و"يَصْمُت" بِضمِّ الميم، قال أهل اللغة: صَمتَ يَصْمُتُ -بضمِّ الميم- صَمْتًا وَصموتًا وَصُمَاتًا، أي: سَكَتَ.
قال الجوهري: "ويُقال: أَصْمتَ بِمَعنَى: صَمَتَ، والصمْتُ: السكُوتُ. والتَّصْميتُ -أيضًا- التَسْكِيتُ" (١).
وادَّعَى بعضُهُم أَنَّهُ سَمِعَهُ بالكسر مُضارِعًا نحو: ضربَ يَضرِبُ ضربًا (٢).
ويفعل -بضمِّ العين- فيه دخل، كما نصَّ عليه ابن جِنِّي في "خصائصه" (٣).
وحقيقةُ "الصَّمت": السُّكوتُ مع القُدْرَةِ على النُّطقِ، فإنَّ تَوَقَّف فيه فهو العِي، وإن فَسَدَتْ آلةُ النطق فهو الخَرَسُ.
واللام في: "لِيَقُل"، و"لِيَصْمُت"، و"ليُكْرِم": لام الأمر.
ثانيها: المُرادُ به كمال الإيمان، أو المبالغة في ذلك خَرَجَا على الاستجلاب عليها، أو من التَزَمَ شرائع الإسلام لَزِمَهُ ذلك وهو راجعٌ إلى تعريف حقوق ذلك، وقد صحَّ: "مَا زَالَ جِبريلُ يُوصِيني بالجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أنَّهُ سَيُوَرِّثُه" (٤).
وبالغَ بعضهم فجعله كالشريك في إثبات الشُّفْعَةِ لهُ.
ثالثها: الحديث اشتمل على ثلاثِ خِصال عظِيمَةِ النَّفع:
أُولاهَا: قول الخير والسُّكوت عن الشَّرِّ؛ لأنَّ قولَ الخير غنيمةٌ تربح، والسكوت عن الشَّرِّ غنيمةٌ وسَلامةٌ مِن وُقوع في محذُورٍ، أو مكروهٍ، أو مُباح
стр. 212
خوفَ انجرارهِ إلى غيره، وتَرْكُهُ الغَنيمَةَ والسَّلامة ينافي حال المؤمن؛ إذْ لا أَمَانَ ولا إيمانَ لمن فاتَهُ ذلك، فللإنسان في كلامِهِ وسُكُوتِهِ رِبحان ينبغي تحصيلهما: كلام في خير، وسكوت عن شَرٍّ، وخَسَارَتان ينبغي تجنُّبهما: كلامٌ في شر، وسكوتٌ عن خيرٍ، وهذا راجعٌ إلى قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ٧٠].
وقوله ﵊: "أَمْسِكْ عليْكَ لِسَانَكَ" (١)، "وهل يَكُبُّ النَّاسَ في النَّارِ على مَنَاخِرِهِمْ أو وُجُوهِهم إلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ؟! ".
وقوله: "كُلُّ كَلام ابنِ آدمَ عليه لَا لَهُ، إلَّا ذكْر اللهِ، أو أَمْرًا بمعروفٍ، أو نهيًا عن مُنْكَرٍ" (٢).
وقوله: "إنَّ الرَّجُلَ ليتكلَّمُ بالكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ الله ما يُلْقِي لها بالًا يَهوي بها في النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا" (٣)، قال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨] ظاهِرُها يَشْمَلُ المباح أيضًا، وإن كان ابن عباس وغيره خصها بغيره.
стр. 213
وما أكثر آفات اللسان أيها الإنسان؛ [إذ آفاته] (١) فوقَ العشرين آفة.
وما أحسنَ قولَ الشَّافعي ﵀: "إذا أرادَ أنْ يَتَكَلم نظرَ؛ فإنَّ ظَهرَ لهُ أنَّهُ لا ضَرَرَ فيه تَكَلَّمَ، أو ظَهرَ لهُ فيهِ ضَرَرٌ -أو شَكَّ- أمسَكَ" (٢).
وقال الأستاذ أبو القاسم القشيري ﵀: "الصَّمتُ سلامةٌ -وهو الأصلُ- والسُّكُوتُ في وقتهِ: صفةُ الرجال، كما أنَّ النُّطْقَ في وقته مِنْ أَشْرَفِ الخصال.
وسَمِعتُ أبا عليّ الدَّقاق ﵀ يقول: "مَنْ سَكَتَ عنْ الحقِّ فهوَ شَيْطانٌ أخرسُ ...
قال: فأَمَّا إيثارُ (٣) أهل المُجاهدة السُّكوتَ: فَلِمَا عرفوا ما في الكلام من الآفات، ثُمَّ مَا فيهِ مِن حظِّ النَفس، وإظهار صفات المدحِ، والمَيْلِ إلى أنْ يتميَّز من بين أشكاله بِحُسْنِ النُّطق وغير هذا مِنَ الآفات، وذلك نعتُ أرباب الرياضة، وهو أحدُ أركانهم في حكم المنازلة وتهذيب الخلق (٤) " (٥).
стр. 214
وقال الفضيل بن عياض: "مَن عدَّ كلامه مِن عمله قلَّ كلامه فيما لا يعنيه" (١).
وعن ذي النون ﵀: "أَصوَنُ النَّاس لِنَفْسِهِ أَمْلَكُهُم لِلِسَانِهِ" (٢).
وفي صحف إبراهيم ﵊: "مَنْ عدَّ كلامه من عمله قَلَّ كلامه". أو نحو هذا.
وفيها: "وعلي العاقل أن يكون بصيرًا بزمانه، مُقْبِلًا على شأنهِ، حافِظًا للسانِهِ، وَمَنْ حسب كلامه من عمله قل كلامه". وغير ذلك (٣).
الثَّانية: إكرامُ الجار -وقد أسلفنا مَا صَحَّ فيه-، ومَقْصُودُهُ مَقْصُودُ الحديث السَّالِفِ: "لا يُؤْمنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ" أعني: من الألفة والاجتماع، واتّفاق الكلمة، وضِدُّه منافٍ لذلك، وكانت الجاهلية تُشَدِّدُ أَمْرَ الجَارِ ومراعاته وحِفظِ حَقَهِ، وكان في الوصيَّة بإكرامه الرغبة في الإسلام، وهو راجعٌ إلى قوله تعالى: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ [النساء: ٣٦].
قال ابن عباس وغيره: "الجَارُ القريب: النَّسيب، و ﴿الْجُنُبِ﴾: الذي لا قَرَابَةَ بينَكَ وبَيْنَهُ" (٤).
وقيل: من ﴿الْقُرْبَى﴾: المسلم، و ﴿الْجُنُبِ﴾: الذِّمِّي.
وقيل: ﴿الْقُرْبَى﴾: القريب السَّكن منكَ، و ﴿الْجُنُبِ﴾ البَعِيدُهُ.
ثم الجار المُسْلِم له حقَّان، والقريب له ثلاثة، والكافر واحد.
стр. 215
وحَد الجار عندنا أربعونَ دارًا مِن كُلِّ جانبٍ، وهو قوله الأوزاعي.
وقيل: مَنْ سَمِعَ الإقامَةَ فهو جار المسجد! وتَعَذَّرَ ذلك في الدُّور.
وقيل: مَن سمع الأَذان.
وقيل: مَن سَاكَنَ رجُلًا في محلّةٍ أو مدينة.
