← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17745

المعين على تفهم الأربعين ت دغش

ابن الملقن

Полный текст (473 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

ووابصة -بصاد مهملة قبلها ياء موحَّدة- بن معبد أبو سالم الأَسَدِي، وَفَدَ سنةَ تسعٍ [في] (١) عشرةٍ مع قومِهِ. روى عن رسول الله ﷺ ، وعن خُرَيم بن فاتك الأسدي وغيرهما. وعنه: حنش بن المعتمر، وجمعٌ. وكان قارئًا بَكَّاءً، وقبره بالرَّقةِ (٢). وأحمد بن حنبل: هو الإمام العلامة أحد الأئمة المتبوعة، أبو عبد الله، روى عن إبراهيم بن سعد، وهشيم، وأُمَمٌ، وعنه (خ، م، د) والباقون بواسطة، وابْنَاه (٣)، وأممٌ؛ آخِرُهم: البغوي. مات في ربيع الأول، سنةَ إِحْدَى وأربعين ومائتين عن سبع وسبعين سنة. ترجَمتُهُ في مُجلَّدٍ، و"مُسْنَده" فيه أربعون ألف حديث، وقيل: ثلاثون، تكرر منها عشرة! (٤).

стр. 317

جَمَعَهُ مِن سبعمائة وخمسين ألف حديث، وقال: "جعَلتُهُ حُجَّةً بينِي وبَينَ الله". قال: "فَكُلُّ حَدِيثٍ لا تَجِدُونَهُ فيه فَلَيْسَ [بحُجَّةٍ] (١) " (٢). قلتُ: وقد أَخَلَّ بأحاديث منها حديث أم زرع الثابت في "الصحيح" (٣)، وخرّج ابن الجوزي ﵀ في "موضوعاته" مِن "مسنده" سبعة أحاديث،

стр. 318

وأهمل كثيرًا!! (١)، وأكثر منه في "عِلَله"، نعم؛ جازَفَ في "موضوعاته" احتياطًا لتهذِيب السُّنة، وقد أنكرَ ذلك عليه الحُفَّاظ، وبعضها صحيح وبعضها حسن (٢). ثم اعلم أَنَّ الإمامَ أحمد ﵀ لم يلتزم الصِّحَّةَ في "مسنده"، وإِنَّمَا أخرجَ مَا لَمْ يُجْمِع الناس على تَرْكِهِ، و"مسنده" مع "مسند" إسحاق (٣) و"المسند" لابن أبي شيبة و"مصنفه"، مُتَقَاربة في الكثرة والشُّهرة، و"مسند البزار"، وأبي يعلى متقاربان في التَّوَسّط، و"مسند" الحميدي، والدارمي متقاربان في الاختصار. وأَمَّا الدَّارِميُّ؛ فمسنده لطيف وغالِبُهُ الصِّحة، وهو أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي التميمي السمرقندي الحافظ، عالمها، من دارم بن مالك بن

стр. 319

حنظلة بن زيد مناة بن تميم. روى عن: يزيد بن هارون، والنَّضْر بن شُمَيْل، وخلائق. وعنه: م، د، ت، وأبو زرعة، وخلق. قال أبو حاتم: "هو إِمامُ أهل زَمَانِهِ" (١). وُلِدَ سنة إحدى وثمانين ومائة، ومات سنة خمس وخمسين ومائتين، صَنَّفَ "المسند"، و"التفسير"، و"الجامع" ولمَّا بلغ البخاريَّ نعيُه بكى، وأنشأ: إِنْ تبقَ تُفْجَعْ بالأَحِبَّةِ كُلِّهِمْ ... وَفَنَاءُ نَفْسِكَ لَا أبَا لَكَ أفجعُ قال إسحاق بن أحمد: "ومَا سَمِعْنَاهُ يُنْشِدُ شِعرًا إلَّا مَا يَجِيءُ في الحديث" (٢). قال الترمذي: "سمعتُ محمد بن إسماعيل يُحَدِّثُ بحديثِ "مَنْ شَيعَّ جنازة" عن عبد الله بن عبد الرحمن" (٣). وفي "كامل ابن عدي" عن النسائي، عن الدارمي (٥٤). الثاني: "البر" ضد الفجور، و"المبرة" مثله، تقول: بررت والدي -بالكسر- أبره برًّا؛ فأنا برٌّ به وبارٌّ، وجمع البَرِّ: الأَبرارُ، وجمع البار: البررة، ومعنى "سألته عن البر والإثم": عما يبر فاعله ويلحق بالأبرار وهم المطيعون، وعما يأثم فاعله فيلحق بضدهم، فأجابه الشارع بجواب جملي؛ فأغناه عن التفصيل فقال له: "البر: حسن الخلق" أي: أَنَّهُ أعظَمُ خِصال البر كـ "الحَجُّ عَرَفَةُ".

стр. 320

ويعني بحسن الخلق: الإنصافُ في المعاملة، والرِّفق في المجادلة (١)، والعدل في الأحكام، والبذل والإحسان (٢). وإِنْ شِئتَ قُلتَ: هو بذْلُ النَّدَى، وكَفُّ الأَذَى، وأَنْ يُحِبَّ للناس ما يُحِبُّ لنفْسِهِ. أو: طَلَاقةُ الوَجهِ، وكَفُّ الأَذَى، وبذلُ المَعْرُوفِ (٣). والبِرُّ تارةً يُقَابَلُ بالفجور والإثم، فيكون عبارة عَمَّا اقتضاه الشَّرْع وُجُوبًا ونَدْبًا، كَمَا أنَّ الإِثمَ عِبَارَةٌ عَمَّا نهى عنه حُرْمَةً وكَرَاهة، وْيُقَابَلُ تارةً بالعقوق، فيكونُ عِبارة عن الإحسان، كما أن العقوق عبارة عن الإساءة (٤). وكأَنَّ المراد بقوله: "البِرُّ: حُسْنُ الخُلُق" مُعْظَمه -كما سلف-، كـ "الحَجُّ: عَرَفَةُ"، و"الدِّينُ: النَّصِيحة"، وهوَ مِن أَوْجَزِ لفظه وأبلغه: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]. وكَأَنَّ المراد هنا بالخُلُق: التَّخَلُّق. الثالث: "الإثم": الذَّنب، يقال: أثم إثمًا ومَأْثَمًا: إذا وَقَعَ فيه، فهوَ آثِمٌ وأَثِيمٌ ومأْثُومٌ.

стр. 321

ومعنى: "حَاكَ": أثر وتردد، ومنه قولهم: ضربته فما حاك فيه السيف؛ أي: مَا أَثَّرَ، وحاك الشيء في قلبي: إذا رَسَخَ فيهِ وَثَبَتَ، ولا يَحِيكُ هذا في قلبي، أي: لا يَثْبُتُ فيه ولا يَسْتَقِرُّ. قال شَمِرٌ: "الكَلامُ الحائِكُ: هو الراسخ في القلب" (١). ومعنى الحديث: الشيء الَّذي يؤثر نُفْرَةً وحَزازة (٢) في القلب، وإِنَّمَا أحالَهُ الشَّارعُ على هذا الإدْرَاكِ القَلْبِيِّ، لِمَا عَلِمَ مِن جَوْدَةِ فَهْمِهِ، وَحُسْنِ قَرِيحَتِهِ، وتنوير قلبه، وأَنَّهُ يُدْرِكُ ذَلِكَ مِنْ نَفْسه. وهذا كما قال في الحديث الآخر: "الإِثمُ حَزَّازُ القُلوب" وفي رواية: "حَوَّاز القُلُوب" (٣) يعني به: القلوب المنشرحة للإسلام، المُنَوَّرة بالعلم الَّذي قال فيه مالك ﵁: "العِلْمُ نُور يَقذِفُهُ اللهُ في قَلْبِ مَنْ يَشَاء" (٤). وضبط الجوهري "حزَّاز" -بتشديد الزاي فقط-، قال: "وهوَ مَا حَزَّ في القلبِ، وكلُّ شيءٍ حَكَّ في صَدْرِكَ فقد حَزَّ" (٥).

