← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17747

البدر التمام شرح بلوغ المرام ت الزبن

الحسين بن محمد المغربي

Полный текст (4 458 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

وفيه دلالة على أن المرأة لا تؤم الرجل (١). وقد ذهب إلى هذا العترة والحنفية والشافعية وغيرهم، وأجاز المزني وأبو ثور إمامة المرأة (٢)، وظاهر الرواية الإطلاق في الفرائض والنوافل، والطبري (٣) أجاز إمامتها في التراويح إذا لم يحضر من يحفظ القرآن، ولعل حجتهم ما سيأتي من حديث أم ورقة (٤)، ويحمل النهي على التنزيه ضد الاستحباب. وقوله: "ولا أعرابي مهاجرًا" (٥): ظاهره أنها لا تصح صلاة المهاجر مؤتمًا بالأعرابي الذي لم يهاجر، على فرض صحة الحديث، إلا أن يمنع إجماع حمل النهي على الكراهة ضد الاستحباب. وقوله: "ولا فاجر مؤمنًا": كذلك فيه دلالة على أنه لا تصح إمامة الفاسق، وقد ذهب إلى هذا العترة ومالك وجعفر بن ميسر (أ) (٦) وجعفر بن حرب، وذهب الحنفية (٧) والشافعية والمعتزلة (ب) وغيرهم إلى صحة إمامة

стр. 1052

الفاسق ودليلهم ما سيأتي من حديث ابن عمر (١)، وكذلك حديث أبي هريرة: "والصلاة واجبة عليكم خلف كل مسلم برا كان أو فاجرًا وإن عمل الكبائر" رواه أبو داود، والدارقطني (٢) وهو (أ) منقطع من حديث (ب) مكحول، وله طريق أخرى (٣) عند ابن حبان (جـ) في "الضعفاء" من حديث عبد اللَّه بن محمد، وعبد اللَّه متروك، ورواه الدارقطني (٤) من حديث الحارث عن علي، ومن حديث علقمة (٥) والأسود عن عبد اللَّه، ومن حديث مكحول أيضًا عن واثلة (٦)، ومن حديث أبي الدرداء (٧) من طرق كلها واهية جدا، قال العقيلي (٨): ليس في هذا المتن إسناد يثبت، ونقل

стр. 1053

ابن الجوزي (١) عن أحمد أنه سئل عنه فقال: ما سمعنا بهذا. قال الدارقطني (٢): ليس فيها شيء يثبت وللبيهقي في هذا الباب أحاديث ضعيفة غاية الضعف، وأصح ما فيه حديث مكحول عن أبي هريرة على إرساله، وقال أبو أحمد الحاكم: هذا حديث منكر (٣)، ولكن الحديث المانع من الصلاة هو أيضًا غير صحيح، وقد عارضته (أ) هذه الأحاديث وهي متأيدة بالكثرة وأنها مقررة للأصل وهو الصحة، وعموم أحاديث الأمر بالجماعة، والمأمور بها الجميع من البر والفاجر، وقد أخرج البخاري صلاة ابن عمر خلف الحجاج (٤)، وكذا أخرج البخاري في "تاريخه" (٥) عن عبد الكريم البكاء أنه قال: "أدركتُ عشرة من أصحاب محمد ﷺ كلهم يصلي خلف أئمة الجور"، ويؤيده أيضًا حديث مسلم: "كيف أنت إذا كان عليك أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها، أو يميتون الصلاة عن وقتها؟. قال: قلتُ: فما تأمرني؟ قال: الصلاة لوقتها، فإنْ أدركتها معهم فصل، فإنها لك نافلة (٦) " فإنَّ الظاهر من حال من اعتاد إمامة الصلاة وأخرها عن وقتها الخروج عن الحق والتنكب عن سنن الشريعة ويحمل

стр. 1054

حديث النهي على الكراهة ضد الاستحباب كما في المعطوف عليه القريب، وإنْ كان في ذلك جمع بين الحقيقة والمجاز كما في إمامة المرأة بالرجل. واللَّه أعلم. ٣١٤ - وعن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: "رُصُّوا صفوفكم، وقَارِبُوا بينها، وحَاذُوا بالأعْنَاق" رواه أبو داود والنسائي وصححه ابن حبان. تمام الحديث "فوالذي نفسي بيده إِني لأرى الشيطان يدخل من خلل الصف كأنها الحذف" (١). ورص الصف مأخوذ من رص البناء. [والمراد المبالغة في الازدحام حتى لا تبقى فرجة يدخل الشيطان منها (أ) وفي رواية الطبراني (٢) عن علي ﵁: "استووا وتماسوا" (ب قال شريح: تماسوا ب) يعني ازدحموا في الصلاة] (ب)، والمقاربة بين الصفوف هو ألا يبعد الصف الثاني عن الصف الذي قبله، [والحكمة في الأمر بالمقاربة ليشاهد كل صف أفعال (د) إمامه من الانتفالات وغيرها وليكونوا أقرب إلى الإمام ليسمعوا قراءته] (هـ).

стр. 1055

والمراد بمحاذاة الأعناق أن لا يقف أحدهم في مكان أرفع من غيره ولا عبرة بالأعناق أنفسها إذ ليس للطويل أن يوطئ عنقه ليحاذي عنق غيره. وقوله في: تمام الحديث: "كانها الحَذَف" بفتح الحاء المهملة والذال المعجمة هي صغار الغنم السود، الضمير في "كأنها" راجع إلى نفس مضاف إلى الشيطان أي جعل نفسه شاة أو ماعزة كأنها الحذف، أو أنث باعتبار الخبر. ٣١٥ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "خيرُ صفوف الرجال أوَّلُهَا، وشرّها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها" رواه مسلم (١). فيه دلالة على (أ) فضيلة الصف الأول، وفيه أحاديث كثيرة، وإنما كان شرها آخرها لما فيه من النكص عن إحراز الفضائل، ولأنه "لا يزال العبد يتأخر حتى يؤخره اللَّه" (٢) كما في حديث مسلم، وإنما كان خير صفوف النساء آخرها لأنهن إذا كانت صلاتهن مع الرجال بعدن عن

