المراد بأهل القرآن: المؤمنون الذين صدَّقوا القرآن، وخاصة من يتولى بحفظه وتلاوته ومراعاة حدوده وأحكامه.
وقوله: "فإِن اللَّه وتر". قال في "النهاية" (١): أي واحد في ذاته لا يقبل الانقسام ولا التجزئة واحد في صفاته لا شبه له ولا مثل، واحد في أفعاله لا شريك له ولا معين.
وقوله: "ويحب الوتر". أي يُثيْب عليه ويقبل من عامله، وقال القاضي: كلما ناسب الشيء أدنى مناسبة كان أحب إليه مما لم تكن له تلك المناسبة.
٢٩١ - وعن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: "اجعَلوا آخرَ صَلاتِكُمْ باللَّيْلِ وِتْرًا". متفق عليه (٢).
قد استدل به من يوجب (أ) الوتر، وهو متأوَّل بما تقدم.
٢٩٢ - وعن طَلْق بن علي ﵁ سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "لا وتْرَانِ في ليلة" رواه أحمد والثلاثة، وصححه ابن حبان (ب) (٣).
стр. 982
أخرجوه من حديث قيس بن طلْق عن أبيه، وقال الترمذي: حسن، وقال عبد الحق وغيره بصحته، وأصل الحديث في "سنن أبي داود"، قال قيس: زارنا طلق بن علي في يوم من رمضان، وأمسى عندنا، وأفطر، ثم قام تلك الليلة، وأوتر بنا ثم انحدر إلى مسجده فصلى بأصحابه حتى إذا بقي الوتر قَدَّم رجلًا فقال: أوتِر بأصحابك، فإني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: لا وتران في ليلة".
الحديث يدل على أن مَنْ أوْتر في الليل فلا ينقض وتره (١) إذا صلى بعد ذلك شفعًا، ولا يحتاج إلى إعادة وتر، وقد اختلف السلف في ذلك في موضعين: أحدهما في مشروعية ركعتين بعد الوتر عن جلوس، والثاني من أوتر ثم أراد أن يتنفل في الليل هل يكتفى بوتره الأول ويتنفل ما شاء أو يشفع وتره بركعة، ثم يتنفل، ثم إذا فعل هل يحتاج إلى وتر آخر أو لا؟ أما الأول فوقع عند مسلم (٢): "كان يصلى ركعتين بعد الوتر وهو جالس" وقد ذهب إليه بعضُ أهل العلم، وجعلوا الأمر في قوله: "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا"، مختصًا بمن (أ) أوتر آخر الليل، وأجاب مَنْ لم
стр. 983
يقل بذلك بأن الركعتين هما ركعتا الفجر. وأجاب النووي بأن فعله لهما لبيان جواز النفل بعد الوتر والصلاة قاعدًا (١).
وأما الثاني وهو عدم نقض الوتر فقد ذهب إليه جمهور السلف (٢)، وقد روي عن عبد اللَّه بن عمر أنه كان ينقض الوتر، فيوتر من أول الليل، فإذا قام يتهجد صلى ركعة يشفع بها تلك، ثم يوتر من آخر الليل، أخرجه الشافعي (٣) عن مالك عن نافع بهذا وروى محمد بن نصر (٤) من طريقٍ أخرى أنه سُئل (أ) ابن عمر عن ذلك فقال: إذا كنت لا تخاف الصبح ولا النوم (ب) فاشْفع، ثم صلِّ ما بدا لك ثم أوْتِرْ، وإلا فَصَلِّ على وترك الذي كنتَ أوترت، ومن طريق أخرى عن ابن عمر أنه سُئِلَ عن ذلك فقال: "أما أنا فأصلي مثنى فإذا انصرفت ركعت واحدة"، فقيل (ب): أرأيت إن أوترت قبل أن أنام ثم قمت من الليل فشفعت حتى أصبح؟ قال: "ليس بذلك بأس".
وهذا فيه دلالة على صحة صلاة ركعة واحدة (د)، وقد قال به الشافعي
стр. 984
والجمهور (١)، ومنع منه الهادي وغيره من أهل البيت والحنفية (٢).
٢٩٣ - وعن أُبَي بن كعب ﵁ قال: "كان رسول اللَّه ﷺ يوتر بسبِّح اسم ربك الأعلى وقُل يا أيها الكافرون، وقل هو اللَّه أحدْ".
رواه أحمد وأبو داود والنسائي وزاد: "ولا يسلِّم إِلا في آخرهن" (٣).
ولأبي داود والترمذي نحوه عن عائشة وفيه: "كل سورة في ركعة، وفي الأخيرة قل هو اللَّه أحد والمعوذتين" (٤).
حديث عائشة في إسناده لِين لأن فيه خصيف (٥) الجزري (أ)، ورواه
стр. 985
الدارقطني وابن حبان والحاكم (١) من حديث يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة، وتفرد به يحيى بن أيوب عنه، وفيه مقال، ولكنه صدوق (٢)، وقال العقيلي (٣): إسناده صالح ولكن حديث أُبَيّ بن كعْب -وهو مرويّ عن ابن عباس (٤) بإسقاط المعوذتين- أصح، وقال ابن الجوزي: أنكر أحمد ويحيى بن معين زيادة المعوذتين وروى ابن السكن في "صحيحه" له شاهدًا من حديث عبد اللَّه بن سرجس بإسنادٍ غريب.
في الحديث دلالة على شرعية الوتر بثلاث لا على تعين ذلك، لما قد ثبت من الأحاديث كما تقدم، وذهب الهادي والقاسم وغيرهما من الأئمة والحنفية إلى تعين الوتر في الثلاث بهذا الحديث وأنها تصلى أيضًا موصولة (٥)، قالوا: ولأن الصحابة أجمعوا على أن الوتر بثلاث موصولة جائز واختلفوا فيما عداه، فالأخذ به أخذ بالإجماع. ورد عليهم بأن الإجماع غير صحيح بما أخرجه محمد بن نصر من حديث أبي هريرة مرفوعًا وموقوفًا لا توتروا بثلاث لتشبهوا بصلاة المغرب" (٦) وقد صححه الحاكم (٧) من طريق عبد اللَّه بن الفضل، وإسناده على شرط الشيخين،
стр. 986
وقد صح ابن حبان والحاكم (١) من طريق مقسم عن ابن عباس وعائشة كراهية الوتر بثلاث، وأخرج النسائي عن سليمان بن يسار أنه كره الثلاث في الوتر، وقال: لا يشبه التطوع الفريضة، فهذه الآثار تقدح في الإجماع.
