← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17747

البدر التمام شرح بلوغ المرام ت الزبن

الحسين بن محمد المغربي

Полный текст (4 458 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

وأخرج حديث ابن عباس أبو داود بزيادة: "قالوا: وما العذر؟ قال: خَوْفٌ أو مرضٌ لم يقبل اللَّه منه الصلاة التي صلى"، بإسناد ضعيف (١). الحديث فيه دلالة على تأكد الجماعة، وظاهره حجة لمن يقول إنها فرض عين، ويتأول من يقول بأنها سنة قوله: "فلا صلاة له": يعني (ألا صلاة أ) كاملة ولكنه نزل نفي الكمال منزلة نفي الذات مبالغة في ذلك. وقوله: "إِلا مِنْ عُذْر": قد فسر العذر في رواية أبي داود بالخوف والمرض، وقد يلحق بذلك ما فيه مشقة من سائر الأعذار، وقد ورد الرخصة في المطر والريح الباردة، وفي حق من أكل من ذوات الروائح الكريهة، لقوله: "فلا يقربن مسجدنا" (٢) وكان (ب) ذلك عذرًا له، وإن احتمل أن يكون نهيًا عن قربانها لما لزم من أكلها فوات الفريضة، واللَّه أعلم. ٣٠٥ - وعن يزيد بن الأسود ﵁ "أنه صَلَّى مع رسول اللَّه ﷺ صلاة الصبح، فلما صلى رسول اللَّه ﷺ إِذا هو برجلين لم يصليا فدعا بهما، فجيء بهما ترْعَدُ فرائصهما، فقال لهما: ما منعكما أن تصليا معنا. قالا: قد صلينا في رحالنا. قال: فلا تفعلا، إِذا صليتما في رحالكما ثم أدركتم الإِمام ولم يصل،

стр. 1017

فصليا معه، فإِنه لكما نافلة". رواه أحمد واللفظ له، والثلاثة، وصححه الترمذي، وابن حبان (١). هو أبو جابر يزيد بن الأسود السوائي بضم السين المهملة وتخفيف الواو بالمد، ويقال: الخزاعي، ويقال: العامري، روى عنه ابنه جابر، وعداده في أهل الطائف، وحديثه في الكوفيين (٢). الحديث رووه من طريق يعلى بن عطاء بن جابر بن يزيد بن الأسود عن أبيه، قال الشافعي في القديم (٣): إسناده مجهول، قال البيهقي: لأن يزيد بن الأسود ليس له راو غير ابنه جابر، ولا لابنه جابر غير راو واحد، وهو يعلى. قال الحافظ المصنف ﵀: يعلى (٤) من رجال مسلم، وجابر (٥) وثقه النسائي وغيره، وقد وجدنا لجابر راويًا غير يعلى (أ) أخرجه ابن منده، وهو عبد الملك بن عمير بن جابر.

стр. 1018

وفي الباب عن أبي ذر عند مسلم (١)، وعن يزيد بن عامر في "سنن أبي داود" (٢)، وعن محجن رواه مالك والنسائي (٣)، وهذا حديث يزيد بن الأسود وقع في مسجد الخيف في حجة الوداع. وفيه دلالة على شرعية الصلاة مع الإمام إذا وجده يصلي وإن كان قد صلى، [وظاهره ولو صلى في رحله جماعة، لأنه ﷺ أطلق الأمر ولم يستفسر] (أ) وتكون هذه الصلاة نافلة والأولى فريضة كما صرح به في الحديث. وظاهره (ب) أنه لا يحتاج إلى نية رفض الأولى، وقد ذهب إلى هذا زيد بن علي والمؤيد وأبو حنيفة والناصر والمنصور، وهو قول الشافعي (٤)، وذهب الهادي ومالك (٥) وقول للشافعي (٦) إلى أن (جـ) الثانية هي الفريضة والأولى تكون النافلة (د)، قالوا: لحديث يزيد بن عامر أخرجه أبو داود (٧) قال ﷺ : "إذا جئت الصلاة فوجدت الناس يصلون فصل معهم، وإن كنت

стр. 1019

قد صليت، تكن لك نافلة وهذه مكتوبة". وأجيب بأن هذا الحديث فيه ضعف (١)، صرح بضعفه النووي. وقال البيهقي (٢): هو مخالف لحديث (أ) يزيد بن الأسود وهو أصحّ، ورواه الدارقطني (٣) بلفظ: "وليجعل التي صلى في بيته نافلة". قال الدارقطني: هي رواية ضعيفة شاذة. وقول ثالث للشافعي (٤) أنه يحتسب اللَّه بأيهما شاء لقول ابن عمر لمن سأله عن ذلك: "أوذلك إليك؟ إنما ذلك إلى اللَّه ، يجعل أيتهما شاء" .. أخرجه "الموطأ" (٥)، وعلى القول الثاني: لا بد من نية الرفض للأولى بعد دخوله في الثانية، وقيل: بشرط (ب) فراغه من الثانية (جـ) صحيحة. وظاهر الحديث شمول الإعادة للصلوات كلها ولو قد صليت جماعة، وقد ذهب إلى هذا الشافعي (٦)، وقال أبو حنيفة (٧): لا تعاد إلا الظهر والعشاء أما الصبح والعصر فلا، للنهي عن الصلاة بعدهما، وأما المغرب فلأنه وتر النهار فلو أعادها صارت شفعًا.

стр. 1020

قال مالك (١): إنْ كان قد صلاها في جماعة لم يعِدْهَا، وإن كان قد صلاها منفردًا (أ) أعادها في جماعة إلا المغرب. وقال النخعي والأوزاعي: يعيد إلا المغرب والصبح (٢)، والحديث كما قد عرفت لم يخص (ب) شيئًا من ذلك، وقد ورد الإعادة أيضًا في حق من صلى جماعة لقوله ﷺ -في حق من دخل المسجد وقد صلوا-: "ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه" رواه الترمذي وابن حبان والحاكم والبيهقي (٣). تنبيه: روى أبو داود والنسائي وابن حبان من حديث سليمان بن يسار عن ابن عمر يرفعه "لا تصلوا صلاة في يوم مرتين" (٤). ظاهره يخالف هذا، وقد يجاب عنه بأن ذلك إذا صلى منفردًا ثم أعادها منفردًا، وهذا يختص بقيام الجماعة جمعًا بين الروايات (٥). وقوله: "ترْعَد فرائصهما" (جـ) [بضم أوله وفتح ثالثه وقوله] (د) "فرائصهما" (٦): جمع فريصة وهي اللحمة التي بين جنب الدابة وكتفها،