стр. 1056

مخالطة الرجال ورؤيتهم، وتعلق القلب بهم عند رؤية حركاتهم وسماع كلامهم، ونحو ذلك، فذم صفهن الأول لذلك، وفيه دلالة على جواز اصطفاف النساء صفوفًا، وظاهره وسواء كانت صلاتهن مع الرجال أو مع امرأة، إلا أن التعليل ينتفي فيما إذا كانت إمامتهن امرأة، والشرية والخيرية باعتبار كثرة الثواب وقلته. وقد قيل: في تأويل الصف الأول أنه الذي يتقدم من أول الصلاة، وهو قول باطل. ٣١٦ - وعن ابن عباس ﵄ قال: "صليت مع رسول اللَّه ﷺ ذاتَ ليلة، فقمت عن يساره، فأخذ رسول اللَّه ﷺ برأسي من ورائي، فجعلني عن يمينه" متفق عليه (١). قيام ابن عباس وصلاته مع رسول اللَّه ﷺ هو في صلاة الليل. وقوله: "فقمت (أ) عن يساره" إِلخ، فيه دلالة على صحة صلاة المتنفل بالمتنفل، [وعلى أن الجماعة تنعقد بصبي مميز، وعلى أنه يصح الائتمام بمن لم ينو الإمامة، ويحتمل أن النبي ﷺ نوى الإمامة عند دخوله معه (٢)،

стр. 1057

ففيه دلالة على صحة النية المتوسطة في الصلاة] (أ) وعلى أن موقف الواحد مع الإمام على اليمين بدليل الإدارة، إذ لو كان موقفًا للمؤتم لما فعل ذلك الفعل في الصلاة، وقد ذهب إلى هذا الجمهور من العلماء (١)، والخلاف في ذلك للنخعي فقال: "إذا كان الإمام وواحد قام الواحد خلف الإمام، فإن ركع الإمام قبل أن يجيء أحد قام عن يمينه" (٢) أخرجه سعيد ابن منصور ووجه بأن الإمامة مظنة الاجتماع، فاعتبرت في موقف المأموم حتى يظهر خلاف ذلك، وهو حَسَن، لكنه مخالف للنص، وقد رَوَى سعيد بن منصور عنه قال: "ربما قمت خلف الأسود وحدي حتى يجيء المؤذن" (٣)، ففيه دلالة على أنه إذا ظنا قويا انضمام الغير. ولكنه لا دلالة في الحديث أنها تفسد صلاة من كان على اليسار بل قد يستدل (ب) على الصحة، إذ النبي ﷺ قرره على أول صلاته وقد ذهب إلى هذا الجمهور، والخلاف لأحمد بن حنبل (٤) والهادوية، ولهم أن يقولوا: الوقوف علي اليسار جائز للعذر، والجهل عذر. وذهب سعيد بن السيب (٥) (جـ) أن موقف المأموم الواحد يكون عن يسار

стр. 1058

الإمام ولم يتابع على ذلك، وفي إدارته من ورائه دلالة على أنه لا يتقدم المؤتم على الإمام خلافًا لمالك (١)، فجوز تقدمه [وفيه دلالة على أن الإمام إذا اطلع على مخالفةٍ من المأموم يرشده إليها، وأن العمل اليسير لا تبطل الصلاة به ولا يوجب سجود السهو] (أ). وقوله: "فجعلني عن يمينه": يحتمل المساواة ويحتمل التقدم (ب) قليلًا والتأخر إلا أن في بعض ألفاظ الحديث: "فقمت إلى جنبه" (٢)، وظاهره المساواة، وعن ابن جريج قال: قلت لعطاء: الرجل يصلي مع الرجل أين يكون منه؟ قال: إلى شِقِّه، قلتُ: أيحاذيه حتى يصف معه لا يفوت أحدهما الآخر؟ قال: نعم. قلت: أيجب (جـ) أن لا يبعد حتى لا تكون بينهما فرجة؟ قال: نعم (٣). وفي "الموطأ" عن عبيد اللَّه بن عتبة بن مسعود قال: "دخلت على عمر بن الخطاب ﵁ بالهاجرة، فوجدته يسبح فقمت وراءه، فقربني حتى جعلني حذاءه عن يمينه" (٤).

стр. 1059

وعن بعض أصحاب الشافعي: يستحب أن يقف المأموم دونه قليلًا. ٣١٧ - وعن أنس ﵁ قال: "صلى رسول اللَّه ﷺ ، فقُمت ويَتِيمٌ خلْفَهُ، وأمُّ سُليْمٍ خلفنا" متفق عليه، واللفظ للبخاري (١). قوله: "فقمت ويتيم" (أ): اليتيم هو ضميره بن أبي ضميرة (٢) (ب) جد حسين بن عبد اللَّه بن ضميرة (جـ)، وقد وقع (٣) عند ابن فتحون (د) فيما رواه عن ابن السكن بسنده: صليت أنا وسليم بسين مهملة ولام مصغرًا، ووقع في "ذيل الاستيعاب" لابن فتحون (٥) سَليْم مكبرًا ولعله تصحف عليه يتيم، وأم سليم (٤) هي أم أنس بن مالك واسمها مليكة مصغرًا. [قوله: "ويتيم": معطوف على التاء ضمير الفاعل من دون تأكيده

стр. 1060

بضمير منفصل، كما هو مذهب الكوفيين] (١) (أ). وفيه دلالة على أن صلاة المتنفل بمتنفل صحيحة. وأن فِعْل الصلاة للتعليم أو التبرك كما هو ظاهر القصة مشروع. وأن صف الاثنين خلف الإمام، وهو قول الجمهور (٢) خلافًا لمن قال من الكوفيين (٣): إنهما يقفان عن يمينه ويساره محتجين بفعل ابن مسعود كما أخرجه عنه أبو داود وغيره: أنه أقام علقمة عن يمينه والأسود عن يساره (٤). وأجاب عنه ابن سيرين أن ذلك قد كان لضيق المكان، رواه الطحاوي (٥). وأن الصغير المميز معتَدّ بوقوفه مع المصلي داخل في حكم الجماعة والاصطفاف [إذ الظاهر من لفظه: "يتيم" هو الصغير قال في "البحر" (٦): قلتُ يحتمل بلوغ اليتيم فاستصحب الاسم] (ب).

стр. 1061

وأن المرأة لا تُصَفُّ مع الرجل (أ)، ولعل المناسبة في ذلك لما (ب) يخشى بحسب الأغلب من الافتتان، وأن انفرادها في صف خير لها فلو صفت مع الرجال (جـ) أجزأت صلاتها عند الجمهور (١)، وعند الهادوية (٢) أنها تفسد عليها وعلى منْ خلفها وفي صفها، إن علموا، قالوا: والوجه في ذلك أنه لما أخرها ﷺ في هذه القصة دل على أنه (د) ليس موقفها مع الرجال فهو منهي عن ذلك الموقف، ولقول ابن مسعود: "أخروهن من حيث أخرهن اللَّه" (٣)، والأمر يقتضي الوجوب، وقوله: "من حيثُ" معناه ظرف المكان، ولا مكان يجب تأخرهن فيه إلا مكان الصلاة، وذهب أبو حنيفة إلى فساد صلاة الرجل دون المرأة وهو عجيب. وأنت خبير بأن في هذه القصة تعريف مقام المرأة وهو محتمل لوجوبه أو لكونه أولى، ولا دليل على الفساد بوجه. [وفيه دليل (هـ) على أن المرأة لا تؤمّ الرجل، فإنه إذا كان مقامها متأخرًا في الجماعة امتنع تقدمها إمامة للرجال] (و)، واللَّه أعلم.

