض على القول بذلك، وحج الإنسان عن غيرهِ.
وكَذا إذا وكَّلَهُ في تَفْرِقَةِ الزكاة وفَوَّضَ إليهِ النيَّة ونوى الوكيل فإنَّهُ يجزِئُهُ كما قاله الإمام، والغزالي، و"الحاوي الصغير" (٢).
стр. 85
الثامن عشر: إن قُلتَ: أداءُ الدَّيْنُ، وردُّ الودائِعِ، والأَذَانُ، والتِّلاوةُ، والأَذكارُ، وهِدَايَةُ الطَّريقِ، وإِمَاطَةُ الأَذَى عِبَادَاتٌ، وتَصِحُّ بلا نِيَّةٍ؛ فالحَدِيثُ إذن عامٌّ مَخْصُوص!
قلتُ: لا نُسَلِّم أوَّلًا صحّتها بلا نِيَّةٍ.
تَنَزَّلنا وسلَّمناهُ؛ فالنيةُ مُلازِمَةٌ لها، فَإِنَّ مُؤَدِّي الدَّيْن قَصَدَ براءَةَ الذِّمَّة وهو عِبادة، وكَذا الوديعة والأذكار والتلاوة والأذان، لا ينفكُّ تعاطيهن عن القَصْد وهو نية، والهِدَاية والإماطَة مُتَرَدِّدٌ بينَ القُربة وغيرها وتتميَّز بالقَصد، والأفعال العادِيَّة كالأكل والشّرب والنَّوم ونحوها يترتب آثاره عليها من غير نيَّة؛ نعم، وُجُود النية يُصَيرها طاعات.
التاسع عشر: "الهجرة" في اللغة: التَّركُ، والمُرَادُ بها هنا: تركُ الوَطَن والانتقال إلى غيره. وهي:
في الشَّرع: مُفَارَقَةُ دارِ الكُفْرِ إلى دَار الإسلام خوفَ الفِتنَة، وطَلَبَ إقامَةِ الدِّينِ.
وفي الحقيقة: مُفَارقة ما يَكْرَه الله تعالى إلى ما يُحِب.
وَوَقَعَت في أوَّل الإسلام على خمسة أوجُهٍ:
إلى الحَبَشَة مَرتين.
ومِن مكَّةَ إلى المدينة.
وهِجرةُ القبائل إلى رسول الله ﷺ وإلى أهاليهم (١).
стр. 86
وهِجرَةُ مَنْ أسلم مِن أهل مَكَّةَ إلى المدينة، ثُمَّ إلى أهلِهِ (١).
وهِجْرَةُ ما نَهى اللهُ تعالى عنهُ وهي العُظْمَى، وقَد أوضَحْتُها في "شَرحي للعُمدَة" (٢).
وفي الحديث: "المُجَاهدُ مَنْ جَاهدَ نَفْسَهُ، والمُهاجِر مَنْ هجَرَ مَا نَهى اللهُ عنهُ" (٣).
وأفْضَلُ المُسْلِمِين أصحابُ الهِجرَتَيْن إلأ ما خَصهُ الدليل.
والهِجْرَةُ باقيةٌ إلى يومِ القِيامة. وحديث "لا هجْرَةَ بَعْدَ الفَتْح" (٤) مُؤَؤَلٌ: إمَّا على الكَمَال؛ وإمَّا على الهِجْرة من مَكَّةَ إذا صارت دار إسلام (٥).
العشرون: قوله ﵊: "فمن كانت هجرتهُ إلى الله ورسوله" أي: نِيَّةً وعقدًا، "فهِجرَتُهُ إلى الله ورسوله" حُكْمًا وشَرعًا، أو مقبولةً. وإنما قدَّرنا ذلك؛ لأنَّ الشَرط والجزاء والمبتدأ والخبر لا بُدَّ مِن تغايرهما.
стр. 87
الحادي بعد العِشرين: قوله ﵊: "فمَن كانت هجرته إلى الله ورسوله" هوَ تفصيلٌ لِمَا سَبَقَ في قوله: "إنما الأعمال بالنيَّات" وإنَّمَا فَرَضَ الكَلامَ في الهِجْرة؛ لأنَّها السَّبَبُ الباعِثُ على هذا الحديث كما سيأتي.
وقوله: "فمن كانت هجرته ... " إلى آخره، هو على عُمُومه؛ لاختصاصها بالهجرة التي هي مِنْ العِبَادَات وهي مُتَوَقِّفة على النيَّة.
الثاني بعد العشرين: "الدُّنيا" بِضَمِّ الدال على المشهور، وحُكِيَ كَسْرُها (١).
وقوله: "دنيا" هو مقصورٌ غير مُنَوَّن -على المشهور- وحُكِيَ تنوينها، وهي مِن: دنوتُ، لِدنوها وسَبْقها الدار الآخرة.
وفي حقيقة الدنيا قولان للمتكلمين:
أحدهما: ما على الأرض من الهواء والجو.
وأظهرهما: كل المخلوقات من الجواهر والأعراض الموجودة قبل الدار الآخرة (٢).
الثالث بعد العشرين: المرادُ بالإصَابةِ: الحُصُول، شبَّه تحصيلَ الدنيا بإِصَابَةِ الغَرَضِ بالسَّهم بجَامِع حُصُولِ المقصود.
стр. 88
الرابع بعد العشرين: معنى "ينكِحها": يتزوجها، كما جاء في رِوَايَةٍ أُخرى، وقد تُستعمَل بمعنى الاقتران بالشيء، ومِنهُ قوله تعالى: ﴿وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ [الدخان: ٥٤] أي: قَرَنَّاهُم، وقيل: أنكحناهم.