стр. 1021

والرعدة: الاضطراب، يقال للإنسان إذا دخله الرعب وأخذ منه الفزع: أرعدت فريصته، وهي منبض القلب، وفرائص العنق: أوداجه، [وسبب ارتعاد فرائصهما لما اجتمع في النبي ﷺ من الهيبة العظيمة والحرمة الجسيمة لكل من رآه مع كثرة تواضعه] (أ). ٣٠٦ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إِنما جُعِلَ الإِمائم ليؤتم به، فإِذا كبَّر فكَبِّروا، ولا تُكَبِّروا حتى يُكَبِّرَ، وإذا ركع فاركعوا، ولا تركعوا حتى يركع، وإِذا قال: سمع الله لمن حمده" فقولوا: اللهم ربنا ولك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا، ولا تسجدوا حتى يسجد، وإذا صلى قائمًا فصلوا قيامًا، وإذا صلى قاعدًا فصلوا قعودًا أجمعين". رواه أبو داود (١)، وهذا لفظه، وأصله (ب) في الصحيحين. قوله: "إِنما جُعِلَ الإِمام ليُؤتَمَّ به": يعني جُعل الإمام مقصورًا على الاتصاف بكونه مؤتمًا به. لا يتجاوزه إلى مخالفته. والائتمام هو الاقتداء والاتباع، والمعنى من هذا أنه جعل الإمام إمامًا ليقتدي به ويتبع، ومن شأن التابع أن لا يسبق متبوعه، ولا يساويه، ولا يتقدم عليه في موقفه، بل يراقب أحواله ويأتي على أثره بنحو فعله، ومقتضى ذلك أن لا يخالفه في شيء من

стр. 1022

الأحوال. وقد فصلها بقوله: "فإِذا كبر" .. إلخ، ويقاس ما لم يذكر مثل التسليم على ما ذكر، وهذه المذكورات (أ) وإن وجبت المتابعة للإمام فيها -فليس التقدم مطلقًا فيها (ب) مفْسِدٌ للصلاة، وذلك أنه ليس كل (جـ) واجب فتركه مفسد، إذ الفساد حكم شرعي لا يثبت إلا بدليل، وقد صرح ﷺ باستحقاق العقوبة لمن رفع رأسه قبل الإمام أن يحول اللَّه رأسه رأس حمار. أخرجه البخاري (١)، ولم يأمر بالإعادة إلا التكبير فإنه لا يصح أن يدخل بها قبل الإمام إذ هي عنوان الدخول في الجماعة مع الإمام، والتسليم لأن الانفصال من الجماعة به، فيكون خارجًا قبل الإمام، والخلاف للحنفية (٢) فقالوا: يكفي فيه المقارنة. وظاهر الحديث حجة للشافعية في أنَّ مخالفة المؤتم للإمام في غير ذلك لا تضر، وذلك كما إذا بان للمؤتم أن الإمام جنب أو محدث أو عليه نجاسة، أو اختلفت نيتهما أو فرضهما، وقيد الرافعي (٣) في "المحرر" النجاسة بالخَفِيَّة، وفي النجاسة الظاهرة احتمال للإمام.

стр. 1023

وقال بعض أصحاب الشافعي (١): إنما يصح الاقتداء به إذا لم يعلم هو بحدث نفسه فإن عَلِمَ ففيه قولان، أما إذا علم المأموم بَحدَث الإمام ثم نسيه فاقتدي به فعليه الإعادة لتفريطه، وأما إذا ظهر أن الإمام كافر (٢) أو امرأة أو خنثى (٣) أو مجنون (٤) فإنها تجب الإعادة خلافًا للمزني في الكافر، وصح البغوي وجماعة أنه إن كان يسرُّ الكفر لم تجب الإعادة، وهو قوي، وإلا تعذر الائتمام لعدم أمن ذلك. [وهَذا مروي عن علي وعمر وابن عباس وابن عمر، وذهب إليه أحمد وأبو ثور والبصري والنخعي (أ) والإمام يحيى، والخلاف فيه للفقهاء ولأبي حنيفة وأصحابه (ب) والشعبي وابن سيرين] (جـ). وقوله: "إِذا قال سمع اللَّه لمن حمده .. " إلخ: دلالة على جواب المؤتم بقوله: "اللهم ربنا لك الحمد"، وقع هكذا في رواية لأبي هريرة (٥) بحذف الواو، وفي رواية أخرى الجمع بين اللهم وبين الواو لأبي هريرة (٦) (د أيضًا، أخرجها البخاري، وفي رواية حذف "اللهم" وزيادة الواو في قوله: ولك الحمد (٧)، ورواية حذفها (٨) لأبي هريرة د)، وفي رواية عائشة وأنس (٩) زيادة

стр. 1024

الواو (أ)، أخرج الجميع البخاري في مواضع، وقد رجحت زيادة الواو (ب) بأن فيها معنى زائدًا لكونها عاطفة على محذوف تقديره، ربنا استجب لنا، أو ربنا أطعنا ولك الحمد، ورجح بعضهم حذفها لأن التقدير خلاف الظاهر، وقال النووي (١): قد ثبتت الرواية بالوجهين جميعًا فهما جائزان بغير ترجيح، وكذلك زيادة "اللهم" ثبت (جـ) الوجهان، وكلاهما جائزان، والزيادة أرجح لأن فيها ما لم يكن في حذفها وفي ثبوتها تكرير النداء كأنه قال: يا اللَّه يا ربنا. وفي الحديث دلالة أن الإِمام يقول: "سمع اللَّه لمن حمده" والمؤتم: "اللهم ربنا لك الحمد". واحتج به من قال: لا يجمع الإمام ولا المؤتم (د) بين اللفظين، وقد ذهب إلى هذا الهادي والقاسم وأبو حنيفة، ورواية (هـ) عن الناصر. وفي حق المنفرد والإمام التسميع فقط، وذهب أبو يوسف ومحمد أنه يجمع بينهما الإمام والمنفرد، ويسمع (و) المؤتم لحديث أبي هريرة أنه كان يقول ﷺ الأمرين جميعًا، وظاهره أنه يفعل ذلك في حال إمامته وفي حال انفراده، وصلاته مؤتمًا نادرة.

стр. 1025

وذهب الإمام يحيى والنووي والأوزاعي بل يجمع الإمام والمنفرد ويحمد المؤتم لحديث أبي هريرة المذكور في الكتاب فإن مفهوم: "فقولوا: اللهم ربنا .. " ألا يقول المؤتم إلا ذلك. وذهب الشافعي إلى أنه يجمع بينهما المصلي مطلقًا ويكمل: بـ: "ملء السماوات وملء الأرض، وملء ما بينهما، وملء ما شئت من شيء بعد"، ويزيد المنفرد: "أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد". دليله ما أخرجه مسلم (١) من حديث ابن أبي أوفى "أنه كان ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع قال: "سمع اللَّه لمن حمده، اللهم ربنا ولك الحمد، ملء السماوات، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد"، وإذا (أ) قد ثبت جمعه ﷺ لذلك فالظاهر عموم الأحوال، وقد قال: "صلُّوا كما رأيتموني أُصَلِّي" (٢)، ولا حجة في سائر الروايات على الاقتصار إذا عدم الذِّكْر في اللفظ لا يدل على عدم الشرعية، فقوله: "إِذا قال: سمع اللَّه لمن حمده" لا يدل على نفي قول الإمام: ربنا لك الحمد، وقوله: "فقولوا: "اللهم ربنا" لا يدل على نفي قول المؤتم: سمع اللَّه لمن حمده، وفي حكاية هذا الفعل زيادة وهي مقبولة لأن القول غير معارض لها، وقد روى ابن المنذر هذا القول في "الإشراف" عن عطاء وابن سيرين وغيرهما، فلا يثبت ما نقل عنه أن الشافعي انفرد بذلك فيكون قوله: "سمع اللَّه لمن حمده" عند رفع رأسه وقوله: "ربنا لك الحمد" عند انتصابه، ومعنى