стр. 1062

٣١٨ - وعن أبي بكرة ﵁ أنه انتهى إِلى النبي ﷺ وهو راكع، فركع قبل أن يَصِلَ إِلى الصفّ، فقال له (أ) النبي ﷺ : "زَادَكَ الله حِرْصًا، ولا تَعُدْ". رواه البخاري، وزاد أبو داود: "فركع دون الصف ثم مشى إلى الصف" (١). في الحديث دلالة على أن اللاحق إذا خشى فوات بعض الجماعة قبل أن ينضم أن له الدخول في الجماعة ثم ينضم بحسب إمكانه، فإن النبي ﷺ لم يأمره بإعادة الصلاة، بل قال له: "زادَكَ اللَّه حرصًا"، والمراد بالحرص المحافظة على استكمال الطاعات وعدم المسامحة بترك بعضها -وإن قل- بل ولو حصل معه ترك مندوب. وبقي الكلام في قوله: "ولا تَعُدْ": فقيل: إنه نهاه عن العوْد إلى الإحرام خارج الصف، فإن حمل النهي على التحريم ناقضه صدر الحديث، وإن حمل النهي على الكراهة بقرينة أوله استقام معناه، ولكن ابن حبان أنكر أن يكون هذا معنى الحديث وقال: أراد لا تعد في إبطاء المجيء إلى الصلاة. وقال ابن القطان الفاسي تبعًا للمهلب بن أبي صفرة: (٢) معناه: لا تعد إلى دخولك في الصف وأنت راكع، فإنها (ب)

стр. 1063

كمِشْية البهائم، ويؤيده رواية حماد بن سلمة في "مصنفه" (١) عن الأعلم عنَ الحسن عن ابن أبي بكرة: "أنه دخل المسجد ورسول اللَّه ﷺ يصلي، وقد ركع، فركع ثم دخل الصف وهو راكع، فلما انصرف النبي ﷺ قال: "أيكم دخل في الصف، وهو راكع؟ فقال له أبو بكرة: أنا، فقال: زادك اللَّه حرصًا ولا تعد". [وما رواه ابن أبي شيبة عن أبي هريرة بإسناد صحيح عن رسول اللَّه ﷺ : إذا أتى أحدكم إلى الصف، فلا يركع دون الصف، ولا يكبّر حتى يأخذ مقامه (أ) من الصف] (ب). ولكنه يعارض هذا ما أخرجه الطبراني (٢) عن عطاء: أنه سمع ابن الزبير على المنبر يقول: "إذا دخل أحدكم المسجد والناس ركوع، فليركع حين يدخل ثم يدب راكعًا حتى يدخل في الصف"، قال: "ذلك السنة"، قال عطاء: "وقد رأيته يصنع ذلك". وقال الطبراني: تفرد به ابن وهب، [وقد روي عن زيد بن ثابت وابن

стр. 1064

مسعود وأبي لُبَابَة وسعيد بن جبير (١) أنهم فعلوا ذلك] (أ). وقيل معناه: ولا تَعُدْ إلى إتيان الصلاة مسرعًا، واحتج له بما رواه ابن السكن في "صحيحه" بلفظ: "أقيمت الصلاة فانطلقتُ أسعى حتى دخلت في الصفّ، فلما قضى الصلاة قال: مَن الساعى آنفًا؟ قال أبو بكرة: فقلت: أنا، فقال: زادك اللَّه حرصًا، ولا تعد"، وهذا قريب. ٣١٩ - وعن وابِصَة بن معبد ﵁ "أن رسول اللَّه ﷺ رأى رجلًا يُصلي خلفَ الصف وحده، فأمره أن يعيد الصلاة". رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وحسنه، وصححه ابن حبان (٢). وله عن طلق: "لا صلاة لمنفرد خلف الصف" (٣). وزاد الطبراني في حديث وابصة: "ألا دخلت معهم، أو (ب) اجتررت رجلا" (٤).

стр. 1065

هو أبو شداد وابصة -بكسر الباء الموحدة وبالصاد المهملة- وقيل: أبو قِرْصَافة -بالقاف المكسورة والصاد المهملة والفاء- وقيل: أبو سالم بن معبد بن مالك من بني أسد بن خزيمة الأسدي. [وَفَد على النبيّ ﷺ في عشرة من بني أسد سنة تسع فأسلموا، ورده إلى بلاده. فقال أبو راشد: ما أتيته إلا وجدت الصحف بين يديه، ثم] (أ) نزل الكوفة ثم تحول إلى الجزيرة، ومات بالرقة، روى عنه زياد بن أبي الجعد (١). في الحديث دلالة على (ب) بطلان صلاة من صلى (جـ) خلف الصف وحده لغير عذر. وقد قال ببطلانها النخعي وحماد بن أبي سليمان وابن أبي ليلى ووكيع وأحمد. (٢) وكان الشافعي يضعف هذا الحديث. ويقول في القديم: لو ثبت لقلتُ به (د)، وقال البيهقي: الاختيار أن يتوقى ذلك لثبوت الخبر المذكور، وقال: من قال بعدم البطلان عارضه حديث أبي بكرة، ولم يأمره بالإعادة، مع أنه أتى ببعض الصلاة خلف الصف، فيحمل الأمر بالإعادة على جهة الندب مبالغة في المحافظة على الأولى كما تقدم في أمر من بقي فيه لعة في رجله بغير وضوء، أمره بإعادة الوضوء كاملًا والأولى الجمع بين الحديثيْن، بأنَّ حديث أبي بكرة فيما فعل لعذر، وهو خشية الفوات مع انضمامه بقدر الإمكان، وهذا لغير عذر وفي جميع الصلاة، واللَّه أعلم.