الخامس بعد العشرين: إنّما ذُكِرت المرأةُ مع الدُّنيا مع أنها داخِلَةٌ فيها؛ لأنَّهُ ورَدَ على سببٍ: فإنَّ شَخْصًا هاجَرَ إلى المَدِينَةِ بِنِيَّةِ أن يتزَوَّجَ بامرأةٍ يقالُ لها أمُّ قيس -وأفادَ ابن دِحية أنَّ اسمها: قَيْلة- فسُمِّي مهاجِر أمّ قيس (١)، فَذُكِرَت المرأةُ لأجل تبيين السَّبب، وقيل غير ذلك (٢).
وبعضهم أفرَدَ هذا بالتَّصنيف -أعني: أصحاب الحديث- كما أُفرِدَ سبب نزول القرآن العظيم (٣).
السادس بعد العشرين: إِنَّمَا ذمَّ على إصابة الدنيا -وإن كان مُبَاحًا-؛ لأنَّهُ خَرَجَ في الظاهر لطلب فضيلة الهِجرة، وأبطنَ خلافَ ذلكَ؛ فلذلك توَجَّة الذَّمُّ عليه.
стр. 89
السابع بعد العشرين: إنما لَمْ يُعِد ذِكْرَ الدُّنيا في الثانية كما أعاد ذِكر الله ورسوله في الأول للإعراض عن تكرير لفظِها، وعَدَم الاحتِفَالِ بأمرِها، كأنَّهُ قال: "فهجرته إلى ما هاجر إليه" وهو حقيرٌ هيِّن، وأيضًا ذِكْرُ الدُّنيا والنِّكاح مما يُستَحى (١) منهُ عادة فلهذا طُوِيَ بخِلاف الأَوَّل حيثُ أُعيد للتَّبَرُّك والتعظيم، ولا شكَّ أَنَّ مَنْ سَعى إلى باب الملك لأجلِ تعظيمه فقط أبلغُ ممن سعى إليه لشيءٍ مما عندهُ.
الثامن بعد العشرين: اللَّام في "الدُّنيا" هي للتَّعلِيل (٢)، ويُحتمل أن تكون بمعنى "إلى"؛ لأنَّهُ قابله إلى حيث قال: "فهجرَتُهُ إلى مَا هاجَرَ إليهِ" (٣).
стр. 90
الحديث الثاني
عن عمر -أيضًا- ﵁ قال: بَيْنَمَا نَحْنُ [جُلُوسٌ] (١) عِنْدَ رَسولِ اللهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ، إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَديدُ بياضِ الثِّيابِ، شَديدُ سَوادِ الشَّعرِ، لا يُرَى علَيْهِ أثرُ السَّفَرِ، وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ، حَتَّى جَلَسَ إلى النَّبِيِّ ﷺ ، فَأَسْنَدَ رُكْبتَيْهِ إلى رُكْبتَيْهِ، وَوَضَعَ كفَّيْهِ على فَخِذَيْهِ، وقال: يا مُحَمَّدُ! أَخْبِرني عنِ الإِسْلامِ؟ فقال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الإِسْلَامُ: أَنْ تَشْهدَ أنْ لا إِله إلا اللهُ، وأَنَ مُحَمَّدًا رسُولُ اللهِ، وَتُقيمَ الصلاةَ، وتُؤْتي الزكَاةَ، وتَصُومَ رَمَضانَ، وتَحجّ البَيْتَ إنِ اسْتَطَعتَ إليهِ سَبيلًا".
قال: صَدَقْتَ!
فَعَجِبْنَا لهُ؛ يَسْألهُ وَيُصَدِّقُهُ!
قالَ: فأَخْبِرني عن الإيمَانِ؟
قال: "أَنْ تُؤْمنَ باللهِ ومَلائِكَتِهِ وكتبِهِ وَرُسُلِهِ واليَوْمِ الآخِرِ، وتُؤْمنَ بالقَدَرِ خَيْرِهِ وشَرِّهِ".
قال: صَدَقْتَ!
قال: فَأَخْبِرني عن الإِحسَانِ؟
قال: "أَنْ تَعبُدَ الله كَأَنَّكَ تَراهُ، فإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنهُ يَراكَ".
стр. 91
قال: فَأَخْبِرني عن الساعةِ؟
قال: "مَا المَسْؤُولُ عنها بِأَعلَمَ مِنَ السَّائِل".
قال: فأخْبِرني عن أَمَارَاتِها؟
قال: "أنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّتها، وأَنْ تَرَى الحُفَاةَ العُرَاةَ العَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ في البُنْيَانِ".
ثُمَّ انْطَلَقَ فَلَبِثْتُ مَلِيًّا، ثُمَّ قال لي: "يا عُمَرُ! أَتَدري مِن السَّائِل؟ ".
قلتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أعلَم.
قال: "فإِنَّهُ جِبْريلُ أَتَاكُم يُعَلِّمُكُم دِينكُم" رواه مسلمٌ (١).
стр. 92
هذا حديث عظيم مُتَّفَق على عِظَمِ مَوْقِعِهِ وَجَلالَتِهِ، يَكَادُ يكونُ مَدَارُ الإسلام عليه؛ لأنّهُ قاعِدَةٌ مِنْ قواعِدِه، مُشْتَمِلٌ على أساسِهِ، مفصِّلٌ طاعاته القَلْبِية والبَدَنِية أُصُولًا وفُرُوعًا، وعلى أمرِ الغَيْبِ، حتى قال بعضُهُم: "لو لَمْ يَكُن في هذه "الأربعين" -بل في السُّنَّةِ جميعها- غيرهُ لكان وافيًا بأحكَام الشَّريعة، لاشتماله على جُملَتِها مُطَابقةً، وعلى تفصيلها تَضَمُّنًا" (١).
