← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17747

البدر التمام شرح بلوغ المرام ت الزبن

الحسين بن محمد المغربي

Полный текст (4 458 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

واعتذر الطحاويّ لم مِنْ الحنفية عن العمل بحديث القلتين -مع اعترافه بصحته (١) - بأنَّ القلة في العُرْف تطلق على الكبيرة والصغيرة كالجرة، ولم يثبت في الحديث تقديرهما (٢)، فيكون مُجْمَلا. وقواه ابن دقيق العيد، [واعتذر عن (أ) حديث بئر بضاعة (٣) بما رواه (ب) عن (أ) الواقِدِي (٤): أنها كانت سبخًا تجرى ثم أطال في ذلك، وقد خالفه البَلَاذُرِيّ في "تاريخه" فقال: عن إبراهيم بن عباد عن الواقدي قال: "تكون بئر بضاعة سبعا في سبع، وعيونها كثيرة، وهي لا تنزح". ورد عليه بأنَّا لا نسلم الإجْمَال بل الظاهر أنه أراد القُلَّة] (جـ) [الكبيرة] (د) إذ لو أراد الصغيرة لم يذكر العدد واكتفى عنه بجَرَّة كبيرة بمقدار صغيرتَيْن، ويرجع إلى العُرف في معرفة الكبيرة عند أهل الحجاز إذ الظاهر أنَّ الشارع إنما خاطب الصحابة بما يفهمون وترك التحديد تَوْسِعةً.

стр. 107

وقد ورد أيضًا من حديث ابن عمر: "إذا بلغ الماءُ قلتين من قلال هجر" (١)، وفي إسناده المغيرة بن صقلاب (٢) وهو منكر الحديث. ويؤيده من جهة النظر صحة التقدير بقِلَال "هَجَر" (٣) أنه أكثر استعمال العرب لها في أسفارهم وورد أيضًا في حديث المعراج (٤) التشبيه بها فدل على أنها مشهورة متبادرة عند الإطلاق. وورد الاعتذار الثاني بالمعارضة بما رواه أبو داود أنها (أ) غير جارية، وأن قدرها عرضا ستة أذرع، وماؤها متغير، وبما ذكره البَلَاذُرِيّ، وهذا الذي مر من الخلاف في الماء الراكد. وأما الجاري فالإِمام يحيى (٥) وغيره: هو كالراكد في التنجيس، إذ لم تفصل أدلة تنجيس القليل، وقال المنصور بالله وأحد قولَي الشافعي (٦): الجري كالكثرة لنفوذه عن النجاسة وعدم استقراره، فلا يتلوث بها بخلاف الراكد، ولاستنجاء السلف في الأنهار القليلة، والراكد الفائض كالجاري على الأصح، ويحتج على طهارته بروايةٍ في صحيح مسلم: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل منه" (٧)، فإن مفهوم الصفة يقضي بأن الراكد الجاري غير داخل في النهي، وما ذاك إلا لعدم تنجيسه.

стр. 108

• فائدة ذكرها بعض الأفاضل (١) في قوله في حديث بئر بضاعة: "وهي بئر يطرح فيها (أ) الحيض ولحوم الكلاب والنتن" وهي قد يظنُّ بعض الناس إذا سمع هذا الحديث أن هذا كان منهم عادة وأنهم كانوا يأتون هذا الفعل قصدًا وتعمدًا، وهذا ما لا يجوز أن يظن بذمي بل وَثَنِيّ فضلًا عن مسلم، فكيف يُظَن بأهل ذلك الزمان الذين هم في أعلى طبقات التحرز من (ب) المآثم والبعد عن الشبه والمظالم، والماء ببلادهم أعز، والحاجة إليه أمس، وقد لعن رسولُ الله ﷺ : مَنْ تَغَوَّطَ في موارد الماء ومشارعه (٢) فكيف بمن اتخذ عيون الماء ومنابعه رصدًا للأنجاس ومطرحا للأقذار، وإنما كان ذلك من أجل أن هذه البئر موضعها في حدود من الأرض، وكان السيول كانت تكسح هذه الأقذار من الطرق والأفنية وتحملها وتلقيها فيها وكان الماء لكثرته لا يؤثر فيه وقوع هذه الأشياء ولا يغيّره فسألوا رسول الله ﷺ عن شأنها ليعلموا حكمها في الطهارة والنجاسة فكان (جـ) من جوابه لهم أن الماء ... الحديث. انتهى.

стр. 109

٣ - وعن أبي أمَامَةَ البَاهِلِيّ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ المَاءَ لَا يُنجِّسُه شيءٌ، إلا ما غَلَبَ على رِيحه وطَعمِهِ ولَوْنه". أخرجه ابن ماجه (١)، وضعفه أبو حاتم (٢). وللبيهقي: "الماء طَهُورٌ، إلا إنْ تَغيَّر رِيحُه أو طعمُه أو لونه بنجاسة تحْدُث فيه" (٣). أبو أمَامَة: هو صُدَيّ -بضم الصاد المهملة وفتح الدال وتشديد الياء، وقد جاء في رواية: الصديّ بالتعريف- ابن عَجْلَان، البَاهِلِيّ. واختلف في نَسَبِهِ وآبائه مع الاتفاق على كنيته واسمه واسم أبيه وأنه باهِلِيّ، سكن مصر، ثم انتقل إلى حِمص، ومات بها. وهو من المكثرين في الرواية، وأكثر حديثه في الشاميين (أ). روى عنه سُلَيم بن عامر (ب) -بضم السين- ومحمد بن زياد، وخالد بن مَعْدَان، وسليمان بن حبيب المحاربيّ. مات سنة ست وثمانين، وقيل سنة إحدى وثمانين، وله إحدى وتسعون سنة. وهو آخر من مات من الصحابة بالشام (٤)، وقيل: إن آخر من مات منهم بالشام عبد الله بن بُسْر (٥) (٦).

стр. 110

* الحديث أخرجه ابِن ماجه والطبراني من حديث أبي أمَامَة، وأخرجه الدارقطني (١) من حديث ثوبان، وهؤ مُضَعَّف برشدين بن سعد المصرى، وهو متروك. قال ابن يونس: "كان رجلا صالحا أدركته غفلة الصالحين، فخلط قوله الحديث". وقال أبو زُرعة (٢): "كان رجلا صالحا سيئ الحفظ". قال الدارقطني: "ولا يَثْبُت هذا الحديث". وقال الشافعي: "ما قلتُ من أنه إذا تغير طعم الماء أو ريحه أو لونه كان نجسا يُرْوَى عن النبي ﷺ من وجهٍ لا يُثْبِتُ أهلُ الحديث مثله، وهو قول العامة لا أعلم بينهم خلافًا" (٣). و (أ) قال النوويّ: اتفق المحدثون على تضعيفه (٤). وقال ابن المنذر: أجمع العلماء على أن الماء القليل والكثير إذا وقعت فيه نجاسة فغيرت له طعما أو لونا أو ريحا فهو نجس (٥). فالشافعي رجع إلى العمل بالإِجماع دون الحديث (٦)، ولكنه رواه البيهقي (٧) موصولا من طريق عطية بن بقية عن أبيه عن ثور عن راشد بن سعد عن أبي أمامة. ورواه الطحاويّ والدارقطني (٨) من طريق راشد بن سعد مرسلًا بلفظ: "إن الماءَ لا يُنجسه شيءٌ إلا ما غلب على ريحه أو طعمه"، وزاد الطحاوي: "أو لونه".