واعلم أنه قد يُجَاب عن مشابهتها للمغرب بأن يصلي ثلاثا يتشهد بتشهد واحد في آخرها [كما أخرج أحمد والنسائي والبيهقي والحاكم من رواية عائشة (٢)، ولفظ أحمد: "كان يوتر بثلاث لا يفصل بينهن"، ولفظ الحاكم: "لا يقعد إلا في آخرهن"] (أ) وكما روى محمد بن نصر من طريق الحسن أن عمر كان ينهض في الثالثة من الوتر بالتكبير (٣). ومن طريق المسور بن مخرمة: أن عمر أوتر بثلاث لم يسلم إلا في آخرهن. ومن طريق ابن طاوس عن أبيه: أنه كان يوتر بثلاث لا يقعد بينهن، ولعل من روي عنه من الصحابة أنه قعد بين الثلاث لم يبلغه النهي، وهم ابن مسعود وأنس وأبو العالية كما أخرجه محمد بن نصر (٤) عنهم.
[وأما ما رواه الدارقطني عن ابن مسعود قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "وِتْر الليل ثلاث كوتر النهار، صلاة المغرب" فقد قال الدارقطني (٥): تفرد به
стр. 987
يحيى وهو ضعيف، وقال البيهقي: الصحيح وقفه على ابن مسعود، وأخرجه الدارقطني (١) من حديث عائشة، وفيه إسماعيل بن مسلم المكيّ، وهو ضعيف) (أ). واللَّه أعلم.
٢٩٤ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: "أوتروا قبل أن تصبحوا". رواه مسلم (٢).
ولابن حبان: "من أدرك الصُّبْحَ، ولم يوتر، فلا وِترَ له" (٣).
وعنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ نَامَ عن الوتْر أو نَسِيه فليُصَلِّ إِذا أصبحَ أو ذَكرَ". رواه الخمسة إلا النسائي (٤).
في قوله: "أوتروا قبل أن تصبحوا": دلالة على أن وقت الوتر قبل الإصباح.
وقوله: "فلا وتر له": دليل على خروج الوقت، وأما أنه لا يصح قضاؤه فلا، إذ المقصود (ب) المبالغة في تركه متعمدًا، وأنه قد فاتته السنة
стр. 988
العظمى حتى إنه لا يمكنه تداركه، وقد حكى ابن المنذر عن جماعة من السلف أن الذي يخرج بالفجر وقته الاختياري ويبقى وقت الضرورة إلى قيام صلاة الصبح وحكاه القرطبي (١) عن مالك والشافعي وأحمد ولكنه قول قديم للشافعي، وقال ابن قدامة (٢): لا ينبغي لأحد أن يتعمد ترك الوتر حتى يُصْبِحَ، واختلف السلف في مشروعية قضائه، فقال الأكثر: لا يقضى (٣)، وقال الأوزاعي وسفيان الثوري: إنه يقضى ولو بعد صلاة الفجر، وهو ظاهر قوله: "إِذا أصبح أو ذكر" وذهب إلى هذا أهل الرأي أيضًا وجماعة من الأئمة.
[قال ابن التين: اختلف في الوتر في (أ) سبعة أشياء (٤): في وجوبه وعدده واشتراط النية واختصاصه بقراءة واشتراط شفع قبله وأخر وقته، وصلاته في السفر على الدابة. زاد المصنف -رحمه اللَّه تعالى (٥) -: وفي قضائه، والقنوت فيه، ومحل القنوت منه، وما يُقَال فيه، وفصله، ووصله، وهل يسن ركعتان بعده، وجوازه قاعدًا في (ب) أول وقته، وكونه أفضل من الرواتب] (جـ).
стр. 989
واعلم إنهم أجمعوا على أن وقت الوتر (١) ممتد من مغيب الشفق بعد صلاة العشاء إلى طلوع الفجر، ونقل ابن المنذر عن بعضهم أنه يدخل بدخول وقت العشاء، وللخلاف فائدة فيمن صلى العشاء وبان أنه على غير طهارة، ثم صلى الوتر، وقد تطهر، وكذا فيمن قد ظن أنه صلى العشاء، فصلى الوتر، ثم بان له عدم الصلاة فإنه يجزئه على هذا القول دون الأول، واللَّه أعلم.
٢٩٥ - وعن جابر ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من خاف أن لا يقوم من آخر الليل فليوتر أوله، ومن طمع أن يقوم آخره فليوتر آخر الليل، فإِن صلاة آخر الليل مشهودة، وذلك أفضل". رواه مسلم (٢).
في الحديث دلالة على أنه ينبغي الاحتياط في أداء الطاعات، ولذلك إنه إذا خاف فوات الوتر أداه في أول الوقت، وإن وثق من نفسه بالقيام آخر الليل كان التأخير أفضل، وقد روي اختلاف الحالين عن جماعة من الصحابة ﵃.
وقوله: "فإِن الصلاة آخر الليل مشهودة": أي تشهدها ملائكة الليل والنهار، ويشهدها كثير من المصلين في العادة.
٢٩٦ - [وعن ابن عمر ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إِذا طلعَ الفجر فقد ذهب كلُّ صلاةِ اللَّيل، والوِتْرِ، فأوتِرُوا قبل طلوع الفجر".
стр. 990
رواه الترمذي (١).
تقدم الكلام في هذا الحكم، وتأويل الحديث] (أ).
٢٩٧ - وعن عائشة ﵂ قالت: "كان النبي ﷺ يصلي الضُّحى أرْبَعًا، ويزيد ما شاء اللَّه". رواه مسلم (٢).
وله عنها: "أنها سئلت: هل كان رسول اللَّه ﷺ يصلي الضُّحى؟ قالت: لا، إِلا أن يجيء من مغيبه" (٣).
وبه عنها: "ما رأيت رسول اللَّه ﷺ يصلِّي سبْحَة الضُّحى قَطُّ، وإني لأسَبّحها" (٤).
اعلم أن ظاهر الروايات عن عائشة ﵂ مختلفة متنافية في دلالتها على شرعية صلاة الضحى، وعدم ذلك، وقد جمع بينهما بأن قولها: كان يصلي الضحى أربعًا ويزيد ما شاء اللَّه يدل على وقوع ذلك منه، ولا يلزم منه المداومة لأن كان لا يدل على ذلك كما هو
стр. 991
الصحيح ولا يلزم منه رؤيتها لذلك الفعل، بل يجوز أن يكون ثبت لها برواية.
