← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17745

المعين على تفهم الأربعين ت دغش

ابن الملقن

Полный текст (473 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

ابن الأنباري (١). وإنما تقُومُ الحجَّةُ بالقرآن لمن اتَّبعَهُ عَمَلًا، وإن حفِظَهُ فذكره وتعاهد تلاوته. قال القرطبي ﵀ في "مُفهمه": "ويحتمل أنَّ المراد: أنَّ القرآن هو الذي يُنْتَهى إليهِ عندَ التَّنازع في المباحث الشرعية والوقائِع الحُكميَّة، وبهِ تَسْتَدِلُّ على صِحَّةِ دَعْواك، وبهِ تَسْتَدِلُّ على خَصْمِكَ" (٢). العاشر: قوله: "كُلُّ الناس يغدو .. " إلى آخره؛ أي: يسعى، فمنهم من يَبيعُ (٣) نفسَه بالطَّاعة فيعتقها من العذاب، ومنهم من يبيعها للشيطان لطاعته فيُوبِقُها؛ أي: يُهْلِكُها بسخط الله تعالى، ومنه: ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا﴾ [الشورى: ٣٤]. ومعنى "يغدو": يُبكِّر؛ أي: كلُّ إنسانٍ يُصبِحُ ساعيًا في أمورهِ، مُتَصَرِّفًا في أغراضه. والرَّوَاحُ بعدَ الزَّوال، والغُدو قبله، قاله الجوهري (٤). وقال الأزهري: "معنى "راح": مَضَى؛ لأنهما مُستَعمَلان عند العرب في السَّيْرِ أي وقتٍ كان من ليلٍ أو نهار، يقال: راح في أول النهار وآخره يروح، وغَدَا بمعناه" (٥). * * *

стр. 282

الحديث الرَّابعُ والعشْرُون عن أبي ذَرٍّ، عن النبي ﷺ -فِيمَا يَرْوِيهِ عن الله أنّهُ قالَ: "يا عِبَادِي! إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ على نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا؛ فَلَا تَظَالَمُوا. يا عِبَادِي! كُلُّكُمْ ضَالٌّ إلا مَنْ هَدَيْتُهُ؛ فَاسْتَهدُوني أَهْدِكُمْ. يا عِبَادِي! كلُّكُمْ جَائِعٌ إلا مَنْ أَطْعَمْتُهُ؛ فَاسْتَطْعِمُوني أطعِمْكُمْ. يا عِبَادِي! كُلُّكُمْ عَارٍ إلا مَنْ كسَوْتُهُ؛ فَاسْتَكْسُوني أَكْسُكُمْ. يا عِبَادِي! إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، فَاسْتَغْفِرُوني أَغْفِر لَكُمْ. يا عِبَادِي! إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّوني، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُوني. يا عِبَادِي! لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُم وآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا على أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ؛ مَا زَادَ ذَلِكَ في مُلْكِي شَيْئًا. يا عِبادي! لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُم وآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا على أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ؛ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيئًا. يا عِبَادِي! لَوْ [أَنَّ] (١) أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا في صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُوني؛ فَأعطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلتَهُ؛ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إلا كَمَا

стр. 283

يَنْقُصُ المِخْيَطُ إِذَا دَخَلَ البَحْرَ. يا عِبَادِي! إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيها لَكُم ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا؛ فَمَنْ عَمِلَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إلَّا نَفْسَهُ". أخرجه مسلم (١). * * * هذا حَدِيثٌ قُدْسِيٌّ رَبَّاني، وإسناده دِمَشْقِيُّون، ورَاوِيهِ سَلَفَ. وقَد ساقَهُ المُصَنِّفُ في "أذكاره" (٢) بإسناده وخَتَمَ به، وفيه: عن رسول الله ﷺ عن جبريل عن الله ... ، ثُمَّ نَقَلَ عن أبي مُسْهِرٍ، عن سعيد بن عبد العزيز: "أَنَّ أَبَا إِدْرِيس -رَاوِيهِ عن أبي ذَرٍّ ﵁ كانَ إِذَا حَدَّثَ بهذا الحدِيث جَثَا على رُكبَتَيْهِ" (٣). وهو حَدِيثٌ مُشْتَمِلٌ على قواعِدَ عَظِيمةٍ في أُصُولِ الدِّين وفُرُوعِهِ وآدابِهِ، ولطائِفِ القلوبِ وغيرها. وَرُوِّينَا عن الإمام أحمد بن حنبل ﵀ أَنَّهُ قال: "ليسَ لأَهْلِ الشَّامِ حَدِيثٌ أَشْرَفَ مِنهُ" (٤).

стр. 284

وأخرجه ابن ماجه بزيادة: "يا عِبَادِي! كُلُّكُمْ مُذْنِبٌ إلا مَنْ عَافَيْتُ؛ فَسَلُوني المَغْفِرَةَ أَغْفِرْ لَكُمْ، وَمَنْ عَلِمَ مِنْكُمْ أَنِّي ذُو قُدْرَةٍ عَلى المَغْفِرَةِ؛ فَاسْتَغْفرَني بِقُدْرَتي غَفَرْتُ لَهُ ... وَكُلُّكُمْ فَقِيرٌ إلا مَنْ أَغْنَيْتُ؛ فَسَلُوني أَرْزُقْكُمْ. وَلَوْ أَنَّ حَيَّكُمْ وَمَيِّتَكُمْ، وَأَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَرَطْبَكُمْ وَيَابِسَكُمْ اجْتَمَعُوا فَسَأَلُوني (١) فَكَانُوا على قَلْبِ أَتْقَى عَبْدٍ مِنْ عِبَادِي؛ لَمْ يَزِدْ في مُلْكِي جَنَاحَ بَعُوضَةٍ. وَلَو اجتَمَعُوا فَكَانُوا على قَلْبِ أَشْقَى عَبْدٍ مِنْ عِبَادِي؛ لَمْ يَنْقُصْ مِنْ مُلْكِي جَنَاحَ بَعُوضَةٍ. وَلَوْ أَنَّ حَيَّكُمْ وَمَيتّكَمْ، وَأَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَرَطْبَكُمْ وَيَابِسَكُمْ اجْتَمَعُوا فَسَأل كُلُّ سَائِلٍ مِنْهمْ مَا بَلَغَتْ أمنِيَّتُهُ؛ مَا نَقَصَ مِنْ مُلْكِي إلَّا كمَا لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ مَرَّ [بِشَفَةِ] (٢) البَحْرِ، فَغَمَسَ فِيها إِبْرَةً ثُمَّ نَزَعَها. ذَلِكَ [بأَنِّي] (٣) جَوَادٌ مَاجِدٌ. عَطَائِي كلامٌ. إِذَا أَرَدْتُ شَيْئًا فَإِنَّمَا أَقُولُ لَهُ: كُنْ فَيَكُونُ" (٤). * * *

стр. 285

الكلام عليه مِن وُجُوهٍ -بعد أَنْ يُعلَم أَنَّا تَكَلَّمنا على لفظِ "العبد" في خُطبة "شرح المنهاج" وأوضحنا جميعه فيه-: أحدها: "لا تظالموا" هو بفتح التاء، أصله: تَتَظَالموا، حُذِفت إِحْدَى التَّاءين تخفيفًا. ومعنى: "حَرَّمتُ الظُّلْمَ على نَفْسِي": تَقَدَّسْتُ عنه وتَعَالَيْتُ، فإنه مستحيل في حَقِّه؛ لأنَّهُ مجاوَزَةٌ في الحَدِّ أو التَّصَرُّف في غير مُلْك، وهما جميعًا محالان في حَقِّهِ بالإجماع. وذلك: لأَنَّ الظُّلمَ إِنَّما يُتَصَوَّر في حَقِّ مَن حُدَّتْ لهُ حُدودٌ، وَرُسِمَت له مَرَاسيم؛ فَمَن تَعَدَّاها كان ظالِمًا، والرب ﷻ هو الذي حَدَّ وَرَسَمَ؛ إذْ لا حاكِمَ فوقَهُ، ولا حاجِزَ عليه، ولا يَجِبُ عليه حُكْم، ولا يَتَرَتَّبُ عليه حَقٌّ، ولا يُتَصَوَّرُ الظُّلمُ في حَقِّهِ، ومَحَلُّ الخوض في ذلك "عِلمُ الكلام"! (١)، ومن يقولُ بالتَّحسين والتَّقبِيح العَقْلِيِّ يقولُ به أيضًا لِقُبْحِهِ (٢).

