← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17745

المعين على تفهم الأربعين ت دغش

ابن الملقن

Полный текст (473 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

أوحي إليه العمل فقط (١). و"الصلاة": الرحمة المترادفة، كذا قالوه، وفيه نَظَرٌ مِن وجهين: أحدهما: أن الرحمة عطف عليها في قوله: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٥٧] والعَطْفُ يَقْتَضِي المغَايَرة. ثانيهما: أنَّ الرحمة رقة القلب، وهي مستحيلة في حقه تعالى! (٢). والصواب: أنها المغفرة في حَقِّه تعالى، وأصلها لغةً: الدُّعاء، فَحُمِلت على المغفرة؛ لأنه محال في حقه تعالى (٣). و"السَّلام ": التحية، أو: تسليمه إياهم من كُلِّ مكروه.

стр. 37

و"المُكَلَّف": العاقل البالغ من الجنِّ والإنس، مشتقٌّ مِنَ الكُلْفَة، لِتَحَمُّل الأوامر والنواهي. واختُلِف في تكليفِ الملائِكَةِ، والحقُّ تكليفُهُم بالطاعات العَمَلِيَّة بدليل قوله تعالى: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم]. أما الإيمان ونحوه من العقائد فليسوا مُكَلَّفين؛ لأنّهُ ظَاهِرٌ لهم، فتكليفهم به تحصيلُ الحاصل. وقوله "لهدايتهم"؛ أي: لأجل هدايتهم، و"الهداية" و"الهدى": الرشاد، وهو ضدُّ الضلال (١). و"شرائع الدين": مَوارِدُهُ التي يَرِدُ عليها منهُ، وهي جمعُ شريعة. وأصلها في اللغة مَشْرَعَةُ الماء: وهي مَوْرِدُ الشَّارب. و"الشريعة": "مَا شَرَعَ اللهُ تعالى لِعبَادهِ مِن الدِّين. وقد شَرَعَ لهم يَشْرَعُ شَرْعًا، أي: سَنَّ (٢) ". قاله الجوهري (٣). و"الدِّين ": مَا شَرَعَهُ اللهُ لنا مِنَ الأحكام، وهو يُطْلَقُ بِإِزَاءِ مَعَانٍ: "المِلَّة" قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]. و"العادة" قال امرؤ القيس: "كدينك من أمِّ الحويرث قبلها" (٤).

стр. 38

و"الطاعة" يقالُ: دانَ له؛ إذا أطاعهُ. و"الحال" من كلامهم: لو لقيتني على دين غير هذا لاخترتك، وغير ذلك. قال الإمام فخر الدين: "وله أسماء أُخَر، منها: "الإيمان" قال الله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥)﴾ [الذاريات: ٣٥]. ومنها: "الصِّرَاطُ" قال تعالى: ﴿صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى: ٥٣]. ومنها: "كلمة الله": أي دينه. ومنها: "النور" قال تعالى: ﴿لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ﴾ [الصف: ٨] أي: الإسلام. ومنها: "الهدَى". ومنها: "العُرْوَةُ الوُثقَى". قال مجاهد في قوله تعالى: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة: ٢٥٦] أنها "الإيمان" (١). ومنها: "الحبل"، قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ [آل عمران: ١٠٣]. ومنه: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٨] و ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] " (٢). و"الدَّلائِل": جمعُ دليل وهو في اللغة: المُرشِدُ (٣). وفي الاصطلاح: مَا أمكَنَ التَّوصلُ بصحيح النَّظر فيه إلى عِلمٍ أو ظَنٍّ.

стр. 39

وهو ضربان: قطعي، وظني. ومحلُّ الخوض فيه كتب "الأصول". و"الواضحات": التي لا إِشكَالَ فيها. و"البراهين": جمعُ بُرهان، وهو في الاصطِلاحَ: مَا تَرَكَّبَ مِن تَصدِيقَيْن. على ما هو مُقَرَّرٌ في فَنِّهِ. وقوله: "أحمَدُهُ على جَمِيعِ نِعَمِهِ، وأَسْأَلُهُ المَزِيدَ مِنْ فَضْلِهِ وَكَرَمِهِ". النِّعَم: جمعُ نِعمة، وهي في اللغة: اليدُ والصنيعَةُ والمِنَّةُ، وما أنعمَ به عليك. وكذلك "النُّعْمَى" فإن ضَمَمْتَ النونُ قَصَرْتَ، أو فَتَحتها مَدَدتَ (١). والمُنْعِمُ في الحقيقةِ هو الله تعالى، وأصلها كلها: نِعمةُ الإسلام، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤]، أي: لِكَثرَتِها وعِظَمِها. ودوامها بالشُّكر، قال تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧]، وضِدُّه: الكُفر. وكأَنَّ مُرادَ المصنِّف هنا الشكر؛ لأنّ حقيقته ما كان عن معروف أُسدِيَ إليك، ولا معروف في الحقيقة إلَّا لله تعالى. و"الفضلُ": خِلافُ النَّقص، والإفضال: الإحسان. و"الكرم": نَقِيضُ اللُّؤم، ويقال أيضًا: "رجلٌ كَرَمٌ، وامرَأَةٌ كَرَمٌ" قاله الجوهري (٢). وقوله: "وأشْهدُ أنْ لا إِلَهَ إلَّا اللهُ الواحِدُ القهارُ، الكَرِيمُ الغَفَّارُ". معنى "أشهدُ": أعلم وأُبين.

стр. 40

و"الإله" في اللغة هو: المعبود. و"الواحد": المُتَوَحِّد، العالي عن الانقسام. وقيل: الذي لا مِثْلَ له. و"القهار": فعال مِنَ القهر وهو الغَلَبة، يقال: قهرهُ قهرًا غَلَبَهُ، وأقهرته: وجدته مقهورًا، ويقال: أخذتُ فُلانًا قهرًا، أي: اضطرارًا، ومعناهُ هنا: الغالِبُ الذي لا يُغْلَب، والقَويُّ الذي لا يَضعُف. و"الكريم": فعيل من الكَرَم، وهو نقيض اللؤم كما سَلَفَ، و"الكريم" أيضًا: الصَّفوح. و"الغفَّار": فعال من الغَفْر وهو: الستر والتغطية، ومِنهُ: المِغْفَر، لِسَتره الرأس. وقوله: "وأَشْهدُ أنَّ مُحمدًا ﵌ عَبْدُهُ ورَسُولُهُ وحَبِيبُهُ وخَلِيلُهُ، أفْضَلُ المَخْلُوقِينَ". أردَفَ المُصَنِّف بعدَ الحمدِ والثناء على الله تعالى بالشَّهادتين للحديث المشهور: "كلُّ خُطبةٍ ليسَ فيها تشهدٌ فهي كاليدِ الجَذْمَاءِ" (١). ولنبينا ﷺ أسماءٌ أُفرِدَت بالتَّصْنيف، ولابن دِحية فيها جزءٌ ضَخْمٌ (٢)، وقد لخَّصتُهُ في اختصاري لـ"دلائل النبوة" للبيهقي -أعانَ الله على إكمالهِ-.