стр. 1066

وحديث طلق ظاهر في عدم الصحة، ويحتمل أن يتوجه النفي إلى نفي الكمال والفضيلة، وحديث الطبراني فيه السري بن إسماعيل (١)، وهو متروك، وأخرجه أبو نعيم في "تاريخ أصبهان" (٢) من طريق أخرى في ترجمة ابن عبد ربه (أ) البغدادى، وفيه قيس بن الربيع (٣)، وهو ضعيف، وأخرج أبو داود في "المراسيل" (٤) من رواية مقاتل بن حيان مرفوعًا: "إن جاء رجل فلم يجد أحد، فليختلج إليه رجلًا من الصف، فليقم معه، فما أعظم أجر المختلج". وأخرج الطبراني في "الأوسط" من حديث ابن عباس: "أن النبي ﷺ أمر الآتي وقد تمت الصفوف بأن يجتذب إليه رجلًا يقيمه إلى جنبه" وإسناده واه (٥). ٣٢٠ - وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إِذا سمعتم الإِقامة فامشوا إِلى الصلاة، وعليكم السكينة والوقار، ولا تسْرِعُوا

стр. 1067

فما أدركتم فصلُّوا، وما فاتكم فأتموا". متفق عليه، واللفظ للبخاري (١). قوله: "إِذا سمعتم الإِقامة": وقع في حديث [أبي] (أ) قتادة: "إذا أتيتم الصلاة" (٢)، ولا مخالفة بين الروايتين في المعنى؛ لأنه إذا كان مأمورًا بالمشي مع سماع الإقامة وخشية الفوات فبالأولى أن يؤمر به مع الإتيان إلى الصلاة قبل سماع الإقامة وتجويز الإدراك. وقوله: "وعليكم السكينة": بحذف الباء كذا في رواية الأكثر للبخاري، وفي رواية (٣) أبي ذر بزيادة الباء، وعلى حذف الباء فقد (ب) ضبط القرطبي (٤) رواية مسلم بالنصب مفعولًا لعليكم، وضبطها النووي (٥) بالرفع على أنها مبتدأ، "وعليكم" خبره، وهي جملة حالية. واستشكل بعضُهم دخول الباء لأن "عليكم" يتعدي بنفسه، إذ هو بمعنى خُذْ أو ألزم. ولكنها قد ثبتت زيادة الباء في أحاديث صحيحة

стр. 1068

كحديث: "عليكم برخصة اللَّه" (١)، "وعليه بالصوم" (٢)، و"عليك بالمرأة" (٣)، وغير ذلك، ولها محمل صحيح في العربية وهي الحمل على الزيادة في مفعول "عليكم"، وهو وإن كان يتعدى بنفسه لكنه لضعفه في العمل فيعمد (أ) بحرف عادته إيصال الفعل اللازم إلى مفعوله. "والسكينة والوقار": قال القاضي عياض: (٤) هما بمعنى واحد، وذكر الثاني تأكيدًا للأول، وقال النووي (٥): الظاهر أن بينهما فرقًا وأن السكينة التأني في الحركات واجتناب العَبَث، والوَقَار في الهيئة كغض الطرف وخفض الصوت، وعدم الالتفات. [وقيل: السكينة في القلب، والوقار في الأفعال (ب)] (جـ). وقوله: "ولا تسرعوا": فيه زيادة تأكيد للأمر بالمشي وما تبعه، وفي عدم الإسراع أيضًا فضيلة تكثير الخطا، وهو معنى مقصود لذاته وردت فيه أحاديث كحديث جابر عند مسلم (٦): "إن بكل خطوة درجة"، ولأبي داود (٧) من طريق سعيد بن المسيب مرفوعًا: "وإذا توضأ أحدكم فأحسن

стр. 1069

الوضوء ثم خرج إلى المسجد، لم يرفع قدمه اليُمْنَى إلا كتب اللَّه له حسنة، ولم يضع قدمه اليسرى إلا حط عنه سيئة، فإن أتى السجد فصلى في جماعة غُفِرَ له، فإن أتى وقد صلوا بعضًا وبقي بعضٌ، فصلى ما أدرك، وأتم ما بقي، كان كذلك، وإن أتى المسجد وقد صلوا فأتم الصلاة، كان كذلك". ويؤخذ من الحديث أنه ينبغي ترك فضيلة إذا كان يحصل في تركها إدراك فضيلة غيرها، وقد نبه في رواية مسلم على الحكمة في شرعية هذا الأدب، قال في آخر حديث أبي هريرة: "فإن أحدكم إذا كان يعمد إلى الصلاة فهو في صلاة" (١)، أي أنه في حكم المصلي فينبغي له اعتماد ما ينبغي للمصلي اعتماده، واجتناب ما ينبغي للمصلي اجتنابه. وقوله: "فما أدركتم": جواب شرط محذوف، أي إذا فعلتم ما أمرتم به مِنْ ترك الإسراع ونحوه فما أدركتم فصلوا: فيه دلالة على أنه يدرك فضيلة الجماعة إذا دخل مع الإمام في أي جزء من جزاء الصلاة، ولو دون ركعة، وهو قول الجمهور (٢)، وذهب جماعة إلى أنه لا يدرك الجماعة بأقل من ركعة، لقوله: "مَنْ أدرك ركعة من الصلاة فقد أدركها"، وفي الجمعة أيضًا كما سيأتي اشتراط إدراك ركعة، فيقاس سائر الصلوات عليها. وقد يجاب عنه بأن ذلك في الأوقات لا في الجماعة، والجمعة مخصوصة، وهذا دليل الخصوص، وهو محتمل.

стр. 1070

واستدل بهذا الحديث على صحة الدخول مع الإمام في أي حالة وجده عليها، وقد أخرج ابن أبي شيبة عن رجل من الأنصار مرفوعًا: "من وجدني راكعًا أو قائمًا أو ساجدًا فليكن معي على حالتي التي أنا عليها" (١). وقوله: "وما فاتكم فأتموا": أكثر الروايات بـ "أتموا" فإنها الصحيحة في رواية الزهري لحديث أبي هريرة، وكذا في رواية مسلم عن (أ) طريق عبد الرزاق وأقل الروايات بلفظ: "فاقضوا"، فأخرج أحمد (٢) من حديث أبي هريرة: "فاقضوا"، وأخرج أبو داود كذلك (٣) قال (٤): ووقعت في رواية أبي رافع عن أبي هريرة قال: وكذا قال ابن سيرين عن أبي هريرة: "وليقض"، وقد روي من حديث أبي قتادة، كذلك رواية الجمهور: "فأتموا"، ووقع لمعاوية بن هشام عن شيبان: "فاقضوا" (٥)، وفي رواية ابن سيرين عند مسلم بلفظ: "صل ما أدْرَكْتَ واقْضِ ما سبقك" (٦) والمعنى من الإتمام: الإكمال، وأما القضاء فقد يطلق على معنى أدى الشيء كقوله: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ﴾ (٧) فإذا حمل على هذا المعنى فلا مغايرة بين الروايتين، وقد يطلق على أداء (ب الفائت وهو ب) الغالب، ويرد

