وقوله "كُفَّ" يحتمل عمومه، وخصَّ منه الكلام بالخير، كقوله: "فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ" (١) ويُحْتَمَل أَنَّهُ مِن باب المُطْلَقِ، وقد عمل به في كَفِّ اللسان عن الشر؛ فلا تَبْقَى له دِلالةٌ على غير ذلك.
وأَصْلُ الاحتمالَيْن أنَّ الفِعلَ يَدُلُّ على المصدرْ، لكن [هل] (٢) يُقَدَّر المصدر مُعَرَّفًا فيَعُمْ، نحو: "اكفف الكف"، أو مُنَكَّرًا فَلَا يَعُم: "اكفف كفًا"، أو يَنْبَنِي على أنَّ المصدرَ جِنسٌ، فيعم أَوْ لا فَلَا. وعليه اختلف -فيما أحسب- إذا قال: طلقتُكِ طلاقًا، هل يقع ثلاثًا أو واحدةً؟
وقول معاذ: "إِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بهِ؟ " هو استفهام استئناف وتعجب، لا يقال: كيف خفي ذلك عنه وقد قال الشارع في حَقِّهِ: "إِنَّهُ أَعلَمُكُمْ بالحَلالِ والحَرَامِ" (٣) والكلام المؤَاخَذُ به حرامٌ، لأن ظاهر الحلال والحرام في المعاملات الظَّاهرة بين الناس، لا في مُعَامَلاتِ العبدِ مع ربِّهِ، أو حَصَلَت له هذه الرُّتبة بَعْدُ.
стр. 352
وقوله: "ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ" حقيقتُهُ الدُّعاءُ بموتِهِ، لكن غَلَبَ ذلك على الألسنةِ مِن غير قَصدِ حقيقتِهِ.
وقوله: "وهل يَكُبُّ" استفهامُ إنكارٍ؛ أي: ما يكب الناسَ إلَّا حصائِدُ ألسِنَتِهِمْ؟! وهو يَقْتَضِي أنَّ كُلَّ مَن يُكَبُّ في النار فَسَبَبُ ذلك لسانُهُ، وهو عامٌّ أُريدَ به الخاصُّ؛ فإنَّ فيهم مَن يكب فيها بعَمَلِهِ، واِنَّما خَرَجَ هذا مَخْرَجُ المبالغةِ في تعظيم الكلام كـ "الحَجُّ: عَرَفَةُ" أي: مُعْظَمُهُ؛ كَذلكَ (١) مُعْظَمُ أسبابِ [النار] (٢) الكلام، كالكفرِ والقَذْفِ والسَّبِّ والنميمةِ وغيرِ ذلك" لأنَّ الأعمالَ يلقيها الكلام غالبًا، فلهُ حَظٌّ في سببِ الجزاءِ ثوابًا وعقابًا، وفي المَثَل: "يقول اللسان للقفا كُلَّ يوم: كيفَ أصبحتَ؟ فيقول: بخيرٍ؛ إنْ سَلِمتُ مِنكَ"! (٣).
стр. 353
الحديث الثلاثون
عن أبي ثعلبة جرثوم بن ناشر ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "إِنَّ اللهَ قَدْ فَرَضَ فَرائِضَ فَلَا تُضَيِّعُوهَا، وَحَدَّ حُدُودًا؛ فَلَا تَعْتَدُوهَا، وَحَرَّمَ أَشيَاءَ؛ فَلَا تَنْتَهِكُوهَا، وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ رَحْمَةً بِكُمْ مِن غَيْرِ نِسْيَان، فَلَا تَبْحَثُوا عَنْها".
حديثٌ حَسَنٌ، رَوَاهُ الدَّارقُطْني وغيره (١).
الكلام عليه من وجوه:
أحدها: في التعريف براويه:
وقد اختُلِفَ في اسمه واسم أَبيه اختلافًا كثيرًا نحو أربعين قولًا؛ منها ما ذَكَرَهُ المُصَنِّف، وهو: بضَمِّ الجيم ثم راءٌ مهمَلَةٌ ثم تاءٌ مثلَّثة، وقد أوضحتُها في الكنى من كتابي "رجال الكتب الستة" فراجِعهَا منهُ؛ فإنها تُسَاوي رحلةً، له
стр. 354
صحبةٌ وروايةٌ، بايع تحتَ الشَّجرةِ، وضُرِبَ له سهمهُ في حُنَيْن، ماتَ سنةَ خمس وسبعين بالشَّام، وهو من الأفراد (١).
و"الخُشَني" -بضم الخاء المعجمة، وفتح الشين المعجمة أيضًا ثم نون- نسبة إلى خُشَيْنَةَ- قبيلة معروفة (٢).
و"الدارقطني": نسبة إلى دار القطن، محلَّة ببغداد كما سلف في شرح الخُطبة، وقد ذكرتُ ترجمته في "طبقات المحدِّثين".
ثانيها: حَكَمَ على إسناده أيضًا بالصِّحةِ: ابنُ الصَّلاحِ في الأحاديث التي جَمَعَها، فبلغتْ ستةً وعشرين -وهو كما قالَا- لكن لَمَّا ذَكَرَهُ الذَّهبي في "مختصر الفاروق" من طريق مكحول عن ثعلبة أعقَبَهُ بأنْ قال: "مكحول لم يُدْرِك أبا ثعلبة" (٣).
قلتُ: هذا مختلفٌ فيه؛ قال يحيى بن معين: "إنه سَمِعَ مِنهُ". وأنكرَ أبو مِسْهَر سماعه منه، وقال أبو حاتم: "دخل عليه ولم يسمع منه". وقال أبو زُرْعَةَ: "لم يسمع منه".
قلتُ: وهو معاصِرٌ له بالسِّنِّ والبلد؛ فيحتمل أن يكون لَقِيَهُ، وأن يكون أرسل عنه بعادته وهو تدليس أيضًا.
стр. 355
قال الذهبي: "ثم روى من حديث عائشة -رَفَعَتْهُ-: "إِنَ الله فَرَضَ فَرَائِضَ فَلَا تُضَيِّعُوها ... " الحديث، ثم قال: "وفيه: صالح المري، وهو ضعيف" قال: "ويروى مثله، عن الحكم الإيلي، عن القاسم بن عمر، عن أبيه رفعه".
وقال أبو نعيم: حدثنا عاصم بن حيوة، عن أبيه، عن أبي الدرداء -رفع الحديث- قال: "مَا أَحَلَّ اللهُ في كِتابهِ فَهوَ حَلَالٌ، وَمَا حَرَّمَ فَهوَ حَرَامٌ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ [فهو] عَافِيةٌ؛ فاقْبَلُوا مِنْهُ عَافِيَتَهُ، فَإِنَّ اللهَ لَمْ يَكُنْ نَسِيًّا" (١) وهذا منقطِعٌ.
وروى سليمان التيمي [عن أبي عثمان النهدي] (٢) عن سلمان أنَّهُ سُئِلَ عن السَّمن والجبن والفِرَاء، فقال: "الحلالُ ما أَحَلَّ اللهُ في كتابهِ، والحرامُ مَا حَرَّمَ اللهُ في كِتَابهِ، وَمَا سَكَتَ عنهُ فهوَ مِمَّا عَفَا الله" (٣).
رواه الثوري ﵀ والحُفَّاظ عن سلمان موقوفًا.
قلتُ: وهو حديثٌ جامِعٌ بلِيغٌ مُوجَزٌ، تَضَمَّنَ قواعد الشريعة حُكْمًا وأدبًا؛ لأنَّ الحُكمَ الشَّرعي في الأمر: إِمَّا مسكوتٌ عنه أو مُتَكَلَّمٌ به، وهوَ أمرٌ أو نَهْيٌ؛ فالأمرُ ألَّا يُضَيَّع كالإيمان والإسلام وما وجب من خصائلهما، والمُحَرَّم حقه أن لا يُقَارَب؛ كالكفر والزِّنا والسَّرقة والقذف والسِّحر وشهادة الزور وأكل الربا ومال اليتيم.
