← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17745

المعين على تفهم الأربعين ت دغش

ابن الملقن

Полный текст (473 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

ورواية: "ناس" تعم الرجل والمرأة، وأما "القوم" فهل تختص بالرجال أو تعم النساء؟ قولان: حجة الأول: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ﴾ [الحجرات: ١١] وقول زهير: وَمَا أَدْري أَقَوْمٌ آلُ حِصْن أَمْ نِسَاءُ (١) وأجيب عنه بأن ذلك من قرب التقسيم فقط (٢). وحجة الثاني: قوله تعالى: ﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [غافر: ٣١] ونحوه، وتقول العرب: ليس هذا بأرض قومي ولا من نسائهم. وأُجيب عنه بأنَّ النساءَ إنَّما دخلت لقرينةِ التَّكليف ونحوهِ. وغايَرَ بين قوله: "لادَّعى رجَالٌ أَمْوَالَ قَوْمٍ" ولم يقل: "أموال رجال" ولا: "قوم أموال قوم" دفعًا لتِكْرَار أحدهما بغير فائدةٍ، وإنه على القول بأن النساء يدخُلن في لفظ القوم؛ لأن الدَّعوى في الرجال أغلب بخلاف المدعى عليه. وقدَّمَ الأموال في رواية المُصَنِّف على الدماء، ورواية "الصحيح" عكسه لغلبة الخصومات فيها؛ لأن أخذها أيسر، وامتداد اليد إليها أسهل، وإن كان الاهتمام بالدماء أعظم؛ لأنه أول ما يقضى بين الناس فيها، فهي من ذا الوجه أعظم خطرًا من المال، على أن العطف بالواو لا يفيد ترتيبًا. وموضوع "لكن" الاستدلال، وهي وإن كانت إنما تكون بين نفي وإثبات،

стр. 387

نحو: "ما قام زيد، لكن عمرو" وهي هنا بعد إثبات، ولا نفي قبلها؛ لأنها كذلك في المعنى، إذ معنى "لو يعطى": لا يعطى بدعواهم المجردة، لكن بالبينة، وهي على المدعي. وقوله: "لكن البَيِّنة عَلَى المُدَّعي، واليَمِينُ على مَنْ أَنْكَرَ" أتى بالمدعي معرفًا؛ لأن فيه ضربًا من التعريف المعنوي لظهوره وإقدامه على الدعوى، فأتى فيه بلام التعريف المناسبة له و"المنكر" فيه ضرب من الإيهام والتنكير لاستخفائه وتنكيره؛ فأتى فيه بـ "مَنْ" إذ فيها إبهام وتنكير شبيه بحاله. وقوله: "واليَمِينُ عَلى مَنْ أَنْكَر" عامٌّ خص منه صور: القسامة؛ فإنها في جانب المدعي. واليمين مع الشاهد الواحد في جانب المدعي. ويمين المدعي إذا ردها عليه المنكر عندنا وعند أحمد في رواية. وأيمان الأمناء حين يتهمون في دعاويهم، كالوكيل والمرتهن ونحوهما. * * *

стр. 388

الحديث الرابع والثلاثون عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرهُ بِيَدِهِ؛ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ؛ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمانِ". رواه مسلم (١). الكلام عليه من وجوه -والتعريف براويه سلف-: أحدها: هذا الحديث قاله أبو سعيد ﵁ لَمَّا قَدَّم مروان خُطبةَ العيدِ قَبلَ الصلاة، وقال له رجلٌ: الصلاة قَبْلَها! فقال: فقد تُرِكَ مَا هُنَالِكَ! فقال أبو سعيد ﵁: "أمَّا هذا فقد قَضَى ما عليه؛ سمعت رسول الله ﷺ ... ". فَذَكَر الحديث، وهو أدلُّ دليل على أن أولَّ مَن فعلَ هذا مروان لا عثمان أو عمر، ولم يصح ذلك؛ ووَجهُهُ أنَّهُ سمَّاهُ مُنْكَرًا بمحضَرٍ مِن الصَّحابةِ، ولو كان قد سُبِقَ به عملٌ، أو كان أحدٌ مِن الصَّحابة قد فعله، أو مَضَت به سُنَّة [لم يُسمِّهِ أبو سعيد منكرًا] (٢).

стр. 389

وتأخر أبي سعيد عن إنكاره حتى سُبِقَ إليه: قد لا يكون هو حاضرًا أول ما شرع في أسباب الخطبة، ثم حضر، أو كان حاضرًا، أو خشي فتنة، أو هَمَّ به فسبق ثم عضده. لكن في "الصحيحين" (١) عن أبي سعيد: "أنه هو الذي جَذَبَ يَدَ مَرْوَان حِينَ رَآهُ يَصْعَدُ المِنْبَر، فرَدَّ عليه مروان بمثل ما رَدَّ على الرَّجُل" فيجوزُ أن تكونَ قضيةً أُخرى. ثانيها: هذا الحديث يرجع إلى قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة: ٧١]، وقوله: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ [المائدة: ٧٩] وأشباه ذلك، ومن السنة إلى قوله ﵊: "إِذَا ظَهرَ المُنْكَرُ في أُمَّتِي فَلَمْ يُنْكِرُوهُ؛ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهم اللهُ بِعِقَابٍ مِنْ عِندهِ" (٢) في أَحاديثَ أُخَر مشهورة. ثم إنَّ هذا الحديث يصلح أن يكون نصف علم الشريعة؛ لأنه إما معروف يجب العمل به، أو منكر يجب النهي عنه، وقام الإجماع على الأمر بالتغيير باليد، وقد تطابق على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: الكتاب والسنة مع الإجماع، وهو أيضًا من النصيحة التي هي الدين، ولم يخالف في ذلك إلَّا بعض الرافضة -ولا يعتد به- وهم مسبوقون بالإجماع، ووجوبه بالشرع لا بالعقل خلافًا للمعتزلة.

стр. 390

وأما قوله تعالى: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] الآية، فليس مخالفًا لِمَا ذَكَرْنَا؛ ولأن المذهب الصحيح عند المحققين في معناها: أنكم إذا فعلتم ما كُلِّفتُم به فلا يضرُّكم تقصيرُ غيرِكم، مثل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر: ١٨]. وإذا كان كذلك فمما كلف به الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فإذا فعله ولم يمتثل المخاطب ولا عتب بعد ذلك على الفاعل؛ لكونه أدى ما عليه، فإنما عليه الأمر والنهي لا القبول. ثم إنهما فرض كفاية تُسْقِطُ الحَرَجَ عن الباقين إذا قام به البعض، وإنْ تَرَكَهُ الكُلُّ أَثِمُوا مع التَّمكِين بلا عُذر ولا خَوْفٍ، ثم إنه قد يتعيَّن كما إذا كان في موضِع لا يعلَمُ به غيره، أو كمن يرى زوجته أو ولده أو غلامه على منكر أو تقصير في المعروف، ولا يسقط ذلك عن المكلف لكونه لا يفيد في ظنه، فذكِّر فإن الذكرى تنفع المؤمنين، وقال تعالى: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إلا الْبَلَاغُ﴾ [المائدة: ٩٩]. ولا يشترط فيه الكمال؛ بل يأمر وينهى، وإن كان يرتكب ذلك فيأمر نفسه وينهاها كغيره، ولا يختص ذلك بأرباب الولايات؛ بل ذلك ثابت للآحاد، وهو إجماع، ولا بد من عمله بما يأمر به وينهى عنه. والدَّقائِقُ مخصوصةٌ بالعلماء، وإنما يُنكر ما أُجمِعَ عليه دون ما اختُلِف؛ فقد قيل: كل مجتهد مصيب (١)، والأصح: أنه لا يغير ما كان على مذهب غيره،

стр. 391

وكذا ليس للمفتي ولا للقاضي أن يعترض على من خالفه إذا لم يخالف نصًّا ولا إجماعًا ولا قياسًا جليًّا (١). وهذا الباب قد ضُيِّع أكثره في أزمان متطاولة، ولم يبق إلَّا الرُّسوم، وهو بابٌ عظيم به قِوامُ الأمر ومِلاكه، وإذا كثُر الخبثُ عمَّ العِقابُ: الصَّالح والطَّالح، وإذا لم يأخذوا على أيدي الظالم أَوْشَكَ أن يعمهم الله بعقاب: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور]. فينبغي للطالب والسَّاعي في رضا الشَّريعةِ أن يعتني بذلك فإن نفعَهُ عامٌّ، ولا يهابُ أحدًا؛ فإن الرب ﷻ وعده بالنصرة حيث قال: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ [الحج: ٤٠]، وقال: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٠١)﴾ [آل عمران]، وقال: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩]، وقال: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢)﴾ [العنكبوت] والآية بعده، والأجرُ على قدر النَّصب، ولا يُحابي صديقَهُ ولا يُداهنه، بل حقه نصحه. ولا بأس باستعمال الرِّفق فيه، فالله رفيقٌ يُحِبُّ الرِّفقَ في الأمر كُلِّهِ، ويُغْلِظُ على المُسْرِف، وما أحسن قول الإمام الشافعي: "مَن وَعَظ أَخاهُ سرًّا، فقد