стр. 1026

سمع اللَّه لمن حمده، أن مَنْ حَمِدَهُ متعرضًا لثوابه (١) استجاب اللَّه له، وأعطاه ما تعرض له. وقوله: "فصلوا قعودًا أجمعين": هكذا روي بالنصب في رواية أبي هريرة في "السنن" (٢)، وهي أيضًا في رواية أبي ذر اللؤلؤي بالرفع، وفي "صحيح البخاري" أيضًا من رواية همام (٣)، وسائر الروايات "أجمعون" على ما هو الأكثر في اللغة والرفع على التأكد لضمير الفاعل في قوله: "صَلُّوا"، والنصب على الحال. وقد أجازه الشلوبين في المثنى، وهو جمعاوين، والفراء في الواحد المؤنث ولعله يقاس عليه الجمع، ويحتمل أن يكون تأكيد الضمير منصوب مقدر وهو أعينكم وهو بعيد. وفي الحديث دلالة على أنه يصح أن يصلي من يطق القيام خلف من لا يطيقه ويتابع في القعود، وعلله في حديث جابر بالبعد عن فعْلَ الأعاجم، وهو قوله: "إِن كدتم آنفا تفعلون فعل فارس والروم يقومون على ملوكهم وهم قعود فلا تفعلوا" (٤). وقد ذهب إلى هذا أحمد بن حنبل (٥) وإسحاق بن راهويه، وذهب

стр. 1027

العترة ومالك ومحمد (١) إلى أنه لا يصح أن يصلي القائم خلف القاعد لقوله: "لا تختلفوا على إمامكم ولا تتابعوه في القعود" (٢) لقدرتهم على القيام فلا عذر لهم. وذهب الشافعي (٣) وزفر إلى أنه يصح أن يصلي القائم خلف القاعد ولا يتابعه في القعود، قال: لصلاة أصحاب النبي ﷺ في مرض مَوته قيامًا حين خرج وأبو بكر قد افتتح الصلاة فقعد يسار أبي بكر (٤) فكان ذلك ناسخًا لأمره ﷺ لهم بالجلوس في حديث أبي هريرة، فإن ذلك في صلاته قاعدًا لما سقط عن فرسه، وانفكت قدمه. وكذا حديث جابر وأنس (٥) وغيرهم، وكان هذا آخر الأمرين فتعيّن العمل به، كذا قرره الشافعي ونقله جابر عن شيخه الحميدي (٦) وهو تلميذ الشافعي.

стр. 1028

وأجيب عن هذا بوجوه: منها: [أن هذا فيما قد كان افتتح في الصلاة قائمًا، وحديث أبي هريرة فيما كان الإمام قاعدًا من أول الصلاة] (أ). منها: أن الأحاديث التي وردت في أمرهم بالجلوس لم يختلف في صحتها، ولا في سياقها، وأما صلاته ﷺ في مرضه، فقد اختلف فيها هل كان إمامًا أو مأمومًا، وهذا عن ابن خزيمة (١). منها: أنه يُحْمَلُ الأمر بالجلوس على أنه للندب وتقرير القيام قرينة على ذلك، فيكون حينئذ هذا الجمع بين الروايتين خارجًا عن المذهبين جميعًا، لأنه يقتضي التخيير للمؤتم بين القيام والقعود. منها: أن مثل هذا الحديث مروي عن جماعة من الصحابة، فروي عبد الرزاق بإسناد صحيح عن قيس بن قَهد -بفتح القاف وسكون الهاء- الأنصاري أن إمامًا لهم اشتكى على عهد رسول اللَّه ﷺ قال: "وكان يؤمنا، وهو جالس، ونحن جلوس" (٢). وروى ابن المنذر بإسناد صحيح عن أسيد بن حضير أنه كان يؤم قومه فاشتكى فخرج إليهم بعد شكواه فأمروه أن يصلي بهم، فقال: إني لا أستطيع أن أصلي قائمًا فاقعدوا فقعدوا، فصلى بهم قاعدًا، وهم قعود (٣). وروى أبو داود من وجهٍ آخر عن أسيد بن حضير أنه قال: يا رسول اللَّه إن

стр. 1029

إمامنا مريض، قال ﷺ : "إذا صلى قاعدًا فصلوا قعودًا"، وفي إسناده انقطاع (١). وروى ابنُ أبي شيبة بإسناد صحيح عن جابر أنه اشتكى فحضرت الصلاة، فصلى بهم جالسًا وصلوا معه جلوسًا. وعن أبي هريرة أنه أفتى بذلك، وإسناده أيضًا (أ) صحيح. وقال ابن المنذر: ومما يزيد الحديث قوة عمل الصحابي بوفق ما روى، ثم قال: ولا نحفظ عن أحد من الصحابة خلاف ذلك، ثم قال: ولا نسلم أن الصحابة في مرضه ﷺ صلوا بعده (ب) قيامًا، إذ لم يكن في الرواية تصريح بذلك. وأجيب عن هذا الأخير بما أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" عن ابن جريج: أخبرني عطاء -فذكر الحديث ولفظه: "فصلى النبي ﷺ قاعدًا وجعل أبا بكر وراءه بينه وبين الناس، وصلى الناس وراءه قيامًا" (٢)، وهذا مرسل (٣)، ووقع أيضًا في مرسل عطاء المذكور متصلًا به بعد قوله: وصلى الناس وراءه قيامًا فقال النبي ﷺ : "لو استقبلتُ من أمري ما استدبرت ما صليتم إلا قعودًا، فصلوا صلاة إمامكم ما كان، إن صلى قائمًا فصلوا قيامًا، وإن صلى قاعدًا فصلوا قعودًا" (٤).