فهو جامِعٌ لها عِلْمًا ومَعْرِفَةً وأدَبًا ولُطْفًا، ومَرجِعُهُ مِنَ القرآن كُلُّ آيةٍ تَضَمَّنت ذِكْرَ الإيمان والإسلام نحو: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢] الآية. ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ [البقرة: ٢٨٥] الآية. ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ﴾ [النساء: ١٣٦] الآية. ﴿لَّيْسَ الِبرَّ﴾ [البقرة: ١٧٧] ونحو ذلك، والحديث "الثالث" و"الثامن" شاهِدٌ لهُ.
قال القاضي عياض: "هوَ مُشْتَمِلٌ على جَميعِ وظَائِفِ العِبادات، الظاهِرَةِ والبَاطِنَةِ، مِنْ عُقُود الإيمان، وأَعمَال الجَوارح، وإخلاص السَّرائر، والتَّحَفُّظ مِن آفات الأعمال، حتى إنَّ علومَ الشَّريعة كُلَّها راجِعَة إليهِ وَمُتَشَعِّبة منه.
وعلى هذا الحديث وأقْسَامِهِ الثلاثةِ ألَّفْنَا كتابنا الذي سَمَّيْنَاهُ بـ "المقاصد الحِسان فيما يَلْزَمُ الإنسان" إذْ لا يَشذُّ شيءٌ من الواجِبات والسُّنن، والرَّغائب، والمَحْظُورات، والمَكْرُوهات عن أقسامهِ الثلاثةِ" (٢).
стр. 93
قال القرطبي ﵀: "فيصلح أن يُقال فيه إنَّهُ: أُمُّ السّنَّةِ؛ لِمَا تَضَمَّنَهُ مِنْ جُمَلِ عِلْمِها كَمَا سُمِّيَت "الفاتِحَة": "أمَّ القُرآن" لِمَا تَضَمَّنَتْهُ مِنْ جُمَلِ عِلْمِها" (١).
قلتُ: ولنُلخّص الكلام عليه من ثلاثين وجهًا:
الأول: هذا الحديث هو مِن أفراد "مُسلم" كما أفهمَ إيرادُ المصنِّف حيثُ عَزَاهُ إليه وحدَهُ، ولم يخرج "البخاري" عن عمر في هذا شيئًا؛ بل أخرجه من حديث أبي هريرة بنحوه و"مُسلِم" أيضًا (٢).
الثاني: في التَّعريف براويهِ، وقد سَلَفَ في الحديث الأول.
الثالث: في ألفاظِهِ معانيه (٣):
الأول: قوله "بينما" معناه: بينَ أوقات كذا؛ لأنَّ "بين" تَقْتَضِي شيئين فصاعِدًا، وتجوز -أيضًا- "بينا" بلا ميم، لأنَّ "بين" هذه هي الظَّرفية، فَزيدَت عليها الألف لتكفّها عن عملها الذي هو الخَفْضُ، كما قد زيدت عليها -أيضًا- "ما" كذلك، وما بعدها مَرفوعٌ على الابتداء في اللغة المشهورة، ومنهم من
стр. 94
خفضَ "ما" بعد الألف على الأصل، وشذَّ بعضُ النُّحاة فقال: الألف للتأنيث، و"بينا " عِنده: فَعلَى كـ "شروى".
الثاني: "نحنُ" من الأسماء المُضمرة، تُستَعمَل للجمع، والمثنى، وللواحد المعظم نفسه، نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلنا﴾ [الحجر: ٩]، ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [يس: ١٢] ومَا أَشْبَه ذلك.
الثالث: "عِنْدَ" ظرف مَكان غير مُتَمَكِّن، ولا يدخل عليها مِن حُروف الجَرِّ سِوى "مِن" خاصَّة، وهي تكون لما تملك حاضِرًا كان أو غائبًا، ومثلها "لدى" إلَّا أنها تختص بالحاضِر.
الرابع: "ذاتَ" هنا تأنيث "ذو" بمعنى صاحب؛ أي: بينا نحن في ساعةٍ ذاتَ مرَّةٍ في يومٍ، فحُذِفَت هذه المُضافات لوضُوح الأمر، كما حُذِفت هذه المُضافات لوضوح الأمر، كما حُذِفَت مِنْ قولِهِ:
إذا قامَتَا تضَوَّعَ المِسْكُ مِنْهُمَا ... نَسِيمَ الصبَا ....... (١)
أي: تَضَوَّع تضوعًا مثل تضوع نسيم الصَّبا (٢).
الخامس: "إذْ" و"إذَا"ـ ظَرْفَا زَمان غير مُتَمَكّنين، يُضافان إلى الجُمل، إلَّا أنَّ "إذ" للمضي (٣)، وتُضاف للجملتين: الاسميَّة والفعلية، قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ﴾ [الأنفال: ٢٦] الآية. وقال: ﴿وَإِذْ قلتمْ يا مُوسَى﴾ [البقرة: ٥٥] الآية.
стр. 95
و"إِذا" لِمَا يُستقبل، ولا تُضَافُ (١) إلَّا إلى الفِعلية، وفيها معنى الشَّرط غالبًا، وليسَ ذلِكَ في: "إِذْ" إلَّا إذا دَخَلَت عليها "ما" كقولِه:
إذْ مَا أتيتَ على الرسولِ فقل لهُ
وقولنا: "غالبًا" يخرجُ به ما إذا كانت متمحضة للتأقيت بأن كانت معرفةً، نحو: آتيكَ إذا طلع الفجر.
