← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17745

المعين على تفهم الأربعين ت دغش

ابن الملقن

Полный текст (473 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وجاء في بعض الروايات أنهُ كان خلفَهُ على دابَّةٍ: فرس أو بعير أو غيره (١). الرابع: في ألفاظِهِ: "يا غلامُ" -بضمِّ الميم- لأنّه نكرة مقصودة، وكان عُمْرُ ابن عباس إذ ذاكَ عشر سنين -على أحد الأقوال-. و"الغلام": الصَّبي حين يُفطم إلى سبع سنين، وتصغيره: غُليم، والجمع: غِلمَةّ. و"تُجَاهَكَ" -بضَمِّ التاء وفتح الهاء-، و"أَمَامك" -بفتح الهمزة-: ما يلي وجهك، وأصل "تجاه": وجاه -بكسر الواو وضَمِّها- قُلِبت واوها تاء. و"جَفَّت": بالجيم، أي: فُرِغَ مِن الأمر وجفَّت كِتابتهُ (٢)؛ لأنَّ الصحيفة حال كِتابتها لا بُد وأن تكون رَطْبة المِداد أو بعضه بخلافِ مَا إِذا فُرغ مِنها. و"لَمَّا خَلَقَ الله القَلَمَ ثُمَّ النُّون -وهي: الدواة- قال: اكتُب. قال: ومَا أكتُبُ؟ قال: ما كان ومَا هو كائنٌ إلى يومِ القِيامَةِ: مِن عمَلٍ، أو رزقٍ، [أو أَثَرٍ أو أَجَلٍ] (٣)، فَجَرىَ القَلَمُ بذلِكَ، ثمَّ خُتِمَ العَمَلُ" (٤).

стр. 247

و"تَعَرَّف" -بتشديد الراء- أي: تحبب إليه بالطاعة واجتناب المخالفة حتى يعرفك في الرخاء مُطيعًا؛ فإذا وَقَعْتَ في شِدَّةٍ عَرَفَكَ بالطَّاعةِ فجعلكَ ناجيًا. ويقال: إنَّ العبدَ إذا تَعرَّفَ إلى الله في الرَّخاء ثم دعا في الشِّدة، قال: "هذا صوت أعرِفُهُ". وفي غيرهِ: "لا أعرفهُ دَعُوهُ" أو كما قيل (١). وذكر العُزيزي ﵀ (٢) أن "الأمة" تنطلق على ثمانية أوجهٍ (٣): والمُرادُ هنا: الخَلق (٤). الخامس: في فوائِدِه: الأولى: قوله: "إِنِّي أعلمك كلمات" هو مقدِّمة يستدعي بها سمعه، ليفهم ما يسمع ويقع منه بِمَوقع، وذَكَرَها بِصيغةِ القِلَّة ليهوِّنها، وهي وإنْ كانت قليلة

стр. 248

فمعانيها جَمَّةٌ جليلةٌ. وفي روايةٍ لمُسلِم في كتاب "الفصل للوصل" (١) بعدَ "كلمات": "ينفعُكَ اللهُ بهنَّ" أي: بعلمِهِنَّ، أو بالعَمَل بمقتضاهُنَّ، أو بمجموع ذلك، فهو على حذف المضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه. الثانية: معنى "احفظ الله يحفظكَ": احفظهُ بالطَّاعة يحفظكَ بالرِّعاية؛ فإذا أطعته بامتِثالِ أوامِرِه واجتنابِ نَواهيه أحاطَكَ بمُعَقِّباتٍ لهُ: ﴿مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١]. ومعنى: "احفظ الله تجده تجاهك" و"أمامك" أي: يراعيك في أحوالك، ولا تكن مخالفًا له فإنَّك تجدهُ تُجاهك في الشَّدَائدِ وفي كُلِّ الأحوال، كما جَرَى للثلاثةِ أصحاب الصَّخرة الثابت في "الصحيح" (٢). وهذا في معنى الذي قبلهُ وتأكيدٌ لهُ، وهو يُشْبِهُ قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠]، ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢] أي: اذكروني بالطَّاعة، أذكركُم بالمَغْفِرَةِ والرِّعاية، وهو مِن أبلغ المجاز وأحسنه، إذ الجِهَةُ مُسْتَحيلةٌ في حقِّهِ!! (٣) وهذا نحو قوله تعالى: ﴿أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٩٤]، ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (١٥٣)﴾ [البقرة: ١٥٣] فالمَعِيَّةُ معنوية لا ظرفية.

стр. 249

فإن قُلتَ: لِمَ خَصَّ الإمام دونَ باقي الجِهات السِّتة؟ جوابه: أنَّ الإنسان سائر ومُسافر إلى الآخرة، والمسافر إنما يطلب أمامه لا غير؛ فالمعنى: تجده حيثما توجّهتَ ويمّمتَ وقصدتَ دينًا ودُنْيا. السادس: قوله: "إذا سألتَ فاسأل اللهَ" هو كقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٢] أي: وحِّدِ الله في السؤال، فإن خزائن الوجود بيده وأَزمَّتها إليه، لا معطي ولا مانع سواه. وكذا قوله: "وإذا استعنتَ فاستَعن بالله" أي: وحِّدْهُ في الاستعانة، إذْ لا مُعينَ غيرهُ، ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ٥] قدَّمَ المفعول ليفيد الاختصاص، وهذا إرشادٌ إلى التَّوكُّل على المولى، وألَّا يتَّخذ ربًّا سِواهُ، وألَّا يتعلق بغيره في جميع أموره ما قَلَّ منها وما جَل؛ فَإِنَّهُ حَسْبُ مَن تَوَكَّلَ عليه، ويا خيبةَ مَن ركَنَ بقلبهِ أو أمله إلى غيرهِ لا إليه؛ فبهِ يَحْصُل الإعراض، ﴿وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ [الفرقان: ٣]، وكذا مَن خافَ مِن غيرهِ ولم يُعَوِّل عليه، فقِف على الباب والزَمهُ وأَكْثِر مِنَ السؤال، فلا يبرم من السؤال. وقد قال تعالى لموسى الكليم -صلوات الله وسلامه عليه-: "يا موسى! سلني في دُعائكَ -وجاء: في صلواتك- حتى في ملح عجينك" (١).

стр. 250

والله يغضَبُ إنْ تَرَكْتَ سُؤالَهُ ... وبُني آدمَ حينَ يُسْأل يَغْضَبُ (١) فقد ذاق طعمَ الإيمانِ مَن رَضِيَ بمولاه وأعرضَ عمن سِواه، وما أحسن قول الخليل لجبريل ﵇ في تلكَ الحالة -لمَّا قال له: ألكَ حاجةٌ؟ -: "أَمَّا إليكَ فلا" (٢). سَلِّم الأمرَ إلى مالكه ... فلهُ العِلمُ المُحيطُ الواسِعُ واطْلب المَعْرُوفَ منهُ دائمًا ... فهوَ مُعْطِي ذاكَ وهوَ المانِعُ وإذا كان الرِّزقُ قدْ قُسِم، والعَطاءُ قد حُتِم، فحقيقٌ على العَبْدِ الضَّعيف الاعتماد والسُّكون، والإجمال في الطلب مما كان وسيكون، وقلوبُ الخَلْق بيَدِه، ومَفاتيحُ الخزائن تحتَ قُدْرَتهِ، وبِقَدْر ما يميل العبدُ إلى المخلوق بَعُدَ عن المولى، فكيفَ بتركِ عين اليقين إلى مَن لا يقدِرُ على فتيلٍ ولا قِطْمِير؟! السابع: ثُمَّ أَكَّدَ ذلك فقال: "واعلم أنَّ الأمة لو اجتمعت .. " إلى آخره، في النّفع والضر، فالكُلُّ بيَدهِ: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إلا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧)﴾ [الأنعام: ١٧] أي: وحِّد الله في لحوق الضر