стр. 1030

وهذا السياق لا يناسب ما ذهب إليه الشافعي، وهو يناسب (أ) التخيير الذي قد سبق إشارة إليه، وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف والإمام (١) يحيى إلى مثل قول أحمد. قالوا: إلا أن مقتضى القياس خلافه، وهو المنع للنقصان، والاستحسان يرجحه لصحة الحديث. قال الإمام المهدي ﵀ في "البحر" (٢) ردا (ب) على أحمد وغيره: قلتُ: قال ﷺ : "لا يؤمن أحَدكُمْ بَعْدي قاعدًا قَوْمًا قيَامًا". انتهى (٣). [وفي هذا دلالة على أنه كان خاصا بالنبي ﷺ ] (ب)، ويتأيد أيضًا بفِعل الخلفاء وأنهم لم يؤم أحد منهم قاعدًا، وإن كان النسخ لا يمكن بعد النبي ﷺ فمثابرتهم على ذلك تشهد بصحة نهيه عن إمامة القاعد بعده. ويُجَابُ عن الحديث بأنه ضعيف أخرجه الدارقطني والبيهقي من حديث جابر الجعفي عن الشعبي عن النبي ﷺ وهو مرسل، وجابر (٤) ضعيف جدًّا، قال الشافعي (٥): قد علم من احتج به أنه لا حجة فيه لأنه مرسل، ومن رواية رجل يرغب أهل العلم عن الرواية عنه -يعني جابرًا الجعفي- والذي احتج به هو محمد بن الحسن، وروي أيضًا من رواية

стр. 1031

عبد الملك بن حبيب عن من أخبره عن مجالد عن الشعبي، ومجالد ضعيف، وفيه من لمْ يُسمّ فلا يصح الاحتجاج به لا سيما مع معارضة الأحاديث الصحيحة (١). ٣٠٧ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ "أن رسول اللَّه ﷺ رأى في أصحابه تأخُّرًا، فقال: تقدموا فائْتموا بي، وليأتم بكم مَنْ بعدكم". رواه مسلم (٢). قوله: "فائْتموا بي": أي اقتدوا بأفعالي، "وليأتم بكم مَنْ بعدكم": أي يقتدي من بعدكم مستدلين على أفعالي بأفعالكم. فالحديث يدل على جواز اعتماد المأموم (أ) في متابعة الإمام الذي لا يراه ولا يسمعه على مبلغ عنه، وفي الأمر بذلك دلالة على يد استحباب التقدم في الصف الأول وكراهة البُعْد عن تعرف أحوال الإمام، وفي تمام الحديث: "لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم اللَّه". وفي الصف الأول أحاديث كثيرة، واللَّه أعلم. ٣٠٨ - وعن زيد بن ثابت ﵁ قال: "احتجَرَ رسول اللَّه ﷺ حُجْرَةً بخصفَة (ب)، فصلَّى فيها، فتتبع إِليه رجالٌ، وجاءوا يصلُّون

стр. 1032

بصَلاتِهِ ... " الحديث. وفيه: "أفضل صلاة المرء في بيته إِلا المكتوبة". متفق عليه (١). قوله: "احتجر": هو بالراء، أي اتخذ مثل الحجرة من الخصف، وهو الحصير وهي رواية الأكثر للبخاري، وبالزاي في رواية الكشميهني (٢)، أي اتخذ حاجزًا بينه وبين غيره، وقد فعل ذلك ﷺ في المسجد موضعًا حوط (أ) عليه بالحصير ليستره ولا يمر بين يديه مار ليكون أوفر (ب) لخشوعه وفراغ قلبه. وفيه دلالة على جواز مثل ذلك الفعل في المسجد إذا لم يكن فيه تضييق (جـ) على المصلين لأنه كان يفعله بالليل ويبسطه بالنهار وكما (د) في رواية مسلم (٣)، ولم يتخذه دائمًا، ثم تركه بعد لهذا السبب دائمًا وصلى في بيته.

стр. 1033

وقوله: "فتتبع" (أ): من التتبع وهو الطلب، والمعنى: طلبوا موضعه فاجتمعوا إليه، وفي رواية البخاري: "فثار إليه" (١). وقوله: "وجاءوا يصلون بصلاته": وفي رواية البخاري (٢): "فصلى فيها ليالي"، فصلى بصلاته ناس من أصحابه فلما علم بهم جعل يقعد فخرج إليهم فقال: "قد عرفت الذي رأيت من صفكم، فصلوا أيها الناس في بيوتكم، فإن أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة". هذا لفظه، وفي مسلم ما يؤدي هذا المعنى وفيه أنهم حصبوا الباب (٣) أي رموه بالحصباء وهي الجار (ب) الصغار تنبيهًا له، وظنا منهم أنه نام أو سها. وقوله: "أفضل صلاة المرء" إِلخ: هذا عام في جميع النوافل شامل لرواتب الفرائض وغيرها، ويستثنى من هذا النوافل التي شرع فيها الجماعة كالكسوف والاستسقاء، وكذا التراويح على الأصح لزوال المانع من خشية أن تفرض. ٣٠٩ - وعن جابر ﵁ قال: صلى معاذ بأصحابه العشاء فَطَوَّلَ عليهم فقال النبي ﷺ : "أتريد أن تكون يا معاذ فتَّانًا؟ إِذا أمَمْتَ الناس فاقرأ: بالشمس وضحاها، وسبح اسم ربك الأعلى، واقرأ باسم ربك، والليل إِذا يغشى". متفق عليه.

стр. 1034

واللفظ لمسلم (١). ولفظ الحديث في البخاري قال: "أقبل رجل بناضحين وقد جنح الليل فوافق معاذًا يصلي فترك ناضحيه (٢)، وأقبل إِلى معاذ فقرأ سورة البقرة والنساء، فانطلق الرجل، وبلغه أن معاذًا نال منه، فأتي النبي ﷺ فشكا إِليه (أ) مُعاذًا فقال النبي ﷺ : أفتانٌ أنت؟ أو فَاتِنٌ أنت؟ -ثلاث مرات- فلولا صليت بسبح اسم ربك الأعلى، والشمس وضحاها، والليل إذا يغشى، فإِنه يصلي وراءك الكبير والضعيف وذو الحاجة". وفي رواية له للبخاري: "أن معاذ بن جبل كان يصلي مع النبي ﷺ ، ثم يرجع فيؤم قومه" (٣). وفي رواية له: "فصلى العشاء فقرأ بالبقرة فانصرف الرجل" (٤). الحديث فيه دلالة على كراهة تطويل الإمام في الصلاة، واستحباب التوسط والقراءة بنحو ما ذكر. وقوله: "أفتان": مبالغة في الزجر له لما يلزم منه من ترك الناس السنن وتنفيرهم عن الانضمام في الجماعات، ولذلك صرح في قصة من شكا