стр. 111

وصحح أبو حاتم (١) إرساله. وليس هذا الاستثناء الذي هو موضع الحُجَّة في حديث "بئر بُضاعةكما تَوَهمه الرافعي (٢) والغزالي، وليس هو أيضًا في سنن أبي داود كما توهمه ابن الرفعة فنسبه إليها. * الحديث يَدُلُّ على أنه لا ينجس من الماء إلا المتغير، وهو عامٌّ لما عدا المتغير سواء كان قليلا أو كثيرا، راكدا أو جاريا، ولكن ذلك مخصَّص بحديث القلتين، وحديث الاستيقاظ الآتي. فيخص من ذلك العموم القليل، وكل من العلماء على أصله في تحديد القليل، ويبقى الكثير على ظاهر الحديث. والكلام قد مضى لما تحقيق (أ) القليل والكثير اختلاف العلماء في الماء فلا نعيده. ٤ - وعن ابن عمر (ب) ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذَا كَانَ الماءُ قُلتَيْن لم يحمل الخبَث". وفي لفظٍ آخر: "لم ينجس". أخرجه الأربعة، وصححه ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم (جـ) (٣). * عبد الله بن عمر: هو أبو عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب، القرشيّ، العدوي، أسلم مع أبيه بمكة وهو صغير، وقيل: إنه أسلم قبل أبيه

стр. 112

ولم يصح، ولم يشهد بدرا، واختلفوا في شهوده أحدا، والصحيح أنَّ أول مشاهده الخندق، وقيل: إنه استُصغر يوم بدر، وأجازه النبي ﷺ يوم أحد. ورُويَ عن نافع أنه رده يوم أُحُد لأنه كان له أربع عشرة سنة، وشَهِد ما بعد الخندق من المشاهد. ولُد قبل الوحي بسنة، ومات بمكة سنة ثلاث وسبعين بعد قَتْل ابن الزبير بثلاثة أشهر، وقيل: بستة أشهر، ودُفِن بذي طُوى (١) بمقبرة المهاجرين -وقيل: دفن بفَخّ (٢) - وله أربع وثمانون سنة، وقيل: ست وثمانون سنة. روى عنه خلقٌ كثير منهم ابناه سالم وحمزة، ونافع مولاه، والقاسم بن محمد، وعروة بن الزبير، وخلقٌ سواهم (٣). * والكلام على الحديث بالنظر إلى طريقه وإلى متنه قد مر ما فيه كفاية. ولفظ الحاكم: "إذا كان الماء قلتَيْن لم يُنجسه شيء (٤) أصرح في المقصود من حديث أبي داود (٥) "لم يَحْمِل الخبث" لاحتمال قوله: لا يحمل الخَبَث" أنه لا يحتمل وقوع الخبث فينجسه وإن كان يفيد أنه لا يتنجس (أ) ما زاد على القلتين وإن قَلَّ لمفهوم (ب) العَدَد، ولكن رواية الحاكم مُفَسِّرة للمراد، صريحة في موضع الاحتجاج.

стр. 113

و " الخبث" -بفتحتين- النَّجَس، ومنه الحديث: "نهى عن كل دواء خبيث كالخمر" (١). وخَبَثُه من جهتين أحدهما النجاسة والأخرى الحرام، والخبيثُ قد يُطلق على الحرام كقوله: "مَهْر البَغِيّ خبيث " (٢)، وقد يُطلق على المكروه كقوله: "كَسْب الحَجَّام خبيث" (٣)، وعلى كريه الطعم (٤) والرائحة كقوله: "مَنْ أكلَ من الشجرة الخبيثة ... "، وعلى الثقيل كقوله: "فأصبح يوما وهو خبيث النفس" (٥) أي ثقيلها، ومنه الحديث: "لا يقولن أحدكم خبثت نفسي" (٦) أي: ثقلت، وقد يُطلق على غير ذلك- ذكره في النهاية (٧). ٥ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لَا يَغتَسِلْ أحدُكم في الماء الدائم وهو جُنُب". أخرجه مسلم (٨). وللبخاري: "لا يبولَن أحدُكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه" (٩). ولمسلم: " ... منه " (١٠). ولأبي داود: "ولا يغتسل فيه من الجنابة" (١١). * [وفي رواية الأصيلي (١٢) عن الأعرج: "لا يَبُولن في الماء الدائم"، و (أ) كذا

стр. 114

رواه شعيب، ووافقه ابن عيينة فيما رواه الشافعي [عنه] (أ) عن أبي الزناد، وكذا أخرجه الإِسماعيلي، ورواه أكثر أصحاب ابن عيينة عنه عن أبي الزناد عن موسى بن أبي عثمان عن أبيه عن أبي هريرة. ومن هذا الوجه أخرجه النَّسائيُّ، وكذا (ب) أخرجه أحمد (١) من طريق الثوْرِيّ عن أبي الزِّنَاد، والطَّحَاوِيّ (٢) من طريق عبد الرحمن بن أبي الزِّنَاد عن أبيه (جـ)، والطريقان معا صحيحان، ولأبي الزناد فيه شيخان، ولفظهما في سياق البخاري مختلف] (د). * "الماء الدائم": هو الراكد، [أي: الساكن، يُقال: دوم الطائر تدويما (٣) إذا صف جناحه في الهواء فلم يحركهما] (٥). وقوله: "الذي لا يجري" تفسير للدائم وإيضاح لمعناه، ويحتمل أنه احترز به عن راكدٍ لا يجري بعضُه كالبِرَك ونحوها، وأما الذي يجرى بعضُه فإنَّ حكمه حكم الجارى على الصحيح، وقد تقدم.

стр. 115

وفي إعراب قوله: "ثم يغتسل" مرفوعًا، كما رُوي الحديث على أنه خبر مبتدأ محذوف (أ) أي: ثم أنت تغتسل، وكذلك على رواية "ويغتسل" إلا أنه جملة حالية على الأخير. قال في "البدر" (١): وهي الرواية الصحيحة. وروى النووي عن شيخه ابن مالك أنه يجوز أيضًا جزمه عطفا على موضع: "يبولن"، ونصبه بإضمار "أن" وإعطاء "ثم" حكم الواو، إلا أن وجه النصب يقضي بأنَّ المنهي عنه إنما هو الجَمع بينهما دون إفراد أحدهما، ولم يَقُلْ به أحد، بل البول منهيّ عنه سواء أراد الاغتسال منه (ب) فيه ومنه (٢) والله أعلم. [وفيه: نظر إذ يجوز (جـ) أنْ يُسْتَفَادَ (د) النهي عن الجمع من هذا اللفظ (٣)، والنهي عن الإفراد من حديث آخر كرواية مسلم أنه نهى عن البَوْل في (هـ) الماء الراكد ونهى عن الاغتسال في الماء الدائم وهو (٤) جُنُب (هـ)] (و).

