أسْلَمَ عامَ خيبَر، وروى فوقَ خمْسَةِ آلاف، وماتَ بالمَدِينةِ بعدَ الخمسين، ودُفِنَ بالبَقيع، وما اشْتَهرَ أنَّ قَبرَهُ بِقُرب عَسْقَلان فلا أصلَ لهُ، ذاكَ صحابيٌّ آخر اسمُهُ جندرةُ بنُ خَيْشَنة أبو قِرْصَافَةَ (١)، فاسْتَفِد ذلك.
ثانيها: قوله: "واختِلافُهم" هو بضَمِّ الفاء لا بِكَسْرِها، كما ضَبَطَهُ النَّوَوي في "نُكَتِهِ" (٢) عطفًا على"كثرة" لا على "مسائلهم" أي: أهلكهم كثرة مسائلهم، وأهلكهم اختلافهم، وهو أبلغ؛ لأنَّ الهلاكَ نشأ عن الاختلاف.
ثالِثها: هو أَنَّ الحديث ذَكَره مسلمٌ مطوَّلًا، وزاد في أوَّله: خَطَبَنا رسولُ اللهِ ﷺ فقال: "يا أَيُّها النَّاس! قد فُرِضَ عليكُم الحَجُّ فحُجُّوا" فقال رَجُلٌ (٣): أكلَّ عَامٍ يا رسُولَ اللهِ؟ فسَكَتَ -حتى قالها ثلاثًا-، فقال رسول الله ﷺ : "لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ، لَوَجَبَتْ، ولَمَا اسْتَطَعْتُم" ثمَّ قال: "ذَرُوني مَا تَرَكْتُكُمْ، فَإنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ، واخْتِلافِهِمْ على أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا أَمَرْتكُمْ بشَيءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وإذا نَهيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ" (٤).
وهذا السائل هو الأقرع بن حابس كما جاء في رِوايةٍ أُخرى (٥).
стр. 177
رابعها: هذا الحديث يرجِعُ إلى قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ [الأنعام: ١٥٩] الآية. وهو دالٌّ على وُجُوبِ أَمْرَيْن:
تركُ المَنْهِيَّات، والأمر بالاجتِنَاب هو للوجُوب، وفعل المستطاع من الأمور، لقوله: "فأْتُوا" أي: افْعَلُوا منه ما اسْتَطَعْتُم، والأمْر بفعله للوجوب، قاك تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧].
والحديث مُخَصِّصٌ للآيةِ، أو مُبيِّنٌ لها، أو أنَّ الآيةَ خُضَّت بقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وهي مُفَسِّرَةٌ لقوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] أو ناسِخَةٌ لها.
و ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ هو: امْتِثالُ أوامِرِهِ واجْتِنابُ مَنَاهِيهِ.
ولم يأمرنا تعالى إلَّا بالمُسْتَطَاع، قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] وقال: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، وقال في الحجِّ: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، وهو رُخْصَةٌ مِنْهُ علينا بذلك، والاستطاعة: الإطاقة.
خامسها: هذا الحديث أحدُ قواعِدِ الإسلام المُهِمَّةِ، ومِمَّا أوتيه -عليه أفضلُ الصلاة والسلام- مِنْ جَوَامِعِ الكلمِ الجَمَّةِ؛ فإنَّهُ يدخُلُ فيه مَا لا يُحْصَى مِنَ الأحكام: كما إذا وَجَدَ بعض ما يكفيه لطَهَارتِهِ فإنَّهُ يَسْتَعْمِلُهُ ويتيمم للباقي، وكَمَا إذا قدر علي بعضِ الفاتِحَة، أو بعضِ السُّترة، أو بعض الفطرة في الزَّكاة، وغير ذلكَ مِمَّا لا يُحْصَى مِمَّا أوضَحْنَاهُ في "الأشباه والنظائر" (١) ولله الحمدُ.
стр. 178
وكذا إذا وجبَ إزالةُ مُنْكَراتٍ قدرَ على البَعْض، وما يُباح للاضطرار ولا يدخلُ في النَّهي فإنه أذن فيه، وكذا الإكراه على الرِّدَّةِ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بالإيمان ونحو ذلك.
والمَأْمُورُ به مُتَوَقِّفٌ على فِعْلٍ، بِخِلاف المنهي عنه فإنَّهُ كفٌّ مَحْضٌ؛ فلذا قال: "واجْتَنِبُوهُ"، وقال في الأوَّل: "فأْتُوا مِنْهُ ما اسْتَطَعْتُم".
سادِسُها: كثرةُ المسائل المراد بها عن غير ضَرُورةٍ، وقَدْ نُهِيَ عن الأغلوطات في الدِّين (١)، وكثرةُ الاختِلاف يُؤَدِّي إلى التَّفَرُّق، ومَقصُودُ الشَّارعِ عَدَمُهُ.
سابعُهَا: هذا الحديثُ مِنْ خِطابِ المشافهة، ولا يعمُّ بذاته؛ وإنما هو مِن باب: حُكْمِي على الواحد حُكمي على الجماعة.
خاتمة: مَا رواه مُسْلِمٌ في ذِكْرِ الحَجِّ يَسْتَدِلُّ بهِ مَن يقول: إِنَّ الأمرَ لا يَقْتَصي التَّكرارَ، وهو الأصح، وقيل: يقتضيه، وقيل: يُتَوَقَّف، فما زاد على مَرَّة على البيان.
ويَسْتَدِلُّ به -أيضًا- مَنْ يَقُولُ أنه ﵊ لهُ أنْ يَجْتَهِدَ في الأحكام.
стр. 179
وأَن الأصل عدم الوجوب.
وأن لا حُكْمَ قبْلَ وُرُودِ الشَّرع.
فهو حقيقةُ التَّوْحِيدِ والإِخلاص، ونعْمَ السِّلاح.
ومعنى إضافة الطيب إلى الله تعالى: تنزيِهه عن النَّقْصِ والخُبْثِ؛ إذِ الطَّيِّب خلاف الخبيث، ويكون بِمَعْنَى (١) القُدُّوس.
وقيل: طيب الثناء، وعلى هذا فهو مِنْ أسمائِهِ الحُسنى المأخوذةِ مِنَ السُّنة، كالجميل.
وقوله: "إنَّ اللهَ طَيِّبٌ لَا يَقبَلُ إلَّا طيبًا" هو توطِئَةٌ لِبَاقِي الحديث، وهو طِيبُ الطُّعْم لإجابة الدعاء.
والطَّيِّب -هنا-: الحَلال كما هو المراد في الآيتين السالِفَتين. وقوله تعالى: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٧] وهي جمعُ: طيِّبةٍ.
وقوله: ﴿لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ [المائدة: ١٠٠]. وأصلهُ المُستلذ بالطَّعم. ومِنهُ: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣].