стр. 1035

منه تطويل صلاة الصبح بقوله: "إنَّ منكم منفرينَ" (١). [ويدل عليه ما أخرجه البيهقي في "شُعَب الإيمان" من حديث عمر قال: "لا تُبَغِّضوا اللَّه تعالى إلى عباده، يكون أحدكم إمامًا فيطول على القوم الصلاة حتى يبغض عليهم ما هم فيه". وقال الداودي (٢): يحتمل أن يريد بفتان أي معذب لهم (أبالتطويل] (ب)، وهذا محمول على كراهة المؤتمين للإطالة بدليل أنه قد صح عنه ﷺ أ) أنه قرأ الأعراف في المغرب (٣) وغيرها، وكان مقدار قيامه في صلاة الظهر الستين الآية. وذلك يختلف باختلاف الأوقات والمأمومين (جـ) والإمام. وفي ألفاظ (د) الحديث اختلاف، ولعله من تصرّف الناقلين اعتمادًا على جواز الرواية بالمعنى. والرجل الذي كره صلاة معاذ في رواية أبي داود الطيالسى والبزار (٤) هو حزم بن أُبيّ بن كعب، وكذا في "سنن أبي داود" (٥) إلا أنه وقع عنده أنها صلاة المغرب وسماه ابن شاهين: خازمًا، أخرجه من طريق ابن لَهِيعَة،

стр. 1036

وفي رواية أحمد والنسائي وأبي يعلى وابن السكن (١) بإسناد صحيح عن أنس أنه حرام براء بعدها ألف، وظن بعضُهم أنه حرام بن ملحان خال أنس، وبهذا جزم الخطيب في "المبهمات" (٢)، ويحتمل أن يكون تصحف (أ) من حزم فلا مخالفة حينئذ، وابن عبد البر ذكر في "الصحابة" حرام بن أُبي بن كعب (٣) وذكر له هذه القصة وعزا تسميته إلى هذه الرواية عن أنس. قال المصنف ﵀ (٤) -: ولم أقف على تسمية أبيه في هذه الرواية وكأنه بنى على أن اسمه تصحف، والأب واحد سماه جابر، ولم يسمه أنس، ووقع في رواية لأحمد (٥) أن اسمه: سليم من بني سلمة، ورواه البزار من وجهٍ آخر عن جابر وسماه: "سليمًا" أيضًا، ووقع عند ابن حزم (٦) من هذه طريق البزار أن اسمه "سَلْم" بفتح أوله وسكون اللام، وكأنه تصحيف، وجمع بعضهم بأنهما واقعتان، وأيد ذلك بالاختلاف في الصلاة هل هي (ب) المغرب أو العشاء، والاختلاف في السورة هل هي

стр. 1037

البقرة؟ أو اقتربت؟ وفي الاختلاف في عُذْر الرجل، هل هو لأجل أنه جاء من عمل وهو تعبان، أو لكونه أراد أن يسقي نخله إذ ذاك، أو لكونه خاف علي الماء في النخل، وأورد على هذا أن معاذًا لو سبق له نهي لما عاد إلى ما نُهيَ عنه، وأجيب عنه بأنه نهي عن البقرة أولًا فقرأ بعد ذلك باقتربت، أو أنَّ النهي لما يخشى من التنفير لمن هو قريب العهد بالإسلام ثم لما اطمأنت نفوسهم ظن معاذ زوال المانع، ففعل مثل ذلك لما سمع النبي ﷺ قرأ في المغرب بالطور. وفي الحديث دلالة على صحة صلاة الفترض خلف المتنفل إذ يستبعد أن يصلي معاذ بعد رسول اللَّه ﷺ نافلة ويترك فرضه. [وأصرح منه ما رواه عبد الرزاق والشافعي والطحاوي والدارقطني وغيرهم (١) من طريق ابن جريج عن عمرو بن دينار عن جابر في حديث الباب، زاد: "هي له تطوع"، وهو حديث صحيح ورجاله رجال الصحيح، والأصل أن ما كان موصولًا بالحديث فهو منه، والظاهر أن هذه الزيادة من قول جابر وكان أعلم باللَّه وأخشى أن يقول مثل هذا إلا بعلم (٢)] (أ). وكذلك جواز الخروج من صلاة الجماعة للعذر كما وقع في رواية الشافعي عن ابن عيينة في هذا الحديث: "فتنحى رجلٌ من خلفه فصلى وحده" (٣)، وإن كان هذا محتملًا، وقد جوز الخروج عن الائتمام من

стр. 1038

دون قطع الصلاة المؤيد باللَّه والإمام يحيى والشافعي وغيرهم، وفي أكثر روايات الحديث أنه قطع الصلاة بتسليم، وصلى وحده (١). فيدل (أ) أيضًا على أنه يجوز قطع الصلاة واستئنافها للعذر. وقوله في لفظ البخاري: "إن معاذًا نال منه" قد فسره في رواية قال: "إنه منافق" (٢)، وفي رواية قال: "أنافقت يا فلان؟ قال: لا واللَّه، ولآتين رسول اللَّه ﷺ فلأخْبِرَنَّه" (٣)، وفي هذه الرواية أن الرجل هو الذي اشتكى

стр. 1039

من معاذ، وفي رواية النسائي (١) فقال معاذ: "لئن أصبحت لأذكرن ذلك للنبي ﷺ فذكر ذلك له فأرسل إليه فقال: ما حملك على الذي صنعت؟ فقال: يا رسول اللَّه عملت على ناضحٍ لي .. " فذكر الحديث، وكأن معاذًا سبقه بالشكوى، فلما أرسل له جاء فاشتكى من معاذ". واللَّه أعلم. ٣١٠ - وعن عائشة ﵂ في قصة صلاة رسول اللَّه ﷺ بالناس، وهو مريض قالت: "فَجَاء حتى جلس عن يسار أبي بكر، وكان يصلي بالناس جالسًا، وأبو بكر قائمًا يَقْتَدي أبو بكر بصلاة النبي ﷺ ، ويقْتَدي الناس بصلاةِ أبي بكر". متفق عليه (٢). قوله "عن يسار أبي بكر": فيه دلالة على أنه يجوز أن يقف الواحد على يمين الإمام وإن حضر معه غيره، وإدارة ابن عباس (٣) وجابر مع جناد (أ) بن صخر لا يدل على أن جنب الإمام لا يصح الوقوف فيه إذ ذاك لينضم مع غيره، فلا يبقى الثاني منفردًا، وهنا زال المانع، ويحمل على أنْ ثَمَّ مقتضيًا هنا: إما التبليغ، أو لكونه إمامًا في أول الصلاة، أو أن إمامته باقية، أو لكون الصف قد ضاق، أو لغير ذلك من المحتملات، ومع عدم الدليل على أنه فعل لواحد (ب) منها، فالظاهر الجواز على الإطلاق. وقوله "وكان يصلي بالناس .. " إِلخ تقدم الكلام على ذلك [قريبًا في