стр. 41

وأشرفها عبد الله؛ لأنهُ دُعِيَ به في ذاك المقام، قال الله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء: ١]، وقال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة: ٢٣]، وقال: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾ [الجن: ١٩]. واختار -أيضًا- أن يكونَ عبدًا رسولًا، لِعِلْمِهِ بِشَرف العبودية. وفي هذا المعنى: يا قوم قلبي عند زهراء ... يعرفها السَّامِعُ والرَّائِي لا تَدْعُنِي إلَّا بِيَا عَبدَها ... فَإِنَهُ أشرَفُ أَسْمَائِي والعبوديةُ هي المرتبةُ الحَقِيقِيَّةُ، فلهذا شرُفَتْ. قال أبو علي الدَّقاق: "ليسَ شيء أفضل من العبودية، ولا اسمٌ أتمَّ للمؤمن من الوَصفِ به" (١). و"الحبيب": فعيل مِن الحُبِّ، وهو نقيضُ البُغض، يقال: أَحَبَّهُ فهو مُحَبٌّ. وحَبَّه يَحِبُّه -بالكسر- فهو محبُوبٌ. قال الجوهري: "وهذا شاذٌّ؛ [لأنَّهُ] (٢) لا يَأتي في المضاعف يَفْعِل -بالكسر- إلَّا ويَشْرَكُهُ يَفْعُلُ -بالضمِّ- إذا كان مُتَعَدِّيًا، ما خَلَا هذا الحرف" (٣). و"حبيب الله تعالى": مَنْ أحبَّهُ، بدليل قوله: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤]، ومحبة الله على حسب المعرفة به، وأعرفُ الناس به: نبينا محمد ﷺ فهو

стр. 42

أحبهم له، وأحقهم باسم الحبيب. و"الخليل": فعيل بمعنى مفعول، وهو: المحبوب الذي تخللت محبته القلب فصارت خلاله، أي: في باطنه. وقد اختُلِفَ في الخليل، فقيل: إنه الصاحب. وقيل: إنه الخالِصُ في الصُّحبةِ، وهو أخصُّ من الصَّاحِبِ. واختلفوا -أيضًا-: هل الخُلَّةُ أرفعُ درجةً مِن المحبَّةِ أو عَكْسُهُ، أو هُما سواء؟ على أقوال. واختلفوا -أيضًا- في اشتقاقه: أهو من الخَلَّة -بفتح الخاء- وهي الحاجة، أو بضمها وهي تخلل مودة في القلب، فلا تَدَعُ فيه خلاء إلَّا ملأته؟ فيه خلافٌ، وقد ذكرتهُ واضحًا في "شرحي للعمدة" قُبَيْل "باب الاستطابة" (١). ونبينا هو الحبيبُ الخاص، وفي الصحيح: ". . . ولَكِنَّ صَاحِبَكُمْ خَلِيلُ اللهِ" (٢). ولمَّا كانت الخلة أخصَّ منها -أي المحبة- خُصَّت بنبينا وبإبراهيم -صلوات الله وسلامه عليهما-. وقوله: "أفضلُ المَخلُوقين" أي: مِن أهل السموات والأرضين، ولا شكَّ في ذلك، ودليله قوله ﵊: "أَنَا سيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلَا فَخْرَ" (٣).

стр. 43

مع أنَّ ولد آدم أفضَلُ أنواع المخلوقات حتى الملائكة على مذهب أهل السنة، ونبينا أفضلها فهو إذن أفضل المخلوقات. وحديث: "لَا تُفَضِّلُوا بينَ الأَنبيَاء" (١) ونحوه أُوِّلَ بأوجهٍ، منها: أنه قاله على وجه التواضع (٢). وقوله: "المُكَرَّم بالقُرآنِ العَزيزِ، المُعْجِزَةِ المسْتَمِرَّةِ على تَعَاقُبِ السِّنين، وبالسُّنَنِ المسْتَنِيرَةِ للمُسْتَرشِدِينَ". سُمِّيَ القُرْآنُ قُرْانًا لجَمْعِهِ السُّوَر، يقالُ: قرأتُ الشيءَ إذا جمعتهُ. وقيل: لتأليفه. ومعجِزتهُ باعتبار لفظهِ، وأنَّهُ آيةٌ معجِزَةٌ، ومِنْ فَضْلِهِ على المُعْجِزَات دوامُهُ وانقِطَاعُهَا، وقِدَمُهُ وحُدُوثها (٣).

стр. 44

قال ﵊: "مَا مِنْ نَبِيٍّ مِنَ الأَنبياءِ إلَّا وَقَدْ أُوتيَ مَا مِثْلُهُ آمَنَ عليه البَشَرُ، وإِنَّمَا كان الذي أُوتيتُهُ وَحْيًا" (١). ووصف القرآن بالعزيز كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ﴾ [فصلت: ٤١]؛ لأنَّهُ بِصِحَّةِ معانيه ممتَنِعٌ عن الطَّعن فيه، والازدراء عليه؛ لأنه محفوظٌ مِنَ الله تعالى. قال ابن عباس: "معناه: كريم على الله تعالى" (٢). وقال مقاتل: "مَنِيعٌ مِن الشيطان" (٣). وقال السُّدِّي: "غير مَخلُوق" (٤). وقوله: "المُعْجِزَةُ المُسْتَمِرَّةُ على تَعَاقُبِ السِّنين" يريدُ أنَّ كِتابَ الله تعالى معجِزَته مستمرة دائمة لا انقطاع لها، بخلاف معجزة سائر الأنبياء فإنها قد انقرضت بانقراضهم. ولإِعْجَازِهِ وُجُوهٌ لا يحتمِلُ ذِكْرُها هنا. و"السُّنَّةُ": ما أوحي إليه، ومَا أُلْهِمَ. و"المستَنِيرة": ذات النور، كناية عن الهدى الذي تضمنته.

стр. 45

و"المسترشد": طالِبُ الرَّشاد. وقوله: "المَخْصُوصُ بجَوَامِعِ الكَلِمِ" هو إشارةٌ إلى قوله ﵊: "أُوتِيتُ جَوَامِعَ الكَلِمِ" وهو حديث صحيح أخرجهُ مسلِم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "فُضِّلتُ على الأنبياء بستٍّ: أُوتِيتُ جَوَامِعَ الكَلِم، ونُصِرتُ بالرُّعب. . ." الحديث (١). ومعناه: أوتيت المعاني الكبيرة في الألفاظ اليسيرة، مثل: حديث: "المُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِم أَدْانَاهُمْ، وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ" (٢). وحديث: "النَّاسُ كَأَسْنَانِ المشْطِ" (٣). وحديث: "المَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ" (٤).