ويُطلَقُ -أيضًا- بمعنى: الطَّاهِر، ومنه: ﴿صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣]، و ﴿وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ [النور: ٢٦]، والله تعالى طَيِّبٌ بهذا المعنى، أي: مُنَزَّهٌ -كما سلف- فَلَا يَقْبَلُ مِنَ الأعْمَالِ إلَّا طاهِرًا مِن المُفْسِدَات: كالرِّياء والعُجب ونحوهما، ولا مِنَ الأموال إلَّا طاهِرًا مِنَ الحَرام، فالطَّيِّبُ مَا طَيَّبَهُ
стр. 182
الشَّرعُ لا الطَّعم اللذيذ، والطعم من غير المباح، وقال: ﴿وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا﴾ [المزمل: ١٣]، وفي الحديث: "مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فيهِ غيْرِي تركْتُهُ وشِرْكَهُ" (١).
وفي آخَر: "مَنْ صَلَّى في ثوبٍ قِيمَتُهُ عَشَرَةُ دَرَاهِم فيهِ دِرْهَمُ حَرَامٍ لمْ تُقْبَل لهُ صَلاةٌ" أخرجه أحمد (٢).
وإنَّمَا لَمْ تُقْبَل الصَّدَقةِ مِنَ المَالِ الحَرام؛ لأنَّهُ ممنُوعٌ مِنَ التَّصَرُّفِ فيه؛ ولأنَّ أكلَهُ يُفْسِدُ القَلْبَ، فَيُحْرَم الرِّقة والإخلاص.
وهل القَبول مِنْ لَوَازِمِ الصِّحةِ أَمْ لا؟ فيهِ بَحْثٌ (٣).
وقوله: "إِنَّ اللهَ أمَر المُؤمِنين بِمَا أَمَرَ به المُرسلين" أي: سَوَّى بينهم في الخِطَاب بِوُجُوبِ أكلِ الحَلال، وكذا أمَّتهم معهم، وفي العبادة -أيضًا- إلَّا مَا قامَ الدَّليلُ على تخصيصِهم به؛ لأنَّ الجميع عبادُهُ ومَأْمُورُونَ بِعِبَادَتِهِ.
ومعنى: ﴿رَزَقْنَاكُمْ﴾ هنا: مَلَّكْنَاكُمْ، وقد تكون في موضعٍ آخر بمعنى: نَفَعْنَاكُمْ. والرِّزقُ عِندَنا: مَا فَتَحهُ الله لَنَا مِنْ حَلالٍ أو حرامٍ، والمعتزلة خَصّوهُ بالحلال، واللغةُ لا تقتَضِيه (٤).
стр. 183
وقوله: "ثُمَّ ذَكر الرّجُل ... " إلى آخره، هذا مِنْ كلامِ أبي هُريْرَةَ! يعني: أن النبي ﷺ بعدَ مَا سَبَقَ ذَكَرَهُ اسْتَطْرادًا، وهو من وادي:
ولقد أَمُرُّ على اللئيم يَسُبُّني ... فَمَضيتُ ثُمَّتَ قلتُ: لا يَعْنِينِي
فوصفَهُ بالنَّكرة، وإن كان فيه الألف واللام حيث لم يُرِدْ رجُلًا بِعَيْنِهِ.
ومعنى: "يُطِيلُ السفر" يعني: في الحجِّ والجهاد، ومَا أشْبَهَ ذلِكَ مِنْ أسفارِ الطَّاعات.
و"الأشعث" المُغْبَر الرأس.
وقوله: "يمُدُّ يَدَيْهِ إلى السَّماءِ" وهو دالٌّ على أن ذلِكَ مِنْ أدَبِ الدعاء.
وكانَ الشَّارعُ يرفَعُ يَدَيْهِ في عِدَّةِ مَوَاضِع؛ منها (١): في الاستسقاء حتى يُرى بياض إبطيه (٢).
وقال في حديث آخر: "إنَّ اللهَ حييٌّ كريمٌ، يَسْتَحِي مِنْ عَبْدِه أنْ يرْفَعَ إليهِ كَفَّيْهِ ثمَّ يَرُدُّهُما صِفْرًا" (٣).
стр. 184
وعادةُ العربِ إذا استعظَمَت أمرًا رَفَعَت أيْدِيَها، فالدَّاعي أَجْدَرُ بذلِكَ؛ إذْ هوَ بين يديْ عظيمِ العُظماءِ كما في التَّكبير، وهو العادة في سؤال المخلوق ليأخُذَ في يدهِ، ولأنَّهُ قِبْلَة الدُّعاء (١).
وقوله: "فأنَّى يُستجاب لذلك" أي: كيف؟ على جِهَةِ الاستبعاد لمن هذه صِفَتُهُ وهذا حالُهُ، ومعناه: أنه ليسَ أهلًا لإجابةِ دُعائه، فلا يُجيرُهُ شعثه وغباره من إثم مطعمه ومشربه، فالغوي الذي مَدَّ لها يَدًا نشأت عن مخالفة وعصيان، فكيف حال مَنْ هو منهَمِكٌ في الفساد، ساعي بظلم العباد؟
لكن يجوز أن يستجيبَ اللهُ لهُ تَفَضُّلًا ولُطفًا وكَرَمًا، نعم؛ مِن علامة الإجابة: اجتنابُ الحرام؛ لأنَّ مخالطته تُفْسِدُ القلب، وإذا فَسَدَ فَسَدَت جوارِحُهُ.
ومعنى: "غُذِيَ به" أي: كان غِذَاؤُهُ -وهو بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ مَضْمُومَةٍ، ثم ذالٍ مُعْجَمَةٍ مَكسُورةٍ مُخَفَّفةٍ-.
وللدُّعاءِ آداب وشروطٌ ذَكَرَهَا الغزالي (٢) وغيره في كتاب "الدُّعاء":
стр. 185
ألا يُدْعَى بمعصية، ولا بِمُحالٍ، وأن يكونَ حاضِرَ القلب عنده، وأن يحسِن الظَّنَّ بالإجابةِ، وألَّا يَستعجِل فيقول: دَعَوْتُ فلَمْ يُستَجَب لي، وهو سوءُ أدَبٍ فيقطَعُه عن الدُّعاء فيُفَوِّت الإجابة.
وفيه الحثُّ علي الإنفاق مِنَ الحلال، والنَّهي عن الإنفاق من غيره.
وفيه أن المأكول والمشروب والملبوس ونحوها ينبغي أن تكون حلالًا لا شُبْهَةَ فيهِ، وأنَّ مُريد الدّعاء أولى بالاعتناء بِذَلِكَ مِنْ غيرِهِ، والله سبحانه أعلم.
* * *
стр. 186
الحَديِثُ الحَادِي عَشَرَ
عن أبي مُحَمَّدٍ الحَسَنِ بنِ عَلِيٍّ بنُ أبي طَالِبٍ ﵁ وهوَ سِبْطُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ورَيْحَانَتُهُ -قالَ: حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ : "دَعْ مَا يَرِيبُكَ إلى مَا لا يَرِيبُكَ".
رواهُ التِّرْمِذِيُّ، والنَّسَائِيُّ.
وقالَ التِّرْمِذيُّ: "حَسَنٌ صحيحٌ" (١).