стр. 392

نصحَهُ، ومَن وعظَهُ علانيةً؛ فقد فَضَحَهُ وشانَهُ" (١)، "بَدَأَ الإسلَامُ غَريبًا وَسَيَعُودُ غَريبًا كَمَا بَدَأَ" (٢). أنبأني الحافظ فتح الدين اليعمري، عن شيخ الإسلام الإمام تقي الدين القشيري لنفسه -رحمه الله تعالى-: قد عُرِّفَ المُنْكَرُ واستُنْكِر الـ ... ـمعروفُ في أيَّامِنا الصعبه وصارَ أهلُ العلم في وَهْدَةٍ ... وصارَ أَهْلُ الجَهلِ في رتبه ساروا فما للجُود فيما مضى ... من الذين جاروا بهِ نِسْبَه فقلتُ للأبَرارِ أهل التُّقى ... والدِّين لمَّا اشتدَتِ الكُربه لا تُنْكروا أحوالَكُم قد أتَتْ ... نوبتُكم في زمن الغُربه ومن العجب أن ما قام به الذين اتصفوا بصفات تنكرها عليهم أقل المريدين. بالمِلْح يصلح ما يُخْشَى تغيُّرهُ ... فكيفَ بالمِلح إِنْ حَلَّت بهِ الغِيَرُ وما أحسن قوله: هذا الزَّمَانُ الذي كُنَّا [نُحَاذِرُهُ] (٣) ... في قولِ كَعْبٍ وفي قَوْلِ ابن مَسْعُودِ إنْ دَامَ هذا وَلَمْ تَحْدُثْ لَهُ غِيَرٌ ... لَمْ يُبْكَ مَيْتٌ وَلَمْ يُفْرَح بمَوْلُودِ فرعٌ من هذا الباب: بيان العيب في المَبيع ولو كان أجنبيًّا.

стр. 393

ثم الشارع -صلوات الله وسلامه عليه- نَقَلَهُ بعد اليدِ إلى اللسان فيعظ ويُخَوِّف. ثم القلب، ومعناه: يكرهه بقلبه ويعزم أنه لو قدر على التغيير لغير، وهذا جهده. ومعنى "أضعف الإيمان": أقل ثمراته؛ إذ فيه الكراهة فقط، وقد جاء في رواية: "وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الإيمانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ" (١) أي: لم يبق وراء هذه المرتبة مرتبة أخرى؛ لأنه إذا لم يكرهه بقلبه فقد رضي بالمعصية، وليس ذلك شأن أهل الإيمان؛ بل هو كفرٌ إن اعتقدَ جوازَهُ، وإن رَضِيَ به لغلبة الهوى والشهوة مع اعتقاد تحريمه فهو فاسق. و"الإيمان" هنا: الإسلام؛ فالمراد أنه من آثاره ومقتضاه لا من حقيقة معناه، إذ سبق في حديث جبريل ﵊ "أن الإيمان هو التصديق" إلى آخره. قال القاضي عياض ﵀: "هذا الحديث أصلٌ في صِفةِ [التَّغيير] (٢)، فحق المُغَيِّر أن يُغَيِّره بكلِّ وجهٍ أَمْكَنَهُ زواله به قولًا كان أو فعلًا، فيكسِرُ آلات الباطل، ويُريق المُسْكِر بنفسه أو نائبه، وينزع المغصُوب ويردها إلى أربابها أو يأمره؛ فإن احتيج إلى إظهار سلاح أو حرب رُفِعَ إلى السُّلطان، وبعضهم رأى الإنكار بكل حال، وإن قتل ونيل منه كل أذى" (٣).

стр. 394

قال إمام الحرمين ﵀: "وإذا جارَ والي الوقت وظهر ظلمه ولم ينزجر بالقول؛ فلأهل الحل والعقد التواطؤ على خلعه" (١). وهذا غريب منه؛ وهو محمول على ما إذا لم يخف منه إثارة مفسدة أعظم منه. وليس للآمر بالمعروفِ البحثُ والتَّفتيشُ والتَّجسس واقتحامُ الدُّور بالظنونِ؛ بل إن عَثَرَ على مُنْكَر غيَّرَهُ. واستثنى الماوردي ﵀ من ذلك ما إذا أخبَره مَن يَثِقُ بقوله أنَّ رَجُلًا خَلَا برجل ليقتله أو امرأةٍ ليزني بها؛ فإنه يجوزُ له في مثل هذه الحالة أن يتجَسَّسَ ويقدم على الكشف والبحث حذرًا من فَوَات ما لا يَسْتَدْرِكُهُ (٢). * تتِمَّات: إحداها: "المنكر": مَا لا يَسُوغُ شَرعًا، ودَلِيلُهُ (٣) يَأْباهُ وَيُنْكِرُهُ. و"المعروف" خلافه. ثانيها: هذا الخطاب للأمة أجمع، الحاضرُ له والغائِبُ؛ فالحاضر يُعلِم الغائب، وهذه الرؤية يُحْتَمَل أن تكونَ بصَرِيَّة، والأشبه أنَّها عِلْمِيَّةٌ. ومعنى "فليُغَيِّرهُ": يُزيلُهُ ويُبَدِّلهُ بغَيْرِهِ. ثالثها: ظاهِرُ الحديث وجوب الإنكار مطلقًا، ومحلّه إذا لم يخف تزايده بإنكاره ولا خاف مفسدة؛ فإن خافها فلا يجب، ولا يشترط إذن الإمام فيه إلَّا أن يخاف من تركه مفسدة، ومن لا تكليف عليه لا وجوب عليه، وكذا العاجز.

стр. 395

رابعها: قدَّم اليد؛ لأنها أبلغ، ثم اللسان بأن يصيح أو يأمر من يزيل، ثم القلب؛ بالأعمال بالنيات، ويجب على العبد كراهة ما كرهه الله من المعاصي، وشبيه هذا الترتيب قوله ﷺ لعمران بن حصين: "صَلِّ قَائِمًا؛ فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِن لَمْ تَسْتَطِع فَعَلى جَنْب؛ فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَمُسْتَلْقٍ، لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَها" (١). ودفع الصائل بخلاف هذا؛ فإنه انتقال من الأدنى إلى الأعلى بخلاف ما نحن فيه، والمعتبر في ذلك تحصيل المصلحة وأمن المفسدة. خاتمة: المؤمن العدل: هو الآمر بالمعروف، الناهي عن المنكر، ومن لا فيهما فالمنافق؛ لأن الله وصفه بذلك، ثم إن كان مع ذلك ترك ذلك مع عدم الحاجة إليه؛ فهو معذور، وإن كان معها فإن كان لِعُذْر سَقَط لذلك عنه أو قام غيره مقامه، فلا حَرَجَ عليه فيه، وإلَّا فهو آثمٌ فاسِقٌ، أو آمر بالمعروف غير ناهٍ عن المنكر؛ ففي تركه النهي عن المنكر التفصيل المذكور، وإن كان عكسه فكذلك. * * *

стр. 396

الحَدِيثُ الخَامِسُ والثلاثُون عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَنَاجَشُوا، ولا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا يَبعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بيعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا، المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ، ولا يَخْذُلُهُ، ولا يَكْذِبُهُ، ولا يَحْقِرُهُ، التَّقْوَى هَا هُنَا" -وَيُشِيرُ إلى صَدْرِهِ، ثَلاثَ مَرَّاتٍ- "بحسبِ امرئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ المُسلِمَ، كُلُّ المُسْلِمِ على المُسْلِمِ حَرَام: دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ". رواه مُسْلِمٌ (١). * * * هذا حديثٌ عظيمُ الفوائدِ كثيرُ العوائدِ: أحدها: "الحسد": تمني زوال النعمة، وهو حرام قبيح بالإجماع، وقد قال ﵊: "إِيَّاكُم والحَسَدَ؛ فإنَّ الحَسَدَ يَأْكُلُ الحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الحَطَبَ -أو قال: الخَشَبَ-" (٢). وهو لُغةً: تَمَنِّي زوال نعمة المحسود وعودها إليك، يقال: حسده يحسده