стр. 251

والنفع، فهو يوجِدُهُما وحدَهُ، وصارف ضر المخلوقين عنكَ؛ لأنَّ زِمام الوجود بيده منْعًا وإطلاقًا، فإذا أرادكَ أَحَدٌ بسوءٍ وأرادَ اللهُ رفْعَهُ عنكَ مَنَعَهُ بِعارِضِ مرَضٍ، أو شُغلٍ، أو نِسيانٍ، أو صرفِ قلبٍ. وإذا أردتَ أنْ تَعْرِفَ تصاريف الأقدار في الوجود فانظر إلى رقعة الشِّطْرَنْج كيفَ يقْلِبُها مجيء بعض، ويقتل بعضها بعضًا، ولا يُستَغربُ ذلك؛ فَحَقِّقْهُ بعينِ اليقين تَجِد أسباب المقادير في الوجود يمنعُ بعضها وصول الشر إلى بعض: "مَصَائِبُ قومٍ عندَ قومٍ فوائِدُ". الثامن: قوله: "كتبه الله لك" و "كتب عليكَ" قد سلَفَ فيما مضى: كَتْبَ الرِّزق والأجل والعمل والشَّقاء والسَّعادة (١). التاسع: قوله: "رُفِعت الأقلام وجَفَّت الصُّحف" أي: فلا يكون خلافَ ما ذَكَرت بنسخ ولا تبديل، فالكتابة تركت بها لرفع الأمر وإبرامه، كما سلف في: "وجفَّت الصحف". العاشر: قوله: "أنَّ ما أخطأكَ لم يكُن ليصيبك ... " إلى آخرهِ، هوَ رَاجعٌ إلى قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد: ٢٢] أي: قدْ فُرغَ مِمَّا أصابكَ أو أخطَأَكَ مِن خيرٍ أو شَرٍّ، فَما أَصَابَكَ كانت الإِصَابة متَحَتِّمة فلا يمكن الخطأ، ومَا أخطأَكَ فالسَّلامَةُ منهُ محتومة فما يمكن الإصابة، لأنَّ ذلِكَ كالسِّهام الصائبة وجهت مِن الأزل فلا بُدَّ أنْ تقع مَوَاقعها (٢)، فتخصيص الإرادة وتعلّق العِلم الأزلي به يتحتم الوقوع، وإذا تعلَّقَ علمُ اللهِ بوقوع ممكِنٍ أو عدم وقوعه فهل يبقى خلاف ما تَعَلَّقَ بهِ

стр. 252

العِلم مقدورًا؟ فيه قولان (١) حكاهما الإمام في "نهاية العقول" (٢). الحادي عشر (٣): قوله: "واعْلَم أن النَّصرَ مع الصَّبر، وأنَّ الفرجَ مع الكرب" فيه حثٌّ على الصَّبر عندَ نزول الكرب، والطمأنينة بالنَّصْر والفَرَج، فالفَرَجُ سببُ النَّصر: ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦)﴾ [النحل: ١٢٦]. ومن جُمْلَةِ الخير: النَّصر، فمَن صَبَرَ انْتَصَرَ، ومَن انتصر حازَ الظَّفر، والكَرْبُ غيرُ دائِمٍ، وعُقْبَاهُ الفَرَجُ، فيُحْسِن العبدُ ظَنَّه بمولاه فيصلحُ عاقبتهُ ودُنْياه، فالإنسان مُعَرَّضٌ للمصائب -لا سِيَّما أهلُ الخير- قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ﴾ (٤) [البقرة: ١٥٥] الآية. فمَن صَبَرَ واحْتَسَب ورضي بالقضاء، وانتظَر ما وُعِدَ من جزيل العطاء بقوله: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٥٧] الآية، فَنِعْمَةُ الفِعْلَةُ، ونعوذُ باللهِ مِنْ ضدِّها؛ فالصَّادِقُ وُعِدَ بالنَّصر والفرَج وباليُسْر معَ الرِّضا والصبر والاحتساب، فـ ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠)﴾ [الزمر: ١٠]. واعلَم أنَّ المَعِيَّةَ في هذه الأمور إنْ أُخِذَت بالنَّظَر إلى العلم الأزلي فلائحٌ، لأنهما مُقْتَرِنَان في تَعَلُّق الحكم الأزلي بهِما، أي: لم يكن نفسُ تعلُّقه بأحِدهما بعدَ الآخر، وإنْ تَعلَّقَ بأنَّ أحَدَهُما سيقعُ بعدَ الآخر (٥)، وإنْ أُخِذَت بالنَّظَر إلى

стр. 253

الوجود الخارجي كانت بمعنى "بعد" أي: أَنَّ النَّصر بعد الصَّبر، والفرج بعد الكرب، ويجوز بقاؤها على بابِها، والمعنى: حصوله آخر أوقات الصبر (١). الثاني عَشَر (٢): قوله: "وأَنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا" هو نَصُّ القرآن العظيم، والكلام في المعيَّة كما سلف. وعن ابن عباس ﵄: "لن يَغْلِب عُسرٌ يُسْرَيْن" (٣). ورُوي مرفوعًا في رسالتهِ إلى أبي عُبيدةَ ﵁، وهو في "الموطأ" عن عمر (٤). يُشيرُ إلى تنكير اليُسْر وتعريف العُسْر، والمُنكَّر مُتَعَدِّد، والمُعَرَّف مُتَّحِدٌ بناءً على أنَّ اللام فيه للعَهْدِ السَّالف، نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: ١٥، ١٦]. وأبعَدَ مَن قال: الأول في الدنيا، والثاني في الآخرة. وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] المراد في الأحكام، فلا تضاد مع الآية المذكورة، إذِ المُرادُ فيها العسرُ في الأرزاق والمكاسب، قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]. وقال رسول الله ﷺ : "بُعِثْتُ بالحَنيفيَّةِ السَّمحة" (٥).

стр. 254

وصَدْرُ الآيةِ دالٌّ على ذلك، وهو قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]. واعلم أنه لا خفاءَ إذا تعدد اللفظُ واتَّحَدَ المعنى، وكانا مَعْرِفتَيْن أنه راجعٌ إلى معهودٍ سابق، فإنْ كان الثاني نَكِرةً تعدد، وإن كانَ الأول معرفةً والثاني نكرةً أو عكسه فلا، وذلك مع التَّجرُّد عن القرائن. وما أحسن حكاية العتبي ﵀ قال: "كنتُ ذاتَ يوم في بادِيَةٍ وأنا بحالة مِن الغَمِّ، فأُلقِيَ في رُوعِي بيتٌ مِنَ الشِّعر، فقلتُ: أرىَ الموتَ لمن أصبحَ مغمومًا لهُ أروح فلَمَّا جنَّ الليلُ سَمِعتُ هاتفًا يهتفُ مِنَ الهواء: ألا أيها المرءُ الذي الهمُّ به بَرح وقد أنشد بيتًا لم يزل في فكره سنح إذا اشتدت العُسْرَى ففَكِّر في أَلمْ نَشْرَح فَعُسْرٌ بينَ يُسْرَين إذا ذكرتَهُ تفرح فإنَّ العُسْرَ مَقْرُونٌ بيُسْرَيْنِ فلا تَتْرَحْ فحَفِظْتُهُما، فَفَرَّجَ الله عنِّي" (١). * * *

стр. 255

الحديث العشرون عن أبي مَسْعُودٍ عُقْبَةَ بن عَمْرٍو الأنصاريِّ البَدْرِيِّ ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلامِ النُّبُوَّةِ الأُولى: إِذَا لَمْ تَسْتَح فاصْنع مَا شِئْتَ". رواه البُخاريُّ (١). * * * الكلام عليه من وجوهٍ: أحَدهما: في التَّعريفِ بِرَاوِيهِ: وهو أبو مسعود عُقْبَة بن عمرو بن ثعلبة الأنصاري البدري الصحابي، ولم يشْهَد بَدرًا -في قول الأكثرين- وإِنَّمَا نَزَلَها (٢)، كالمقبري؛ لنزوله المقابر (٣)، ويزيد الفقير؛ لِفقار ظهره (٤)، وفلانٌ الضال؛ لأنَّهُ ضَلَّ عن الطريق (٥).