стр. 322

وهذا الجوابُ لا يَصلُحُ لغَلِيظِ الطَّبعِ قليل العلم، فإذا سأل عن ذلك مَن قَلَّ فهمُهُ فُصِّلت له الأوامر والنواهي الشَّرعية. وقد قالت عائشة ﵂: "أَمَرَنَا رَسُولُ الله ﷺ أَنْ نُنْزِلَ النَّاسَ مَنَازِلَهمْ" (١). قال صاحب "الإفصاح" (٢): "هذا أصل -يعني: قوله: "الإثم: ما حاك في نفسك"- يُتَمَسَّك به لمعرفة الإثم من البر؛ فإنه قد يطمئن القلب للعمل الصالح طمأنينة تُبَشِّره بأَمْرِ العَاقِبة، والإثم يحك في الصدر عن طمأنينة؛ لأنه لا يقر الشرع عليه، وإنما يكون على وجهٍ يَشذّ، أو تأويل مُحْتَمَل إلَّا أن مِعيَارَهُ يَظهر بأنَّه إنْ كَرِهَ صاحبه الاطِّلاع عليه، والناس ها هنا مُعَرَّف، فهو يَنْصَرِفُ إلى وُجُوهِ الناس وأَمَاثِلِهم لا إلى رَعَاعِهم؛ فذلِكَ -حينئذ- هوَ الإثم فليتركه، وهذا ما زال ظاهرًا معروفًا حتَّى قد قال زهير (٣): أَلسِّتر دونَ الفاحِشاتِ وَلَا ... يلقاك دونَ الخير من سِتْرِ" الرابع: معنى "اطْمأَنَّت": سَكنَتْ، ومنه: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ﴾ [النساء:١٠٣] أي: سكنتم من انزعاج الحرب وحركته، ولا شَكَّ أَنَّ النفسَ لها شُعُورٌ مِن أَصْلِ الفِطرَةِ بما تُحْمَدُ عاقبته وبما لا يحمد، ولكن الشَّهْوَةَ غَلَبَتْها بحيث يوجب لها الإقدام على ما يضرها، كاللِّص تغلِبُه الشَّهوة على السَّرقة، وهو خائِفٌ مِن الحَدِّ، والزَّاني ونحوه كذلك؛ فإذا تَقَرَّرَ ذلك فقد تضمَّنت هذه الجُمْلة علامَتَيْن: تأثره في النفس وتردده، وما ذاك إلَّا لِشُعورها بسوء العاقبة.

стр. 323

وكراهته اطلاع الناس على [الشيء يدُلُّ على أنَّه إثمٌ؛ لأنَّ النفسَ بِطَبْعِها تُحِبِّ اطِّلاع الناس على] (١) خيرها وبِرِّها (٢)، ومِن ثَمَّ هَلَكَ كثيرٌ مِن الناس بالرِّياء، فإذا كَرِهتْ اطِّلاع بعض الناس على بعض أفعالها علِمنَا أَنَّهُ ليس خيرًا وبِرًّا، فهو إذن شَرٌّ وإثم. ثُمَّ إِنَّ هاتين العلامَتَين واحدة مُرَكَّبةٌ مِن أمرَيْن ويحتمل استقلالهما، ويؤيد الأول العطفُ؛ إذ مقتضاه المغايرة، ويَتَحَصَّلُ مِن ذلك قِسْمَةٌ رُبَاعِيَّة، وهي أنَّ الفعلَ إِمَّا أن يحيكَ في النفس ويكره اطلاع الناس عليه، أَوْ لَا وَلَا (٣)، أو يحيك فلا يكره، أو يكره ولا يحيك؛ فالأول إِثمٌ: كالزنا والسرقة، والثاني ليس بإثم كالعبادة والأكل والشرب ونحوه، والثالث والرابع إِنْ أمكَنَ وجودهما فهما مُتَرَدِّدان بين الإثم والبر من باب قوله: "وبينَهمَا مُشْتَبِهاتٌ" (٤) أو يكرههن كراهة تنزيه (٥). الخامس: الكراهة المعتبرة هنا الكراهة الدينية الجازمة، فخرج بالدينية: العادية، وبالجازمة غيرها؛ فالأول: كمن يكره أن يرى على الأرض حبًّا أو جبلًا أو نحو ذلك، والثاني: كمن يكره أن يركب بين المشاة تواضعًا ونحوه، ثم لو رأى ذلك لم يبال، لأن كراهة ذلك غير جازمة به. تتميم آخر: الفِعلُ إِمَّا جارحةٌ أو قلبٌ، وعلى التقديرين: فَإِمَّا ألا يكره اطلاع الناس عليه كالعبادة والأكل والشرب والإخلاص والمعرفة والتوكل

стр. 324

ونحوه، فهو بِرٌّ، أو يكره، فإنْ كان جارحيًّا كالمحرمات فَإِثمٌ، وإِنْ كانَ قَلْبِيًّا فهو إما: مُسْتَقِلٌّ، أو غيره. فالأول: بألَّا يتوقف الجزاء عليه على عمل؛ كالكبر ونحوه فهو إثم. والثاني: الهَمُّ بِمُحَرَّمٍ؛ فإن لم يوجد تصميم فلا إثم للتجاوز عنه، ويثاب عليه؛ لأنه حاكَ (١) في النفس؛ وكره اطلاع الناس عليه، وقد قال ﵊ في مثل هذا أنَّه "صَرِيحُ الإِيمَانِ" لَمَّا قيل له: "إِنَّا نَجِدُ في أَنْفُسِنَا مَا يَتَعَاظَمُ أَحَدُنَا أَنْ يَنْطِقَ بِهِ" (٢) أي: إعظام النطق له، وذلك صريحُ الإيمان. وكذا إذا هَمَّ بمُحَرَّمٍ ثم نَفَرَتْ نفسه منه أُثيبَ عليه إذ لم ينفر مِنه إلَّا مِن الإيمان وصار من باب: "اكتُبُوها لهُ حَسَنَةً؛ إِنَّمَا تَرَكها مِنْ جَرَّاي" (٣) أو قريبًا مِنْهُ، وإن صَمَّمَ فهو إِثمٌ؛ لقوله: "الإثْمُ: مَا حَاكَ في نَفْسِكَ" إلى آخره، وهذه مسأَلةٌ خِلَافِيَّةٌ. وكأَنَّ الحديث يقتَضي أنَّ الخَطَرَات والهمم الضعيفة بالحرام إثمٌ، ولكن خُصَّ عمومه بالتجاوز عنه جمعًا بين الأدلة. وحينئذ نَقُول -في كُلِّ عزمٍ على مَعْصِيةٍ بَدَنِيَّةٍ-: هذا العزم يحيك في النفس ويكره أن يطلع عليه الناس، وكلما كان كذلك فهو إثم؛ فهذا العزم إثم، ومما يشهد لهذَا: الحَديث الآخر: "إِنَّهُ كانَ حَريصًا على قَتْلِ صَاحِبِهِ" (٤) فَعَلَّلَ

стр. 325

دخُولَه النار بحرصه على قتل صاحبه، وهو عزمٌ مُجَرَّدٌ، لا يُقَال: إِنَّ هذا حِرصٌ اقتَرَنَ به العمل، وهو لقاؤُهُ خَصْمه بالسَّيف، فاندرجَ تحتَ قوله في الحديث: "مَا لَمْ تَعْمَلْ" (١)؛ لأنه عَلَّلَ دخولَ النار بمُجَرَّدِ الحِرصِ. ومما يَشْهَدُ لذلك حديث: "الرِّجَالُ أربعةٌ: رَجُل أُوْتِيَ مَالًا فَنَفَّقَهُ في البِرِّ، ورَجُلٌ قال: لَوْ كَانَ لي مِثلُ مَا لِفُلانٍ لَفَعَلْتُ كمَا فَعَلَ؛ فَهما سَواءٌ في الأَجْرِ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالًا فَأَنْفَقَهُ في الفُجُورِ، وَرَجُلٌ قال: لَوْ كَانَ لي مِثلُ مَا لِفُلَانٍ لَفَعَلْتُ مِثلَ مَا فَعَلَ؛ فَهما سَوَاءٌ في الإِثْمِ" (٢). فهذا وِزْرٌ على العزم المُجَرَّدِ على المعصية، إذْ لَمْ يُقَارنه فعل معصية. نعم؛ قد يُقال: قارَنَهُ القول، وهو "لَوْ كَانَ لي" إلى آخره، فاندرج تحت قوله: "أو تَكَلَّم به" لكن معنى الحديث: ما لم يتكلم به كلامًا مُؤَثَرًا في المفسدة، مثل أن يعزم على القذف فيقذف، أمَّا كلامٌ لا أثرَ له فيها فوجوده كَعَدَمِهِ. وقوله: "لَوْ كَانَ لي" إلى آخره مِنْ ذَلِكَ، وبقي (٣) ترتيب الوزر على مجرد العزم. وهذا مِن بابِ تَنْقِيحِ المَنَاط، فحذف ما لا يصلح لتعلق الحكم به من الأوصاف، وانتِقَاء ما يصلح لذلك منها.