стр. 397

حسودًا، وبعضهم يقول: يحسِد -بكسر السين- والمصدر: حسدًا -بالتحريك- وحسادة، وحسدتك على الشَّيء، وحسدوك عليه؛ فأمَّا "الغِبطَةُ" فهي: تمَنَي حالَ المغبوطِ مِن غير أن يُريدَ زَوَالَها عنهُ، تقول منه: غَبَطَهُ بما نالَ غَبطًا وغِبطَةً. وقد يوضع الحسد موضعها لتقارُبِهِمَا، كما قال ﵊: "لا حَسَدَ إلا في اثنتين ... " (١). أي: لا غِبطَةَ أعظمَ ولا أحقَّ مِن الغبطةِ بهاتين الخَصلَتَيْن. فمعنى "لا تَحَاسَدُوا" -والأصل: "لا تتحاسدوا" فحذفت إحدى التاءين تخفيفًا-: لا يحسد بعضكم بعضًا، ووجه قبح الحسد أنه اعتراض على الخالق ومعاندة له. ولبعضهم: أَلَا قُلْ لِمَن بَاتَ لي حاسِدًا ... أتدرِي على مَن أسأتَ الأدب يعني: على الله حيثُ كَرِهتَ فَضْلَهُ، وعانَدتَ فِعلَهُ. وقال أبو الطَيِّب -رحمه الله تعالى-: وأَظلمُ أَهْلِ الأرضِ مَن كَانَ حَاسِدًا ... لِمَن بَاتَ في نَعمَائِهِ يَتَقَلَّبُ ووجه ظلمه: أنه يجب عليه أن يحب لمحسوده ما يحب لنفسه، وهو لا يحب لنفسه زوال النعمة؛ فقط أسقط حق محسوده عليه؛ ولأن في الحسد تعب النفس وحزنها بغير فائدة وبطريق محرمة؛ فهو تصرف رديء: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٥٤] وفي الحكمة: إن الحسود لا يسود. دعَ الحسودَ وما يلقاهُ من كَمَدِه .... كَفَاكَ مِنهُ لَهِيبُ النَّار في كَبدِهْ

стр. 398

إن لُمتَ ذَا حَسَدٍ نَفَّسْتَ كُرْبَتَهُ .... وإِنْ سَكَتَّ فَقد عَذَّبتَهُ بيَده الثانية: "النَّجَش" في اللغة: الختل؛ أي: الخداع، ومنه قيل للصائد: ناجش؛ لأنه يختل الصيد ويَحتالُ له؛ فمعنى "لا تناجشوا": لا ينجش بعضكم على بعض، وهو: أنْ يَزيدَ في الثمَنِ لا لِرَغْبَةٍ؛ بل لِيُغْر غَيْرهُ، وهو حرام لأنه غش وخديعة؛ فمن غشنا فليس مِنَّا، ولأنه تَرَكَ النَّصحَ الواجِبَ، وتركُ الواجِبِ حرام، وقد يكون بمواطأة وبدونها. وقد اختُلِفَ في صِحةِ البيع المنجوش فيه؛ فقيل: يبطل بناءً على أن النَّهيَ يقتَضِي الفساد، وهو أحد الأقوال في الأصول، وثالثها في العبادات دون المعاملات، رابعها: إن رجع إلى معنى في المَنْهي عنه فتعم وإلَّا فلا، والتحقيق: إن رجع لذات المنهي عنه أو لوصف لازم له اقتضى الفساد، أو لأمر خارج أو لوصف غير لازم فلا، ومذهب الشافعي ﵀ أن البيعَ صَحِيح؛ لأنَّ النَّهيَ فيه ليس راجعًا إلى العقد ولا ما يلزمه من ركن أو شرط، والأصح عند أصحابه لا خيار له لتقصيره (١). الثالثة: معنى "لا تَبَاغَضُوا": لا تتعاطوا أسباب البغضاء؛ لأنَّ الحُبَّ والبغض معانٍ قلبِيَّةٌ لا قدرَةَ للإنسان على اكتسابها، ولا يملك التصرف فيها، كما قال ﵊: "اللَّهمَّ هذا قَسْمِي فِيمَا أملِكُ؛ فَلَا تَلمني فِيمَا تَملِكُ وَلا أَملِكُ" (٢) يعني: القلب؛ أي: في حبِّهِ وبُغْضِهِ، والبغض للشيء: هو

стр. 399

النفْرةُ منه لمعنى مستقبح فيه، والظَّاهِرُ أنه مُرادِف للكراهة أوْ يقارِبُها، وقد يكون من طَرفَيْن، ومن واحد، ولله ولغيره، ولا شكَّ في حُرمةِ البُغض والتَّباغُض؛ للنَّهْي عنهُ، إلَّا في الله، فإنه واجبٌ ومِن كَمالِ الإيمان، قال الله تعالى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة: ١]، وقال -عليه أفضل الصلاة والسلام-: "مَنْ أَحَبَّ للهِ، وَأَبْغَضَ للهِ، وَمَنع للهِ، وَأَعطَى للهِ، فَقَدِ استَكْمَلَ الإِيمانَ" (١). الرابعة: معنى "لا تَدَابَرُوا": لا يُدبِرُ بعضكُم عن بعض، أي: تعرِضُ عنه بما يَجِبُ له مِن حقوق الإسلام من الإعانةِ والنُّصرةِ ونحوِهِمَا، و"التَّدَابر": المُعَادَاةُ، وقيل: المُقَاطَعَةُ، لأنَّ كُل واحِدٍ يُوَلي صَاحِبهُ دُبُرَهُ، ولا مُلازَمَةَ بَيْنَهُ وبين التَّباغُضِ، لأنَّ الشَخص قد يبغِضُ صاحِبَهُ عادَةً، وقد يُعرِضُ عنهُ -وهو يُحِبُّهُ- خَشْيَةَ تُهْمَةٍ أو تأديبًا له ونحو ذلك، وفي نحو هذا قيل: لا تكتمِ الحبَّ إلَّا خشيةَ التُّهمِ و"تدابروا" أصله: "تتدابروا" بتاءين، حُذِفَتْ إحداهما تخفيفًا، وهل هي تاء المضارعة أو تاء الكلمة؟ فيه خلاف، وكذلك الخلاف فيما قبلها، وهي "تحاسدوا" و "تناجشوا" و "تباغضوا". الخامسة: عِلَّةُ النَّهي عن بيع البعض على بيع البعض: تغيير القلوب والنفرة، وربما أدى تعاطي مفسدة صاحبه، وذلك حرام، وفي صحة البيع

стр. 400

خلف سبق وسلف، مأخذه كما سلف من: إن كان النَّهيُ لمعنى خارج عن المنهي؛ هل يقتضي الفساد أم لا؟ أما الذِّمي فبيع المسلم عليه محتمل جوازه لنقص حرمته، والذمي لا يؤالف، ويحتمل حرمته للإيذاء، وهو أيضًا في ذِمَّتِنا وعكسه؛ فلا يجوز له ولا يبعد أن يُؤَدَّب عليه لافتياتهِ واستخفافهِ. ومثال ذلك: أن يأمر البائع بالفسخ ليبيعه مثله، وفي معناه: الشراء على الشراء، وضرره على المشتري، والأول على البائع، والسوم على السوم، والخِطبة على الخِطبة كلُّ ذلك مَنْهِيّ عنه، وكذا كل ما في معناه مما ينفر القلوب ويورث التباغض، إلَّا أنْ يرضَى مَن لهُ الحَقُّ فيجوزُ؛ لأنهُ حقه فله تركه ولزوال علة التنافر. السادسة: قوله: "وكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا" هو شبيهٌ بالتَّعليل لِمَا سَلَفَ، كأنَّهُ قال: إذا تركتم ذلك كنتم إخوانا وإذا لَمْ تَكُونُوا كذلك كنتم أعداءً؛ فَتَعَامَلُوا وتعاشَرُوا معاملةَ الإخوةِ، ومعاشرتهم في المودَّةِ والرِّفقِ والشَّفَقَةِ والملاطفة والتعاون على الخير مع صفاءِ القلوب، والنصيحة على كل حال. و"الإخوان" و "الإخوة" من غير نَسَبٍ كالأخُوَّة من النسب، ومعنى "وكونوا عباد الله إخوانًا": اكتسبوا ما تصيرون به إخوانًا، كما سبق ذكره وغيره من فِعلِ المُؤَلِّفَات وتركِ المُنفِّرَات. وقوله: "عباد الله" أي: يا عباد الله، حقكم أن تطيعوه بأن تكونوا إخوانًا، ووجه طاعة الله في كونِهم إخوانًا: التعاضد على إقامَةِ دِينهِ وإِظهارِ شِعَارهِ؛ إذ بدون ائتلاف القلوب لا يتم ذلك، أَلَا ترى قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٢].