فائدة: المُجَاورة مَرَاتِب بعضها ألصَقُ من بعض، أدناها الزوجة، قال الأعشى:
أجارتنا بِيني فإنَّكِ طالِقَهْ ...................... (١)
ثم الجيرة: الخُلُط (٢) -بضمِّ الخاء واللام- جمع خليط.
الثالثة (٣): إكرامُ الضَّيفِ، وهو مِن أخلاق الأنبياء والصالحين وآداب الإسلام، وقد أوجبَ الضِّيافة ليلةً واحِدةً الليث بن سعد ﵀ عَمَلًا بقوله: "ليلةُ الضَّيْفِ حَقٌّ واجِب على كُلِّ مُسْلِمٍ" (٤).
وبقوله في حديث عُقْبَةَ: "إِنْ نَزَلْتم بِقَوْمٍ فأمَرُوا لَكُم بحَقِّ الضَيفِ فاقْبَلُوهُ، وإنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَخُذُوا مِنْهم حَقَّ الضَّيْفِ الذي يَنبَغِي" (٥).
стр. 216
وحَمَلَهُ عامةُ الفقهاء على الأدب، وأَنَّها مِن مكارم الأخلاق، ومحاسن الدِّين، وقد قال ﵊: " ... جائِزَتُهُ يومٌ ولَيْلَةٌ" (١)، والجائِزة: العَطِيَّة والمِنْحَة والصِّلة، وذلك لا يكون إلَّا مع الاختيار، وقلَّ استعمالها في الواجب، وقوله: "فليُكرم" يدلُّ عليه، وقد قَرَنَهُ بإكرام الجار.
وتأَوَّلوا الأحاديث على أنها كانت في أوَّل الإسلام، إذْ كانت المواساةُ واجبةً.
أَوْ كانَ ذلِكَ للمجاهدينَ في أَوَّلِ الإسلام لقِلَّةِ الأَزْوَادِ.
أو المُرادُ بهِ: مَن لَزِمَتْهُ الضيافة من أهل الذِّمةِ.
واخْتُلِفَ: هل الضيافة على الحاضر والبادي، أم على البادي فقط؟
فذهب الشَّافعي ومحمد بن عبد الحكم (٢) إلى الأُولى.
وقال مالك وسحنون بالثَّاني، وقد جاء في حديثٍ: "الضِّيافَةُ على أهلِ الوَبَرِ، وَلَيْسَتْ عَلَى أَهْلِ المَدَر" (٣) لكنَّهُ عندَ أهلِ المعرِفةِ موضوعٌ كَمَا نَقَلَهُ القَاضي، قال: "وقد تتعيَّن الضيافة لمن اجتاز مُحْتاجًا وخِيفَ عليه الهلاك، وعلى أهل الذِّمَّة إذا اشتُرِطَت عليهم" (٤).
стр. 217
* تتمات:
إحداها: "الضَّيف": هو القادمُ على القومِ النازل بهم. ويُقال: ضيفٌ، للواحد والجمع، ويُجْمَعُ أيضًا على أضياف، وضيوف، وضِيفان، والمرأةُ ضيفٌ وضيفةٌ، وأَضَفتَ الرَّجُلَ، وضيَّفْتَهُ؛ إذا أنزَلْتَهُ بكَ، وضِفتُ (١) الرجُلَ ضيافة: إذا نَزَلتَ عليه، وكذلك تضيَّفته (٢).
ثانيتها: لا يَخْفَى استثناءُ المُكْرَه من هذا التَّجاوز عنه، فإذا أكْرِه على قولِ شرٍّ أو سُكُوتٍ عن خيرٍ أو شرٍّ، أو خافَ على نفسِهِ مِنْ قولِ خَيرٍ ونحوهِ مِمَّن خافَ مِن إنكار مُنْكَرٍ ونحوه فهو معذورٌ.
ثالثتها: الجارُ المُؤْذِي، والفاسِقُ، والمبتَدِعُ أو نحوهم: هل يُهانونَ رَدْعًا لهم عن فُجُورهم، أو يُكْرَمُون من حيثُ إنهم جارٌ، ويُهانون من حيث إنهم فُجَّارٌ؟ والكافر يُرْعى جِواره؛ فالفاسق ونحوه أولى، كما قال بعضهم في حديث: "في كُلِّ كبِدٍ حَرَّى أَجْرٌ" (٣): حتَّى الحيَّة والكلب العقور ونحوه يُطْعَم ويُسْقَى إذا اضطر إلى ذلك، ثم يُقتل. فيه نظرٌ واحتمال.
رابعها: فيهِ أنَّ إكرامَ الضَّيفِ عِبادَةٌ، ولا ينقضها ضيافة الأغنياء، ولا يُغيِّرها تقديم اليَسِير مِمَّا عندَهُ، فإكرامُهُ أنْ يُسارعَ إلى مؤانَسَتِهِ وإظهارِ البِشرِ لَهُ، وقد ذكرتُ أنواع الضيافات في "لغات المنهاج" فسارع إليه.
* * *
стр. 218
الحديث السادس عشر
عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَجُلًا قال للنَّبِيِّ ﷺ : أَوْصِني، قالَ: "لا تَغْضَبْ" فَرَدَّدَ مِرَارًا قال: "لا تَغْضَبْ".
رواه البُخاريّ (١).
* * *
وراويهِ سَلَفَ التَّعريفُ به.
ومعنى الحديث: الحذر من أسباب الغضب، وعدم التَّعرّض للأمور الجالبة له، فأمَّا نَفسُ الغَضَبِ فَطَبعٌ لا يُمْكِنُ إزالَتهُ مِن الجِبِلَّةِ.
وقد جمعَ الشَّارُع في هذه الكلمة جوامع خير الدُّنيا والآخرة؛ لأنَّ الغضب يؤول إلى التَّقاطُعِ والتَّدابر، ومنع الرفق، ورُبَّما مالَ إلى الأذى.
وفي "الموطأ": قال رجلٌ: يا رسول الله! عَلِّمني (٢) كلماتٍ أعيشُ بِهِنَّ ولا تكْثِر عليَّ فَأَنْسى. قال "لا تَغْضَب" (٣).
وقد مَدَحَ الربُّ ﷻ الذين يعفون عند الغضب، وأثنى عليهم، وأخبر
стр. 219
أنها عندَهُ خيرٌ وأَبقَى لهم مِن مَتَاعِ الحياةِ الدُّنيا وزينتها، وأثنى على الكاظمين الغيظ والعافين عن النَّاس، وأخبر أنه يحبهم بإحسانهم في ذلك.
وفي "مسند أحمد"، و "سنن أبي داود"، و "ابن ماجه"، و "جامع التِّرمذيّ" -وقال: حسنٌ غريبٌ- من حديث معاذ مرفوعًا: "مَنْ كَظَمَ غَيْظًا وهوَ قادِرٌ على أنْ يُنْفذَهُ؛ دَعَاهُ اللهُ على رُؤُوسِ الخَلائِقِ يومَ القِيامَةِ حتَّى يُخَيِّرهُ في أيِّ الحُورِ شاءَ" (١).
وقد أوضَحتُ الكلام على ذلك في "شرح صحيح البُخاريّ" فراجعهُ منه تَجِدْ مَا يَشْفِي العَلِيلَ (٢).