أو معاقبة لـ "إذْ"، نحو قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٥٦] التقدير: إذْ ضَربوا.
أو كان ما بَعدَها مُقدَّرًا بالحال، نحو قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ أي: غاشيًا ومُتَجَلِّيًا.
ولا يجزم بـ "إذا" -كان كان فيها معنى الشَّرط- كما وقعت "إذ" هُنا، و"إذا" المفاجأة، نحو قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الروم: ٤٨] "فإذَا" الأولى ظرفِية، والثانية مفاجأة.
ومَا جَزَمتُ به مِنْ كَوْن "إذَا" التي للمفاجأة ظرفُ زمان هو رأي الزَّجاج، واختاره الزَّمَخشري، وزَعَمَ أنَّ عامِلها فعل مُقَدَّر مشتق من لفظ المفاجأة، ورأى المبرِّد أنها ظرفُ مكان، واختاره ابن عصفور، وهي حرف عند الأخفش، واختاره ابن مالك (٢).
وقولي "إذْ" ظرفُ زمان تعم الماضي، نحو قوله تعالى: ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [التوبة: ٤٠]. والمستقبل نحو: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤)﴾ [الزلزلة: ٤].
стр. 96
وقَد تأتي "إذ" بَدَلًا مِنَ الفِعل، نحو: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ﴾ [مريم: ١٦] فـ "إذْ" بدل اشتمال مِن مريم.
وقد تأتي مفعولًا به، نحو: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾ [الأعراف: ٨٦].
وقد تأتي مُضَافًا إليها اسمُ زمان، نحو: "يومَئذٍ"، و"حينئذ".
وقد تأتي للتعليل، نحو قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٩)﴾ [الزخرف: ٣٩] أي: ولن ينفعكم اليوم اشتراككم في العذاب لأجل ظلمكم في الدُّنيا.
وقد تأتي للمفاجأة -كما سَلَفَ- وكقوله:
استَقْدِرِ الله خيرًا وارضَيَن بِهِ ... فَبَيْنَمَا العُسْرُ إذْ دَارَتْ مَيَاسيرُ
فائدة: يُؤخذ مِن هذا الحديث أن "بينا" يجوز أن تتلقى بـ "إذ" كما جاء في بعض طرقه، ومثله الحديث الصحيح: "بَيْنَا أَنَا نَائِم إذْ جِيء بِمفاتيح الأرض فَوُضِعَتْ في يَدَيَّ" (١) وغيرهما من الأحاديث. ووقع في "الدرة" للحريري (٢) أنها لا تتلقى بـ "إذ" ولا بـ "إذا"، أي: بخلاف: "بينما"، قال: "والمسموع عند العرب: بينا زيدٌ قائمٌ جاء عمرو، بدون "إذ"؛ لأنَّ المعنى: بين أثناء الزمان جاء عمرو". ومَا ذكرناه يرُدُّهُ فتنبّه له.
السادس: قوله "لا يُرى عَلَيْهِ أثَرُ السَّفَرِ، ولا يَعرِفُهُ مِنَّا أَحَد" هو بالياء المثناة تحت المضمومة -على ما لم يُسمَّ فاعِلُهُ-، ورُويَ بالنون المفتوحة فيهما مَبْنيًّا للفاعل، وكلاهُما واضحُ المعنى -والأول أبلغ- وعليه اقتصَر عليه
стр. 97
النووي في "نُكَتِهِ" عليه (١).
ووقعَ في "صحيح ابن حبان": "إِذْ جَاءَ رَجُل [لَيْسَ] (٢) عليه سَحْنَاءُ سَفَرٍ، وليسَ مِنْ أهلِ البَلَدِ يَتَخَطَّى ... " إلي آخره (٣). والسَّحناءُ: الهيئة، فيحتاج إلي الجمع بينها وبين ما في "الصحيح".
السابع: قوله "فَأَسْنَدَ رُكبَتَيْهِ إلى رُكْبَتَيْه" ظاهِره أَنَّهُ جلسَ بينَ يَدَيْهِ، وإلا لم يتصوَّر ذلك؛ لأنه لو جَلَسَ إلى جَانِبِهِ لَمَا أَمْكَنَهُ إلَّا إسنَاد رُكبة واحِدَة، وهذا جُلُوس المُتَعَلِّم بين يديْ شيخه للتَّعلُّم؛ وإِنَّمَا فَعَلَ ذلِكَ جبريل للتنبيه على ما ينبغي للسائل مِن قُوةِ النَّفْسِ عِندَ السُّؤال، وعَدَمِ المبالاة بِمَا يَقطَعُ عليهِ خَاطِرهُ -وإنْ كانَ المَسْؤُولُ مِمَّن يَحْتَرِمُهُ ويَهَابُهُ-، وعلي ما ينبغي للمسؤول مِنَ التَّواضع والصَّفحِ عن السائل، وإنْ تَعَدَّى ما يَنْبَغي مِنَ الاحترام والأدب.
الثامن: قوله "وَوَضَعَ كفَّيْهِ على فَخِذَيْهِ" الضَّمِيرُ في "كفَّيه" للرَّجُل، وفي "فَخِذَيْهِ" يحتمل أن يكون له أيضًا، وأن يكون للنبي ﷺ وهو الأشبهُ، وفعلَ ذلك للاستئناس باعتبار ما بينهما من الأنس في الأصل حين يأتيه بالوحي (٤).