стр. 256

ثانيها: هذا الحديثُ عليهِ مَدَارُ الإسلام، وَوَجْهُهُ: أنَّ أفعال العبد إمَّا أن يستحي منها أَوْ لَا. فالأوَّل: يشمل الحرام والمكروه، وتركُهُمَا هو المشروع. والثاني: يَشْمَلُ ما في الأحكام الخمسة: الوجوب والندب والإباحة، وفِعْلُها مَشْرُوعٌ في الأوَّلَيْن، شائعٌ (١) في الثالث، وهذه أحكام الأفعال الخمسة، وهو شَبِيهٌ بالحديث الآتي: "الإثْم: مَا حاكَ في نَفْسِكَ" (٢). ثالثها: قوله ﵊: "فاصْنعَ مَا شِئتَ" هل هو خَبَرٌ أو نَهْيٌ؟ كقوله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠]، ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ [النحل: ٥٥]، "أشْهِدْ على هَذَا غَيْرِي" (٣)، و"مَنْ باعَ الخَمْرَ فلْيُشَقِّص (٤) بالخَنَازِير" (٥)،

стр. 257

والمعنى على هذا: إذا نُزِعَ عنكَ الحياء فافعل ما شِئتَ، فَإِنَّهُ تعالى يُجازيكَ عليهِ، ويكونُ هذا تعظيمًا لأمرِ الحياء، وتبيينًا لوضْعِهِ عندَ فَقْدِه. وعلى الأول معناه: إذا لَمْ تَسْتَحِ صَنَعْتَ مَا شِئْتَ؛ لأنَّ عَدَمَ الحياء يُوجِبُ الانهِمَاكَ في هَتْكِ السِّتْرِ، وقد ثبتَ أنَّ: "الحياء شُعْبَةٌ مِنْ شُعَبِ الإيمانِ" (١). وقال ﵊: "الحياءُ لا يَأتِي إلَّا بِخَيْرٍ"، وقال ﷺ : "الحياءُ خَيْرٌ كلُّهُ" (٢). وقال ﵊: "اسْتَحْيُوا مِن الله حَقَّ الحَيَاءِ" (٣). رابعها: معنى: "إنَّ مِمَّا أدركَ الناس": أنَّ الحياءَ لَمْ يَزَل مستَحَبًا مُسْتَحْسَنًا في شرائعِ الأنبياء الأوَّلين، وأَنَه لم يُنْسَخ مِن جُمْلَةِ مَا نُسِخ مِن شرائِعهم، ولا شَكَّ أنهُ مِن الخِصَالِ الشَّريفة، والصِّفاتِ المنيفة، وهو خيرٌ كُلُّهُ كما سلف (٤)، ولكن لا ينبغي أن يغلبه حتى يستحي فيما يَضُرُّه مِن أمرِ دينهِ

стр. 258

ودنياه، فإنَّهُ حياءٌ غيرُ محمود، ومنهُ الحياء في التَّفقه في الدين، وليسَ حياءً، بل خَوَرًا (١). وأهلُ المعرِفةِ في الحياء مُنْقَسِمون، كما أنهم في أحوالهم متقاربون، وقد كان رسول الله ﷺ جُمِعَ لهُ كمال نَوْعَي الحياء، فكان في الحياء الغريزي أشدَّ حياءً مِن العذراءِ في خِدْرِها، وفي حالهِ الكَسْبي في [ذروتها] (٢). * * *

стр. 259

الحديث الحادي والعشرون عن أبي عمرو -وقيل: أبي عَمْرَةَ- سفْيان بن عبد الله ﵁ قال: قُلْتُ: يا رَسولَ الله! قُلْ لي في الإسْلامِ قَوْلًا لا أَسْأل عنهُ أَحَدًا غَيْرَكَ. قال: "قُلْ آمنْتُ باللهِ، ثُمَّ اسْتَقِمْ". رواه مُسْلِمٌ (١). * * * الكلام عليه مِن وُجوهٍ: أحدهما: في التَّعريفِ بِرَاويهِ: وفي كُنيَتهِ قولان -كَمَا ذَكَرَ- أبو عمرو: بالواو، وأبو عَمْرَةَ: با لهاء، وهو ثَقَفي طائفي، وليَ الطَّائِفَ لِعُمَر، روى له: "م"، ["س"، "ق"] (٢) هذا الحديث، وليسَ لهُ عِندَهم غيره، وحديثٌ آخر عند "س" في "اللقطة" (٣)، وسفيان سِينُهُ مُثَلَّثَةٌ (٤). ثانيها: وهو مِن جوامِعِ كَلِمِه، كما قال القاضي (٥).

стр. 260

أي: "استَقِمْ كَمَا أُمِرتَ" مُمْتَثِلًا أَمْرَهُ، ومُجْتَنِبًا نَهْيَهُ، وهو مُطَابق لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: ٣٠] أي: لم يَحِيدُوا عن توحيدهِ، والتَزَموا طاعتهُ إلى أنْ تُوُفُّوا عليه، كما قال عُمَر: "اسْتَقَاموا لله على طاعَتهِ، ولَمْ يَرُوغوا رَوَغَانَ الثعلب" (١). فقوله: "آمنْتُ بالله" هو بمعنى: ﴿قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ [فصلت: ٣٠] إذْ لا يعتقد ربوبيته إلَّا مَن آمَنَ به، وهو على اختصاره مِن أجمَعِ الأحاديث لأصول الإسلام، إذِ الإسلامُ توحيدٌ وطاعةٌ، فالتوحيد حاصِل بـ "آمنتُ بالله" (٢). والطاعة حاصِلةٌ بالاستقامة، إذ هي: امْتِثالُ كلّ مأمُور، واجتناب كُلِّ محظور، ويدخلُ فيه أعمال القلوب والأبدان مِن الإيمان والإسلام والإحسان (٣). وفي التنزيل: ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ [فصلت: ٦]. وفي الحديث: "شَيَّبَتْنِي هودٌ وأَخَوَاتها" (٤). وشَيَّبَهُ أَنَّ فيها: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود: ١١٢] وهي: كلِمَةٌ جامِعَةٌ لجميع أنواع التكاليف. قال ابن عباس: "مَا نَزَلَ على رسول الله ﷺ في جميع القرآن آيةٌ كانت أشَدَّ

стр. 261

ولا أشقَّ عليه من هذه الآية" (١). فلذلكَ قال مَا قال. قال القُشيري ﵀: "الاستقامة: درجة بها (٢) كمال الأمور وتمامها، وبوجودِها (٣) حصول الخيرات ونظامها، ومَن لمْ يكن مُسْتَقيمًا في حالته ضاعَ سَعْيُهُ وخابَ جدُّه (٤). وقيل: الاستقامة لا يُطيقُها إلَّا الأكابر؛ لأنَّها خروج عن المَعْهُودات، ومفارقةُ الرُّسوم والعادات، والقِيامُ بينَ يدي الله تعالى بالصِّدق (٥)، ولذلِكَ قال ﵊: "اسْتَقِيمُوا ولَنْ تُحْصُوا" (٦). وقال الواسطي: "هي الخصلة التي بها كَمُلت المَحَاسِن" (٧). ثالثها: معنى قوله: "قُل لي في الإسلام" أي: في دِينِهِ وشَريعَتِهِ. وقوله: "لا أَسْألُ عنهُ أحَدًا غيرَكَ" أي: جامِعًا لِمَعاني الإسلام، واضِحًا في نفسهِ بحيث لا يحتاج إلى تفسير غيركَ، كافيًا لا أحتاج إلى سؤال غيرك، وهو