стр. 116

وهذا النهي في الماء الكثير للكراهة، وفي الماء القليل للتحريم، وأما حكم الماء الراكد وتنجيسه بالبَوْل أو منعه من التطهير بالاغتسال فيه (أ) للجنابة ففيه التفصيل، وهو أنه إن (ب) كان كثيرا ولم تتغير أوصافه بالبول وكل على أصله في الكثرة فهو طاهر، وهو مخصص لهذا العموم، وإنْ كان قليلا كذلك فهو باقٍ على حكم النهي ومزال عنه الطهارة والتطهير، وللعلماء تفصيلٌ في البول في الماء وهو: إِنْ كان الماء كثيرًا جاريا لم يحرم البول لمفهوم الحديث، ولكن الأوْلى اجتنابه، وإن كان قليلا جاريا فقد قال جماعةٌ من الشافعية يكره، والأوْلى التحريم إذا كان ينجسه أو يقذره -وهو الأظهر من مذهب الشافعي (١) - لأن فيه إفسادا للانتفاع (جـ) به وتغريرًا للغير باستعماله. وإنْ كان كثيرا راكدا فقال جماعةٌ من الشافعية، وبه صَرّح الإِمام المهدي في "الغيث" أنه يكره، إلا أنّ الإِمام قال بالكراهة إذا كان قاصِدا لا إذا عرض، وهو فيها فلا كراهة، ولو قيل بالتحريم لكان أظهر وأوفق لِظَاهر النهي إذ فيه تقْدير للماء وإفساد له على غيره ومضاره للمسلمين، وقد شاع لَعْن من فعل ذلك و (د) ما ذلك (د) إلا لتحريم الفعل. وأما الراكد القليل فقال جماعة من الشافعية بالكراهة للبول فيه والصحيح التحريم للحديث، ولأنه ينجسه ويتلفه على غيره ويقذره. ويلحق بالبول ما في معناه كالتغوط وسائر المستقذرات، إذ المعنى معقول وهو الاستقذار فيحمل على البول ما شاركه فيه جزما (٢)، وأحمد بن حنبل خص

стр. 117

الحكم بالبول عملا بظاهر اللفظ فينجس الماء بالبول وإن كان كثيرًا (١)، بخلاف ما عداه من النجاسات، والقياس دليلٌ عليه، وداود الظاهريّ (٢) خص الحكم بالبول بشرط أنْ يكون فيه لا إذا كان في إناء ثم صبه فيه أو بال بِقُرْب الماء حتى وصل إليه، وهو جمودٌ منه على ظاهر العبارة، ووقوفٌ على صريح الدلالة، وهو (أ) مخالف لإجماع العلماء. وأما الاغتسال وهو جنب في الماء الدائم فقال جماعة من العلماء: إنه يكره الاغتسال في الماء الراكد قليلا كان أو كثيرًا، وكذا يُكره الاغتسال في العَيْن الجارية: قال الشافعي ﵀ في البُويطي: "أكره للرجل أن يغتسل في البئر مَعِيْنَة كانت أو دائمة، وفي الماء الراكد الذي لا يجري، قال الشافعي: وسواء قليل الراكد وكثيره (ب) أكره الاغتسال فيه". هذا نصه، وهو محمولٌ على كراهة التنزيه لا التحريم. وأما حكم الماء وإزالته للجنابة فإنْ كل الماء كثيرا (٣) (ب) فهو باقٍ على التطهير، وهذا الحديث مخصوص (جـ) بالكثير مخرج عنه حكمه، وإن كان قليلا وانغمس (د) فيه فإنه يجزئه الاغتسال لأن البَدَن كالعضو الواحد في الغُسل (٤)،

стр. 118

ويدل عليه فِعل النبيِّ ﷺ وعصره لشعره، وغسله بما انفصل عنه اللمعة التي نسي غسلها (١)، ولا يجزئ غيره لأنه قد صار مستعمَلًا طاهرًا غير (أ) مطهر، فعلى هذا لو انغمس فيه اثنان دفعة واحدة من دون تخلل زمان بين استعمالَيْهما (ب) أجزأهما جميعا (٢). وحكم الوضوء في الماء الراكد حكم الغُسل، وقد ورد مصرحا به في رواية: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يتوضأ فيه" (٣) (جـ)، والغُسل والوضوء مستويان في العلة -وهو قصد التقرب إلى الله سبحانه- فلا يكون بالمستقذَرَات. واستدَلَّ بعضُ الحنفية (٤) على تنجيس الماء المستعمل لأن البول ينجس الماء، فكذلك الاغتسال، وقد نُهي عنهما معا، وهو للتحريم فيدل على النجاسة فيهما، ورد بأنها (د) دلالة اقتران (هـ) (٥)، وعلى تقدير تسليمها فلا يلزم التسوية، فيكون النهي (و) عن البول لئلا ينجسه، وعن الاغتسال فيه لئلا يسلبه الطهورية.

стр. 119

ويزيد ذلك وضوحا قوله -في رواية مسلم-: "كيف يفعل يا أبا هريرة؟ قال: يتناوله تناولا" (١)، فدل على أنَّ المَنْعَ من الانغماس فيه لئلا يصير مستعملا فيمتنع على الغير الانتفاع به والصحابي أعلم بورود الخِطَاب من غيره، وهذا من أقوى الأدلة على أنَّ المستعمَل غير طهور. ٦ - وعن رجل صحب النبي ﷺ قال: "نهى رسول الله ﷺ أن تغتسل المرأةُ بفَضل الرجل، أو الرجل بفضل المرأة، وليعترفا جميعا". أخرجه أبو داود والنسائي، وإسناده صحيح (٢). * الحديث من رواية داود بن عبد الله عن حُمَيد الحِمْيَرِي، قال: لقيتُ رجلا صحب النبي ﷺ أربع سنين، كما صحب أبو هريرة قال: "نهى .. " الحديث، هذا لفظ أبي داود. قال (ب) الحافظ في "الفتح" (٣): رجاله ثقات، ولم أقف لمن أعله على حجة قوية (جـ) ودعوى البيهقي (٤) أنه في معنى المرسل مردودة لأن إيهام الصحابي لا يضر، وقد صرح التابعي بأنه لقيه، ودعوى ابن حزم أن داود راويه عن حميد

стр. 120

ابن عبد الرحمن هو ابن يزيد الأودي (أ) -وهو ضعيف- مردودة، فإنه ابن عبد الله الأودي (١)، وهو ثقة، وقد صرح باسم أبيه أبو داود وغيره، ولعل ما ذكره ابن حزم هو الذي أوهم الإمام المهدي ﵇ حيث قال في "البحر" بعد ذِكْر الحديث: "إذ راويه ضعيف، وأسنده إلى مجهول" (٢). والحديث له شاهد من حديث الحكم بن عمرو الغفاري -وهو الأقرع- أنَّ النبي ﷺ نهى أَنْ يتوضأ الرجلُ بِفَضْلِ طهور (ب) المرأة. أخرجه أبو داود (٣). قال أبو داود: الذي تفرد به البصريون من هذا الحديث قوله: "نهى أن يغتسلَ الرجلُ بِفَضْل المرأة"، وحديث الحكم أخرجه أصحاب السنن وحَسَّنه الترمذي، وصححه ابن حبان (٤)، وأغرب النووي فقال: اتفق الحفاظ على تضعيفه (٥). والحديث يدل على أنه لا يُتطهر بفَضْل طَهُور المرأة، وهو معارَض بما سيأتي، ووجه الجمع يُذْكَر إنْ شاء الله تعالى (٦).