* * *
الكلامُ عليهِ مِنْ وُجُوهٍ:
أحَدُها: في طرفٍ مِن حالِ راوِيهِ، وهو -كما ذكرهُ اسمًا وكُنْيَةً- قرَشيٌّ هاشِمِيٌّ مَدَنيٌّ، والسِّبط هنا: ابن البنت؛ فأُمُّهُ فاطمة الزَّهراء بنت سيد المرسَلِين -صلوات الله وسلامه عليه-.
стр. 187
و"ريحَانَتُهُ" أَشَارَ بِهِ إلى قوله ﵊ فيه وأخيه الحُسَيْن: "هُمَا رَيْحَانَتَايَ مِنَ الدُّنيا" (١)، وهو أحدُ سيِّدَي "شَبَابِ أَهْلِ الجَنَّةِ" أيضًا (٢).
وقال فيه أيضًا: "إنَّ ابني هذا سيِّدٌ" (٣).
وُلِدَ في النِّصف مِن رمضان سنةَ ثلاثٍ مِنَ الهِجْرَةِ على الأصَحِّ.
روى عن: جَدِّه رسول الله، وأبيه، وأخيه الحُسين، وخاله: هند بن أبي هالة، وعنه: ابنه الحسين، وأبو الجوزاء، وربيعة، وعكرمة، وخَلْقٌ.
وكان أشبَهَ وجهًا برسول الله ﷺ ، ومَنَاقِبُهُ جَمَّة.
ماتَ سنة خمسين -وفيه خلاف- ودُفِنَ بالبقيع.
وكانَ مِنَ الحُكَمَاءِ الكُرماءِ الأسخياءِ، وكانَ مِطْلاقًا، يُقال: أنه أَحصَنَ أكثر من مائة امرأة! (٤).
و"الترمذي": اسمه محمد بن عيسى الحافظ، أبو عيسى الضرير، قيل: وُلِدَ أَكْمَهَ.
стр. 188
سمع: قُتيبة، وأبا مصعب وخَلْقًا، وتَعَلَّم أكثر من البخاري.
وروى عنه: المَحْبُوبيُّ (١)، والهيثم الشَّاشي، وخَلْقٌ.
ماتَ في رجبٍ سنةَ تِسعٍ وسبعين ومِائتَين (٢).
و"النَّسائي" اسمه: أحمدُ بن شُعَيبٍ الخُرَاسانيُّ، وُلِدَ سنةَ خمس عشرة ومائتين، برعَ وتَفَرَّدَ وأتقنَ، واستَوْطَنَ بمِصرَ، ومات بالرَّملة سنةَ ثلاثٍ وثلاثمائةٍ (٣).
ثانيها: "يَريبُكَ" بفتحِ أوّله -على الأفصح- ويجُوزُ ضَمُّها، وأصله هل هو ثلاثي: راب يريب، أو رباعي أراب يريب مِنَ الرِّيبة، وهي: الشَّكُّ والتَّرَدّد، فراب وأراب بمعنى: شَكَّكَ، وقيل: أرابني شكَّكَني وأوهمني الريبة فيه، فإذا اشْتَقَقْتَ قُلتَ: رابَنِي (٤).
ثالثها: معنى الحديث: اترك ما فيهِ شكّ مِنَ الأفعالِ إلى مَا لا شَكَّ فيه منها، ومِنْهُ حديث عمر: "مَكْسَبَةٌ فيها بعضُ الريِّبَةِ خيرٌ مِن المسأَلَةِ" (٥) أي: كَسْبٌ فيه بعض الشك أحلالٌ هو أو حرام؛ خيرٌ مِن سؤال الناس.
стр. 189
ومعنى الحديث راجِعٌ إلى معنى الحديث السالف: "إِنَّ الحلال بيِّنٌ ... " إلى آخره.
وهو أصلٌ عظيمٌ في الوَرَعِ، فأطلَقَ الشَّرعُ الأيدي على الحلال وقَصَرها عن الحرام، وَوَرَّعَ عن المُشْتَبَهِ في قولٍ، وَمَنعَ مِنْهُ في آخر، وفصَّل مرَّةً فقال: إن كان مِنَ الفواحشِ الكبار التحقت فيه الشُّبهَةُ بالحرام، وإن كان من غير ذلك بنى على هذا الأصل (١) كمسألة العِينَة؛ جوَّزها قومٌ للحاجة، ومَنَعَهَا آخرون، والورع لا يخفى، وقد سلف في الحديث: "لَا يَبْلُغُ أَحَدٌ أَنْ يَكُونَ مِنَ المتَّقينَ حَتَّى يَدَعَ مَا لا بَأسَ بهِ حذارًا مِمَّا بِهِ بَأْسٌ" (٢).
وأعلى مِن ذلِكَ: تَرْكُ الحَلالِ مَخَافَةَ الوُقوعِ في الحَرَام، وقد تقعُ الريبة في العبادات والمُنَاكحات وعِدَّة من أبواب الفقه المشتبهات، ولا شَكَّ أَنَّ التَّركَ أسْلَمُ للدِّين، كَمَا بيَّنَهُ سيِّدُ المُرْسَلين.
* * *
стр. 190
الحدِيثُ الثاني عَشَر
عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مِنْ حُسْنِ إسْلامِ المَرْءِ تَرْكُهُ مَا لا يَعْنِيهِ".
حديثٌ حَسَنٌ، رواهُ التِّرْمِذِيُّ وغَيْرُهُ (١).
[وقالَ ابنُ الصَّلاح: "رواه الترمذي وابن ماجه"، وتَبِعَهُ المُصَنِّف، وكذا قاله النووي في "الأذكار" (٢).] (٣).
* * *
والكلام عليه وُجُوهٍ:
أحَدُها: في التَّعْريف بِرَاوِيه، وقد سَلَف، والترمذي.
стр. 191
ورواه مالكٌ في "الموطأ" (١) عن الزُّهري مُرْسَلًا، وذَكَرَ ابنُ عبد البَر أن للزهري فيه إسنادين: مُرْسَلٌ -كما رواه مالكٌ-، ومُتَّصِلٌ عنه عن أبي سَلَمَةَ عن أبي هُريرةَ، ثم طرَّقَهُ وصحَّحَهُ (٢).
ثانِيها: هذا الحديثُ أصْلٌ مِنْ أُصُولِ الإسلام. قال أبو داود: "أصولُ السُّنن في كلِّ فنٍّ أربعة"- فَذَكَرَ الحديث الأول من هذه الأحاديث، والسادس، وهذا الحديث، والحادي بعد الثلاثين (٣).
قال أبو عُمَر: "وهذا مِنَ الكلامِ الجامِعِ للمعاني الكثيرَةِ الجليلَةِ، في الألفاظِ القليلةِ، وهو ما لم يَقُلْهُ أحدٌ قَبْلَهُ، إلَّا أنهُ قد رُوِيَ عنه ﵊ أنه قال في صُحُفِ إبراهيم ﵇: "مَن عَدَّ كلامَهُ مِن عمَلِهِ قلَّ كلامُهُ إلَّا فيما يَعْنِيهِ" (٤) وهذا خاص بالكلام، وأَمَّا الحديث فإنه أعم منه.