стр. 46

وحديث: "إنَّ ذَا الوَجْهيْن لَا يَكُونُ عِنْدَ اللهِ وَجِيهًا" (١). وغير ذلك مِمَّا لا يُحْصَى كَثْرَةً. وقال الهروي: "يعني بـ"جوامع الكلم": القرآن، جَمَعَ اللهُ فيه الألفاظ اليسيرة مِن المعاني الكثيرة" (٢). وقال ابن شهاب: "بَلَغَني أنَّ اللهَ تعالى يجمَعُ له الأمور الكثيرة التي كانت تُكتب في الكتب القديمة في الأَمْرِ الواحد والأمرين ونحو ذلك" (٣). ذَكَرَهُ البيهقي في "دلائل النبوة" في إثر حديث أبي هريرة أنه ﷺ قال: "بعثت بجوامع الكلم. ." الحديث وعَزَاهُ إلى البخاري ومسلم (٤). وقوله: "و سَمَاحَةِ الدِّينِ " هو إشارةٌ إلى قوله ﵊: "بُعِثْتُ بالحَنِيفيَّةِ السَّمْحَة" وهو حديث مرويٌّ مِنْ طُرُقٍ: أحدها: من حديث أبي أمامة رواه الطبراني في "أكبر معاجمه" من حديث علي بن يزيد عن القاسم عنه رَفَعَهُ: "إني إنما بُعِثْتُ بالحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ" (٥).

стр. 47

ومن الوليد بن مسلم عن عفير بن معدان، عن سليم (١) بن عامر، عن أبي أُمامة -مرفوعًا- بِزِيادة: "ولم أبْعَث بالرَّهْبَانيَّة والبدعَةِ" (٢). ورواه أحمدُ في "مسندِه" عن مُعَان بن رفاعة (٣) عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة رفعهُ: "إني لم أُبْعَث باليهوديَّة ولا بالنَّصرانية، ولكني بُعِثتُ بالحَنِيفِية السَّمحَةِ" (٤). ثانيها: من حديث ابن عباس ﵁ قيل: يا رسول الله! أيُّ الأديان أَحَبُّ إلى الله؟ قال: "الحَنِيفِيَّةُ السَّمحَةُ". رواه أحمد في "مسنده"، والطبراني في "أكبر معاجمه". وفي إسناده ابن إسحاق وهو حسن الحديث (٥).

стр. 48

ثالثها: مِن حديث عروة الفُقَمي رفعه: "يا أَيُّها النَّاسُ، إِنَّ دِينَ اللهِ يُسْرٌ" قالها ثلاثًا. رواه أحمد في "مُسْندهِ" (١). ورابعها: من حديث مِحجن بن الأدرع السلَمي رَفَعَهُ: "إن خيرَ دِينِكُم أيْسَرُهُ" ثلاثًا. رواه أحمدُ أيضًا (٢). خامِسُها: مِن حديث عائشة أنها لَمَّا نَظَرَت إلى زَفْنِ (٣) الحبشة قال رسول الله ﷺ : "لِتَعلَمَ يهودُ أنَّ في دِيننا فُسْحَةً، إني أُرسِلتُ بحَنِيفِيَّةٍ سَمحَةٍ" رواه أحمد -أيضًا- (٤). سادِسُها: من حديث ابن أبي رَوَّاد قال: أخبرني محمد بن واسع أنَّ رجُلًا قال: يا رسول الله! جرٌّ مُخَمَر جديدٌ أحبُّ إليكَ أن تَتَوضَّأ منهُ أو مما يَتَوَضّأُ

стр. 49

الناس منه؟ قال: " [بلْ مِمَّا يتوضأُ الناسُ مِنْهُ أحَبُّ إلَي] (١)، أحب الأَديَانِ إلى اللهِ الحَنِيفِية السمحة". قيل: وما الحنيفية السمحة؟ قال: "الإسلامُ الواسِعُ" روَاه عبد الرزاق في "مُصَنَّفه" عن ابن أبي رَوَّادٍ به (٢). سابعها: من حديث سعيد بن العاصي أنَّ عثمان بن مظعون قال: يا رسول الله! ائذن لي في الإختصاء! فقال: "يا عثمان! إنَّ الله قد عرَّفَنا (٣) بالرَّهْبَانِيةِ، الحَنِيفيةِ السَّمحَةِ، والتَّكْبِير على كُلِّ شرَفٍ، فإن كنتَ مِنا فاصنعَ كمَا نَصنع" رواه الطبراني في "مُعجَمِهِ" مِن حديث أَبي أُمَيَّةَ الطَّائِفِي حدَّثَنِي جَدِّي، عن جَدِّه (٤) سعيد به (٥). ثامِنُها: من حديث أُبيّ بن كعب قال: أقرأني النبي ﷺ : "إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الحنيفية السمحة (٦)، لا اليهودية ولا النَّصرانية" رواه أبو عمرو بن مُعلى في فوائده بإسنادٍ جيِّد (٧). وهذا مما نُسِخَ لفظهُ وبقي معناهُ.

стр. 50

ويؤيد هذه الطُّرق حديث أبي هريرة الثابت في "صحيح البخاري" أنه ﷺ قال: "إنَّ الدِّينَ يُسرٌ، ولن يُشادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إلَّا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وقَارِبُوا ... " الحديث (١). وحديث أنس الثابت في "صحيح مسلم" أنه ﷺ " قال: "يَسِّرُوا ولا تُعَسِّرُوا، وبَشِّرُوا ولا تُنَفِّرُوا" (٢). ويؤيد ذلك كُلَّه ظَوَاهِرُ القُرآن العزيز، قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقال: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٦]، وقال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٨]، وقال: هو ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ [المائدة: ٦]، وقال: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٧٨]، وقال: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وأجاب الله تعالى الصحابة حين دَعَوْا بقوله: ﴿اوَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ بقوله: "نعم، وَقَد فَعَلْتُ" كَمَا ثَبَتَ في "صحيح مسلم" (٣). وقال في صِفَةِ نَبِيِّنا -عليه أفضل الصلاة والسلام-: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. قيل: كانت بنو إسرائيل يقرِضونَ مَحَلَّ البول بالمقاريض مِن جُلودهم إذا أصابهم، ولا يُجزئهم غَسلُه. وإذا أتى أحدهم ذنبًا أصبحَ مكتوبًا على باب داره فيقام عليه حدّه.

стр. 51

وكانت توبتهم بقتل أنفُسِهم. وكان موجب القتال عندهم القتل عينًا، ولا تُقبَلُ الدِّيَةُ. وفي "الصحيح": "فُضِّلتُ على الأَنبِياءِ بِسِتٍّ .. " الحديث كما سلف. وكُلّ هذا ونحوه مِن سماحة الدين وتشديد غيره؛ فديننا -إذن- أسمَحُ الأَديَان. وقوله: "وَصَلَوَاتُهُ وَسَلامُهُ عليهِ وعلى سَائِرِ النَّبِيِّين والمرسَلِينَ، وآلِ كلٍّ و [سائِر] (١) الصَّالِحِين". قد سَلف معنى الصلاة والسلام. و"سائِر" أي: باقي وجميع، ولم ينفرد الجوهري بالثاني فقد وافقه الجواليقي، وابن بزي (٢). و"النَّبِيّونَ" جمع نبي، وهو الذي ينبئ، أي: يُخبر عن الله تعالى، فعيل بمعنى مفعِل -بكسر العين- أي: مُبلّغ الأحكام. وقيل بفتحها، أي: لأن الله أعلمه ذلك. وقد أوضحتُ الكلام على هذه المادة في "شرحِي لعُمدَةِ الأحكَام" (٣)، وذَكَرتُ عدد الأنبياء والمرسلين (٤) فَرَاجِعهُ منه فإنَّهُ من المُهمَات، وقد سَلَفَ الكلام عليه.