стр. 1071

أيضًا لمعان أُخَر، والأولى جَعْلهما (أ) بمعنى واحد، لأن مخرج الحديث واحد، فإذا اختلف في بعض ألفاظه وأمكن ردها إلى معنى واحد كان أولى. وقد استدل به من قال: إن ما أدركه مع الإمام آخر صلاته، وهو أبو حنيفة ومالك (١) وزيد بن علي وغيرهم، وذهب الجمهور (٢) إلى أن (ب) ما أدركه أول صلاته، بدليل أن تكبيرة الإحرام إنما تكون في أول الصلاة، وأنه في آخر صلاته يتشهد التشهد الأخير قبل التسليم اتفاقًا، وقول ابن بطال (٣): إنه ما تشهد إلا لأجل السلام، لأن السلام يحتاج إلى سبق تشهد، ليس بالجواب الناهض. وقال الجمهور من العلماء القائلين بأن ما أدرك هي أول صلاته: إنه يقضي مثل الذي فاته من قراءة السورة مع أم القرآن في الرباعية، لكن لم يستحبوا له إعادة الجهر في الركعتين الباقيتين، والحجة على ذلك ما أخرجه البيهقي: "ما أدركت مع الإمام فهو أول صلاتك واقض ما سبقك به من القرآن" (٤)، وعن إسحق والمزني: لا تقرأ إلا أم القرآن فقط. وهو القياس. واستدل بالحديث على أن مَنْ أدرَكَ الإمامَ رَاكعًا لم تُحْسَب تلك الركعة للأمر بإتمام ما فاته لأنه فاته القيام والقراءة فيه، وهو قول أبي هريرة

стр. 1072

وجماعة، بل حكاه البخاري في "القراءة خلف الإمام" (١)، عن كلِّ من ذهب إلى وجوب القراءة خلف الإمام، واختاره ابن خزيمة والصبيعي وغيرهما من محدثي الشافعية، وقواه الشيخ تقي الدين السبكي من المتأخرين (٢)، وحُجة الجمهور حديث أبي بكرة حيث ركع دون الصف ولم يأمره بقضاء قراءة ولا غيرها (٣). واللَّه أعلم. ٣٢١ - وعن أُبَي بن كعب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "صلاة الرجل مع الرجل أزْكى من صَلاتِهِ وَحْدَهُ، وصلاته مع الرَجُلَيْنِ أزْكَى من صلاته مع الرجك، وما كان أكثر فهو أحب إِلى اللَّه ". رواه أبو داود والنسائي وصححه ابن حبان. وأخرجه أيضًا ابن ماجه، وصححه ابن السكن والعقيلي والحاكم (٤)، وذكر الاختلاف فيه، وبسط ذلك، وقال النووي (٥): أشار ابن المديني إلى

стр. 1073

صحته، وعبد اللَّه بن أبي بصير (١) راويه عن أبي العبدي قيل: لا يُعرف لأنه ما روى عنه غير أبي إسحاق السبيعي، لكن أخرجه الحاكم (٢) من رواية العيزار بن حريث عنه، فارتفعت جهالة عينه. وأخرجه البزار والطبراني (٣) ولفظه: "صلاة الرجلين يؤم أحدهما صاحبه أزكى عند اللَّه من صلاة أربعة تترى، وصلاة أربعة يؤم أحدهم هو أزكى عند اللَّه من صلاة ثمانية تترى، وصلاة ثمانية يؤم أحدهم أزكى عند اللَّه من صلاة مائة تترى". قوله "أزكى": أي أفضل، وقد وقع في رواية بلفظ: "أفضل" فهي مفسرة. وفي الحديث دلالة على أن أقل عدد صلاة الجماعة إمام ومأموم، وهو موافق لما أخرجه ابن ماجه من حديث أبي موسى: "اثنان فما فوقهما جماعة" (٤)، ورواه البيهقي (٥) أيضًا من حديث أنس وفيهما ضعيف،

стр. 1074

وبَوَّبَ عليه البخاري: باب الاثنين فما فوقهما جماعة (١)، واستدل له بحديث مالك بن الحويرث: "إذا حضرت الصلاةُ فأذِّنَا، ثم أقيما ثم ليؤمَّكما أكبركما" (٢). قال النووي في "الخلاصة": ويستدل فيه أيضًا بالإجماع، وفي دعواه الإجماع نظر، فقد حكى ابن الرفعة في "الكفاية" خلافًا في أن أقل الجماعة ثلاثة هو ضعيف، وحكاه ابن بطال في "شرح البخاري" (٣) عن الحسن البصري. ٣٢٢ - وعن أم وَرَقة ﵂ "أن النبي ﷺ أمَرَهَا أن تؤمَّ أهْلَ دَارِهَا" رواه أبو داود، وصححه ابن خزيمة (٤). هي: أم ورقة بنت نوفل الأنصارية، وقيل: بنت عبد اللَّه بن الحارث بن عويمر، وكان رسول اللَّه ﷺ يزورها، ويسميها "الشهيدة"، وكانت قد جمعت القرآن وكانت تؤم أهل دارها، روى عنها عبد الرحمن بن خلاد، لها ذكر في صلاة الجماعة (٥).

стр. 1075

وأخرج الحديث الدارقطني والحاكم، وأصل الحديث أن النبي ﷺ لما غزا بدرًا قالت: يا رسول اللَّه: "أتأذن لي في الغزو معك؟ .. " الحديث وأمرها أن تؤم أهل دارها، وجعل لها مؤذنًا يؤذن لها وكان لها غلام وجارية دبرتهما، قال عبد الرحمن: (أفأنا رأيتُ أ) مؤذنها شيخًا كبيرًا، وفي الحديث، أن الغلام والجارية قاما إليها بالليل، فعماها بقطيفة لها حتى ماتت، وذهبا، فأصبح عمر فقام في الناس فقال: مَنْ عنده منْ عِلْمِ هَذين؟ أو: من رآهما فليجئ بهما، فأمر بهما فصُلِبَا، فكانا أوَل مصلوب بالمدينة. وظاهر الحديث أن المرأة كانت تؤم بالمؤذن والغلام والجارية، فإنهم أهل دارها، ولم يذهب إلى صحة ذلك إلا أبو ثور والمزني والطبري (١). واللَّه أعلم. [وقال الدارقطني: إنما أذِنَ لها تؤم نساء أهل دارها] (ب). ٣٢٣ - وعن أنس ﵁ "أن النبي ﷺ استَخْلَفَ ابن أمِّ