стр. 286

وأبعَدَ مَنْ قال: بقدرته عليه، ويُتَصَوَّر مِنهُ لَكِنَّهُ لا يفعله عَدْلًا وتَنَزهًا عنه؛ احتجاجًا بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٢٩)﴾ [ق: ٢٩] فقد تَمَدَّحَ بهِ ولا يُمْدَحُ

стр. 287

عادَةً إلَّا بما يَقْدِرُ عليه؛ فمعنى "حَرَّمتُ الظلمَ على نفسي": مَنَعْتُهَا منهُ، ولأَنهُ تعالى عامل عِبادَهُ معامَلَةَ المستأجر مع الأجير حيث قال لأهل الكتاب: "هَلْ ظَلَمْتكُمْ مِنْ أُجُورِكُمْ شَيئًا؟ قالوا: لا. قال: فَذَلِكَ فَضْلِي أُوتيهِ مَنْ أَشَاءُ" (١). والمُسْتَأْجِرُ مِنَّا يَصِحُّ مِنهُ ظُلْمُ الأُجَرَاء؛ ولأَنَّ تركَ الظُّلم مع المَكَانَةِ والقُدْرَةِ عليه أَمْدَحُ مِن تركِهِ مع استحالَتِهِ والعجز عنهُ، كما أنَّ تَرْكَ الفَحْل الزِّنَا أَمدَحُ لهُ بالعَفَاف مِن الخَصيِّ والعِنِّين (٢)، وليس هذا موضِعَ الخوض فيه (٣). ومعنى: "وَجَعَلْتُهُ بَيْنكُمْ مُحَرَّمًا": حرَّمتُهُ عليكم ومَنَعْتكُمْ مِنهُ شَرْعًا. والظلمُ لغةً: وضعُ الشَّيءِ في غير مَوْضِعِهِ. وشرعًا: التَّصَرُّفُ في غير مُلكٍ أو في مُلكِ الغَيْر. [ويحتجُّ بها أهلُ القدر، ووجهُ الحجَّةِ أنَّهُ نَهَى عن الظلم، فلو كان خالِقًا له لكان ناهيًا عمَّا خلق، وهو باطل] (٤).

стр. 288

وجوابه: أن لله في خَلْقِهِ تَصْرِيفَيْن: باطنًا وظاهِرًا (١)؛ فالظَّاهِرُ يَنْهَى عنهُ، والباطن (٢) يَخْلُقُهُ حَقِيقةً (٣). و"لَا تَظَالمَوا": لا يَظْلِمُ بعضُكُم بَعضًا. والأصلُ: تَتَظَالموا، وحُذِفَت إحدَاهُما تخفيفًا كما سَلَفَ. ويجوز: "تظَّالموا" بالتَّشدِيد، وإدغام إِحْدَى التاءين فيها، ورُبَّما رُوِي كذلك. قال بعض العلماء في هذا الحديث: إِنَّهُ لا يَسُوغ لأَحَدٍ أن يَسأل الله ألَّا يحكُمَ لهُ على خَصْمِهِ إلَّا بالحَقِّ؛ لقوله: "إِني حَرَّمتُ الظُّلمَ على نَفْسِي" فهو تعالى لا يَظْلِمُ عبادَهُ؛ فكيف يظن ظَانٌّ أنه يظلِمُ عبادَهُ لغيرهِ؟! ولذلكَ قال: "فَلَا تَظَالموا".

стр. 289

قلتُ: وقد قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالحَقِّ﴾ [الأنبياء: ١١٢] "وَأَمْرُ الرَّبِّ تعالى لِرَسُولِهِ بذِلِكَ دليلُ الجَوَازِ، والإِجَابة والعِدَة بها". كما قال ابن عطية في "تفسيره" (١). وكذا قوله: ﴿وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ﴾ [المؤمنون: ١١٨] لا فَرْقَ بين قوله: ﴿احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ أو: "لا تحكم إلَّا بالحق" إلَّا أَنْ يَكُونَ المَعنى: عامِلْهُم بِعَدْلِكَ وفَضْلِكَ (٢)، فيكون دَعَاء عليهم. وقريبٌ مِن هذا مَا نُقِلَ عن بعض العُلَمَاء أنَّهُ قال في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] الآية: إِنَّ مِنَ الاعتِدَاءِ أَنْ تؤمِّنَ عندَ قراءَةِ هذه الثلاثة لا عندَ قولِهِ: ﴿وَاغْفِرْ لَنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] إلى آخر السورة، وهو خِلاف مَا جَاءَ في "صحيح مسلم" (٣)، فإن فيه: "قال: نعم" في الجميع. ويُروَى أَنَّ جبريل قال -لمَّا قَرَأَ ذلِكَ رَسُوله- قال: "نعم، قد فَعَلَ" في الجميع إلى آخر السورة (٤). رَجَعْنَا إلى مَا كُنَّا فيه؛ والمعنى: أَنَّهُ لابُدَّ مِن اقتِصَاصِي للمَظلُوم مِن الظالم، ومِصْدَاقُهُ قوله تعالى: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إلا مَنْ ظُلِمَ﴾ [النساء: ١٤٨] والمعنى -والله أعلم-: أنَّهُ نَدْبٌ أو إِبَاحَةٌ للمظلوم أنْ يجهَر بِذِكر قِصَّته باسم مَن ظَلَمَهُ؛ ليقَعَ بذلِكَ بينَ النَّاس فيكون مشاع ذلك عذرًا للقدر للإيقاع بالظلم، ليجمع في ذلك بينَ أَنْ يَعْرِفَ النَّاسُ أَنه الله سبحانه لم

стр. 290

يُوقِع بمَن ظَلَم إلَّا انتصارًا مِنهُ لِمَنْ كان ظَلَم، وليَعْلَم العِبَادُ أَنَّ مِن ورَاءِ الظَّالِمِينَ طَالبًا لا يُرَدُّ بأسُهُ، وهذا كذلك إلَّا أَنَّ ممن وراءِ هذا إِيضَاحًا آخر لَوْلاهُ لم يَكن يُمهَلُ ظالم في الأرض فُوَاقَ ناقةٍ، وتلكَ الحالة أنَّ الخلقَ كلِّهم عبيدٌ لهُ ومُلْكٌ؛ فإذا ظَلَمَ بعضهم بعضًا فالمظلوم لا يستحقُّ على الظالم إلَّا أن يُمَكِّنه سيِّدُهُ، إذْ مَن جَنَى على عبدٍ جِنَايَةً فالحاكم فيها سَيِّدُهُ، فالخلق كلهم لله يحكم أُرُوش (١) جِنَايَتهم حقوقه؛ فَلَهُ أَنْ يُمْهِلَ وأن يَقْتَصَّ. ثانيها: قوله: "كُلُّكُم ضَالٌّ إلَّا مَن هَديت" هذا كقولِهِ تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي﴾ [الأعراف: ١٧٨] وإيضَاحُهُ أنَّهُ -تعالى- خَلَقَ للنَّفْسِ قوَاها وطباعها (٢) ومَن أَرصَدَ لها مِن الأهواء والشياطين مائِلةٌ إلى الضَّلال، فمن أَرادَ ضَلاله أَرْسَلَهُ على سَجِيَّتهِ وتَخَلَّى عنه، ومَن أَرَادَ هِدَايَتَهُ عارَضَهُ بأَسبَاب الهُدَى فَصَدَّه عن (٣) الضَّلالِ فاهتَدَى، قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾ [يونس: ٢٥]. ومعنى "فاسْتَهدُوني": [سلوني] (٤) الهداية، واعتقِدُوا أَنَّهَا لا تكونُ إلَّا مِن فَضْلِي وبِأَمْرِي "أَهدِكُم".