стр. 52

وذَكَر بعضهم أنَّ النبي لم يُنزل عليه كتاب، ولم يؤمر بحُكْمٍ جَدِيدٍ، بل أُمِر بالدعاء إلى دين مَنْ قَبْلَهُ، بخلاف الرَّسول. وذَكَر بعضهم أنَّ الرسول: مَنْ نَزَلَ عليه جبريل وأمرهُ بالتبليغ. والنبي: من لم ينزل عليه جبريل، بل سمِع صوتًا، أو رأى في المنام أنكَ نبيٌّ فَبَلِّغ الناس. وقوله: "وآلِ كُلٍّ " أي مِنَ النبيين، حَذَف المضاف إليه لدلالة الكلام عليه، والتنوين في "كلٍّ " عوضٌ مِنَ الإضافة. و"آل" أصله: أهل، بدليل تصغيره [على أُهيْل] (١)، ثمَّ أبدل من الهاء همزة، ثم أبدل منها ألف. وقيل: أصله "أوَل"، تحركت الواو وانفتح ما قبلها، فقُلِبَت ألفًا. وقيل في تصغيره: أويل، فأبدلت الألف واوًا، ولم يرد إلى الأصل كما لم يردُّوا "عيدًا" إلى أَصلِهِ، إذْ قالوا: عُييد (٢). و"آله" عند الشافعي: بنو هاشم، وبنو المطلب (٣). وقيل: عترته وأهل بيته. وقيل: كُلُّ الأمة، واختاره الأزهري وغيره من المحققين (٤). وآل إبراهيم: إسماعيل وإسحاق وأولادهما، قاله صاحب "الكشاف" (٥).

стр. 53

وأَمَّا "آل" غيرهما فابحث عنهُ (١). و"الصَّالِحُونَ" جمعُ صالِحٍ، وهو القائم بحقوق الله تعالى وحقوق العباد -جعلنا الله منهم-. وقوله: "أَمَّا بعدُ" أي: أمَّا بعد ما سَبَق -وهو الحمدُ والصلاة-. وبدأ بها للأحاديث الصحيحة أنه ﵊ كان يقولها في خُطَبه وشبهها، رواه عنه اثنان وثلاثون صحابيًّا (٢)؛ وفي المبتدئ بها خمسة أقوال: داود، وهي "فضلُ الخِطاب" الذي أوتيهُ؛ لأنَّ المتكلم يفصلُ بها بين خُطبه ومواعظه. وقيل: إن فصل الخطاب: البَيِّنَةُ على [المُدَّعي] (٣) واليمين على من أنكر. ثانيها: قِسُّ بن سَاعِدة. ثالثها: كعب بن لُؤي. رابعها: يَعرُب بن قحطان. خامسها: سَحبَان (٤). وفي ضَبْطها أربَعَةُ أوجهٍ: ضَمُّ الدال، وفتحُها، ورفعُها منونةً، وكذا نصبُها. قوله: "فقد رُوِّينا" الأجودُ في قراءةِ هذه اللفظة: ضَمُّ الراء وتشديدُ الواو وكَسْرها. أي: روى لنا مشايخنا كذا فسمعناه عليهم.

стр. 54

ويجوز فتح الراء -أيضًا-، يُقال: روى يروي، إذا نَقَلَ عن غيره. وقوله: "فقد رُوِّينا عن علي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، ومعاذ بن جبل، وأبي الدرداء، وابن عمر، وابن عباس، وأنس بن مالك، وأبي هريرة، وأبي سعيد الخدري ﵃ مِنْ طُرُقٍ كثِيراتٍ بِرِواياتٍ مُتَنَوِّعاتٍ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: "مَنْ حَفِظَ على أمَّتي أربَعينَ حَدِيثًا مِنْ أمرِ دينِها بَعَثَهُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ في زمرَةِ الفُقَهاءِ والعُلَمَاءِ" (١). وفي روايةٍ: "بَعَثَهُ اللهُ فَقِيهًا عَالِمًا" (٢). وفي روايَةِ أبي الدَّردَاءِ: "وكُنْتُ لهُ يومَ القِيَامَةِ شافِعًا وشَهيدًا" (٣). وفي رِوايةِ ابن مسعود: "قيلَ لهُ ادخُلِ مِنْ أيِّ أبوابِ الجنةِ شِئْت" (٤).

стр. 55

وفي روايَةِ ابنِ عُمَرَ: "كُتِبَ في زمرَةِ العُلَمَاءِ، وحُشِرَ في زُمرَةِ الشُّهداء" (١). قلتُ: ورُوِي -أيضًا- عن عبد الله بن عمرو بن العاصي، وأبي أمامة، وجابر بن سمرة، ونويرة، ذَكَرها ابن الجوزي في "عِلَله" (٢). وذكر المنذري الحافظ في جزء مفردٍ من هذه الطرق كلها وزيادة: سلمان الفارسي، فهذه -مع ما ذكره المُصَنِّف- أربَعَةَ عشر طريقًا، وسيأتي ترجمة من وقَعَ مِنهُم في الكتاب. ومعنى "الحفظ" هنا: نقلها إلى المسلمين، وإنْ لم يحفظها ولا عَرَفَ معناها، هذا حقيقة معناه، وبه يحصلُ انتفاع المسلمين لا بحفظ مَا لَمْ يُنقل إليهم، قاله المُصنِّف في آخر "الأربَعِين" في آخِر الباب الذي أَفرَدَهُ لبيانِ المُشكِلات (٣). وقد يُقال: المرادُ هنا حِفظُ مَعَانِيها، إذْ بهِ يُسمَّى فقيهًا، ويدخُلُ في الحديث مَن اجتهدَ في طرق تصحيحه وتدوينه، كالبخاري ومُسلم وغيرهما، ومَنْ نَقَلها مِن كُتُبِهم فقد قرَّبَها للمُتَعَلِّمِين؛ فلهُ أجْرُ ذلك، وأمَّا أجرُ الحفظِ فأبلغ، ويدخل فيه الأحاديث الضعيفة إذا كانت في الترغيب والترهيب فقط، لأنه يُعمَل بها (٤). فائدة: إن قيلَ: ما وجهُ التخصيص بهذا العدد دونَ سائر مقادير العدد؟ وأجيب عنه بأنه روي عن بِشر الحافي أنه قال: "يا أهل الحديث! اعمَلُوا مِن

стр. 56

كُلِّ أربعين حديثًا بحديث كما قال ﵊: "أَدُّوا رُبعَ عُشر أَموَالِكُم مِنْ كُلِّ أَربَعِينَ دِرهمًا دِرهمٌ" (١).". وإنما قال ذلك؛ لأنّه أقل عدد له ربعُ عشر صحيح، وإلَّا فزكاة الفضة إنما تجِبُ في مائتين فصاعِدًا. فائدة: أفتى الكيا الهراسي -من كبار أصحاب الشافعية- بأنَّ مَنْ حَفِظَ أربعين مسألة فهو فقيه، وفيه نظرٌ كما قال الرافعي (٢)؛ لأنَّ حِفْظَ الشيء غير حفظه على الغير، وأيضًا فقد تجتمع أحاديث كثيرة في المسألة الواحدة. وقوله: "واتَّفَقَ الحُفَّاظُ على أَنَّهُ حديثٌ ضعيفٌ وإِنْ كَثُرَتْ طُرقُه" هو كما قال، وقد أوضَحَ ضعفها ابن الجوزي في "عِلله"، وبرهن لهُ (٣). وقال الحافظ زكي الدين المنذري في جُزئه الذي أفرده في ذلك في أوراقٍ لطيفة: "ليسَ في جميع طرقه ما يقوى وتَقُومُ به الحُجَّة، ولا تَخْلُو طريق من طرقه أن يكون فيها مجهول، أو معروف مشهور بالضعف". ولَمَّا أَخْرَجَهُ ابن عبد البر مِن حديث الإمام مالك قال: "هذا حديثٌ غير محفوظ ولا معروف من حديث مالك، ومَن رواه عن مالك فقد أخطأ عليه، وأضاف ما ليسَ في روايته له" (٤).