стр. 326

السادس: قوله ﵊ لوابِصَة -: "جِئتَ تَسْأَلُ عن البِرِّ"؟ هوَ مِن بابِ الكَشْفِ، كذلك جاء في بعض الروايات: "أنَّ وابِصَةَ جاءَ يَتَخَطَّى الناسَ، حتَّى جَلَسَ بينَ يَدَيْ رَسُولِ الله ﷺ فقال: "يا وابصة! تُحَدِّثُني مَا جِئتَ فيهِ أَوْ أُحَدِّثكَ"؟ فقال: بل أنتَ حَدِّثْني يا رسولَ الله؛ فهوَ أَحَبُّ إليَّ. قال: "جئتَ تَسْأَلُ عن البِرِّ والإِثمِ؟ قال: نعم" (١). * تتمات: قوله: "استَفْتِ قَلْبَكَ" هو راجع إلى مَا سَلَفَ مِن شعورِ النَّفسِ والقَلبِ بِمَا يحمد عاقبتها فيه أو يذم. قوله: "البر ... " إلى آخره، هو كقوله أولًا: "البر: حُسْنُ الخُلُقِ"؛ لأَنَّ حسن الخلق تطمئن له النَّفسُ والقلبُ. وقوله: "الإثمُ: مَا حَاكَ في النَّفسِ، وتَرَدَّدَ في الصَّدر" وهو شَبيهٌ بقوله: "الإثمُ: مَا كَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عليه النَّاسُ" لأَنَّ مَا تَرَدَّدَ في النفس فهوَ إِثمٌ أو محلّ شُبْهَةٍ، ولابُدَّ مِن ذلك مما يكره اطلاع الناس عليه. وقوله: "وإنْ أفتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوْكَ" أي: قد أعْطَيْتُكَ علامةَ الإثم فاعتَبِرْها في اجتنابه، ولا تُقَلَّد مَن أفتاكَ في مُقَارَبَتِهِ، وإنما وَحَّدَ الفعل الأول لإسناده إلى ظَاهِرٍ، وجمَعَ الثاني لإسناده إلى ضمير، والأصلُ فيه أَنَّ الفعلَ إِنَّمَا يكون له فاعل واحد، وإن كان ظاهرًا امتنع إيصال ضميره بالفعل نحوه: "أفتاك (٢)

стр. 327

الناس" لِئَلَّا يتعَدَّد الفاعل وهو غيرُ جائِزٍ، وإن لم يكن ظاهرًا وجب إضماره، نحو "أفتَوْك" لِئَلَّا يَتَجَرَّد الفعل عن الفاعل، وهو غير جائز. وأما قوله تعالى: ﴿وَأَسَرُّوْا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنبياء:٣]، و ﴿عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ [المائدة:٧١]. فهو من باب البدل في الضمير، لا مِن باب تعدد الفاعل، ولا من باب: "أكلوني البراغيث"، فإنها لغيَّة، وقد تأولها قوم على أَنَّ الضميرَ عَلامَةُ جمع الفاعل، كالتاء في "قامت هند" علامة تأنيث الفاعل. فإن قلت: قوله هنا: "والإثمُ: مَا حَاكَ في نَفْسِكَ" يقتضي أن الأمور المشتبهة إثم؛ لأنها تحك في النفس وتتردد في الصدر، وهذا يعارض قوله في الحديث السألف: "فمَن اتَّقَى الشُّبهات" إلى آخره، فإن مقتضاه أنها ليست إثمًا؛ وإنما شرع [اجتنابها] (١) وَرَعًا كَمَا مَرَّ. والجواب: منع كون الشبهات ليست إثمًا، لأنَّ الاستبراء للدِّين والعِرْض واجِبٌ، واتِّقَاءُ الشُّبهات طريقٌ إليه، والطريق إلى الواجب واجِبٌ، فما كان اتقاؤها واجب فملابستها (٢) إثم. تنزَّلنا وسلَّمنَا ذلك، لكنه محمول على ما إذا ضَعُفت الشبهة فيبني على أصل الحل، وتجنب محلها ورعًا. وهذا الحديث محمولٌ على مَا إذا قَوِيَت، ويكون مِن باب تَرْكِ الأصل الظاهر، أَعنِي: أصل الحِلِّ، لا حل الشُّبهة وتمكنها (٣). * * *

стр. 328

الحديثُ الثَّامِنُ والعِشْرُونَ عن أبي نَجِيحٍ العِرْبَاضِ ﵁؛ قال: وَعَظَنَا رَسُولُ الله ﷺ مَوْعِظَةً وَجِلَتْ مِنْهَا القُلُوبُ وَذَرَفتْ مِنهَا العُيُونُ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ! كَأَنَّهَا مَوْعِظَةُ مُوَدِّع؛ فَأَوْصِنَا! قال: "أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللهِ، والسَّمْعِ والطَّاعَةِ، وَإِنْ تَأَمَّرَ عَلَيكمْ عَبْدٌ؛ فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثيرًا؛ فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ المَهدِيِّينَ، عَضُّوا عليها بِالنَّوَاجِذ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ؛ فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ". رواه أبو دَاودَ، والتِّرمِذِيُّ (١).

стр. 329

وقال: "حديثٌ حَسَنٌ". * * * الكلامُ عليه مِن وُجُوهٍ: أحَدُهَا: في التعريف بِرَاوِيهِ: وهو مِن الأَفْرَاد، وهوَ: بِكَسْرِ العَيْن، ووالِدُهُ: سَارِيَة سُلَمِي، حِمْصِيٌّ بَكَّاءٌ، صُفِّيٌّ (١)، مات في فتنة ابن الزبير، ويقال: سنة خمس وسبعين، وفي الصحابة آخر صحابي كنيته مثل كنية العرباض هذا، وهو عمرو بن عبسة، وفي التابعين: أبو نجيح المَكِّيُّ؛ لا ثالث لهما في "الكتب الستة" (٢). فائدة: قال غُلَامُ ثَعْلَب: "العِرْبَاضُ": الطَّويلُ مِنَ النَّاسِ وَغَيْرِهِم (٣)، و"الجلد": المخَاصِمُ مِن الناس، وهو مَدْحٌ. و"السارية": الأسطوانة.

стр. 330

ثانيها: "الوعظ": النصح، والتذكير بالعواقب، تقول: وعَظْته وعْظًا وعِظَةً واتَّعَظَ: قَبِلَ الموعظة. ومعنى: "وجِلَت": خافت، ومنه: ﴿وَقُلُوُبهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠]، وكأنه كان مقام تخويف ووعيد. وفي قوله: "مَوْعِظَةً بَلِيغَةً" أي: بلغت الثناء، وأَثَّرَت في قُلُوبنا وَجَلًا، وفي أعيننا تذارفًا. و"ذَرَفَت" -بالذال المعجمة، ثم راء-: سَالَت بالدموع (١). وجاء في بعض طُرُقهِ: "إنَّ هذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدِّع؛ فَمَاذا تَعْهدُ إِلَيْنَا؟! قال: "تَرَكْتُكُمْ عَلَى البَيْضَاءِ لَيْلُها كنَهارِها، لَا يَزِيغُ عَنْها إلَّا هَالِكٌ". وقال: "فَعَلَيْكُمْ بِمَا عَرَفْتُمْ مِنْ سُنَّتِي ... " (٢) إلى آخره.

стр. 331

"السُّنَّة": الطَّريقةُ القَوِيمَةُ التي تَجْرِي على مَجْرَى السّنن، وهي السبيل الواضح، ومنه: سن الماء (١) من السيل، وهي في الشريعة كذلك لم يعدل بها عنها، وهي مستعملة في عربية الجاهلية. قال ذو الإصبع العدواني: "ومنهم من يحسن للناس بالسنة والفرض، والفرض ما تأصَّل التزامه للخلق. كأنه قطع عليهم التردد، مأخوذ من قرض؛ أي: قطع، وإليه يرجع التقدير؛ لأن فاقد زيد قطع عما كان مشتركًا معه، وجعل العلماء السُّنة فيما أرشدوا إلى فعله طالِبًا للثواب، وكلاهما سنة؛ فخصصوه بها اصطلاحًا أرادوا به التمييز بين المعاني" (٢). قال ابن العربي: "لم أر لهذا الاصطلاح وجهًا إلَّا في حديث أُمِّ حَبيبةَ تَرْوِيه: "مَنْ صَلَّى ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكعَةً مِنَ السُّنَّةِ، بَنَى اللهُ لَهُ بَيْتًا في الجَنَّةِ" (٣) " (٤). و"النَّواجِذ" -بالذال المعجمة-: الأنياب، وقيل: آخر الأضراس الَّذي يدل بيانها على الحكم؛ أي: عضوا عليها بجميع الفم، ولا يكون تناولها نهشًا، وهو الأخذ بأطراف الأسنان، وهو كناية عن شِدَّةِ التَّمَسُّكِ بها، لأنَّ النواجِذَ مُتَحَدِّدة، فإذا عَضَّت على شيء نَشِبَتْ فيه فلا يَتَخَلَّصُ، ولذلك يقال: هذا الشيء انعقدت عليه الخناصر، وتُلْوَى عليه الأنامل. قال الشاعر: حَنَانيكَ يا ابن الأكرَمين فَلَمْ تَدَعْ ... [لَنَا أَمَلًا] (٥) تُلوَى عليهِ الأَنَامِلُ