стр. 356
و "فرض" و "افترض" بمعنى، والاسم: الفريضة، والجمع: فرائض؛ أي: أوجبَ وحَتَمَ وأَلزَمَ، والفرض ضد النفل، والفريضةُ أيضًا ما فرض في السَّائمة من الصَّدقة، يقال: أفرضت الماشية؛ أي: بَلَغَت نِصَابًا يجِبُ فيه الفريضة، والفريضتان: الجَذَعَةُ من الغنم، والحِقَّةُ من الإبل، والفريضة في المواريث معروفة.
ومعنى "فلا تُضَيِّعُوها": لا تَتْركوها ولا تتهاونوا فيها، وقُومُوا بها كما فُرِضَ كليكم.
و"الحُدُودُ": جمعُ حَدٍّ، وهو الحَاجِزُ بين الشَّيئين، وحَدُّ الشيء: مُنْتَهَاهُ، تقول: حدَدْتُ الدَّارَ أَحُدُّها حدًّا، والتحديد مثله.
ومعنى "فلا تعتدوها": لا تجاوزوها، وقِفُوا عندها، وأقيموها، ولا تُهْمِلُوهَا، ولا تُحَابوا فيها؛ فإِنَّهُ وَرَدَ: "حَدٌّ يُقَامُ في الأرضِ خَيْرٌ مِن أَنْ تُمْطِرَ السَّماءُ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا" (١).
والمراد بالحدود هنا: الزَّوَاجر دون الوقوف عند النواهي، والأوامر بألَّا يتكرَّر مع ما قبلها بحدوده مقدرة يجب الوقوف عند تقدير الشَّرع لها، وكذا المحرمات لها حدود محدودة؛ فإن حملت على الزواجر فمعنى "لا تعتدوها": لا تَزِيدُوا عليها على مَا أَمَرَ بهِ الشَّارعُ، وزيادةُ الفاروق الحَدَّ إلى ثمانين مِن باب التنكيل والزجر.
стр. 357
وحديث عليٍّ ﵁: "لا يموت أَحَدٌ في حَدٍّ وفي نَفْسِي مِنهُ شَيءٌ إلَّا شارب الخمر؛ فإنَّهُ لو ماتَ ودَيْتُهُ، وذلك أنَّ رَسُولَ الله ﷺ لَمْ يَسُنَّهُ" (١).
المراد أنه لم يَسُنَّهُ بنَصِّ قوله وفعله، وإن حُمِلت على الوقوف عند النواهي، فمعنى "لا تعتدوها": لا تجاوزوا ما حَدَّ لكم الشَّرعُ بمخالفةِ الأمور، وارتكاب المحظور.
ثالثها: معنى "فرض": أَوْجَبَ وَأَلْزَمَ؛ كما سلف، وإضاعةُ الفرائض إِمَّا تركها كما سلف أيضًا، أو تأخيرها عن وقتها، وهو أخف، وإلَّا عند المجاوزة كما قررناه.
و"الانتهاك": الارتكاب والاقتحام.
و"سَكَتَ عن أَشياءَ رَحْمَةً لَكُمْ مِن غَيْرِ نِسْيَان؛ فَلَا تَبْحَثُوا عنها" فإن الرَّبَّ تعالى لم يَنْسها: ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ [طه: ٥٢].
وقال ﵊: "إِنَّ أَعْظَمَ المسلمينَ جُرْمًا: مَنْ سَأَلَ عن شَيْءٍ لَمْ يُحَرَّمْ؛ فَحُرِّمَ مِن أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ" (٢)، وقال تعالى: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١].
وقد نَهَى الشَّارِعُ عن كَثْرةِ السُّؤالِ إلَّا فيما لابُدَّ منهِ، وروى أبو هريرة -رفعه-: "اترُكُوني مَا تَرَكْتُكُمْ، وإِذَا حَدَّثتُكُمْ فَخُذُوا عَنِّي؛ فَإِنَّما أُهْلِكَ الَّذِينَ مِنْ
стр. 358
قَبْلِكُمْ بِكَثْرَةِ مَسَائِلِهِمْ، واختِلافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِم" (١).
وإن الله سبحانه لَمَّا أرسلَ رَسُولَهُ، وأنزلَ عليه كتابَهُ، وأمرَهُ بتبليغهِ إلى الأُمَّةِ قال ﵊: "إِنَّ اللهَ أَمَرَكُمْ بأَشْيَاءَ، فَامْتَثِلُوهَا، وَنَهاكُمْ عَنْ أَشْيَاءَ؛ فَاجْتَنِبُوها، وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ رَحْمَةً لَكُمْ، فَلَا تَسْأَلُوا عَنْها"، وذلك كُلُّهُ على معنَى الرِّفقِ بالخَلْقِ، وَنَفْيِ الحَرَجِ عنهم، وإرادةِ التَّسْهيلِ عليهم، وكانَ يَتْرُكُ العَمَلَ خَوْفًا أنْ يُفْرَضَ عليهم.
وقال: "لو قلتُ: نَعَمْ، لَوَجَبَتْ" في أشباهِ ذَلِكَ، إلَّا أنْ تَنْزِلَ بالعبدِ نَازِلَةٌ، فحينئذ يتَعَيَّن عليه السؤال عنها فكانت الصحابةُ ﵃ قد فَهِمَتْ ذلك، فَكَفَّتْ وسَكَتَتْ، وكان يُعْجِبُهُم أن يأتيَ الأعرابُ يسألونَ رسول الله ﷺ فيُجيبُهُم، فَيَسْمَعُونَ وَيَعُون.
وروى "الترمذي" (٢) أنَّ شي ذلك نزلت الآية السَّالِفَةُ، وكان بنو إسرائيل يَسْأَلونَ فَيُجَابونَ عَمَّا يَسْأَلُونَ، ويُعطَوْنَ مَا طَلَبُوا حتى كان ذلك لهم فتنةً، وأَدَّى ذلك بهم إلى هلاكِهِم" فاجتَنَبَتِ الصَّحابةُ ما فعلتْهُ بنو إسرائيل حتى بَالَغَ بعضُ العلماءِ فقال: لا يجوزُ السُّؤال في النَّوَازِل للعلماء حتى تَقَعَ. وكان السَّلفُ يقُولون في مِثْلِها: دَعُوهَا حتى تَنْزِل، وإنَّهُ لمكروهٌ، وإن لم يكن حرامًا، إلَّا أنَّ العلماءَ أَصَّلُوا، وَفَرَّعُوا، وَمَهدُوا، وَسَطَّرُوا لَمَّا خَافُوا ذَهابَ العُلماء ودُرُوسَ العِلمِ.
стр. 359
خاتمة: قد يتمَسَّكُ به الظَّاهِرِيُّ لمذهبهِ اتِّباعُ الظَّاهر، وما لا حكم فيه ردوه إلى حكم ما قبل ورود الشرع، وفيها مذاهب معروفة، ومذهب أصحابنا وأكثر المتكلِّمين على أنها على الحَظْر، وهو ظاهر الحديث "لأنَّه نهى عن البحث عما سُكِتَ عنه، والقول بالقياس وإلحاق المسكوت عنه بالمنطوق إلحاق؛ فما سكت عنه فيكون على خلاف قياس الشَّرع، فيكون مردودًا، عملًا بقوله ﵊: "مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عليهِ أَمْرُنَا فَهوَ رَدٌّ". وهذا الاستدلال ظني، وأدلة القياس ظاهرة؛ فلا يعارضها الظني (١).
стр. 360
الحديثُ الحادي والثلاثون
عنْ أَبي العبَّاسِ سَهْلِ بن سَعْدٍ السَّاعِديِّ ﵁ قال: جَاءَ رَجُلٌ إلى النَّبيِّ ﷺ فقالَ: يَا رسولَ اللهِ! دُلَّنِي على عَمَلٍ إِذَا عَمِلْتُهُ أَحَبَّنِي اللهُ وَأَحَبَّنِي النَّاسُ؟ قال: "ازهَدْ في الدُّنيَا يُحِبَّكَ اللهُ، وازهَدْ فِيمَا في أَيْدِي النَّاس يُحِبَّكَ النَّاسُ".