стр. 57

وقال في كتاب "العلم": "إسنادهُ كلّه ضعيف ... ، وأخرجه ابن السكن مِن رواية خالد بن إسماعيل، وقال: خالد هذا هو أبو الوليد المخزومي، وهو مُنكَرُ الحَدِيث. قال: وليسَ يُروَى هذا الحديث عن النبي ﷺ من وجهٍ يَثْبُت" (١)، قال الدارقطني في "عِلله": "كُلّ طُرُقِ هذا الحديث ضِعاف، ولا يثبت منها شيء" (٢). وأخرجهُ البيهقي مِنْ حَديث الإمام مالك وغيِره وقال: "أسانيد هذا الحديث كلها ضعيفة" (٣). وأخرجه -أيضًا- ابن عساكر الحافظ من طُرُق، وقال: "قد رُوي هذا الحديث أيضًا عن: علي، وابن عمر، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وأبي أمامة، وأنس مرفوعًا بأسانيد فيها كلها مقال، ليسَ فيها للتصحيح مجال" (٤). وأَمَّا قوله الحافظ أبي طاهر السِّلَفي في "أربعينه" أن هذا الحديث: "روي من طُرق وثقوا بها، وركنوا إليها، وعرفوا صحتها، وعولوا عليها" (٥). فليسَ بِجَيدٍ مِنْهُ. قال الحافظ عبد العظيم المنذري: "فيما قالَهُ نَظَر". قال: "ويمكن أَنْ يكون سلَكَ في ذلكَ مَسْلَكَ مَن رأى أنَّ الأحاديث الضعيفة إذا انضمَّ بعضها إلى بعضٍ أحْدَثَ قوَّةً".

стр. 58

قلتُ: وَوَرَدَ في حديث آخر: "مَن حَفِظَ عَلَى أُمَّتِي حَدِيثًا واحِدًا كانَ لَهُ كَأَجْرِ أَحد وسَبْعِينَ نَبِيًّا صَدِّيقًا". أنبأنا به الحافظ شمسُ الدين الذَّهبي، أنبا أبو المعالي محمد بن محمد (١) بن عبد العزيز الجذامي الإسكندري، أنبا جدي، أنبا أبو طاهر الحافظ قال: كَتَبَ إِليَّ أبو الفتيان عمر بن أبي الحسن الحافظ، أنبا أحمد بن محمد البجلي الحافظ، أنبا محمد بن أحمد بن يعقوب الزرقي -زرق من قُرى مرو-، ثنا أبو حامد أحمد بن عيسى بن مهدي -إملاءً-، ثنا محمد بن رزام المروزي، ثنا محمد بن أيوب الهنائي، ثنا حميد بن أبي حميد، عن عبد الرحمن بن دلهم، عن ابن عباس مرفوعًا فَذَكَرَهُ (٢). قال أبو الفتيان: "كَتبهُ عَنِّي الحافظ أبو بكر الخطيب بصور" (٣). قلتُ: هذا حديثٌ موضوعٌ، وإسنادهُ مُظْلِم، والظاهر أنَّ الآفةَ فيه مِن ابن رزام الكذَّاب (٤). وقوله: "وقد صَنَّفَ فيه عبدُ الله بن المبارك (٥).

стр. 59

ثمَّ محمد بن أَسْلَم الطُّوسِي العالمُ الرَّباني (١)، ثم الحسن بن سفيان النَّسَوي (٢)، وأبو بكر الآجُرِّي (٣)، وأبو بكر محمد بن إبر اهيم الأصبَهاني (٤)، والدَّارَقُطْني (٥)، والحاكم (٦)، وأبو نُعَيم (٧)، وأبو عبد الرحمن السُّلَمِيُّ (٨)، وأبو سعدٍ المَالِيني (٩)، وأبو عثمان الصَّابُونيُّ (١٠)، ومحمدُ بن عبد اللهِ الأَنصَاريُّ (١١)، وأبو بكرٍ البَيْهقيُّ (١٢)، وخلائقُ لا يُحصَونَ مِنَ المُتَقَدِّمِين والمُتَأَخِّرينَ".

стр. 60

هو كما قال، ويبعُدُ إحصاؤهم حتى إلى زماننا هذا وهلُمَّ جَرًّا. ومنهم: الطائي (١)، والسِّلَفي (٢)، والمنذري (٣)، وإمام الحرمين (٤). والطُّوسي: بِضَمِّ الطاء. و"الرَّبَّاني": مَنْ أُفِيضَت عليهِ معارِفُ رَبّهِ، ورَبَّى الناس بِعِلمِهِ. و"النَّسَوي": -بفتح النون ثم سينٌ مُهْمَلة ثم واو-: نسبة إلى نَسَا. و"الآجريّ": -بهمزة مفتوحةٍ ممدودةٍ- (٥)، ولم يذكرها السمعاني في "أنسابه" ولا مَنْ تَبِعَهُ! (٦).

стр. 61

و"الأصبهاني": -بكسر الهمزة وفتحها-، وبالفاء بدل الباء. و"الدَّارَقُطْنِي": -بفتحِ الراء- نسبة إلى دار القطن محلَّة كبيرة ببغداد. و"السُّلَمي": -بضمِّ السين وفتح اللام-، نسبة إلى سليم بن منصور قبيلةٌ مشهورة، واسمه محمد بن الحسين، وهو ابن بنت أبي عمرو بن بجيد السلمي. و"المَالِيني": -بفتح الميم، وكسر اللام، ثم مثناة تحت ساكنة، ثمَّ نون- نسبة إلى مالين، وهي: قُرَى مجتمعة مِن أعمال هراة، يقال لجميعها: مالين، وأهل هراة يقولون: مالان. كذا ذَكره السمعاني، وكَنَّاه أبا أسْعَد (١)، وسماه أحمد بن محمد (٢)، وهو رَاوِيَةُ ابن عَدِيٍّ الحافظ. و"الصَّابُوني": نسبة إلى عمله، ولعَلَّ أَجدَادَ أبي عُثمان هذا -واسمه إسماعيل بن عبد الرحمن شيخ الإسلام- كان يَعمله (٣). وهذه الألفاظُ ضَبطتُها ليعرفها المبتدئ في هذا الفنِّ. وقوله: "وقد اسْتَخَرتُ الله تعالى في جَمعِ أَربَعينَ حَديثًا اقتِداءً بهؤلاءِ الأَئِمَّةِ الأَعلامِ وحُفَّاظِ الإسلامِ. وقدِ اتَّفَقَ العُلَمَاءُ على جَوازِ العَمَلِ بالحَدِيثِ الضَّعيف في فَضَائِلِ الأعمَالِ، ومَعَ هذا فليسَ اعتِمَادي على هذا الحديثِ، بلْ على قولهِ ﷺ في الأحاديث الصَّحيحَةِ: "لِيُبَلِّغ الشَّاهِدُ مِنْكُم الغائبَ".