ويجوزُ أن يكونَ الشارعُ فَهِمَ من هذا الرَّجل كَثْرةَ الغَضَب فَحَضَّهُ بذلك.
ويُروى أنَّ يَحْيَى بن زكريا ﵇ لما رأى عيسى ﵊ مُفارِقه قال له: "أَوْصِني". قال: "لا تغضب". قال: "لا أستطيع" قال: "لا تَقتَن مالًا". قال: "حَسْبِي" (٣)،
وفي طرقه كما قال ابن عمر: "ما يُبْعِدُني مِن غَضَب الله"؟ قال: "لا تَغْضَبْ" (٤).
стр. 220
وكان الشَّعبي ﵀ يولع بهذا البيت (١):
ليست الأحلامُ في حينِ الرِّضا ... إنَّمَا الأحلامُ في حين الغَضَب
ولأبي العتاهية (٢):
أُقلِّبُ طَرْفي مرَّةً بعدَ مَرَّةٍ ... لأعلمَ ما في النَّاس والأمر ينْقَلِبْ
فلم أرَ كنْزًا كالقُنُوع لأهلهِ ... وأن يجمل الإنسان مَا دام في الطَّلبْ
ولم أر فضلًا صَحَّ إلَّا على التُّقى ... ولم أَرَ عَقْلًا تمَّ إلَّا على الأدبْ
ولَم أر في الأعدَاءِ حينَ خبَرتُهم ... عدُوًّا لِعَقْل المَرْءِ أَعْدَى مِن الغَضَبْ
وقال غيرهُ: "لا يُعرفُ الحلمُ إلَّا ساعَةَ الغضب" (٣).
* تتمَّات:
إحداها: لا يخفى أن هذا الغضب الدُّنيوي، أمَّا الدِّيني فَمَطْلوبٌ، فقد كان الشَّارع -صلوات الله وسلامه عليه- يغضَبُ إذا انْتُهِكت الحُرُمات، لا يقومُ لغضَبِهِ شَيءٌ حتَّى ينتصرَ للحقِّ، وإذا غَضِبَ أعرضَ وأَشَاحَ، وكان من حاجبيه عَرَقٌ يَدرُّهُ الغضب، وهذا معَ كَوْنِهِ أحلَمَ النَّاس وأكثرهم صَفْحًا واحتِمالًا، وهذا نهاية الكمال: الغضبُ في مَوْضِعِهِ، والحِلمُ في موضعهِ.
إذا قيل حِلْمًا قال: للحِلمِ مَوْضِعٌ ... وحِلمُ الفَتَى في غَيْرِ مَوْضِعِهِ جَهْلُ
стр. 221
وطِبُّ الغَضَبِ المذمومِ: صَحَّ في الصحيح أن الاستعاذةَ مِنَ الشيطان الرجيم تُذْهِب ما يجِدُهُ منه فينبغي استعماله، والوضوء أيضًا، والانتقال من مكانه، واستحضار ما جاء في فضل كظم الغيظ.
قال الثوري والفضيل بن عياض وغيرهما جمن: "أفضَلُ الأعمالِ: الحِلمُ عندَ الغَضبِ، والصَّبرُ عِندَ الطَّمَعِ".
ثانيها: حقيقةُ الغضبِ: فَوَرَانُ دَمِ القلبِ وغليانهُ لإرادة الانتقام، وفي الحديث: "إِنه جَمْرَةٌ تَتَوَقَّدُ في قَلْبِ ابن آدم، ألا تَرَوْنَ إلى انْتِفاخ أودَاجِهِ، واحمِرارِ عيْنَيهِ" (١).
وأمَّا غَضَبُ الجَليل فهو: إرادةُ الانتقام مِنَ العبيد، أعاذنا الله مِنْهُ (٢).
ثالثها: هذا الحديثُ تَضَمَّنَ دَفع أكبر شُرورِ الإنسان؛ لأنَّ الشَّخصَ في حالِ حياتِهِ بَيْنَ لذَّةٍ وأَلمٍ، فاللَّذةُ سببُها ثَوَرَانُ الشَّهوةِ أَكْلًا وشُربًا وجِماعًا ونحو ذلك، والألَمُ سببه ثوران الغضب، فإذا اجتنبهُ انْدَفعَ عنه نِصْفُ الشرِّ بل أكثرهُ،
стр. 222
ولهذا لمَّا تجَرَّدَت الملائكةُ ﵈ عن الغضب والشَّهوة تجرَّدُوا عن جميع الشرور البشرية.
ويترك الشر فضل الحلم وخوف الرب (١) يندفع ذلك كما حُكِيَ عن بعض الملوك: أنه كتبَ ورقةً يذكرُ فيها: "ارحَمْ مَن في الأرضِ يرحمكَ الذي في السماء، ويلٌ لِسُلطان الأرض مِن سُلطان السماء، ويل لحاكِمِ الأرض مِن حاكم السَّماء، اذكُرْ في حينَ تَغْضَب أذكُركَ حينَ أَغْضَبُ" ثُمَّ دفَعَها إلى وزيره وقال: "إذا غَضِبتُ فادفَعْها إليَّ" فَجَعَلَ الوَزِيرُ كلَّما غَضِبَ المَلِكُ دَفَعَها إليهِ، فَيَنْظُر فيها فيسْكن غضبه.
وقد أَمَر الشارعُ -صلواتُ الله وسلامه عليه- بالانتقال عن الحالة التي هو فيها: إنْ كانَ قائمًا بالقُعود، وإن كانَ قاعِدًا فبالاضطجاع (٢)؛ والقصدُ به البُعْدُ عن هيئة الوثوب والتسرُّع إلى الانتقام ما أمكن؛ حَسْمًا لِمَادَّةِ المُبادرةِ.
وما أحسن قول معاوية بن أبي سفيان الأموي ﵁: "مَا غَضِبتُ على مَن أَقْدِرُ عليه، وما غضبَ عَليَّ مَن أَقْدِرُ عليه".
والمُراد: ما تعاطيتُ أسبابه، ودَفَعْتُهُ لأنَّهُ جِبِلِّي.
وحُكِيَ عن سيدنا موسى -صلوات الله وسلامه عليه-: "أنَّهُ لَمَّا قيلَ لهُ: ﴿خُذْهَا
стр. 223
وَلَا تَخَفْ﴾ [طه: ٢١] لفَّ كُمَّهُ على يد يتناولها، فقيل له: لو أذنَ اللهُ فيما تَحْذَر هل كان ينفَعُكَ ذلك؟ قال: "لا، ولكنِّي ضَعِيفٌ، ومن ضَعْفٍ خُلِقتُ" (١).
ثُمَّ مَن غَلَبَ طبعهُ الحيواني فهذا دفعه ضعيف دونَ من غلبت عليه الرِّياضة؛ فإنَّهُ سهلٌ عليه، وإلَّا كان قوله ﵊: "لا تَغْضَب" تَكَلُّفًا، أو أمرًا بما لا يُطاق، وإذا عَلِمَ العبدُ أن لا فاعل إلَّا الله، وأنَّ الخلق آلةٌ، سَهُلَ عليه ذلك، وإلَّا لكان غاضبًا على الربِّ وهو ينافي العبودية، أو [على] (٢) المخلوق وهو إشراكٌ يُنافي التوحيد، فلا مُعْطي ولا مانع إلَّا الله، والعبد آلة: إمَّا بِقَصْدٍ كالإنسان، أو دونه كالدَّابةِ، أو لا قصدَ [له] (٣) كالعصا المَضْروبِ بها (٤).