وروى أبو إدريس الخولاني ﵀[عن أبي ذَرٍّ قال] (٥): قلتُ: يا رسول الله! ما كانت صحف إبراهيم ﵇؟ قال: "كانت أَمْثَالًا كلها ... " فَذَكَرَ الحدِيثَ. قال: وكان فيها: "وعلى العَاقِلِ أَنْ يَكُونَ بَصِيرًا بزَمَانِهِ، مُقْبِلًا على
стр. 192
شَأْنِهِ، حَافِظًا لِلِسَانِهِ، ومَنْ حَسَبَ كَلامَهُ مِنْ عَمَلِهِ؛ قَلَّ كَلامُهُ إلَّا فِيمَا يَعْنِيهِ" (١).
وقال أبو بكر بن أبي داود: ثنا محمود بن خالد، ثنا: عُمَرُ (٢) بن عبد الواحد، ثنا: سعيد بن عبد العزيز قال: "وقفَ رجُلٌ على لقمان الحكيم ﵇! وهو في حلقةٍ عظيمةٍ فقال: ألسْتَ عبدَ بَنِي الحسحاس؟ فقال: "بلى". قال: فأيُّ شيء بلغتَ مَا أَرَى؟ قال: "قَدَرُ الله، وصِدْقُ الحديثِ، وتَرْكِي مَا لَا يَعْنِيني" (٣).
وذَكَر مالكٌ في "موطئهِ" أنه قيل للقمان: ما بلغَ بكَ ما نَرَى؟ -يريدون الفضل-، قال: "صِدْقُ الحَدِيثِ، وأَدَاءُ الأَمَانَةِ، وَتَرْكِي مَا لَا يَعْنِينِي" (٤).
وروى أبو عبيد عن الحسن ﵀ قال: "مَن عَلامَةِ إِعْرَاضِ اللهِ عن العبدِ أَنْ يَجْعَلَ شُغلَهُ فيما لا يَعْنِيهِ" (٥).
وقال سابِقٌ:
стр. 193
النَّفس إِنْ طَلَبَتْ مَا لَا يَعْنِيهَا ... جَهْلَّا وَسُخْفًا (١) تَقَعْ فيما يُعَنِّيها
وقال الحسن بن حميد:
إذا عَقَلَ الفَتَى اسْتَحْيَا واتَّقَى ... وقَلَّتْ مِنْ مَقَالَتِهِ الفُضُولُ" (٢)
وفي الحديث: "ألا أُنَبِّئُكُمْ بأَمْرَيْنِ خَفِيفٌ مُؤْنَتُهمَا، عَظِيمٌ أَمْرُهُمَا، لَمْ يُلْقَ الله بِمِثْلِهِمَا: الصَّمْتُ (٣)، وَحُسْنُ الخُلُقِ" (٤).
ثالِثُها: يُقالُ: عَنَاهُ الأمرُ يَعْنِيه؛ إذا تعلَّقت عِنَايَتُهُ به، وكان من غرضه وإرادته (٥)، والذي يعني الإنسان من الأمور: ما يتعلق بضرورة حياته في معاشه، وسلامته في معاده، وذلك يسير بالنِّسبة إلى ما لا يعنيه، فإذا اقتصرَ الإنسانُ على مَا يَعْنِيهِ مِنَ الأُمُورِ سَلِمَ مِنْ شَرٍّ عظيم، والسَّلامةُ خَيرٌ كثيرٌ، فالسَّلامَةُ مِن الشَّرِّ مِن حُسْنِ الإسلامِ.
ومِن كلامِ بعضِ السَّلَفِ: "مَنْ عَلِمَ أَنَّ كَلامَهُ مِن عَمَلِهِ [قلَّ كلامُهُ إلَّا فيما يَعْنِيه" (٦).
стр. 194
ومِن كلامِ بعضهم: مَن سَأَل عَمَّا لا يَعْنِيهِ] (١) سَمِعَ مَا يُعَنِّيهِ.
* تنبيهات:
عبَّر بالإسلام ولم يقل: مِن إحسان إيمان المرء؛ لأنه عملٌ ظاهِرٌ اختياري بخلافه.
وأتى بِـ "مِنْ" الدَّالة على التَّبعيض، لأن تركَ مَا لَا يَعْنِي ليسَ هو كُلَّ الإسلام، فإذا فَعَلَ مَا يعنِيهِ، وتَرَكَ مَا لا يعنيه فقد كَمُلَ حُسْنُ إِسلامِهِ.
وأتى بالحُسْنِ؛ لأنَّهُ وصْفُهُ ليس ذاته، ولا شكَّ أنَّ الإقبالَ على ما يَعْنِيهِ وتَرْك ما لَا يعنيه مطلوبٌ دونَ عكسها (٢).
و"يَعْنِيه": بفتحِ أوَّلِهِ، ضَبَطَهُ النَّوَوي في "نُكَتِهِ" (٣).
* * *
стр. 195
الحَدِيثُ الثَّالِثَ عَشَر
حديثُ أبي حَمْزَةَ أنسِ بنِ مالِكٍ ﵁، خادِمِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، أنِّ رَسُولَ الله ﷺ قالَ: "لا يُؤْمنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ".
رواه البخاريُّ ومُسْلِمٌ (١).
* * *
الكلامُ عليهِ مِنْ وجُوهٍ:
أحَدُها: لفظُ مُسْلِمٍ: "والَّذي نَفْسِي بيَدِهِ لا يُؤْمنُ عَبْدٌ حتى يُحِبَّ لأَخِيهِ -وقال: لِجَارِهِ- ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ" (٢).
وأخرجه النَّسائي في "الإيمان" بلفظ: "حتى يُحِبَّ لأَخِيهِ مِنَ الخَيْر" (٣).
وابن أبي شيبةَ في "مُسْنَدِهِ" وقال: "ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ مِنَ الخَيْر" (٤).
стр. 196
ثانيها: في التَّعريف براوِيهِ: كُنِّيَ بحمزة؛ لِبَقْلَةٍ كان يَجْتَنِيهَا (١)، وهو أنصاريٌّ نجَّاريٌّ مصري (٢)، خادِمُ رسول الله ﷺ ، خَدَمَهُ عَشْرَ سِنين.
أمُّه: أم سُليم بنت ملحان، روى زيادةً على ألفَيْ حديث، دعا له الشَّارُع: بكثرةِ المالِ، والولدِ، وطول العُمُر والجنَّة (٣).
ماتَ سنة ثلاث -أو خمسٍ- وتسعين بالبصرةَ، ودُفِنَ بقصره بقُربها وقد جاوَزَ المائة (٤).
ثالِثُها: "أَحَدٌ" هنا بمعنى: واحدٌ، فهي -أي: واحد- تُسْتَعْمَلُ في الإثباتِ والنَّفْي، وأمَّا "أحد" التي هي للعموم فلا تُسْتَعمل إلَّا في النَّفي كـ "مَا في الدَّارِ مِنْ أَحَدٍ".
و"النفس": تُذَكَّر وتُؤَنَّث، قال تعالى: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦].