حديثٌ حَسَنٌ، رواهُ ابن ماجه وغيْرُهُ بِأَسَانِيدَ حَسَنَةٍ (١).
الكلام عليه من وجوه:
أحدها: في التعريف براويه:
وهو أبو العباس -كما ذكره المصنف-، أو أبو يحيى سهل بن سعد بن
стр. 361
مالك بن خالد السَّاعِدي المدني -وقيل: سعد بن سعد بن مالك، والأول أصح-، لهُ ولأَبيهِ صُحْبَةٌ، مات سنة ثمان وثمانين -أو إحدى وتسعين- عن مائة ونحوها، وهو آخر مَن ماتَ مِن الصَّحابةِ بالمدينة -على أحد الأقوال- وكان اسمه: حزنًا؛ فسمَّاهُ الشَّارع: سَهْلًا (١).
وابن ماجه اسمه: أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه القزويني صاحب "السنن"، و"التفسير"، و"التاريخ"، وُلِدَ سنةَ تِسعٍ ومِائتين، ومات سنة ثلاث وسبعين (٢).
ثانيها: هذا الحديث أحد الأحاديث الأربعة التي عليها مدار الإسلام -كما سلف- وقد جُمِعَتْ في قوله شِعرًا:
عُمْدَةُ الدِّينِ عِندَنَا كَلِمَاتٌ ... أَرْبَعٌ مِنْ كَلام خَيْرِ البَرِيَّهْ
اتَّقِ الشُّبُهاتِ، وازْهَدْ، وَدَعْ مَا ... لَيسَ يَعْنِيكَ، واعْمَلَنَّ بِنِيَّهْ (٣)
ثالثها: قوله: "يُحِبَّك الله" هو بفتح الباء المشددة، والأصل: "يحبِبْك" بكَسرِ الأُولى وسكون الثانية، مجزوم على جواب الأمر الذي هو "ازهد في الدنيا" فأُسْكِنت الباء الأولى عند إرادةِ الإدغَامِ بنقل حركتها إلى الساكن قبلها -وهو الحاء- فاجتَمَعَ ساكِنَان، فحُرِّك الآخر لالتقاء الساكنين بالفتح تخفيفًا.
стр. 362
قال المازري: "الباري تعالى لا يُوصَفُ بالصِّفةِ المَعْهُودَةِ فينا، لأَنَّهُ مُقَدَّسٌ عن أنْ يميل أو يمال إليه، وليس بذي جنس وطبع فيوصف بالشَّوْقِ الذي تَقْتَضِيهِ الطَّبيعةُ البشريَّةُ، وإنما محبته تعالى للخلق: إرادته لثوابهم ونعيمهم، على رأي بعض أهل العلم، وعلى رأي بعضهم: أنَّ المحبَّةَ راجِعَةٌ إلى نَفْسِ الإثابة والتنعيم لا الإرادة" (١).
أي: فَعَلَى هذا يكونُ صفة فِعْلٍ، وعلى الأول صفة ذات. وبه قال ابن فورك (٢).
ومعنى محبة المخلوقين له: إرادَتُهُمْ أنْ يُنَعِّمَهُمْ ويُحْسِنُ إليهم، أو لِمَا ابتدأهم به من نِعَمِهِ ودَفَعَ من نقمهِ، وإليه الإشارة بقوله ﵊: "أَحِبُّوا الله؛ لِمَا يَغْذُوكمْ بهِ مِنْ نِعَمِهِ" (٣)، ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤]، "جُبِلَت القلوبُ على حُبِّ مَن أحسَنَ إليها"، ولا إحسانَ في الحقيقةِ إلَّا لله، لأنَّهُ خالقها وخالقهم، ومن محبته: محبته رسله وأنبيائه وأوليائه وملائكته، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، واتِّباع سُنَّةِ رَسُولِهِ.
تَعْصِي الإلهَ وأَنْتَ تُظْهِرُ حُبَّهُ ... هذا مُحَالٌ في القِيَاسِ بَدِيعُ
لَوْ كانَ حُبُّكَ صَادِقًا لأَطَعْتَهُ ... إنَّ المُحِبَّ لمن يُحِبُّ مُطِيعُ (٤)
стр. 363
وللقوم فيها عبارات:
التُّسْتَرِي: "هي معانَقةُ الطَّاعة، ومبايَنَةُ المُخَالفة".
الروذباري: "المُوَافَقَة".
يحيى بن معاذ: "ليس الصادِقُ مَن ادَّعَى محبَّتَهُ ولم يَحْفَظْ حُدُودَهُ" (١).
وقد أوضحها القُشَيْري، وصاحِبُ "المُفْهِم" (٢).
رابعها: حَثُّ الشَّارع على التقَلُّلِ مِن الدُّنيا وما فيها، وقال: "كُنْ في الدُّنيَا كَأَنَّكَ غَريبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ" (٣)، "حُبُّ الدُّنيا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ" (٤).
وفي "الودعانيات المَوْضُوعة" (٥) من حديث أبي هريرة، عن أبي سعيد الخدري -رفعه-: سمعتُ النبي ﷺ يقول -يعظه-: "ارغبْ فيما عِندَ الله؛ يحبك الله، وازهد فيما في أَيْدِي الناس يُحِبَّكَ النَّاسُ، إِنَّ الزَّاهِدَ في الدُّنيا يُرِيحُ قَلْبَهُ وَبَدَنَهُ في الدُّنيا والآخِرَةِ، والرَّاغِبُ في الدُّنيا يُتْعِبُ قَلْبَهُ وَبَدَنَهُ في الدُّنيا والآخِرَة، لَيَجِيئَنَّ أَقوامٌ يَوْمَ القِيامَةِ لهم حَسَنَاتٌ كَأَمْثَالِ الجبالِ، فَيُؤْمَرُ بهم إلى النَّارِ". فقيلَ: يا نَبِيَّ اللهِ! أَوَ يُصَلُّونَ؟ قال: "كانوا يُصَلُّونَ وَيَصُومُونَ وَيَأْخُذُونَ وهنًا مِن اللَّيلِ؛ لكِنَّهمْ كانوا إذَا لاحَ لهم بِشيءٍ مِنَ الدُّنيا وَثَبُوا عليه".
стр. 364
وقد قال ﵊ في حديث: "أيها الناس! اتقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ، واسعَوْا في مَرْضَاتِهِ، وَأَيْقِنُوا مِنَ الدُّنيا بالفَنَاءِ، ومنَ الآخِرَةِ بالبَقَاءِ، واعمْلُوا لِمَا بعدَ الموت، فَكَأَنَّكَ بالدُّنيا وَلَمْ تَكُنْ، وبالآخِرَةِ وَلَمْ تَزَلْ، إِنَّ مَن في الدُّنيا ضَيْفٌ، وَمَا في يَدِهِ عَاريَّةٌ، وإنَّ الضَّيْفَ مُرْتَحِلٌ، والعَارِيةُ مَرْدُودَةٌ، والدُّنيا عَرَضٌ حَاضِرٌ، يَأْكُلُ مِنْها البَرُّ والفَاجِرُ، والدُّنيا مُبغَّضَةٌ لأَوْلِياءِ الله، مُحَبَّبةٌ لأَهْلِها فَمَنْ شَارَكَهم في مَحْبُوبهم أَبْغَضُوهُ" (١).
فأرشدَ الشَّارعُ السَّائِلَ إلى تَرْكِها بالزُّهدِ فيها، ووعده على ذلك بِحُبِّ الله له -وهو رضاه عنه- فإنَّ محبتَهُ لهم رِضَاهُ عنهم، وأرشده إلى الزُّهد فيما في أَيْدِي الناس إن أرادَ مَحَبَّة الناس له، والكل حب الدنيا؛ فليس في أيدي الناس شيء يتباغضون ويتنافسون [عليه] (٢) إلَّا الدنيا، وقد قال ﵊: "مَنْ كانتِ الآخِرَةُ هَمَّهُ: جَمَعَ اللهُ شَمْلَهُ، وَجَعَلَ غِنَاهُ في قَلْبهِ، وَأَتَتْهُ الدُّنيا وهي رَاغِمَةٌ، وَمَنْ كانَت الدُّنيا هَمَّهُ: شَتَّتَ اللهُ شَمْلهُ، وَجَعَلَ فَقْرَهُ بينَ عَيْنَيْهِ، وَلَمْ يَأْتهِ مِن الدُّنيا إلَّا مَا قُدِّرَ لَهُ" (٣)، والسَّعيد من اختارَ باقِيةً يَدُومُ نَعِيمُها، على بالِيَةٍ لا يَنْفَدُ عَذَابها.
