وفي رواية (١): أنا فيهم، وأبو بكر، وعمر، وفي رواية له (أ "فيهم أبو بكر وعمر" (٢)، وفي رواية له أ): "فأنزلت هذه الآية التي في الجمعة: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً (ب) ..﴾ إلى آخرها" (٣)، وفي رواية للبخاري ومسلم: (جـ "بينا نحن نصلي مع النبي ﷺ جـ) إذ أقبلت عير" (٤).
والمراد بالصلاة انتظارها في حال الخطبة، وفي رواية لمسلم: (د "إذ أقبلت سويقة" (٥)، تصغير: سوق، والمراد بها العير المذكور، لأن العير الإبل التي تحمل د) الطعام أو التجارة وسميت سوقًا لأن البضائع تُسَاقُ إلى الأسواق بذلك لقيام الناس فيها على سوقهم (هـ).
وفي قوله: "كان يخطب قائما": دلالة على أن المشروعَ في الخطبة هو القيام للخطيب وقد استدل مالك بقوله: "إلا اثنا عشر رجلًا" بأن أقل ما تنعقد به الجمعة اثني عشر رجلًا (٦)، ولا دلالة على نفي انعقادها بدون ذلك، وأما أنها تصح بذلك القدر ففيه دلالة، وإن كان لقائل أن يقول:
стр. 1122
فرق بين ابتدائها وطروء ما ينقض العدد وقد دخل فيها، وقال القاضي عياض: ذكر أبو داود في "مراسيله" (١) أن خطبة النبي ﷺ التي انفضوا عنها إنما كانت بعد صلاة الجمعة (٢)، وظنوا أنه لا شيء عليهم في الانفضاض عن الخطبة، وأنه قبل هذه القضية إنما كان يصلي قبل الخطبة.
قال القاضي: وهذا أشبه بحال الصحابة، والمظنون بهم ما كانوا يَدَعونَ الصلاةَ مع النبي ﷺ ولكنهم ظنوا جواز (أالانصراف بعد انقضاء الصلاة، قال: وقد أنكر بعضُ العلماء كَوْنَ النبي ﷺ أ) خطب بعد صلاة الجمعة، والله أعلم، وفي كون جابر والشيخين من الباقين منقبة عظيمة.
٣٤٠ - وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ "مَنْ أدركَ ركعة من صلاة الجمعة وغيرها، فليضف إِليها أخرى، وقد تَمَّتْ صلاته" رواه النسائي وابن ماجه والدارقطني، واللفظ له (٣)، وإسناده صحيح، لكن قوى أبو حاتم (٤) إرساله.
الحديث أخرجوه من حديث بقية: حدثني يونس بن يزيد عن الزهري عن سالم عن أبيه ... الحديث (٥).
стр. 1123
قوله: "وقد تمت صلاته": وفي لفظ (أ): "وقد أدرك الصلاة"، قال ابن (١) أبي داود والدارقطني: تفرد به بقية عن يونس، و (ب) قال ابن أبي حاتم في "العلل" عن أبيه: هذا خطأ في المتن والإسناد، وإنما هو عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعًا: "من أدرك صلاة ركعة فقد أدركها" (٢).
وأما قوله: "من صلاة الجمعة": فوهم (٣)، وقد أخرج الحديث من ثلاثة عشر طريقا عن أبي هريرة (٤) ومن ثلاث طرق عن ابن عمر وفي جميعها مقال.
стр. 1124
و (أ) في الحديث دلالة على ان الجمعة تصحّ من اللاحق وإن لم يدرك شيئًا من الخطبة، وقد ذهب إلى هذا زيد بن علي والمؤيد بالله وأبو حنيفة والشافعي (١)، وذهب الهادوية إلى أن إدراك شيء من الخطبة شرط لا تصح الجمعة بدونه، والحديث هذا حجة عليهم، وإن كان فيه مقال و (ب) لكن كثرة (الطرق) (جـ) بعضها تؤيد بعضًا فتقوى، بل الحاكم أخرجه من ثلاث طرق من حديث أبي هريرة، وقال فيها: على شرط الشيخين (٢).
٣٤١ - وعن جابر بن سَمُرة ﵁ "أن النبي ﷺ كان يخطب قائما، ثم يجلس، ثم يقوم فيخطب قائمًا، فمن أنبأك أنه كان يخطب جالسًا فقد كذب". أخرجه مسلم (٣).
الحديث فيه دلالة على شرعية القيام حال الخطبتين، والفصل بينهما بالقعود وإنكار الراوي أن النبي ﷺ خطب جالسًا، والظاهر أن هذا مُجْمَعٌ عليه، واختلف العلماء في حُكمه، فذهب أبو حنيفة (٤) إلى أن القيام سنة والقعود بينهما كذلك، وقريب من هذا ما ذهب إليه أبو العباس على
стр. 1125
أصْل الهادي، وإنْ كان مصرحًا بأنهما مندوبان (أ)، والمندوب دون المسنون في التأكد، واحتجّ على ذلك بحديث أبي سعيد الخدري، أخرجه البخاري: "أن النبي ﷺ جلس ذات يوم على المنبر وجلسنا حوله" (١) فدل على عدم وجوبه.