رابعُهَا: معنى الحديث: لا يُؤمِنُ الإيمان التام؛ وإلَّا فَأَصْلُ الإيمان حاصِلٌ، وإنْ لَمْ يَكُن بهذه الصِّفةِ، والمرادُ: يُحِبُّ لأخيهِ من الخيرِ -كما سلف-، وليسَ ذلِكَ صَعْبًا، فإنَّ المرادَ حُصُولُ مثل ذلك من غير مزاحمةٍ فيها له.
стр. 197
ففيه أنَّ المؤمنَ مع المؤمنِ كالنَّفسِ الواحدةِ، فعلَيْهِ كَفُّ الأذَى والمكروه، والمواساة، ويحصل منه الائتلاف والانتظام، وهو قاعِدَةُ الإسلام المُوصى بها في قوله : ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، ولا شكَّ أنَّ النَّفسَ الشَّريفَةَ تُحِب الإحسانَ وتجتنبُ الأذى؛ فإذا فعل ذلك حصلت الألفَة وانتَظَمَ حَالُ المَعَاش والمعاد، ومشت أحوال العباد.
وفي الحديث: "انظُرْ أَحَبَّ مَأ تُحِبُّ أَنْ يَأتِيهِ النَّاسُ إِلَيكَ، فَأْتِهِ إليهم" (١).
وفي كلام بعضهم: ارضَ للناس ما لنفسِكَ ترضى.
ثم لا بُدَّ أنْ يكونَ المعنى فيما يُباح، وإلَّا فقد يكون غيره ممنوعًا منهُ وهو مباح له.
قال أبو الزناد: "ظاهر الحديث التَّساوي، وحقيقته التَّفضِيل؛ لأَنَّ الإنسان يحِبُّ أنْ يكُونَ أفضَلَ الناس، وإذا أَحَبَّ لأَخيهِ مِثلَهُ فقد دَخَلَ في جُمْلَةِ المَفْضولِين" (٢).
* * *
стр. 198
الحديث الرابع عشر
عن ابن مَسعُودٍ ﵁ قال: قال رَسُولُ الله ﷺ : "لَّا يَحِل دَمُ امْرِئ مسْلِمٍ إلَّا بِإِحْدَى ثلاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّاني، والنَّفْسُ بَالنفْسِ، والتَّارِكُ لِدِينِهِ المُفَارِقُ للجَمَاعَةِ".
رواهُ البُخَارِيُّ ومُسْلِمٌ (١).
* * *
الكلام عليهِ مِن وجُوهٍ -والتَّعريفُ بِراويهِ سلفَ-:
أحدهما: قوله "لا يَحِلُّ دمُ امرئٍ" هو على حذف المُضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه، أي: لا يَحِلُّ إراقةُ دَمِ امرئٍ، والدَّمُ أصلُهُ: "دمي"، ولذلِكَ ظهر اللام في التثنية قال:
فَلَو أَنَّا على حَجَر ذُبِحنا ... جَرَى الدَّمْيَان بالخبر اليقين
ويقالُ: امرؤٌ وَمَرْءٌ، وفي الأنثى: امْرَأَة، وَمَرْأَة، وَمَرَة، ورَجُلَة، وخَصَّ الذَّكَرَ -مع أنَّ الحُكْمَ عَامٌّ-؛ لأنهُ الأَصلُ، ولأنّهُ أشرفُ في اللفظ.
стр. 199
و"الثيِّب" هو المُحصَن، وهو اسمُ جِنْسٍ يدخلُ فيه الذَّكر والأنثى، وقامَ الإجماع على أنَّ حدَّه بالرجم.
وشُرُوط الإحصان محلُّ الخوضِ فيها الفروع، وقد بسطناها فيها ولله الحمد (١).
وقد جَمَعها ابن رشيق المالكي في أبيات حيث قال (٢):
شروطٌ للإحصان ستٌّ أتت ... فَخُذْهَا عَلَى النَّصِّ مُسْتَفْهِما
بلوغٌ، وعقلٌ، وحُرِّيةٌ ... ورابعُها كونه مسلِمَا
وعقدٌ صحيحٌ، وَوَطْءٌ مُبَاحٌ ... مَتَى اختَلَّ شرطٌ فلن يُرجما
ولا يُجْلَدُ عندنا قبلُ -خلافًا لأحمد-، وقد رَجَمَ الشَّارع ماعِزًا والغامديَّة (٣) ولم يجلدهما قبلُ.
ثانيها: "النّفسُ بالنفس" هو مُوافِقٌ للآية: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] والمراد: النفوس المتكافئة في الإسلام، والحرية؛ بدليل حديث البخَاري: "لا يقتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ" (٤) وهو حجةُ الجمهور من الصّحابة، والتابعين على من قال: يُقْتَلُ به، وهم أصحابُ الرَّأيِ، والشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ. ولا يصح لهم مَا رَوَوْه مِن حديث ربيعَةَ أنه ﵊ "قَتَلَ يوم خيبر مُسْلِمًا بكافر" (٥)؛ لأَنَّهُ مُنْقَطِعٌ.
стр. 200
ومِن حديث [ابن] (١) البَيْلَماني (٢) وهو ضعيفٌ، ولا يصِح في الباب إلَّا ما سَبَق.
وأمَّا الحُريةُ فَخَالَفَ فيها أصحابُ الرأي عَمَلًا بإطلاقِ الآية، وبقوله ﵊: "المُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، وَيَسْعَى بذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ" (٣).
والثلاثة، وإسحاق، وأبو ثور، والحسن، وعطاء، وعمرو بن دينار، وعُمَر بن عبد العزيز، والجمهور على خلافه؛ لأنهُ مَالٌ.
وعندَ مالك: يُجْلَد القاتل مائة ويُحْبس عامًا.
وذهب النَّخَعِي، والثوري (٤) -في أَحَدِ قَوْلَيْهِ- إلى أَنَّهُ يُقْتَلُ بهِ وإن كان عبدهُ؛ لحديث الحسن عن سَمُرَةَ بن جُنْدُب: "مَنْ قَتَلَ عبدَه قتلناه، [وَمَنْ جَدَعَهُ جَدَعْنَاهُ، وَمَنْ خَصَاهُ خَصَيْنَاهُ" (٥).
قال البُخاريُ عن عليِّ بن المَدِينيِّ: سَمَاعُ الحَسَنْ مِن سَمُرَة صحيحٌ. وَأَخَذَ
стр. 201
بهذا الحديث.
وقال البُخاريُّ:] (١) وأنا أَذْهَبُ إليه" (٢).
وضعَّفه غيرهُ بانقطاعِهِ؛ فَإِنَّ الحسنَ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنَ سَمُرَةَ!
الثالث: "التاركُ لِدِينِهِ" هو المرتد: الذي بدَّل دينه بأيِّ مِلَّةٍ كانت، فَقَتْلُهُ واجِبٌ إِنْ لم يَرجع إلى الإسلام، والمُرْتَدَّةُ كالمرتد عندنا؛ لعموم الحديث؛ ولأنَّ العِلةَ التَّبديل وقد وُجِدَ، وقال: "مَنْ بَدَّلَ دينَهُ فاقْتُلُوهُ" (٣) خِلافًا لأبي حنيفة حيث قال: تُحْبَسُ؛ لِنَهْيِهِ ﷺ عن قتل النِّساء وهو خاصّ (٤).