стр. 262

نحوٌ مِمَّا سبقَ في قوله: "لا تغضَب" (١). رابعها: هذا الجواب دالٌّ على أنه ﵊ أوتيَ جوامِعَ الكَلِم، واختُصِرَ له الكلامُ اختصارًا، كما يُمْدَحُ به ﵊، فإنَّهُ جَمَعَ لهذا السائل في هاتَيْن الكلمتَيْن معاني الإسلام والإيمان كلها، كما أسلفناه. خامِسُها: زاد التِّرمذيُّ في هذا الحديث زيادةً مُهِمَّة: "قلتُ: يا رسولَ الله! ما أَخْوَفُ ما تَخَافُ عليَّ؟ فأَخَذَ بِلِسانِ نفْسِهِ ثم قال: هذا". "حديثٌ حسنٌ صحيح" (٢). * * *

стр. 263

الحديث الثاني والعشرون عن أبي عبد الله جابر بن عبد الله الأنصَاريِّ ﵄: أنَّ رجُلًا سألَ رَسُولَ الله ﷺ فقالَ: أَرَأيتَ إذا صَلَّيْتُ المَكْتُوباتِ، وصُمْتُ رَمَضانَ، وحَلَّلْتُ الحَلالَ، وحَرَّمْتُ الحَرامَ، ولَمْ أَزِدْ على ذَلِكَ شيئًا؛ أَأَدْخُلُ (١) الجَنَّةَ؟ قال: "نَعَم". رواه مُسْلِمٌ (٢). * * * الكلام عليه من وجوهٍ: أحدهما: في التَّعريف بِرَاوِيهِ: هو أبو عبد الله -ويقال: أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو محمد- جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام -بالحاء والراء المُهْمَلَتَيْن- الخَزْرَجِي السُّلمي، صحابي ابن صحابي، شَهِدَ ما بَعْدَ أُحُدٍ (٣)، وشَهِدَ العَقَبَةَ مع أبيه وهو صبي، وصِفِّين مع عليٍّ، واسْتَغْفَرَ له الشَّارعُ. مات بعد السَّبعين وقد جاوز التِّسعين، وكان عَمِيَ (٤). ثانيها: هذا السائِل هو النُّعمان بن قَوْقَل -بقافين ولام- فيما قالَهُ بعضُ

стр. 264

الشُّرَّاح (١). ثالثها: "أَرَأَيتَ" همزةُ استفهامٍ دَخَلت على "رأيت". ومعنى: "حَرَّمت الحرام" اجْتَنَبْته. و"حللت الحلال" فَعَلْتُهُ مُعْتَقِدًا حِلَّهُ. قال ابن الصَّلاح: "والظاهر أَنَّهُ قَصَدَ به اعتقاد حرمته، وألَّا يفعله. بخلافِ تَحْلِيل الحَلال فإنَّهُ يَكْفِي فيه مُجَرَّدُ اعتقاد كونهِ حلالًا" (٢). قال القاضي (٣): "وهذا السائل إنما سَأَل عن دخول فعل مَا يجبُ عليه، والانتهاء عمَّا حَرَّمَ عليه الجنة؛ فأجابه بنعم، ولم يذكر له في الحديث شيئًا مِن التَّطوعات على الجُمْلة، وهو دالٌّ على جَوَازِ تركِها! لكن مَن تَرَكَها ولم يعمل شيئًا منها؛ فقد فوَّتَ على نفسه ثوابًا جمًّا، ودوامه عليه دالٌّ على نقصِ دِينِهِ، والقَدْحِ في عدَالَتهِ، فإنْ كان تركُهُ تهاونًا بها، ورَغْبةً عنها كان فاسِقًا مَذْمُومًا". ثُمَّ نَقَلَ عن عُلَمَائِهِم: "لو أنَّ أهلَ بَلْدَةٍ تواطئُوا (٤) على تَرْكِ سُنَّةٍ؛ قُوتِلُوا عليها، حتى يرجِعُوا. ولقد كان صَدْرُ الصَّحابة ومَن بعدَهُم مُثابِرونَ على فعلِ السُّننِ والفضائل مثابرتهم على الفرائض، ولم يكونوا يُفَرِّقونَ بينهما في اغتنام ثوابهما، وإنما احتاج الفقهاء لِذِكْرِ الفرقِ لِمَا يَتَرَتَّبُ عليه من وُجوب الإعادة وتَركِها، وخوف العِقاب على التَّرك، ونَفْيِه (٥) إن حصَلَ تركٌ مَا بِوَجْه مَا" (٦).

стр. 265

وإنما تركَ الشَّارعُ تنبيهه على السنن والفضائل تسهيلًا وتيسيرًا لِقُرب عهْدِهِم بالإسلام، لِئلَّا يكون الإكثار من ذلك تنفيرًا، وعَلِمَ أنه إذا تَمَكَّن في الإسلام وشرح الله صَدْرَهُ رَغِبَ فيما رَغِبَ فيه غَيْرُهُ، لئلَّا يعتقد وجوب ذلك، فتركه من ذلك. وقد أجاب الشَّارع ذلك السائل بقوله: "لا، إلَّا أن تَطَوَّع" (١) لَمَّا سأَلهُ عن الصلاة والصوم. وللبخاري في كتاب الصوم: "واللهِ لا أَتَطَوَّعُ شيئًا" (٢)، وفي لفظٍ: "إنْ تَمَسَّكَ بِمَا أُمِرَ به دَخَلَ الجَنَّةَ" (٣). نعم؛ مَن أتى بها كان أفلح ممن لم يأتِ، وإِنَّمَا شُرِعت النوافل لتَتْمِيم ما نَقَصَ مِن الفرائض، فتركُ ذلك تسهيلًا عليهم إلى أن تنشرح صُدُورهم، ومِنَ المعلوم أنَّ هؤلاء ما سُوِّغ لهم تركُ الوِتر ولا العيدين، ولا مَا فِعْلهُ في الجَمَاعَةِ. رابعها: إِنَّمَا لم يَذْكُر الحج في هذا الحديث، لعموم فرضه إذ ذاك، كما سلف في حديث ابن عمر، نعم؛ هو يندرجُ في تحريم الحرام، لأنَّ تركَ الحجِّ وغيرهِ مِن الواجبات حرام، وهو قاعِدَةٌ جامِعَةٌ لأصول الدين وفروعه، لأنَّ الأفْعَال: إِمَّا قلبيَّةٌ أو بدنية، وكل ذلك إمَّا أصليةٌ أو فرعيَّة، ثم المأذون فيها هو الحلال والممنوع الحرام، واللام في "الحلال" و"الحرام" للاستغراق؛ فإذا أحلَّ كلَّ الحلال، وحرَّمَ كلَّ الحرام فقد أتى بجميع وظائف الدِّين ودَخَلَ الجَنَّةَ آمِنًا.