стр. 62

وقوله ﷺ : "نضَّرَ اللهُ امرأً سَمِعَ مقالَتِي فوعَاها فأَدَّاها كمَا سَمِعَها". ثمَّ مِنَ العُلَماءِ مَنْ جَمَعَ الأربَعينَ في أُصُولِ الدِّين، وبَعضُهم في الفُرُوعِ، وبعضهم في الجِهادِ، وبعضهم في الزهدِ، وبعضهم في الآدابِ، وبعضهم في الخُطَبِ، وكلُّها مَقَاصِدُ صالِحَةٌ، رضي الله عن قاصِديها. وَقَد رَأَيْتُ جَمعَ أربَعينَ أَهمَّ مِنْ هذا كلِّهِ، وهي (١) أربعونَ حديثًا مُشْتَمِلَةٌ على جميع ذلك، وكُلُّ حديثٍ منها قاعِدَةٌ عظيمَةٌ مِن قواعِدِ الدِّين، قد وَصَفَهُ العُلَماءُ بأنَّ مَدَارَ الإسلام عليه، [أو هُوَ نِصفُ الإسلام] (٢)، أو ثُلُثُهُ، أو نحوُ ذلِكَ. وألتَزمُ في هذه الأربعين أنْ تَكُونَ صَحِيحَةً، ومُعظَمُها في صحيحَيْ البُخَاريِّ ومُسلمٍ، وأذكُرُها محذُوفةَ الأَسانيدِ لِيَسْهلَ حِفْظُها ويَعُمَّ الانتِفاعُ بها إنْ شاءَ اللهُ تعالى". ولَمَّا كانت الاستخارةُ مطلوبةً في جميع الأمور، قدَّمَها المُصَنِّف على تأليف "الأربعين" المذكورة، وحديث الاستخارة معروف ثابت في "الصحيح" (٣). ويُروى: "مِنْ سَعَادَةِ ابن آدم: الرضا بالقَضَاءِ، واسْتِخَارَةُ الله تعالى في أُمُوره، ومن شَقاوَتهِ تَركُ ذلك" (٤).

стр. 63

ثمَّ ذَكَرَ المُصَنِّف مستندًا في جمعِها، وأنه ليسَ مُسْتَنَدُ ذلك الحديثُ السابق، وإن كانوا أجمعوا على العمل بالضعيف في فضائل الأعمال، وليسَ هو اختراع عبادَةٍ كما استُشْكِلَ، وإنما هوَ رجاءُ فَضْلِهِ بأَمَارةٍ ضَعيفةِ (١)، وقد وَرَدَ في بعضَ الأحاديث: "مَنْ بَلَغَهُ عني ثواب فعمِلَهُ كان له أجرهُ وإن لم أكن قُلتُهُ" أو كَمَا قال (٢). وحديث: "لِيُبَلّغِ الشَّاهِدُ مِنْكُم الغائب" أخرجه الشيخان في "صحيحيهما" في خطبة حجة الوداع (٣)، ولهُ طُرقٌ كثيرة ذَكَرَها ابن منده في "مستخرجه" مِنْ حَدِيث: ابن عباس، وابن عمرو، وأبي بكرة، وعبادة، وعمار، ووابصة بن معبد، والحارث بن البَرصَاء، وأبي شريح العدوي، ومعاوية بن حيدة، والعدي بن خالد، والحارث بن عمرو، وجابر، وأبي سعيد، وأبي أُمامة، وعائشة، وأسماء بنت يزيد، وسَرَّاءَ بنتِ نَبهان (٤).

стр. 64

وحديث: "نَضَّرَ الله امرأً .. " أخرجَهُ الترمذي من حديث ابن مسعود وقال: "حسنٌ صحيح" (١). وابن حِبَّان في "صحيحه" (٢)، والحاكم في "مستدركه" من حديث جبير بن مُطْعِم وقال: "صحيحٌ على شَرطِ الشَّيخَين" (٣). ورواه أبو داود وابن ماجه والترمذي من حديث زيد بن ثابت وقال: "حسن" (٤). ورواه الجورقاني في أوائل "موضوعاته" من حديث أَنَس رَفَعَهُ: "نضَّرَ اللهُ مَنْ سَمِعَ قولي ثمَّ لَمْ يَزد فيهِ، [ثلاث] (٥) لا يَغِلُّ عليهنَّ قلبُ امرئٍ مُسْلِمٍ: إِخْلاصُ العَمَلِ للهِ، ومُنَاصَحةُ ولاةِ الأمرِ، ولُزُومُ جماعَةِ المُسْلِمِينَ (٦)، فَإِنَّ دَعوَتَهم تُحِيطُ مِنْ وَرَائهِم".

стр. 65

ثمَّ قال: "هذا حديث مشهور" (١). ثُمَّ رواه من حديث ابن مسعود مرفوعًا: "نضَّرَ الله امرأً سَمِعَ مِنَّا حديثًا فأَدَّاهُ عَنَّا كمَا سَمِعَهُ، فَرُبَّ مُبَلَّغ أوعى مِنْ سامِع". ثمَّ قال: "هذا حديث صحيح مشهور، ورواته ثقات" (٢). وفي روايةٍ: "نَضَّرَ اللهُ رَجُلًا سَمِعَ مِنَّا كلِمَةً فبَلَّغَها كمَا سَمِعَها، قربَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِن سامِعٍ". ثمَّ قال: "هذا حديثٌ صحيح" (٣). فائدةٌ: نَضَّرَ -بتخفيف الضاد وتشديدها- من النَّضَارة، وهي في الأصل: حُسْنُ الوجه والبريق. ورجَّحَ بعضهم التخفيف، لكن التشديد أكثر -كما قاله النووي-، ومعناه: "حسَّنَهُ وجَمَّلهُ" (٤).

стр. 66

وقال بعضهم: "إني لأرى في وجوه أهل الحديث نضرًا لقوله ﵊: "نضَّر الله امرأً .. " الحديث" (١). يعني: أنها دعوةٌ أجيبت. وقال الرُّوياني في "بحره": "الأجود التخفيف". قال: "وفي الخبر بيان أنَّ الفقة هو: الاستنباط والاستدراكُ لمعاني الكَلام، وفي ضمنه وجوب التفقه والحث على استنباط معاني الحديث" (٢). وقال ابن الأثير: "نَضَرَ وَنَضَّره وأَنْضَره، أي: نَعَّمَهُ" (٣). وفي "الغيريبين" للهروي: "رواه الأصمَعِيُّ بالتَّشديد، وأبو عُبيدة (٤) بالتَّخفيف، أرادَ: نعَّم الله عبدًا، ويقال: نضر الله يُنضر ونضر ينضر لغتان. وقال الحسن بن محمد بن موسى الأزدي المؤدب: "ليسَ هذا مِن الحُسن في الوجه، إنما معناه: حَسَّنَ اللهُ وجةهُ في خُلُقِهِ، أي: جَاهِهِ وقَدرِهِ". قال: "وهذا مثل قوله ﵊: "اطلُبوا الحَوَائِجَ إِلى حِسَانِ الوُجُوه" (٥).