قال بعضهم: "ووجه كون الزهد في الدنيا سببًا لمحبة الله؛ أنه تعالى يُحِبُّ مَن أطاعه، ويبغِضُ مَن عصاهُ، والطَّاعةُ مع المحبة للدنيا مِمَّا لا يجتمع، وقد
стр. 365
سلف أن حبها خطيئة، والله لا يحب الخطايا ولا أهلها، ولأن الدنيا لعب ولهو وزينة، والله لا يُحِبُّ ذلك؛ ولأنَّ القلبَ بيت الرَّب، والله وحده لا شريكَ له، ولا يُحِبُّ أن يُشرك به في بيتهِ حب الدنيا ولا غيرها.
وبالجملة: فمُحِبُّ الدنيا مبغوضٌ عِندَ الله؛ فالزَّاهد فيها الرَّاغِبُ عنها محبوبٌ له، ومحبة الدنيا المكروهة هي إيثارها لقضاء شهوات النفس وأوطارها؛ لأن ذلك شغل عن الله، أما محبتها لفعل الخير وتقديم الأجر بها عند الله ونحو ذلك فهو عبادة؛ لقوله ﵊: "نِعْمَ المَالُ الصَّالِحُ مع الرَّجل الصَّالِح، يَصِلُ بهِ رَحِمًا، وَيَصْنعُ بهِ مَعْرُوفًا" (١) أو كما قال.
وفي الأثر: "إذا كان يوم القِيامَة جمع الله الذَّهَب والفِضَّة كالجَبَلَيْنِ العَظِيمَيْن، ثم يقولُ: هذا مَالنا عَادَ إلَيْنَا؛ سَعِدَ بهِ قَوْم وشَقِي به آخرون" (٢).
ووجه كون الزهد فيما عَند الناس سببًا لمحبَّةِ الناس؛ فلأنَّ الناس يتهافَتُونَ على الدُّنيا بطِبَاعهم "إذ الدُّنيا مِيتَةٌ، والناس كِلابها؛ فمن زاحمهم عليها أَبْغَضُوهُ، ومَنْ زَهدَ فيها وَوَفَّرَها عليهم أَحَبُّوهُ، وقد سلف طرفٌ من ذلك.
وللشَّافعي ﵁ (٣):
ومَن يَذُقِ الدُّنيا فإني طَعِمْتُهَا ... وسِيقَ إِلَيْنَا عَذْبُها وعَذَابُها
стр. 366
فما هي إلَّا جِيفةٌ مُسْتَحِيلةٌ ... عليها كِلابٌ هَمُّهُنَّ اجتِذَابُها
فإن تَجْتَنِبْها كُنْتَ سِلْمًا لأَهْلِهَا ... وإن تَجْتَذِبْهَا نَازَعَتْكَ كِلَابُها (١)
ولا تبعدُ محبة الجن أيضًا له، إذ لفظ الناس يشمله.
خامسها: "الزهد" -لغة-: الإعراض عن الشيء لاستقلاله واحتقارهِ وارتفاع الهِمَّة عنه، مأخوذٌ مِن قولهم: شيء زهيد؛ أي: قليل. وفي الحديث: "إنك لزهيد" (٢).
والمختار في حده أنه استصغار الدنيا واحتقارها: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ [النساء: ٧٧]، ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [يونس: ٢٤] الآية، ويكفيه منها زاد الراكب، والإقبال على المراقب، فشخصه في الأشباح، وروحه مع الآخرة في الأرواح.
وحكى الحارث المحاسبي ﵀ فيما يزهد فيه ثلاثة أقوال: الحياة أو النقد أو متعلقات البدن، كالأكل واللبس، والظاهر أن دنيا كلِّ إنسانٍ على حَسب حاله، وقد قال حارِثةُ للشارع: "أَصْبَحْتُ مؤمنًا حقًّا! فقال له: إِنَّ لِكُلِّ حَقٍّ حقيقةً؛ فما حقيقة إيمانك؟ قال: عَزَفَتْ نفسي عن الدنيا؛ فاستوى عندي حَجَرها ومَدَرها، وكأني أنظرُ إلى عَرْشِ رَبِّي بارزًا، وكأني أنظر إلى أهل الجنةِ في
стр. 367
الجنةِ يَتَنَعَّمُون، وإلى أهل النارِ في النارِ ينقمون. قال: "يا حارثة، عرفت فالزم" (١) هذا أو قريبًا منه.
خليليَّ لا واللهِ مَا أَنَا مِنكُما ... إذا علمٌ مِن آل ليلى بَدَا لِيَا
فمثل هذا تكون الدنيا له سجنًا، ومقامه فيها هَمًّا وغمًّا "كما قال ﵊: "الدُّنْيَا سِجْنُ المؤمنِ وجَنَّةُ الكافِرِ" (٢).
* * *
فصلٌ
والزهد في الحرام واجب، وهو زهد العوام، وفيما عدا الضروريات من أداء المباحات -وهو المراد من هذا الحديث ظاهرًا- وهو زهد الخواص العارفين بالله، والزهد في الشبهات الظاهر وجوبه؛ لأنه قد يوقع في الحرام كما سلف، واجتناب الحرام واجب، والزهد فيما سوى الله من دنيا وجنة وغير ذلك، وقصد صاحب هذا الوصول إلى الرب تعالى والتقرب منه.
стр. 368
فصلٌ
والمزهود من أجله الباعث على الزهد، والذي يكون عنه الزهد خمسة أشياء:
الدنيا؛ لأنها فانية شاغلة عن التفكر النافع.
ولأنها تنقص عند الله درجات مَن رَكَنَ إليها.
ولأن تركها قُربةٌ مِن الله، وعلو مَرْتبةٍ عنده منه في درجات الجنة.
وطول الحبس والوقوف للحساب، والسؤال عن شكر النعمة.
ورضوان الله، والأمن من سخطه -وهو أكبرها- ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ٧٢]، وهو الغاية (١).
وقيل: من سمي باسم "الزاهد" فقد سمي بالقاسم ممدوح بهذا مع تعجله الراحة دنيا وأخرى؛ فَهُمُ الملوك حقيقة:
إن الزهاد في روح وراحةٍ ... قلوبُهم عن الدنيا مُرَاحَه
إذا أبصرتهم أبصرت قومًا ... ملوك الأرض شِيمَتُهُم سماحه
وهم العقلاء؛ لإيثارهم الباقي على الفاني.
قال الشافعي ﵀: "لو أَوْصَى لأَعقلِ الناسِ صُرِفَ لهم" (٢).
стр. 369
وشتَّان مَن شغَلَتهُ الدُّنيا أو اشتَغَلَ بالله:
تَشَاغَلَ قومٌ بدنياهمُ ... وقوم تخلوا لمولاهمُ
فأَلزَمَهُم بابَ مرضاته ... وعن سائر الناس أغناهمُ
* * *
стр. 370
الحديثُ الثاني والثلاثون
عن أبي سَعِيدٍ سَعْدِ بنِ مَالِك بنِ سِنَانٍ الخُدْريِّ ﵁ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قال: "لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ".
حديثٌ حَسَنٌ، رواهُ ابنُ مَاجَهْ (١) والدَّارَقُطْنِي (٢) وغيرُهما مُسْنَدًا.
ورَوَاهُ مَالِكٌ في "المُوَطَّأ" (٣) مُرْسَلًا، عن عَمْرِو بن يَحْيَى، عن أبيهِ، عن رَسُولِ الله ﷺ فَأَسْقَطَ أَبَا سَعِيدٍ، ولهُ طُرُقٌ يُقَوَّى بَعضُها بِبَعْضٍ (٤).