стр. 1040

حديث "إنما جعل الإمام .. " إلى آخره] (أ). وقوله "يقتدى أبو بكر .. " إِلخ فيه احتمال أن يكون ذلك الاقتداء على جهة الائتمام، فيكون أبو بكر إمامًا ومأمومًا، وفيه احتمال أن أبا بكر إنما كان مبلغًا وليس بإمام. واعلم أنه وقع الاختلاف في حديث عائشة هذا وفي غيره هل كان النبي إمامًا أو مأمومًا؟ فأخرج أبو داود الطيالسي (١) كما أخرج عنه البخاري (٢) (ب بعضه: "كان رسول اللَّه ﷺ المُقَدَّم بين يدي أبي بكر"، وأخرج عنه ابن خزيمة في "صحيحه" (٣) عن محمد بن بشار عند ب) أبي داود الطيالسي بسنده هذا عن عائشة قالت: "من الناس من يقول كان رسول اللَّه ﷺ المُقَدَّم، ومن الناس منْ يقول كان أبو بكر المقَدَّم بين يدي رسول اللَّه ﷺ ". ورواه مسلم بن إبراهيم عن شعبة بلفظ: "أن النبي ﷺ صَلَّى خَلْفَ أبي بكر". أخرجه ابن المنذر، ووقع في رواية مسروق عنها اختلاف، فأخرجه ابن حبان من رواية عاصم عن شقيق (جـ بلفظ: "كان أبو بكر يصلي بصلاته، والناس يصلون بصلاة أبي بكر" (٤)، وأخرجه الترمذي والنسائي وابن خزيمة من رواية شعبة عن نعيم بن أبي هند عن شقيق جـ)

стр. 1041

عنه بلفظ: "أن النبي ﷺ صلى خلف أبي بكر" (١)، وظاهر رواية محمد بن بشار أن عائشة لم تشاهد الهيئة المذكورة، لكن تضافرت الروايات عنها بالجزم بما يدل على أن النبي ﷺ كان هو الإمام في تلك الصلاة، منها رواية موسى بن أبي عائشة: "فجعل أبو بكر يصلي بصلاة النبي ﷺ ، والناس يصلون بصلاة أبي بكر" (٢)، وهذه رواية زائدة (أ) بن قدامة عن موسى، وخالفه شعبة فرواه بلفظ: "أن أبا بكر صلى بالناس ورسول اللَّه ﷺ في الصف خلفه" (٣) فمن العلماء من سلك الترجيح، فقدم الرواية التي فيها "أن أبا بكر كان مأمومًا" للجزم بها، ولأن أبا معاوية أحفظ في حديث الأعمش من غيره. ومنهم من عكس ذلك ورجع أنه كان إمامًا وتمسك بقول أبي بكر: "ما كان لابن أبي قحافة أن يتقدم بين يدي رسول اللَّه ﷺ ". أخرجه البخاري. ومنهم من حمل القصة على التعدد، ويؤيده حديث ابن عباس (٤)، وفيه: "أن أبا بكر كان مأمومًا". أخرجه البخاري، وحديث أنس فيه أن

стр. 1042

أبا بكر كان إمامًا. أخرجه الترمذي وغيره بلفظ: "آخر صلاة صلاها النبي ﷺ خلف أبي بكر في ثوب" (١)، فهذا الاختلاف يقتضي تعدد القصة. ثم اعلم أن الظاهر من تسويتها اقتداء أبي بكر، واقتداء الناس به هو الائتمام. وأن أبا بكر كان مأمومًا (أ) إمامًا، وقد بوب البخاري في "صحيحه" على ذلك فقال: (ب) باب الرجل يأتم بالإمام ويأتم الناس بالمأموم (٢). قال ابن بطال (٣): هذا يوافق قول مسروق والشعبي أن الصفوف يؤم بعضها بعضا خلافًا للجمهور. (جـ) قال المصنف ﵀ (٤) -: وليس المراد أنهم يأتمون بهم في التبليغ فقط كما فهمه بعضهم، بل الخلاف معنوي لأن الشعبي قال فيمن أحرم قبل أن يرفع الصف الذي يليه رءوسهم من الركعة: إنه أدركها ولو كان الإمام رفع قبل ذلك، لأن بعضهم لبعض أئمة. انتهى. فهذا يدل على أنه يرى أنهم يتحملون عن بعضهم بعضًا ما يتحمله

стр. 1043

الإمام، ويؤيد هذا القول قوله ﷺ : "تقدموا فائتموا بي، وليأتم بكم من بعدكم" (١). وفي حديث أبي بكر أنه كان يسمعهم التكبير في رواية مسلم (٢)، فيه دلالة على جواز رفع الصوت بالتكبير ليسمعه الناس ويتبعونه، وأنه يجوز للمقتدي اتباع صوت المكبر. وهذا مذهبنا (٣) ومذهب الجمهور، ونقلوا فيه الإجماع، والإجماع غير صحيح. فقد نقل القاضي عياض عن مذهبهم أن منهم من يبطل صلاة المقتدي، ومنهم منْ لم يبطلها، ومنهم من قال: إن أذن الإمام في الإسماع صَحَّ الاقتداء به وإلا فلا، ومنهم من أبطل صلاة المسمِّع، ومنهم من صحَّحها، ومنهم من شرط إذن الإمام، ومنهم من قال: إن تكلف صوتًا بطلت صلاته وصلاة من ارتبط بصلاته، وكل هذا ضعيف، والصحيح جواز ذلك كله، وصحة صلاة المسمع والسامع، ولا يعتبر إذن الإمام. ٣١١ - وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إِذا أمَّ أحدُكم النَّاسَ فلْيُخَفف، فإِن فيهم الصغير والكبير، والضعيف وذا الحاجة فإِذا صلَّى وحده فلْيُصل كيف شاء". متفق عليه (٤).

стр. 1044

وقوله: "فليصل كيف شاء": أي مخففًا أو مطولًا، وفيه دلالة على جواز تطويل المنفرد بالصلاة في جميع الأركان من القيام والركوع والسجود والاعتدال، وظاهره: ولو خشي خروج الوقت، وقد صحح هذا بعض الشافعية، ولكنه يعارضه حينئذ قوله في حديث [أبي] (أ) قتادة: "إنما التفريط أن يؤخر الصلاة حتى يدخل وقت الأخرى" أخرجه مسلم (١)، فإذا تعارضت مصلحة المبالغة في الكمال بالتطويل ومفسدة إيقاع الصلاة في غير وقتها كانت مراعاة ترك المفسدة أولَى. ٣١٢ - وعن عمرو بن سَلمة ﵁ قال (ب): قال أبي: جئتكم من عند رسول اللَّه ﷺ حقًّا، قال: "فإِذا حضرت الصلاة فلْيؤذِّن أحدكم وليؤمكم أكثركم فرآنًا". قال: فنظروا فلم يكن أحد أكثر قرآنًا مني، فقدموني وأنا ابن ست أو سبع سنين. رواه البخاري وأبو داود والنسائي (٢). هو أبو يزيد -من الزيادة، قاله البخاري (٣)، وقال مسلم بن الحجاج وغيره (٤): بُريد بضم الباء الموحدة وفتح الراء وسكون الياء تحتها نقطتان