стр. 332

و"العَضُّ" كله بالضاد إلَّا عظ الزمان (١). ثالثها: أخبر الشارع أصحابَهُ في هذا الحديث بما يكونُ مِن الاختلاف بَعْدَهُ وغَلَبَةِ المُنْكَر، وقد كان عالمًا به جُمْلَةً وتَفْصِيلًا، ولم يُبيِّنهُ لِكُلِّ أحدٍ وإنما كان يُحَذِّرُ منه على العُموم، ثم يُلْقِي التفصيل إلى الآحاد كحذيفة وأبي هريرة، فلقد كان لَهُمَا منه محلٌّ كريمٌ، ومَنْزِلَة قريبة، وهي إِحدَى مُعجزاته. رابعها: المراد بـ "المهديين": الذين شملهم الهدى، وهم الأربعة -بالإجماع-: الصِّدِّيق، والفاروق، وعثمان، وعلي -رضوان الله عليهم، وعلى سائر الصحابة أجمعين-. و"الرَّاشِدُ": مَن أَتَى بالرُّشدِ واتَّصَفَ به. و"المهدي": الَّذي هداه الله لأقوَم الطُّرق. و"الهدى": الهيئة والسيرة والطريقة، وهم الذين أنفَذَ الله فيهم وعدَه، وانتهى حده في قوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [النور: ٥٥] الآية. وصَحَّ أنهُ قال: "اقْتَدُوا باللَّذَيْن مِنْ بَعْدِي: أبي بكرَ وعُمَرَ" (٢) فَخَصَّ من الأربعة اثنين.

стр. 333

وقال لتلك المرأة السائلة -وقد قالت: إن لم أَجِدْكَ؟ -: "تَجِدِين أَبَا بَكْرٍ" (١) فَخَصَّهُ مِن اثنين، فهذا خُصوصُ خُصوصِ الخصوصِ. وَأَمْرُهُ بالثَّبَات على سُنَّتِهِم لأَمْرَيْنِ: التَّقليد لمن عَجَزَ عن النَّظَرِ، والتَّرجيح عندَ اختلافِ الصحابة، فَيُقدَّم الحديث الَّذي فيه الخلفاء الصديق والفاروق، وإلى هذه النزعة كان يذهب مالك، وقد نبه عليها في "موطئه" (٢). واللام عند أهل السنة هي للعهد. و"الخلفاء الراشدون": هم الأربعة بعده ﵇ بدليل: "اقتَدُوا باللَّذَيْن مِنْ بَعْدِي" كما قَرَّزنَا، وقالت المعتزلة الشيعة: اللام لاستغراق الوصف؛ أي: كل من اتصف بالرشد والهداية من الخلفاء بعدي؛ فعليكم بسنته، وإنما قالوا ذلك لأنَّهم يَدَّعُونَ نَفيَ ذلك عنهم، لتقدمهم على عَلِيٍّ، ووضعهم الخلافة في غير مَن وَضَعَ الله فيه النُّبُوَّة، وهم بنو هاشم [بزَعْمِهِم] (٣)، والنُّصُوصُ والإِجمَاعُ يَرُدُّهُ. خامِسُهَا: "البدعة" لغة: ما كان خارجًا على غير مِثالٍ سَبَق. وشرعًا: مَا أُحْدِث على خِلَافِ أَمْرِ الشَّارع ودليله. والمُحْدَث قسمان: مَا ليسَ له أصلٌ إلَّا الشُّهرة، والعمل بمقتضى الإرادة فهو باطل قطعًا. ومُحْدَثٌ بِحَمْلِ النَّظِيرِ على النظير؛ فهذه سُنَّةُ الخلفاء والأئمة الفُضَلَاء، وليس المحْدَث والبدعة مذمومًا للفظ "محدث" و"بدعة" إلَّا لِمَعنًى،

стр. 334

قال تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء: ٢] وقال عمر ﵁: "نِعْمَتِ البِدْعَةُ هَذِهِ" (١). وإِنَّمَا يُذَمُّ مِن البدعة: ما خَالَفَ السُّنَّةَ؛ ومِن المحدث: مَا دَعَا إلى ضلالة. فمُرادُ الحديثِ: كُلُّ بِدعَةٍ لا يُسَاعِدُها دَلِيلٌ شَرْعِي، لأَنَّ الحَقَّ فيما جاء به؛ فمَا لَا يَرْجِعُ إليه بوجهٍ يكونُ ضلالة، إذ ليسَ بعدَ الحَقِّ إلَّا الضَّلالُ. قاعدة: كل حُكْمٍ مَنَعَهُ الشَّارعُ، أو أَجَازَهُ فَحُكْمُهُ وَاضِحٌ، وإنْ أجازَهُ مرَّةً ومَنَعَهُ أُخْرَى فأحدهما ناسِخٌ للأول. وإن لم يَرِدْ مَنعٌ ولا إجازة، ولا يمكن رده إليه بوجه، فهي المسألة المشهورة، وقد يقال: يرجع فيه إلى المصلحة فما وافقها عمل به وما خالفها ترك. سادسها: قوله: "وَإِنْ تَأَمَّرَ عَلَيكُمْ عَبْدٌ" قال العلماء: العبدُ لا يكونُ واليًا، ولكن الشارع - صلوات الله وسلامه عليه - ضَرَبَ بهِ المثل تَقْدِيرًا، وإن لم يكن كقوله: "مَنْ بَنَى للهِ مَسْجِدًا، وَلَوْ كمِفْحَصِ قَطَاةٍ، بَنَى اللهُ لَهُ بَيْتًا في الجَنَّةِ" (٢) ولا يكون مفحص القطاة مسجدًا، ولكن أمثالٌ يُؤْتَى بها مثل هذا الَّذي عندنا أنَّه ﵊ أخبر بفساد الأمر ووضعه في غير أهله، حتَّى توضع الولاية في العبد، فإذا كانت فاسمعوا وأطيعوا تغليبًا لأَهْوَنِ الضَّرَرَيْن، وهو الصبرُ على وِلَايةِ مَن لا تَجُوزُ وِلَايَتُهُ، لِئَلَّا يغيِّر ذلك فيخرج

стр. 335

منه إلى فتنةٍ عَمياء صمَّاء، لا دواء لها ولا خَلَاصَ منها، وقد ذَكَرَ في رواية: تعدِّي الوُلاةِ لِظُلْمِهِم، فقال: "اسمَعُوا وَأَطِيعُوا؛ مَا أَقَامُوا فيكُم كِتَابَ الله" (١). سابعًا: في فوائده فيه: منها: استحبابُ مَوْعِظة الرجل أصحابه؛ لينفعهم في دينهم ودنياهم. وفيه: إبلاع الإمامِ في الموعظةِ لإِسرَاعِ الإجابةِ، وفي التنزيل: ﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ [النساء: ٦٣] و"كانَ - عليه أفضل الصلاة والسلام - إِذَا خَطَبَ: احمَرَّت عَيْنَاهُ، وانتَفَخَتْ أَوْدَاجُهُ كَأنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ، يقول: صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ" (٢). وفيه: جَوَازُ الحُكْم بالقرَائِن؛ لأنهم إِنَّما فَهِمُوا تَوْدِيعَهُ إِيَّاهُم بقرينةِ إبلاغه في الموعظة أكثر من العادة. وفيه: استحبابُ [استدعاءِ] (٣) الوصِيَّةِ والوعظِ مِن أهلِهِمَا، واغتِنَامُ أوقاتِ أهل الخيرِ والدِّينِ قَبْلَ الفَوْت. وقوله: "أوصيكم بتقوى الله" جمعَ في ذلِكَ كل ما يحتاج إليه؛ لأَنَّهُ سَبَقَ أنَّ التَّقوَى: امتِثَالُ المأموراتِ، واجتِنَابُ المحظُورات، وتكاليف الشرع ليست إلَّا بذلك. وقوله: "والسمع والطاعة ... " إلى آخره، هو عطف خَاصٍّ على عَامٍّ؛ إِذْ قد اشتَمَلَتِ الوَصِيَّةُ بالتقوى على السمع والطاعة، والعرب تعطِفُ الخاصَّ