стр. 371
الكلام عليه من وجوه:
أحدها: في التعريف بروايه:
وهو خُدري -بدال مُهْمَلةٍ قطعًا-: نسبة إلى خدرة، قبيلةٌ مِن الأنصار من أصحابِ الشَّجرةِ، وهو أحدُ الفقهاءِ، ماتَ سنةَ أربعٍ وسبعين بالمدينة (١).
و"مالك": هو الإمام أبو عبد الله الأصبحي، إمام أحد المذاهب المتبوعة، أُفْرِدَت تَرجَمَتُهُ بالتَّألِيف، وكان مَولِدُهُ سَنةَ ثلاثٍ وتسعين، ومات سنة تسع وسبعين ومائة في ربيع الأول (٢).
ثانيها: "المسند": هو ما اتصل سنده إلى رسول الله ﷺ .
و"المرسَلُ": ما سَقَطَ منه الصَّحابي عند المُحَدِّثين، وأي راوٍ كان عند الأصوليين (٣).
وهذا الحديث وهَّاهُ ابن حزم، وقد رَدَدتُ عليه في "تخريجي لأحاديث الرافعي" وغيره (٤).
لا جرم، قال المُصَنِّفُ: "ولهُ طُرق يُقَوَّى بعضُها بِبَعْضٍ"، أي: في بعض طرقه لِينٌ يُجْبَرُ بغيره ويَقْوَى، وهو مُرَجِّحٌ وعاضِدٌ، وقد يكون العاضد كتابًا مثل أنْ يكونَ الحديثُ ضعيفًا، لكن يوافِقُهُ ظَاهِرُ آيةٍ، أو عمومها فَيَقْوَى بها ويتعاضَدَان، وقد يكون سُنَّةً تُعَاضِدُهُ: إِمَّا عن راوي الحديث نفسه، أو عن
стр. 372
غيره، وقد قيل في المثل:
لا تُخَاصِم بِوَاحِدٍ أَهْلَ بَيْتٍ ... فَضَعِيفَانِ يَغْلِبَانِ قَوِيًّا
وقال ابن الصلاح: "رواه الدارقطني في "جامعه" مِن وُجوهٍ مُتَّصِلًا، وهو حديث حسن". وقال مَرَّةً: "أسنَدَهُ مِن وُجُوهٍ، ومجموعها يقوي الحديث ويحسِّنه، وقد نَقَلَهُ جماهيرُ أهلِ العلمِ واحتجُّوا به، فعن أبي داود أنه قال: "الفقه يدور على خمسة أحاديث ... " (١) وَعدَّ هذا الحديث مِن الخمسةِ.
قال: "فعدُّ أبي داودَ له مِن الخمسةِ، وقوله فيه يُشْعِرُ بكونهِ عنده غير ضعيف، وجعله خُمْس الشَّريعة" (٢).
قال ابن عبد البر: "ولم يختلف عن (٣) مالك في هذا الحديث وإرساله، وقد رواه الدِّراوَرْدِي عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله ﷺ فأسنده، ولهُ طُرقٌ كَثيرةٌ، ومعناه صحيحٌ في الأصول أيضًا، وقد ثَبَتَ عن النبي ﷺ أنه قال: "حَرَّمَ اللهُ مِنَ المُؤْمنِ: دَمَهُ ومَالَهُ وَعِرْضهُ، وأَلَّا يُظَنَّ بهِ إلَّا الخير" (٤).
стр. 373
وقال -أيضًا-: "إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ" (١) [يعني مِن] (٢) بعضكم على بعض. وقد قال تعالى: "يا عِبادِي! إنِّي حَرَّمتُ الظُّلمَ على نَفْسِي، وجَعَلْتُهُ بينَكُمْ مُحَرَّمًا؛ فَلَا تَظَالَموا" -وقد سلف- (٣)، وقال تعالى: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ [طه: ١١١].
وأصلُ الظُّلم: وضعُ الشَّيءِ في غير موضِعِهِ، وأخذه من غير وجهه؛ ومَن أَضَرَّ بأخيه فقد ظَلَمَهُ، وصَحَّ: "الظُّلمُ ظُلُمَات يَوْمَ القِيَامَةِ" (٤).
وروى مَعْمَر، عن جابر الجُعْفِي، عن عِكْرمةَ، عن ابن عباس مَرفُوعًا: "لا ضَرَرَ ولا ضِرار، وللرَّجلِ وضعُ خَشَبِهِ في جِدَارِ جَارِهِ" (٥).
جابر الجُعْفِي مُتكلَّمٌ فيه، قال أبو عُمَر: "شعبة والثَّوري يُثنِيان عليه
стр. 374
ويصفانهِ بالحفظِ والإتقانِ. وكان ابن عُيَيْنَةَ يذمُّه ويَحْكِي مِن سُوءِ مذهبه ما (١) يُسقِطُ رِوَايَتَهُ، واتَّبَعَهُ على ذلك أصحابه: علي بن المدِيني، وابن مَعِين وغيرهما" (٢). قال: "ولهذا قُلتُ: إِنَّ هذا الحديث لا يُسنَدُ مِن وجهٍ صحيح" (٣).
وأما قوله: "لا ضَرَرَ ولا ضِرَارَ" فَخَبَرُ "لا" محذوف؛ أي: في ديننا، أو في شريعَتِنَا، أو في سُنَّتِنَا، وظاهرُ الحديثِ تحريمُهُ مُطْلقًا قليلُهُ وكثِيرُهُ، ضرورة كون النَّكرة في سياق النَّفي تَعُم، ثم الظَّاهِرُ تَغَايرُ هذين اللَّفظين حَمْلًا له على التأسيس؛ إذْ هو أَوْلَى مِن التَّأكِيد، فالضَّررُ مِن واحدٍ كالقتل، والضِّرارُ مِن اثنين كالقتال، مِن حيث إنَّ "ضِرَار" مصدر: ضار، وفاعَل إنما يكون من اثنين غالبًا.
وقيل: إنهما لفظتان بمعنى واحدٍ، تكَلَّم بِهِمَا جميعًا على وجهِ التَّأكِيدِ (٤)، وهو ظاهر لفظ الجوهري حيث قال: "الضرر" و"الضِّرار" خلاف النَّفع، وقَدْ ضَرَّهُ وضَارَّهُ بمعنى، والاسمُ: "الضّر"." (٥).
وقال ابن حبيب (٦): ""الضَّرَرُ" عند أهل العربية الاسم، و"الضِّرار" الفعل". قال: "ومعنى: "لا ضرر": لا يَدخُلُ على أَحَدٍ ضررًا لم يُدخِلهُ على نفسه، ومعنى "ولا ضرار": لا يضار أحدٌ بأحدٍ" (٧).
стр. 375
وقال الخُشَنِيُّ (١): ""الضرر" الذي لكَ فيه منفعةٌ وعلى جارك فيه المَضَرَّة، و"الضِّرار": الذي ليس لك فيه منفعة، وعلى جارك فيه المضرة" (٢).
وهذا وجهٌ حَسَنُ المَعْنَى في الحديث.
وجاءَ في بعض طُرقه المسنَدَةِ مِن طريق عمرو بن يحيى -بعد "لا ضرر ولا ضرار"-: "من ضَارَّ ضَارَّ اللهُ بهِ، ومَنْ شَاقَّ شَاقَّ اللهُ عليهِ" (٣).
وقال بعضهم: "الضَّرَرُ" و"الضِّرَارُ" مِثلُ القَتْلِ والقِتَال، و"الضَّرر": أن تَضُرَّ مَن لا يَضُرُّكَ، و"الضِّرار" أن تضرّ بمن قد أضَرَّ بكَ مِن غير جِهَةِ الاعتِدَاءِ بالمثل والانتصار بالحق، وهو نحو قوله ﵊: "أَدِّ الأَمَانَةَ إلى مَن أَئتَمَنَكَ، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ" (٤) أي: بعد أن انتصرت منه في خيانَتِهِ
стр. 376
لَكَ، والنَّهيُ إِنَّمَا وقعَ على الابتداء، ومَا يكونُ في معنى الابتِدَاءِ، كأنه يقول: ليس لك أن تخونَهُ وإنْ كانَ قد خانَكَ؛ كَمَا (١) لَمْ يكُنْ لهُ أن يخونك، وأَمَّا مَن عاقَبَ بمِثْلِ مَا عُوقِبَ به وأخذَ حَقَّهُ فليسَ بخائِنٍ، وإِنَّمَا الخائِنُ مَن أخذَ ما ليس لهُ، أو أكثر مِمَّا لهُ.