وضَرْبُ موسى الحَجَر لَمَّا فرَّ بثوبهِ (٥)؛ إمَّا عن غلبةِ الطِّباع كما مرَّ معنا في لفِّ كُمِّه على يَدِهِ، أو تأديبًا لَهُ.
стр. 224
وقد ثبتَ أنَّ موسى -صلوات الله وسلامه عليه- كان حَدِيدًا، حتَّى كان إذا غَضِب خرجَ شعرُ جَسَده من مُدرعته كمُسُلِ النَّخلِ (١)، ولهذا لَمَّا عَلِمَ ما أحْدَثَهُ قَوْمُهُ من بعد أخذَ بِرأْسِ أخيه يَجُرُّهُ إليه.
وكذا يحكَى أنهُ لَمَّا خَرَقَ الخضر السفينة غَضِبَ موسى وأخَذَ بِرِجْلِ الخَضر ليُلْقِيهِ في البحر حتَّى ذكَّره يُوشَع عهدهُ مع الخضر فخَلَّاهُ.
خاتِمة: قولهْ: "فَردَّدَ مِرارًا" يعني: أنَّ السائِلَ كرَّرَ السؤال مِرارًا بقوله: أوصني يا رسول الله! لأنَّهُ لم يقنع بقوله: "لا تغضب" وطلبَ وصيَّةً أبلغ منها وأنفع، فلَمْ يَزِدْهُ عليها؛ لِعِلمِهِ بعُمُومِ نَفْعِها، ونبَّهَ السائل على ذلك بتكرارها، وصارَ هذا كما قال له العبَّاس: عَلِّمني دُعاءً أدْعُو به يا رسولَ الله! فقال: "سَلِ اللهَ العافِيَةَ" فَعَاوَدَهُ العَبَّاسُ مِرارًا، فقال: "يا عبَّاسُ! يا عَمَ رسولِ الله، سلِ اللهَ العافِيَةَ في الدُّنْيا والآخِرةِ، فإنَّكَ إذا أعْطِيتَ العافيةَ أعطِيتَ كُلَّ خيرٍ" أو كما قال (٢).
وكذلكَ لَمَّا قال لأصحابه: "اجْتَمِعُوا فإنِّي أَتْلُو عليكم ثُلُثَ القرآن"، فاجتمعوا فتلا عليهم "سورةَ الإخلاص" ثُمَّ دَخَلَ مَنْزِلَهُ، فأقاموا ينتظرونه فيكمل لهم ثلثَ القرآن، فخرج عليهم فقال: "ماذا تَنْتَظِرونَ، أَمَا إنَّها تعدِلُ ثُلُثَ القرآن" (٣) يعني: سورة الإخلاص.
* * *
стр. 225
الحديث السابع عشر
عن أبي يَعْلَى شَدَّادِ بنِ أَوْسٍ ﵁، عن رَسُولِ اللهِ ﷺ قالَ: "إِنَّ اللهَ كَتَبَ الإِحْسَانَ على كُلِّ شيءٍ، فإِذَا قَتَلْتُمْ فأحْسِنوا القِتْلَةَ، وإِذَا ذَبَحْتُمْ فأحْسِنُوا الذِّبْحَةَ، ولْيُحِدَّ أَحَدُكمْ شَفْرَتَهُ، وليُرحْ ذَبِيحَتَهُ".
رواه مسْلِم (١).
* * *
الكلام عليهِ مِن وُجوه:
وهو حديث جامِع لقاعِدَةِ الدِّين العامة، فهو مُتَضَمِّن لجميعه؛ لأنَّ الإحسان في الفِعْل هو: إيقاعُهُ على مُقْتَضى الشَّرع أو العقل، ثمَّ إمَّا أن يتعلَّق الفعْلُ بمعاشه أو بمعاده:
والأول: بسياسة نفسه، وبدنه، وأهله، وإخوانه، ومُلْكِهِ، والناس.
والثاني: الإيمان والإسلام عمل القلب والجوارح كما مرَّ في حديث جبريل ﵇، فإذا أحسنَ في هذا كُلِّه على وجْهِهِ فقد حصَّلَ كُلَّ خير، وسَلِم مِن كل ضَيْر.
стр. 226
الوجهُ الأول: التعريف براويه:
هو أبو يعلى -ويقال: أبو عبد الرحمن- شدَّاد بن أوس بن ثابت الأنصاري النجاري المدني ابن أخي حسَّان بن ثابت، لهُ ولأبيه صحبة.
وأمه: صريمة، من بني عدي بن النَّجَّار.
نزل بيتَ المقدس وأعقب بها، ومات بها بظاهر باب الرحمة بعد الخمسين عن خمس وسبعين، وغلطَ مَن عدَّهُ بدْريًّا، وإنَّما البَدْريُّ والِدهُ (١).
فائدة: اشترك في كنية شداد بأبي يعلى جماعة: منهم حمزة ويقال أبو عمارة، ومنهم: أبو يعلى الموصلي صاحب "المسند"، ومنهم: الفراء الحنبلي القاضي.
ثانيها: في ألفاظه ومعانيه:
معنى "كتَبَ": أمر وحرَّضَ عليه، وأصل "كتب": أثبت وجمع، ومنه: قوله تعالى: ﴿كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ﴾ [المجادلة: ٢٢]، أي: أثبته وجمعه، كتبت البغلة: جمعت حياءها (٢).
ويستعمل "كتبَ" بمعنى: أوجَبَ، نحو: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣]، ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ [البقرة: ١٧٨]، ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ [البقرة: ١٨٠] ونحوه كثير.
ويشهد لذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠]، وقوله تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا﴾ [البقرة: ١٩٥] ونحوه.
стр. 227
و"على" يجوزُ أنْ تَكون بمعنى "إلى" أي: كَتَبَ الإِحسانَ إلى كُلِّ شيءٍ -أو: في- أي: في كُلِّ شيء، قال تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ [البقرة: ١٠٢] أي: في مُلْكِهِ، ويقال: كان على عهد فلان، أي: في عَهده، حكاه العتبي.
ويحتمل أن تكون بمعنى "إلى" أي: كتب الإحسان في الولاية على كلِّ شيء، حتَّى مِمَّا ذَكَرَهُ، ولا يتركُ آلتَهُ كَالَّةً يُعَذِّبُ بها الحيوان، وإنَّما ذكَرَ القتلة والذّبحة؛ لأنهما غاية الأذى في الحيوان، ولا يبقى بعدهما للإحسان وجه، فإذا كان الإحسان فيما هو العلة في الأذى، فكيف بغير ذلك؟!
و"الإحسان" هنا بمعنى الإحكام والإكمال، والتَّحْسِين في الأعمال المشروعة مطلوب، فحق على من شرع في شيء منها أن بأتي به على غاية كماله ويحافظ على آدابه المصححة والمكملة له، وإذا فعل قبل عمله وأثر ثوابه.
ولَمَّا كان العلماء ورثةُ النبياء، فمِمَّا ورِثوهُ: تعليم النَّاس كيفية الإحسان إلى كلِّ شْيءٍ ألهَمَ اللهُ الاستغفار للعلماء مكافأةً لهم على ذلك (١)، ومن ذلك قوله ﵊: "إنَّ العالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ له مَنْ في السَّمَاوات ومَنْ في الأرض، حتَّى الحِيتانُ في المَاءِ" (٢).