وقد جاء مُصَرَّحًا بهذا في "النسائي" (٥) مِن حديث أبي هريرة وأبي ذر: "حتى وَضَعَ يَدَهُ علي رُكبَتَيْ النبي ﷺ " وفي أوله: "كان ﵊
стр. 98
يَجْلِسُ بينَ ظَهرَانَيْ أَصحَابِهِ فَيَجِيءُ الغَريبُ، فَلَا يَدْرِي أَهُوَ (١) حتى يَسأَل، فَطَلَبنا رسولَ الله ﷺ أن نجعَلَ لهُ مَجْلِسًا يَعْرِفُهُ الغَريبُ إِذَا أَتَاهُ، فَبَنَيْنا لَهُ دكانًا (٢) مِنْ طِينٍ يَجْلِسُ عليه، وإنَّا (٣) لَجُلُوسٌ عليه عِندَه إذْ أقبَلَ رَجُلٌ أحْسَنُ النَّاسِ وَجْهًا، وأَطْيَبُ النَّاسِ ريحًا، كأَنَّ ثِيابَهُ لَا يَمَسُّها دَنَسٌ، حتى سَلَّمَ مِنْ طَرَفِ السِّمَاط (٤)، فقال: السلامُ عليكم يا مُحمَّد! فرَدَّ ﵇ ﵇. قال: أَدْنُو يا مُحَمد؟ قال: "ادْنُهْ". فَمَا زالَ يقول: أَدْنُو؟ -مِرارًا-، ويقول: "ادْن" حتي وضَعَ يدهُ علي ركْبَتَيْ النبي ﷺ " وذَكَرَ نحوَ حديث مُسْلِم.
وفيه خمسُ فوائِدَ:
ابتِداءُ الدَّاخل بالسَّلام؛ وإقبَالُهُ على رأسِ القَوْم، حيثُ قال: "السَّلامُ عليكم"، فَعَمَّ، ثم قال: "يا محمد"! فَخَصَّ (٥).
والاستئذانُ في القُرب مِن الإِمَام مِرارًا، وإن كانَ الإمامُ في مَوْضِعٍ مَأْذُونٍ في دُخوله.
وتَرْكُ الاكتفاء بالاستئذان مَرَّةً أو مرَّتين علي جِهَةِ التعظيم والاحتِرام.
стр. 99
وجَوازُ اختصاص العالِم بِمَوْضِعٍ مُرْتَفِع مِنَ المَسْجِد إذا دَعَت إلي ذلِكَ ضروره تعليم (١) أو غيره (٢).
التاسع: قوله: "الإِسلام: أن تشهدَ أن لا إلهَ إلَّا الله وأنَّ محمدًا رسول الله" إلي آخره، و"الإيمان أن تؤمن بالله" إلي آخره. فيه المُغَايرَةُ بينَ الإسلام والإيمان، وقد اختلفَ العُلَمَاءُ فيهِما، وعُمومِهما، وخُصوصهما، وأنَّ الإيمان يزيد وينقص أم لا؟ وأنَّ الأعمال مِن الإيمان أم لا؟ اختلافًا مُنْتَشِرًا، والحقُّ أن الإيمان والإسلام يجتمعان في مادةٍ، ويفترقان في أخُرى، وأنَّ كُلَّ مُؤمنٍ مسلم، وليس كُلُّ مسلم مؤمنًا، وأنَّ الإيمان يزيدُ وينقصُ، وأنَّ الإيمان يُطلق علي الأعمال.
وقد بَسَطْنَاهُ بَسْطًا شافيًا في "شَرح صحيح البخاري" فَلْيُراجع منهُ (٣).
العاشر: قوله "أنْ تَشهدَ" هو منصوبٌ بـ "أنْ"، وكذا ما عُطِفَ عليه مِن: "وتُقِيمَ"، "وتُؤْتيَ"، "وتَصُومَ"، "وتحجَّ"، وكذا قوله: "أنْ تُؤْمنَ".
الحادي عشر: لا بُدَّ مِن مجموع الشَّهَادَتين في الإسلام، فإن اقتَصَرَ علي إِحدَاهُما لم يكفِ، ولا يُشتَرَط معهما البراءَة مِن كُلِّ دينٍ يُخالِفُ الإسلام علي الأصح (٤)، إلَّا أنْ يَكُونَ مِنْ قومٍ يَعْتَقِدُونَ اختِصَاصَ رسالة نبينا محمد ﷺ إلى
стр. 100
العَرَبِ خاصَّة، وأبعَدَ بعضُ أصحابنا فقال: إذا اقتصرَ على قول: لا إلهَ إلَّا الله، فقد صحَّ إسلامه، ويُطالَبُ بالكلمة الأُخرى، فإِن أَبَى جُعِلَ مُرتَدًّا.
الثاني عشر: الإسلام -لغة-: الاستسلام والطاعة والانقياد، ومنهُ: ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤]، أي: انقَدْنا، فهو مصدَر: أسْلَمَ إسلامًا.
وهو شرعًا: مَا فُسِّرَ به الحديث، وهو: الانقياد إلي الأعمال الظاهرة كالشَّهادَتَيْن وَمَا ذُكِرَ معها من العِبادَات، وروى ابن أبي شيبةَ في "مُسنَده" عن أنس مَرْفُوعًا: "الإسلامُ عَلَانِيَة، والإِيمَانُ في القَلْبِ" (١).