стр. 291

ورواية ابن ماجه: "فَسَلُوني الهدى أَهدِكُم" (١). ويَتَجَدَّدُ الشُّكر كُلَّمَا ازدادَ هُدى، ولو هداهُ مِن قَبل أَنْ يسأله لهُ لَمَا قال: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: ٧٨]. وهذا الحديث حُجَّةٌ لأهل الحقِّ: أن الهدى والضلال خَلْقه [وفِعْلهُ يختصُّ بما شاء منهما مَن شاءَ مِنْ خَلْقِهِ، وأنَّ ذلِكَ] (٢) لا قُدْرَةَ لِغَيْرِهِ عليه، قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [المدثر: ٣١] وقال: ﴿وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٤٣]، وقال: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠]، وقال: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٥)﴾ [يونس: ٢٥] فَعَمَّ بالدَّعوَةِ، وخَصَّ بالهِدَايةِ مَن سَبَقَتْ لَهُ العِنَايَةُ. ثالِثُها: قوله: "كلُّكُمْ جَائِعٌ ... " إلى آخره، أي: النَّاسُ عَبِيدٌ، ومِنْ شأْنِ العبدِ عَدَمُ المُلْكِ، وخَزَائِنُ الرِّزقِ بِيَدِ المَوْلَى؛ فَمَنْ لَا يُطْعِمُهُ بِفَضْلِهِ بقِيَ جائعًا بعَدْلِهِ، إذْ ليسَ عليه إطعامُ عَبْدِهِ، وَأَمَّا قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦] فالتِزَامٌ بِفَضْلٍ، لَا أَنَّ علْفةَ الدَّابَّةِ (٣) حَقّ بالأَصَالَةِ، وَشِبْهُ هذا قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء: ١٧] الآية، أي: تَفَضُّلًا مِنهُ لَا إِلزَامًا، والإِطْعَامُ إمَّا: بِسَوْقِ الرِّزقِ، أَو تَسْهيل الآلةِ المُتَنَاوِلَةِ لَهُ. وفي بعض كُتُبِ الحِكمَةِ: أَنَّ عيسى -صلوات الله وسلامه عليه، وعلى

стр. 292

سائر الأنبياء-[قال] (١): "ابن آدم؛ أنتَ أسوَأُ بِرَبِّكَ ظَنًّا حين كُنتَ أكملَ عَقْلًا؛ لأنَّكَ تَرَكْتَ الحرصَ جَنِينًا محمُولًا، وَرَضِيعًا مَكْفُولًا، ثمَّ ادَّرَعْتَهُ (٢) عَاقِلًا قد أَصَبْتَ رُشْدَكَ، وبَلَغْتَ أَشُدَّكَ" (٣). ومعنى "فاستَطْعِمُوني أُطْعِمكُم": سَلُوني الطَّعَام "أُطْعِمكم" بتقْدِير أسبَابِه وتَيْسِير طِلابه: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٢]، ولا يَسْتَنْكِف جبارٌ ولا غَنِيٌّ أنْ يَسْتَطْعِمَنِي؛ فإن ذلك لجهله، لأَنَّ مَا في يَدِهِ ملكي. وفيه تَأْدِيبٌ للفُقَرَاء؛ أي: اطلُبُوا مِنِّي، فَأَنَا الذي أُطْعِمُهُم: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ [الذاريات: ٥٨] فالرَّبُّ ﷻ يُسَخِّرُ السَّحَابَ، ويَسْقِي البلاد، ويُحَرِّكُ القلوب للإعطَاء، ويُحْوِجُ بعضًا إلى بَعْضٍ للنَّفْعِ، وتصرُّفه في عالمه عجيبٌ يَعْجَزُ عنه الفَطِنُ اللَّبِيبُ. رابِعُها: قوله: "كلكم عارٍ إلَّا ... " إلى آخره، فيه أَنَّ الكُسَى (٤) مِنَ الرَّبَ ﷻ مُتَنَوِّعَةٌ؛ فقد يَكْسُو جسدًا عَريًّا ويكسو ستره الجميل؛ فمن كِسْوَتُهُ لِبَاسُ التَّقْوَى فَلَا قُدْرَةَ لأَحَدٍ على نَزْعِهِ. والحاصلُ مِن كُلِّ ذلك: التنبيهُ على فقرِ العبدِ، وعَجْزِهِ عن طَلَبِ المَنَافِعِ، وَدَفْعِ المضَارَ إلَّا بِتَيْسِيرهِ. خامِسُها: "تُخْطِئُونَ" بالهمز، وضَبَطَهُ بعضُ الفُضَلاء بفتح التاء والطاء،

стр. 293

على وزن "تَقْرَؤُونَ" مِن الإقراء، وقال: أخطأ يُخْطِئ رباعيٌّ إذا فعل عن غير قصد، وخَطِئ يَخطأ كعلم يعلم ثلاثيًّا: إذا فعل عن قصد (١)، ومنه: ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (١٦)﴾ [العلق: ١٦] قال: وإِنَّمَا وَجَبَ أنْ يكون هاهنا "تخطئون" ثلاثيًّا؛ لأنهُ جَعَلَهُ ذنبًا يُغْفَرُ، لقوله: "وأنا أغْفِرُ الذُّنُوبَ جميعًا"، والخَطَأُ عن غير قَصدٍ مَعْفُوٌّ عنه لا يُعْتَدُّ به أصلًا ذنبًا ولا غيره، لِدَفْعِ الخطأ والنسيان عن هذه الأمة (٢). وقال النووي ﵀ في "شرح مسلم": "الرواية المشهورة "تُخْطئون" بِضَمِّ التاء، ورُوِيَ بفتحها وفتح الطاء، يقال: خَطِئ إذا فَعَلَ مَا يأثَمُ به فهو خاطِئ، ومنه: ﴿إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ﴾ [يوسف: ٩٧] ويقال في الآية -أيضًا-: أخطأناك (٣)؛ فهما صحيحان" (٤). قُلتُ: وفي هذا الكلام الشريف من التوبيخ والتأنيب ما يستحيي منهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ، وذلك أنه إذا لَمَحَ العبدُ الفَطِنُ أَنَّ اللهَ خَلَقَ اللَّيلَ لِيُطَاع فيه سبحانه سِرًّا،

стр. 294

ويُعبَدَ بالإخلاص على خَلْوَةٍ منَ الناس حيث تَسْلَمُ الأعمال -غَالِبًا- عن الرِّيَاءِ والنِّفَاق ومُشاهَدَةِ الخَلْقِ، أَوَ لا يَسْتَحِيي المؤمنُ أنْ يُنْفِقَ الليل فيما خُلِقَ له مِنَ الطَّاعةِ حتى يُخْطئَ فيه ويعصي الله في مطاويه، والنهار لا يخطئ فيه جهارًا، يشهد له الخلق عند الحقِّ. وانظر إلى قوله: "جميعًا" مَا أحسَنَهُ لِئَلَّا يحصل القنوط، وهو مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣] وهو عَامٌّ خُصَّ مِنهُ الشِّرك وما شاءَ ألَّا يغفره؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]. وقوله: "بالليل والنهار" وهو مِن باب مُقَابَلَةِ الجَمع بالجمع؛ أي: تصدُرُ منكم الخَطِيئَات لَيلًا ونهارًا، من بعضكم ليلًا، ومن بعضكم نهارًا، إذ الغالب أَنَّ العبدَ لا يَسْتَغْرِقُ الزَّمَنَ كُلَّهُ في الخطايا. وقوله: "فاسْتَغْفِرُوني" أي: أطلبوا مِنِّي المغفرة "أغفِرْ لَكُم" وفي الحديث "لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللهُ بِكُمْ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ وَيَسْتَغْفِرُونَ فَيُغفَرُ لَهم" (١) وأصلُ الغَفْرِ: السَّتْرُ، وغَفَرْتُ المتاع: سَتَرْتُهُ، والمِغْفرة والمِغْفر لسترة الرأس، وغفر الذنب: سَتْرُهُ ومَحْو أثَرِهِ. سَادِسُها: قوله "يا عبادي! إِنَّكُم لَن تَبْلُغُوا ضَرِّي ... " إلى آخره؛ أي: لا يتعلق بي ضُرٌّ ولا نَفْعٌ فتضروني أو تنفعوني؛ ولأن العبد فقير مطلق، والرب ﷻ غني مطلق، والفقير المطلق لا يملك ضرًّا ولا نفعًا خُصُوصًا للغني المطلق، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥] وقام الإجماع على تنزيه الباري تعالى وتَقْدِيسه، وأَنَّهُ غَنِيٌّ بذاته، لا يَلْحقهُ ضُرٌّ