стр. 1076

مكْتومٍ يَؤمّ النَّاس، وهو أعْمَى". رواه أحمد وأبو داود (١)، ونحوه لابن حبان عن عائشة (٢) ﵂ استخلفه النبي ﷺ ، في رواية لأبي داود: "مرتين" (٣). واستخلافه في بعض غزوات النبي ﷺ في الصلاة وغيرها، قيل: إلا القضاء، والظاهر العموم، فإن الإمارة خصوصًا في عصر الصحابة شاملة للقضاء، [ويدل عليه ما أخرجه الطبراني من حديث ابن عباس: "أن النبي ﷺ استخلف ابن أم مكتوم على الصلاة وغيرها (٤) "، وإسناده حسن] (أ)، وقد عد مرات الاستخلاف له فانتهت إلى ثلاثة عشرة. ذكره في "الخلاصة" (٥). وفي الحديث دلالة على صحة الصلاة خلف الأعمى، وأن (ب) لا كراهة في ذلك. ٣٢٤ - وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول اللَّه

стр. 1077

- ﷺ : "صلُّوا على مَنْ قال: لا إِله إلا اللَّه، وصلُّوا خلف من قال: لا إِله إِلا اللَّه". رواه الدارقطني بإسناد ضعيف (١). الحديث في إسناده عثمان بن عبد الرحمن عن عطاء عن ابن عمر (٢)، كذبه يحيى بن معين، وطريق أخرى عن نافع عن ابن عمر (٣)، وفي إسناده خالد بن إسماعيل عن العمري به، وخالد متروك، وأخرج أيضًا من طريقين ضعيفين (٤). قال في "البدر المنير" (٥): هذا الحديث من جميع طرقه لا يثبت. في الحديث دلالة على أنه تجب الصلاة على مَنْ قال لا إله إلا اللَّه، وظاهره عموم كل قائل وإن لم يأتِ بالواجبات ويجتنب الفواحش، وقد ذهب إلى هذا زيد بن علي وأحمد بن عيسى، وهو قول أبي حنيفة والشافعي، إلا أن أبا حنيفة وصاحبيه استثنوا الباغي وقاطع الطريق،

стр. 1078

وللشافعي أقوال أحدها الموافقة في قاطعِ الطريق إذا صُلبَ، ودليل وجوب الصلاة عموم هذا الحديث وحديث: "منْ قَتَلَ نفسه بَمشاقص" (١)، فإنه قال: "أمَّا أنا فلا أصلي عليه"، ولم ينههم عن الصلاة عليه، وعموم دليل (أ) وجوب صلاة الجنازة، فالمخصص يحتاج إلى دليل، ولعل وجه تخصيص أبي حنيفة والشافعي لمن ذكر. أما أبو حنيفة فيقول: إنهما غير محقوني الدم، فلا حرمة لهما، والصلاة إنما هي لرعاية حرمة الإسلام، فأشبها الكافي الحربي، وبقي ما عداهما على العموم، وأما الشافعي فلعله يقول: شرعت الصلاةُ لحُرمة الذات التي تواري بالدفن إكرامًا لها، ولما كان ذلك مصلوبًا غير مكرم بالدفن خصص من عموم الصلاة. وذهب الهادي وغيره من أتباعه وغيرهم إلى أنه لا يصلى على الفاسق، قالوا: قياسا على الكافر، وتد منع من الصلاة عليه بقوله: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أحَدٍ منْهُمْ﴾ (ب) (٢)، والحديث ضعيف، وقد يُجَابُ بأن القياس غير معتبر مع ورود حديث صاحب المشاقص. والحديث المذكور -وإن كان ضعيفًا- فهو متأيد بعموم دليل (جـ) شرعية صلاة الجنازة، ومثل هذا كاف في الشرعية. وقوله: "صلوا خلف من قال لا إله إلا الله": تقدم الكلام عليه (٣).

стр. 1079

٣٢٥ - وعن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إِذَا أتَى أحدُكم الصَّلاةَ، والإمامُ عَلَى حَالٍ، فَلْيَصْنَعْ كما يصنعُ الإِمام". رواه الترمذي بإسنادٍ ضعيف (١). أخرجه الترمذي من حديث على ومعاذ، وفيه ضعف وانقطاع (٢)، وقال: لا نعلم أحدًا أسنده إلا من هذا الوجه، وأخرجه أيضًا أبو داود وأحمد (٣) من حديث ابن أبي ليلى عن معاذ، وفي آخره. فقال: -يعني معاذًا- "لا أجده، -يعني النبي ﷺ على حالٍ أبدًا إلا كنت عليها، ثم قضيتُ ما سبقني"، قال: فجاء وقد سبقه (أ) النبي ﷺ ببعضها، قال: فقمت معه، قال: فلما قضى النبي ﷺ صلاته، قام (ب) يقضي، فقال رسول الله ﷺ : "قد سَنَّ لكم معاذ فهكذا فاصنعوا". وعبد الرحمن لم يسمع من معاذ (٤) لأن معاذًا قديم الوفاة، ولكن أبو داود أخرجه من وجه آخر (٥)

стр. 1080

عن عبد الرحمن بن أبي ليلى: حدثنا أصحابنا: "أن رسول الله ﷺ " فذكر الحديث، وفيه: فقال معاذ: "لا أراه على حالٍ إلا كنتُ عليها .. " الحديث .. وبهذا يندفع توهم الانقطاع، إذ الظاهر أن الراوي لعبد الرحمن غيرِ معاذ من سائر الصحابة، وحكى عبد الرحمن ما قاله معاذ كما روى له مَنْ شَهِدَ القصة. وفي الحديث دلالة على صحة دخول اللاحق مع الإمام في أي جُزْءٍ من أجزاء الصلاة، بل على شرعية ذلك، إذ الأمر أقل مراتبه الندب، والظاهر أنه متفق على ذلك إذا كان الإمام قائمًا أو راكعًا. [وأنه يعتد به إلا ما روي عن أبي هريرة وهو موقوف عليه أنه لا يعتد بالركوع، ومن قال بقوله كما تقدم قريبًا (١)] (أ)، وإنْ (ب) كان ساجدًا أو قاعدًا (جـ) فذهب إلى هذا أبو حنيفة والشافعي (٢). ويقعد بقعود الإمام، ويسجد بسجوده، ولا يعتد بذلك. وذهب المؤيد بالله (٣) إلى أنه يكبر مِنْ قيَامٍ وينتظر الإمام قائمًا، ولا يقرأ، وقال المنصور بالله (٤): وإن قرأ جاز، وقال الحقيني (٥): ذكر المؤيد بالله الجائز والأفضل أن يقعد معه كما هو مذهب أبي حنيفة والشافعي، وفي معنى هذا الحديث ما تقدم قريبًا من حديث ابن أبي شيبة: "مَنْ وجدني راكعًا أو قائمًا أو ساجدًا فليكن معي على حالتي التي أنا عليها" (٦)، وأخرج ابن