стр. 401

السابعة: قوله: "المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِم" قد سلف مَعنَاهُ، والأُخُوَّةُ تارةً تكون نَسَبِيَّةً بأن تَجْمَعَ الشخص ولادة من صلْب أو رَحِم أو منهما، وتارة تكون دينيَّةً؛ بأن يجمعهما دين واحد ورأي واحد، وفي التنزيل: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] والأخُوَّة الدِّينية أعظم من النسبية، بدليل أن الأَخَوَيْن من النَّسَب إذا افتَرقا في الدِّين لم يَتَوَارَثا، والأَجْنَبِيَّان إذا توَافَقَا في الدِّين تَوَارَثا؛ إما بإسلام أحدهما على يد الآخر، كما كان أولًا ثُمَّ نُسِخ، أو بعموم الدين عند فقد القرابة، أو لغير ذلك. الثامنة: معنى "لا يظلمه": لا يدخل عليه ضررًا بغير إذنٍ شَرعِي؛ لأن ذلك حرام يُنَافي الأُخُوَّةَ، بل الظُّلم حَرَام للكافر (١) [فالمسلم أولى] (٢).

стр. 402

الحديث السادس والثلاثون عن أبي هريرة ﵁ قالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمنٍ كربَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنيا، نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كربَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ القِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلى مُعسِرٍ، يَسَّرَ الله عَلَيْهِ في الدُّنيَا والآخِرَةِ، وَمَنْ ستَرَ مُسْلِمًا؛ ستَرةُ اللهُ في الدُّنيا والآخِرَةِ، واللهُ في عَوْنِ العَبْدِ مَا كَانَ العبدُ في عَوْنِ أَخِيهِ، وَمَنْ سَلَكَ طَريقًا يَلْتَمِسُ فيهِ عِلْمًا سَهلَ اللهُ لَهُ بهِ طَريقًا إلى الجَنةِ، وَمَا اجتَمَعَ قَوْمٌ في بَيْتٍ مِنْ بُيوتِ اللهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهم؛ إلا نَزَلَتْ عليهم السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهمُ الرَّخمَةُ، وَحَفَتْهمُ المَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدهُ، وَمَنْ بَطَّأَ بهِ عَمَلُهُ لَم] (١) يُسْرع بهِ نَسَبُهُ". رواه مسلم بهذا اللفظ (٢). * * * هذا حديثٌ عَظِيمٌ، جامِعٌ لأنواعٍ مِن العُلوم والقواعدِ والآداب، وراويهِ سَلَفَ التَّعريف به. ولنختصر الكلام عليه في مواضع:

стр. 403

أولها: معنى "نفَّس": فرج وأزال، وهو من تنفس الخناق، كأنه رخَّى الخِنَاق حتى تأخذ لها نَفَسًا. و"الكُربة": ما أهمَّ النَّفس وغَمَّ القلب، كأنها مُشْتقَّة مِن كرب الشيء للمقاربة، لأن الكرب يقارب أن يُزهِقَ النَّفسَ، ففيه فضيلةُ تنفيس الكُرَبِ عن المؤمنين، وفضل قضاء حوائجهم ونفعهم بما تيسر من علم أو مال أو معاونة أو مُشَاورة بمصلحة أو نصيحة أو غير ذلك، وفضل السِّتْر على المسلم وهو من باب إعانته وتفريج الكرب عليه وستر زلَّاته، ويدخل في كشف الكربة وتفريجها: من أزالها بمال، أو جاه، أو مساعدة أو إشارة أو رأي أو دلالة -كما ذكرناه- وأن ذلك يجازى عليه بجنسه في تيسير كرب الآخرة. والعادة أنَّ الجزاء مِن جِنس العمل ثوابًا وعقابًا، كالتَّنْفيس بالتَّنْفيس، واليُسر باليُسْر، والعون بالعون، كما ذكر في هذا الحديث، ونظائره كثيرة في أحكام الدنيا والآخرة، وكان مقتضى ذلك قطع ذكر الزاني وفرج الزانية؛ لتكون العقوبة في محل الجناية كما في السرقة، لكن لما كانا آلة التناسل الحافظة، فَرُوعِيَ بقاؤهما. وإنما كان التنفيس مطلوبًا شرعًا مثابًا عليه، لأن الخلق عيال الله فتنفيس كربهم إحسانٌ إليهم، والعادة أن السيِّدَ والمَلِكَ يُحِبُّ الإحسان إلى عياله وحاشيته والمُحسِن إليهم، وفي الأثر: "الخَلْقُ عِيَالُ الله، فأحبهم إلى الله أَرفَقُهم بعياله" (١). ثانيها: فيه فضيلة التَّيْسِير على المعسِر والجزاء عليه في الآخرة، كما مَرَّ في تنفيس الكربة.

стр. 404

ثالثها: فيه فضل ستر عورة المسلم، والمكافأة عليها بجنسها لِمَا مَرَّ، ولأنَّ الله تعالى حييٌّ كريم سِتِّيرٌ، وستر العورة من الحياء والكرم؛ ففيه التَخلّقُ بخلق الله ﷻ والله يُحِبُّ التَّخلُّق بأخلاقهِ. والسِّترُ المندوبُ إليه هنا المرادُ به الستْر على ذوي الهيئات ونحوهم ممن ليس معروفًا بالفَسادِ والأَذَى؛ فإن خالفه لم يأثم إجماعًا وخالف الأولى، وربما ارتكب المكروه في بعض الصور، فأمَا المعروف بذلك فيستحب ألا يستر عليه؛ بل يرفع قصته إلى ولي الأمر إن لَمْ يَخَفْ مِن ذلك مفسدة؛ لأنَّ الستر على مثل هذا مطمعة في الإيذاء أو الفساد وانتهاكِ المُحَرَّمات، أو جَسَارَةِ غَيْرِهِ على مثل فعله هذا، ثم هذا في معصِيةٍ وَقَعَت، أمَّا مُسْتَدَام عليها يجبُ الإنكار عليه ولا يحل التأخير؛ فإن عجز لَزمَهُ رفعها إلى ولي الأمر إذا لم يترتب على ذلك مفسدة، وأما جَرحُ الرُّواة، والشُّهود، والأُمناء على الصَّدقات والأوقاف والأيتام ونحوهم فَيَجِبُ جَرحُهم عند الحاجة، ولا يحِلّ الستر عليهم إذا رأى منهم ما يقدح في أهليتهم، وليس هذا مِن الغِيبَةِ المُحرَمةِ؛ بل مِن النَّصِيحةِ الواجِبَةِ، وهو إجماعٌ. فإن قلتَ: لِمَ غايَرَ فقال في الأوَّل: "عن مؤمن" وقال في الستر: "مَنْ سَتَرَ مسْلِمًا"؟ وأُجِيبَ بأنه يحتمل أن يكون من باب تغاير الألفاظ دفعًا للتَّكرار، أو بأن الكربَةَ لمَا كانت معنى باطنًا -على ما سلف في تفسيرها- ناسَبَ الإيمان الذي هو باطن وهو التصديق، كما سلف في حديث جبريل، والسِّتر لمَا كان يتعَلّقُ بالأمور الظَّاهِرَةِ غالبًا ناسبَ وصف الإيمان الذي هو عمل الظاهر (١).