стр. 67

يعني: ذوي الوجوه من الناس، وذوي الأقدار" (١). وانفردَ ابن العربي فقال: "هو بالصَّاد المهملة حكئ عن ابن بشكَوال عنه سماعًا" (٢). وقوله: "فأدَّاها كما سمِعَها" يُستَدَلُّ به على مَنع رِوَايَةِ الحديث بالمَغنى. وجوابُ الجمهور: أنَّ المُرَاد حُكْمها لا لَفْظها؛ بدليل آخِرِ الحَدِيث: "فَرُبَّ حامل فقه غير فقيه، وربَّ حامل فقه إلى مَن هو أفقه منه". قلتُ: ومِنْ شواهِدهِ أيضًا حديث: "يَحمِلُ هذا العِلمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ" الحديث (٣). وقد ذكرتهُ في خطبة "تخريجي لأحاديث الرافعي الكبير" (٤). وقوله: "وَقَد رَأَيْتُ جمعَ أربَعينَ أَهمَّ مِنْ هذا كُلِّهِ". هو كَمَا قال، فإنَّ الشريعة ورَدَت للمَصَالح الدينية والدنْيَويَّة، والأولى بالتوحيد.

стр. 68

والطاعات: إِمَّا قلبيَّة كالإخلاص والإيمان، وإِمَّا بالجوارح كالعبادات العمليَّة. وهذه الأربعون التي جَمَعَها مُشْتَمِلةٌ على أصولِ ذلك كلِّه، وحاصلها أنها راجعةٌ إلى تصحيح النيات، والتقوى في السّرِّ والعَلَن، والزهد في الدنيا، وقِصَرِ الأمل، وتركِ ما لا يعني مِن الفُضولِ، والاشتغالِ بالذِّكر، والاستعداد للقاء الله، والتواضع للخَلْق، وحُسْنِ التَّخَلُق معهم بالآداب الشرعية، والانقباض عنهم فيما لا يعني، وإرادة الخير لهم باطنًا، ومساعدتهم ظاهرًا حسب الإمكان. وقوله: "وكُلُّ حَديثٍ منها قاعدة" أي: أساس كما سَتعلَمهُ في مَوْضِعِهِ. وذَكَرَها محذوفة الأسانيد "لِيَسهُل حِفْظُها" كما ذَكَرَ؛ ولأَنَّ المقصودَ مِن ذِكْرِ الإسناد صحَّةُ الحديث، وهي معلومة بدونه. وهذا آخر ما يسَّرَهُ الله تعالى مِنَ الكلام على مواضع من الخطبة يحتاج إليها. ثُمَّ نَشْرَع الآن في المقصود أعاننا الله تعالى على إكماله بمُحَمَّدٍ وآلهِ (١).

стр. 69

الحَدِيثُ الأَوّلُ عن أمير المؤمنين أبي حَفْص عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ ﵁ قال: سَمِعتُ رَسُولَ الله ﷺ يقُولُ: "إِنَّمَا الأَعمَال بالنِّيَّاتِ، وإِنَّما لِكُلِّ امرئٍ مَا نَوى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلى اللهِ ورَسُولهِ، فَهِجْرَتُهُ إلى اللهِ ورَسُولهِ، ومَنْ كانت هِجْرَتُهُ لِدُنيا يُصيبُها أو امرَأَةٍ يَنْكِحُها، فَهِجْرَتُهُ إلى مَا هاجَرَ إليهِ" (١). رواهُ إِمَامَا المُحَدِّثين أبو عبدِ اللهِ محمدُ بن إسماعيل البُخاري، وأبو الحُسَيْن مُسْلِم بن الحجاج القُشَيْري في "صحيحيْهِما" اللَّذَيْنِ هُمَا أَصَحُّ الكُتُبِ المُصَنَّفةِ. الكلام عليهِ مِن وُجوه -نقْتَصَر منها على ثمانيةٍ وعشرينَ؛ طَلَبًا للاختصار، وحَذَرًا من الإكثار-! (٢):

стр. 70

أحدها: في التَّعريفِ بِرَاوِيهِ، وبالأسماء الواقِعَةِ فيهِ: أَمَّا راوِيهِ فهو: أميرُ المؤمنين، أبو حفص، وأَوَّلُ مَن كَنَّاه بذلك رسول الله ﷺ . و"الحفصُ" في اللُّغة: الأسدُ. عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رِيَاح -بكسر الرَّاء ثم مثناة تحت- ابن عبد الله بن قرط بن رَزَّاح -بفتح الراء ثم زاي- بن عدي بن كعب بن لؤي -بالهمز وتَركهِ- بن غالب بن فهر العدوي القرشي. يجتمع مع رسول الله ﷺ في كعب بن لؤي. [واتفقوا على تسميته بالفاروق؛ لفُرقَانِهِ بينَ الحَقِّ والباطل بإِسلامِهِ، وظهور ذلك. وهو أول مَن سُمِّيَ أمير المؤمنين عُمومًا، وسُمِّيَ قبله به خصوصًا عبد الله بن جحش على] (١) سَرِيَّةٍ في اثنى عَشَرَ رجُلًا، وقيل: ثمانية. وأُمُّ عُمَر اسمها حَنْتَمة -بالحاء المهملة ثم نون ثم مثناة فوق- بنت هاشم، وأخطأ من قال: بنت هشام. وُلِدَ بعدَ الفَيل بثلاثَ عَشرة سَنَةً، وأسلمَ بعد ستٍّ مِن النُّبُوَّة. وقيل: خمس، بَعدَ أربعين رَجُلًا وإحدى عشرة امرأة، وكانَ إسلامه عِزًّا. بُويع له بالخلافة يوم موت الصِّديق وهو يوم الثلاثاء لثمان بقين من جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة من الهجرة بوِصايةِ الصدِّيق إليه. فَتَحَ الفُتوح، ودَوَّنَ الدَّوَاوين في العَطَاءِ، وأرَّخَ التَّاريخ، وأخَّر المَقَام