стр. 295

ولا نفعٌ، ولا يَحْتَاجُ إلى ذلك. وَظَاهِرُ الحديثِ: أنَّ لِضره ونفعه غاية، لكن لا يبلغها العباد، فلتؤول على ما دل عليه الإجماع. سابِعُها: قوله: "يا عبادي! لو أَنَّ أَوَّلَكُم وآخِرَكُم ... " إلى آخره؛ أي: تَقْوَاهُم لا يَزيدُ في مُلْكِهِ شيئًا، ولا فُجُورهم ينقصه؛ لأن مُلْكَهُ مُرْتَبطٌ بقدرته وإرادته، وهما دائمان لا انقطاع لهما، فكذا مَا ارتَبَطَ بهِمَا، وإنما غائِلَةُ الفُجُور على أهلهِ تَعُود؛ فالتَّقْوَى رحمةٌ لهم وسعادة، والفجور نِقمَةٌ وشقاوة. ثامِنُها: قوله "يا عبادي! ... " إلى آخره، فقوله: "في صَعِيدٍ وَاحِدٍ" أى: في أَرْضٍ واحِدَةٍ ومَقَامٍ وَاحِدٍ. وقوله: "مَا نَقَصَ ... " إلى آخره، سَبَبُهُ: أنَّ مُلْكَهَ بين الكاف والنون، إذا أرادَ شيئًا قال له: كن، فكان. وفي بعض الآثار: "عَطَائِي كَلامٌ، وَرِضَائِي كَلامٌ" (١) أو نحو ذلك، وقد سلف بعضه عن "سنن ابن ماجه" إشارة إلى "كُنْ" ولا يُسْتَنْكَرُ العَطَاءُ الكبير مع عَدَمِ النَّقْص؛ فالنار والعِلْمُ يُقْتبسُ مِنْهُما مَا شاء الله ولا يَنْقُصُ منهما شيء، بل يَزيدُ العِلمُ على الإِعْطَاء، وهذا مَثَل قُصِدَ بهِ التَّقْرِيبُ للأَفهَام بِمَا تُشَاهِدُهُ؛ فَإِنَّ مَاءَ البحر من أعظم المرئِيَّات وأكبَرها، وغَمْسُ الإبرة فيه لا يؤثر، فَضَرَبَ ذلك مَثَلًا لخزائِن رحْمَته وفَضْلِه؛ فإنها لَا تَنْحَصِر ولا تَتَنَاهَى، وأَنَّ مَا أُعْطِي مِنها مِن أَوَّلِ الخَلْق، ومَا يُعْطى منها إلى يوم القيامة لا ينقصُ منها شيئًا، وهذا نحو قوله في الحديث الآخر: "يَمِينُ اللهِ مَلأَى سَحَّاءُ اللَّيلَ والنَّهارَ، لَا يَغِيضُها

стр. 296

شَيءٌ، أرأَيْتُم مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السموَاتِ والأرض، لَمْ يَنْقص مَا في يَمِينِهِ" (١) وسِرُّ ذلك: صَلاحِيةُ القدرة للإيجاد دائمًا مِن غير عَجْزٍ وقُصُورٍ، والممكن لا يتناهى، فما يُؤخَذُ منها لا يُنْقِصُ شيئًا منها (٢). وقوله: "إلَّا كمَا ينقص المخيط من البحر" أي: لا ينقصُ شيئًا؛ لأَنَّ الإبرة لا يتعلق بها مِن الماءِ شيءٌ، وهذا بِظَاهِرِهِ مُخَالِفٌ لقول الخضر: "مَا نَقَصَ عِلْمِي وعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ الله إلَّا كمَا نَقَصَ هذا [العُصْفُورُ] (٣) " (٤) فإن نقر العصفور من البحر لا بد أن ينقصه شيئًا -وإن قَلَّ- بخلافِ الإبرَةِ؛ لكن ليس المراد أنَّ عِلْمَهُمَا نَقَصَ مِن عِلمِ الله قليلًا أو كثيرًا؛ إِنَما المُرادُ: تَقريبُ أَنَّهُ لم يَنْقُص مِن عِلْمِ اللهِ أَصْلًا. ويُحْكَى أنَّ رَجُلًا سأل ابن الجوزي ﵀: هل ينقص شُرب العصفور من البحر؟ فقال: "فَمَعَهُ شيءٌ يضَعُهُ فيه"؟! (٥). وهذا جوابٌ على جِهَةِ التَّحقِيق، وقول الخضر لموسى على جهة التَّقْرِيب، وإلَّا لَوْ فَرَضْنَا الوجود مملوءًا حَبًّا وأَخَذَ العُصْفُور منهُ واحِدَةً لَنَقَصَتْ بالضرورة؛ لكن ليس نقصًا مُحْتَفَلًا به (٦). ففيهِ تَنبِيهُ الخَلْق على الإقبالِ والمَسْأَلةِ؛ فَلَا يحتقر سائل ولا يقتصر:

стр. 297

﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل: ٩٦]. فائدة: "ينقص" تستعمل لازمًا نحو: نقص المال، ومتعديًا نحو: نقصتُ زيدًا حَقَّهُ. وينقص المِخْيطُ هنا مُتَعدٍّ؛ لأن محل البحر نُصِبَ به. و"المخيط": الإبْرَةُ ونحوها -بالكسر، ثم خَاءٌ مُعْجَمَة ساكِنة، ثم ياء مفتوحة- وهو مِن الآلات، فَلِذَا كُسِرَ أَوَّلُهُ. تاسِعُها: معنى "أحصيها لكم": بِعِلْمِي وملائِكَتِي الحَفَظَة، لأُوَفِّيكم جزاءَهَا وثوابَهَا، فَحُذِفَ المضاف فانقَلَبَ الضَّمِيرُ المخفوض مَنْصُوبًا مُنْفَصِلًا كالمفعول المحذوف. وفائِدَةُ الحَفَظَة مع العِلم: الشَّهَادة على العبد المسكين: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤)﴾ [الإسراء: ١٤]. مَلأتَ كتوبَ الكاتبين مَآثمًا ... فإن كُنْتَ تَنْسَاهَا فَرَبُّكَ يَعْلَمُ فَكَفَى بالكِرَام الكاتبين شهودًا، وبِرَبِّ العِباد حَسِيبًا. تَنْبِيهٌ: السِّرُّ في التصريح بالخير والتَّكنِيَةُ عن غيره بقوله: "ومَن وَجَدَ غَيْرَ ذلك" ولم يَقُل: "وَمَنْ وَجَدَ شَرًّا" مجانَبَةُ لَفْظِهِ، فإذا اجتنب لفظه فكيف الوقوع فيه؟ والخير كله مُفَاضَلَة، لأن قولك: زيد خير، أي: هو خير من خير كله. وأكد "لَيَلُومَنَّ" بالنون للتحذير أنْ يخطُرَ في قَلْبِ عاقِل أَنَّ [مستحق] (١) اللوم غير نفسه؛ لأن الله تعالى أوضحَ الطريق وأعذَرَ وحَذَّر وأنذر، ولَا حُجَّةَ

стр. 298

لأَحَدٍ بعد الرسل. ومن قِلَّةِ الإِنصَاف: إسنادُ التَّوفِيق إلى النفس، وإسناد غيره إلى القَدَر، والظلم من شِيَمِ النُّفُوسِ، والطاعاتُ علي العبدِ حمدُ الله عليها، وضِدّها عليه لَوْمُ نفسهِ وإن كانت مقدَّرة، لأنها من كسبه وتفريطه، والحديث دال علي انحصار فائدة الناس في المعاد، وكل ما يتفضل به الرب ﷻ فهو غير لازمٍ عليه؛ فُكُلُّ مَا خَلَقَ فهو مُحتَاجٌ إليه. خاتِمَةٌ: تَكَرَّرَ في الحديث "يا عبادي! " وهو مُتَناول للنساء لكن بقَرِينَةِ التَّكليف، وَأَمَّا الخِطَابُ المختَصّ بالذكور أو بالإناث؛ فَحَكْمُهُ لائِحٌ والصالح لهما يعمهما، واختُلِف في نحو: "المسلمين" و"المؤمنين"؛ هل يتناول النساء أم لا؟ والأشبه المنع وضعًا، بل بقَرينَةٍ أو عُرْفٍ. أُخْرَى: حاصل قوله: "كلُّكُم ضَالٌّ إلَّا مَن هَدَيْتُهُ"، "كُلُّكُمْ جَائِعٌ"، "كُلُّكُم عَارِ" التَّنبِيهُ على فَقْرِ العَبْدِ وعجزِهِ عن جَلْبٍ ودَفْعٍ إلَّا بيدِهِ، وهو تنبيهٌ علي معنى قوله: "ولَا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إلَّا بالله العَلِيِّ العَظِيم". وقد قال في آخره: "يا عبادي! إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُم ... " إلى آخره، فَنَبَّهَ على أنَّ عَدَمَ إيجادِ الأعمال لا يُنَاقِضُ خِطَابَ التَّكليف إقدامًا عليها وإحجامًا عنها. فنحنُ وإِنْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّا لا نسبِقُكَ بحسن بوجدان الفرق بين الحركة الضرورية والاختيارية، وتلك التَّفْرِقة راجِعَةٌ إلى تمكن محسوس وتَأَدُّب مُعتَاد يوجَدُ مع الاختيارية ويُفْقَدُ مع الضَّرُورية، وذلك هو المُعَبَّرُ عنه بالكَسْبِ، وهو