الثالث عشر: قوله "أنْ تُؤْمنَ ... " إلي آخِرهِ، "أن" وصِلتها في مَوضع رفع خبر مبتدأ محذوف، أي أن الإيمان: أن تؤمن، أو هو أن تؤمن.
و"الإيمان" مصدَر: آمن إيمانًا، كَأَكرَم إكرامًا، أفعَل لا فَاعَلَ، وإلَّا كان
стр. 101
مصدره الفعال، نحو قاتل قِتالًا، وضَارَبَ ضِرابًا، وهو قياس في مصدر: فاعل، والمُفاعلة كالمُقاتلة والمُضارة.
وهو لغةً: التَّصديق.
وشرْعًا: تَصْديق بالقواعد الشرعية من وجوب وجُوده ووَحدَانيَّته وصفاته الثابتة له، وتنزِيهها عن سِمات الحَدَث والنَّقص (١).
والحديث دالٌّ على أنَّ السؤالَ إنما هو عن حقيقةِ الإيمانِ والإسلام، ولهذا تطابق الجوابُ بقوله: "أنْ تُؤمِنَ" إلي آخرهِ.
و"الإيمان بالملالكة": أنهم كائنون في العبادة، لا يَعْصونه طَرْفَةَ عينٍ، مُلازِمون علي امتثال الأوامر، صادِقون فيما أخبروا به عن ربهم ﵎.
و"اليوم الآخر": هو يوم القيامة، وما اشْتَمَلَ عليه مِنَ البعث والجزاء والحِساب، والميزان والصِّراط، والجنَّة والنار.
الرابع عشر: اختَلَفَ عُلماءُ الأصول في الأسماء اللغوية هل هي مبقاة علي وضعها اللغوي، والشَّارع إنَّمَا تَصَرَّفَ في شُروطها وأحكامها أم لا؟ ومَحَلُّ الخوضِ في ذلك كُتُبُ "الأصول" فالإسلام والإيمان يَعُمَّان كلَّ انقِيَادٍ وكُل تَصْدِيقٍ، وقَصرَهما الشارع على انقياد وتصديق مخصوص كما في الأسماء العُرفيَّة، كالدابة، فإِنَّهَا في الأصل لكل ما يدُبُّ، ثم خُصِّصت بالعرف للبعض (٢).
стр. 102
الخامس عشر: ظاهر الحديث تغاير الإسلام والإيمان، لأنَّ جبريل سأل عنهما سؤالين، وأُجيب بِجَوابَيْن، وفَسر له الإسلام بأعمال الجوارح كالصلاة ونحوها، والإيمان بعمل القلب، وقد يُتَوَسَّعُ فيُطْلق الإيمان علي الإسلام كما في حديث وفدِ عبد القيس، فَإِنَّهُ أَمَرهم بالإيمان ثم قال: "أتَدْرُونَ مَا الإيمَانُ"؟ قالوا: اللهُ ورَسُوله أعلم. قال: "شَهادَةُ أَنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وأن محمدًا رسولُ الله" (١).
ووجهُ ذلك: أنه عنه يكون غالبًا، وهو مُظْهِره، وقد قال -عليه أفضل الصلاة والسلام-: "الإيمَانُ بِضْعٌ وسَبْعُونَ شُعْبَةً: أَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عن الطَّريق، وأَعْلاها شَهادة أنْ لا إلهَ إلَّا الله" (٢). وهذا أَوْلى مِنْ دَعْوَى اضطراب مَتْنِهِ (٣).
حيث قال: "آمرهم بأربع" ولم يأمرهم إلَّا بالإيمان وحدَهُ، وفسَّره بخمس، وفي رواية: "شهادة أن لا إله إلَّا الله" وعَقَدَ واحدة، وليسَ فيه ذِكرُ الحجِّ، بخلاف "حديث جبريل" ..
وقد أطلَق الإسلام يُريد أنه سَمَّى الإسلام والإيمان، قال تعالي: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩] وقد وصفَ الله تعالى آل لوطٍ مرَّةً بالإسلام، ومرَّةً بالإيمان، فقال ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦)﴾ [الذريات]، ووجههُ: أَنَّهُ أكمل. نعم؛ أثبتَ في حقِّ الأعراب الإسلام فقط حيث قال: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤] (٤).
السادس عشر: جاءَ في "مُسلِمٍ" تَقْدِيمُ السؤالِ عن الإسلام علي السؤالِ عن الإيمانِ، وجاءَ في "التِّرمِذي" بالعكس (١) ولعلها أَوْلي، حتى قيل: إنَّ الأُولى وقعَ مِن بعض الرُّواة: قدَّمَ مُؤَخَّرًا مِن باب الرواية بالمعنى (٢).
السابع عشر: المُراد -والله أعلم- بإقامةِ الصلاة: الإتيانُ بها بأركانها وشُروطها.
وقولى: "وتؤتي" أي: تُؤَدِّي، و"الصلاة" في اللغة: الدعاء.
وفي الشرع: أفعالٌ مَخْصُوصةٌ (٣).
و"الزَّكاة" في اللغة: النَّماء، ومنه: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾ [الكهف: ٧٤]، (٤) ﴿وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]، و ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس: ٩].
وفي الشَّرع: أَخْذُ شيءٍ مخصوصٍ، عَلَى وَجْهٍ مَخصوص.
стр. 105
و"الصَّوم" لغةً الإمساك، وشرعًا: إمساك مخصوص.
و"رَمَضان": قيل إِنَّهُ اسمٌ مِن أسمائه تعالى، والصحيح أَنَّهُ اسم للشهر المشهور، سُمِّيَ بذلك، لاشتداد حَر الرَّمْضَاء فيه حين وُضِعَ له هذا الاسم (١).