стр. 1045

وبالدال المهملة- عمرو بن سَلمة -بكسر اللام- بن نُقَيْع -بضم النون وفتح القاف وسكون الياء- الجرمي، (أقاله ابن منده، وقال ابن عبد البر (١): سلمة بن قيس الجرمي، وقال ابن ماكولا: عمرو بن سلمة بن لأي -بفتح اللام وسكون الهمزة وبالياء- الجرمي، أدرك زمن النبي ﷺ ، وكان يؤم قومه على عهد النبي ﷺ لأنه كان أقرأهم للقرآن، وقيل: إنه قدم على رسول اللَّه ﷺ مع أبيه، ولم يُخْتَلَف في قدوم أبيه، نزل عمرو البصرة روي عنه أبو قلابة وعاصم (ب) الأحول وأبو الزبير المكي (٢). في الحديث دلالة على أن الأكثر قرآنًا أحق بالإمامة كما في الحديث الذي بعده. [وفي الحديث دلالة على (جـ) أفضلية الإمامة على الأذان (٣)، (د ومن قال د) بتفضيل الأذان (هـ) قال: إنما أطلق هنا، وقال: "أحدكم" لأن الأذان لا يحتاج إلى كثير علم، وأعظم مقصوده الإعلام بالوقت] (و) فقط، وتقديمه وهو في ست أو سبع فيه دلالة لما ذهب (ز) إليه الحسن البصري والشافعي

стр. 1046

وإسحاق في أنه لا كراهة في إمامة المميز (١)، وكرهها مالك (٢) والثوري [والشعبي والأوزاعي] (أ)، وعن أبي حنيفة، وأحمد روايتان (٣)، والمشهور عنهما الإجزاء في النوافل دون الفرائض (٤)، ومنع من ذلك الهادي والناصر والمؤيد باللَّه (٥). قالوا قياسًا على المجنون، ولا حجة في قصة عمرو لأنه لم يرو أن ذلك بأمر من النبي ﷺ ولا تقرير، ويحتمل أن يكون أمهم في نافلة، وأجيب بأن وقوع مثل ذلك في زمن الوحي لا يكاد يقع لأحد من الصحابة التقرير على ما لا يجوز فعله، وبهذا استدل أبو سعيد وجابر على جواز العزل بأنهم كانوا يعزلون والقرآن ينزل (٦)، والوفد الذين قَدَّمَوا عَمْرًا كانوا جماعة من الصحابة. قال ابن حزم (٧): ولا يعلم لهم في ذلك مخالف، واحتمال أن تكون نافلة تبعده القصة بعد تعليمهم أوقات الصلاة وفي رواية لأبي داود: قال عمرو: "فما شهدت مشهدًا في جرم إلا كنت إمامهم" (٨) وهذا يعم الفرائض والنوافل، وعلى القول بصحة إمامة المتنفل

стр. 1047

بالمفترض فإمامة (أ) الصبي جائزة إذ هي من هذا القبيل. وقوله: "حقًّا": منصوب على صفة الصدر المحذوف أي إرسالًا حقا أو أنه مصدر مؤكد للجملة المتضمنة إذ هو في قوة: هو رسول اللَّه حقا، فهو مصدر مؤكد لغيره. ٣١٣ - وعن أبي مسعود ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب اللَّه، فإِن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإِن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هِجْرَةً، فإِن كانوا في الهِجْرَةِ سواء فأقدمهم سلمًا، وفي رواية: "سنًّا، ولا يؤمن الرجل في سلطانه، ولا يقعد في بيته على تَكْرِمَته إِلّا بإِذْنِهِ" رواه مسلم (١). ولابن ماجه (٢) من حديث جابر ﵁: "ولا تَؤمَّنَّ امرأةٌ رجلًا، ولا أعرابيٌّ مُهاجرًا، ولا فاجرٌ مؤمنًا". وإسناده واه.

стр. 1048

قوله: "أقرؤهم": أي أكثرهم حفظًا للقرآن، ويحتمل أن يراد به أحسن (أ) تأدية، و (ب) كما في قوله "أقرأكم" إلخ، (جـ) فيه دلالة على تقديم الأقرأ على الأفقه، وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد وبعض أصحاب الشافعي (١)، وقال مالك والشافعي وأصحابهما وهو قول الهادوية (٢): أنه (د) يقدم الأفقه على الأقرأ، لأن الذي (هـ) يحتاج إليه من القراءة مضبوط والذي يحتاج إليه من الفقه غير مضبوط، وقد تعرض في الصلاة أمور لا يقدر على مراعاة مقتضاها إلا كامل الفقه، قالوا: ولهذا قدَّم النبيّ ﷺ أبا بكر على غيره مع قوله: "أقرؤكم أُبَيّ" (٣). والحديث خرج على ما كان عليه حال الصحابة من أن الأقرأ هو الأفقه، وقد قال ابن مسعود: "ما كنا نتجاوز عشر آيات حتى نعرف حكمها وأمرها ونهيها" (٤) ولكن قوله: "فإِن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة" يبعد هذا الجواب، فإنه دليل على تقديم الأقرأ مطلقًا،

стр. 1049

[ولعله يقال: إن الأكثر حفظًا للقرآن هو القدم لكونه أفقه بما نزل به الوحي، فإن استويا قدم الأعلم بالسنة؛ لأنه انضم إلى فقه القرآن فقه السنة فقد صار أكثر فقهما، واللَّه أعلم. وفي رواية الطبراني (١) عن مرثد الغَنَويّ: "إنْ سَرَّكُمْ أن تقْبَلَ صلاتُكم فلْيؤمُّكم عُلماؤكم فإنَّهم وفدُكم فيما بينكم وبيْن ربِّكم"] (أ). (ب) قوله: "فأقدمهم هجرة": وهذا شامل لمن تقدمت هجرته سواء كان في زمن النبي ﷺ أو بعده كمن يهاجر من دار كفر إلى دار إسلام (جـ)، وأما قوله: "لا هجرة بعد الفتح" (٢)، فالمقصود من مكة إلى المدينة، لاستوائهما في كونهما صارا داري إسلام (٣) ولعله يقال: وكذا أولاد المهاجرين فلهم حكم سلفهم في التقديم. وقوله: "فأقدمهم سلمًا": أي إسلامًا يعني من تقدم إسلامه مقدم على من تأخر عنه، وكذا رواية "سنا" أي الأكبر في السن [أي في الإسلام فمن تقدم إسلامه فهو أولى، وإن كان أصغر في السن ممن تأخر إسلامه، قال البغوي (٤): وكذا مَنْ كان إسلام أحد آبائه قبل إسلام آباء الآخر يكون أولى، ومن أسلم بنفسه فهو أولى ممن أسلم بإسلام أحد أبويه إذا كان إسلام

стр. 1050

المسلم بنفسه قبل بلوغ من أسلم بإسلام أحد أبويه، (أإذا كان إسلام المسلم بنفسه قبل بلوغ من أسلم بإسلام أحد أبويه أ)، وإنما كان من أسلم بنفسه أولى لأنه اكتسب الفضيلة بنفسه] (ب). وقوله: "ولا يؤم المرء في سلطانه": فيه دلالة على تقديم ذي الولاية على غيره، وظاهره وإن كان غيره أفقه منه ونحوه، وهذا خاص، وأول الحديث عام فالبناء صحيح، ويلحق بالسلطان (ب) صاحب البيت وإمام المسجد المعتاد، لأنه متصرف (د) في ذلك، فهو لاحق بالسلطان المتصرف، قال أصحاب الشافعي (١): ويستحب لصاحب البيت أن يأذن لمن هو أفضل منه. وقوله: "على تَكْرمته": هو بفتح التاء وكسر الراء، الفراش ونحوه مما يبسط لصاحب المنزل ويختص به. وحديث ابن ماجه إسناده واه بأنه من رواية عبد الملك بن حبيب وهو متهم بسرقة الحديث وتخليط الأسانيد (٢).