وقد اختَلَفَ الفُقَهَاءُ في الذي يَجْحَدُ حَقًّا عليه ويمنَعُهُ ثم يظفرُ المجحودُ بمالِ الجاحدِ قد ائتمنه عليه أو نحو ذلك، فقال قائل منهم: ليس له أن يأخذ حقه من ذلك؛ لظاهِر الحديث الذي أَوْرَدْنَاهُ: " ... ولا تَخُنْ مَن خَانَكَ".
وقال آخرون: له أن يَنْتَصِفَ مِنهُ ويأخذ مِنهُ حقَّهُ عَمَلًا بقِصَّةِ هِند: "خُذِي مِنْ مَاله مَا يَكْفِيكِ" (٢). وللفقهاء في هذه المسألة وجوهٌ واعتلالاتٌ؛ محلّها كتب الخلافيات، وإنما ذَكَرنَا هذا هنا لِمَا في مَعنَى "الضِّرَار" مِن مُدَاخَلةِ الانتصارِ بالإضرارِ مِمَّن أَضَرَّ بكَ.
والذي يَصِحُّ في النَّظَرِ ويَثبُتُ في الأصولِ أنَّهُ ليسَ لأَحَدٍ أن يَضُرَّ بأخيهِ سواءٌ أضَرَّ بهِ قبلُ أمْ لَا، إلَّا أن يَنْتَصِرَ -إن قدر- بما أُبِيحَ له من الاعتداءِ بالحَقِّ الذي له بمِثلِ مَا اعْتُدِيَ عليه، والانتِصارُ ليسَ باعتِدَاءٍ، ولا ظُلْمٍ، ولا ضَرَرٍ إذا كان على الوَجهِ الذي أباحَتهُ السُّنَّة (٣)، وكذا ليس لأَحدٍ أنْ يُضِرَّ بأَحَدٍ مِن غير الوَجهِ الذي هو الانتصار (٤) مِن حَقِّهِ، ومَن أدخَلَ على أخيهِ المُسلِم ضَرَرًا مِنهُ؛
стр. 377
فإِنْ أَدخَلَ عليه ضَرَرًا بفِعلٍ مَا كأَنْ فعَلَهُ فَأَضَرَّ فعْلُهُ لذلك بجاره أو بغير جاره، نُظِرَ إلى ذلك الفِعل؛ فَإِنْ كان أكثر ضررًا على الفاعل مِن الضَّرَرِ الدَّاخِل على الجار بسَبَبِ ترْكِ ذلك في ماله إذا قطع عنه ما فعله، قطع أكثر الضَّرَرين وأعظمهما حُرْمَةً في الأصول.
مِثالُهُ: فتح الكوَّة للضوء، وتطلع منها على الحُرُم، مَنَعَهُ المالِكِيَّةُ دَفعًا لأكثر الضَّرَرين، وعندَ الشافعية يجوز، وشَرَط بعضهم علوها بحيث لا يطَّلع على الجار، ومثله البناء وإحداث الرَّحَا المُضِرَّة بالجار عندهم (١)، وكذا منعَ العلماء مِن دُخَّان الفُرن والحمام، والدُّود المُتَوَلِّد مِن الزبل المنشور في الرِّحَاب وأمثاله؛ إذا ظهرَ ضَرَره، وبَقِيَ أثره، وخُشِيَ تماديه دونَ مَا إذا كان مِثلَ ساعةٍ خفيفةٍ [مثل: نَفْضِ التُّرابِ والحُصُر] (٢) على الباب، ومَا زالَ جبريلُ يُوصِي بالجار حتى ظَنَّ الشَّارعُ -صلوات الله وسلامه عليه- أَنَّهُ يُوَرِّثُهُ (٣).
وقد روي أنه ﵊ "لَعَنَ مَن ضَارَّ مُسْلِمًا أو مَاكَرَهُ" (٤) لكنَّ سنَدَهُ لا يقوم منه ضعف كما قال أبو عُمَر.
стр. 378
قال: "ولكنَّه يخاف عقوبة ما جاءَ فيه" (١) فإنه مُوَافِقٌ للقوَاعِدِ.
ثالثها: "الضرر" مصدر: ضره يضره ضرًّا وضرارًا، و"الضرار" مصدر: ضاره يضاره ضرارًا، وفي التنزيل: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ٢٣١].
و"الضَّرَر": إلحاقُ مَفسَدَةٍ بالغير مُطْلَقًا.
و"الضِّرَار": إلحاقُ مَفسدةٍ به على وَجْهِ المُقَابَلَةِ كما أسلفناه؛ أي: كل منهما يقصد ضرر صاحبه (٢).
وفي رواية: "ولا إِضْرَار" (٣) بالألف، وهو مَصدَر: أَضرَّ به إِضرَارًا: إذا ألحَقَ به ضَررًا، وهو في معنى الضَّرَر.
وقال ابن الصلاح: ""ضرار" على وزن فِعَال، أي أنه مكسور الضَّاد".
قال: "وهو على ألسِنة كثير مِن الفقهاء والمُحَدِّثين: "ولا إضرار" بهمزة مكسورة قبل الضاد، ولا صحة لذلك" (٤).
قلتُ: وقوله: "لَا ضَرَرَ ولا ضِرَارَ" فيه حذْفٌ، أصله: لا لحوق ولا إلحاق ضَرَرٍ بأحَدٍ، ولا فعل ضرار مع أحد. ثُمَّ المعنى: لا لحوق ضرَرٍ شَرْعًا إلَّا بمُوجَبٍ خَاصٍّ؛ ليُخرِجَ الحدود والعقوبات، والله تعالى يقول: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ
стр. 379
الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٨]، ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ [المائدة: ٦]، ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، وقال رسول الله -عليه أفضل الصلاة والسلام-: "الدِّين يُسْرٌ"، و"بُعِثْتُ بالحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ" (١) أي: السَّهلة، ونحو ذلك من النصوص المُتَظَاهِرة المُصَرِّحة بوضع الدِّين على تحصيل المصلحة والنفع.
والضَّرَرُ مَنهِيٌّ عنه مُزالٌ، ثم هاتان اللَّفظَتَانِ تَقْتَضِيَانِ رِعَايةَ المصالح إثباتًا والمفاسد نَفْيًا، إذ الضَّرَرُ هو المفسدةُ؛ فإذا انتَفَت لَزِمَ إثبَاتُ النَّفع الذي هو المصلحة؛ لأنهما تَفِيضان لا واسطةَ بينَهُمَا.
ثم الأَدِلَّةُ السَّمعِيَّةُ المتَّفَق عليها أربع: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس.
والمختَلَف فيها أربعةَ عَشَر: الاستِصحَاب، الاستِحْسَان، الاستدلال، المصالح المُرْسَلة، سَدُّ الذَّرَائِع، إجماعُ المدينة، الكوفة، العتْرَة (٢)، الخلفاء الأربعة، إجماع الشيخين، قول الصحابي، البراءة الأصلية، الاستقراء، الأخذ بالأخف. والخوض فيها محلُّه كتبُ "الأصول" وأقواها: النص والإجماع، ثم
стр. 380
هُمَا إِمَّا أنْ يُوافِقَا رِعَايةَ المصالح فَبِهَا ونِعمَتْ، أم لا فيُخَصَّصُ بها؛ لاعتناء الشارع بها (١).
* * *
стр. 381
الحديثُ الثالِثُ والثَّلاثُونَ
عن ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قال: "لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ، لادَّعَى رِجَالٌ أَمْوَالَ قَوْمٍ وَدِمَاءَهُمْ، لَكنِ البَيِّنَةُ عَلَى المُدَّعِي، واليَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ".