وقد جاء في التَّنزيل: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى: ٥].
стр. 228
و"القِتْلة" -بكَسرِ القاف-: الهَيْئَة والحالة، والمصدر بالفتح.
و"الذبحة" بكسر الذال -أيضًا- مِن باب الهيئة كالجِلْسَة والرِّكْبَة؛ أي: هيئة القتل والذبح.
وجاء في رواية: "فَأَحْسِنُوا الذَّبح" (١) وهو بالفتح بغير هاء مصدر، وبالهاء: الهيئة كالقتلة، وأصلُ الذَّبح: الشقُّ والقطعُ.
قال الشاعر (٢):
كأَنَّ بينَ فَكِّها والفَكِّ ... فَارَةَ مِسْكٍ ذُبِحَتْ في سُكِّ
وقوله: "ولْيُحِدَّ" هو بضمِّ الياء، يقال: أحدّ السكين وحددها واستحدها بمعنى.
و"الشَّفرة": المِدْية، وهي السكين ونحوه ممَّا يُذْبَحُ بهِ، سُمّيت باسمِ شفرها وهي حدُّه، تسمية باسم جزئه (٣).
وقوله: "وليُرح" بضمِّ الياء، يُقال: أراحَ يُريحُ إِرَاحَةً إذا أدخلت الراحة إلى الشيء، أو تسبب إلى حصولها له بوجه.
و"الذَّبيحة": المذبوحة، فعيلة بمعنى مفعولة، كأنه قال: الدَّابة الذبيحة، أو تكون من باب غلبة الاسم على غلبة (٤) الوصف.
стр. 229
الثالث: الإراحة بإحداد السِّكِّين، وتعجيل إمرارها وغير ذلك، ولهذا قال فيمن ولي القضاء: "فقد ذُبِحَ بغيرِ سِكِّينٍ" (١) أي: عرَّضَ نفسه لعذابٍ يجد فيه ألمًا كألمِ الذَّبح بغير سكين (٢).
ويُستَحَبُّ: ألا يحدها بحَضرَة الذَّبيحة.
وألَّا يذبح واحِدةً بحَضْرَةِ أُخرى.
ولا يجُرَّها بل يَسُوقها إلى مذبحها -وحُكيَ جوازه-.
ولا يصرعها بغتَةً.
ولا يجرها إلى مذبوحها -عن مالك- (٣)!
وإحسانُ القِتْلةِ عامٌّ في كُلِّ قَتْلٍ، ومنهُ: القِصَاصُ، ولا يَقصِدُ التَّعذيبَ، وقد "نَهى ﵊ عن صَبرِ البهائِم" (٤) وهوَ: حَبْسُها للقَتلِ وغيرهِ، و"لَعَنَ مَن اتَّخَذَ شيئًا فيهِ الرُّوحُ غَرَضًا" (٥). وهو حرام، وينبغي إحضار نيَّةِ القربةِ ويُسْتَحَبُّ توجيهها إلى القبلة والتَّسمية، وتركها إلى أن تبرد، ويعترف بالمِنَّة في ذلك لتسخيره لنا والإِنْعام علينا به.
ومِن الإحسان إليها: ألا تُحمَّل فوقَ طاقتها.
стр. 230
ولا تُركب واقفةً إلَّا لحاجةٍ.
ولا يُحلَبَ منها إلَّا ما لا يَضُرُّ بولدها.
ولا يشوي السمَكَ والجراد حتَّى تموت.
* تتمات:
الأولى: قوله: "إنَّ اللهَ كَتَبَ الإحسان على كُلِّ شيء" هو قاعدة عامَّة كُلّية، ثم ذكر منها التخفيف في القتل والذبح في الحيوان، ويجوز ذكر ذلك، إِمَّا لأنَّ الجاهلية كانوا يخالفون ذلك، كالمُنْخَنِقةِ، والموقوذة، والمتردِّية، والنَّطيحة وما ذُكِر معها، وكانوا إذا ذبحوا يذبحون بالكَالِّ.
الثَّانية: تفاصيل الإحسان إلى كُلِّ شيء لا تنحصِرُ، وقد أسلفنا جملةً من أفرادِهِ.
ومثله: الإحسان إلى الملائكة بالأدب معهم، لا سيما كَاتِباهُ، فهي تَتَأَذَّى مِمَّا يتأذى منهُ بنو آدمَ.
ومن ذلك: الإحسان في قتل الوَزَغِ أوَّلَ مرَّةٍ، ودونها في الثَّاني، ثم في الثالث (١).
والموجود الحادِث هو المحتاج إلى الإحسان، لأنَّ القديم مستغنٍ بذاته تعالى.
والحادث إن كان عرضًا فلا يتأتى الإحسان إليه، وإن كان جوهرًا، فإنَّ كان جمادًا فكذلكَ، وإن كانَ نباتًا أو حيوانًا فهو موضِعُ الإحسان.
стр. 231
ومذهبُ أحمد أنَّ الحيَّ إذا تطوَّع بقُرْبَةٍ وأهدى ثوابها لِمُسْلِمٍ ميِّتٍ، نفعهُ ذلك، وكذا الحي على الأصح (١).
ومن ذلك: الإحسان إلى الجن، مؤمنهم وكافرهم بدعائهم إلى الخير، وقد أكرمهم الشارع وأقراهم بأنَّ جعل العظم زادهم والروثَ لدوابهم، ولنا فيه أسوةٌ حسنة.
وأمَّا المؤذي كالحشرات والفواسق الخمس، فقد خَرَجت بالنَّص.
* * *
стр. 232
الحديث الثامن عشر
عن أبي ذَرٍّ جُنْدُبِ بنِ جُنَادَةَ، وأَبي عبدِ الرَّحمن مُعاذِ بنِ جَبَلٍ ﵁، عن رسُولِ الله ﷺ قالَ: "اتَّقِ اللهَ حَيْثُمَا كنْتَ، وأَتْبعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُها، وخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ".
رواهُ التِّرمذيُّ وقال: "حسنٌ". وفي بعضها: "حسنٌ صحيحٌ" (١).
* * *
الكلام عليه من وجوه:
стр. 233
أحدُها: في التعريف بِرَاوِيه:
أمَّا أبو ذرٍّ -ويقال: أبو الذر- ففي اسمه أقوال، أشهرها ما ذكرهُ: جُندُب -بفتح الدال وضمها، وربما كُسِرت- بن جُنادَة -بضمِّ الجيم-. وقيل: ابن برير. وقيل: أنه لقب، وقيل: ابن عبد الله، وقيل: ابن السَّكن، وقيل: يزيد -وهو وهمٌ-.
أُمُّه: رملة بنت الوقيعة بن حرام بن عمار، وكان أخا عمرو بن عبسة لأُمِّه، كان رابعًا في الإسلام أو خامسه، أسلم بمكة ثم رجع إلى بلادِ قَوْمِه، ثم قَدِمَ المدينة وهو أولُ مَن حيَّا رسول الله ﷺ بتحِيَّةِ الإسلام.
قال الشَّارعُ -صلوات الله وسلامه عليه- في حَقِّهِ: "مَا أَظَلَّتِ الخَضْرَاءُ، ولا أَقَلَّتِ الغَبْراءُ أَصْدَقَ لهجَةً مِنْهُ" (١).