وقوله: "المُفَارِق للجماعة" ظاهِرُهُ أنَّهُ أتى به نعْتًا (٥) جاريًا على التارك لدينه؛ لأنّهُ إذا ارتدَّ عن دين الإسلام، فقد خَرَجَ عن جماعتهم، غيرَ أَنَّهُ يَدخُلُ في هذا الوصف كلُّ مَن خَرَجَ عن جماعة المسلمين، وإن لم يكن مُرْتَدًا كالخوارج، وأهل البدع، وأهل البَغْي ودَمهم حَلال بالإجماع، فكلُّ مَنْ فارَقَ الجماعة فقد بدَّلَ دِينَهُ، غير أَنَّ المُرْتَدَّ بَدَّلَ كُلَّهُ، وغَيْره بَعْضهُ.
واختُلِفَ في تارك الصلاةِ تَكَاسُلًا غير جحود وقد سلف ما فيه، وعندنا يقتَلُ حَدًّا، وكذا مَن امتَنَعَ مِن واجِبٍ يُقاتَلُ عليه، وإِنْ أَبَى، عليه القتل.
стр. 202
فائدة: "اللَّام" في "التارك" وفي "المفارق للجماعة" زائدة كما زِيدَتْ في قوله: ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ﴾ [النمل: ٧٢]، وفي: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ [الحج: ٢٦] ونحوهما. فإنَّ لفظ "ترَكَ"، و"فارَقَ" مُتَعَدِّيان بأنفسهما، واسم الفاعل من الفعل المتعدي متعدٍّ كفعلِهِ، كما أنَّ القاصِرَ كذلك، فَزِيدَت في اسم الفاعل كما زيدت في الفعل؛ وإلَّا فالأصل: "التارك دينه"، و"المفارق الجماعة"، كما تقول: الضارب زيدًا، ولا تَقُلْ: الضارب لزيد، وزيادتها لتأكيد المعنى (١).
* تتمات:
إحداها: "الصائل" ونحوه داخل في التارك للجماعة؛ فلا حاجة إلى استثنائه، أو يكون المراد: لا يحل تعمد قتله قصدًا إلَّا هؤلاء الثلاثة.
و"اللائط" يُرجَم على الأصح ما لم يكونا عَبْدَيْن، أو كافِرَيْن عند المالكية، فيحد العبد خمسين ويؤدب الكافر عند أشهب.
ثانيها: المقصود بهذا الحديث بيان عظمة الدِّماء وما يُباح فيها وما لا يُباح، والأصل فيها العِصمَة، وقد قال ﵊: "فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقِّها".
وفي الحديث: "مَنْ أَعانَ على قَتْلِ مُسْلِمٍ بِشَطْرِ كلِمَةٍ؛ لَقِيَ اللهَ مَكْتُوبٌ بين عَيْنَيْهِ: آيِسٌ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ" (٢). وفي آخر: "لِيَحْذَر أَحَدُكُمْ أَنْ يحُولَ بَيْنَهُ وبينَ
стр. 203
الجَنَّةِ بِمِلءِ كَفٍّ مِنْ دَمٍ يُهريقه بغير حقٍّ" (١). ولا شك أن القاتل إذا تَجَرَّأَ وأفسَدَ هذه الصورةَ البدِيعةَ المخلُوقَةَ في أحسَنِ تَقْوِيمٍ فقد أَفِكَ وباءَ بإثمٍ عظيم.
ثالثها: استَثْنَى الحديث ثلاثة فقط، ووجهُهُ: تَعَلُّقُ المصلحةِ بذلك، وواجِب على الإمام البدار إليه:
"الثيب الزاني": لأنَّه هَتَكَ عصمةَ الله فأُبيحَ دَمُهُ (٢)، وفيه مَفسَدَة عظِيمَة فاقتَضت الحكمةُ درؤها بذلك.
"والنفس بالنَّفس" ولَمَّا هَتَكَ عِصمَةَ النَّفس -وهي عظيمة- أخذ في مقابلتها النَّفس المعصومة، وهو مصلحة جَسِيمَة: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩].
"والتَّارِكُ لِدِينِهِ" فإنَّهُ حَلَّ نِظامَ عَقْدِ الإسلام؛ فوجب مقاتلته بالمُرْهَفَاتِ المُزيلَةِ للهَام. وشمل قوله "المفارق للجماعة": القلب واللسان (٣).
رابعها: استثناءُ المرتَدِّ مِن الإسلام باعتبار ما كان قبلَ الرِّدةِ، والعلاقة (٤) باقية بدليل استثنائِهِ، وأنَّهُ لا يجوزُ بيعُهُ لكافِرٍ على الأَصَحَ (٥)، ففيه الجمْعُ بين حقيقةِ المسلم ومجازه، وهي مسألة أصولِيَّة.
стр. 204
خامِسُها: لم يستثن مع الثلاث قاطِع الطَّريقِ؛ لأنَّه قد اختُلِفَ أَنَّ قَتْلَهُ يُغَلَّب فيه القِصاص أم لا؟ وهل "أو" (١) فيه للتَّنْوِيع أو للتَّخْيِير؟ ولم يقتلوا إلَّا قاتلًا.
سادسها: مفهومُ الحديث حِلُّ دمِ الكافر بدُونها حَرْبِيًّا كان أو ذِمِّيًا، لكن الذِّمِّي خرجَ بدليلٍ (٢)، فبَقِيَ الحربيّ.
سابعها: عمومُ النَّفس بالنَّفس يَقتَضِي أَنَّهُ لا فرقَ في القِصَاص بينَ المُثَقَّل والمُحَدد (٣).
وقال أبو حنيفة ﵀: "لا قِصاصَ في المُثَقَّل ولو رماهُ بِأبا قُبيس"! (٤)
هكذا لفظه: بـ "أبا قبيس" (٥)، وهو لغة في "أبا"مثل عصا!!
стр. 205
ثامِنُها: "التارك لدينه" مستثنى من المسلم، فلا يدخلُ فيه مَا إِذَا تهوَّدَ نَصْرَانيّ أو عكسه، فإنَّ الأظهر أنه لا يُقْتَل (١) ويتعيَّن الإسلام.
تاسِعها: تقدير الحديث: إلَّا بإحدى ثلاث خِصال: خَصْلَةُ الزَّاني، والقاتل، والمرتد، أو: خصلة الزاني، وخصلة ذي النفس -أي: قاتل النَّفس- ونحوها من التقدير؛ لأنَّ هذه الثلاثة بيانٌ لقوله: "إلَّا بإحدَى ثَلاثٍ"، أي: خِصال، وبدل منه، والثلاثة لا يصح إبدالهم من الخصال؛ لأنَّ المُذَكَّر لا يبدل من المؤنث فتعَيَّن أن يكون بَدَلًا على المعنى.