وقوله: "لا إلا أنّ يجيئ من مغيبه": مطابق للإثبات المطلق في الحديث الأول، فالوقت الذي فعل فيه في الرواية محمول على أنه الوقت الذي جاء فيه من مغيبه.
[ومغيبه بفتح الميم وكسر المعجمة وتنوين آخره أي من غيبة من السفر] (أ).
وقولها: "ما رأيت رسول اللَّه .. " إِلخ: لا ينافى ذلك لما ذكرنا أنه يجوز أن يكون ذلك ثبت لها بالرواية دون الرؤية، ويحتمل أيضًا أن يكون فعلها في وقت المجيء من مغيبه وقع بمشاهدتها، والوقت الذي نفت فيه الرؤية وأثبتت فيه الفعل لم يكن بمشاهدتها وإنما هو ثبت بالنقل، ويكون في ترك المداومة منه على (ب) الفِعْلِ تخفيف لأمته خشية أن تفرض عليهم (١)، ولا بُعْدَ في عدم رؤيتها لفعله، فإن ذلك الوقت ليس من الأوقات التي تعتاد الخلوة فيه بالنساء، وأيضًا فإنما كان لها يوم من تسعة أيام.
وأما ما صح عن ابن عمر أنها بدعة (٢) فمحمول على أن صلاتها في المساجد وإظهارها كما كانوا يفعلونه بدعة، أو يريد بدعة المواظبة عليها في
стр. 992
حقنا كما في حديث أبي هريرة وأبي الدرداء (١).
وفي قولها: "أربعًا ويزيد ما شاء اللَّه": دليل على عدم الاقتصار على حد معلوم، فإن الصلاة خير موضوع، وأقلها ركعتان، وأكملها ثمان ركعات، وأوسطها أربع ركعات أو ست وسيأتي في حديث أنس اثنتا عشرة ركعة (٢).
وقولها: "سُبْحَة": بضم السين وإسكان الباء الموحدة، أي نافلة الضحى.
وقولها: "أسبحها": بالباء الموحدة، كذا في رواية مسلم وهو التسبيح، أي أفعلها وفي "الموطأ" (٣) "لأستحبها" بالتاء المثناة من فوق من الاستحباب قال القرطبي (٤): والأول أولى.
واعلم أنه وقع الاختلاف (أ) في المواظبة عليها وعدمه، الظاهر الأول لقوله ﷺ : "أحبُّ الأعمال إلى اللَّه ما داومَ عليه صاحبه وإنْ قَلَّ"، وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة: "أوصاني (ب) خليلي بثلاث .. " الحديث،
стр. 993
وذهب طائفة إلى الثاني لما ورد من حديث عائشة من عدم المحافظة عليها.
والجواب عنه: أن ذلك لخشية أن تفرض وقد زال ذلك في حقنا، واللَّه أعلم.
وقيل في حديث أبي هريرة: إنما كان التوصية له بالمحافظة عليها، لما علم من حاله من عدم قيام الليل لاشتغاله بحفظ العلم، فكانت الضحى في حكم الجائزة لما فاته من فضل صلاة الليل، واللَّه أعلم.
٢٩٨ - وعن زيد بن أرقم ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "صلاة الأوابين ترمض الفصال". رواه الترمذي (١).
قوله: "الأوابين": جمع أواب (أ)، الأواب: وهو الراجع إلى اللَّه تعالى بترك المعاصي، وفعل الخيرات.
وقوله: "ترمض" بفتع الميم، مِنْ رمضت (٢) بكسر الميم: أي تحترق من الرمضاء وهو شدة حَرِّ الأرض، من وقع الشمس على الرمل وغيره، أي إذا وجد الفصيل حر الشمس، وذلك يكون عند ارتفاع الشمس، وتأثيرها الحر في الرمل.
وفي هذا إثبات لشرعية النافلة في الوقت المذكور، ولا يلزم منه نفي صلاة الضحى كما يدل عليه أول الحديث، وهو أنه رأى قومًا يصلون من الضحى فقال: "لقد علموا أن الصلاة في غير هذه الساعة أفضل. إن
стр. 994
رسول اللَّه ﷺ قال .. " الحديث، لأنه إنما أراد أن الأفضل أن لا يبادر بها بعد ارتفاع الشمس، وإنما يؤخر حتى ترتفع الشمس ويزداد حرها [وقد تقدم ذكر هذه الصلاة في هذا الباب] (أ) واللَّه أعلم.
والفصيل: وَلَدُ الناقة، سُمي بذلك لأنه يفصل عن أمه (١).
٢٩٩ - وعن أنس ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من صَلى الضُّحى اثْنَتَي عشرة رَكعَة بَنى الله قَصْرًا فِي الجنَّة". رواه الترمذي واستغربه (٢).
قال المصنف ﵀: وإسناده ضعيف (٣)، وفي الباب عن أبي ذر رواه البيهقي (٤) وعن أبي الدرداء رواه الطبراني (٥)، وإسنادهما ضعيفان.
في الحديث دلالة على أنها تنتهي إلى هذا العدد لإحراز هذه الفضيلة، ولكن الحديث ضعيف، إلا أنه قد يستشهد له بحديث أم حبيبة في مسلم (٦): "ما من عبد مُسْلِمٍ يصلّي في يوم ثنتي عشرة ركعة تطوعًا غير
стр. 995
فريضة، إلا بنى اللَّه له بيتًا في الجنة".
وأما كون الضحى لا يكون أكثر فلا يدل عليه.
٣٠٠ - وعن عائشة ﵂ قالت: "دخل رسول الله ﷺ بيتي فَصَلَّى الضحى ثماني رَكعَاتٍ". رواه ابن حبان في "صحيحه" (١).
في الحديث دلالة على وقوع ذلك العدد المعين منه ﷺ وقد عرفت الجمع بين الإثبات والنفي في رواية عائشة، وهذا لا يدل على أنها رأت منه (أ) الصلاة بل يجوز أن يكون ذلك ثبت لها برواية، ولا بعد (ب) في ذلك وإن كان في بيتها لجواز غفلتها في ذلك الوقت فلا منافاة، والجمع ما أمكن هو الواجب، واللَّه أعلم.
[اشتمل هذا الباب على سبعة وأربعين حديثًا] (جـ).
стр. 996
باب صلاة الجماعة والإمامة
٣٠١ - عن عبد اللَّه بن عمر ﵄ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة". متفق عليه (١).