стр. 121

٧ - وعن ابن عباس ﵄ "أن النبي ﷺ كان يغتسل بفَضلِ مَيْمُون". أخرجه مسلم (١). ولأصحاب السنن: "اغتسل بعضُ أزواج النبي ﷺ في جَفْنَة، فجاء ليغتسل مها فقالت له: إني كنتُ جُنبا، فقال: "إنَّ الماءَ لَا يُجْنِب". وصححه الترمذي وابن خزيمة (٢). * [عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، ابن عم رسول الله ﷺ ، وأمه لُبَابَة -بضم اللام وتخفيف الباء- بنت الحارت أخت ميمونة زوج النبيِّ- ﷺ ، ولد قبل الهجرة بثلاث سنين، وتوفي النبيُّ ﷺ وله ثلاث عشرة سنة -وقيل: خمس عشرة، وقيل: عشر- وذلك قبل خروج بنى هاشم من الشِّعْب، وقيل ولد قبل الهجرة بسنتين. كان حَبر هذه الأمة وعالمها، دعا له النبيُّ ﷺ بالحِكْمة والفقه والتأويل (٣)، ورأى جبريل مرتَيْن، وكُفَّ بَصَرُه في آخر عمره، وغزا إفريقية مع عبد الله بن أبي سَرْح (٤) في سنة سبع وعشرين. مات في الطائف سنة ثمان وستين في آخر أيام ابن الزبير وهو ابن سبعين سنة -أو إحدى وسبعين-، وصلى عليه محمد بن الحنفية، وكان أبيض، طويلًا، مشربا صُفرة، جسيما،

стр. 122

وسيما، صبيح الوجه، له وَفْرة، يخضب بالحِنَّاء، قَدِم مصر] (أ) (١). * حديث مسلم أعلَّهُ قومٌ لترددٍ وقع من رواية عَمرو بن دينار حيث قال (٢): " عِلمي والذي يخطر على بَالِي أنَّ أبا الشعثاء أخبرني ... " فذكر الحديث. وقد وَرَدَ من طريق أخرى بلا تردد، لكن راويها غير ضابط، وقد خُولِف، والمحفوظ ما أخرجه الشيخان بلفظ: "أن النبيَّ ﷺ وميمونة كانا يغتسلان من إناء واحد" (٣). وأخرج أصحابُ السنن، والدارقطني (ب، وصححه الترمذي، وابن خزيمة، وغيرهما من حديث ابن عباس عن ميمونة قالت: "أجنبتُ (جـ) ب) فاغتسلتُ من جفنة، ففضلت فيها فَضلة فجاء النبي ﷺ يغتسل منه، فقلت له، فقال: "الماء ليس عليه جنابة"، واغتسل منه". لفظ الدارقطني (٤). ولفظ أبي داود: "بعض أزواج النبيِّ ﷺ "، وقال: "إن الماء لا يجنب" (٥)، وقد أعله قومٌ بسِمَاك بن حَرب (٦) راويه عن عكرمة، لأنه كان يقبل التلقين، لكن رواه (عنه) (د) شعبة (٧)، وهو لا يحمل عن مشايخه إلا صحيح حديثهم (٨).

стр. 123

وأخرج أبو داود من حديث عائشة قالت: "كنتُ أغتسلُ أنا ورسول الله ﷺ مِنْ إناءٍ واحد ونحن جُنُبان " (١). ومن حديث أم صبَيَّة (٢) الجهنية (أ) قالت: "اختلفت يدي ويد رسول الله ﷺ في الوضوء من إناءٍ واحد"، ومن حديث مالك عن نافع عن ابن عمر قال: "كان الرجال والنساء يتوضأون في زمان رسول الله ﷺ (٣) - قال مُسَدَّد: من الإِناء الواحد جميعا"، ومن حديث نافع عن عبد الله بن عمر قال: "كنا نتوضأ نحن والنساء ونغتسل من إناء واحد على عهدِ رسول الله ﷺ " (٤). فحديث ميمونة وحديث بعض الأزواج معارِضَان لحديث (ب) النهي المتقدم (٥) إذ دلالتهما صحيحة صريحة على جواز التطهر (جـ) بفَضْل المرأة. * وفي قوله: "إن الماء لا يجنب" [هو من أجنب ويقال (د): أجنب الرجل يجنب، ولا يقال: أجنبت] (هـ).

стр. 124

فيه إيماءٌ إلى جواز العَكس وهو تطهر المرأة بفضل الرجل، وفي ذلك خلاف، فنقل الطحاوي والقرطبي (١) والنووي (٢) (الاتفاق على جواز اغتسال الرجل والمرأة من الإِناءِ الواحد، وفيه نظر لما حكاه ابن المنذر عن أبي هريرة (أ) ﵁ أنه كان ينهى عنه، وكذا حكاه ابن عبد البر (٣) عن قوم، وهذا الحديث حجة عليهم، ونقل النووي (٤) أيضًا الاتفاق على جَوَاز وُضُوء المرأة بفَضل الرجل دون العكس، وفيه نظر أيضًا (٥)، ثبت الخلاف فيه الطحاوي؛ وثبت عن ابن عمر والشَّعْبي والأوزاعي المنع، لكن مقيدا بما إذا كانت حائضا (٦). وأما عكسه فصحَّ عن عبد الله بن سرجس (ب) الصحابي وسعيد بن المسيب والحَسَن البصري (٧) أنهم منعوا التطهر بفضل المرأة، وبه قال أحمد وإسحاق (٨)، لكن قيداه بما دخلت فيه لأن أحاديث الباب ظاهرة في الجواز. ونقل الميموني عن أحمد أن الأحاديث واردة في منع التطهر بفَضْل المرأة وفي جواز ذلك مضطربة، قال: لكن صح عن (جـ) عِدة من الصحابة المنع فيما إذا دخلت فيه، وعُورض بصحة الجواز عن عِدة من الصحابة منهم ابن عباس، والله أعلم.

стр. 125

وطريق الجمع بين الأحاديث هو أن تُحمل أحاديث النهي على ما تساقط من الأعضاء لكونه قد صار مستعملا، والجواز على ما بقي من الماء، وبذلك جَمَعَ الخَطَّابي (١)، وأحسن منه أن يُحْمَل النهي على التنزيه بقرينة أحاديث الجواز جَمْعًا بين الأدلة (٢)، والله سبحانه أعلم. * فائدة: في حديث توضئ الرجال والنساء من إناءٍ واحد ظاهره أنهم كانوا يتناولون الماء في حالة واحدة، فقيل: معناه أنَّ الرجال والنساء كانوا يتوضأون جميعا في موضع واحد (أ) هؤلاء على حدة وهؤلاء على حدة. وحديث: "من إناءٍ واحد" يدفعه. وحكي عن سحنون (٣) -من المالكية- أن معناه كان الرجال (ب) يتوضأون ويذهبون ثم يأتي النساء فيتوضأن، وهو خلاف الظاهر من حديث البخاري (٤) عن ابن عمر أنه قال: "كان الرجال والنساء يتوضأون في زمان رسول الله ﷺ جميعا"، ومن حديث السنن في زيادة مسدد فإن "جميعا" يقتضي الاجتماع. قال أهل اللغة: الجمع ضد التفرق (٥)، ووحدة الإناء أيضًا مصرَّحا به (جـ) في صحيح ابن خزيمة عن ابن عمر أنه أبصر النبيَّ ﷺ وأصحابه يتطهرون والنساء معهم من إناءٍ واحدٍ كلهم يتطهر (د) منه (٦).