خاتمة: الأحاديث الواردة بإكفار تارك الصَّلاة كثيرةٌ، منها: قوله ﵊ لمِحْجَن الدِّيلي -وقال: صَلَّيْت في أَهْلِي-: "مَا مَنَعَكَ أَنَّ تُصَلِّي، أَلَسْتَ بِرَجُلٍ مسْلِمٍ"؟ (٢). فَمَفْهُومهُ أَنَّ مَن لم يُصَلِّ لا يكونُ مُسْلِمًا، وقد رُوِيَ عن عليّ، وابن عباس، وجابر، وأبي الدَّردَاء ﵃: إكفارُ تاركها، وبه قال النَّخَعِيُّ، وأَيّوب، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق.
وقال عمر: "لا حَظَّ في الإسلام لِمَنْ تَرَكها" (٣).
стр. 206
وقال ابن مسعود: "مَنْ لَمْ يُصَلِّ فَلَا دِينَ لَهُ " (١).
وبه قال أبو داود الطَّيالسيُّ، وأبو خيثمة (٢)، وأبو بكر بن أبي شَيْبَةَ.
قال ابن راهويه: "وهو رأي أهل العلم مِن لَدُن رسول الله ﷺ إلى زمننا هذا".
قال: "وأجمعوا على أنَّ مَن رأيناه يُصلي وتكرر منهُ أَنَهُ مُؤمِن". قال: "ومَن لم يُكفرهُ فقد ناقَضَ وخَالَفَ أصلَ قولهِ وقول غيره، وقد كَفَرَ إبليس بعدم السجدة" (٣).
وقال أحمد: "لا أُكَفِّرُ أحدًا بذنبٍ إلَّا تارِكَ الصَّلاة" (٤).
وفي مسْلِم من حديث جابر: "ليسَ بينَ العَبْدِ وبينَ الكفر -أو قال: الشرك- إلَّا تَرْكَ الصلاةِ" (٥).
стр. 207
وجاء مِن حديث بُريدةَ: "العَهدُ الذِي بَيْنَنَا [وَبَيْنَهم] (١) الصَّلاة؛ فَمَن تَرَكها فَقدْ كَفر" (٢).
وصحَّ: "مَنْ تَرَكَ صَلاةَ العَصْرِ فقدْ حَبِطَ عَمَلُهُ" (٣).
وكان ﵊ إذا غَزَا قَوْمًا أمسَكَ إذا سَمِعَ أذانًا وإلَّا وَضَعَ السيف (٤).
وجاء مِن حديث أبي هريرةَ: "مَنْ تَرَكَ الصَّلاةَ حُشِرَ معَ قارُونَ وفِرْعَوْنَ وهامان" (٥).
وصحَّ مِن حديث أنس: "مَنْ صَلَّى صَلاتَنَا واسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا" (٦).
стр. 208
وذَهَب الشَّافعي ﵀ إلى قَتْلِهِ حَدًا. وحُكِيَ عن مالكٍ، وأبي ثَوْرٍ، ومَكْحُول، وحماد بن زيد، ووكيعٍ.
وقد قال الصِّدِّيقُ: "لأقاتِلَنَّ مَنْ فرَّقَ بينَ الصلاةِ والزَّكاة" (١).
و [قيل له] (٢) ﵊: أَلا نُقَاتِلُهُمْ -يعني: الأُمَراء- قال: "لَا، مَا صَلَّوْا الخَمْسَ" (٣).
ووردَ: "نُهِيتُ عن قَتْلِ المُصَلِّينَ" (٤).
وقال للذينَ أرادُوا قَتْلَ مَالك بن الدُّخشم: "أليسَ يُصَلّي"؟ قالوا: بلى، ولا صلاةَ لهُ"! (٥) فَنَهَى عن قتْلِهِ لصَلاتِهِ.
وأوَّلَ الشَّافعي ﵀ ما سَلف بِحَمْلِه على الجُحُود، ويُقوِّيه الحديث الصحيح: "خمسُ صلواتٍ كَتبَهُن اللهُ على العِباد ... " (٦).
стр. 209
وقال: "ومن لم يأْتِ بِهِن فليسَ لهُ عِنْدَ اللهِ عهدٌ إن شاءَ عذَبَهُ، وإنْ شاءَ غَفَرَ لهُ" (١).
والكفرُ في اللغة: السَّتْرُ، فليُؤَوَّل عليه.
وقالت طائفةٌ مِن أهل الحِجاز والعِراق: أنه يُضْرَبُ ضَرْبًا مُبرحًا ويُسْجَن حتَّى يرْجِع، وهو قولُ ابن شِهاب (٢).
* * *
стр. 210
الحديث الخامس عشر
عن أبي هريرة ﵁، عن رسولِ اللهِ ﷺ قال: "مَنْ كانَ يُؤْمنُ باللهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أوْ لِيَصْمُتْ، ومَنْ كانَ يُؤْمنُ باللهِ واليَوْمِ الاخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ، ومَنْ كانَ يُؤْمنُ باللهِ واليَوْمِ الاخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ".
رواه البُخَاريُ ومُسْلِم (١).
* * *
الكلام عليهِ مِن وُجوه:
وراوِيهِ سَلَفَ التَّعْرِيفُ به.
وهو حديث عظيم، وجِماعُ آدابِ الخيرِ تَتَفَرَّعُ مِنْهُ، ومِن حديث: "مِن حُسْنِ إسلامِ المرءِ تركُهُ مَا لا يَعْنيه"، وحديث: "لا تَغْضَب"، وحديث: "حتَّى يُحب لأخيه ما يُحِبُّ لنفسِهِ" كما نبَّهَ عليه ابن أبي زيد القيرواني ﵀ (٢).
أحدها: سُمِّي "اليوم الآخر"؛ لأنَّه لا لَيْلَ بَعْدَهُ، ولا يُسَمَّى يومًا إلَّا مَا عَقِبه ليلٌ.
стр. 211
و"يَصْمُت" بِضمِّ الميم، قال أهل اللغة: صَمتَ يَصْمُتُ -بضمِّ الميم- صَمْتًا وَصموتًا وَصُمَاتًا، أي: سَكَتَ.
قال الجوهري: "ويُقال: أَصْمتَ بِمَعنَى: صَمَتَ، والصمْتُ: السكُوتُ. والتَّصْميتُ -أيضًا- التَسْكِيتُ" (١).
وادَّعَى بعضُهُم أَنَّهُ سَمِعَهُ بالكسر مُضارِعًا نحو: ضربَ يَضرِبُ ضربًا (٢).
ويفعل -بضمِّ العين- فيه دخل، كما نصَّ عليه ابن جِنِّي في "خصائصه" (٣).
وحقيقةُ "الصَّمت": السُّكوتُ مع القُدْرَةِ على النُّطقِ، فإنَّ تَوَقَّف فيه فهو العِي، وإن فَسَدَتْ آلةُ النطق فهو الخَرَسُ.
واللام في: "لِيَقُل"، و"لِيَصْمُت"، و"ليُكْرِم": لام الأمر.
ثانيها: المُرادُ به كمال الإيمان، أو المبالغة في ذلك خَرَجَا على الاستجلاب عليها، أو من التَزَمَ شرائع الإسلام لَزِمَهُ ذلك وهو راجعٌ إلى تعريف حقوق ذلك، وقد صحَّ: "مَا زَالَ جِبريلُ يُوصِيني بالجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أنَّهُ سَيُوَرِّثُه" (٤).