حديثٌ حَسَنٌ، رواهُ البَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ هَكَذَا (١)، وَبَعضُهُ في "الصَّحِيحَيْنِ".
وقال في "شَرح مُسْلِمٍ": "رواه البيهقي بإسنَادٍ جَيِّدٍ حَسَنٍ أو صَحِيحٍ" (٢).
* * *
الكلامُ عليه مِن وُجُوهٍ:
والتعريفُ برَاوِيهِ سَلَفَ.
و"البيهقي" هو الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين صاحب التصانيف، وُلِدَ سنة أربع وثمانين وثلاثمائة، وماتَ سنةَ ثمانٍ وخمسين وأربَعِمائةٍ (٣).
أحدها: لفظ "الصحيح" أنَّ النبي ﷺ قال: "لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ،
стр. 382
لادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهمْ، ولكنَّ اليَمِينَ عَلَى المُدَّعَى عليه" (١).
وفي رواية: "أنَّ النبيَّ ﷺ قَضَى باليَمِينِ عَلَى المدَّعَى عليه". وكذا رواه مع "الصحيحين": أصحاب "السنن" (٢) وغيرهم من رواية ابن عباس مرفوعًا إلى رسول الله ﷺ .
وغلط الأصيلي حيث قال: "لا يصح مرفوعًا؛ إنما هو قول ابن عباس، كذا رواه أيوب ونافع الجمحي، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس" (٣).
وقد رواه البخاري (٤) من طريق ابن جريج مرفوعًا.
وأبو داود والترمذي من طريق نافع بن عمر الجمحي، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس مرفوعًا (٥).
قال الترمذي: "حديث صحيح".
فقد صَحَّ رفعُهُ بشهادةِ هذه الأَئِمَّةِ: البخاري ومسلم والترمذي؛ فلا يَضُرهُ مَن وَقَفَهُ، ولا يُعَدُّ ذلك اضطرابًا ولا تعارضًا؛ فإن الرَّاوي قد يَعرض له ما يُوجِبُ السُّكوتَ عن الرَّفع من نسيانٍ أو اكتفاءٍ بعِلم السَّامع أو غير ذلك، والرافع عدل ثبت؛ فلا يلتفت إلى الوقف إلَّا في الترجيح عند التعارض كما هو مبين في الأصول.
стр. 383
وجاء في رواية: "أن امرأتين كانتا تخرُزَان في بيت -أو في حجرة- فَجُرِحَتْ إِحْدَاهُمَا، وقد أنفذ بالإشفي في كفِّها؛ فادَّعَتْ على الأُخرَى، فَرُفِعَ ذَلِكَ إلى ابن عباس، فَذَكَرَ الحديثَ: لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بدَعْوَاهُمْ لَذَهَبَتْ دِمَاؤُهمْ وَأَمْوَالُهمْ، ذَكِّرُوها بالله فاقرَؤُوا عليها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧] فذَكَّرُوها فاعتَرَفَتْ". فقال ابن عباس: قال النبي ﷺ : "اليَمِينُ عَلَى المُدَّعَى عليهِ" (١).
ثانيها: هذا الحديثُ قاعدٌ كبيرٌ مِن قواعد الشَّريعةِ، وأَصلٌ من أُصولِ الأحكام، وأعظم مرجع عند التَّنَازع والخِصَام، وقد قيل: إنه فصل الخِطَاب الذي أُوتيه داود، كما سلف في الخطبة أنه لا يقبل قول الإنسان فيما يدعيه بمجرد دعواه؛ بل لا بد من استناد إلى ما يقوي دعواه من البينة أو تصديق المدعى عليه ولو كان المدعى فاضلًا شريفًا أو حقًّا خفيفًا، وإلَّا فالدَّعَاوى مُتَكافِئة، والأصل: براءَةُ الذِّمَم من الحقوق، فلابُدَّ مِمَّا يدل على تعلق الحق بالذِّمة وتتَرَجَّح به الدَّعْوَى؛ فإن طَلَبَ يَمِين المُدَّعى عليه فله ذلك.
وقد بيَّن الشَّارعُ الحكمة في كونه لا يعطي بمجرد دعواه؛ لأنه لو أعطى بمجردها لادعيت الدِّماءُ والأموالُ واستُبيحت، ولا يمكن المدعى عليه أن يصون ماله ودمه، وأما المدعي فيمكن صيانتهما بالبَيِّنة أيضًا، وجانب المُدَّعِي ضعيف؛ لدعواه خلاف الأصل، وجانب المُنْكِر قوي؛ لموافقةِ الأصل في البراءة، والبينة حجة قوية لبعدها عن التُّهمة، واليمين حُجَّة ضعيفة لقربها منها، فجعل القوي في جانب الضَّعيف، والضعيف في جانب القوي، وهو جانب المنكر تعديلًا، وهو توجيهٌ حَسَنٌ.
стр. 384
ثالثها: هذا الحديث يُسْتَدَلُّ به بمسائل:
الأولى: أنَّ اليمينَ مُتَوَجِّهةٌ على كلِّ مَن ادُّعِي عليه حقٌّ، سواءٌ كان بينه وبين المُدَّعي اختلاط أم لا.
وقالت طائفة من العلماء: لا بد من خلطة لئلَّا يبتذل السُّفهاء أهل الفضل بتحليفهم مرارًا في اليوم الواحد، وهو مذهب الفقهاء السبعة، وبه قضى عليٌّ، وهو قول مالك وجل أصحابه، وأكثر الفقهاء على خلافه، ووافقهم ابن نافع، وابن لبابة -من أصحاب مالك ﵀.
واختُلِفَ في تفسير الخلطة؛ هل هي معرفته بمعاملته ومداينته بشاهد أو بشاهدين، أو يكفي الشبهة، أو أن تليق به الدَّعوى بمثلها على مِثْلهِ، أو يليق به أن يعامل بمثلها؟ أقوال؛ ودليل الجمهور الحديث، ولا أصل لاشتراط الخلطة من كتاب ولا سنة ولا إجماع (١).
الثانية: إبطال التَدْمية -في قول مالك-، ووجه تسوية الشارع بين الدماء والأموال في أن المدعي لا يسمع قوله فيها؛ فإذا لم يسمع في مرضه: لي عند فلان في دينار أو درهم، كان أَحْرَى وأَوْلى ألا يسمع قوله: دمي عند فلان؛ لحرمة الدماء.
وقد يقال: إن مالكًا لم يسند ذلك لقول المدَّعِي ذلك؛ بل للقسامة على القتل والتدمية لَوْثٌ يُقَوِّي جانب المُدَّعِي حين يبدأ بالأيمان كسائر أنواع اللَّوْث (٢).
стр. 385
ثالثها: "المُدَّعى عليه": هو المطلوب منه، و"المُدَّعِي": هو الطَّالب، ووجه كون اليمين على المدَّعى عليه أن الأصل براءة ذمته عما طلب منه، وهو متمسك به، والاحتمال مندفع باليمين، وقام الإجماع على استحلاف المدَّعَى عليه في الأموال، واختلفوا في غير ذلك؛ فمذهب الشافعي وأحمد وأبى ثور: وجوبها على كل مدعى عليه في حد أو طلاق أو نكاح أو عتق، أخذًا بعموم ظاهر الحديث؛ فإن نَكَلَ حَلَف المُدَّعِي وثبت دعواه.
وقال أبو حنيفة وأصحابه ﵏: يحلف على النكاح والطلاق والعتق؛ وإن نكل لزمه ذلك كله.
وقال الثوري والشَّعبي وأبو حنيفة ﵏: لا يستحلف في الحدود والسرقة. وقال نحوه مالك ﵀ (١).
رابعها: "لو" حرف امتناعٍ لامتِنَاعٍ؛ أي: امتناع الشيء لامتناع غيره، أو حرف لِمَا سيقع لوقوع غيره، كما قاله سيبويه (٢)، والمعنى على هذه: أن دعوى رجال مال قوم كان سيقع؛ لوقوع إعطاء الناس بدعاويهم، والمراد عليها، وعلى الأولى أن بدعوى الرجال أموال قوم أعطاهم إياها فوضع الدعوى موضع الأخذ؛ لأنها سببه، ولا شك أن أخذ مال المدعى عليه ممتنع؛ لامتناع إعطاء المدعي بمجرد دعواه، وكذلك أخذ مال المدعى عليه كان سيقع لوقوع إعطاء المدعي بدعواه، ولا يقع بدون ذلك.