مات بالرَّبذة سنة إحدى -أو اثنتين- وثلاثين في خلافة عثمان، وصلى عليه ابن مسعود، فأقام عشرةَ أيَّام ثم مات بعدَ عاشرة -يرحمه الله- وهو أحدُ النُّجباء.
قال عليّ -كرَّمَ اللهُ وجههُ-: "وعاءٌ مُلِئَ عِلْمًا، ثم أُوكيَ عليه فَلَمْ يَخْرُج مِنهُ شَيءٌ حَتَّى قُبِضَ" (٢).
стр. 234
وكان أصدقَ النَّاسِ لهجةً (١).
وأمَّا مُعَاذٌ؛ فهو أبو عبد الرحمن معاذ بن جبل الخزرجي المدني من نجباء الصَّحابة، شَهِدَ المشاهِدَ، وروى وجمع القرآن في حياة رسول الله ﷺ ، وكان يُشَبَّه بإبراهيم -صلوات الله وسلامه عليه- كانَ أُمَّةً قانتًا لله، وكان أعلمهم بالحلال والحرام.
مات سنة ثمان عشرة بالأردن بالطاعون عن ثمانٍ وثلاثين سنة أو أقل، وقبره بشرقي غور بيسان (٢).
ثانيها: معنى قول التِّرمذيّ: حسن صحيح: أنه رويَ مِن وجْهَيْن: وجه كذا، ووجه كذا، كذا قيل! وهو مردود عليه؛ إذْ يقول إثرهُ: لا يعرفهُ إلَّا مِن هذا الوجه، وقد أوضحتُ ذلك في "المقنع في علوم الحديث" تأليفي (٣).
ثُمَّ أعلم أن نُسَخ التِّرمذيّ تَخْتَلِفُ بالحسن والصحيح، ففي بعضها: "حسنٌ"، وفي بعضها: "حسن صحيح"، وذلكَ بحسَبِ اختِلافِ الرُّواةِ عنهُ لكَتابه والضَّابِطِينَ لهُ.
ثالثها: سبب هذا الحديث أنَّ أبا ذَرٍّ لَمَّا أسْلَمَ قديمًا أَمَرَهُ الشَّارعُ أنْ يَلْتَحِقَ بقومه، عسى أن ينفعهم اللهُ بِهِ، ولَمَّا رأى حِرصَهُ على المقام معهُ بمَكَّةَ، وعَلِمَ
стр. 235
الشَّارعُ -صلوات الله وسلامه عليه- أنهُ لا يقدر على ذلك قال لهُ: "اتَّقِ اللهَ حَيْثُما كنتَ، وأتبعِ السَّيِّئةَ الحَسَنَةَ تَمْحُها ... ".
والمراد: تركُ المؤاخَذَة، ويجوزُ أن يكون المحو حقيقةً، وهو موافقٌ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] وهي نزلت في ذلكَ الذي أصاب مِن تِلكَ المرأة ما دُونَ الجِماعِ، وأَمَرَهُ الشَّارعُ -صلوات الله وسلامه عليه- بالوضوء والصَّلاة، فقال معاذ: هذا لهُ خاصَّة أم للناس عامَّة؟ فقال: "بَل للنَّاسِ عَامَّةً" (١).
وقال: "مَا مِنْ رَجُلٍ يَتَطَهرُ فَيُحْسِنُ الطُّهورَ ثُمَّ يَعْمِدُ إلى مَسْجِدٍ مِنْ هذهِ المَسَاجِدِ، إلَّا كتَبَ اللهُ لَهُ بِكُلِّ خُطوَةٍ يَطَؤُهَا (٢) حَسَنَةً. ويَرْفَعُ بها دَرَجَةً، وَيَحُطُّ عنهُ بها خَطِيئَةً" (٣). فقال تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ [البقرة: ١٧٧] الآية، وقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦٣].
فمن اتَّقى بما في الآية الأولى مِن الإيمان والإسلام فهو متَّقٍ، والمتقي ولي الله؛ فصار معنى قوله: "اتَّقِ اللهَ حَيْثُمَا كنتَ" تكُنْ وليّ الله بتقواك إيَّاه، وحصل لك [من ذلك المِدحةُ] (٤) والثناء: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٦].
وكُتِبَ على بعضِ القبور: "ليسَ زادٌ سِوى التُّقى، فخُذي مِنْهُ أوْ دَعِي" (١).
وابعها: اشتَمَلَ هذا الحديث على أحكامٍ ثلاثة: حقُّ الله، وحقُّ المُكَلَّف، وحقُّ العِباد؛ أَمَّا حقُّ الله تعالى: فحيثُمَا كنتَ تَتَّقيهِ، فهوَ ناظر إليكَ ومعكَ ورقيب.
و"التَّقْوَى" لفظَةٌ وجِيزَةٌ جامعةٌ لكلِّ خيرٍ دينيّ ودُنيَويٍّ؛ لأنها: امتِثالُ الأوامِر واجتنابُ النَّواهِي.
وعبَّرَ عنهُ بعضهم: ألا يَرَاكَ حيثُ نهاك، ولا يفقدكَ حيثُ أَمَرك.
ولهذا قال بعضهم: إذا أردتَ أن تعصيه فاعصه حيث لا يراك! أو أخرج من داره! أو كُلْ غيرَ رزقه!
وبتقوى الله يتضَمَّن ما تضمنه الحديثُ السالِفُ: "إنَّ اللهَ كتبَ الإحسان على كلِّ شيءٍ"، وكذا ما تَضمَّنَهُ حديثُ جبريل السالف من الإيمان والإسلام والإحسان؛ لأنَّ سائر أحكام التكليف لا تخرج عن أمر ونَهْي، فإذا اتقى الله بفعل ما أمر وترك ما نهي، فقد أَتى بجميع وظائف المكلفين.
وأَمَّا حقُّ المكلف فمحو الحسنةِ بالسيئة، كما سلف: ﴿ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤] أي: عِظَةٌ لِمن اتَّعظ؛ فلا تعجز أيها المسكين إذا أتيت سيئة بقلبك، أو لسانك أو جوارحك، احتَلْ بأن تتبعها بحسنةٍ مِن صلاة، أو صدقة -وإنْ قَلت-، أو ذِكْرٍ.
و"الباقياتُ الصالحات": سبحان الله، والحمدُ لله، ولا إلهَ إلَّا الله، والله أكبر. أو: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم؛ فإنَّهُ أحبُّ الكلام إليهِ،
стр. 238
وحبيب إلى الرحمن، وخفيف على اللسان، وثقيل في الميزان -كما سيأتي-.
فإنَّ عجزتَ عن إِتْبَاع الحسنة السيئة فأنتَ مخذُولٌ، والسيئةُ الصَّغيرةُ مقابلة بالحسنة الصغيرة والذكر اليسير، والكبائرُ بالتويةِ والإنابةِ.
وأَمَّا حقّ العِباد فهو مُخالقتهم -أي: معاشرتهم- بخُلُقٍ حسنٍ، فعاملهم بما تحب أن يعاملوك به مِن: كفِّ الأذى وبَذْل النَّدَى وطلاقةِ الوجهِ؛ أي عامل النَّاس بما تحت أن يعاملوكَ به فتجتمع القلوب ويتفق السرُّ والعلانية، فتأمن الكيد والشر، وذلك جِماعُ الخير ومِلاكُ الأمر -إن شاء الله تعالى- وأثقل مَا وُضِعَ في الميزان: خلقٌ حسنٌ (١).