стр. 336

على العام نحو: ﴿فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (٦٨)﴾ [الرحمن: ٦٨]. وتعكس نحو: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ [الحج: ٧٧]، وقوله: ﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠]. وقوله: "فَإِنَّهُ مَن يَعِشْ مِنْكُمْ ... " إلى آخره، الظَّاهِرُ أنَّ هذا بِوَحْيٍ أُوحِيَ إليه؛ فإنه ﵊ كُشِفَ له عَمَّا يكون إلى أن يدخل أهلُ الجَنَّةِ الجنّة، وأهل النار النار، كما صح في حديث أبي سعيد وغيره (١). ويجوز أن يكون بنظر واستدلال، فإن اختلاف المقاصد والشهوات باختلاف الآراء والمقالات، ويجوز أن يكون بقياس أُمَّتِهِ على أُمَمِ الأنبياء السابقين بدليل حديث: "إِنَّها لَمْ تَكُنْ نُبُوَّةٌ إلا كانَ بَعْدَها اخْتِلَافٌ" (٢) أو كما قال. وقوله: "وَإِيَّاكُم ومُحْدَثَاتِ الأُمُور" أي: احذروا الأخذَ بها، فإنها بدعة، وهو منصوب بفعل مضمر، أي: إياكم، باعدوا محدثات الأمور واتقوا. والمراد: مَا أُحدِث غير راجع إلى أصل -كما سلف- أو دليل شرعي، واتباع الخلفاء راجع إلى أصل (٣) الشرع، فحينئذ الحديثُ عامٌّ أُريدَ به الخَاصُّ، وكذا قوله: "عليكم بِسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِين" عامٌّ أُرِيدَ بهِ الخَاصُّ، إذْ لَو فُرِضَ خَلِيفَةٌ راشِدٌ في عامَّةِ أُمُورِهِ سَنَّ سنَّةً لا يعضُدُها دليلٌ شرْعي لَمَا جازَ اتِّباعه، لا يقال: لا يتصور؛ لأن رشده ينافي أن يَسن مثل هذه السُّنة؛ لأنه قد يخطئ

стр. 337

المصيب ويزيغ المستقيم يومًا ما، وقد صح: "لا حَلِيمَ إلَّا ذُو [عَشْرَةٍ] (١)، ولا حَكِيمَ إلا ذُو تَجْرِبَةٍ" (٢). وكلام العرب يجيء بالإضافة إلى العموم والخصوص قسمة رباعية: عامّ يُريدُ به العامَّ، كقوله: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. خاصٌّ يريد به الخاص، كقوله: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: ٣٧]. عامٌّ يُرادُ بهِ الخَاصُّ، كقوله: ﴿وَأُوتِيَت مِنْ كُلِّ شَيء﴾ [النمل:٢٣]، ﴿تُدَمِرُ كَلَّ شَيْءٍ] [الأحقاف: ٢٥]، وقول لبيدٍ: وكُلُّ نَعِيم لَا مَحَالَةَ زائِلُ (٣) وعكسه: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء: ٢٣] وجاء في بعض روايات هذا الحديث: "فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بدْعَةٌ، وكلَّ بِدعَةٍ ضَلَالَةٌ، وكل ضلالةٍ

стр. 338

في النار". وهو قياسٌ مُتَّصِلٌ مُرَكَّبٌ مِن الشَّكل الأول، بِفَتح "أَنَّ كل محدثة في النار" يعني: صاحبها مِن فَاعِلٍ وَمُتَّبِعٍ (١). فائدة: قَسَّمَ الشيخ عز الدين ﵀ في "قواعده" البدعةَ إلى الأحكام الخمسة "والطَّرِيقُ في ذلك أنْ تُعْرَضَ (٢) على قواعِدِ الشَّريعَةِ؛ فإن دَخَلَتْ في قَواعِدِ الإيجَابِ فواجب ... " إلى آخر الأحكام الخمسة. قال: "وللواجبة أمثِلَةٌ: منها الاشتِغَالُ بعِلم النَّحو الَّذي يُفْهَمُ بهِ كلامُ اللهِ ورسوله لأجلِ حِفْظِ الشَّرِيعَةِ، ومَا لا يَتِمُّ الواجِبُ إلَّا بهِ فهوَ وَاجِبٌ. ومنها: حِفظُ الغَريبِ مِن الكتاب والسنة ومن اللغة، وتدوينُ أصول الفقه، والجرح والتعديل، وتمييز الصَّحيح من السقيم، والقاعِدَةُ أنَّ حِفظَ الشَّريعَةِ فَرْضُ كِفايةٍ فيما زادَ على المتعين، ولا يَتَأَتَى ذلك إلَّا بما ذكرناه .. " (٣). ثم أوضحَ الباقي (٤).

стр. 339

فائدةٌ -تنعَطِفُ على مَا مَضَى-: "التَّقْوَى" أصلُها: [وقى] (١) مِن الوقاية، وقد تُفْتَحُ "الواو" فأبدلت تاء؛ فالمُتَّقِي جَعَلَ بَيْنَهُ وبين المعاصي وقاية تَحُولُ بينه وبينها من قُوَّةِ عَزْمِهِ على تَرْكِها، وتوطين قلبه على ذلك؛ فكذا قيل: مُتَّقٍ (٢). * * *

стр. 340

الحَديثُ التَّاسِعُ والعِشْرُونَ عَنْ مُعَاذِ بنِ جَبَلٍ ﵁ قال: قُلتُ: يَا رَسُولَ الله! أَخْبِرْني بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الجَنَّةَ وَيُبَاعِدُني مِنَ النَّارِ؟ قال: "لَقَدْ سَأَلْتَنِي عَنْ عَظِيمٍ، وَإِنَّهُ لَيَسِيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللهُ عَلَيْهِ: تَعْبُدُ اللهَ لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلاةَ، وَتُؤْتي الزَّكَاةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ، وَتَحُجُّ البَيْتَ". ثم قال: "إلَّا أَدُلُّكَ عَلَى أَبوابِ الخَيْرِ؟ الصَّومُ جُنَّةٌ، والصَّدَقَةُ تُطْفئُ الخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ الماءُ النَّارَ، وَصلَاةُ الرَّجُلِ في جَوْفِ اللَّيلِ. ثُمَّ تَلَا: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ حَتَّى بَلَغَ: ﴿يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٦ - ١٧] ". ثمَّ قالَ: "أَلَا أخبِرُكَ بِرَأْسِ الأَمْرِ وَعَمُودِهِ وَذِروَةِ سَنَامِهِ؟ الجِهادُ" ثُمَّ قالَ: "أَلَا أُخْبِرُكَ بِملاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ؟ ". قُلتُ: بَلَى يا رَسولَ الله! فَأَخَذَ بِلِسَانِهِ ثم قال: "كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا". قلتُ: يَا نَبِيَّ الله! إِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ؟! فقال: "ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ، وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ في النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ -أَوْ قَالَ: على مَنَاخِرِهِمْ- إلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ؟ ".

стр. 341

رواه الترمذي وقال: "حَسَنٌ صَحِيحٌ" (١). * * * الكلامُ عليهِ مِنْ وُجُوهٍ -بعدَ أن سَلَفَ التَّعريفُ بِرَاوِيهِ-: أحدها: هذا الحديث سَقَطَ مِنهُ سَطْرٌ، لا يستقيمُ الكلامُ بدُونهِ، وهو ثابت في أصلِ التِّرمذي، كَأَنَّ المُصَنِّفَ انتقلَ نظرهُ مِن لفظةٍ إلى أُخْرَى، وهذا لفظه فيه: "ثُمَّ قالَ: "أَلَا أُخْبِرُكَ بِرَأْسِ الأَمْرِ وَعَمُوده وَذروة سَنَامِهِ؟ قلتُ: بَلَى يَا رَسُولَ الله! قالَ: "رَأْسُ الأَمْرِ: الإسلامُ، وَعَمُودُهُ: الصَّلاةُ، وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ: الجِهادُ ... " ثُمَّ ذَكَرَ البَاقِي، ولا يستقيم الكلام بدون هذه الزيادة فانتقل نظره من "سنامه" إلى "سنامه". وقد وقع له كذلك في كتابه "الأذكار" (٢) وكأَنَّهُ قَلَّدَ في ذلك الشيخ تقي الدين ابن الصَّلاح، فإنه قال في كتابه "بُستانُ العَارفينَ" -ولم يُكمِلهُ-: "مما