стр. 1081

خزيمة مرفوعًا من حديث أبي هريرة: "إذا جئتم ونحن سجود، فاسجدوا، ولا تَعُدُّوها شيئًا، ومَنْ أدرك الركعة فقد أدرك الصلاة" (١). وأخرج أيضًا في "صحيحه" مرفوعًا عن أبي هريرة: "مَنْ أدرك ركعة من الصلاة فقد أدركها قبل أن يقيم الإمام صلبه" (٢)، وترجم له: ذِكْر الوقت الذي يكون فيه المأموم مدْرِكًا للركعة إذا ركع إمامه، فعرفتَ منْ هذا أنه لا وجه لما ذهب إليه المؤيد، وذهب الهادوية إلى أنه إذا أدركه ساجدًا أو قاعدًا نُدبَ له المتابعة ولا يُحْرِمُ بالصلاة، ومتى قام الإمام ابتدأ معه الصلاة بالتكبير، قالوا: لقوله لمن أدرك السجدة: "ولا تعدوها شيئًا"، ويجاب عن ذلك بأن الحديث إنما يدل على عدم الاعتداد، وأما الدخول بالتكبير وعدم إعادته فصريح في ذلك فلا وجه له، والله أعلم. [اشتمل (أ) الباب على ثلاثة وثلاثين حديثًا] (ب).

стр. 1082

باب صلاة المسافر والمريض ٣٢٦ - عن عائشة ﵂ قالت: "أول ما فُرِضَت الصلاةُ ركعتَيْن، فأقرت صلاةُ السَّفَر، وأتمت صلاةُ الحَضَر". متفق عليه (١). وللبخاري: "ثم هاجر ففرضت أربعًا وأقرّت صلاة السفر على الأول" (٢). زاد أحمد: "إِلا المغرب، فإِنها وِتْر النهار، وإِلا الصبح، فإنها تطول فيها القراءة". قوله: "أول ما فُرِضَت .. ". إلخ: فرضت ظاهر في أنَّ المعنى بالفرض هو الإيجاب أي أوجبت، فيكون فيه دلالة على وجوب القَصْر على المسافر، كما ذهب إليه الهادوية والحنفية (٣). ومن السلف على وعمر ﵄ (أ) وغيرهم من الأئمة، ويحتمل أن معناه: قدرت، فلا دلالة حينئذ، وقد ذهب إلى عدم الوجوب عائشة وعثمان ورواية عن ابن عباس والشافعي (ب وغيرهم من الأئمة وقالوا: ب) إن القصر رُخصة والتمام كذلك مستويان، وقول للشافعي أن القصر رخصة والتمام أفضل، وهو مذهب

стр. 1083

الناصر، وقول ثالث (أ) للشافعي (١) أن القصر أفضل، وهو الصحيح عند الشافعية (٢) ويتأولون حديث عائشة بما تقدم، أو أن المراد أنه فرض لمن أراد القَصْر، واستدلوا على ما ذهبوا إليه بما ثبت في "صحيح مسلم" (٣) وغيره أن الصحابة ﵃ كانوا يسافرون مع رسول الله ﷺ فمنهم القاصر، ومنهم المُتِمُّ، ومنهم الصائم، ومنهم المفطر، لا يعيب بعضهم على بعض، وبأنَّ عَثمان كان يتم، وكذلك عائشة، وغيرها (٤)، وهو ظاهر قول الله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ (٥). وفي زيادة أحمد: "إِلا المغرب" دلالة على أن المغرب على أصل شرعيتها لا تتغير، وكونها وتر النهار يعني أن صلاة النهار كانت شفعًا، والمغرب آخرها لوقوعها عقيب آخر جزء من النهار، فهي وتر لصلاة النهار، كما أنه شرع لصلاة الليل الوتر، والوتر محبوب لله تعالى كما تقدم في الحديث: "إن الله وتر يحب الوتر". وقوله: "وإِلا الصبح فإِنها تطول فيها القراءة": يعني أنه لا تغيير لصلاة الفجر، بل هي في الحَضَر والسفر ركعتان مشروع فيها تطويل

стр. 1084

القراءة، ولذلك عبر عنها بقرآن الفجر لما كانت القراءة فعظم أركانها لطول زمنها فيها (أ). فعمر عنها بها من إطلاق الجزء الأعظم على جميع الشيء. والله أعلم. فائدة: قال الدميري: رُخَصُ السَّفَر أربع يختص بالطويل، وهي المسح على الخف، والقصر، والجمع، والفطر (١)، وأربع تجوز في القصير والطويل: أكل الميْتَة، والتنفل على الراحلة، وإسقاط الصلاة بالتيمم، وترك الجمعة. وفي المهمات زيادة على ذلك، والأصل في مطلق الرخصة ما روى مسلم عن عائشة (٢) قال: "رَخَّصَ رسول الله ﷺ في أمر فَنَفَرَ عنه ناس، فبلغ ذلك النبي ﷺ فغضب حتى بان الغضبُ في وجهه ثم قال: مَا بَالُ أقْوامٍ يرغَبون عما رُخِّص لهم، فوالله لأنا أعلمُهم بالله، وأشدُّهم له خشية". انتهى. ٣٢٧ - وعن عائشة ﵂ "أن النبي ﷺ كان يقصر في السفر ويتم، ويصوم ويفطر". رواه الدارقطني (٣) ورواته ثقات إلا أنه معلول.

стр. 1085

والمحفوظ عن عائشة ﵂ من فعلها وقالت (أ): "إنه لا يشق عليّ" أخرجه البيهقي (١) [يعني فعلها ذلك مع النبي ﷺ وتقرير النبي ﷺ ذلك كما في رواية عبد الرحمن بن الأسود عن عائشة] (ب). و (جـ) أخرجه الدارقطني من حديث عطاء عن عائشة، ولفظه: "تتم وتصوم" بالمثناة من فَوْق، وقد استنكره أحمد، فإن عروة ذكر أنها كانت تتم، وأنها تأولت ما تأول عثمان. [وتأويلها أنها قالت لعروة: يا ابن أختي (د) إنه لا يشق علي] (٥)، كما في "الصحيح" فلو كان (و) عندها عن النبي ﷺ ، رواية لم يَقلْ عروة عنها تأولت (ز)، وقد ثبت في الصحيحين خلاف ذلك، وأخرج أيضًا الدارقطني والنسائي والبيهقي من حديث العلاء بن زهير عن عبد الرحمن بن الأسود عن عائشة: "أنها اعْتَمَرَت مع رسول الله ﷺ من المدينة إلى مكة حتى إذا قدمت مكة قالت: "يا رسول الله بأبي أنت وأمي، أتممت وقصرت، وأفطرت وصمت، فقال: أحسنتِ يا عائشة"، وما عاب عَلَيّ" (٢).