ولهما عن أبي هريرة ﵁: "بخمسة وعشرين جزءًا" (٢).
وكذا للبخاري عن أبي سعيد ﵁ وقال: "درجة" (٣).
قوله: "صلاة الفذ": هو بالفاء والذال المعجمة الفرد: يقال: فذ الرجل من أصحابه إذا بقي وحده (٤).
وقوله: "سبع (أ) وعشرين درجة": إلخ، قال الترمذي (٥): عامة مَنْ رواه قالوا: "خمسًا وعشرين" إلا ابن عمر فإنه قال: "سبعًا وعشرين"، وعنه
стр. 997
رواية كالباقين (١)، وهم: أبو سعيد وأبو هريرة وابن مسعود وأنس وعائشة وصهيب ومعاذ وعبد اللَّه بن زيد وزيد بن ثابت ولأُبي بن كعب: أربع أو خمس على الشك (٢)، ولمسلم عن ابن عمر (٣): "بضع وعشرين" فقيل الخمس أرجح لكثرة رواتها، وقيل: السبع لأنها زيادة من عدل حافظ، وقيل: يجمع بأنه (أ) أعلم أولًا بالخمس، ثم أخبر بزيادة الفضل، وتُعقِّب بأنه يحتاج إلى التاريخ وبأن دخول النَّسْخ في الفضائل مختلف فيه، وقد يقال: إن مفهوم العدد في قوله: "خمس" غير معمول به لظهور التصريح بالزيادة، فالخمس لا ينافي السبع لدخولها تحت مفهومها، وقيل: تحمل السبع على المصلي في المسجد والخمس على غيره، وقيل السبع على بعيد المسجد والخمس على قريبه، وقيل: السبع على الجهرية والخمس على السرية.
стр. 998
قال المصنف (١) ﵀: وهذا أوجهها.
ثم الحكمة في هذا العدد الخاص لا تدرك حقيقتها، بل هي من علوم النبوة التي تقصر علوم الأولياء عن الوصول إليها وقد خاض الأئمة في إبداء مناسبات لذلك، ومن لطيفها قول البلقيني: لما كان أقل الجماعة غالبًا ثلاثة (أحتى تتحقق صلاة كل واحد في جماعة، وكل منهم أتي بحسنة والحسنة بعشرة، يحصل أ) من جميع ما أتوا به ثلاثون فاقتصر في الحديث على الفضل الزائد وهو سبعة وعشرون دون الثلاثة التي هي أصل ذلك.
وقال ابن الجوزي: خاض قومٌ في تعيين الأسباب المقتضية للدرجات المذكورة.
قال الحافظ المصنف ﵀: وقد نقحتها (ب) (٢) وهذبتها، فأولها: إجابة المؤذن بنية الصلاة في الجماعة، و (جـ التبكير إليها في أول الوقت، والمشي إلى المسجد بالسكينة (د)، ودخول المسجد داعيًا جـ)، وصلاة التحية عند دخوله كل ذلك بنيّة الصلاة في الجماعة، وانتظار الجماعة، وصلاة الملائكة عليه، وشهادتهم له، وإجابة الإقامة، والسلامة من
стр. 999
الشيطان حين يفر عند الإقامة، والوقوف منتظرًا إحرام الإمام، وإدراك تكبيرة الإحرام معه، وتسوية الصفوف، وسد فرجها، وجواب الإمام عند قوله: "سمع اللَّه لمن حمده"، والأمن من السهو غالبًا، وتنبيه الإمام إذا سها، وحصول الخشوع والسلامة مما يلهي غالبًا وتحسين الهيئة غالبًا، واحتفاف الملائكة به، والتدرب على تجويد القراءة، وتعلم الأركان والأبعاض، وإظهار شِعَار الإسلام، وإرغام الشيطان بالاجتماع على العبادة، والتعاون على الطاعة، ونشاط المتكاسل، والسلامة من صفة النفاق، ومن إساءة الظن به أنه ترك الصلاة، ونية رد السلام على الإمام، والانتفاع باجتماعهم على الدعاء والذكر، وعود بركة الكامل على الناقص، وقيام نظام الألفة بين الجيران، وحصول تعاهدهم في أوقات الصلاة، فهذه خمس (أ) وعشرون خصلة ورد في كل منها أمر أو ترغيب، وبقي أمران يختصان (ب) بالجهرية وهما: الإنصات عند قراءة الإمام والاستماع لها، والتأمين عند تأمينه ليوافق تأمين الملائكة، وبهذا يترجح (جـ) أن رواية السبع تختص بالجهرية (١).
وقوله "درجة"، وفي رواية: "جزء" (٢)، وقد ورد في رواية: "ضِعْفًا" (٣)،
стр. 1000
وفي رواية: "خمسًا وعشرين من صلاة الفذ"، وفي رواية: "أفضل من خمس وعشرين صلاة يصليها وحده"، المراد من ذلك أنه يحصل له بالصلاة في جماعة مثل ثواب ما لو صلى تلك الصلاة بعينها منفرد، سبعًا وعشرين مرة، ويؤيد هذا أن في رواية أحمد: "أفضل من خمس وعشرين صلاة يصليها وحده كلها مثل صلاته" (١)، وزاد أبو داود وابن حبان: "فإن صلاها في فلاة فأتم ركوعها وسجودها بلغت خمسين صلاة" (٢).
قال المصنف ﵀ وكأن السر في ذلك أن الجماعة لا تتأكد في حق المسافر لوجود المشقة، واستشكل بأنه يلزم عليه زيادة ثواب المندوب على الواجب، ويجاب بأن الثواب مرتب على الفرض وصفته من (أ) صلاة الجماعة فلا يلزم من ذلك ما ذكر.
وقد روى ابن أبي شيبة عن ابن عباس (٣) قال: "فضل صلاة (ب) الجماعة على صلاة المنفرد خمس وعشرون (جـ) درجة فإن كانوا أكثر فعلى عددهم في المسجد، فقال رجل: وإن كانوا عشرة آلاف، قال: نعم"، وهذا موقوف له حكم الرفع (د).
٣٠٢ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "والذي نفسي بيده، لقد هَمَمْت أن آمرَ بِحَطَبٍ فَيُحْتَطب، ثم آمرَ بالصلاة فَيُؤذَّن لها، ثم آمر رجلًا فيؤم النَّاس، ثم أخالف إِلى رجالٍ لا يشهدون الصلاة: فأحرق عليهم بيوتهم، والذي نفسي بيده، لو يعلم أحدُهم أنه يجد عَرْقًا سمينًا، أوْ مرْمَاتَيْنِ حَسَنَتَين لَشَهِدَ العِشَاء". متفق عليه، واللفظ للبخاري (١).