стр. 342

ينبغي أن يُعْتَنى به بيانُ الأحاديث التي قيل أنها أصول الإسلام، أو أصولُ الدِّين، أو عليها مَدَارُ الإسلام، أو مدارُ الفقهِ، أو العلم، وقد اختلفتِ العلماءُ في عددِها اختلافًا كبيرًا، وقد اجتهد في جمعها وتبيينها (١): ابن الصلاح، ولا مزيد على تحقيقه" (٢). فَذَكَرَها إلى أن جاء إلى هذا الحديث، فذكرَهُ بالإسقاطِ المذكور سواء؛ فاستفدهُ فإنهُ يُسَاوِي رحْلَةً، والعجبُ أنَّ أحدًا مِن شُرَّاحه كابن فرح القُرْطُبِي، والفاكهي وغيرهما لم يُنَبِّهوا عليه، ولله الحمد عليه وعلى جميع نعمهِ، ثم رأيتُ بعد ذلك "سنن ابن ماجة" (٣) فوجدتُهُ ذَكَرَهُ كما ذكَرَهُ المُصَنِّف سواءً، لكنه لم يعزهُ إليه حتَّى يُعْتَذَر عنه. ثانيها: في ألفاظه: "الخير" ضد الشر، ويُطْلَقُ على المال في قوله: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨] وفيه: التشويق إلى ما سَيُذكَر قَبلَ ذِكْرِهِ ليكونَ أوقَعَ في النَّفسِ. وقوله: "أبواب" جَمْعُهُ جَمْعُ قِلَّةٍ، وإن كان في سياق التَّرغيب والحصر؛ لأنَّهُ لا كَثرَةَ لهُ. "جُنَّة" -بالضم-: مِجَنٌّ وستر ووقاية لكَ مِن النَّارِ، فَنَفَى صُورةَ الشَّهوةِ عاجلًا والنار آجِلًا، وقد قال تعالى: "الصَّومُ لي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ" (٤). و"الصَّومُ": هو الصبر عن المَلَاذِّ مِن المَطعَم والمَشْرَبِ وغيرهما، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠].

стр. 343

و"أبوابُ الخيرِ": طرقه الموصلة إليه، وفي "سنن ابن ماجة": "أَلَا أَدُلُّكَ على أَبوَاب الجَنَّةِ"؟ وقوله: "أَوَ لَا أَدُلُّكَ" عَرْضٌ، نحو: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ﴾ [الصف: ١٠] أي: عَرَضْتُ ذلك عليك (١)؛ فهل تُحِبُّهُ؟ أو نحو هذا. و"جَوْفُ اللَّيلِ": أوسَطُهُ أو آخِرُهُ، وفي الحديث: "أَيُّ اللَّيلِ أَسْمَعْ؟ قال: جَوْفُ اللَّيلِ الآخِرِ" (٢) والمعنى: أن صلاة الرجل من الليل من أبواب الخير، وإنما خَصَّ الرجل بالذِّكرِ؛ لأَنَّ السَّائِلَ رَجُلٌ؛ ولأنَّ الخيرَ غالِبٌ في الرِّجال، وأكثرُ أهلِ النارِ النساءُ. وقوله: "من جَوْفِ اللَّيل" أي: جوفه، ويحتمل أن مبتدأ الصلاة: جوفه؛ فيكون لابتداء الغاية، ويحتمل أنها للتبعيض؛ أي: صلاة في بعض جوف الليل. وقوله: "ثُمَّ تَلَا: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة: ١٦] " أي: أنَّ مَن قامَ في جَوْفِ الليل، وَتَرَكَ نَوْمَهُ وَلَذَّتَهُ، وآثَرَ مَا يَرْجُوهُ مِن رَبِّهِ على ذلك؛ فجزاؤه ما في الآية من قوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧].

стр. 344

وقد جاء: "إنَّ الله تعالى يُبَاهِي بِقُوَّامِ اللَّيل في الظَّلام ملاِئكَتَهُ، يقول: انظُرُوا إلى عِبادِي قد قَامُوا في ظَلَامِ اللَّيلِ حيثُ لَا يَرَاهُمْ أَحَدٌ غَيْري؛ أُشْهِدُكُمْ أَنِّي أَبَحْتُهم دَارَ كَرَامَتِي" (١). و"التَّجَافي ": التَّركُ والتَّنَحِّي، جافى جنبه عن مضجعه: نحَّاهُ، وفي الحديث: "يُجَافي بِضبْعَيْهِ" (٢) أي: يُبْعِدهُمَا عن الأرض وعن جَوْفِهِ؛ فمعنى: ﴿تَتَجَافَى﴾: تَبعُد وتَزُول، وقيل: تنتحي إلى فوق، واستحسنه ابن عَطِيَّة (٣). و: ﴿الْمَضَاجِعِ﴾: مَوضِعُ الاضطجاع للنَّوم، واختُلِفَ في وقت هذا التَّجافي: هل هو بين المغرب والعشاء، أو انتظار العشاء الآخرة؛ لأنَّها كانت تُؤَخَّر إلى نَحْوِ ثُلُثِ اللَّيل؟ على قولين. وقال الضحاك: "تَجَافي الجَنْب هو أنْ يُصَلِّي الرَّجُلُ العِشاءَ والصُّبح في جماعة" (٤). والجمهورُ على أنَّ المُرَادَ: صلاة اللَّيلِ. و"رَأْسُ الأَمرِ" أي: العبادة، أو الأمر الَّذي سألتَ عنه، وجعل رأس الأمر: الإسلام، شبَّههُ بالفَحلِ مِن الإبل؛ إذْ كانت خيار أموالهم، ويُشَبِّهُونَ بها رؤساءهم كما قالوا: "هو الفحلُ لا تُقْرَعُ أَنفُهُ" (٥). فجعل الإسلام رأس هذا

стр. 345

الأمر، ولا يعيشُ الحيوان بغير رَأسٍ، والإسلامُ هنا هو: الإيمانُ. "وَعَمُودِهِ": ما اعتُمِدَ عليه كعَمُودِ الخَيْمَةِ؛ فالعَمُودُ هو الَّذي ويُقِيمُهُ، ولَا ثَبَاتَ لهُ في العِبادَةِ بغير عمُودِهِ. و"ذِرْوَة" -بكسر الذال وضمها له بصورة سنام البعير طرف سنامه، والقياس جواز الفتح كـ "جذوة"، وقد قُرِئ في ﴿جَذْوَةٍ﴾ [القصص: ٢٩] بالحركات الثلاث (١)، - أعلى كل شيء استعاره بصورة البعير وأجزائه، وذروة سنام البعير: طَرفُ سنامهِ. وذكره الجهاد؛ لأنّهُ (٢) مَقْرُونٌ بالهداية بدليل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩] والهداية محصلة لمقصود هذا السائل، ويلزم منها دخول الجنّة والمباعدة من النار؛ فلا جرم كان كذلك. و"مِلاكُ" -بكسر الميم- أي: رابِطُهُ وضَابِطُهُ ومقصودُه، لأنَّ الجهادَ وغيره مِن أعمالِ الطَّاعةِ غَنِيمةٌ، وكَفُّ اللِّسان عن المحارم سلامةٌ، والسلامةُ في نَظَرِ العُقَلاءِ مقدَّمةٌ على الغنيمةِ. وثَبَتَ في "الصَّحيح": "إنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمَةِ مِن رِضْوَانِ الله لَا يُلْقِي لها بالًا، يُكْتَبُ لَهُ رضوانه إلى يومِ يَلْقَاهُ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ الله لَا يَعْلَمُ أَنَّها تَقَعُ حيثُ تَقَعُ، فيُكتَبُ لهُ بها سخط الله إلى يوم القيامة، أو قال: يَهوِي بها في النَّارِ سَبْعِينَ خَريفًا" (٣) أو كما قال.

стр. 346

قال الجوهري ﵀: "مِلاكُ الأَمرِ ومَلَاكُهُ: ما يقومُ بهِ" (١). قال الفاكهي: "يُريدُ بفتح الميم وكسرها" (٢). ويقال: القلبُ مِلَاكُ الجَسَد. و"اللسان": جَارِحَةُ الكَلام، وَيُطْلَقُ على اللُّغةِ والكلام، قال تعالى: ﴿إلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤] أي: بِلُغَتِهِم، ويُطْلَقُ على لِسان الميزان أيضًا، و"اللِّسن" بكسر اللام: اللغة. و"الجارحة" تُذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ. و"الثَّكلُ" - بالإسكان والتحريك-: فقدانُ المرأةِ ولدَها، وهو من باب: "عَقْرَى حَلْقَى" (٣) كما سيأتي. و"يكُب" -بضم الكاف-: يُلقى، و"كب" من النوادر، يتعدَّى ثُلاثِيًّا لا رباعيًّا، تقول: كَبَبْتُ الشَّيءَ وأَكُبُّهُ، فلا يتعدَّى. و"الحَصَائِدُ": ما قيل في الناس باللِّسان وقُطِع به عليهم، جَمْعُ حَصِيدةٍ؛ أي: محصُودةٍ، شبَّهَ ما تكسبه الألسن من الكلام الحرام بحصائد الزرع بجامع الكسب والجمع (٤).