стр. 266

خامِسُها: فيه ذِكرُ رمضان مِن غير ذِكر الشهر؛ وهو الصحيح. * * *

стр. 267

الحديث الثالث والعشرون عن أبي مالكٍ الحارِثِ بن عامِرٍ الأشْعَري ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "الطُّهورُ شطْرُ الإِيمَانِ، والحَمْدُ للهِ تَمْلأُ المِيزَانَ، وسُبْحَانَ الله والحَمْدُ للهِ تَمْلآنِ أو تَمْلأُ مَا بينَ السَّماءِ (١) والأرْضِ، والصَّلاةُ نُورٌ، والصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ، والصَّبرُ ضياءٌ، والقرآنُ حُجَّةٌ لَكَ أوْ عَلَيْكَ، كلُّ النَّاسِ يَغْدُو، فبَائِعٌ نَفْسَهُ، فَمُعْتِقُها أوْ مُوبِقُها". أخرَجَةُ مُسْلِمٌ (٢). * * * الكلام عليهِ مِن وجوهٍ: أحدها: هذا الحديث مِنْ أفرادِ مُسْلِمٍ، بل لم يخرّج عن صَحَابيِّه في كتابهِ شيئًا. وأخرجَ له "مسلم" حديثًا آخر: "أرْبَعٌ مِنْ أَمْرِ الجَاهِلِيَّةِ" (٣).

стр. 268

نعم؛ له في موضعٍ عن أبي مالك الأشعري -أو أبي عامر على الشَّك- في "المعازف" (١). وأخرجَهُ الترمذيُّ أيضًا، وفي روايةٍ له: "التَّسْبيحُ نِصْفُ الإيمان، والحمدُ للهِ تَمْلَؤُهُ، والتَّكبيرُ يملأُ مَا بينَ السموات والأرض، والصومُ نِصْفُ الصَّبر" (٢). وفي روايةٍ أُخرى: "ولا إلهَ إلَّا الله ليسَ لها دُونَ الله حِجَابٌ حتى تَخْلُصَ له" (٣). وللبيهقي (٤): "وسبحان الله واللهُ أكبر تملأ ما بينَ السَّماء والأرض، والصوم جُنَّةٌ" بدل: "الصلاةُ نورٌ". وفي اسمهِ أقوالٌ كثيرةٌ نحوَ عشرةِ أقوال، وهو معدود في الشَّاميين: الحارث بن الحارث، أو عبيدة، أو عبيد الله، أو عمرو، أو كعب بن عاصم، أو كعب بن كعب، أو عامر بن الحارث بن هانئ بن كلثوم، هذا في "تهذيب" المِزِّي (٥). وقال ابن حبان: "الحارث بن مالك" (٦). وفي العسكري -عن بعضهم-: "كعبُ بن مالك".

стр. 269

قال أبو أحمد في "كناه": "أمرهُ يشتَبِهُ جِدًّا" (١). ولَم أرَ فيها مَا ذَكَرَهُ المُصَنِّفُ مِنْ أنَّ اسمهُ: الحارث بن عامر، لا جَرَمَ أنَّ في بعضِ النّسخ: ابن عاصم. وطعن هو ومعاذ، وأبو عبيدة، وشرحبيل بن حسنة في يومٍ واحِدٍ (٢). ثانيها: هذا الحديث أصلٌ مِن أصولِ الإسلام، قد اشتَمَلَ على مُهِمَّاتٍ مِن قواعد الدِّين، ولنَحصر الكلام عليه في مواضِعَ: أوَّلُها: "الطُّهور" المُرادُ بهِ هنا الفعل؛ فهو مَضمُومُ الطاء، ويجوزُ فتحُها، وإنْ قال القرطبي في "مفهمه": "إنما رُويَ بالفتح" (٣). أمَّا الفتح: فما يُتطهَّر به من جامِدٍ ومائعٍ، وقيل: فيه الضمُّ أيضًا. قال المُصنِّف ﵀: "والمرادُ به هنا: الوضوء" (٤). قلتُ: بل هو أعمُّ منه ومِن الغسل وغيرهما، ولذلك عبَّرت بقولي: الفعل، والمراد به أيضًا: الطَّهارة من المستخبثات الباطنة. ورِوايَةُ ابن حِبَّان في "صحيحه": "إِسْبَاغُ الوضوء شَطْرُ الإيمَان" (٥). والمُراد: إِتْمَامه.

стр. 270

ثانيها: أصل "الشَّطْر": النِّصف، قال ابن دُرَيد في "الجمهرة": "النِّصفُ مِن كُلِّ شيء" (١). وقال صاحب "المجمل": "شطرُ كلِّ شيءٍ: نِصْفُهُ" (٢). قلتُ: في حديث "الإسراء" مَا يَدُلُّ على أَنَّ الشَّطر يكون الجزء، بقوله في الصلاة: "فوضَعَ شطْرَها -قال ذلكَ ثلاثًا-" (٣)، فلوْ كان الشَّطرُ بمعنى النِّصف كان قد سقط الكل في الثاني. وفي "النَّسائي": " ... فَجَعَلَها أرْبَعِينَ، ... فَجَعَلَها ثَلاثِين، ... فجَعَلَها عِشْرِينَ، ... ثُمَّ عَشَرَة، ... ثُمَّ خَمْسَة" (٤). واختُلِفَ في معنى كونه "شطْر الإيمان" على أَوْجُهٍ (٥): أحدُها: أنَّ مُنْتَهَى تَضعِيف ثَوَابه إلى نِصْفِ أَجْرِ الإيمان. ثانيها: أنَّ الإيمان يَجُبُّ مَا قبلَهُ مِنَ الخطايا؛ فكذا الطهور، لكن صِحَّته مُتَوَقِّفةٌ على الإيمان، فصارَ نِصْفًا. ثالِثُها: أنَّ المُرادَ بالإيمان: الصلاة، والطهور شَرْطٌ لِصِحَّتِها؛ فكانَ كالشَّطْر، وليسَ يلزَمُ في الشَّطر أَنْ يكونَ نِصْفًا حقيقيًّا، وهذا القول أقربها،

стр. 271

ويشهد له قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] أي: صلاتكم إلى بيتِ المقدِس (١). ولا شَكَّ أنَّ الإيمانَ شرطٌ باطِنٌ لِصحَّتِها، والطُّهور شرطٌ ظاهِرٌ لها؛ فاقْتَسَمَاها، والإيمان تصديقٌ بالقلب، وانقِيادٌ بالظاهر، وهُما شَطْرَا (٢) الإيمان، والطهارة متضمِّنةٌ للصلاةِ، فهي انقيادٌ في الظاهر. ثالِثها: معنى "الحَمْدُ لله تملأ الميزان" أنَّ ثوابها يملؤهُ خيرًا، ومعناه: عِظَمُ أجْرِها؛ فيملأ ميزانه. وقد تَظَاهرت نصوص القرآن والسنة على وزن الأعمال وثِقلُ الموازين وخِفَّتها، وسبب الموازنة المناسِبة في الملءِ أنَّ "اللَّام" في "الحمد" لاسْتِغْراق جِنْس الحمد الذي يَجِبُ لله ويستحِقّه بملء الميزان؛ فكذا ثوابه. و"تملأ": بالمُثَنَّاة فوق، ويرجع إلى اللفظ أو الجملة، ويصِحُّ بِمُثَنَّاة تحت، ويَرْجع إلى الحمدِ نفسه، والظاهر أنَّ المُراد هذا اللفظ فقط. رابعها: "الميزان" مِفعال مِنَ الوزن، وأصله موزان، فانقَلَبَت الواوُ ياءً لانكِسار مَا قبلها، ومِثلهُ: ميعاد وميقات، ونحو ذلك، لأنهما مِن الواعدِ والوَقت.

стр. 272

وهذا الحديث ظاهِرٌ في ثبوت الميزان ذي الكفَّتين واللِّسان (١) في المعاد، وحقيقتهُ كما قُلناه (٢). وخالفت المعتزِلة؛ وبعضهم قال: الميزان كناية عن إقامة العدل في الحساب لَا أَنَّهُ ميزانٌ حقيقةً ذو كفّين ولسان، كما يُقال: يدُ فلانٍ ميزان، وهو قولُ جمهور المعتزلة، وبعضهم يُجَوِّزُهُ ولا يقطعُ به (٣)، والظواهر مع أهل السُّنّة أنه حقيقة. وقد قيل: "يا رسولَ الله! أينَ نَجِدُكَ في القيامة؟ قال: عندَ الحوض، أو الصراط، أو الميزان" (٤).