стр. 299

مَوْرِدُ التَّكلِيف فلا تناقض ولا تعنيف (١). * * *

стр. 300

الحديثُ الخَامِسُ والعِشْرونَ عن أبي ذر ﵁: أَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ قالوا للنَّبِيِّ ﷺ : يا رَسُولَ اللهِ! ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بالأُجُورِ، يُصلُّونَ كَمَا نُصَلِّى وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَيَتَصَدَّقُونَ بِفُضُولِ أَمْوَالِهِمْ. قال: "أَوَلَيْسَ قَدْ جَعَلَ اللهُ لَكُمْ مَا تَصَّدَّقُونَ؟ إِنَّ بِكُلِّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَهلِيلَةٍ صَدَقَةً، [وَأَمْرٌ] (١) بِالمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهيٌ عَنْ المُنْكَرِ صَدَقَة، وفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ". قالوا: يا رسول الله! أَيَأْتي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فيها أَجْرٌ؟! قال: "أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَها في حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ وِزْرٌ، فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَها في الحَلَالِ كانَ لَهُ أَجْرٌ". رواه مسلم (٢). * * * الكلامُ عليه مِنْ وُجُوهٍ -ورَاوِيهِ سَلَفَ-: أحَدها: "الأَصْحَابُ" جمعُ صَاحِبٍ، وهو من الصِّفات التي استُعْمِلَت

стр. 301

استعمال الأسماء، والأكثر في جمعه: صحبان وصِحاب، وقالوا: أصحابه، وهو اسم للجمع لا جمع. والصحابيُّ: كُلُّ مُسْلِمٍ رآه -عليه أفضل الصَّلاة والسلام- وَلَوْ سَاعَةً، هذا هو الأصح (١). و"النبي": مَأْخُوذٌ مِن النَّبَأ الَّذي هو الخَبَر، لأَنَّهُ مُخْبِرٌ عن الله، أوْ مِنَ النَّبْوَة وهو الارتفاع؛ لِرِفْعَة مِقْدَارهم، والأوَّلُ بهمزة، ومَن لم يهمزه احتمل أن تكون من النبوة أو من النبأ علي التسهيل، وهي: اختِصاصُ العبدِ بالخطاب، واطِّلاعُه على الوَحْي، فإن زاد التَّبليغ فَرَسُولٌ، وإلَّا فَنَبِيٌّ فقط (٢). و"الدُّثُور" -بضم الدال-: جمعُ دَثر -بفتحِها، ثُمَّ ثَاءٌ مُثَلثة-: المالُ الكثيرُ. و"تَصَّدَّقُونَ": بتشديد الصاد والدال، ويجوز لغة تخفيف الصاد. و"صدقة" بالرفع على الاستئناف، وبالنصب على أنَّ بِكُلِّ تَسبِيحَةٍ صدقة. و"البُضْع" -بِضَمِّ الباء وإسكان الضَّاد المعجمة-: كِنَايَةٌ عن الجِماع إِذَا نَوَى بهِ العِبادة، وهو قَضَاءُ حَقِّ الزوجةِ، وطَلَبُ وَلَدٍ صَالِحٍ، وإِعْفَافُ النَّفسِ، وكَفُّها عن المحارم، وأصله: الآلَةُ ذَكَرًا كان أو فَرْجًا، ويصح إرادتهما هنا. و"الوِزْرُ": الإثم. وقوله: "كانَ لَهُ أَجْرٌ": هو مرفوعٌ، ويجوزُ نَصبُهُ، وقد رُوِيَ بهما. وقولهم: "أَيَأْتي أَحَدُنا ... " إلى آخره: استِفْهَامُ مَن استَبْعَدَ حُصُولَ أَجْرٍ بفِعلٍ مُسْتَلَذّ؛ فإنه إنما يَقَعُ الأَجرُ في العِبادات المشقَّة على النُّفُوس المُخَالِفَةِ لها.

стр. 302

ثانيها: يحتمل كما قال القاضي: "تسميتها: صدقة" أنَّ لها أَجْرًا [كَمَا للصَّدَقَةِ أَجْرٌ] (١) وأنَّ هذهِ الطَّاعَاتِ تُمَاثِلُ الصَّدَقَاتِ في الأجور، وسمَّاها صدقة على طريق المقابلة وتجنيس الكلام" (٢). وقيل معناه: أنها صدقة علي نفسه، والأول أَظْهَر؛ فأَجْرُ التَّسبِيح وَمَا بعده كأجر الصيام وأجر الصلاة في الجنس؛ لأن الجميع صادِر عن مَرضَى الرَّبِّ تعالى مُكافأة على طاعته، أَمَّا في القَدْرِ والصِّفة فَتَتَفَاوَت بِتَفاوت الأعمال في مَقَادِيرها؛ فليس ثواب ركعتين، أو صوم يوم كثواب أربع ركعات، وصوم يومين، وليس ثوابُ عِتق رَقَبَةٍ نَفِيسَةٍ كَدُونِها. فالمعنى: "بِكُلِّ تَسبيحَةٍ صَدَقَةً" ومَا بعده، أي: حسنةً كحسنةِ صدقة في الجنس؛ لأَنَّ الأعمال مُقَدَّرَةٌ بالحسنات بدليل: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] والحسنة صِفَةٌ (٣) في الأصل تستعمل في العمل وجزائه يُقال: عَمِلَ فُلانٌ حَسَنَةً، فَجَزَاؤُهُ حسنة، أي: عَمِلَ خَصلَةً فَجزاؤه خصلة حسنة ثانية من الله. والمراد لسببها؛ كقوله ﵊: "في النَّفْسِ المُؤْمنَةِ: مِائَةٌ منَ الإِبِلِ" (٤) أي: بسبب قَتْلِها وجوب مائة.

стр. 303

وقيل: هي ظرف مجازًا، كَأَنَّ النفسَ لَمَّا ضُمِنت بمائة من الإبل صارت كالظرف لها (١). و"التَّسْبِيحَةُ" هي قول: "سبحان الله". و"التَّكْبِيرَةُ" قول: "الله أكبر". كـ"السَّبْحَلَة" ونحوها من المصادر. ثالثها: قوله: "وأمرٌ بالمعروفِ صَدَقَةٌ، ونَهيٌ عن مُنْكَرٍ صَدَقَةٌ" أشار به إلى ثبوت الصدقة في كل فَرْدٍ مِنهُمَا، ولهذا نَكَّرَهُ وساغ الابتداء بها؛ لكونها عاملة، ولا شكَّ أَنَّ التَّنكِير أبلغ بخِلاف مَا إذا عَرَّفَهُ لرجوعه إلى الجنس، وعرَّف "المعروف" لأصالته وبيانه وهما فرضَا كفاية؛ فنفعُهُما متَعَدٍّ أكثر من التسبيح والتحميد والتهليل، وَفَضَّلَها الجويني -إِمامُ الحرمين - (٢) على فرض العين من حيث سقوط الحرج عن الأمة أجمع (٣). وحقيقةُ الصَّدَقة موجودةٌ فيه، لكونه ينفع باقي الناس بالأَدَاءِ عنهم، وأجر الفرض أكثر من أجر النفل بسبعين درجة، واستؤنس له بحديث -وصح-: "لَنْ يَتَقَرَّبَ إِلَيَّ المُتَقَرِّبُونَ بأَفْضَلَ مِمَّا افتَرَضتُ عَلَيْهِمْ ... " (٤).