و"الرجال" هم الذكور قطعًا.
стр. 386
ورواية: "ناس" تعم الرجل والمرأة، وأما "القوم" فهل تختص بالرجال أو تعم النساء؟ قولان:
حجة الأول: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ﴾ [الحجرات: ١١] وقول زهير:
وَمَا أَدْري أَقَوْمٌ آلُ حِصْن أَمْ نِسَاءُ (١)
وأجيب عنه بأن ذلك من قرب التقسيم فقط (٢).
وحجة الثاني: قوله تعالى: ﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [غافر: ٣١] ونحوه، وتقول العرب: ليس هذا بأرض قومي ولا من نسائهم.
وأُجيب عنه بأنَّ النساءَ إنَّما دخلت لقرينةِ التَّكليف ونحوهِ.
وغايَرَ بين قوله: "لادَّعى رجَالٌ أَمْوَالَ قَوْمٍ" ولم يقل: "أموال رجال" ولا: "قوم أموال قوم" دفعًا لتِكْرَار أحدهما بغير فائدةٍ، وإنه على القول بأن النساء يدخُلن في لفظ القوم؛ لأن الدَّعوى في الرجال أغلب بخلاف المدعى عليه.
وقدَّمَ الأموال في رواية المُصَنِّف على الدماء، ورواية "الصحيح" عكسه لغلبة الخصومات فيها؛ لأن أخذها أيسر، وامتداد اليد إليها أسهل، وإن كان الاهتمام بالدماء أعظم؛ لأنه أول ما يقضى بين الناس فيها، فهي من ذا الوجه أعظم خطرًا من المال، على أن العطف بالواو لا يفيد ترتيبًا.
وموضوع "لكن" الاستدلال، وهي وإن كانت إنما تكون بين نفي وإثبات،
стр. 387
نحو: "ما قام زيد، لكن عمرو" وهي هنا بعد إثبات، ولا نفي قبلها؛ لأنها كذلك في المعنى، إذ معنى "لو يعطى": لا يعطى بدعواهم المجردة، لكن بالبينة، وهي على المدعي.
وقوله: "لكن البَيِّنة عَلَى المُدَّعي، واليَمِينُ على مَنْ أَنْكَرَ" أتى بالمدعي معرفًا؛ لأن فيه ضربًا من التعريف المعنوي لظهوره وإقدامه على الدعوى، فأتى فيه بلام التعريف المناسبة له و"المنكر" فيه ضرب من الإيهام والتنكير لاستخفائه وتنكيره؛ فأتى فيه بـ "مَنْ" إذ فيها إبهام وتنكير شبيه بحاله.
وقوله: "واليَمِينُ عَلى مَنْ أَنْكَر" عامٌّ خص منه صور:
القسامة؛ فإنها في جانب المدعي.
واليمين مع الشاهد الواحد في جانب المدعي.
ويمين المدعي إذا ردها عليه المنكر عندنا وعند أحمد في رواية.
وأيمان الأمناء حين يتهمون في دعاويهم، كالوكيل والمرتهن ونحوهما.
* * *
стр. 388
الحديث الرابع والثلاثون
عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرهُ بِيَدِهِ؛ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ؛ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمانِ".
رواه مسلم (١).
الكلام عليه من وجوه -والتعريف براويه سلف-:
أحدها: هذا الحديث قاله أبو سعيد ﵁ لَمَّا قَدَّم مروان خُطبةَ العيدِ قَبلَ الصلاة، وقال له رجلٌ: الصلاة قَبْلَها! فقال: فقد تُرِكَ مَا هُنَالِكَ! فقال أبو سعيد ﵁: "أمَّا هذا فقد قَضَى ما عليه؛ سمعت رسول الله ﷺ ... ". فَذَكَر الحديث، وهو أدلُّ دليل على أن أولَّ مَن فعلَ هذا مروان لا عثمان أو عمر، ولم يصح ذلك؛ ووَجهُهُ أنَّهُ سمَّاهُ مُنْكَرًا بمحضَرٍ مِن الصَّحابةِ، ولو كان قد سُبِقَ به عملٌ، أو كان أحدٌ مِن الصَّحابة قد فعله، أو مَضَت به سُنَّة [لم يُسمِّهِ أبو سعيد منكرًا] (٢).
стр. 389
وتأخر أبي سعيد عن إنكاره حتى سُبِقَ إليه: قد لا يكون هو حاضرًا أول ما شرع في أسباب الخطبة، ثم حضر، أو كان حاضرًا، أو خشي فتنة، أو هَمَّ به فسبق ثم عضده. لكن في "الصحيحين" (١) عن أبي سعيد: "أنه هو الذي جَذَبَ يَدَ مَرْوَان حِينَ رَآهُ يَصْعَدُ المِنْبَر، فرَدَّ عليه مروان بمثل ما رَدَّ على الرَّجُل" فيجوزُ أن تكونَ قضيةً أُخرى.
ثانيها: هذا الحديث يرجع إلى قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة: ٧١]، وقوله: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ [المائدة: ٧٩] وأشباه ذلك، ومن السنة إلى قوله ﵊: "إِذَا ظَهرَ المُنْكَرُ في أُمَّتِي فَلَمْ يُنْكِرُوهُ؛ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهم اللهُ بِعِقَابٍ مِنْ عِندهِ" (٢) في أَحاديثَ أُخَر مشهورة.
ثم إنَّ هذا الحديث يصلح أن يكون نصف علم الشريعة؛ لأنه إما معروف يجب العمل به، أو منكر يجب النهي عنه، وقام الإجماع على الأمر بالتغيير باليد، وقد تطابق على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: الكتاب والسنة مع الإجماع، وهو أيضًا من النصيحة التي هي الدين، ولم يخالف في ذلك إلَّا بعض الرافضة -ولا يعتد به- وهم مسبوقون بالإجماع، ووجوبه بالشرع لا بالعقل خلافًا للمعتزلة.
стр. 390
وأما قوله تعالى: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] الآية، فليس مخالفًا لِمَا ذَكَرْنَا؛ ولأن المذهب الصحيح عند المحققين في معناها: أنكم إذا فعلتم ما كُلِّفتُم به فلا يضرُّكم تقصيرُ غيرِكم، مثل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر: ١٨]. وإذا كان كذلك فمما كلف به الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فإذا فعله ولم يمتثل المخاطب ولا عتب بعد ذلك على الفاعل؛ لكونه أدى ما عليه، فإنما عليه الأمر والنهي لا القبول.
ثم إنهما فرض كفاية تُسْقِطُ الحَرَجَ عن الباقين إذا قام به البعض، وإنْ تَرَكَهُ الكُلُّ أَثِمُوا مع التَّمكِين بلا عُذر ولا خَوْفٍ، ثم إنه قد يتعيَّن كما إذا كان في موضِع لا يعلَمُ به غيره، أو كمن يرى زوجته أو ولده أو غلامه على منكر أو تقصير في المعروف، ولا يسقط ذلك عن المكلف لكونه لا يفيد في ظنه، فذكِّر فإن الذكرى تنفع المؤمنين، وقال تعالى: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إلا الْبَلَاغُ﴾ [المائدة: ٩٩].
ولا يشترط فيه الكمال؛ بل يأمر وينهى، وإن كان يرتكب ذلك فيأمر نفسه وينهاها كغيره، ولا يختص ذلك بأرباب الولايات؛ بل ذلك ثابت للآحاد، وهو إجماع، ولا بد من عمله بما يأمر به وينهى عنه.
والدَّقائِقُ مخصوصةٌ بالعلماء، وإنما يُنكر ما أُجمِعَ عليه دون ما اختُلِف؛ فقد قيل: كل مجتهد مصيب (١)، والأصح: أنه لا يغير ما كان على مذهب غيره،