وذهب مالك (٢) إلى أن القيام واجب وإنْ تركه أساء وصحت الخطبة، وفي رواية ابن الماجشون عنه: أن الخطبة لا تكون إلا من قيام لمن أطاقه، وإليه ذهب الشافعي (٣)، وقواه الإمام يحيى، وهو مروي عن زيد بن علي والناصر والمنصور بالله، وروي أيضًا عن الهادي (٤)، وكذا (ب الكلام في ب) القعود بين الخطبتين واحتجوا على ذلك بمواظبة النبي ﷺ (جـ) على ذلك حتى قال جابر: "فمن أنبأك .. " إلخ، وبما روي "أن كعب بن عُجْرَة لما دخل المسجد وعبد الرحمن بن أم الحكم يخطب قاعدًا فأنكره عليه، وتلا، ﴿وتَرَكوكَ قائِمًا﴾ (٥)، وفي رواية ابن خزيمة "ما رأيت كاليوم قط، إمام يؤم المسلمين يخطب وهو جالس" يقول ذلك مرتين، وأخرج ابن أبي شيبة (٦) عن طاوس: "خطب رسول الله ﷺ قائمًا وأبو بكر وعمر
стр. 1126
وعثمان، وأول من جلس على المنبر معاوية"، وأخرج ابن أبي شيبة (١) عن الشعبي: "أن معاوية إنما خطب جالسًا لما كثر شحم بطنه ولحمه"، وهذا دلالة على العُذْر، وهو مع العذر في حكم المتفق على جواز القعود في الخطبة، وترك القعود بين الخطبتين.
وأجاب الشافعي ومن ذهب إلى مقالته عن حديث أبي سعيد بأن قعود النبي ﷺ على المنبر في غير الجمعة، وعن صلاة كعب بن عُجْرة، وقد أنكر بأن ذلك لخشية الفتنة، ولكنه يُقال: لا كلام في دلالة ذلك على أصل الشرعية وأما الوجوب وكونه شرطًا في صحتها، فلا دلالة من اللفظ إلا أنه قد ينضم إليه دليل وجوب التأسي به ﷺ وقد قال: "صلوا كما رأيتموني أصلي" (٢) وفعله في الجمعة من الخطبتين بهيئتهما وأقوالهما، وتقديمهما على الصلاة مبين لآية الجمعة فما واظب عليه فهو واجب، وما لم يواظب عليه كان في التّرْك دليل على عدم الوجوب، فإن صَحَّ حديث أبي سعيد في قعوده أنه كان في خطبة الجمعة كان الأقوى القول الأول. وإن لم يثبت ذلك فالقول الثاني، والله أعلم.
فائدة: روى سعيد بن منصور عن الحسن قال: "أول من استراح في الخطبة يوم الجمعة عثمان، كان إذا أعيا جلس، ولم يتكلم حتى يقوم، وأول من خطب جالسا معاوية (٣)، وروى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة: "أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا يخطبون يوم الجمعة قيامًا حتى شَقَّ
стр. 1127
على عثمان القيام فكان يخطب قائما ثم يجلس فلما كان معاوية خطب الأولى جالسًا والأخرى قائمًا" (١).
٣٤٢ - وعن جابر بن عبد الله ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غَضَبهُ حتى كأنهُ منذر جَيْشٍ يقول: صبَّحكم ومسّاكم، ويقول: أما بعدُ فإن خير الحديث كِتابُ الله، وخيرِ الهدي هديُ محمدٍ، وشرَّ الأمورِ محدثاتها، وكلَّ بدْعةٍ ضلالة". رواه مسلم (٢).
وفي رواية له: "كانت خطبة النبي ﷺ يوم الجمعة: يَحْمِدُ الله تعالى، ويُثْنِي عَلَيْه، ثمَّ يقول على إِثر ذلك، وقد علا صوته" (٣).
وفي رواية له: "مَنْ يَهْد الله فلا مُضل له، ومنْ يُضلل فلا هادي له" (٤).
وللنسائي: "و (أ) كلَّ ضلالة في النَّار" (٥).
في الحديث دلالة على عظيم (ب) شأن مقام الخطبة، وأن ذلك مما يهول المتكلم، ويعلنه الحال حتي يظهر في خُلُقه وخلْقه، فإن احمرار العينين وعلو الصوت: إنما يكونان عند اشتداد الأمر.
стр. 1128
وفي قوله: "يقول": الضمير عائد إلى منذر الجيش، وقوله: "صبّحكم (أ) " الفاعل ضمير العدو المنذر منه أي أتاكم وقت الصباح، ومساكم كذلك.