[قوله "آمرَ": بالمد، أصله أأمر بهمزتين الأولى مفتوحة والثانية ساكنة فخففت الهمزة بقلبها ألفًا من جنس حركة ما قبلها] (أ).
قوله: "أخالف": في الصحاح خالف إلى فلان أي أتاه إذا غاب عنه.
وقوله: "فأحرّق": هو بالتشديد للراء منصوب، هذه الرواية المشهورة، قال البرماوي: ويروى بالتخفيف وقال ابن الأثير في "شرح مسند الشافعي": التشديد هو الأكثر في الرواية؛ لأنه يدل على التكثير والمبالغة في الفعل، وزيادة: "عليهم" تدل على أن التحريق يكون لأبدانهم (٢)، ولو كان المراد تحريق البيوت فقط لحذفها.
стр. 1003
وقوله: "عرقا": بفتح (١) المهملة وسكون الراء ثم القاف، هو العظم إذا كان عليه لحم فإن لم يكن عليه لحم فعراق. قاله الخليل، وقال الأصمعي: العرق قطعة لحم، وقال الأزهري: هو واحد العُراق بالضم، وهي العظام الذي يؤخذ منها (أ) هبر اللحم، ويبقى عليها لحم رقيق فيكسر ويطبخ.
وقوله: "مرْماتيْن": تثنية مرْماة بكسر الميم بوزن منساة، وفتحها لغة، ما بين ضلعي الشاة من اللحم (٢)، [وإنما وصف العرق بالسمن والمرماتين بالحُسْن ليكون ثَمَّ باعثٌ نفساني على تحصيلهما] (ب) (جـ، وقيل: سهم يرمى (د به الرجل فيجوز سبقه، وهو بعيد هنا جـ) (٣).
واعلم أنه قد قيل: إن هذه الصلاة المذكورة د) في الحديث هي صلاة الجمعة ونصر هذا الوجه الذهبيُّ (٤)، ولكن في آخر هذا الحديث ما يدل على أنه العشاء، وفي رواية مسلم: "يعني العشاء"، وفي رواية لهما (٥) ما يومئ إلى أنها العشاء والفجر، وقد ورد في رواية في صدر الحديث (٦): أنه أخَّرَ العشاء ليلة فخرج فوجد الناس قليلًا فغضب"، فذكر الحديث، وفي
стр. 1004
رواية لابن حبان (١): "يعني الصلاتين العشاء والغداة"، وفي رواية عند أحمد (٢) التصريح بتعيين العشاء، وهذا في رواية أبي هريرة، وفي سائر الروايات عن أبي هريرة (٣) الإبهام إلا في رواية شاذة من طريق مَعْمَر عن جعفر بن برقان (أ) فقال: "الجمعة". أخرجه عبد الرزاق عنه والبيهقي (٤) من طريقه وأشار إلى ضعفها وشذوذها فإن سائر الرواة عن جعفر بالإبهام، وإلا أنه قد روى مسلم (٥) حديث ابن مسعود، وفيه الجزم بالجمعة، إلا أن مخرجه مغاير لحديث أبي هريرة، فيحمل على أنه في واقعة أخرى فلا تنافي بينهما، وقد أشار إلى هذا (ب) النووي (٦) والمحب الطبري، وقد أخرج ابن خزيمة والحاكم وأحمد (٧) عن ابن أم مكتوم: "أن رسول اللَّه ﷺ استقبل الناس في صلاة العشاء فقال: لقد همَمْت أن آتي (جـ) هؤلاء الذين يتخلفون عن الصلاة فأحرّق عليهم بيوتهم"، فقام ابن أم مكتوم فقال: يا رسول اللَّه قد علمت ما بي، وليس لي قائد، زاد أحمد: "إن بيني وبين
стр. 1005
المسجد شجرًا ونخلًا، ولا أقدر على قائد كل ساعة. قال النبي ﷺ : أتسمع الإقامة؟ قال: نعم، قال: فاحضرها، ولم يرخص له". ولابن حبان من حديث جابر قال: تسمع الأذان؟ قال: نعم. قال: فأْتِهَا وَلَوْ حَبْوًا" (١) [(أ) زاد الطبراني (٢) "على يديه ورجليه"، وفي رواية عن أحمد وأبي يعلى (٣): "ولَوْ حبوًا أو زَحْفًا"] (ب).
والحديث فيه دلالة على تأكيد شرعية الجماعة، وأن التارك لها مستحق للعقوبة المتبالغة المنتهية إلى الإحراق بالنار.
واعلم أن العلماء يختلفون في حُكْم الجماعة، فذهب عطاء والأوزاعي وأحمد وجماعة من محدثي الشافعية كأبي ثور وابن خزيمة وابن المنذر وابن حبان وأبو العباس من أهل البيت والظاهرية إلى أنها فرض عين (٤)، وبالغ داود (٥) ومن معه فجعلها شرطا في صحة الصلاة، وهو مبني قوله على أن ما كان واجبًا في الصلاة فهو شرط فيها، وهو غير مسلم (جـ) لأن الشرطية حكم لا بد لها من دليل، ولذلك خالف أحمد (د) ومن تبعه، وقالوا: إنها واجبة غير شرط وذهب جمهور المتقدمين من أصحاب
стр. 1006
الشافعي وكثير من الحنفية والمالكية وهو تحصيل أبي العباس لمذهب الهادي، وهو ظاهر نص الشافعي أنها فرض كفاية (١)، وذهب المؤيد باللَّه وأبو حنيفة وصاحباه، وهو قول زيد بن علي والناصر وكثير من العلماء إلى أنها سنة مؤكدة (٢).
احتج (أ) القائل بوجوبها بحديث الباب، فإن العقوبة المتبالغة إنما تكون على ترك الفرائض ولغيره (ب) من الأحاديث وهي كثيرة جدا، ولذلك أطلق البخاري الوجوب عليها، وبَوَّب به وقال: "باب وجوب صلاة الجماعة" (٣) وهو أعمُّ من كونه فرض عين أو فرض كفاية، والحديث المذكور أظهر في كونها فرض عين لأنها لو كانت فرض كفاية لكان قد سقط وجوبها بفعْل النبي ﷺ ومَنْ معه إنْ كان يجوز (جـ) أن يقال: يؤخذ من هذا أنه (د) يعَاقب تارك (٥) فرض الكفاية، فإنْ كان على اعتياد تركه أو لأجل الاستخفاف به فهو قريب لكنه غير ظاهر من لفظ الحديث لأنه إن كان في حقهم، وقد عرفوا لم يكن لاستخلاف النبي ﷺ لغيره ومخالفته إلى بيوتهم فائدة إذ يمكن معاقبتهم في غير ذلك الوقت.