стр. 273

قال الغزالي ﵀: "وَصِفَتُهُ في العِظَم أنه مثل طباق السموات والأرض، توزَنُ فيه الأعمال بِقُدْرَةِ الله تعالى، والصنج (١) يومئذٍ مثاقيل الذر والخردل، تحقيقًا لِتَمَام العدل، وتُطْرَحُ الحَسَنات في كِفَّةِ النور، فيثقُلُ بها الميزان على قَدْرِ درجتها عندَ اللهِ بفضلهِ، وتُطْرَحُ صحائف السيئات في كِفَّةِ الظُّلمة، فتخِفُّ بها الميزان بِعَدْلِهِ" (٢). قال ابن عباس -فيما نقلهُ الواحدي-: "يُؤتى بعملِ المؤمن في أحسنِ صورةٍ، فيُوضعُ في كِفّة الميزان، فتثقل حسناته على سيئاته، فذلكَ قوله تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨)﴾ [الأعراف: ٨] , وهذا كقوله: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧] الآية" (٣). وإنما قال: ﴿موازينه﴾ على الجمع حملًا له على معنى مِن دون لفظها، أو أنَّ المراد بالموازين: الموزونات كما ذهب إليه بعضهم. "ويُؤتى بعمل الكافر في أقبح صورةٍ، فيُوضَعُ في كفَّة الميزان، فيخفُّ وَزْنُهُ، فذلكَ قوله: ﴿فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [الأعراف: ٩] أي: صاروا إلى العذاب". وَرَوَت عائشة ﵂ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "ثلاثُ مواطن لا يَذكُرُ أَحَدٌ فيها أحدًا إلا نَفْسَهُ: عند الميزان حتى يعلم أيخف ميزانهُ أم يثقل، وعند الصُّحف حتى يعلم أيأخذُ صَحيفتهُ بيمينهِ أم بشماله، وعند الصِّراط حتى

стр. 274

يجاوزه" (١). ثُمَّ قيل: لكُلِّ أمةٍ ميزان، ولِكُلِّ إنسان ميزان، والأصح أنه واحد، وقوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧] مِمَّا أطلق به الجمع وأُريد به المفرد، أو أُريدَ به الأعمال الموزونة، أو جمعه باعتبار الأجر، أو كان الوزن بالمثاقيل لظهور مقادير الجزاء، وهو مأخوذ من قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧)﴾ [الزلزلة: ٧] وتوزن مظالم العباد فتؤخذ مِن ظالمها؛ فإن لم يوجد له حسنات طرح عليه من سيئاته. خامِسُها: قوله "تَمْلآن أو تملأ" هو بالمُثناة فوق، الأول ضمير مؤنثين غائبين، والثاني "تملأ" ضمير هذه الجملة مِن الكلام. وقال صاحب "التحرير": "يجوز (٢) "تملآن" بالتذكير والتأنيث -على ما ذكرنا-، والتذكير على إرادة (٣) النوعين مِن الكلام أو الذِّكْرَين". قال: "وأَمَّا "تملأ" فَمُذَكَّر على إرادة الذِّكر" (٤). وهذا التردد كأنه شكٌّ مِن بعض الرواة، وكِلا الأمرين جائزٌ لغةً -كما قرَّرناه-؛ لأنَّ "سبحان الله" و"الحمدُ لله" كلمتان في اصطلاح النحاة، ويُطلق عليهما: كلمة لُغَةً، كما يُسَمُّون الخطبة: كلمة، ويقولون: قال فلانٌ في كلمته، و"تملأ" باعتبار أنها كلمة لغة.

стр. 275

ومعنى: "سبحانَ الله": نزهته عمَّا لا يليق به، وهو علم على معنى الربوبية. ومعنى "الملء": أنَّ ثوابهما لو قُدِّر جِسْمًا لملأ ما بين السماء والأرض. ورواية ابن حِبَّان في "صحيحه" (١): "والتَّسْبيحُ والتَّكْبِيرُ مِلْءُ السَّمَوَاتِ والأرْضِ". وسببه ما اشْتَمَلتا عليه من التنزيه. قال المُصَنِّف: "والتفويض إلى الله تعالى" (٢). أي: مِن عموم الحمد؛ إذ يقتضي عموم الحمد على كل حال في السَّراء والضَّراء، وذلك تفويض؛ فإذا حَمِدَ مُسْتَحْضِرًا معناه في قلبه امتلأ ميزانه حسناتٍ، فإنْ أَضافَ إليه التنزيه ازداد، وذَكَر السموات والأرض على العادة. سادسُها: قوله "والصَّلاةُ نورٌ" أي: باعتبار نهيها عن الفحشاء والمُنْكَر، فتمنع من اقترافها، وتهدِي إلى الصَّواب كما أنَّ النُّور يُستضاءُ به. أو أنَّ ثوابها يكون نورًا لصاحبها يومَ القيامة. أو أنها سببٌ في استِنَارةِ القلب؛ فبسببِها تتشرَّق أنوار المعارف وانشراح القلب، وكاشفات الحقائق لفراغ القلب فيها، وإقباله على الله ظاهِرًا وباطِنًا. قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: ٤٥]. ومِنهُ: "وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْني في الصَّلاةِ" (٣).

стр. 276

أو أنها تكون نورًا ظاهِرًا على وجههِ في الآخرة أو في الدُّنيا بِخِلاف مَن لمْ يُصَلِّ (١): ﴿نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ [التحريم: ٨]، "إِنَّ أمَّتي يُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلينَ مِنْ آثارِ الوضُوءِ" (٢). ويحتمل الكل، وهو مِنْ بابِ قولهم: زيدٌ أشد؛ إِمَّا مبالغة، ويحتمل أن يكون مِنْ قولهم: رجلٌ عَدْلٌ؛ فإِمَّا أن يكون جعله نفس العدل، أو معناه: ذو عدل، على حذف مضاف، أو عادل. فعلى الأول: جعل الصلاة نفس النور للمُبَالغة. وعلى الثاني: ذات النور لصاحِبِها. وعلى الثالث: مُنِيرةٌ بوجهِهِ إذا فَعَلَهَا بِشُروطِهَا ومُكَمِّلاتها؛ فَتُنَوِّرُ القلبَ بحيث تُشْرِقُ فيه أنوارُ المعارف والمُكَاشَفَات "وَجُعِلت قُرَّةُ عَيْني في الصَّلاة"، وتُنَوِّر بين يَدَيْه ووجهه يوم القيامة؛ فيكون ذا غُرَّةٍ وتَحْجيل، والنور مشاهدٌ في الدُّنيا على وجْهِهِ، لا سيما المتقي بخِلافِ عَكْسِهِ، ورُوي: "مَنْ صَلَّى باللَّيْلِ حَسُنَ وَجْههُ بالنَّهار" (٣). سابعها: معنى "والصَّدقة برهان" أي: أنها حُجّة لصاحِبها في أداءِ حقِّ