стр. 405

فإن قلتَ: لِمَ قال: "نَفَسَ الله عنهُ كُربَةً مِنْ كُرَبِ يوم القِيامَةِ"، ولم يذكر كرب الدنيا، وقال: "سَتَرهُ اللهُ في الدُّنيا والاخرةِ"؟ وأُجِيبَ بأنه يحتمل أن هذا اتفاق، لأنَّ الترغيب حاصل، فَكِلَا الأمرين -أعني: التَنْفِيس والسِّتر- في الدَّارَيْن أو في أحدهما، ويحتمل أن الدنيا لمَّا كانت محل العورات والمعاصي، احتُيجَ إلى السِّتر فيها، وأمَّا الكُرَبُ فهي وإن كانت الدنيا محلًا لها، لكن لا نسبة لكربتها إلى كرب الآخرة حتى تُذْكَر معها. رابعها: فيه فضيلةُ عونِ الأخ على أموره والمكافآت عليها بجنسها من الإعانة الإلهية، وقوله: "ما كان العَبْدُ في عَوْنِ أَخِيهِ" أي: مدة كونه في عونه، ولا فرقَ بين كونهِ في عونهِ بقَلبِهِ أو بيدِهِ أو بهِمَا، لأنَّ الكُل عون، ثم ظاهِرُ الحديث: اختصاصُ الثَّوابِ المذكور بالمُسلم والمؤمن والأخ، والأشبه أن يثاب عليه في المؤمن والكافر، لقوله ﵊: "إنَّ الله كتَبَ الإحسَانَ على كُلِّ شَيْءٍ"، وقوله: "في كُلِّ كَبْدٍ حَرَّى أَجْرٌ" (١). ويحمل الحديث المذكور على أن المؤمن أولى بالتنفيس من الكافر؛ لشرف الإيمان، والأجر عليه أعظم، ثم يليه الذِّمِّي، ثم المستأمن، ثم الحربي على حسب قوة تعلقهم بالإسلام وضعفه. خامسها: فيه فضلُ السَّعي به، والمراد: العلم الشَّرعي، وإنما ينفعُه إذا قَصدَ به وجه الله، والعلمُ الشَّرعيُّ كتفسيرٍ، وحديثٍ، وفقهٍ، وأُصُولٍ ونحو ذلك، لا الخارج عنه كالفلسفي والطبيعي والرياضي. نعم، إن قصدَ بعلمِها معرفتَها والردَّ عليهم ودفع شُبههم، فإنهُ مِن إعدادِ القوَّةِ، وإنما خَصصنَاهُ بالشَّرعي؛ لقوله: "سَهلَ اللهُ لَهُ طَريقًا إلى الجَنَّةِ".

стр. 406

وفيه أنَّ سلوك طريق العلم يجازى عليه بتسهيل طريق الثَّواب إلى الجنة؛ فالمراد أن طلَبَهُ وتحصيلَه يُرشِدُ إلى سبيل الهدايةِ والطَّاعة المُوصِلَةِ إلى الجنة، وذلك بتسهيل الله له، وإلَّا فبدونِ لُطفِهِ وتوفِيقهِ لا ينتفع بشيء؛ علم ولا غيره، أو أنه يُجَازى على طلبه وتحصيله بتسهيل دخول الجنة بقطع العقبات الشَّاقة دونها يوم القيامة، بأن سهَّل عليه الوقوف في المَحشَرِ والجَوَازِ على الصراط ونحو ذلك. سادسها: "الطريق" فعيل من الطرقِ؛ لأنَّ الأرجل ونحوها تَطْرُقُهُ وتَطْلُبُهُ وتَسْعَى فيه. و"السَّكِينَةُ": فَعِيلةٌ من السُّكون، وهي الطمأنينة والوقار، واختار القاضي عياض ﵀ أنها هنا الرَّحمة (١)، وفيه ضعف؛ لعطف الرحمةِ عليه، وهي تَقْتَضِي المُغَايرة؛ وذلك أنَّ أهلَ الذِّكْر لمَّا تغشاهم الرَّحمةُ، وتَنْزلُ عليهم السَّكِينةُ لا ينزعجون بمحتقر دنيا يشغلهم به. ومعنى "غَشِيَتْهم": خالطتهم وعمتهم، و"غشى" في لغة العرب لا يستعمل إلَّا في شيء شمل المغشي من جميع أجزائه وجوانبه، والمعنى في هذا أن غشيان الرحمة بهم بحيث استوعبت كل ذنب تقدَّمه -إن شاء الله-. و"حفتهم": أحاطت بهم وضايقتهم: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ [الزمر: ٧٥] فكأَنَّ الملائكة قربت منهم قربًا، لم تترك بينهم وبينهم درجة تسع شيطانًا. و"بَطَّأ": أخَّر.

стр. 407

و"القوم" قد سلف الخِلافُ فيه قريبًا، فإن قلنا: هم الذكور والإناث فلا إشكال، وإن قلنا: الرِّجال خاصة أُلحِقَ النساءُ بهم في ذلك قياسًا، و"قوم" هنا نَكِرة، وهي شائعة في جنسها، فكأَنَهُ يقول: أي قوم قعدوا يذكرون الله؛ كان لهم ذلك، مذنبين كانوا أو مطيعين. سابعها: فيه دلالة على فضيلة الاجتماع على تلاوة القرآن في المسجد، وهو مذهبنا ومذهب الجمهور، وقال مالك ﵀: "يُكرَه". وتأوَّلهُ بعض أصحابه (١). ويلحق بالمسجد في هذه الفضيلة الاجتماع في مدرسة ورياط ونحوهما، ويدل عليه الحديث الآخر، فإنه مطلق يتناول جميع المواضع، ويكون التقييد في الأول خرج على الغالب؛ لا سيما في ذلك الزمان، ولا يكون له مفهوم يعمل به، وخُصَّت به لشرفها، لكن الأرض كلها مسجد غير أن العبادة في الموضع المعد لها أفضل. وفيه أن الاجتماع في بيوت الله لمذاكرة الكتاب ومدارسته يجازى عليه بأسباب: أحدهما: نُزُول السَّكِينة عليهم -وهي الطمأنينة كما سلفَ، وبذكر الله تطمئن القلوب، والمراد بها: تطمين الإيمان حتى يُفضِي إلى الرضوان في جوار الرحمن. ثانيها: غشيان الرَّحمة لهم، لأنَّ ذكرَ الله إحسان، والرحمة إحسان، و ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إلا الْإِحْسَانُ (٦٠)﴾ [الرحمن: ٦٠].

стр. 408

ثالثها: حفُّ الملائكة بهم؛ للاستماع تعظيمًا للمذكور، وإكرامًا للذَّاكر. رابعها: ذَكَرَهم الله فيمن عنده من الملائكة؛ لقوله: هو ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢]، ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: ٤٥]. وقوله: "مَنْ ذَكَرَني في نَفْسِهِ ذَكَرتُهُ في نَفْسِي، وَمَنْ ذَكرَني في مَلأٍ ذَكرتُهُ في ملأٍ خَيْرٍ مِنه ... " (١). خامسها: فيه أن الإسراع إلى العبادة إنما هي بالأعمال لا بالأحساب؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] وفي الحديث: "ائتوني بأَعمَالِكُم، لا تَأْتُوني بأَنْسَابِكُم" (٢)، وقوله: "كلُّكُم مِنْ آدَمَ، وآدمُ مِنْ تُرَاب" (٣)؛ ولأن الله خلق الخلق لطاعته، وهي المؤثرة لا غيرها: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (١٠١)﴾ [المؤمنون: ١٠١] والناس على أقسام أربعة: عالم ونسيبٌ، لا فيهما، عالم لا نسيب عكسه (٤)، والمؤَثِّر في ذلك كلِّهِ العلم المقرونُ بالعَمَل لا النَّسب؛ فمعنى قوله: "ومَن بطَّأَ بهِ عَمَلهُ لَمْ يُسْرع بهِ نَسَبُهُ" معناه: من كان عمله ناقصًا لم يُلحِقهُ نَسبُه مرتبةَ أصحابِ الأعمال؛ فينبغي ألا يَتَّكِل على شَرَفِ نَسَبهِ وفضيلة الآباء ويقصر في العمل.

стр. 409

خاتمة -تنعطف على ما مضى-: التَّنفِيسُ عادَةً؛ إنَّما ينصرف إلى الجزءِ اليسير من حَلٍّ وعَقدٍ، فكان ثوابه وقت الحاجة إليه وهو يوم القيامة، والتَّنفيسُ عن الموسر أبلغ؛ فلهذا عم ثوابه دنيا وأُخرَى، والسِّتر أعم من رؤيته على شيء، أو يرى احتياجه إلى شيء كالنكاح مثلًا فيعينه، أو إلى الكسب قيقيم له وجه بضاعة يتجر فيها (١). والإجمال في قوله: "واللهُ في عَوْنِ العَبْدِ ... " إلى آخره، لاتسع بيانه الطُّروس؛ فإنه مُطلَقٌ في أيِّ حالٍ كان. وجاء في رواية: "ما جَلَسَ قَوْم يَذْكُرُونَ الله" (٢) والمراد به هنا ما ينصرف إلى الحمد والثناء عليه. وقوله: "وذَكَرَهُم الله فِيمَنْ عِنْدَهُ" مقتضاه أن يكون ذكره لهم في الأنبياء وكرام الملائكة بأن يذكرهم ﷻ ، ويجوز أن يكون: أثبتهم فيمن عنده، كما يقول الإنسان لأخيه: اذكرني في كتابك. و"الله": الله.