стр. 1051

وفيه دلالة على أن المرأة لا تؤم الرجل (١). وقد ذهب إلى هذا العترة والحنفية والشافعية وغيرهم، وأجاز المزني وأبو ثور إمامة المرأة (٢)، وظاهر الرواية الإطلاق في الفرائض والنوافل، والطبري (٣) أجاز إمامتها في التراويح إذا لم يحضر من يحفظ القرآن، ولعل حجتهم ما سيأتي من حديث أم ورقة (٤)، ويحمل النهي على التنزيه ضد الاستحباب. وقوله: "ولا أعرابي مهاجرًا" (٥): ظاهره أنها لا تصح صلاة المهاجر مؤتمًا بالأعرابي الذي لم يهاجر، على فرض صحة الحديث، إلا أن يمنع إجماع حمل النهي على الكراهة ضد الاستحباب. وقوله: "ولا فاجر مؤمنًا": كذلك فيه دلالة على أنه لا تصح إمامة الفاسق، وقد ذهب إلى هذا العترة ومالك وجعفر بن ميسر (أ) (٦) وجعفر بن حرب، وذهب الحنفية (٧) والشافعية والمعتزلة (ب) وغيرهم إلى صحة إمامة

стр. 1052

الفاسق ودليلهم ما سيأتي من حديث ابن عمر (١)، وكذلك حديث أبي هريرة: "والصلاة واجبة عليكم خلف كل مسلم برا كان أو فاجرًا وإن عمل الكبائر" رواه أبو داود، والدارقطني (٢) وهو (أ) منقطع من حديث (ب) مكحول، وله طريق أخرى (٣) عند ابن حبان (جـ) في "الضعفاء" من حديث عبد اللَّه بن محمد، وعبد اللَّه متروك، ورواه الدارقطني (٤) من حديث الحارث عن علي، ومن حديث علقمة (٥) والأسود عن عبد اللَّه، ومن حديث مكحول أيضًا عن واثلة (٦)، ومن حديث أبي الدرداء (٧) من طرق كلها واهية جدا، قال العقيلي (٨): ليس في هذا المتن إسناد يثبت، ونقل

стр. 1053

ابن الجوزي (١) عن أحمد أنه سئل عنه فقال: ما سمعنا بهذا. قال الدارقطني (٢): ليس فيها شيء يثبت وللبيهقي في هذا الباب أحاديث ضعيفة غاية الضعف، وأصح ما فيه حديث مكحول عن أبي هريرة على إرساله، وقال أبو أحمد الحاكم: هذا حديث منكر (٣)، ولكن الحديث المانع من الصلاة هو أيضًا غير صحيح، وقد عارضته (أ) هذه الأحاديث وهي متأيدة بالكثرة وأنها مقررة للأصل وهو الصحة، وعموم أحاديث الأمر بالجماعة، والمأمور بها الجميع من البر والفاجر، وقد أخرج البخاري صلاة ابن عمر خلف الحجاج (٤)، وكذا أخرج البخاري في "تاريخه" (٥) عن عبد الكريم البكاء أنه قال: "أدركتُ عشرة من أصحاب محمد ﷺ كلهم يصلي خلف أئمة الجور"، ويؤيده أيضًا حديث مسلم: "كيف أنت إذا كان عليك أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها، أو يميتون الصلاة عن وقتها؟. قال: قلتُ: فما تأمرني؟ قال: الصلاة لوقتها، فإنْ أدركتها معهم فصل، فإنها لك نافلة (٦) " فإنَّ الظاهر من حال من اعتاد إمامة الصلاة وأخرها عن وقتها الخروج عن الحق والتنكب عن سنن الشريعة ويحمل

стр. 1054

حديث النهي على الكراهة ضد الاستحباب كما في المعطوف عليه القريب، وإنْ كان في ذلك جمع بين الحقيقة والمجاز كما في إمامة المرأة بالرجل. واللَّه أعلم. ٣١٤ - وعن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: "رُصُّوا صفوفكم، وقَارِبُوا بينها، وحَاذُوا بالأعْنَاق" رواه أبو داود والنسائي وصححه ابن حبان. تمام الحديث "فوالذي نفسي بيده إِني لأرى الشيطان يدخل من خلل الصف كأنها الحذف" (١). ورص الصف مأخوذ من رص البناء. [والمراد المبالغة في الازدحام حتى لا تبقى فرجة يدخل الشيطان منها (أ) وفي رواية الطبراني (٢) عن علي ﵁: "استووا وتماسوا" (ب قال شريح: تماسوا ب) يعني ازدحموا في الصلاة] (ب)، والمقاربة بين الصفوف هو ألا يبعد الصف الثاني عن الصف الذي قبله، [والحكمة في الأمر بالمقاربة ليشاهد كل صف أفعال (د) إمامه من الانتفالات وغيرها وليكونوا أقرب إلى الإمام ليسمعوا قراءته] (هـ).

стр. 1055

والمراد بمحاذاة الأعناق أن لا يقف أحدهم في مكان أرفع من غيره ولا عبرة بالأعناق أنفسها إذ ليس للطويل أن يوطئ عنقه ليحاذي عنق غيره. وقوله في: تمام الحديث: "كانها الحَذَف" بفتح الحاء المهملة والذال المعجمة هي صغار الغنم السود، الضمير في "كأنها" راجع إلى نفس مضاف إلى الشيطان أي جعل نفسه شاة أو ماعزة كأنها الحذف، أو أنث باعتبار الخبر. ٣١٥ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "خيرُ صفوف الرجال أوَّلُهَا، وشرّها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها" رواه مسلم (١). فيه دلالة على (أ) فضيلة الصف الأول، وفيه أحاديث كثيرة، وإنما كان شرها آخرها لما فيه من النكص عن إحراز الفضائل، ولأنه "لا يزال العبد يتأخر حتى يؤخره اللَّه" (٢) كما في حديث مسلم، وإنما كان خير صفوف النساء آخرها لأنهن إذا كانت صلاتهن مع الرجال بعدن عن
следующие страницы →