стр. 277

المال، أو أنها حجة في إيمانه؛ لأنَّ المُنافِقَ لا يفعلها عادةً لعدم اعتقاده لها، فمن تصدَّق استُدِلَّ بِصدَقته على صِدْقِ إيمانه، فالمنافِقونَ [يلمِزُونَ] (١) المُطَّوِّعين مِن المؤمنين في الصَّدَقات، أو صِحَّة محبة المتصدِّق لله ولِمَا لَدَيْهِ مِن الثواب؛ إذْ آثرها على مَحَبَّةِ المال فأخرجه لله: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [الإنسان: ٨] أي: حب الطعام، أو حب الله. وعِبارةُ صاحب "التحرير": "يُفزع إليها كما يُفْزَعُ إلى البراهين، كأنَّ العبدَ إذا سُئِلَ يوم القيامة عن مَصرِف ماله كانت صدقاته براهين في جوابه؛ فيقول: تَصَدَّقتُ". قال: "ويجوز أنْ يوسَمَ المتصدِّق سيما يُعرف بها، فيكون برهانًا له على حاله، ولا يُسْألُ (٢) عن مَصرِف مَالِهِ" (٣). و"البُرهان" عندَ أهل اللغة: الحُجَّة، وعند أهل اللسان: هو الحُجَّة المركبة مِن مُقَدِّمات قاطِعةٍ، وهو حاصِل هنا، فإنَّهُ يُقال مَثَلًا: فُلانٌ يؤدِّي الزكاة وَمَن أدَّاها فقد أدى حقَّ المال، ففُلانٌ أدى حقَّ المال، أو يُقال: فلان أدَّاها طيبة بها نفسه، وكُلُّ مَنْ أدَّاها كذلِكَ فهو مؤمنٌ؛ ففلانٌ مؤمنٌ (٤). ورواية ابن حبان في "صحيحه": "والزَّكاةُ بُرْهانٌ" بدل "الصدقة" وهو مُفَسِّرٌ لها. ثامِنُها: معنى "الصَّبرُ ضِياء" أي: المحبوب، وهو الصبر على الطاعة والبلاء ومكائد الدنيا وعن المعاصي، ومعناه: لا يزال صاحبه مستضيئًا مُسْتَمِرًا على الصَّواب.

стр. 278

قال الخوَّاص: "الصبر هو الثَّبات على الكتاب والسُّنة". وقال ابن عطاء: "إنه الوقوف مع البلاء بِحُسْنِ الأَدَب". وقال الأستاذ أبو عليٍّ الدَّقاق ﵀: "هو ألا تعتَرِض على المَقْدُور، فأَمَّا إِظهَارُ البَلاءِ لا على وجهِ الشَّكوَى فلا يُنافي الصَّبر، قال تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٤٤)﴾ [ص: ٤٤] " (١). وقيلَ: معناهُ: أنَّ ثوابه ضياء ونور في الآخرة. وقيل: أنَّ أَثر الصبر على الطاعات وعن المعاصي نور القلب، وشاهِدهُ في قياس العكس: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾ [المطففين: ١٤] أي: المعاصي سوَّدت قلوبهم وصيرتها مظلمةً (٢). فإن قلتَ: لِمَ فرَّقَ بين النور والضياء؛ قال في الصلاة: "نور"، وفي الصَّدقة: "ضياء"؟ وهل مِن فرقٍ بينهما؟ قلتُ: قد قال الجوهري: "فإنَّهُ فسَّر الضياء بالنور في مَوْضِعٍ، والنور بالضياء في آخر" (٣). وقيل: إنَّ الضياء أعظم وأبلغ مِن النور، بدليل قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ [يونس: ٥] والشمس أعمّ نورًا مِن القمر، ولذلك قال الله تعالى: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧] ولم يقل: بِضِيائِهم؛ لأنَّ نفعَ الأعم أبلغ.

стр. 279

وأُورد على هذا قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥]، ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ [الزمر: ٦٩]. وأُجيب بأنَّ معنى "نور": مُنَوِّر. وأُورِدَ ببقاء السؤال، ولم يقل: مضيء. فأُجيب بأنَّ النور أعمُّ وأشمَل؛ لأنَّهُ يكونُ ليلًا ونهارًا، والضياء ليسَ إلَّا نهارًا بالشمس، على أنَّ المراد بالنور: الهِداية؛ أي: هادي أهلها، والعادة الجارية لغةً وشرعًا أن يُقال: نور الهداية، لَا ضَوْء الهداية، وبذلِكَ استعمل في الكتاب والسنة نحو: ﴿يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧]، ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (٤٠)﴾ [النور: ٤٠]. وأَمَّا الجواب عن ﴿وَأَشْرَقَتِ﴾ فهو أَنَّ الضوء كالوصف على النُّور، وإِنَّمَا يَحْتاجُ إلى النور المخلوق الناقص. أَمَّا نور الرب تعالى فهو قديم كامِلٌ لا يحتاج إلى معنى زائد يضيء به، كما أنَّ القديم لِذاته لا يحتاج إلى عِلَّةٍ (١) تُوجِده، ويحتمل أَنَّ المعنى: أشرقت ملائكة ربِّها، أو بعدل ربِّها (٢)؛ بدليل أنَّ الأرض لو أشرق عليها نور الرب ﷻ لاضطَرَبت وتصَدَّعت كالجبل لَمَّا تجلى له، ولا يلزم مِن نور الملائكة والعدل أن يكون ضوءًا. والفرق في الحديث: أنَّ الصَّبْرَ أحسن من الصلاة؛ لاشتماله على الصلاة وغيرها من الطاعات، أو تعلقه بذلك؛ إذ هو: حَبْسُ النَّفس على الطاعةِ وعن

стр. 280

المعصية، فكان جعله ضياءً -الذي هو أخصُّ من النور- أولى، ولأنَّ الرَّبَّ ﷻ قال: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: ٤٥] والتقديم يُؤْذِنُ بالاهتمام. وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا﴾ [السجدة: ٢٤] ولم يقُلْ: لَمَّا صَلَّوْا. وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠)﴾ [الزمر: ١٠]. وفي الحديث: "مَا أُعْطِيَ عبدٌ خيرًا أوْسَعَ عَطَاءً مِنَ الصَّبر" (١) ولم يأت ذلك لغيرهم. قال القرطبي ﵀ في "مفهمه": "رواه بعض المشايخ "والصَّومُ" بدل "الصبر" وقد يُعَبَّر عنه بالصبر، وقد قيل ذلك في قوله: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ " (٢). والصواب: أنه غير الصوم. فكُلُّ مَن جَدَّ في أمرٍ يُطالبه ... واستَعمَلَ الصَّبرَ إلا فازَ بالظَفر تاسعها: قوله "والقُرآنُ حُجَّةٌ لكَ أو عليكَ" معناه: إنْ عَمِلتَ به واهتَدَيت بأنواره كان حُجَّةً لكَ، وإن أعرضتَ عنه كان حُجَّةً عليكَ في المواقف التي تُسْأل فيها عنه، كمساءلة المَلَكَيْن في القبر، وعندَ الميزان، وفي عقبات الصِّراط. وفي الحديث: "القُرآنُ شافِعٌ مشَفَّعٌ، وماحِلٌ مُصَدَّقٌ، مَن قَدَّمَهُ أَمَامهُ قَادَهُ إلى الجَنَّةِ، ومَن جَعَلَه وَرَاءَهُ دَفعَهُ في قفاه إلى النار" (٣). ذكر معناه