وإن كان مطلق التَّرْك كما هو المفهوم من الحديث هو المقتضي للعقوبة
стр. 1007
لم يفترق الحال بين فرض الكفاية وفرض العين حينئذ.
وأما الاعتراض بأن التحريق بالنار غير مشروع في العقوبة، وقد نهي عنه، فيجاب عنه بأن هذا خصوص وذاك عموم، فيجمع بينهما بأن هذا عقوبة تارك الجماعة مخصص من العموم كما خصص عقوبة الزاني المحصن بالرجم، وإن كان السيف أحسن، وقد قال: "فأحسنِوا القِتْلَة".
واحتج القائلون بالسنية أولًا: بما أخذ من ظاهر هذا الحديث من تركه ﷺ الجماعة ومخالفته إلى بيوت المذكورين، وهو غير تام لجواز أن يقال: يجوز ترك واجب لأداء واجب أكمل منه، أو أنه يصليها (أ) جماعة بعد ذلك.
وثانيًا بما يظهر من قوله: "صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ" فقد اشتركا في الفضيلة وبقوله في الحديث الآتى: "إِذا صليتما في رحالكما" (١) فأثبت لهما إدراك الصلاة في الرحال وبما تقدم من تعليم المسيء صلاته (٢).
وأجابوا عن الحديث المذكور وغيره بأجوبة منها: أنها لو كانت شرطًا في صحة الصلاة لبين (ب) ذلك عند الوعيد بالتحريق لأنه وقت البيان، كذا قاله ابن بطال (٣).
стр. 1008
وقد يجاب عنه بأنه قد بين ذلك بالدلالة على وجوب الحضور وهو كاف في البيان.
ومظنها أن الخبر ورد مبالغة للزجر ولا تراد حقيقته، ويجاب عنه بأن هذا يحتاج إلى دليل، ويجاب عنه: التوسعة للبعض في ذلك.
ومنها أنه ﷺ إنما هَمَّ ولم يفعل ذلك، كذا قاله القاضي والنووي (١)، وأجاب ابن دقيق العيد (٢) عن ذلك بأنه لا يهم إلا بما يجوز فعله له لو فعله، وتركه يجوز إما لأنهم انزجروا بذلك أو لغيره، كما ورد في حديث أحمد (٣) عن أبي هريرة بلفظ: "لولا ما في البيوت من النساء والذرية لأقمت الصلاة وأمرت فتياني يحرّقون .. " الحديث.
ومنها: أن ذلك في حق قوم تركوا الصلاة رأسًا مطلقًا لا الجماعة، ويجاب عنه بأن في رواية مسلم (٤): "لا يشهدون الصلاة"، أي لا يحضرون، وفي رواية أحمد (٥): "لا يشهدون العشاء في الجمع"، أي: في الجماعة، وفي حديث ابن ماجه عن أسامة بن زيد مرفوعًا: "لينتهين رجال عن تركهم الجماعات أو لأحرِّقن بيوتهم" (٦).
ومنها: أن الحديث ورد في الحث على مخالفة فعْل أهل النفاق والتحذير من التشبه بهم لا لخصوص (أ) ترك الجماعة، ذكره الزين ابن المنيّر (٧).
стр. 1009
ومنها: أن الحديث ورد في حق المنافقين، ويُجَابُ عنه باستبعاد تأديب المنافقين على ترك الجماعة والعفو عنهم في أعظم من ذلك، وهو النفاق.
وقد يجاب عنه بأنه ﷺ كان مخيرًا في عقوبة المنافقين فيجوز أن يترك عقوبتهم على النفاق لما كان ذلك أمرًا خفيا لا يطلع عليه بحسب الأغلب، وترك الصلاة أمر ظاهر فَهَمَّ بعقوبتهم عليه لما فيه من إظهار مباينة المسلمين.
ومنها: أنه يجوز أن تكون الجماعة واجبة في صدر الإسلام، لأجل سد باب التخلف عن الصلاة على المنافقين ثم نسخ، حكاه عياض عن بعضهم (١).
وقال الحافظ المصنف -رحمه اللَّه تعالى- (٢): الأظهر أن ذلك لرد في حق المنافقين لقوله: "ليس صلاة فقل على المنافقين من العشاء والفجر" أخرجه البخاري (٣)، لكن المراد به نفاق المعصية لا نفاق الاعتقاد، يدل عليه ما في رواية أبي داود (٤): "ثم آتي قومًا يصلون في بيوتهم ليست بهم علة"، لأن الكافر لا يصلي في بيته، وإنما يصلى رياءً وسمعة فإذا خلا في بيته كان كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ (٥) كذا أفاده القرطبي (٦) انتهى.
стр. 1010
وقال أيضًا: وعلى تقدير أن يكون المراد بالنفاق نفاق الكفر لا يدل على عدم الوجوب أيضًا لأنه يتضمّن أن ترك الجماعة من صفات المنافقين، وقد نهينا عن التشبه بهم.
وسياق الحديث يدل على الوجوب من جهة البالغة في ذَمّ مَنْ تخلف عنها، قال الطيبي (١): خروج المؤمن من هذا الوعيد ليس من جهة أنهم إذا سمعوا النداء جاز لهم التخلف عن الجماعة، بل من جهة أن التخلف ليس من شأنهم، بل هو من صفات المنافقين، ويدل عليه قول ابن مسعود: "ولقد رأيتنا ما يتخلف عن الجماعة إلا منافق" رواه مسلم (٢). انتهى كلامه.
قال المصنف (٣): فظهر (أ) من هذا أن المراد به (ب) نفاق المعصية، فعلى هذا الذي خرج من الوعيد هو المؤمن الكامل لا العاصي الذي يجوز إطلاق النفاق عليه مجازًا للجمع بين الروايات، واللَّه أعلم.
وفي الحديث من الفوائد: تقديم الوعيد والتهديد على العقوبة، ومناسبة قولهم في الأمر بالمعروف ولا يخشى إن كفى اللين.