و"الحَجُّ": في اللغة: القَصد.
وفي الشَّرع: قَصْدُ الكَعبَةَ -شَرَّفَها الله تعالى- بأفعالٍ مخصوصَةٍ.
و"الاسِتطَاعة": القوة على الشيء والتَّمَكّن منه. ومِنهُ: ﴿وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ [الكهف: ٩٧].
وقيد (٢) الحج بالاستطاعة دُونَ الصَّلاة والصوم، مُوافَقَةً لِلفظِ القُرآن، وإن كانت العبادات كلها مَشْرُوطَةً بالاستطاعة، قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وقال رسوله -عليه أفضل الصلاة والسَّلام-: "وإذا أَمَرتكم بِأمْرٍ فأتوا مِنهُ ما استَطَعْتُم" كما سيأتي (٣).
فائدة: التقييد في الحج: وجُودُ المَشقَّة فيه ما ليسَ في غيره.
و"السَّبيل": تُذكَّر وتُؤنَّث.
وزادَ ابن حِبان -في هذا الحديث-: "وتعتَمِرُ وتَغتَسِلُ عن الجَنَابَةِ، وأَنْ تُتِمَّ (٤) الوُضُوءَ" ثم قال -في آخره-: "تَفَرَّدَ سليمان التيمي بقوله: "تعتَمِرُ وتغتَسِلُ وتُتِمُّ الوُضُوءَ"، وكذا بقوله: "خُذُوا عَنْهُ" يعني بعدَ قوله: "هذا جبريل
стр. 106
أتاكم يعلمكم دينكم، خذُوا عنه" (١).
الثامن عشر: الإيمان بالقَدَر واجِبٌ، خيره وشَرّه، حُلْوه ومُرّه، ومعناهُ: أنَّ اللهَ تعالى قَدَّرَ الخَيْرَ والشَّرَّ قبلَ خَلْقِ الخَلْق، وأَنَ جميعَ الكائنات بقضَاءِ الله وقَدَرِهِ، وهو مُريدٌ لها.
ويكفي اعتقادٌ جَازِمٌ بذَلِكَ مِن غير نَصْبِ بُرهَان، هذا هو المُخْتَار.
التاسع عشر: "الملائكةُ": جمعُ مَلَك، فقيل: لا اشْتِقَاقَ له، وقيل: بلى، فقيل: فعل من الملك، وقيل: مفعل من لأَكَ إذا أرسل، وقيل: مِنَ الألوكة -وهي الرِّسالة-، ومحلّ الخوض في ذلك التفسير (٢).
و"اليوم الآخر": هو يوم القيامة، وجاء "وتؤمن بالبعث الآخر" فيحتمل أن يكون تأكيدًا، أو أنَّهُ إحياء بعدَ إماتة، فيكون إشارة إلى النُّطفة (٣).
العشرون: وجهُ عَجَبهم من سؤاله وتصديقه، سؤالهُ يقتضي عدم العلم بما يسأل عنه، وتصديقه بما جاء به يقتضي علمه به، وكأَنَّ ظاهر حاله أنه عالمٌ بذلك (٤)، ثم زال التَّعَجب بأنه "جبريل جاءَ يُعَلِّمُكُمْ دينَكُم" فبيَّنَ أنه كان عالِمًا في صورة مُتَعَلِّم لقصدِ التَّعليم، وكذا قال النووي في "شرحه": "سببُ تعجُّبِهم
стр. 107
أن هذا بخلافِ عادَةِ السَّائل الجاهِل، إِنَّما هذا كلام خبيرٍ بالمسؤولِ عنا، ولم يكن في ذلك الوقت مَن يعلمُ هذا غيرَ رسولِ الله ﷺ " (١).
الحاي بعد العشرين: "الإِحْسَانُ" مصدر أحسَنَ إحسَانًا، ويتعدى بنفسه كـ: أحسنتُ كذا، وفي كذا، إذا حسَّنته، وهو منقول بالهمزة من حسَّن الشيءَ، ومتعدٍّ بحرف الجرِّ، وهو هنا بالمعنى الأول دون الثاني، إذْ حَاصِلهُ راجعٌ إلى: إتقَانِ العِبَادات، ومُراعاةِ حقوق الله تعالى فيها، ومُراقبته، واستحضار عظمته وجَلالته حالَة الشُروع، وحالة الاستمرار فيها.
وأرباب القلوب في هذه المُراقبة على حَاليْن:
أحدهما: غالب عليه مشاهدة الحوق، فكأَنَّهُ يراه. ولعل الشارع أشار إلى هذا بقوله: "وجُعِلَت قُرَّةُ عيْنِي في الصَّلاة" (٢).
الثاني: مَن لا ينتهي إلى هذه الحالة، لكن يغلب عليه أنَّ الحقّ سبحانه مُطَّلِع عليه، ومُشاهِد له، وإليهِ الإشارة بقوله تعالى: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩)﴾ [الشعراء: ٢١٨، ٢١٩]، وبقوله: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ﴾ [يونس: ٦١] الآية.