стр. 281

ابن الأنباري (١). وإنما تقُومُ الحجَّةُ بالقرآن لمن اتَّبعَهُ عَمَلًا، وإن حفِظَهُ فذكره وتعاهد تلاوته. قال القرطبي ﵀ في "مُفهمه": "ويحتمل أنَّ المراد: أنَّ القرآن هو الذي يُنْتَهى إليهِ عندَ التَّنازع في المباحث الشرعية والوقائِع الحُكميَّة، وبهِ تَسْتَدِلُّ على صِحَّةِ دَعْواك، وبهِ تَسْتَدِلُّ على خَصْمِكَ" (٢). العاشر: قوله: "كُلُّ الناس يغدو .. " إلى آخره؛ أي: يسعى، فمنهم من يَبيعُ (٣) نفسَه بالطَّاعة فيعتقها من العذاب، ومنهم من يبيعها للشيطان لطاعته فيُوبِقُها؛ أي: يُهْلِكُها بسخط الله تعالى، ومنه: ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا﴾ [الشورى: ٣٤]. ومعنى "يغدو": يُبكِّر؛ أي: كلُّ إنسانٍ يُصبِحُ ساعيًا في أمورهِ، مُتَصَرِّفًا في أغراضه. والرَّوَاحُ بعدَ الزَّوال، والغُدو قبله، قاله الجوهري (٤). وقال الأزهري: "معنى "راح": مَضَى؛ لأنهما مُستَعمَلان عند العرب في السَّيْرِ أي وقتٍ كان من ليلٍ أو نهار، يقال: راح في أول النهار وآخره يروح، وغَدَا بمعناه" (٥). * * *

стр. 282

الحديث الرَّابعُ والعشْرُون عن أبي ذَرٍّ، عن النبي ﷺ -فِيمَا يَرْوِيهِ عن الله أنّهُ قالَ: "يا عِبَادِي! إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ على نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا؛ فَلَا تَظَالَمُوا. يا عِبَادِي! كُلُّكُمْ ضَالٌّ إلا مَنْ هَدَيْتُهُ؛ فَاسْتَهدُوني أَهْدِكُمْ. يا عِبَادِي! كلُّكُمْ جَائِعٌ إلا مَنْ أَطْعَمْتُهُ؛ فَاسْتَطْعِمُوني أطعِمْكُمْ. يا عِبَادِي! كُلُّكُمْ عَارٍ إلا مَنْ كسَوْتُهُ؛ فَاسْتَكْسُوني أَكْسُكُمْ. يا عِبَادِي! إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، فَاسْتَغْفِرُوني أَغْفِر لَكُمْ. يا عِبَادِي! إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّوني، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُوني. يا عِبَادِي! لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُم وآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا على أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ؛ مَا زَادَ ذَلِكَ في مُلْكِي شَيْئًا. يا عِبادي! لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُم وآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا على أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ؛ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيئًا. يا عِبَادِي! لَوْ [أَنَّ] (١) أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا في صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُوني؛ فَأعطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلتَهُ؛ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إلا كَمَا

стр. 283

يَنْقُصُ المِخْيَطُ إِذَا دَخَلَ البَحْرَ. يا عِبَادِي! إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيها لَكُم ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا؛ فَمَنْ عَمِلَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إلَّا نَفْسَهُ". أخرجه مسلم (١). * * * هذا حَدِيثٌ قُدْسِيٌّ رَبَّاني، وإسناده دِمَشْقِيُّون، ورَاوِيهِ سَلَفَ. وقَد ساقَهُ المُصَنِّفُ في "أذكاره" (٢) بإسناده وخَتَمَ به، وفيه: عن رسول الله ﷺ عن جبريل عن الله ... ، ثُمَّ نَقَلَ عن أبي مُسْهِرٍ، عن سعيد بن عبد العزيز: "أَنَّ أَبَا إِدْرِيس -رَاوِيهِ عن أبي ذَرٍّ ﵁ كانَ إِذَا حَدَّثَ بهذا الحدِيث جَثَا على رُكبَتَيْهِ" (٣). وهو حَدِيثٌ مُشْتَمِلٌ على قواعِدَ عَظِيمةٍ في أُصُولِ الدِّين وفُرُوعِهِ وآدابِهِ، ولطائِفِ القلوبِ وغيرها. وَرُوِّينَا عن الإمام أحمد بن حنبل ﵀ أَنَّهُ قال: "ليسَ لأَهْلِ الشَّامِ حَدِيثٌ أَشْرَفَ مِنهُ" (٤).

стр. 284

وأخرجه ابن ماجه بزيادة: "يا عِبَادِي! كُلُّكُمْ مُذْنِبٌ إلا مَنْ عَافَيْتُ؛ فَسَلُوني المَغْفِرَةَ أَغْفِرْ لَكُمْ، وَمَنْ عَلِمَ مِنْكُمْ أَنِّي ذُو قُدْرَةٍ عَلى المَغْفِرَةِ؛ فَاسْتَغْفرَني بِقُدْرَتي غَفَرْتُ لَهُ ... وَكُلُّكُمْ فَقِيرٌ إلا مَنْ أَغْنَيْتُ؛ فَسَلُوني أَرْزُقْكُمْ. وَلَوْ أَنَّ حَيَّكُمْ وَمَيِّتَكُمْ، وَأَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَرَطْبَكُمْ وَيَابِسَكُمْ اجْتَمَعُوا فَسَأَلُوني (١) فَكَانُوا على قَلْبِ أَتْقَى عَبْدٍ مِنْ عِبَادِي؛ لَمْ يَزِدْ في مُلْكِي جَنَاحَ بَعُوضَةٍ. وَلَو اجتَمَعُوا فَكَانُوا على قَلْبِ أَشْقَى عَبْدٍ مِنْ عِبَادِي؛ لَمْ يَنْقُصْ مِنْ مُلْكِي جَنَاحَ بَعُوضَةٍ. وَلَوْ أَنَّ حَيَّكُمْ وَمَيتّكَمْ، وَأَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَرَطْبَكُمْ وَيَابِسَكُمْ اجْتَمَعُوا فَسَأل كُلُّ سَائِلٍ مِنْهمْ مَا بَلَغَتْ أمنِيَّتُهُ؛ مَا نَقَصَ مِنْ مُلْكِي إلَّا كمَا لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ مَرَّ [بِشَفَةِ] (٢) البَحْرِ، فَغَمَسَ فِيها إِبْرَةً ثُمَّ نَزَعَها. ذَلِكَ [بأَنِّي] (٣) جَوَادٌ مَاجِدٌ. عَطَائِي كلامٌ. إِذَا أَرَدْتُ شَيْئًا فَإِنَّمَا أَقُولُ لَهُ: كُنْ فَيَكُونُ" (٤). * * *

стр. 285

الكلام عليه مِن وُجُوهٍ -بعد أَنْ يُعلَم أَنَّا تَكَلَّمنا على لفظِ "العبد" في خُطبة "شرح المنهاج" وأوضحنا جميعه فيه-: أحدها: "لا تظالموا" هو بفتح التاء، أصله: تَتَظَالموا، حُذِفت إِحْدَى التَّاءين تخفيفًا. ومعنى: "حَرَّمتُ الظُّلْمَ على نَفْسِي": تَقَدَّسْتُ عنه وتَعَالَيْتُ، فإنه مستحيل في حَقِّه؛ لأنَّهُ مجاوَزَةٌ في الحَدِّ أو التَّصَرُّف في غير مُلْك، وهما جميعًا محالان في حَقِّهِ بالإجماع. وذلك: لأَنَّ الظُّلمَ إِنَّما يُتَصَوَّر في حَقِّ مَن حُدَّتْ لهُ حُدودٌ، وَرُسِمَت له مَرَاسيم؛ فَمَن تَعَدَّاها كان ظالِمًا، والرب ﷻ هو الذي حَدَّ وَرَسَمَ؛ إذْ لا حاكِمَ فوقَهُ، ولا حاجِزَ عليه، ولا يَجِبُ عليه حُكْم، ولا يَتَرَتَّبُ عليه حَقٌّ، ولا يُتَصَوَّرُ الظُّلمُ في حَقِّهِ، ومَحَلُّ الخوض في ذلك "عِلمُ الكلام"! (١)، ومن يقولُ بالتَّحسين والتَّقبِيح العَقْلِيِّ يقولُ به أيضًا لِقُبْحِهِ (٢).
следующие страницы →