стр. 126

والأوْلى أن يُقَالَ: إن الاجتماع كان قبل نزول الحِجَاب، وأما بعده فيختص بالزوجات والمحارِم (١)، والله أعلم. ٨ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "طَهُور إناء أحدكم إذا وَلَغَ فيه الكلبُ أنْ يغسله سبْعَ مرْات أولاهُنَّ بالتراب". أخرجه مسلم، وفي لفظٍ له: "فَلْيُرِقه". وللترمذي: "أُخراهن، أو أولاهُن بالتراب" (٢). * الأمر بالإِراقة رواها مسلم من طريق الأعمش. قال النسائي (٣): لم يَذْكُر "فليرقه" غير علي بن مسهر، وكذا قال ابن منده: [قال الحافظ (٤) ﵀: قلتُ: (أ) قد ورد بالإراقة -أيضًا- من طريق عطاء عن أبي هريرة مرفوعًا، أخرجه ابن عَدِي (٥) لكن في رَفعهِ نَظرَ، والصحيح أنه موقوف] (ب)، والدارقطني [أخرجه من طريق حماد بن زيد عن أيوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة موقوفًا، وإسناده صحيح] (جـ) وقال: "رواته كلهم ثقات" (٦)،

стр. 127

قال ابن عبد البر: لا أعلم أحدًا أفتى بأن غسلة التراب غير الغسلات السبع بالماء غير الحسن البصري، وقد أفتى بذلك أحمد بن حنبل (١)، ورُوي عن مالك. * ولفظ "طهور": الأشهر فيه ضم الطاء، ويقال: بفتحها لغتان. وقوله: "وَلَغَ": قال أهل اللغة: يُقال: وَلَغَ الكلبُ في الاناء يَلَغُ -بفتح اللام فيهما- وُلوغا -بضم [الواو] (أ) واللام- وَلْغًا -بفتحها وسكون اللام-، وقد حُكى في المضارع كسر اللام (ب) إذا شرب بأطراف لسانه قال أبو زيد: يُقال ولغ الكلب شرابنا وفي شرابنا ومن شرابنا (٢). قال أبو مثنى المدني: وأكثر ما يكون الولوغ في السِّباع، وقال القاضي أبو بكر بن العربي (٣): الولوغ للسباع والكلاب كالشرب لبني آدم. [وقال ثعلب: هو أنَّ يُدخِل لسانه في الماء وغيره من كل مائع فيحركه، زاد ابن درستويه: شرب أو لم يشرب،. وقال مكي: فإن كان غير مائع يقال: لعقه] (جـ). * والحديث فيه دلالة ظاهرة على نجاسة الكلب من حيث الأمر بالغسل والإراقة، فإنه لو كان طاهرا لما أمر بغسل الإناء ولم يؤمر بالإِراقة إذ في ذلك إتلاف مال و (د) إضاعة، وقد ثبت النهي عن ذلك فدَلَّ على النجاسة، وأصْرَح كان ذلك رواية: "طهور إناء أحمدكم" فإن الطهارة تكون مِن حَدَثٍ أو نَجس، وليس هنا حدث فتعيَّن النجس.

стр. 128

وأخرجه ابن خزيمة في "صحيحه" (١) ولفظه في "الصحيحَيْن" (٢) من رواية مالك "إذا شرب"، ورُوي عنه: "إذا ولغ"، وهو لفظ أصحاب أبي الزِّنَاد -أو أكثرهم- لأنه وقع في رواية الجَوْزَقِيّ (٣) من رواية ورقاء بن عمرو عن أبي الزناد بلفظ: "إذا شَرِبَ"، وكذا في عوالي أبي الشَّيْخ. قال البيهقي (٤): ذِكْر التراب لم يروه ثقة عن أبي هريرة غير ابن سِيرِين، وتعقبه (٥) الحافظ المصنف بأنَّ الدارقطني أخرجه عن أبي رافع عنه (٦)، والبيهقي (٧) أيضًا أخرجه عن قتادة عنه، لكن قال: "إن كان معاذ حفظه فهو حسن" فأشار إلى تعليله. ورواه الدارقطنيّ (٨) من طريق الحسن عن أبي هريرة، لكنه لم يسمع منه على الأصح. وروى مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث مطرف بن عبد الله [عن عبد الله بن مُغَفَّل] (أ) قال في آخره: "فاغسلوه سبعا، وعفروه الثامنة بالتراب" لفظ مسلم، ولم يخرجه البخاري (٩).

стр. 129

فإِنْ قِيل: المراد الطهارة اللغوية، فالجواب: إِنَّ حمل اللفظ على حقيقته الشرعية مُقَدَّم على اللغوية، ويدل أيضًا على نجاسة ما ولغ فيه سواء كان شرابا أو غيره إذ قد ورد الأمر بالإِراقة في رواية صحيحة على وجه العموم، [وخص مالك في قيل له ذلك بالماء، وأن الطعام إذا ولغ فيه لا يُجتنب ولا يُراق (١)] (أ)، وهو ظاهر في نجاسة فيه، ومقيس عليه سائر بدنه، وذلك أنه إذا ثبت نجاسة لعابه، ولعابه جزء من فيه، إذ هو عَرَق فيه ففمه نجس، إذ العرق جزء مُتَحَلِّب من البَدَن فكذلك بقية بدنه، إذ فيه أشرف ما فيه، إلا أنه يرد عليه بأن ذلك يحتمل (ب) أن النجاسة في لعابه وفيه إنما هو (جـ) بسبب استعماله للنجاسة بحسب الأغلب، وعلق الحكم بالنظر إلى أغلب أحواله من أكله للنجاسات ومباشرته لها فلا يدل على نجاسة العَيْن، والقول بنجاسة الكلب مذهب الهادي والمؤيد بالله (د) وأبي طالب وأبي حنيفة (٢)، والخلاف في ذلك لمالك (٣) وداود والزهري لما رُوي عن مالك أنَّ جميع الحيوانات طاهرة مأكولة إلا أربعة معروفة، ولم يصرح بجواز أكله، [وعن مالك رواية أنه نجس، لكن الماء لا ينجس إلا بالتغير فلا (هـ) يجب التسبيع للنجاسة بل للتعبد (٤)] (و). وخَرَّج المؤيد بالله طهارته أيضًا للقاسم، لأنه (ذكر في النيروسي (٥) طهارة

стр. 130

سؤره، وهو على أحد قولَي القاسم أ)، وأما أبو طالب فحمل طهارة سؤره على أحدِ قولَي القاسم أنَّ الماءَ لا ينجس ما لم يتغير أحد أوصافه، وفي سؤره عند مالك (١) ثلاثة أقوال: طهارته، ونجاسته، وطهارة سؤر (ب) المأذون في اتخاذه دون غيره، والرابع عن عبد الملك ابن الماجشون المالكي أنه يفرق بين الحَضَرِي والبدوي فيقول بطهارة البدوي، وحمل مالك (٢) هذا الأمر على التعبد، ورجحه بعض أصحابه بذِكْر السبع لأنه لو كان للنجاسة لاكتفى بما دون السبع إذ نجاسته لا تزيد على العذرة. ويجاب عنه بأن أصل الحكم -و (جـ) هو الأمر بالغسل- معقول المعنى ممكن التعليل، والأصل في الأحكام التعليل فيُحمل على الأعمّ الأغلب، والتعبد إنما هو في العدد فقط (٣). والحديث دليلٌ على وجوبِ السبع الغسلات، وهو قول الشافعي، ومالك، وابن حنبل (٤)، (د (وقال به ابن عباس، وعروة بن الزبير، ومحمد بن سيرين، وطاووس، وعمرو بن دينار، والأوزاعيّ، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو عبيد، وداود، والطبري) د)، والخلاف في ذلك لغيرهم من أئمة (هـ) أهل البيت ﵈، والحنفية (٥) فقالوا: لا فَرْق بين الكلب وغيره من سائر النجاسات،