стр. 347

ثالثها: في فوائده: فللَّه در معاذ ما أفصحه، لقد أوجز وأبلغ، وحَمِدَ الشَّارعُ مسألته، وأعجبه من فصاحته وقال: "لقد سَأَلتَ عَنْ عَظِيمٍ"، واستعظامه مُنْصَرِفٌ إلى العَمَلِ المطلوبِ الإيثارُ به لا ليتجنَّبه؛ بدليل قوله: "وإِنَّهُ لَيَسِيرٌ عَلَى مَن يَسَّرَهُ اللهُ تعالى عليهِ" بمعنى: على مَن وَفَّقَهُ وهَدَاهُ وشَرَحَ صَدْرَهُ وَأَعَانَهُ على مَا وفَّقَهُ إليهِ، ثُمَّ أَرْشَدَهُ لعبادَتِهِ مُخْلصًا له الدِّين بقوله: "تَعبُدُ اللهَ لَا تُشْرِكُ بهِ شيئًا" والظَّاهِرُ أنَّ العبادةَ هنا: التَّوحيد؛ بدليل قوله: "لا تُشْرِكُ بهِ شَيْئًا"، ومنه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١]: وَحِّدُوهُ. ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦]: لِيُوَحِّدُوني. فعلى هذا يكونُ قد ذَكَرَ لهُ التَّوحِيدَ وأعمالَ الإسلام، ويُحْتَمَلُ أنَّ العبادَةَ هنا تَتَنَاوَلُ الإيمانَ الباطن والإسلام الظاهر، ويكون قوله: "وَتُقِيمَ الصَّلاةَ ... " إلى آخره، عَطفُ خَاصٍّ على عَامٍّ؛ لتضمن قوله: "تَعْبُدُ اللهَ" لِمَا بعدَهُ، ثم قال: "وَتُقِيمَ الصَّلاةَ" وإقامة الصلاة: الإتيَانُ بها على أحوالها؛ كما قال في الحديث الآخر: "تَسْوِيَةُ الصَّفِّ مِن كَمَالِها" (١). ثُمَّ ذَكَرَ له شَرَائِعَ الإسلامِ مِن الزَّكاةِ والصَّومِ والحجِّ، ثم دَلَّهُ على أبوابِ الخير؛ فقال: "الصَّومُ جُنَّةٌ" ويجوزُ أن يكونَ الصَّومُ هنا غير الفرض، والمراد: الإكثارُ مِنهُ. ثم قال: "والصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الخَطِيئةَ" أي: تَمْحُوهَا: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]، وإِنَّمَا استَعَارَ لفظَ الإطفاء لمقابلة "كَمَا يُطْفِئُ الماءُ

стр. 348

النارَ؛، فَإِنَّ الخطيئةَ يترَتَّبُ عليها العِقابُ الذي هو أثرُ الغضب، والغضب يستعمل في الإطفاء، يقال: طفئ غضب فلان وانطفأَ غضبه؛ لأنَّهُ فَوَرَانُ دَمِ القلب عن غلية الحرارة كما سلف، ولعلَّه إِنَّما خَصَّ الصدقة لتعدِّي نفعها؛ ولأنَّ الخلقَ عِيالُ الله، والصدقة إحسانٌ إليهم، والعادَةُ أنَّ الإحسانَ إلى عيالِ شخصٍ تُطْفِئُ غَضَبَهُ، وشبَّهها بإطفاءِ الماء النار؛ لأنَّ بينهما غاية التضاد، إذ النار حارة يابسة، والماء بارد رطب؛ فقد ضادها بكيفيته جميعًا، والضِّدُّ يدفع الضد ويعدمُهُ، وقد سلف أنها "برهانٌ" أي: على صدقِ الإيمانِ؛ لأَنَّ غيرها لا ينتظر ثوابه بخلافه فيها؛ لقوله ﵊: "ليسَ لَكَ مِن مَالِكَ إلَّا مَا أَكَلتَ فَأَفْنَيْتَ، أَوْ تَصَدَّقتَ فَأَبْقَيْتَ، أو لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ" (١) فجعل الصدقة هي الباقية لَهُ، ويُريد بها غيرَ مَا أسلَفَهُ مِن الزَّكاةِ. وقد جاء في الخبر: "أنه ﵊ ذَبَحَ شاةً، فَتَصدَّقَ بِلَحْمِها غير الذِّراع، ثُمَّ دَخَلَ البيتَ فقال: "هلْ بَقِيَ مِنها شَيْءٌ" -يُريدُ أنْ يُتَصَدَّق بهِ-؟ فقالوا: واللهِ مَا بَقِيَ إلَّا الذِّرَاعُ، فقال: "واللهِ كُلُّها بَقِيَتْ إلَّا الذِّراع"! (٢). ثم أرشَدَهُ إلى الصلاةِ في جوف الليل وتلا الآية، والنصف الثاني من الليل أفضل من الأول، والثلث الأوسط أفضل من الأول والآخر، والسدس الرابع والخامس أفضل من الأوائل والأُخَر.

стр. 349

وقيل: هل لابُدَّ مِن فعلهِ بعد هَجْعَةٍ، أَوْ لَا يُشتَرَطُ؟ فيه خلافٌ للعلماء، وظواهر الأحاديث تقتضي الإطلاق. ثم أخبَرَهُ برأسِ الأَمْرِ وعمودِه وذروةِ سَنَامهِ، والجهادُ لا يقاوِمُهُ شيءٌ مِن الأعمال، وإن كان نَقْلُ العِلمِ أَفْضَل، وقد قالوا: "يا رسول الله! مَا يَعْدِلُ الجهاد؟ فقال: "لَا تُطِيقُونَهُ". ثُمَّ ذَكَرُوا سؤالهم، فقال: "لَا تُطِيقُونَهُ". ثُمَّ قال: "أَيَسْتَطِيعُ أَحَدَكُمْ أَنْ يَدخُلَ بيتًا فيصومُ ولا يُفْطِر، ويُصَلِّي ولا يَفْتُرُ"؟ فقالوا: لا، فقال: "إِنَّمَا مَثَلُ المجَاهِدِ كَمَثَلِ الصَّائِمِ القَائِمِ الذي لَا يَفْتُرُ مِن صَلاةٍ وَلَا صِيَامٍ" (١). ثم نَقَلَهُ مِن الجهاد الأصغر إلى الأكبر، وهو جهادُ النَّفس وقمعها من الكلام فيما يُرْدِيها (٢) ويؤذيها، ثم جعل أكثر دخول الناس النار من ألسنتهم، وقد قال ﵊: "مَنْ يَضْمَنْ لي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَرِجْلَيْهِ أَضْمَنْ لَهُ الجَنَّةَ" (٣)، وقد سلف في الحديث شرحُ الصمتِ وما فيه من الخير والسلامة (٤). وأَمَّا أخذه ﵊ بلسانه؟ فَلِأنَّهُ أبلغُ في الزَّجرِ، كما في قول الخليل ﵊: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]. فائدة: قال ابن هبيرة في "إجماع الأربعة": "اختَلَفُوا في أفضل الأعمال بعد الفرض؛ فقال الشافعي ﵀: الصلاة فرضًا ونَفْلًا. وقال أحمد ﵀: "لا أعلمُ بعدَ الفرائض أفضل من الجهاد".

стр. 350

ومذهبُ مالك وأبي حنيفة -رحمهما الله- أنَّهُ لا شيء -بعد فرائض الأعيان من أعمال البر- أفضل من العلم ثم الجهاد" (١). رابعها: إنما قال: "سَأَلْتَ عن عَظِيمٍ"، لأنَّ عِظَمَ المُسَبِّبات بِعِظَم الأسباب (٢)، ودخول الجنة والتباعد عن النار أمرٌ عظيم، سببه: امتثال المأمور واجتناب المحظور، وذلك عظيمٌ صَعبٌ، وَلَوْلا ذَلِكَ لَمَا قال تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣]، ﴿وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٧]. ثم قال: "وإِنَّهُ لَيَسِيرٌ على مَن يسَّرَهُ الله عليه" بِشَرْحِ الصَّدرِ للطَّاعةِ، وتهيِئَةِ أَسبابِها، والتوفيق لها: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ [الأنعام: ١٢٥]، وبالجملةِ: فالتَّوفيقُ إذا ساعَدَ على شيء يُسِّرَ، ولو كان نقل الجبالِ. خامِسُها: قوله: "كُفَّ عَلَيكَ هَذَا" لفظَةُ "على" إِمَّا بمعنى "عن" أو أنه ضمن "كف" بمعنى: احبس، أي: احبس عليك لسانك، لا يؤذيك بالكلام. وفي الحكمة (٣): "لِسَانُكَ أَسَدُكَ، إِن أَطْلَقْتَهُ فَرَسَكَ، وَإِنْ أَمْسَكْتَهُ حَرَسَكَ". وكان الصِّدِّيقُ ﵁ يُمْسِكُ لِسانَهُ ويقول: "هذا الذي أَوْرَدَني المَوَارِد" (٤).