стр. 1086

وفي رواية الدارقطني: "في عمرة في رمضان" واستنكر ذلك، فإنه ﷺ لم يعتمر في رمضان، وفيه اختلاف في اتصاله. قال الدارقطني (١): عبد الرحمن أدرك عائشة ودخل عليها، وهو مراهق. قال المصنف (٢) ﵀ وهو كما قال ففي "تاريخ البخاري" (٣) وغيره ما يشهد لذلك، وقال أبو حاتم (٤): أدخل عليها وهو صغير، ولم يسمع منها، قلتُ: ادعى ابن أبي شيبة والطحاوي ثبوت سماعه منها، وفي رواية الدارقطني عن عبد الرحمن عن أبيه عن عائشة. قال أبو بكر

стр. 1087

النيسابوري: من قال فيه عن أبيه فقد أخطأ، واختلف قول الدارقطني فيه، فقال في "السنن" (١): إسناده حسن، وقال في "العلل": المُرْسَلُ أشبه. والعلاء بن زهير، قال الذهبي في "الميزان": (٢) وثقه ابن معين، وقال ابن حبان (٣): كان ممن يروي عن الثقات ما لا يشبهه حديث الأثبات (أ) انتهى. فبطل الاحتجاج به فيما لم يوافق الأثبات (أ)، وبطل بهذا ادعاء ابن حزم، جهالة العلاء، فقد عرف عينًا وحالًا. الحديث فيه دلالة على استواء الأمرين، من قصر الصلاة وإتمامها، والإفطار والصوم كما هو (ب) أحد أقوال الشافعي، وقد مر. ٣٢٨ - وعن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِن الله يحبُّ أن تُؤتَى رُخَصُه، كما يكره أن تُؤتَى معصيته" رواه أحمد، وصححه ابن خزيمة وابن حبان (٤).

стр. 1088

وفي رواية: "كما يحب أن تؤتى عزائمه" (١). قوله: "إِن الله يحب": المحبة من الله (٢) يُرادُ بها رضاه بفعل العبد، والكراهة عدم ذللك، والرخصة، مراد بها ما سهله لعباده ووسعه عند الشدة من ترك بعض الواجبات، أو (أ) إباحة بعض المحرمات، وفي اصطلاح أهل الأصول: ما شرع من الأحكام لعذر، والعزيمة، مقابل بالمعنيين، وجمع بين الرخصة والمعصية هنا لما كان في كل واحد منهما تَرْك طاعة. ٣٢٩ - وعن أنس ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ إِذا خرج مسيرة ثلاثة أميال -أو فراسخ- صلى ركعتيْن". رواه مسلم (٣). وعنه قال: "خرجنا مع رسول الله ﷺ من المدينة إِلى مكة، وكان يصلي ركعتين ركعتين حتى رجعنا إِلى المدينة". متفق عليه، واللفظ للبخاري (٤).

стр. 1089

قوله: "إِذا خرج": ظاهره في أنه إذا كان قصده مسافرة، هذا القدر، لا أنه إذا أراد السفر الطويل، فلا يقصر إلا بعد هذه المسافة. وقوله: "ثلاثة أميال أو فراسخ": الشك من شعبة وليس التخيير في أصل الحديث، والمِيل (١): هو المحل المتسع من الأرض، مأخوذ من ميل النظر لأنه يميل عنه على وجه الأرض حتى يفنى إدراكه، وبهذا حده الجوهري، وقيل: حده أن ينظر إلى الشخص في أرض مستويه فلا يدري أهو رجل أم امرأة أو غير ذلك، وقال النووي: هو ستة آلاف ذراع، والذراع أربعة وعشرون إصبعًا معترضة متعادلة، والإصبع ست شعيرات معترضة متعادلة، وتيل: هو اثنا عشر ألف قَدَم بقدم الإنسان، وقيل: هو أربعة آلاف ذراع، وقيل: بل ثلاثة آلاف ذراع، وقيل: وخمسمائة، وبنى على هذا ابن عبد البر، وقيل: هو ألفا ذراع، وقيل: ألف خطوة للجَمل، وقيل: ثلاثة آلاف ذراع بالذراع الهاشمي (٢)، وهو اثنان وثلاثون إصبعًا وهو ذراع الهادي، وهو الذراع العمري المعمول عليه في صنعاء وبلادها في تاريخ سنة تسعين وألف سنة. والفرسخ: ثلاثة أميال، وهو فارسي معرّب، وقد ذهب إلي العمل بظاهر هذا الحديث أهلُ الظاهر فقالوا: يقصر في ثلاثة أميال، ورُد عليهم بأنه مشكوك فيه فلا يحتج به وهو مستقيم في أنه لا يحتج به في الثلاثة الأميال،

стр. 1090

وأما الثلاثة الفراسخ فيصح العمل به فيها، والظاهر أنه لم يذهب إلى ذلك أحد، إذ الأميال داخلة فيها فيؤخذ بالأكثر احتياطًا إذ هو المتيقن، وهذا الحديث أصرح شيء في التحديد، [وأصرح منه (أ) ما روى سعيد بن منصور عن أبي سعيد قال: "كان رسول الله ﷺ إذا سافر فرسخًا يقصر الصلاة" (١)] (ب). واعم أنه انتشر الخلاف بين العلماء في السافة التي يجوز القَصْر فيها، فحكى ابن المنذر وغيره نحوًا من عشرين قولًا، وأقلّ ما قيل في ذلك [ما روى ابنُ أبي شيبة (٢) عن محارب يقول: سمعت ابن عمر يقول: "لو خرجتُ ميلًا لقصرتُ الصلاة"، وإسناده صحيح، وقد روى هذا في "البحر"، (٣) عن داود، ويلحق به] (جـ) ما ذهب إليه أهلُ الظاهر، ويلحق به ما ذهب إليه الباقر والصادق وأحمد بن عيسى والهادي والقاسم (٤) أنه يقصر في مسافة برِيْد فصاعدًا، قالوا: لقوله ﷺ في رواية أبي هريرة: "لا يحل لامرأة تسافر بريدًا إلا ومعها محرم" أخرجه أبو داود (٥)، وفي رواية
следующие страницы →