стр. 131

وحملوا حديث السَّبْع على الندب، [ورواية عن مالك (١) أيضًا أنَّ السبع (أ) للندب] (ب) واحتجوا على ذلك بما رواه الطحاوي والدارقطني موقوفًا على أبي هريرة أنه يغسل من ولوغه ثلاث مرات (٢)، وهو الراوي للغسل سبعا (جـ)، وهو مناسب لأصل بعض الحنفية من وجوب العمل بتأويل الراوي وتخصيصه ونسخه، قالوا: لأنك إما أنَّ تُحسن الظن بالراوي أو لا، وعلى الأول يجب الحَمْل على ما حمله، وعلى الثاني يمتنع العمل بروايته. ولا يناسب أصول الأئمة ﵈[مع أن الرواية عنه معارضة برواية أنه أفتى بالغسل سبعا وهي أرجح من الأولى، فإنها من رواية حماد بن زيد عن أيوب عن ابن سيرين عنه (٣)، وهذا أصح الأسانيد (٤)، والأولى من رواية عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عنه، وهو دون الأول في القوة بكثير] (د) إلا أنه قد ورد في حديث أبي هريرة مرفوعًا: أنه قال ﷺ في الكلب يلغ في الإناء: "يُغْسَل ثلاثا، أو خمسا أو سبعا " (٥) فالحديث يدل على عدم تعين

стр. 132

السبع إذ لو (أ) كانت متعينة لما خير إلا أنه ضعف الحديث بأنه من رواية عبد الوهاب بن الضحاكَ (١) -أحد الضعفاء- عن إسماعيل بن عياش عن (٢) هشام بن عروة ورواية إسماعيل عن الحجازِيين ضعيفة (٣). * وفيه دلالة على وجوب التتريب، و (ب) المقصود عند الشافعي وأصحابه حصول التتريب في مرة من المرات، ولا فَرْق بين أنَّ يخلط الماءَ بالتراب حتى يتكدر، أو يطرح الماء على التراب، أو التراب على الماء، أو يأخذ الماء المتكدر من موضع فيغسل به. وأما مسح موضع النجاسة بالتراب فلا يجزئ إلا أن يمسح بالتراب ويتبعه الماء والتراب باق. ولم يوجب مالك (٤) التراب لأنه لم يثبت في روايته وإنما هو في رواية ابن سيرين. وقد أُورد على الرواية التي فيها ذِكر التراب الاضطراب من كونها أولاهن أو

стр. 133

أُخراهن أو إِحداهن أو السابعة أو الثامنة والاضطراب قادح فيجب الاطراح لها، وأجيب عنه بأن الاضطراب إنما يكون قادحا مع استواء الروايات، وأما إذا رجح بعضها عُمل به واطرح ما سواه، ورواية "أولاهن" أرجح، فإنه رواها عن محمد بن سيرين ثلاثة: هشام بن حسان (١)، وحبيب بن الشهيد، وأيوب السَّخْتياني، وأخرجها مسلم في صحيحه من رواية هشام فيترجح بأمرين: كثرة الرواة (أ) وتخرج أحد الشيخَيْن (ب) لها، وهما من وجوه الترجيح عند التعارض (٢). وأما رواية: "أُخراهن" -بالخاء والراء- فلا توجد منفردة مسنَدَة في شيءٍ من كتب الحديث، إِلا أن ابن عبد البر ذكر في "التمهيد" أنه رواها خِلَاس عن أبي هريرة، إِلا أنها رُويت (جـ) مضمومة مع "أولاهن" (٣) , وأما رواية "السابعة بالتراب" فهي وإنْ كانت بمعناها فإنه تفرد بها عن محمد بن سيرين قتادةُ، وانفرد بها أبو داود (٤)، وقد اختُلف فيها على قتادة فقال أبان عنه هكذا، وفي رواية أبي داود (٥): وقال سعيد بن بشير عند: "الأولى بالتراب" فوافق (د) الجماعة، رواه كذلك الدارقطني في "سننه" (٦) والبيهقي من طريقه، وهذا يقتضى

стр. 134

ترجيح رواية "أولاهن" لموافقة الجماعة , وأما رواية "إحداهن" بالحاء المهملة والدال فليست في شيء من الكتب الستة، وإنما رواها البزار (١)، وهي لا تعارض إذ هو يجب حمل المُطْلَق على المقيَّد. وأما رواية: "أولاهُنَّ أو أخراهُن" فقد رواها الشافعي والبيهقي (٢) من طريقه بإسنادٍ صحيح، وفيه بحث وذلك أن (أ) قوله: "أولاهن أو أخراهن" (ب) لا يخلو من أن يكون مجموعة من كلام النبي ﷺ ، أو هو شك من بعض الرواة، فإنْ كانت (جـ) مجموعة من كلام النبيِّ ﷺ وآله -فهو دال على التخيير بينهما، وترجح (د) حينئذ ما نص عليه الشافعي من التقييد بها وذلك لأن مَن جَمَعَ بينهما معه زيادة عِلم على من اقتصر على الأولى أو السابعة لأن كلا منهم حفظ مرة فاقتصر عليها وحفظ هذا الجمع بين الأولى والأخرى، فكان أولى، وإن كان ذلك شَكًّا من بعض الرواة فالتعارض قائم ويرجع إِلى الترجيح، فترجح (هـ) "الأولى"كما تقدم. ومما يدل على أنَّ ذلك شك من بعض الرواة لا من كلام الشارع قول الترمذي في روايتين: "أولاهن، أو قال: أخراهن بالتراب" فهذا يدل على أن بعض الرواة شك فيه، فيترجح حينئذ (و) تعيين "الأولى". ولها شاهد أيضًا من رواية خلاس (٣) عن أبي هريرة.

стр. 135

وقوله في رواية مسلم (١): "وعفروه الثامنة بالتراب" وارد على الشافعي، ومن اقتصر على السبع فإنه يدل دلالة صريحة على وجوب الثامنة. قيل: ولم يقل به إلا الحسن البصري (٢)، وقد تقصى عنه النووي بأن المراد اغسلوه سبعا واحدة منهن بتراب مع الماء فكأن (أ) التراب قائم مقام غسلة فسميت ثامنة (٣)، وفيه تكلف لا يخفى. [وأُجيب أيضًا بأن أبا هريرة لم يَرْوِ الثامنة وهو أحفظ مَن روح الحديث في دهره فروايته أولى: وفيه بأن حديث عبد الله بن مُغَفَّل صحيح (٤) قال ابن منده: "مُجْمع على صحته، وهي (ب) زيادة ثقة (جـ) مقبولة"، وقد ألزم الطحاوي الشافعية بذلك (٥)، وأيضًا فقال (د) الشافعي في حديث التتريب لم أقف على صحته (٦)، وهذا لا ينفع أصحابه الذين وقفوا على صحته، وأيضًا يجوزُ أنْ يكون محمولا على مَنْ نسي استعمال التراب حتى فعل السبع فإنه يجب عليه الثامنة.