стр. 304

رابعها: قوله: "وفي بُضْع أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ" يعني: إذا نَوَى به العبادة، وهو قضاء حق الزوجة، وولد صالح، وعَفَافُ النفس وكفها عن المحارم -كما سلف- وقد قالت أم مريم: ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ [آل عمران: ٣٥] أي: وَقْفًا على خِدْمَتِكَ. وظاهِرُ الحديث يقتَضِي أنَّهُ نفسه صدقة من غير نية، ولهذا أشار بقياس العكس بعدُ بقوله: "أرأيت لو وضعها في حرام ... " إلى آخره، وإذا ثَبَتَ ذلك فهو يُشير إلى شبيهٍ بما قاله الكعبي (١) مِن أنَّ المباح مأمورٌ بهِ. وقياسُ العَكْسِ: إثباتُ ضِدّ الحُكْمِ في ضدَّ الأصل، كإثبات الوِزْر الَّذي هو ضدّ الصَّدَقة في الزِّنا الَّذي هو ضِدُّ الوَطء المباح، ومثله حديث: "مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ باللهِ شَيْئًا دَخَلَ الجَنَّةَ". قال ابن مَسْعُود: "وأنا أقولُ: مَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا دَخَلَ النَّارَ" (٢). والأصح أنَّه يُعمَلُ به. والقِيَاسُ الطَّردِي -: وهو إثبات مثل حكم الأصل في الفرع - على أَضْرُبٍ: قياسُ عِلَّة، كالنبيذ مسكر فحَرُمَ كالخمر. ودِلَالة: الَّذي يَصِحُّ طَلَاقه، فيصِحُّ ظِهَارُهُ كالمسلم. وشَبَهٍ (٣): كالعبد يباع ويوهبُ فلا يَمْلِك كالبهيمة، وكان الفاروق يتزوج

стр. 305

لقصد الولد للمكاثرة أو ليموت؛ فيكون الولد له أجر (١). خامِسُهَا: فيه أنَّ المباحَ يَصِيرُ طاعة بالقصد وصحة القياس، ولا عبرة بمخالفة الظاهرية فيه وحيث ورَدَ ذَمُّه حُمِلَ على القياس الباطن؛ وفيه -أيضًا- فضيلَةُ التَّسبيح وسائر الأذكار؛ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ وذِكرُ العالِم دليلًا لبعض المسائل التي قد تَخْفَى؛ وتنبيه المفتي على مختصر الأدلة؛ وجواز سؤال المُسْتَفْتِي عن بعض ما يَخْفَى مِن الدَّليل إذا عَلِمَ مِن حالِ المسؤُول أنَّهُ لا يكرَهُ ذلك ولم يكن فيه سُوءُ أَدَبٍ (٢). خاتمة: الحديث دالٌّ على أنَّ تحسينَ النِّيَّات في أعمال الخير يَتَنَزَّلُ مَنْزِلةَ الصدقات والأجور، ولا سيما في حق من لا يقدر على الصدقة، ويُفهَمُ مِنهُ أنَّ الصدقةَ في حَقِّ القادر عليها أفضل من سائر الأعمال القاصرة على فاعِلِها، وسؤالهم سؤالُ مُنَافَسَةٍ لا حسد، فلمَّا سَمِعَ الأغنياءُ ذلك فعلُوا مثله فقال الشارع: "ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتيهِ مَنْ يَشَاءُ" والفقراء نالُوا الرُّتبَةَ بحَسْرَةِ الفوت ألا يجدوا ما ينفقون، فقامت مقام النفقة، فَنِيَّةُ المؤمِن أبلغُ مِن عمله، وأين فوت الأرواح من فوت الأشباح؟ * * *

стр. 306

الحديثُ السَّادِسُ والعِشْرُونَ عن أبي هُرَيرَةَ ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "كُلُّ سُلَامَى مِنَ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ، كُلَّ يَوْمٍ تَطْلعٌ فيهِ الشَّمْسُ تَعْدِلُ بَيْنَ اثنَيْنِ صَدَقَةٌ، وتُعِينُ الرَّجُلَ في دَابَّتِهِ [فَتَحْمِلُهُ] (١) عَليْها أَوْ تَرْفَعُ لَهُ عَلَيْها مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ، والكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ، وَبِكُلِّ خُطْوَةٍ تَمْشِيها إلى الصَّلَاةِ صَدَقَةٌ، وَتُمِيطُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ". رواه البخاري ومسلم (٢). * * * الكلام عليه من وجوه: وهو حديث عظيم يرجع إلى قوله تعالى: ﴿اعْبُدُوا اللهَ﴾ [المائدة:٧٢]، ﴿وَتَعَاوَنُوْا عَلَى الْبِرِ وَالْتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢]، وإلى قوله ﵊: "المُؤْمنُ للمُؤْمنِ كالبُنْيَان يَشُدُّ [بَعْضُهُ] (٣) بَعْضًا" (٤)، و"المُؤْمنُ كَثِيرٌ

стр. 307

بأَخِيهِ" (١)، و"المُؤْمنُ مِرآةُ المُؤمنِ" (٢) أي: يَرَى مِن نفسه ما لا يراه كالمرآة، وهو ضَرْبٌ مِن الإعانَةِ. وإلى قوله: "انصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا" (٣) أي: الظَّالم بالكَفِّ عن ظلمه، والمظلوم بنصره، و"مَثَلُ المؤْمِنِينَ في تَوَادِّهم وَتَرَاحُمِهِمْ كمَثَلِ الجَسَدِ الوَاحِدِ" (٤) ونحو ذلك. أحدها: "السُّلَامَى" -بضَمِّ السِّين المُهْمَلَةِ وتخفيف اللَّام-: المَفْصِل، وجمعها: سُلَامَيات -بفتح الميم وتخفيف الياء- وهي ثلاثمائةٍ وسِتُّونَ مَفْصِلًا، ثبتَ ذلك في "صحيح مسلم" (٥). وأصلُهَا: عِظَامُ الكَفِّ والأصابع والأرجل، ثم استعْمِلَ في سائِرِ عِظَام الجَسَدِ ومَفَاصِلِهِ؛ فالمرادُ: على كلِّ عُضْوٍ ومَفْصِلٍ صَدَقَةٌ. وفي المراد به احتمالان:

стр. 308

أحدهما: أنَّ الصدقةَ كما ورَدَ أنها تدفَعُ البلاء؛ فإذا تصدَّقَ عن أعضائِهِ -كما ذكر- كان جديرًا لِدَفعِ البَلَاءِ عنها. ثانيهما: أنَّ للهِ على الإنسان في كُل عضو ومفصل نعمة، والنعمة تَستَدعِي الشكر، ثم إنَّ الرب ﷻ وهبَ ذلك الشُّكرَ لعباده صدَقَةً عليهم كأنه قال: اجعل شكر نِعَمِي في أعضائك؛ أي: تعين بها عبادي، وتَتَصَدَّقُ عليهم بإعانتهم (١). قال سهل بن عبد الله التُّسْتَرِي ﵀: "في الإنسان ثلاثمائة وستون عِرْقًا: مائة وثمانون ساكنة، ومائة وثمانون متحركة، فلو تحرك ساكن لم يتم، ولو سكن متحرك لم يتم" (٢). ثانيها: قوله: "كُلَّ يومٍ تَطْلعٌ فيه الشَّمسُ" وَجْهُهُ: أنَّ دَوَامَ نِعمَة الأعضاء نعمة أُخرَى، ولَمَّا كان الرب تعالى قادِرًا على سَلْبِها في كُلِّ وقتٍ وأَوَانٍ -وهو في ذلكَ عادِلٌ في حُكْمِهِ لا اعتِرَاضَ عليه فيه- فَعَفْوُه عن ذلك وإدَامَةُ النِّعمة عليه صدقة توجب الشكر والرعاية دائمًا مَا دَامَت النِّعمة. ثالِثُهَا: الصَّدَقةُ ضَرْبان: عن أموالٍ: كالزكاة وصدقة التطوع. وصدقة الأفعال كالمذكورة في الحديث، ويجمعها عبادة الله كالمشي إلى الصلاة، ونفع الناس؛ فمنهُ العدل بين الاثنين تَحَاكَمَا أو تَخَاصَمَا، سواءٌ كانَ حاكِمًا أو مُصلِحًا إِذَا نَوَى دَفعَ المُنَافَرَةِ بينهما فـ ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠]، ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ [النساء: ١٣٥] ونحوه من الأمر بذلك (٣)؛ فَفِيهِ فَضلُ الصُّلْحِ، قال الله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ

стр. 309

نَجْوَاهُمْ إلا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: ١١٤]. وقد أجاز الشارع الكذب فيه؛ لجلب الأُلفَةِ ودَفْعِ التَّقَاطُعِ، وكذا في إرهاب الكفار، وعِدَةِ الرَّجُل زوجته كما ورَدَ في الحديث. ومنه: إِعانَةُ الرَّجُلِ بحَمْلِهِ أو حَمْلِ مَتاعِهِ على دابَّتهِ. ومنه: الكلمة الطيبة، نحو: سلام عليكم، حياك الله، وإنك لمحسن، وأنت رجل مبارك، ولقد أحسنتَ جِوَارَنَا ونحو ذلك؛ لأَنَّهُ مِمَّا يَسُرُّ السَامِعَ، ويجمع القلوب ويؤَلِّفُها، ويُحتَمَل أن يُرَاد بها كلمة ذكْرٍ مِن تسبيحٍ أو نحوه. ومنه: الخَطوة -وهي بفتح الخاء- إلى المسجد، وقد وردت فيه أخبار -أعني في الحديث- على ذلك. ومنهُ: "إِمَاطَةُ الأَذَى عن الطريق" أي: إزالته، كالشَوكِ المُؤْذِي، والحَجَر الَّذي يُعْثَرُ به، والحيوان المَخُوف مِنهُ، ودَعْم الجِدَار [المائل] (١) ونحوه؛ لأنه نَفعٌ عَامٌّ. وفي "الصحيح": "الإيمَانُ بِضْعٌ وسَبْعُونَ شُعْبَة، أعلَاها: لا إلهَ إلَّا اللهُ، وأدنَاها: إِمَاطَةُ الأَذَى عن الطَّرِيقِ" (٢)، وفي "الصحيح": " ... فَنَحَّاهُ، فَشَكَرَ اللهُ لَهُ؛ فَغَفَرَ لَهُ" (٣). ويحتمل أن يكون أرادَ بالأذى: أذى المظالم ونحوها. و"الطَّريق": طريق الله، وهو شرعه وحدوده ورسومه، وذلك أعظم أجرًا

стр. 310

مِن إزالةِ الأَذَى الحِسِّي بما لا يقارب. فائدة: "تميط" -بِضَمِّ أوله-، والأصل فيه أن يميط كما في "يعدل"، أي: أن تعدل، يُقَال: مَاطَ الشَّيءَ وأَمَاطَه إِذا تَنَحَّى عنهُ، وكذلك مِطْتُ غَيْري وَأَمَطْتُهُ. قال الأصمَعِيُّ ﵀: "مِطْتُ أنا، وأمَطتُ غيري" (١). ومِنهُ: الحديثُ. و"الأَذَى": مَا يُؤذِي النَّاسَ في طُرُقَاتِهم مِمَّا قَدَّمْنَاهُ. أُخْرَى: استحب بعض العلماء أن يأتي بكلمة التوحيد إذْ ذَاكَ؛ لِيَجْمَعَ بينَ أَعلَى الإيمان وأدنَاه (٢). رابعُها: الحديث لم يحصر أفعال الصدقة فيما ذكره، وإنما ذَكَرَ مِنهَا أَمْثِلَةً، وجِمَاعُهَا ما أسلَفْنَاهُ مِن عبادة الله، أو نفعِ النَّاس، حتَّى: "إِنَّ رَجُلًا رَأَى فَرْخًا وَقَدْ وَقَعَ مِن عُشِّهِ فَرَدَّهُ إِليهِ؛ فَغَفَرَ اللهُ لَهُ" (٣)، وآخر "رَأَى كَلْبًا يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ العَطَشِ فَسَقَاهُ؛ فَغُفِرَ لَهُ" (٤)، و"مُومِسَةٌ رَأَتْ كَلْبًا يَلْهَثُ عَطَشًا فَأَخْرَجَتْ مُوقَهَا فَأَخْرَجَتْ لَهُ ماءً؛ فَغُفِرَ لهَا" (٥). وعَكس ذلك المرأة التي "دَخَلَتِ النَّارَ في هِرَّةٍ لَا هِيَ أَطْعَمَتْها وَلَا أَرْسَلَتْها

стр. 311

تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ" (١)، وصح: "في كُلِّ كَبدٍ حَرَّى أَجْرٌ" (٢). والرب - تعالى -: "كَتَبَ الإحسَانَ على كُلِّ شَيءٍ" كما سَلَفَ (٣)، و"الخَلْقُ عِيالُ الله، وأَحَبُّ الخَلقِ إليه: أَشْفَقُهم على عِيالِهِ" (٤)، وإذا تَصَدَّقَ كُلُّ أَحَدٍ عن أعضَائِهِ بِنَفْعِ خَلْقِ الله حَصلَ مِن ذلِكَ مقصوده، والحديث السالف: "لا يُؤْمنُ أَحَدُكم حتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ" (٥). * * * تتمات: قال العلماء: المراد بالصدقة: الصدقة المندوبة لا الواجبة، والمراد بالعدل بين اثنين: الإصلاح بينهما بالعدل. وفي "الصحيح" (٦): "وَيُجْزِئُ مِن ذَلِكَ رَكْعَتَان يَرْكعهمَا مِنَ الضُّحَى".

стр. 312

أي: عن هذه الصدقات كلها، وإنما كان كذلك؛ لأَنَّ الصَّلاةَ عَمَلٌ بجَمِيع أعضَاءِ الجَسَدِ؛ فإذا صَلَّى فَقَدْ قامَ كُلُّ عُضو بوظيفَتِهِ التي عليه في الأصل الَّذي ذكره في الحديث قيامًا ورُكُوعًا وسُجُودًا. قال صاحب "الإفصاح" (١): "وفيه أَنَّ الإنسانَ قد أعطاهُ الله خلقه، قال الله تعالى: ﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠] وفي معنى الآية وجهان: أعطى خلقه كل شيء، أو أعطى كل شيء خلقه؛ أي: وهبَ للآدَمِي خلقه؛ فجملةُ عِظَام الآدَمِي هِبَةٌ مِن الله له. وتفضِيل ذلك أن كل سُلَامى هبة من الله للآدمي. قال أبو عبيد ﵀: "معنى الحديث: أَنَّ كُلَّ عَظْمٍ مِن عظام ابن آدم [صدقة] " (٢). فَإِذَا (٣) نَظَرَ الآدَمِيُّ في خلق نفسه، ورَأَى أنَّه [لو] (٤) قد أعوَزَهُ عظم واحد لاختلَّت عليه حياته كما لو زاد، وَرَأَى أنَّ ذلك كُلّه لم يكن له فيه صُنع، ورأَى أنَّ عِظَامَ الآدمي مَا بينَ طِوال وقِصار، ودِقَاقٍ وغِلَاظٍ، فَلَو قَصُرَ الطَّويلُ مِنهَا، أو طال القصير، أو دقَّ (٥) الغَلِيظُ، أو غلظ الدقيق لاختل بذلك نفعه. فإذا أصبحَ المؤمِنُ قد أُعطِي لِينَ الحركة لما اتفق فيه من تَركِيبِ العِظَام

стр. 313

جعلها الله جسمًا صلبًا لا يضعف فيهِ أُنبُوبُ سَاقِهِ عن حَمْلِ بَدَنِ نَفْسِهِ، وعن حملٍ يَحْمِلُهُ بَدَنُهُ أيضًا، ولا عظم زنده عن إقلال حملِ مَا يَرْفعه بيده، ولا عظام أضلاعه عن وقاية حشاه، ولا عظم يافوخه (١) عن [صيانة] (٢) دماغه، تَعَيَّن شُكرُ فاعل هذا به شُكرًا متحتمًا، فَنبَّهَ الشَّرعُ على أنْ يُقَابِل النعمة بما ذكَرَهُ، إلَّا أنَّه لَطَفَ به في تَسْمِية ذلك: صدقَةً مُخْرجًا لها مَخْرج ما يُثَاب عليه ويُؤْجَرُ فيه، ثم احتَسَبَ له بما ذكر، ثم لطفَ به حتَّى جَمَعَ ذلك كُلّه بأن يُصَلِّي ركعتين مِن الضُّحَى" (٣). كما سَلَفَ، والله أعلم. * * *