وبالغَ بعضهم فجعله كالشريك في إثبات الشُّفْعَةِ لهُ.
ثالثها: الحديث اشتمل على ثلاثِ خِصال عظِيمَةِ النَّفع:
أُولاهَا: قول الخير والسُّكوت عن الشَّرِّ؛ لأنَّ قولَ الخير غنيمةٌ تربح، والسكوت عن الشَّرِّ غنيمةٌ وسَلامةٌ مِن وُقوع في محذُورٍ، أو مكروهٍ، أو مُباح
стр. 212
خوفَ انجرارهِ إلى غيره، وتَرْكُهُ الغَنيمَةَ والسَّلامة ينافي حال المؤمن؛ إذْ لا أَمَانَ ولا إيمانَ لمن فاتَهُ ذلك، فللإنسان في كلامِهِ وسُكُوتِهِ رِبحان ينبغي تحصيلهما: كلام في خير، وسكوت عن شَرٍّ، وخَسَارَتان ينبغي تجنُّبهما: كلامٌ في شر، وسكوتٌ عن خيرٍ، وهذا راجعٌ إلى قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ٧٠].
وقوله ﵊: "أَمْسِكْ عليْكَ لِسَانَكَ" (١)، "وهل يَكُبُّ النَّاسَ في النَّارِ على مَنَاخِرِهِمْ أو وُجُوهِهم إلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ؟! ".
وقوله: "كُلُّ كَلام ابنِ آدمَ عليه لَا لَهُ، إلَّا ذكْر اللهِ، أو أَمْرًا بمعروفٍ، أو نهيًا عن مُنْكَرٍ" (٢).
وقوله: "إنَّ الرَّجُلَ ليتكلَّمُ بالكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ الله ما يُلْقِي لها بالًا يَهوي بها في النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا" (٣)، قال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨] ظاهِرُها يَشْمَلُ المباح أيضًا، وإن كان ابن عباس وغيره خصها بغيره.
стр. 213
وما أكثر آفات اللسان أيها الإنسان؛ [إذ آفاته] (١) فوقَ العشرين آفة.
وما أحسنَ قولَ الشَّافعي ﵀: "إذا أرادَ أنْ يَتَكَلم نظرَ؛ فإنَّ ظَهرَ لهُ أنَّهُ لا ضَرَرَ فيه تَكَلَّمَ، أو ظَهرَ لهُ فيهِ ضَرَرٌ -أو شَكَّ- أمسَكَ" (٢).
وقال الأستاذ أبو القاسم القشيري ﵀: "الصَّمتُ سلامةٌ -وهو الأصلُ- والسُّكُوتُ في وقتهِ: صفةُ الرجال، كما أنَّ النُّطْقَ في وقته مِنْ أَشْرَفِ الخصال.
وسَمِعتُ أبا عليّ الدَّقاق ﵀ يقول: "مَنْ سَكَتَ عنْ الحقِّ فهوَ شَيْطانٌ أخرسُ ...
قال: فأَمَّا إيثارُ (٣) أهل المُجاهدة السُّكوتَ: فَلِمَا عرفوا ما في الكلام من الآفات، ثُمَّ مَا فيهِ مِن حظِّ النَفس، وإظهار صفات المدحِ، والمَيْلِ إلى أنْ يتميَّز من بين أشكاله بِحُسْنِ النُّطق وغير هذا مِنَ الآفات، وذلك نعتُ أرباب الرياضة، وهو أحدُ أركانهم في حكم المنازلة وتهذيب الخلق (٤) " (٥).
стр. 214
وقال الفضيل بن عياض: "مَن عدَّ كلامه مِن عمله قلَّ كلامه فيما لا يعنيه" (١).
وعن ذي النون ﵀: "أَصوَنُ النَّاس لِنَفْسِهِ أَمْلَكُهُم لِلِسَانِهِ" (٢).
وفي صحف إبراهيم ﵊: "مَنْ عدَّ كلامه من عمله قَلَّ كلامه". أو نحو هذا.
وفيها: "وعلي العاقل أن يكون بصيرًا بزمانه، مُقْبِلًا على شأنهِ، حافِظًا للسانِهِ، وَمَنْ حسب كلامه من عمله قل كلامه". وغير ذلك (٣).
الثَّانية: إكرامُ الجار -وقد أسلفنا مَا صَحَّ فيه-، ومَقْصُودُهُ مَقْصُودُ الحديث السَّالِفِ: "لا يُؤْمنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ" أعني: من الألفة والاجتماع، واتّفاق الكلمة، وضِدُّه منافٍ لذلك، وكانت الجاهلية تُشَدِّدُ أَمْرَ الجَارِ ومراعاته وحِفظِ حَقَهِ، وكان في الوصيَّة بإكرامه الرغبة في الإسلام، وهو راجعٌ إلى قوله تعالى: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ [النساء: ٣٦].
قال ابن عباس وغيره: "الجَارُ القريب: النَّسيب، و ﴿الْجُنُبِ﴾: الذي لا قَرَابَةَ بينَكَ وبَيْنَهُ" (٤).
وقيل: من ﴿الْقُرْبَى﴾: المسلم، و ﴿الْجُنُبِ﴾: الذِّمِّي.
وقيل: ﴿الْقُرْبَى﴾: القريب السَّكن منكَ، و ﴿الْجُنُبِ﴾ البَعِيدُهُ.
ثم الجار المُسْلِم له حقَّان، والقريب له ثلاثة، والكافر واحد.
стр. 215
وحَد الجار عندنا أربعونَ دارًا مِن كُلِّ جانبٍ، وهو قوله الأوزاعي.
وقيل: مَنْ سَمِعَ الإقامَةَ فهو جار المسجد! وتَعَذَّرَ ذلك في الدُّور.
وقيل: مَن سمع الأَذان.
وقيل: مَن سَاكَنَ رجُلًا في محلّةٍ أو مدينة.
فائدة: المُجَاورة مَرَاتِب بعضها ألصَقُ من بعض، أدناها الزوجة، قال الأعشى:
أجارتنا بِيني فإنَّكِ طالِقَهْ ...................... (١)
ثم الجيرة: الخُلُط (٢) -بضمِّ الخاء واللام- جمع خليط.
الثالثة (٣): إكرامُ الضَّيفِ، وهو مِن أخلاق الأنبياء والصالحين وآداب الإسلام، وقد أوجبَ الضِّيافة ليلةً واحِدةً الليث بن سعد ﵀ عَمَلًا بقوله: "ليلةُ الضَّيْفِ حَقٌّ واجِب على كُلِّ مُسْلِمٍ" (٤).
وبقوله في حديث عُقْبَةَ: "إِنْ نَزَلْتم بِقَوْمٍ فأمَرُوا لَكُم بحَقِّ الضَيفِ فاقْبَلُوهُ، وإنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَخُذُوا مِنْهم حَقَّ الضَّيْفِ الذي يَنبَغِي" (٥).