ومنها جواز العقوبة بالمال، وقد استدل به من قال بذلك من المالكية (٤) وغيرهم، وقد يقال عليه: إنه يجوز أن يكون حيث كان لا يتمكن من
стр. 1011
عقوبتهم لاختفائهم في البيوت إلا بذلك.
ومنها: أنه يجوز أخذ صاحب الجريمة على غرة منه لهمه ﷺ بأن يبغتهم في وقت لا يظنون أنه يطرقهم فيه.
ومنها: أنه يجوز إعدام محل المعصية كما هو مذهب مالك، وقد قيل: إنه منسوخ كما قيل في العقوبة بالمال.
وقد استدل به ابن العربي وغيره على مشروعية قتل تارك الصلاة متهاونًا بها، وذلك لأنهم إذا استحقوا التحريق لترك صفة من صفاتها خارجة عنها سواء كانت واجبة أو مسنونة كان تاركها (أ) أصلا أولى بالعقوبة، وإن كان قد يقال عليه إنه لا يلزم من التهديد بالتحريق القتل لأنه يمكن الفرار عنه أو الإخماد له بعد حصول المقصود منه من الزجر والإرهاب (١).
٣٠٣ - وعنه ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء، وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوًا". متفق عليه (٢).
وعنه ﵁ قال: "أتى النبي ﷺ رجلٌ أعمَى فقال: يا رسول الله، ليس لي قائد يقودني إِلى المسجد، فرخص له (ب)، فلما ولى دعاه
стр. 1012
فقال: هل تسمع النداء بالصلاة؟ قال، نعم قال: فأجب (أ) ". رواه مسلم (١).
قوله: "أثقل الصلاة" .. إلخ: لعل وجه ثقلها (ب) عليهم هو أنه لما كانت هاتان الصلاتان مظنة اجتماع المؤمنين كاملي الإيمان لعدم ما يشغلهم عن الحضور من الاكتساب، وكان التخلف عنهما إنما هو لمحض الكسل وعدم الباعث على الحضور من رجاء الثواب، وخوف العقاب، فيخشى (جـ) من تخلف عنهما (د) أن لا يقام له عذر ويسجل عليه بمخالفة سره علانيته، ويظهر على ظلام نفاقه، فكانتا أثقل من سائر الصلوات اللاتي (هـ) يقام لها العذر في التخلف عنها لما فيها من الأشغال (و)، أما العصران فظاهر وأما المغرب فلأنها بحسب الأغلب وقت رجوع الحراثة والتجارة في الأغلب إلى بيوتهم لا سيما للصائم مع ضيق وقتها، وبهذا (ز) يظهر عدم صحة احتجاج موجبي الجماعة في الصلوات على الإطلاق.
стр. 1013
[أو لأنه لما كثر الداعي إلى تركهما (أ) لأن العشاء وقت السكون والراحة والإيواء إلى البيوت والاجتماع بالزوجة والولد.
وأما وقت الفجر فلأنه وقت لذة النوم، فإن (ب) كان في زمن (جـ) البرد ففي وقت شدة لبعد العهد بالشمس لطول الليل، وإن كان في زمن الحر فهو وقت البرد والراحة لبعد العهد بالشمس أيضًا] (د)، وأيضًا في الاجتماع في الوقتين انتظام الألفة بين المتجاورين في (هـ) طرفي النهار، وليختموا النهار بالاجتماع على الطاعة ويفتتحوه كذلك.
وقوله: "ولو (و) يعلمون ما فيهما" أي من الفضيلة والخير، ثم لم يستطعوا الإتيان إليهما إلا حبوا لأتوهما -[أي أتوا المسجد الذي يصليان فيه] (ز)، والحبو (١) هو من حبو الصبي على يديه ورجليه، وقيل: هو الزحف على الرُّكب، وقيل: على الإست، وفيه حثٌّ بليغٌ على حضورهما.
وقوله في حديث مسلم: "أتى رجل أعمى": هو ابن أم مكتوم، وقد تقدم قريبًا (٢).
стр. 1014
وقوله: "فرخص له": وقوله بعد: "فأجب" يحتمل أن يكون الترخيص اجتهادًا منه ﷺ ثم رجع عن اجتهاده فقال له: "أجِبْ"، ويحتمل أن يكون ذلك بوحي ثم نسخ ولكنه لا يصح على قول من يشترط إمكان العمل، ويحتمل أن يكون الترخيص الأول مطلقًا عن التقييد، ثم قيد الترخيص من بعد بمفهوم قوله: هل تسمع النداء؟ فإن مفهومه أنه إذا لم يسمع النداء كان ذلك له (أ) عذرًا، وإذا سمعه لم يكن له عذر عن الحضور.
ويمكن أن يعلل بأنه لو وسع العذر لمن يسمع (ب) النداء لتعلل الناس بالأعذار فبطل فائدة النداء للصلاة، وذهب شعار الإسلام.
ويمكن أن يدعي الوجوب أو تأكد السنية لمن كان بهذه المثابة، حيث لم يصادمه إجماع، وسيأتي (جـ في الحديث جـ) ما يؤيده قريبًا.
ويحتمل أن يكون الترخيص للعذر ثابتا وأمره بالإجابة أمر ندب حثا له على إحراز الفضل لعلمه ﷺ بسبقه إلى الإيمان ورسوخ قدمه فيه وإن المشقة تغتفر بالنسبة إلى ما يجد في قلبه من الروح في الحضور.
٣٠٤ - وعن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: "من سمع النداء فلم يأت الصلاة، فلا صلاة له إِلا من عذر". رواه ابن ماجه والدارقطني وابن حبان والحاكم، وإسناده على شرط مسلم لكن رجع
стр. 1015
بعضهم وقفه (١).
الحديث أخرج من طريق شعبة (أموقوفًا ومرفوعًا، والوقوف منه بزيادة: "إلا مِنْ عُذْر (ب) " قال الحاكم: وقفه عند أكثر أصحاب شعبة أ)، وأخرج له شواهد من حديث أبي موسى الأشعري بلفظ: "من سمع النداء فارغًا صحيحًا فلم يجب فلا صلاة له" (٢) أخرج له من ثلاث طرق بعضها موقوف، وبعضها مرفوع، قال البيهقي: الموقوف (جـ) أصح.
وروى العقيلي في الضعفاء من حديث جابر (٣).
ورواه ابن عدي من حديث أبي هريرة وضعفه (٤).