стр. 410

الحديث السابع والثلاثون عن ابن عباس ﵄ عن رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه ﵎ قال: "إِنَّ الله تعالى كَتَبَ الحَسَنَاتِ وَالسيئَاتِ ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ، فَمَنْ همَ بِحَسَنَةٍ فَلَم يَعمَلْها كَتَبَها اللهُ عِنْدهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، وَإِنْ هم بها فَعَمِلَها كَتَبَها اللهُ عِندَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إلى سَبْعِمائةِ ضِعْف إلى أَضعافٍ كَثِيرَةٍ، وَإِنْ هَم بسَيئَةٍ فَلَم يَعمَلْها كتَبَها اللهُ عِندهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، وَإِنْ هَم بها فَعَمِلَها كتَبَها اللهُ سَيئَةً واحِدَة". رواهُ البُخَاريُّ ومُسلم في "صحيحيهما" (١). * * * هذا الحديثُ شريف عَظِيم، بيَّنَ فيه الشَّارع مِقْدَارَ تفضُّل الله بأَنْ جَعَلَ همَ العبدِ بالحسنةِ وإن لم يعملها حسنة، وجعل همَّه بالسيئةِ إن لم يعملها حسنة، وإن عملها سيئة واحدة، وإن عمل الحسنة كتبها عشرًا. وأوله يقتضي أنه من الأحاديث الإلهية نحو: "أنا عِندَ ظَن عَبْدِي بي" (٢) وليس المراد ذلك؛ إنما المراد فيما يحكيه عن فضل ربه، أو حكم ربه، أو نحو ذلك، وهذا فضل عظيم مِن رَبٍّ كريم يُضَاعِفُ الحسنات دون السيئات، وكتب لهم الهمَّ بالحسنةِ؛ لأنَّ إرادة الخير فعل دون السَّيئة، فإن الترك خير

стр. 411

"إِنَّمَا تَركها مِنْ جَرَّائي" أي: من أجلي، وهذا كقوله ﵊: "فَإن لَمْ يَفْعَلْ فَلْيُمسِكْ عَن الشَّرِّ فَإِنَّهُ صَدَقَة" (١)، أمَّا مَنْ تَرَكها عَجْزًا فلا تُكْتَبُ له حسنة، وهذا من عظيم لُطْفِهِ، وما ألطف قوله: "عنده" وهو إشارة إلى الاعتناء بها، ثم أكَّدَها بـ "كاملة" لذلك، ولم يقل مثله في السَّيئة، وأكد تركها بـ "كاملة" وأكد فعلها بـ "واحدة" تقليلًا، ولم يؤكدها بـ"كاملة" وهو دالٌّ على أنَّ الحفظةَ تَكْتُبُ ما همَّ به العبدُ مِن حسنةٍ أو سيِّئة، وتعلم اعتقاده لذلك لا كما زعم بعضهم أنها إنما تَكْتُب ما ظَهر من أعمال العبد وسُمِعَ. وقد روى ابن وهب، عن معاوية بن صالح، عن كثير بن الحارث، عن القاسم مولى معاوية، عن عائشة قالت: "لأن أذكر الله في قلبي أحب إليَّ مِن أن أَذكره بلساني سبعين مرَّة، وذلك لأنَّ مَلَكًا لا يكتبها، وسرًّا لا يَسمعها" (٢) والصَّوابُ في ذلك: ما صَحَّ مِن الحديث عنه ﵊ إنَّ الهمَّ بالحَسَنَةِ يُكْتَب، وهي فعل العبد بقلبه دون سائر الجوارح كالذِّكر. والمعنى الذي يصل به الملكان الموكلان بالعبد إلى علم ما يهم به بقلبه هو المعنى الذي يصل به إلى ذكر ربه بقلبه، ويجوز أن يكون جعل الله لها إلى علم ذلك سبيلًا، كما جعل لكثير لمن أنبيائه السبيل إلى كثير من علم الغيب، وقد أخبر الله تعالى عن عيسى ﵊ أنه قال: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ [آل عمران: ٤٩]، وقد أخبر نبينا -صلوات الله وسلامه عليه- أيضًا بكثير من علم الغيب؛ فغير مستنكر ذلك في حق المَلَكَيْن، وقد قيل: إن ذلك بِريح يظهر لهما مِن القلب!

стр. 412

وللسَّلف اختلافٌ في أيِّ الذِّكْرَيْن أفضل: ذِكرُ القلب أو ذِكْرُ العَلَانِية؟ وقال صاحب "الإفصاح": "معنى"كتب": مبالغ تضعيفها، فعرفت الكَتبُةُ مِن ذلك التَّقدير؛ فلا يحتاجون إلى أن يستفسروا في كُلِّ وقتٍ كيف يَكْتُبون ذلك، ومن رحمتهِ بهذه الأُمَّةِ لمَّا قصَّر أعمارها ضاعف أعمالها؛ فمن همَّ بحسنة كُتِبَ ذلك الهمُّ بحسنة؛ فإن عَمِلَها فقد ظهرت إلى ديوان العمل فضاعفها عشرًا. ثم قوله: "إلى سبعمائة ضعف" إِنَّمَا يعني: على مِقْدَار ما يكون فيها من خُلُوصِ النِّيةِ، وإيقاعها في مواضعها التي يريد صاحبها حسنًا، قال تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦١] أي: بعد السبعمائة ضعف؛ بدليل قوله تعالى: ﴿أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٥]. والمعنى في ذِكر السبعمائة أن العربَ تَنْتَهِي في التكَثير مِن عددِ الآحاد إلى سبعةٍ، وكذلك إذا أتوْا بالثمانية عَطَفُوا عليها بالواو، ويعنون أنه قد انتهى عدد القلَّةِ وخَرَجَ إلى عددِ الكثرة في قوله تعالى: ﴿وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة: ١١٢]، وقال تعالى: ﴿وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢]، وقال تعالى: ﴿وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: ٧٣]، فإذا ضربت السبعة في عشرة كانت سبعين، ثم السبعون في عشرة: سبعمائة. ثم قال بعد ذلك: ﴿أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٥]، و ﴿كَثِيرَةً﴾ هنا نكرة، وهي أشمل من المعرفة، فمقتضاه أن يحسب توجيه الكثيرة على أكثر ما يمكن؛ فإذا تصدق العبد بحبة بُرٍّ، فإنه يحسب أن الحسنة لو بذرها في أزكى أرض، وتعاهدها إلى أن استَحصَدها، ثم سنة، ثم أخرى إلى يوم القيامة،

стр. 413

فيجتمع من الحَبَّةِ أمثال الجبال، وإن كانت مثقال ذرة من جنس الأثمان، فإنه ينظر إلى أربح شيء يُشْتَرى في ذلك الوقت، ويقدر أنه لو بيع في أَنْفَقِ سوق في أعظم بلَدٍ يكون ذلك الشيء أشد الأشياء نفاقًا، ثم يُضاعف إلى يوم الجزاء، فتأتي الذَّرَّة بما يكون مقدارها على قدر عظم الدنيا كلها. وعلى هذا جميع أعمال البِر في معاملة الله إذا خرجت سهامها عن نية وأغرقت في نزع (١) قوس الإخلاص كانت تلك السهام ممتدة لا تنتهي عن يوم القيامة. ومن ذلك أن فضلَ الله تعالى يتضاعف بالتَّحويل، كما إذا تصَدَّق على فقير بدرهم فآثر غيره به من هو أشد فقرًا؛ فيؤجر آخر، ثم آخر، ثم هكذا فيما تطاول؛ فإنه يحسب للمتصدِّق عن كُلِّ دِرهم عشرة؛ فإذا تحوَّل إلى الثاني انتقل ذلك إلى الثاني، فصار له عشرة وللأول عشرته التي انتقلت عشرة إلَّا أنها عشرة معشَّرة؛ لأن له أجر من عمل به، فكل واحد بعشرة، فصارت مائة؛ فإذا تصدق بها الثاني صارت للثاني مائة وللأول ألف؛ فإذا تصدق بها الثالث صارت له مائة وللثاني ألف وللأول عشرة آلاف، فتضاعف إلى ما لا يعلم مقداره إلَّا الله؛ وذلك لأن المتصدّق الأول بالدرهم أجره وأجر من عمل به سواء، فكلما تحول من شخص إلى شخص ضوعف ذلك للمتصدق الأول من حيث إنَّ له مثل أجره وأجر من عمل به المنتقل إليه. ومن ذلك أيضًا أنه إذا حاسب الربُّ عبدَه يوم القيامة، فكانت حسناته متفاوتات؛ فيهن الرفيعة المقدار التي وعد الشارع ألف ألف حسنة أو ألفي ألف حسنة، فإنه تعالى بفضله وجوده يحسب سائر الحسنات بسعر تلك الحسنة العليا؛ لأن كرمه وجوده أعظم من أن يناقش من رضي عنه في ذلك، وقد قال:

стр. 414

﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧] كما أنه "إذا قالَ العَبْدُ في سُوقٍ مِن أَسْوَاقِ المسلمينَ: لا إله إلَّا اللهُ وَحدهُ لا شَريكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الحمدُ، وَهْوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٍ، رَافِعًا بها صَوْتَهُ؛ كَتَبَ اللهُ لَهُ بذلِكَ أَلْفَ أَلْفِ (١) حَسَنةٍ، وَمَحَا عَنْهُ أَلْفَ ألفِ سَيِّئةٍ، وَبَنَى لَهُ بيتًا في الجَنَّةِ" (٢) على ما جاء في الحديث. وهذا الذي ذكرناه إنما هو بمِقْدَارِ المعرِفَةِ، لا على مقدار فَضْل الله فإنه فوق أن يحده أحد أو يحصره خلق" (٣). * تتمات: معنى "كتب": قدَّر، كما مضى، أو أَمَرَ الحفظةَ بكِتَابتها، أو كَتَبَها في عِلْمِهِ على وَفْقِ الواقع فيها، وهو راجعٌ إلى قدَّر. وقوله: "ثم بيَّن ذلك" أي: فصَّلَ الشَّارعُ ما أجملَ أولًا بقوله: "إن [الله] (٤) كتب الحسنات والسيئات". والحاصل أن لفظ الحديث طابق معناه من التَّضْعِيف والتكميل والاعتناء، وإفراد السيئة: ﴿فَلَا يُجْزَى إلا مِثْلَهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] وهذا أعظم ما يكون في الإحسان، وأخف ما يكون في المسامحة.

стр. 415

وقد جاء في "الصحيح": "ولا يَهلِكُ على اللهِ إلَّا هالك" (١) أي: لا يُعاقَب مع هذه المُسامحة إلَّا مُفَرِّط غايةَ التَّفريط، والله أعلم. * * *

стр. 416

الحديث الثامن والثلاثون عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : إن الله تعالى قال: "مَنْ عَادَى لي وَليًّا؛ فَقَد آذَنْتُهُ بِالحَربِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِليَّ عندِي بِشَيء أَحَبَّ إليَّ مِمَّا افتَرَضْتُ عليهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إليَّ بالنَّوَافِلِ حَتَّى أحِبَّهُ؛ فَإِذَا أَحبَبْتُهُ كنْتُ سَمعَهُ الذي يَسْمَعُ بهِ، وَبَصَرَهُ الذي يبصِرُ بهِ، وَيَدَهُ الَّتي يَبْطِشُ بِها، وَرِجْلَهُ التي يَمشِي بِها، وَلَئِنْ سَأَلَني لأُعطِيَنَّهُ، وَلَئِن استَعَاذَني لأُعِيذَنَّه". رواه البخاري (١). * * * هذا الحديثُ من الأحاديث الإلهيَّة؛ لأنهُ مِن كلام الله، غير أنه ليس له حكم القرآن؛ لعدم تواترهِ، وهو أصل في السُّلوك إلى الجليل ﷻ والوصول إلى معرفته ومحبته وطريقه؛ إذ المفتَرَضات: إما باطن -وهو الإيمان-، أو ظاهر -وهو الإسلام-، أو مركب بينهما -وهو الإحسان-، كما مَرَّ في حديث جبريل. والإحسان هو المُتَضَمِّنُ لمقامات السَّالكين مِن الزُّهد والتَّوكل والإخلاص والمراقبةِ والتوبةِ ونحوها وهي كثيرة، وهو يرجع إلى قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾ [يونس: ٦٢]، وقوله تعالى:

стр. 417

﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾ [الأنفال: ١٧] إذ هو شَبِيه بقوله: "ويَدَهُ التي يَبْطِشُ بها"، وفي روايةٍ: "فَبِي يَسْمَعُ، وبي يبصِرُ، وبي يَمشِي" (١). ومعنى: "آذنتُهُ": أَعلَمتُهُ أنه محارِبٌ لي، ومنه: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩]. و"ولي الله": من تولَّاهُ بالطَّاعةِ والتَّقْوَى واتبعَ شرعَهُ؛ فتولَّاهُ بالحِفْظِ والنُّصرةِ مِن الوَلْي، وهو القرب. و"العدو" ضده. و "الأنثى" عدُوَّة، نادر (٢). وقد اطردت العادة بأن عدو العدو صديق، وصديق الصديق صديق، وعدو العدو عدو، وصديق العدو عدو، فكذلك عدو ولي الله عدو الله؛ فلا جرم يحاربه الله، ومحاربة العبد ربه تحصل بأكل الربا، وبمعاداته أولياءَه، وبِقَطع الطريق خصوصًا لا بعموم معاصيه، والصُّور التي ذكرناها وردت في الكتاب والسنة. و"التقرب إلى الله تعالى" إما بفرضهِ أو نَفْلِهِ، والأول أحبها إلى الله وأشدها تقريبًا؛ لجزم الأمر بها، وهي مُتَضَمِّنةٌ الثَّوابَ على الفعل، والعقاب على التَّرك بخلاف النوافل، فهي أكمل فكانت اليد أحب. ورُوِيَ: "أنَّ ثَوَابَ الفرضِ يَزيدُ عليهِ سَبْعِينَ دَرَجَةً". فالفرض كالرأس، والنفل كالفرع، وسبب ذلك أن الفرض فيه العمل بالإيمان بوجوبه، وهو من باب الإيمان بالغيب وهو عظيم، ففيه الاهتمام بأمر

стр. 418

الفرائض؛ فلا تقدم نافلة على فريضة، وإذا لم يُصَل الفرض لا يُسَمِّي نافلة؛ فالتَّقرب بالنوافل إثر الفرائض، كما أشار إليه بقوله: "ولا يَزَالُ عبدي يتَقَرَّبُ إليَّ بالنَّوَافِل حتَّى أحِبَّه" فليحافظ على ذلك؛ فإن الله يحبه. وقوله: "ولا يزال عبدي ... " إلى آخره، هو معلوم من الشاهد؛ فإن الإنسان إذا داوم خدمة السلطان ومهاداته أحبَّه وقَرَّبَهُ. واختلف الناس في وجه قوله: "كنتُ سمعَهُ ... " إلى آخره، والمعتمد منه أنه مجاز أو كناية عن نصرته وتأييده وإعانته؛ فهو مما حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه؛ أي: كنت حافظ سمعه؛ فلا يسمع إلا ما يحل ... إلى آخره، أو كنت سمعه؛ أي: مسموعه؛ لأن المصدر قد جاء بمعنى المفعول، قالوا: أنت رجائي. بمعنى: مرجوي، والمعنى أنه لا يسمع إلَّا ذكري، ولا يلتذ إلَّا بتلاوة كتابي، ولا يأنس إلَّا بمناجاتي. وقد جاء: "أن موسى ﵇ كان إذا انصرفَ مِن مناجاته؛ يسمع كلام الخلق كأصوات الحمير". وكيف تَرى ليْلى بعين تَرى بها ... سِواها وما طَهَّرَتها بالمدامع وتَلْتذُّ منها بالحديث وقد جرى .. حديثُ سِواها في خُرُوت (١) المسامع ومعنى "يَدَهُ التي يَبْطِشُ بها": لا يمدها إلَّا لِمَا مَا فيه رضاي ومحبتي، ولا يمشي برجله إلَّا كذلك. يا ليلى والله ما جئتُكم زائرًا ... إلَّا رأيتُ الأرضَ تُطْوى لي

стр. 419

ولا انْثَنَى عَزْمي عن بابِكم ... إلَّا تَعَثَرتُ بأذيالي والاتحادية زعموا أن هذا الكلام على حقيقته، وأن الله هو عين عبده، أو حال فيه، تعالى الله عن ذلك (١). ومعنى "لأعطينه": ما سأل، وكذا "لأعُيذَنَّه" أي: مِمَّا يخاف؛ لأن التقدير أنه تقرَّب إلى الله فأَحَبَّهُ الله، وهذه حالةُ الحبيب مع المحبوب؛ يعطيه ما سأل، ولا يرد دعاءه، ويُعِيذُه مما استعاذ؛ بل وإن لم يسأل ويستعيذ، لكن الرب ﷻ يحب لعبده سؤاله بخلاف بني آدم. الربُ يَغْضَبُ إن تركتَ سؤالَه ... وبُنَي آدم حين يُسألُ يَغْضبُ والذي يظهر أنه علامة، وأنه لمن يكون الله أحبه أن يكون بالصفة المذكورة؛ فلا يسمع ما لم يأذن له الشَّرع في سماعه، ولا يبصر ولا يمد يدًا ولا يسعى بِرِجْل إلَّا كذلك؛ فهذا هو الأصل، إلَّا أنه قد يغلب على العبد الذِّكْر حتى يُعرَفُ بذلك؛ فإذا خُوطِبَ بغيره لم يَكَن يَسْمَع لمن يخاطبه حتى يتقرَّب إليه بذكر الله، غير أهل ذكر الله توصلًا إلى أن تسمع لهم، وذلك في المبصرات والمتناولات والسعي إليها، وتلك طبقة عالية، نسأل الله ﵎ أن يجعلنا من أهلها.