стр. 136

ويُؤيّد هذا الجواب بما في رواية أبي هريرة: "فإن لم تعفروه في إحداهن فعفروه الثامنة" وهذا جوابٌ قويٌّ، والله أعلم] (أ). وظاهر الحديث يدل على تَعَيُّن (ب) التراب ولا يقوم مقامه الإشنان والصابون، وفي قول للشافعي أنه يقوم مقامه غيره (١) إذ الغرض إنما هو المبالغة في الإزالة، واعترض بأن التنصيص على ذلك معنى يعقل لا يوجد في غيره، وهو الجمع بين مطهرَيْن فلا يقاس عليه غيره. * ولو ولغ كلبان أو أكثر في إناء واحد [أو كلب مرات] (جـ) فللشافعية ثلاثة أوجه (٢) الأول: أنه (د) يكفي للجميع سبع مرات، وهو الصحيح. الثاني: يجب لكل ولغة سبع. الثالث: يكفي لولغات الكلب الواحد سبع، ويجب لكل كلب سبع. * ولو كانت نجاسة الكلب مرئية ولم تزل إلا بعد ست غسلات مثلًا فهل تجب زيادة سبع بعد ذلك؟ لأصحاب الشافعي ثلاثة أوجه: الأصح أنه يُحسَب ما زالت به العَين واحدة، وإذا أصاب الماء الذي ولغ فيه الكلب شيئًا وجب تسبيع ذلك الذي أصابه وتتريبه (٣)، وإذا ولغ في إناءٍ فيه طعام جامد أُلقي ما أصابه وما حوله وانتفع

стр. 137

بالباقي كما في الفأرة تموت في السمن الجامد، (أوفي قول للشافعي (١) (ب) أن الخنزير كالكلب في ذلك وقول له إنه (جـ) كسائر النجسة، وهو القوي (أ)، [والمشهور عن المالكية (٢) التفرقة بين الماء والطعام، فيُرَاق الماء ويُغسل الإِناء والطعام يؤكل ثم يغسل الإِناء تعبدا لأن في إراقة الطعام إضاعة مال، وهو محرم إجماعا] (د) فيخص حديث الإراقة (٣). * فائدة: في حديث عبد الله بن مغفل الذي رواه مسلم قال: أمر النبي ﷺ بقتل الكلاب، ثم قال: "ما بالهم وبال الكلاب"؟ ثم رخص في كلب الصيد وكلب الغنم، وقال: "و (هـ) إذا ولغ الكلب في الإِناء فاغسلوه سبعا، وعفروه الثامنة بالتراب" (٤) فهذا نهيٌ عن اقتنائها، وقد اتفق على أنه يحرم اقتناء الكلب لغير حاجة مثل أنَّ يقتنى كلبا إعجابا بصورته وللمفاخرة، فهذا حرام بلا خلاف. وأما الحاجة التي يجوز الاقتناء لها فقد ورد في الحديث الترخيص في كلب

стр. 138

الصيد، وكلب الغنم (١)، وفي الرواية الأخرى: "وكلب الزرع"، وهذا جائز بلا خلاف، واختلف في الاقتناء لحراسة الدور، واقتناء الجرو ليعلم، فمنهم (أ) مَن حرمه لأنَّ الرخصة إنما وردت في الثلاثة المتقدمة، ومنهم مَن أباحه وهو الأصح لأنه في معناها. واختلف أيضًا فيمن اقتنى كلب صيد (ب) وهو لا يصيد. وأما قتل غير العقور غير المستثنى فقال إمام الحرمين أبو المعالي: إن الأمر بقتلها منسوخ. قال: وقد صح أنَّ رسول الله ﷺ أمر بقتل الكلاب (جـ) مرة ثم صح أنه نهى عن قتلها، قال: واستقر الشرع عليه (د) على التفصيل الذي ذكرنا. قال: وأمر بقتل الأسود البهيم وكان هذا في الابتداء، وهو الآن منسوخ (٢)، هذا كلامه (هـ). ٩ - وعن أبي قتادة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال في هرة: "إنها ليستْ بنجِس، إنما هي من الطَّوافِينَ عليكم". أخرجه الأربعة، وصححه الترمذي وابن خزيمة (٣).

стр. 139

*أبو قتادة: هو الحارث بن رِبْعي الأنصاري، وقد اختلف في اسمه، فأكثر ما ذكر، وقيل: النعمان بن عمر بن بَلْذَمَة، وقيل: عمر بن ربعي بن بلذمة، الأنصاري، السلمي. فارس رسول الله ﷺ ، غلبت عليه الكُنية. "ورِبْعِيّ" بكسر الراء وسكون الباء الموحدة وكسر العين المهملة وتشديد الياء. "ويلْذَمة": بفتح الباء الموحدة وسكون اللام وفتح الذال المهملة، ويقال: بضم الباء والذال، ويقال: بضمها (أ)، وبالذال المعجمة. اختلف في شهوده (ب) بدرًا، وشهد أحدا، وما بعدها من المشاهد. روى عنه ابنه عبد الله، وأبو سعيد الخُدْرِيّ، وأبو سلمة بن عبد الرحمن. مات بالدينة سنة أربع وخمسين -وقيل: بل مات في خلافة علي بن أبي طالب بالكوفة، وكان شهد معه مشاهده كلها- وهو ابن سبعين سنة، وصلى عليه عليّ فكبر عليه (جـ) سبعا (١). * والحديث أخرجه مالك، والشافعي، وأحمد، وابن حبان، والحاكم، والدارقطني، والبيهقي (٢).

стр. 140

قال مالك: عن إسحاق بن أبي طلحة عن حميدة بنت أبي عبيدة عن خالتها كبشة بنت كعب بن مالك -وكانت تحت ابن أبي قتادة-: أنها أخبرتها أنَّ أبا قتادة دخل عليها فسكبت له وَضُوءًا، فجاءَتْ هِرة تشرب منه فأصغى لها الإِناء حتى شربت، قالت كبشة: فرآني أنظر إليه، فقال: أتعجيين يا ابنة أخي؟ قالت: قلتُ: نعم! فقال (أ) إن رسول الله ﷺ قال: "إنها ليست بنجس، إنها من الطوافين عليكم والطوافات" (ب). ورواه الباقون من حديث مالك، ورواه الشافعي عن الثقة عن يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه. ورواه أبو يعلى من طريق حسين المعلم عن إسحاق بن أبي طلحة عن أم يحيى امرأته عن خالتها -ابنة كعب بن مالك- فذكره. تابعه همام عن إسحاق بن أبي طلحة. أخرجه البيهقي. قال ابن أبي حاتم: "سألتُ أبي وأبا زرعة عنها فقالا: هي حميدة تكنى أم يحيى" (١). وصححه البخاري، والترمذي، والعقيلي، والدارقطني (٢)، وساق له في "الأفراد" طريقا غير طريق إسحاق فروى من طريق الدراوردي عن أسيد (جـ)