стр. 351

وقوله "كُفَّ" يحتمل عمومه، وخصَّ منه الكلام بالخير، كقوله: "فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ" (١) ويُحْتَمَل أَنَّهُ مِن باب المُطْلَقِ، وقد عمل به في كَفِّ اللسان عن الشر؛ فلا تَبْقَى له دِلالةٌ على غير ذلك. وأَصْلُ الاحتمالَيْن أنَّ الفِعلَ يَدُلُّ على المصدرْ، لكن [هل] (٢) يُقَدَّر المصدر مُعَرَّفًا فيَعُمْ، نحو: "اكفف الكف"، أو مُنَكَّرًا فَلَا يَعُم: "اكفف كفًا"، أو يَنْبَنِي على أنَّ المصدرَ جِنسٌ، فيعم أَوْ لا فَلَا. وعليه اختلف -فيما أحسب- إذا قال: طلقتُكِ طلاقًا، هل يقع ثلاثًا أو واحدةً؟ وقول معاذ: "إِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بهِ؟ " هو استفهام استئناف وتعجب، لا يقال: كيف خفي ذلك عنه وقد قال الشارع في حَقِّهِ: "إِنَّهُ أَعلَمُكُمْ بالحَلالِ والحَرَامِ" (٣) والكلام المؤَاخَذُ به حرامٌ، لأن ظاهر الحلال والحرام في المعاملات الظَّاهرة بين الناس، لا في مُعَامَلاتِ العبدِ مع ربِّهِ، أو حَصَلَت له هذه الرُّتبة بَعْدُ.

стр. 352

وقوله: "ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ" حقيقتُهُ الدُّعاءُ بموتِهِ، لكن غَلَبَ ذلك على الألسنةِ مِن غير قَصدِ حقيقتِهِ. وقوله: "وهل يَكُبُّ" استفهامُ إنكارٍ؛ أي: ما يكب الناسَ إلَّا حصائِدُ ألسِنَتِهِمْ؟! وهو يَقْتَضِي أنَّ كُلَّ مَن يُكَبُّ في النار فَسَبَبُ ذلك لسانُهُ، وهو عامٌّ أُريدَ به الخاصُّ؛ فإنَّ فيهم مَن يكب فيها بعَمَلِهِ، واِنَّما خَرَجَ هذا مَخْرَجُ المبالغةِ في تعظيم الكلام كـ "الحَجُّ: عَرَفَةُ" أي: مُعْظَمُهُ؛ كَذلكَ (١) مُعْظَمُ أسبابِ [النار] (٢) الكلام، كالكفرِ والقَذْفِ والسَّبِّ والنميمةِ وغيرِ ذلك" لأنَّ الأعمالَ يلقيها الكلام غالبًا، فلهُ حَظٌّ في سببِ الجزاءِ ثوابًا وعقابًا، وفي المَثَل: "يقول اللسان للقفا كُلَّ يوم: كيفَ أصبحتَ؟ فيقول: بخيرٍ؛ إنْ سَلِمتُ مِنكَ"! (٣).

стр. 353

الحديث الثلاثون عن أبي ثعلبة جرثوم بن ناشر ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "إِنَّ اللهَ قَدْ فَرَضَ فَرائِضَ فَلَا تُضَيِّعُوهَا، وَحَدَّ حُدُودًا؛ فَلَا تَعْتَدُوهَا، وَحَرَّمَ أَشيَاءَ؛ فَلَا تَنْتَهِكُوهَا، وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ رَحْمَةً بِكُمْ مِن غَيْرِ نِسْيَان، فَلَا تَبْحَثُوا عَنْها". حديثٌ حَسَنٌ، رَوَاهُ الدَّارقُطْني وغيره (١). الكلام عليه من وجوه: أحدها: في التعريف براويه: وقد اختُلِفَ في اسمه واسم أَبيه اختلافًا كثيرًا نحو أربعين قولًا؛ منها ما ذَكَرَهُ المُصَنِّف، وهو: بضَمِّ الجيم ثم راءٌ مهمَلَةٌ ثم تاءٌ مثلَّثة، وقد أوضحتُها في الكنى من كتابي "رجال الكتب الستة" فراجِعهَا منهُ؛ فإنها تُسَاوي رحلةً، له

стр. 354

صحبةٌ وروايةٌ، بايع تحتَ الشَّجرةِ، وضُرِبَ له سهمهُ في حُنَيْن، ماتَ سنةَ خمس وسبعين بالشَّام، وهو من الأفراد (١). و"الخُشَني" -بضم الخاء المعجمة، وفتح الشين المعجمة أيضًا ثم نون- نسبة إلى خُشَيْنَةَ- قبيلة معروفة (٢). و"الدارقطني": نسبة إلى دار القطن، محلَّة ببغداد كما سلف في شرح الخُطبة، وقد ذكرتُ ترجمته في "طبقات المحدِّثين". ثانيها: حَكَمَ على إسناده أيضًا بالصِّحةِ: ابنُ الصَّلاحِ في الأحاديث التي جَمَعَها، فبلغتْ ستةً وعشرين -وهو كما قالَا- لكن لَمَّا ذَكَرَهُ الذَّهبي في "مختصر الفاروق" من طريق مكحول عن ثعلبة أعقَبَهُ بأنْ قال: "مكحول لم يُدْرِك أبا ثعلبة" (٣). قلتُ: هذا مختلفٌ فيه؛ قال يحيى بن معين: "إنه سَمِعَ مِنهُ". وأنكرَ أبو مِسْهَر سماعه منه، وقال أبو حاتم: "دخل عليه ولم يسمع منه". وقال أبو زُرْعَةَ: "لم يسمع منه". قلتُ: وهو معاصِرٌ له بالسِّنِّ والبلد؛ فيحتمل أن يكون لَقِيَهُ، وأن يكون أرسل عنه بعادته وهو تدليس أيضًا.

стр. 355

قال الذهبي: "ثم روى من حديث عائشة -رَفَعَتْهُ-: "إِنَ الله فَرَضَ فَرَائِضَ فَلَا تُضَيِّعُوها ... " الحديث، ثم قال: "وفيه: صالح المري، وهو ضعيف" قال: "ويروى مثله، عن الحكم الإيلي، عن القاسم بن عمر، عن أبيه رفعه". وقال أبو نعيم: حدثنا عاصم بن حيوة، عن أبيه، عن أبي الدرداء -رفع الحديث- قال: "مَا أَحَلَّ اللهُ في كِتابهِ فَهوَ حَلَالٌ، وَمَا حَرَّمَ فَهوَ حَرَامٌ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ [فهو] عَافِيةٌ؛ فاقْبَلُوا مِنْهُ عَافِيَتَهُ، فَإِنَّ اللهَ لَمْ يَكُنْ نَسِيًّا" (١) وهذا منقطِعٌ. وروى سليمان التيمي [عن أبي عثمان النهدي] (٢) عن سلمان أنَّهُ سُئِلَ عن السَّمن والجبن والفِرَاء، فقال: "الحلالُ ما أَحَلَّ اللهُ في كتابهِ، والحرامُ مَا حَرَّمَ اللهُ في كِتَابهِ، وَمَا سَكَتَ عنهُ فهوَ مِمَّا عَفَا الله" (٣). رواه الثوري ﵀ والحُفَّاظ عن سلمان موقوفًا. قلتُ: وهو حديثٌ جامِعٌ بلِيغٌ مُوجَزٌ، تَضَمَّنَ قواعد الشريعة حُكْمًا وأدبًا؛ لأنَّ الحُكمَ الشَّرعي في الأمر: إِمَّا مسكوتٌ عنه أو مُتَكَلَّمٌ به، وهوَ أمرٌ أو نَهْيٌ؛ فالأمرُ ألَّا يُضَيَّع كالإيمان والإسلام وما وجب من خصائلهما، والمُحَرَّم حقه أن لا يُقَارَب؛ كالكفر والزِّنا والسَّرقة والقذف والسِّحر وشهادة الزور وأكل الربا ومال اليتيم.
следующие страницы →