стр. 420

وقوله: "حتى أُحِبَّه" هو بضم الهمزة وفتح الباء. و"يَبْطِشُ" بفتح أوله وكسر الطاء. و"استعاذني" ضبط بالنون وبالباء الموحَّدة، وكلاهما صحيح (١). وقوله: "مِمَّا افتَرَضتُ عليه" أي: من أدائه، كما صرَّح به في روايةٍ. وفيه: أن الرب ﷻ قدَّم الإعذار إلى كُلِّ مَن عادى وليّا له؛ فإنه بنفس المعاداة للولي إيذانٌ مِن الله بأنه محارِبهُ؛ فإن أخذه على غِرَّةٍ (٢)، فإن ذلك بعد الإعذار بتقدم الإنذار. ومعنى "عادى لي وليا": اتخذه عدوًا، ولا أرى المعنى إلَّا: أنه عاداه من أجل ولايته لله، فهذا وإن تضمن مع توجيه (٣) القول: "من عادى لي وليًّا" من أجل ولايته، فإنه يشير من الحذر من إيذاء قلوب أولياء الله لا على الإطلاق؛ لأنه إذا كانت الأحوال تقتضي نزاعًا بين وليين لله في محاكمة أو خصومة راجعة إلى استخراج حق أو كشف غامض، فإن هذا لا يتناول هذا القول؛ لأنه قد جرى بين الصدِّيق والفاروق خصومه، وبين العبَّاس وعلي، وكثير من الصحابة ما جرى وكلهم كانوا أولياء الله، فكأنَّ هذا يَتَنَاول مَن عادى وليًّا لله مِن أجل كونهِ وَليًّا لله، مع كونه يشير إلى التَّحذير من إيذاءِ وليِّ الله (٤). وفيه: أنَّ العبدَ إذا صارَ مِن أهل حُبِّ الله لم يَمتَنِع أن يسأل ربه حوائجه، ولا أن يستعيذه مما يخافه، كما أوضحناه. * * *

стр. 421

الحديث التاسع والثلاثون عن ابن عباس ﵄ أنَّ رَسُولَ الله ﷺ قال: "إنَّ الله تَجَاوَزَ لي عَنْ أُمتي الخَطَأَ، والنِّسْيَانَ، وَمَا استُكْرِهُوا عَلَيْهِ". حَدِيثٌ حَسَنٌ، رواهُ ابنُ ماجَهْ والبَيهقِيُّ وغيرهُما (١). الكلام عليه من وجوه: أحدها: هذا الحديث روي بألفاظ أوضحتها في "تخريجي لأحاديث الرافعي" (٢). وفي رواية: "عُفِيَ لأمّتي عَن الخَطأ ... " (٣) إلى آخره، وهي احسن انتظامًا، ووجه انتظام الأولى أن "تجاوز" متضمن معنى "ترك" تقديره: إن الله ترك عن

стр. 422

أمتي الخطأ، وتقديره: إن الله تجاوز لي من أمتي الخطأ، وأحسنها مركبة من عجز هذا الحديث، وصدر قوله: "إنَّ الله تَجَاوَزَ عَنْ أُمتي عَمَّا وَسْوَسَتْ بهِ صُدُورُها" (١) الحديث. ثم هذا الحديث عامُّ النَّفع، عظيم الوقع، يرجع إلى قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥]، وهو يَصِحُّ أنْ يُسَمَّى نصف الشريعة؛ لأن فعل الإنسان إِمَّا أن يصدر عن قصد واختيار، وهو العبد مع الذكر، أو لا، وهو الخطأ والنسيان والإكراه، وهذا القسم معفوّ عنه، والأول مأخوذ به، والعفو عن هذه الأفعال هو مقتضى الحكمة والنظر، مع أن الله لو أخذ بها لكان عادلًا. ووجه ذلك أن فائدة التَّكليف وغايته تَمْييز الطَّائع مِن العاصي: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال: ٤٢]. لكن الطاعة والمعصية يستدعِيان قصدًا ونيةً، ويستند إليهما الثواب والعقاب، والمخطئ والناسي لا قصد لهما، وكذا المكره؛ لأنه آلةٌ، ولهذا ذهب غالب الأصوليين إلى أن هؤلاء الثلاثة غير مكلفين. ووجه عموم هذا الحديث أن الفعل خطأً ونسيانًا وإكراهًا، يقع في الطهارة والصلاة والصوم والحج والطلاق وغيرها من أبواب العلم في صورٍ كثيرةٍ ومسائل عديدة، وفيها خلاف عندنا. والأشبه: عدم الوقوع، وهو مَبْنِيٌّ على أن التَّجاوز عن حكم الخطأ والنسيان أو عن إثمه أو عنهما جميعًا، والكل محتمل.

стр. 423

فائدة: "الخطأ" نقيضُ الصواب وهو يُمَدُّ، وقرئ بهما قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾ [النساء: ٩٢] تقول منه: أخطأت وتخطَّأت، ولا يقول: أخطيت، قال الجوهري: "وبعضهم يقوله" (١). و"الخِطءُ": الذَّنب في قوله تعالى: ﴿إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٣١] أي: إثمًا، تقول منه: خَطئ يخْطِئ خِطْأً وخِطْأة، قال أبو عبيدة (٢): "خطئ" و"أخطأ" لغتان بمعنى. وقال الأموي: "المخطئ": من أراد الصواب فصار إلى غيره، و"الخاطئ" من فعل ما لا ينبغي" (٣). وفي الحديث: "لَا يَحتَكِرُ إلا خَاطئ" (٤). و"النِّسيَان" خلاف الذِّكر والحفظ، ويطلق على التَّرك، ومنه: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، والتأخير نحو قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] أي: نؤخرها. وقد اختلف في "الخطأ" و"النسيان" المذكورين في قوله تعالى: ﴿إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] فقيل: "النسيان" بمعنى "الترك" أي: إن تركنا شيئًا من طاعتك؛ فلا تؤاخذنا، وقيل: الذهول والخطأ غير المقصود؛ عملًا

стр. 424

بهذا الحديث، وقال ابن زيد ﵀: "المعنى: ﴿إِنْ نَسِينَا﴾ المأمور ﴿أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ في النَّهي" (١). وقال عطاء ﵀: "جهلنا أو تعمدنا" (٢). ويقال: أَكْرَهْتُهُ على كذا: إذا حَمَلْتُهُ عليه كُرهًا، وكَرَّهْتُ الشَّيءَ أكرهه كراهة وكراهية فهي شيء كريه ومكروه، و "الكُره" بالضم: المشقة، ويقال: قمت على كُره؛ أي: على مشقَّة، وأقامني فلان على [كَره] (٣) -بالفتح- إذا أُكْرِهَ عليه، وكان الكسائي يقول: "الكَرهُ والكُرهُ لغتان". قاله الجوهري (٤).

стр. 425

الحديث الأربعون عن ابنِ عُمَر ﵄ قال: "أَخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمَنْكِبَيَّ فَقَالَ: "كُنْ في الدُّنْيَا كَأنَّكَ غَريب أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ". وكانَ ابنُ عُمَرَ يَقُولُ: "إِذَا أَمسَيتَ فَلَا تَنْتَظِر الصَّبَاحَ، وَإِذَا أصبحتَ فَلَا تَنْتَظِر المَسَاءَ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ، وَمنْ حَيَاتِكَ لِموتكَ". رواهُ البُخَاري (١). * * * هذا الحديثُ شريفٌ جامِعٌ لمعاني الخير، ومعناه: لا تركَنْ إلى الدنيا، ولا تتَّخِذْها وطنًا، ولا تُحَدِّث نفسك بطولِ البقاءِ فيها، ولا بالاعتناء بها، ولا تتعلق فيها بما لا يتعلق به الغريب في غير وطنهِ، ولا تشتغل فيها بما لا يشتغل به الغريب الذي يريد الذهاب إلى أهله (٢). وحاصِلُهُ: الحضُّ على قِلَّةِ المحافَظةِ عليها، وقِلَّةِ الاقتناءِ، والزُّهدِ في الدُّنيا. وبيانه: أن الغريب قليلُ الانبساطِ إلى الناس؛ بل هو مُسْتَوْحش منهم، إذْ
следующие страницы →