وصحَّ أنَّ نبينا محمدًا ﷺ قال: "إنَّ خِيَارَكُمْ أحاسِنُكُمْ أَخْلاقًا" (٢)، وجاء: "إنَّ العَبْدَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ الصَّائِم بالنَّهار القَائِمِ باللَّيلِ ... " الحديث (٣).
стр. 239
وهو مِن سِيما النَّبيين والمُرْسَلين وخصوص المؤمنين، ويكفي في ذلك مَدْحُ الباري نبيَّه محمدًا رسول الله ﷺ (١): ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]. قال الجوهري: "الخُلُق: السَّجِيَّة.
يقالُ: "خَالِصِ (٢) المُؤْمِن، وخَالِقِ الفَاجِرَ". وفلانٌ يَتَخَلَّقُ بِغَيْرِ خُلُقِهِ، أَي: يَتَكَلَّفهُ.
قال الشَّاعر:
..................... ... إنَّ التَّخَلُّقَ يأتي دُونَهُ الخُلُق" (٣)
والخُلُق وإنْ كان سجيَّةً في الأصل فيتخلَّق، وإن كان بغير خلقه حتَّى يتَّصف بالأخلاق الجميلة الرَّضيَّة الزَّكِيَّة.
قال بعضُ الحُكَماء: "عليكَ بالخُلُقِ مع الخَلْقِ، وبالصِّدق مع الحَقِّ".
وحسن الخلق خير كُلُّه، والعبد لا يؤمر بما طُبِعَ عليه؛ فإنَّهُ تحصيلُ حاصل، فكذا أَمَرَ الشَّارع -صلوات الله وسلامه عليه- بِتَحْصيلِهِ وبِكَسبه.
خاتِمة: قد يُستَدَلُّ به على اكتساب الولاية وإلَّا لم يصح الأمر بها، والجمهور على أنها مَوْهِبةٌ كالنبوَّةِ؛ نعم التحقيق أنها مُتَرَتِّبةٌ على زَكاةِ النَّفس وصلاح العمل، كالرزق فَضلُ الله، وهو مُرَتَّب على الأسباب والأكساب التي جرت بها العادة في حصول الرزق، وكما قال تعالى: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الملك: ١٥]، وقال: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا﴾
стр. 240
[السجدة:٢٤]، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠] عَلَّلَ ما مَنَّ بهِ عليهم من مسارعتهم إلى الخيرات وما بعده (١).
يُريدُ المَرْءُ أنْ يُعْطَى مُناهُ ... ويَأْبى اللهُ إلَّا ما أرادَا
يقُولُ المرء فائِدَتي ومَالي ... وتقوى اللهِ أفضلُ ما اسْتَفادَا (٢)
أُخرى: صحَّ أنه ﵊ قال: "إنَّ خِيَارَكُمْ أحاسِنُكُمْ أخلاقًا" كما سلف.
وقال -أيضًا- صلوات الله وسلامه عليه: "اللَّهم كمَا حَسَّنتَ خَلقي
стр. 241
فَحَسِّن خُلُقي" (١).
وقال ﷺ : "أَكْمَلُ المُؤْمنِينَ إِيمَانًا أحْسَنُهم خُلُقًا" (٢)، و "إنَّ العَبْدَ لَيَبْلُغُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ الصَّائِمِ القائِم" (٣).
وللشافعي ﵀ قَوْلان: أَنَّ الخُلُقَ حَسَنُهُ وقبيحُهُ جِبلَّةٌ في العبدِ كَلَوْنِهِ أَمْ لَا؟ فعن ابن مسعود ﵁ أنه جِبِلَّة، وقد "فَرَغَ رَبُّكَ من أربع: الخَلْقُ، والخُلُق، والرِّزْقُ، والأَجَلُ" (٤).
وقال الحسن ﵀: "مَن أُعْطِيَ حُسنَ صورةٍ، وخُلقًا حسنًا، وزوجةً صالِحَةً، فقد أعطِيَ خير الدُّنيا والآخرة".
стр. 242
وعن ابن مسعود ﵁ رَفَعَهُ-: "إنَّ اللهَ قَسَمَ بينكُم أَخْلاقَكُم كَمَا قَسَمَ بينكم أرزاقكم" (١).
وإثابةُ الربِّ -جل حلاله- لِعَبْدِهِ كاستعمال ذلك فيما أمر فيه، كالشَّجَاعة.
وقال آخرون: إنَّهُ كَسْبيٌّ، وهو ظاهر الحديث، إذ لو كانَ جِبِليًّا لَمَا أَمَرَهُ به.
وقال عمر ﵁ لقبيصة بن جبر ﵁: "أراكَ شابًّا فصيحَ اللِّسان، فَسِيحَ الصَّدر.
وقد يكونُ في الرَّجُل عشرةُ أَخلاقٍ: تسعةٌ صالحةٌ وخُلُق سَيِّئٌ، فَيُفسِدُ التِّسعةَ الصالحةَ الخُلُق السَّيِّئُ، فاتَّقِ عثَرَاتِ اللِّسان" (٢).
стр. 243
وقال صعصعة بن صوحان لابن أخيه زيد ﵄: "خَالِص (١) المؤمن، وخَالِقِ الفَاجِر، فإنَّ الفَاجِرَ يَرْضَى مِنْكَ بالخُلُق الحَسَن" (٢).
* * *
الكلام عليه مِن وجوه:
وهو حديثٌ عَظِيمُ المَوْقع، وهو أصلٌ في رِعايَةِ حقوقِ الله، والتفويض لأمرهِ.
أحدها: في التَّعريفِ بِراوِيهِ:
وهو حَبْر الأمَّةِ وبَحرها ﵁، دَعَا له رَسُولُ اللهِ ﷺ بأن يُفَقَّه في الدِّين، ويُعَلَّم التَّأويل، ودَعَا له بالحِكمةِ، ومناقِبهُ سائرة.
وقد ذَكَرْتُ في "رِجالِ العُمْدَةِ" فيها ورَقات؛ فراجِعها منهُ.
ماتَ سنةَ ثمانٍ وستين -وقيل: سنة سبعين-، وَوُلدَ قبلَ الهِجرة بأربع سنين، ودُفنَ بالطائف، ورأى جبريل مرتين ﵁! (١).
الثاني: لا زالَ ابنُ عبَّاس مُوَفَّقًا مِنْ صِغَرِهِ، وقد استأذَنَهُ -وهوَ على يَمِينهِ حينَ شَرِبَ- في إعطائهِ الأشياخ، فأجابَ بعدمِ الإيثار (٢)، فَلَمَّا رأى أهلِيّتَهُ أوْصَاه بما ذكر.
الثالث: فيه جوازُ الإردَاف على الدَّابة، وقَد أفردَهُ ابن مندَه ﵀ بالتأليف، ومِنْ جُمْلَتِهِم: معاذ والحسن والحسين (٣).
стр. 246
وجاء في بعض الروايات أنهُ كان خلفَهُ على دابَّةٍ: فرس أو بعير أو غيره (١).
الرابع: في ألفاظِهِ:
"يا غلامُ" -بضمِّ الميم- لأنّه نكرة مقصودة، وكان عُمْرُ ابن عباس إذ ذاكَ عشر سنين -على أحد الأقوال-.
و"الغلام": الصَّبي حين يُفطم إلى سبع سنين، وتصغيره: غُليم، والجمع: غِلمَةّ.