стр. 141

ابن أبي أسيد عن أبيه (أ) أن أبا قتادة -وساق الحديث. وأعَلَّه ابن منده بأن حميدة (١) وخالتها كبشة مجهولتان، ولم يُعْرَف لهما إلا هذا الحديث، وتعقب بأن لحميدة حديثًا آخر في تشميت، العاطس رواه أبو داود (٢)، ولها ثالث رواه أبو نعيم في "المعرفة". وأما كبشة (٣) فقيل إنها صحابية، فلا تضر الجهالة، والله أعلم. وقال ابنُ دقيق العيد (٤): لعل مَن صَحَّحه (ب) اعتمد على تخرج مالك فإنه قد صح عنه أنه لا يخرج إلا عن ثقة، فإن اكتفى بهذا وإلا فالقول (جـ) ما قاله ابن منده، وروى ابن شاهين في "الناسخ والمنسوخ" من حديث جابر قال: "كان رسول الله ﷺ يصغى الإِناء للسنور فيلغ فيه ثم يتوضأ من فضله" (د). و (هـ) رواه الدارقطني من طريق أبي يوسف القاضي عن عبد ربه بن سعيد المَقْبُرِيّ من حديث عائشة قالت: "كان رسول الله ﷺ تَمُرُّ به الهرة فيصغي لها الإِناء فتشرب ثم يتوضأ بفضلها" (٥). وعبد ربه (٦) هو عبد الله متفق على ضعفه، واختلف عليه فيه، وقد خرج حديث عائشة من ست طرق غير المذكورة، وفي الكل مقال.

стр. 142

* والحديث (أ) دليلٌ على طهارة الهِرَّة وطهارة سُؤْرها، وهو مذهب الهادي ﵇ والشافعي (١). وقال أبو حنيفة (٢): بل نجس كالسَّبُع، لكن خَفَّفَ فيه فَكَرِه سؤْره، ولعل مستنده ما تقدم في حديث القلتَيْن من أنه سُئل رسول الله ﷺ عن الماء وما ينوبه من السباع والدواب، فقال رسول الله ﷺ : "إذا كان الماء قلتين لم ينجسه شيء" فأفهم الحديث أَنَّ دون القلتين تنجسه السباع، وإن كان أبو حنيفة لا يعتبر التحديد بالقلتين فهو إنما تركه للنظر فيهما وما يرجعان إليه من الجهالة. وقد ورد عن النبي ﷺ أنَّ الهرة سَبُع في حديث أحمد والدارقطني والحاكم والبيهقي (٣). من حديث عيسى بن المسيب (٤) عن أبي زُرْعَة عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ كان يأتي دارَ قومٍ من الأنصار ودونهم دار لا يأتيها، فشق عليهم ذلك، فقالوا: يا رسول الله تأتي دار فلان ولا تأتي دارنا! فقال النبي ﷺ : "إنَّ في داركم كلبًا". قالوا: فإن في دارهم سنورا. فقال النبي ﷺ : "السنور سَبُع".

стр. 143

وفيه مقال. فأطلق على الهرة اسم السبع. والجواب عنه أولًا بأنه معارَض بحديث الباب في الهرة، فهي مخرجة من عموم نجاسة السبع على تسليم صحة الاحتجاج به مع أن نجاسة السبع معارض (أ) بما أخرجه الشافعي وعبد الرزاق عن إبراهيم بن أبي يحيى عن داود ابن لحصين عن أبيه عن جابر قال: قيل: يا رسول الله أنتوضأ بما أفضلت الحُمُر؟ فقال: "نعم، وبما أفضلت السباع" (١). فهو صريح في طهارتها جميعا الهرة وغيرها، مع أن حديث القلتين المتقدم يحتمل أنَّ تنجيس السباع لما دونها ليس لأجل سؤرهما (ب) وإنما هو لما هو مظنة أَنْ (جـ) يلقيان فيه من الأزبال والأبوال، والكلام إنما هو في طهارة السؤر والفم. والحديث يدل على طهارة سؤرها وإن باشرت نجسا، ولا يعتبر البقاء ليلة أو يوما على الخلاف في ذلك، وهو -أحد قولَي (د) الشافعي (٢)، ومذهب الهادي- ﵇ -وأبي حنيفة لا بد من (هـ) جرى الريق في فيها (و)، فيطهر بذلك لجدته وتعذر غيره إذ هو الممكن في حقها (٣).

стр. 144

قال المؤيد بالله (١): وتُعلم جِدته بمضي ليلة، لاستدعاء السكون جري الريق، وقال أبو مضر (٢) تخريجا: ويوم مع الليلة، إذ لا يخلو من الريق حينئذ، [وقال المهدي أحمد بن الحسين ورواية عن القاسم: بمضيّ ساعة حكاه الفقيه عليّ. وقال المنصور: يطهر فمها بزوال عَين النجاسة من دَم] أو غيره، وحكاه أيضًا عن القاسم. قال الإِمام يحيى: التحديد بالمدة إنما هو تقريب، والاعتبار بغَلَبَة الظنّ بجري الريق ثلاثا] (أ): والوجه في اعتبار ذلك هو أَنَّ الفم إذا باشر النجاسة فلا بد من بقاء أجزاء النجاسة في الفم، وقد قام الدليل على أنَّ عين (ب) النجاسة تنجس ما لاقاها فلا بد من مزيل لها من فم الهرة والمزيل إنما هو الريق -إذ غيره لا يحيط بجوانب الفم- فكان اعتباره لازمًا، وهو مقيد لإِطلاق طهارة سؤرها، فقياس النجاسة التي في فمها على سائر النجاسات من باب قياس المساواة، واعتبار الريق في حقها دون سائر النجاسات لأنه الممكن دون ما عداه، وجَرْي الريق في فمها هو المعتبر، وإنما اليوم والليلة مظنة جري الريق فقط. وقال الشافعي (٣) -في أحد قولَيْه- لا يطهر إلا بأن يراها تشرب من ماءٍ كثير، أو تغيب مدة يغلب في الظن حصول ذلك (٤)، ورده المؤيد بالله ﵇ بأنَّ الماء لا يبلغ حيث بلغَت (جـ) النجاسة لأنها دارت في غلاصمها (٥) بخلاف الماء فإنها تأخذه بطرف لسانها، وترمي به إلى حلقها.

стр. 145

واختلف العلماء هل يقاس سائر الأفواه على فِي الهرة (أ) فنفاه نُفَاة القياس، ومثبتوه اختلفوا فقال (ب) الحقيني (١): يقاس عليها ما شاركها في الطواف ومشقة غسل الفم كالسخال والأطفال لا الكبار من الآدميين والبهائم والسباع؛ لأن الآدميّ الكبير لا مشقة عليه في الغسل وما عداه من المذكور لعدم الطواف (٢). ومذهب الهادي (٣) ﵇ والمؤيد بالله، وادعى في "الكافي" الإِجماع عليه أنه يُلحَق بالهِرة كل حيوان طاهر لأنه ﵇ علّل ذلك بعدم النجاسة، وعلل عدم النجاسة بالطواف، فيلحق به ما شارك (جـ) في ذلك، والقياس على ما خالف القياس إذا عُقِل المعنى صحيح (د) عند أبي طالب والجمهور، والمؤيد بالله وإن كان لا يقول به فإنه يوافق في الحكم هنا؛ لأنه من باب النص لما نص على العلة، وليس من باب القياس عنده، فتطهر الأفواه جميعها (هـ) بالريق والتجديد على الخلاف (٤).
следующие страницы →