стр. 71

إلى موضعه الآن -وكان مُلْتَصِقًا بالبيت-، وكَم لَهُ مِنْ سابقةٍ ولاحِقةٍ، ونَزَل القرآن بموافقته في عِدَّةِ مواضع. رُوِيَ لهُ عن النبي ﷺ خمسمائة حديث ونيِّف، اتفق الشيخان منها على ستةٍ وعِشرين حديثًا، وانفرد البخاري بأربعةٍ وثلائين، ومسلم بأحد وعشرين. ولِيَ الخِلافة عشر سنين ونصف، واستُشْهِدَ يومَ الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين من الهجرة، وهو ابن ثلاث وستين سنة -على الصحيح-، وغَسَّلهُ ابنهُ الزاهد: عبد الله، وكَفَّنَهُ في ثوبين سحولِيَّين، وصلّى عليه: صُهيب، ودُفِنَ في الحجرة النبوية على ساكنها محمد رسول الله أفضلُ الصلاة والسلام. قَتَلَهُ أبو لؤلؤة فيروز النصراني -قاتلهُ الله تعالى- (١). وترجمتهُ مبسوطةٌ في "شَرْحِي للعُمدَة"، وَذَكرتُ فيها أن في الرواة عمر بن الخطاب ستةٌ سواه (٢)، نعم؛ هوَ فَرْدٌ في الصحابة -رضوان الله تعالى عنهم أجمعين- (٣). * * * وأَمَّا البخاري -مُخَرِّجُ الحديث- فهو: أميرُ المؤمنين أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بَزدِزْبه -بفتح الباء وإسكان

стр. 72

الراء وكسر الدال ثم زاي ثم باء موحدة ثم هاء، وهو بالبُخارِيَّة، ومعناه بالعربية: الزرَّاع- الجعفي مولاهم. كَتَبَ بخراسان، والجبال، والعراق، والحجاز، والشام، ومصر، عن أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين وخلق يزيدون على ألفٍ. وروى عنه الترمذي، والنَّسائي -فيما قيل-، ومُسلم -خارج الصحيح-، وأبو زرعة، وابن خزيمة، وآخر مَن حذَث عن البخاري ببغداد: الحسين بن إسماعيل المحاملي. وصحيحه متواتر عنهُ. واشتهر عنه مِن رواية الفِرَبْري. وُلِدَ بعدَ صلاة الجمعة لثلاث عشرة خَلَت من شوال سنة أربع وتسعين ومائة، وتوفي ليلة السبت عند صلاة العشاء ليلةَ عيد الفِطْر، ودُفِنَ يومَ الفِطر بعد الظهر، سنة ست وخمسين ومائتين، ودفن بخَزتَنْك -قرية على فرسخين من سمرقند- وفضائله جمةٌ أفردت بالتأليف -سقى الله ثراه- (١). وأمَّا مسلمٌ -مخرِّجه أيضًا- فهو: الإمام أبو الحُسين مُسْلِم بن الحجَّاج ابن مسلم القُشَيْري النِّيسابوري صاحب "المسند الصحيح" وغيره. وُلِدَ سنة أربع ومائتين، ومات في رجب سنةَ إحدى وستين. رَحَلَ إلى الحجاز، والشام، والعراق، ومِصر، وأخَذَ الحديث عن أحمد بن حنبل، وحَرمَلة وخلائق.

стр. 73

روى عنه الترمذي حديثًا واحدًا. فائدة: البُخَاري -بضَمِّ الباء المُوَحّدة، ثُمَّ خاءٌ مُعجَمَة- نسبةً إلى بخارى: بلدٌ معروفٌ بما وراء النهر، خَرَجَ مِنها جماعَةٌ مِن العلماء في كُلِّ فن، ولها تاريخ، ومِن أَجَلِّهم صاحِبُ "الصَّحِيح" هذا. والقُشَيري: -بفتح الشين وسكون الياء المثناة تحت، ثمَّ راء، ثُمَّ ياء النِّسبة- نِسْبَة إلى قُشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، قبيلة كبيرةٌ، يُنسب إليها جماعةٌ مِن العلماء منهم هذا الإمام. قلتُ: والقُشيري -أيضًا- نسبةً إلى قُشير بطنٌ مِن أسلَم، منهم: سلمَةُ بن الأكوَع (١). فائدة أخرى: قِراءَةُ الحديث يُسْتَشْفَى بها عِنْدَ نُزول الكَرب، وكيفَ لا وهي أحدُ الوَحيَيْن. حكى أبو الحسين الفَرَّاء في "طبقاته" أنَّ البخاري ذهبَت عَيْنَاهُ في صِباه فرأَى في منامِهِ إبراهيم الخليل -صلوات اللهِ وسلامُهُ عليه- فتفل فيها، أو دَعَا له فَعَادَت (٢). فَكَأَنَّ قراءةَ الناسِ لكِتَابهِ عندَ حُلولِ الكَزبِ مأخوذٌ مِنْ ذلك؛ لأنَّ مُصَنِّفَهُ

стр. 74

فُرِّجَت كُربته (١). فائدة أخرى: قولُهُ: "إِمَامَا المُحَدِّثين" هو باعتِبار ما كانا عليه مِن الزُّهدِ والورعِ والجِدِّ والاجتهاد في تخريج "الصحيح" حتى ائتمَّ بهما من جاء بعدهما، كابن خُزيمة، وابنُ حِبَّان، وأبي عَوانة وغيرهم. وقوله: "اللَّذَيْنِ هُمَا أَصَحُّ الكُتُبِ المُصَنَّفةِ" لا شَكَّ في ذلكَ ولا مِريَةَ. وقولُ الشَّافعي ﵁ مِثْل ذلك في "المُوَطَّأ" كان قَبْلَ وُجُودِهما (٢). ثمَّ "كتاب البخاري" أصحُّ من "كتاب مُسْلِمٍ" كما ذَكَرَهُ الإسماعيلي. وخالفَ أبو علي النيسابوري فقال: "مَا تحتَ أديمِ السَّماء أصح مِن كتاب مسلم" (٣).

стр. 75

وَوَافَقَهُ على ذلك بعضُ شُيُوخ المَغْرِب، والصَّحِيحُ الأَوَّل (١). الوجهُ الثاني: هذا الحديثُ أَحَدُ أركانِ الإسلام، وقواعِدِ الإيمان، وهو صحيح جليلٌ مُتَّفقٌ على صِحَّته، مُجْمَعٌ على عِظَمِ مَوْقِعِهِ، وثبوته من حديث الإمام أبي سعيد يحيى بن سعيد الأنصاري، رواه عنه الحفَّاظ والأعلام الجَمّ الغفير فوق الثلاثمائة نفسٍ كما عددَهم ابن منده في "مستخرجه" (٢). الوجهُ الثالث: هذا الحديث خَرَّجَهُ البخاري في "صحيحه" في سبعةِ مواضع منه، وخَرَّجهُ مُسْلِمٌ في "الجهاد"، وخرَّجه أصحاب "السنن الأربعة" -أيضًا-، وخرَّجه قبلهم الإمام أحمد في "مُسْنَده"، ولم يخرجه مالك في "الموطأ" مِنْ جِهته (٣). الوجه الرابع: هذا الحديث رواه عن النبي ﷺ غير عمر بن الخطاب نحو عشرين صحابيًّا. لكن قال الحُفَّاظُ: "لا يَصِحُّ إلَّا مِنْ جهةِ عُمَر فقط" (٤). وهو فردٌ غريبٌ باعتِبَارٍ، مَشْهُورٌ باعتبارٍ آخر. وليسَ بمتواتر كما يُظَنُّ (٥)، فإنه لا يصح إلَّا عن عمر، ولا عنه إلَّا مِنْ جِهة علقمة، ولا عنهُ مِن جهة
следующие страницы →