و"تُجَاهَكَ" -بضَمِّ التاء وفتح الهاء-، و"أَمَامك" -بفتح الهمزة-: ما يلي وجهك، وأصل "تجاه": وجاه -بكسر الواو وضَمِّها- قُلِبت واوها تاء.
و"جَفَّت": بالجيم، أي: فُرِغَ مِن الأمر وجفَّت كِتابتهُ (٢)؛ لأنَّ الصحيفة حال كِتابتها لا بُد وأن تكون رَطْبة المِداد أو بعضه بخلافِ مَا إِذا فُرغ مِنها.
و"لَمَّا خَلَقَ الله القَلَمَ ثُمَّ النُّون -وهي: الدواة- قال: اكتُب. قال: ومَا أكتُبُ؟ قال: ما كان ومَا هو كائنٌ إلى يومِ القِيامَةِ: مِن عمَلٍ، أو رزقٍ، [أو أَثَرٍ أو أَجَلٍ] (٣)، فَجَرىَ القَلَمُ بذلِكَ، ثمَّ خُتِمَ العَمَلُ" (٤).
стр. 247
و"تَعَرَّف" -بتشديد الراء- أي: تحبب إليه بالطاعة واجتناب المخالفة حتى يعرفك في الرخاء مُطيعًا؛ فإذا وَقَعْتَ في شِدَّةٍ عَرَفَكَ بالطَّاعةِ فجعلكَ ناجيًا.
ويقال: إنَّ العبدَ إذا تَعرَّفَ إلى الله في الرَّخاء ثم دعا في الشِّدة، قال: "هذا صوت أعرِفُهُ". وفي غيرهِ: "لا أعرفهُ دَعُوهُ" أو كما قيل (١).
وذكر العُزيزي ﵀ (٢) أن "الأمة" تنطلق على ثمانية أوجهٍ (٣):
والمُرادُ هنا: الخَلق (٤).
الخامس: في فوائِدِه:
الأولى: قوله: "إِنِّي أعلمك كلمات" هو مقدِّمة يستدعي بها سمعه، ليفهم ما يسمع ويقع منه بِمَوقع، وذَكَرَها بِصيغةِ القِلَّة ليهوِّنها، وهي وإنْ كانت قليلة
стр. 248
فمعانيها جَمَّةٌ جليلةٌ.
وفي روايةٍ لمُسلِم في كتاب "الفصل للوصل" (١) بعدَ "كلمات": "ينفعُكَ اللهُ بهنَّ" أي: بعلمِهِنَّ، أو بالعَمَل بمقتضاهُنَّ، أو بمجموع ذلك، فهو على حذف المضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه.
الثانية: معنى "احفظ الله يحفظكَ": احفظهُ بالطَّاعة يحفظكَ بالرِّعاية؛ فإذا أطعته بامتِثالِ أوامِرِه واجتنابِ نَواهيه أحاطَكَ بمُعَقِّباتٍ لهُ: ﴿مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١].
ومعنى: "احفظ الله تجده تجاهك" و"أمامك" أي: يراعيك في أحوالك، ولا تكن مخالفًا له فإنَّك تجدهُ تُجاهك في الشَّدَائدِ وفي كُلِّ الأحوال، كما جَرَى للثلاثةِ أصحاب الصَّخرة الثابت في "الصحيح" (٢).
وهذا في معنى الذي قبلهُ وتأكيدٌ لهُ، وهو يُشْبِهُ قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠]، ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢] أي: اذكروني بالطَّاعة، أذكركُم بالمَغْفِرَةِ والرِّعاية، وهو مِن أبلغ المجاز وأحسنه، إذ الجِهَةُ مُسْتَحيلةٌ في حقِّهِ!! (٣) وهذا نحو قوله تعالى: ﴿أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٩٤]، ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (١٥٣)﴾ [البقرة: ١٥٣] فالمَعِيَّةُ معنوية لا ظرفية.
стр. 249
فإن قُلتَ: لِمَ خَصَّ الإمام دونَ باقي الجِهات السِّتة؟
جوابه: أنَّ الإنسان سائر ومُسافر إلى الآخرة، والمسافر إنما يطلب أمامه لا غير؛ فالمعنى: تجده حيثما توجّهتَ ويمّمتَ وقصدتَ دينًا ودُنْيا.
السادس: قوله: "إذا سألتَ فاسأل اللهَ" هو كقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٢] أي: وحِّدِ الله في السؤال، فإن خزائن الوجود بيده وأَزمَّتها إليه، لا معطي ولا مانع سواه.
وكذا قوله: "وإذا استعنتَ فاستَعن بالله" أي: وحِّدْهُ في الاستعانة، إذْ لا مُعينَ غيرهُ، ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ٥] قدَّمَ المفعول ليفيد الاختصاص، وهذا إرشادٌ إلى التَّوكُّل على المولى، وألَّا يتَّخذ ربًّا سِواهُ، وألَّا يتعلق بغيره في جميع أموره ما قَلَّ منها وما جَل؛ فَإِنَّهُ حَسْبُ مَن تَوَكَّلَ عليه، ويا خيبةَ مَن ركَنَ بقلبهِ أو أمله إلى غيرهِ لا إليه؛ فبهِ يَحْصُل الإعراض، ﴿وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ [الفرقان: ٣]، وكذا مَن خافَ مِن غيرهِ ولم يُعَوِّل عليه، فقِف على الباب والزَمهُ وأَكْثِر مِنَ السؤال، فلا يبرم من السؤال.
وقد قال تعالى لموسى الكليم -صلوات الله وسلامه عليه-: "يا موسى! سلني في دُعائكَ -وجاء: في صلواتك- حتى في ملح عجينك" (١).
стр. 250
والله يغضَبُ إنْ تَرَكْتَ سُؤالَهُ ... وبُني آدمَ حينَ يُسْأل يَغْضَبُ (١)
فقد ذاق طعمَ الإيمانِ مَن رَضِيَ بمولاه وأعرضَ عمن سِواه، وما أحسن قول الخليل لجبريل ﵇ في تلكَ الحالة -لمَّا قال له: ألكَ حاجةٌ؟ -: "أَمَّا إليكَ فلا" (٢).
سَلِّم الأمرَ إلى مالكه ... فلهُ العِلمُ المُحيطُ الواسِعُ
واطْلب المَعْرُوفَ منهُ دائمًا ... فهوَ مُعْطِي ذاكَ وهوَ المانِعُ
وإذا كان الرِّزقُ قدْ قُسِم، والعَطاءُ قد حُتِم، فحقيقٌ على العَبْدِ الضَّعيف الاعتماد والسُّكون، والإجمال في الطلب مما كان وسيكون، وقلوبُ الخَلْق بيَدِه، ومَفاتيحُ الخزائن تحتَ قُدْرَتهِ، وبِقَدْر ما يميل العبدُ إلى المخلوق بَعُدَ عن المولى، فكيفَ بتركِ عين اليقين إلى مَن لا يقدِرُ على فتيلٍ ولا قِطْمِير؟!
السابع: ثُمَّ أَكَّدَ ذلك فقال: "واعلم أنَّ الأمة لو اجتمعت .. " إلى آخره، في النّفع والضر، فالكُلُّ بيَدهِ: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إلا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧)﴾ [الأنعام: ١٧] أي: وحِّد الله في لحوق الضر