وهاتان الحالتان ثَمرةُ معرفَةِ (٣) الله تعالى وخَشْيَته، ولذلك فَسَّرَ الإحسان
стр. 108
في حديث أبي هريرة بقوله "أنْ تَخشى الله كَأَنَّكَ تَرَاهُ" (١) فَعَبَّرَ عن المُسَبِّبِ باسم السَّبَب تَوَسُعًا، ثم الألف واللام في "الإحسان" المسؤول عنه المعهود المذكور في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، و ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إلا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠]، ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥] فلَمَّا تكَرَّرَ الإِحْسَانُ في القُرآن في غيرِ آيٍ، ورَتَّبَ عليهِ هذا الثواب الجَسيم، سأل عنهُ الرُّوح الأمين، فأجابَهُ لِتَعْمَلَ بهِ أُمَّته، فيفوزوا بالأَجْرِ الجَسِيم، فقال: "الإحسَان: أن تَعْبُدَ اللهَ" إلى آخره (٢).
وهوَ مِن جَوامِعِ كلِمِه الذي أُوتيَها؛ لأنَّهُ لو قَدَّرْنا أن أحدًا قامَ في عبادةٍ وهو يُعاين ربَّهُ -تعالى- لم يترك شيئًا مما يَقْدِرُ عليه مِن الخُضوع والخشوع وحُسن الصَّمت، واجتماعه بظاهره وباطنه على الاعتناء بتتميمها على أحسن الوجوه إلَّا أَتَى بهِ، فقال: اعبد الله في جميع أحوالك كعبادته في حال العيان، فإنَّ التَّتميم المذكور في حال العيان إنما كان لِعِلم العَبْدِ باطّلاع ربّه عليه ﵎، فلا يُقدِم على تَقصِير في هذا الحال إلَّا اطلع عليه، وهذا المعنى موجودٌ في عدَم رؤية العبد، فينبغي أن يعمل بمقتضاه.
فمقصود الكلام: الحثُّ على الإخلاص في العبادة، ومُراقبة العبدِ ربَّهُ ﵎ في إتمام الخشوع والخضوع وغير ذلك.
وقد نَدَبَ أهلُ الحقائق إلى مُجالسة الصَّالِحين ليكون ذلك مانِعًا مِن تَلَبُّسِهِ بشيءٍ مِن النَّقائِصِ احتِرَامًا لهم واستحياءً منهم، فكيف بمن لا يزال الله ﵎ مُطَّلِعًا عليه في سِرِّه وعلانيته (٣).
стр. 109
* تنبيهان:
الأوَّل: قوله "فإنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ" فإنه ينبغي أن يكونَ مُستأنَفًا، وأنَّ الجواب تمَّ عندَ قوله: "كَأَنَّكَ تَرَاه"؛ لأنَّهُ مِنْ جِنسِ مَقُدورِ العَبد، بخلاف رؤيته تعالى.
ثانيهما: يؤخَذُ مِنْهُ جوازُ رؤية الباري تعالى لإتيانه بِـ "لَمْ" دونَ "لا"؛ لأنَّ الممكن يُنْفَى بِـ "لَم" والمستحيل بـ "لا" فَيقالُ: زيدٌ لَمْ يَقُم، والحَجَرُ لا [يقوم] (١) ومنه "الشُّفعَةُ فيما لم يُقْسَم" (٢). وقد نطقَ الله بها في الآخرة، وأبعد الله مَن نَفَاها، وفي الدنيا جَائِزةٌ (٣) عَقلًا.
الثاني بعد العشرين: "الساعة" المرادُ بها هنا: يوم القيامة، وإن كانَ أصلها وضعًا: مقدارًا ما مِنَ الزَّمان غير مُعيَّن ولا مُحَدَّد، قال تعالى: ﴿مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ [الروم: ٥٥].
والموقتون اصطَلَحوا على أنها: جزءٌ مِن أربعةٍ وعِشرين جُزءًا مِنَ الليل والنهار.
فمعنى "أخبرني عن الساعة" أي: عن زمن وجود القيامة، سُمِّيت ساعة -وإن طال زمنها- اعتبارًا بأول أزمنتها، فإنها: ﴿لَا تَأْتِيكُمْ إلا بَغْتَةً﴾ [الأعراف: ١٨٧]، ﴿قَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد: ١٨] (٤).
وقوله: "مَا المَسؤول عنها بأعلَمَ مِنَ السَّائل" أي: كِلانا سَواءٌ في عَدَمِ العِلمِ به مِن وقوعها: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤]، ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ [طه: ١٥]، ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾ [الأعراف: ١٨٧].
стр. 110
وفي " الصحيح": "مَفَاتِيحُ الغَيْبِ خَمْسٌ لا يعْلَمُهن إلَّا الله، وتَلَا: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ (١). ومَعْناه: أنه ينبغي للعالِم والمُفْتِي وغيرهما إذا سُئِلَ عما لا يعلم فليقل: لا أعلم. وأنَّ ذلك لا ينقصه، بل يُسْتَدَلُّ به على ورعِه وتقواه ووُفور عِلْمِه.
الثالث بعد العشرين: "الأَمَارة" -بفتح الهَمزة-: العَلامة، وكَذا: "الأَمار" بحذف الهاء (٢)، وكذا "أشراطها" أي: عَلاماتُها. ومنه: ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾، ومنهُ: سُمِّيَ الشُّرَط: لأنهم يُعَلِّمونَ أنفسهم بعلامات يُعْرَفونَ بها. وربما روي "أَمَارَاتها" بالجمع (٣).
وأمَّا الإمارة -بالكسر-: فالوِلاية.
الرابع بعد العشرين: "الأَمَةُ" هنا الجارية المستولدة، و"رَبَّها": سيدها.
و"ربَّتُها"-تأنيث رب-: سيدتُها ومالِكَتُها، وفي رواية "ربَّها" على التَّذكير، وفي أُخرى "بَعْلَها" (٤) وقال: يعني السَّراري.
واخْتُلِفَ في معناه على أقوال (٥):