стр. 314

الحديثُ السَّابعُ والعِشْرُونَ وهو في الحقيقةِ حَدِيثَان، لكنهما تَوَارَدَا على مَحَلٍّ واحِدٍ: عن النَّوَّاسِ بنِ سَمْعَانَ ﵁ عن النَّبِيِّ ﷺ قال: "البِرُّ: حُسْنُ الخُلُقِ، والإِثْمُ: مَا حَاكَ في نَفْسِكَ، وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عليهِ النَّاسُ". رواه مسلم (١). وعن وَابِصَةَ بنِ مَعْبَدٍ ﵁ قال: "آليْتُ رَسُولَ الله ﷺ فقالَ: "جِئْتَ تَسْأل عنِ البِرِّ"؟ قُلتُ: نَعَمْ، قال: "اسْتَفْتِ قَلْبَكَ؛ البِرُّ: مًا اطْمَأَنَّتْ إِليهِ النَّفْسُ، واطْمَأَنَّ إِلَيْهِ القَلْبُ، والإِثمُ: مَا حَاكَ في نفْسِكَ (٢) وَتَرَدَّدَ في الصَّدْرِ، وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوْكَ". حديثٌ صَحِيحٌ (٣)، رُوِّينَاهُ في مُسْنَدَيْ الإِمَامَيْن: أحمدَ بنِ حَنْبَلٍ، والدَّارِميِّ بإِسْنَادٍ جَيِّدٍ (٤). * * *

стр. 315

الكلام عليهما من وجوه: أولها: "النَّوَّاس" -بفتح النون وتشديد الواو- بن سمعان -بكسر السين وفتحِها- الكلابي (١)، له صحبة ورواية، ولأبيه وفادة، تزوج ﵊ أخته، وهي المُتَعَوِّذَة (٢)، ويقال: إنه أنصاري (٣)؛ فلعله بالحلف (٤). قال عن نفسه: "أَقَمْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بالمدِينَةِ سَنَةً، مَا يَمْنَعُنِي مِنَ الهِجْرَةِ إلا المَسْأَلَةُ" (٥). أي: التي كان يسأل رسول الله ﷺ عنها، لأن المهاجرين نُهُوا عن ذلك بخِلَافِ الغَريبِ القَادِمِ، وهو دالٌّ على أنَّ الهِجرَةَ مَا كانت واجبة على من أسلم من أهل مكة (٦).

стр. 316

ووابصة -بصاد مهملة قبلها ياء موحَّدة- بن معبد أبو سالم الأَسَدِي، وَفَدَ سنةَ تسعٍ [في] (١) عشرةٍ مع قومِهِ. روى عن رسول الله ﷺ ، وعن خُرَيم بن فاتك الأسدي وغيرهما. وعنه: حنش بن المعتمر، وجمعٌ. وكان قارئًا بَكَّاءً، وقبره بالرَّقةِ (٢). وأحمد بن حنبل: هو الإمام العلامة أحد الأئمة المتبوعة، أبو عبد الله، روى عن إبراهيم بن سعد، وهشيم، وأُمَمٌ، وعنه (خ، م، د) والباقون بواسطة، وابْنَاه (٣)، وأممٌ؛ آخِرُهم: البغوي. مات في ربيع الأول، سنةَ إِحْدَى وأربعين ومائتين عن سبع وسبعين سنة. ترجَمتُهُ في مُجلَّدٍ، و"مُسْنَده" فيه أربعون ألف حديث، وقيل: ثلاثون، تكرر منها عشرة! (٤).

стр. 317

جَمَعَهُ مِن سبعمائة وخمسين ألف حديث، وقال: "جعَلتُهُ حُجَّةً بينِي وبَينَ الله". قال: "فَكُلُّ حَدِيثٍ لا تَجِدُونَهُ فيه فَلَيْسَ [بحُجَّةٍ] (١) " (٢). قلتُ: وقد أَخَلَّ بأحاديث منها حديث أم زرع الثابت في "الصحيح" (٣)، وخرّج ابن الجوزي ﵀ في "موضوعاته" مِن "مسنده" سبعة أحاديث،

стр. 318

وأهمل كثيرًا!! (١)، وأكثر منه في "عِلَله"، نعم؛ جازَفَ في "موضوعاته" احتياطًا لتهذِيب السُّنة، وقد أنكرَ ذلك عليه الحُفَّاظ، وبعضها صحيح وبعضها حسن (٢). ثم اعلم أَنَّ الإمامَ أحمد ﵀ لم يلتزم الصِّحَّةَ في "مسنده"، وإِنَّمَا أخرجَ مَا لَمْ يُجْمِع الناس على تَرْكِهِ، و"مسنده" مع "مسند" إسحاق (٣) و"المسند" لابن أبي شيبة و"مصنفه"، مُتَقَاربة في الكثرة والشُّهرة، و"مسند البزار"، وأبي يعلى متقاربان في التَّوَسّط، و"مسند" الحميدي، والدارمي متقاربان في الاختصار. وأَمَّا الدَّارِميُّ؛ فمسنده لطيف وغالِبُهُ الصِّحة، وهو أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي التميمي السمرقندي الحافظ، عالمها، من دارم بن مالك بن

стр. 319

حنظلة بن زيد مناة بن تميم. روى عن: يزيد بن هارون، والنَّضْر بن شُمَيْل، وخلائق. وعنه: م، د، ت، وأبو زرعة، وخلق. قال أبو حاتم: "هو إِمامُ أهل زَمَانِهِ" (١). وُلِدَ سنة إحدى وثمانين ومائة، ومات سنة خمس وخمسين ومائتين، صَنَّفَ "المسند"، و"التفسير"، و"الجامع" ولمَّا بلغ البخاريَّ نعيُه بكى، وأنشأ: إِنْ تبقَ تُفْجَعْ بالأَحِبَّةِ كُلِّهِمْ ... وَفَنَاءُ نَفْسِكَ لَا أبَا لَكَ أفجعُ قال إسحاق بن أحمد: "ومَا سَمِعْنَاهُ يُنْشِدُ شِعرًا إلَّا مَا يَجِيءُ في الحديث" (٢). قال الترمذي: "سمعتُ محمد بن إسماعيل يُحَدِّثُ بحديثِ "مَنْ شَيعَّ جنازة" عن عبد الله بن عبد الرحمن" (٣). وفي "كامل ابن عدي" عن النسائي، عن الدارمي (٥٤). الثاني: "البر" ضد الفجور، و"المبرة" مثله، تقول: بررت والدي -بالكسر- أبره برًّا؛ فأنا برٌّ به وبارٌّ، وجمع البَرِّ: الأَبرارُ، وجمع البار: البررة، ومعنى "سألته عن البر والإثم": عما يبر فاعله ويلحق بالأبرار وهم المطيعون، وعما يأثم فاعله فيلحق بضدهم، فأجابه الشارع بجواب جملي؛ فأغناه عن التفصيل فقال له: "البر: حسن الخلق" أي: أَنَّهُ أعظَمُ خِصال البر كـ "الحَجُّ عَرَفَةُ".

стр. 320

ويعني بحسن الخلق: الإنصافُ في المعاملة، والرِّفق في المجادلة (١)، والعدل في الأحكام، والبذل والإحسان (٢). وإِنْ شِئتَ قُلتَ: هو بذْلُ النَّدَى، وكَفُّ الأَذَى، وأَنْ يُحِبَّ للناس ما يُحِبُّ لنفْسِهِ. أو: طَلَاقةُ الوَجهِ، وكَفُّ الأَذَى، وبذلُ المَعْرُوفِ (٣). والبِرُّ تارةً يُقَابَلُ بالفجور والإثم، فيكون عبارة عَمَّا اقتضاه الشَّرْع وُجُوبًا ونَدْبًا، كَمَا أنَّ الإِثمَ عِبَارَةٌ عَمَّا نهى عنه حُرْمَةً وكَرَاهة، وْيُقَابَلُ تارةً بالعقوق، فيكونُ عِبارة عن الإحسان، كما أن العقوق عبارة عن الإساءة (٤). وكأَنَّ المراد بقوله: "البِرُّ: حُسْنُ الخُلُق" مُعْظَمه -كما سلف-، كـ "الحَجُّ: عَرَفَةُ"، و"الدِّينُ: النَّصِيحة"، وهوَ مِن أَوْجَزِ لفظه وأبلغه: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]. وكَأَنَّ المراد هنا بالخُلُق: التَّخَلُّق. الثالث: "الإثم": الذَّنب، يقال: أثم إثمًا ومَأْثَمًا: إذا وَقَعَ فيه، فهوَ آثِمٌ وأَثِيمٌ ومأْثُومٌ.
следующие страницы →