стр. 1016
وأخرج حديث ابن عباس أبو داود بزيادة: "قالوا: وما العذر؟ قال: خَوْفٌ أو مرضٌ لم يقبل اللَّه منه الصلاة التي صلى"، بإسناد ضعيف (١).
الحديث فيه دلالة على تأكد الجماعة، وظاهره حجة لمن يقول إنها فرض عين، ويتأول من يقول بأنها سنة قوله: "فلا صلاة له": يعني (ألا صلاة أ) كاملة ولكنه نزل نفي الكمال منزلة نفي الذات مبالغة في ذلك.
وقوله: "إِلا مِنْ عُذْر": قد فسر العذر في رواية أبي داود بالخوف والمرض، وقد يلحق بذلك ما فيه مشقة من سائر الأعذار، وقد ورد الرخصة في المطر والريح الباردة، وفي حق من أكل من ذوات الروائح الكريهة، لقوله: "فلا يقربن مسجدنا" (٢) وكان (ب) ذلك عذرًا له، وإن احتمل أن يكون نهيًا عن قربانها لما لزم من أكلها فوات الفريضة، واللَّه أعلم.
٣٠٥ - وعن يزيد بن الأسود ﵁ "أنه صَلَّى مع رسول اللَّه ﷺ صلاة الصبح، فلما صلى رسول اللَّه ﷺ إِذا هو برجلين لم يصليا فدعا بهما، فجيء بهما ترْعَدُ فرائصهما، فقال لهما: ما منعكما أن تصليا معنا.
قالا: قد صلينا في رحالنا.
قال: فلا تفعلا، إِذا صليتما في رحالكما ثم أدركتم الإِمام ولم يصل،
стр. 1017
فصليا معه، فإِنه لكما نافلة".
رواه أحمد واللفظ له، والثلاثة، وصححه الترمذي، وابن حبان (١).
هو أبو جابر يزيد بن الأسود السوائي بضم السين المهملة وتخفيف الواو بالمد، ويقال: الخزاعي، ويقال: العامري، روى عنه ابنه جابر، وعداده في أهل الطائف، وحديثه في الكوفيين (٢).
الحديث رووه من طريق يعلى بن عطاء بن جابر بن يزيد بن الأسود عن أبيه، قال الشافعي في القديم (٣): إسناده مجهول، قال البيهقي: لأن يزيد بن الأسود ليس له راو غير ابنه جابر، ولا لابنه جابر غير راو واحد، وهو يعلى.
قال الحافظ المصنف ﵀: يعلى (٤) من رجال مسلم، وجابر (٥) وثقه النسائي وغيره، وقد وجدنا لجابر راويًا غير يعلى (أ) أخرجه ابن منده، وهو عبد الملك بن عمير بن جابر.
стр. 1018
وفي الباب عن أبي ذر عند مسلم (١)، وعن يزيد بن عامر في "سنن أبي داود" (٢)، وعن محجن رواه مالك والنسائي (٣)، وهذا حديث يزيد بن الأسود وقع في مسجد الخيف في حجة الوداع.
وفيه دلالة على شرعية الصلاة مع الإمام إذا وجده يصلي وإن كان قد صلى، [وظاهره ولو صلى في رحله جماعة، لأنه ﷺ أطلق الأمر ولم يستفسر] (أ) وتكون هذه الصلاة نافلة والأولى فريضة كما صرح به في الحديث.
وظاهره (ب) أنه لا يحتاج إلى نية رفض الأولى، وقد ذهب إلى هذا زيد بن علي والمؤيد وأبو حنيفة والناصر والمنصور، وهو قول الشافعي (٤)، وذهب الهادي ومالك (٥) وقول للشافعي (٦) إلى أن (جـ) الثانية هي الفريضة والأولى تكون النافلة (د)، قالوا: لحديث يزيد بن عامر أخرجه أبو داود (٧) قال ﷺ : "إذا جئت الصلاة فوجدت الناس يصلون فصل معهم، وإن كنت
стр. 1019
قد صليت، تكن لك نافلة وهذه مكتوبة".
وأجيب بأن هذا الحديث فيه ضعف (١)، صرح بضعفه النووي. وقال البيهقي (٢): هو مخالف لحديث (أ) يزيد بن الأسود وهو أصحّ، ورواه الدارقطني (٣) بلفظ: "وليجعل التي صلى في بيته نافلة". قال الدارقطني: هي رواية ضعيفة شاذة.
وقول ثالث للشافعي (٤) أنه يحتسب اللَّه بأيهما شاء لقول ابن عمر لمن سأله عن ذلك: "أوذلك إليك؟ إنما ذلك إلى اللَّه ، يجعل أيتهما شاء" .. أخرجه "الموطأ" (٥)، وعلى القول الثاني: لا بد من نية الرفض للأولى بعد دخوله في الثانية، وقيل: بشرط (ب) فراغه من الثانية (جـ) صحيحة.
وظاهر الحديث شمول الإعادة للصلوات كلها ولو قد صليت جماعة، وقد ذهب إلى هذا الشافعي (٦)، وقال أبو حنيفة (٧): لا تعاد إلا الظهر والعشاء أما الصبح والعصر فلا، للنهي عن الصلاة بعدهما، وأما المغرب فلأنه وتر النهار فلو أعادها صارت شفعًا.
стр. 1020
قال مالك (١): إنْ كان قد صلاها في جماعة لم يعِدْهَا، وإن كان قد صلاها منفردًا (أ) أعادها في جماعة إلا المغرب.
وقال النخعي والأوزاعي: يعيد إلا المغرب والصبح (٢)، والحديث كما قد عرفت لم يخص (ب) شيئًا من ذلك، وقد ورد الإعادة أيضًا في حق من صلى جماعة لقوله ﷺ -في حق من دخل المسجد وقد صلوا-: "ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه" رواه الترمذي وابن حبان والحاكم والبيهقي (٣).
تنبيه: روى أبو داود والنسائي وابن حبان من حديث سليمان بن يسار عن ابن عمر يرفعه "لا تصلوا صلاة في يوم مرتين" (٤). ظاهره يخالف هذا، وقد يجاب عنه بأن ذلك إذا صلى منفردًا ثم أعادها منفردًا، وهذا يختص بقيام الجماعة جمعًا بين الروايات (٥).
وقوله: "ترْعَد فرائصهما" (جـ) [بضم أوله وفتح ثالثه وقوله] (د) "فرائصهما" (٦): جمع فريصة وهي اللحمة التي بين جنب الدابة وكتفها،