وقوله: "خير الهدي هدي محمد": قال النووي (١): ضبطناه في مسلم بضم الهاء وفتح الدال فيهما، وبفتح الهاء وسكون الدال فيهما، وكذا ذكره جماعة، وقال القاضي عياض (٢): روينا في مسلم بالضم، وفي غيره بالفتح، وبالفتح (ب) ذكره الهروي، وفسره الهروي (٣) على رواية الفتح بالطريق أي: أحسن الطرق طريق محمد، وأما على رواية الضم فمعناه الدلالة والإرشاد ولفظ: "الهدي" له معنيان مستعملان في القرآن أحدهما: بمعنى الدلالة والإرشاد وهو الذي يضاف إلى الرسل (جـ، وإلى القرآن جـ): قال الله تعالى: ﴿وإنَّكَ لَتَهْدي إِلى صراط﴾ (د) (٤) ﴿إِنَّ هَذا القُرآنَ يَهْدي للَّتي هي أقومُ﴾ (٥) وقد يضاف إلى الله تعالى كقوله: ﴿وهديْنَاهُ النَّجدَيْن﴾ (٦) ﴿وأمَّا ثَمُود فَهدَيْنَاهم﴾ (٧)، والثاني: بمعنى
стр. 1129
الإيصال إلى المَطْلَب، وهو المسند إلى الله تعالى وحده، وهو بمعنى اللطف والتوفيق والعصمة والتأييد كقوله: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدي (أمنْ أحْبَبْتَ أ) ولَكِنَّ الله يَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾ (١).
قوله: (ب) شر الأمور محدثاتها": المراد بالمحْدَثَات هو (جـ) ما لم يكن ثابتًا بِشَرْع من الله سبحانه، ولا من رسوله.
وقوله: (د) كل بدعة ضلالة": البدعة في اللغة (٢): هو ما عمل على غير مثالٍ سابق، والمراد به هنا هو ما عمل من دون أن تسبق له شرعية من كتاب أو سنة، وأما ما ثبت بالقياس أو الاجتهاد أو الإجماع. فهو راجع إلى ذلك باعتبار مأخذه فلا يكون بدعة، قال العلماء: البدعة خمسة أقسام (٣): واجبة كحفظ (هـ) العلوم بالتدوين، والرد على الملاحدة بإقامة الأدلة، ومندوبة كبناء المدارس والربط، ومُبَاحة كالتوسعة في ألوان الأطعمة وفاخر الثياب، ومحرمة ومكروهة وهما ظاهران (*).
стр. 1130
فقوله (أ) وكل بدعة ضلالة" عام مخصوص كما قال عمر ﵁ في التراويح: "نعْمَت البدعة" (١).
وفي الحديث دلالة أيضًا على أنه يستحب للخطيب أن يفخّم الخطبة ويرفع بها صوته، ويجزل كلامه، ويكون مطابقًا للفصل الذي تكلم به (ب) من ترغيبٍ وترهيب.
ويدل على استحباب قول: "أما بعد" في خطب الوَعظ والجمعة والعيد وخطب الكتب المصنفة، وقد عقد البخاري (٢) بابًا في استحبابه، وذكر فيه جملة من الأحاديث، [وقد جمع الروايات التي ذكر فيها (جـ) "أما بعد" الحافظ عبد القادر الرهاوي (٣) فأخرجها (د) عن اثنين وثلاثين صحابيا، أخرج منها عن المِسور بن مخرمة: "كان النبي ﷺ إذا خطب قال: أما بعد" (٤)، ورجاله ثقات، و (هـ) ظاهره المواظبة على ذلك] (و).
واختلف العلماء في أول من تكلم به، فقيل داود صلى الله على نبينا
стр. 1131
وعليه وسلم (١)، وقيل يَعْرُب بن قَحطَان (٢)، وقيل: قسّ بن ساعدة، وقال كثيرٌ من المفسرين: إنه فصل الخطاب (٣).
وفي قوله: "يحمد الله ويثني عليه": دلالة على شرعية الحمد والثناء، وظاهره أنه كان يلازم ذلك في جميع خطبه، والظاهر أن الأمر كذلك، فإنه لم يكن يخطب خطبة إلا افتتحها بحمد الله، ويتشهد (أ) فيها بكلمتي الشهادة، ويذكر فيه نفسه باسمه العلم، وقد ثبت أنه قال: "كل خطبة ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذماء" (٤)، وفي "دلائل النبوة" للبيهقي من حديث أبي هريرة مرفوعًا حكاه (ب) عن الله" و (جـ) جعلتُ أمتك لا يجوز لهم خطبة حتى يشهدوا أنك عبدي ورسولي" وشرع الصلاة على النبي ﷺ لأن كل عبادة افتقرت إلى ذكر الله تعالى افتقرت إلى ذكر رسوله كالأذان والصلاة.
وروي عنه (٥) ﷺ أنه كان يذكر معالم الشرائع في الخطبة، والجنة والنار والمعاد، ويأمر بتقوى الله، ويحذر من موارد غضبه، ويرغّب في موجبات رضاه، وقد ورد قراءة آية في حديث مسلم: "كان لرسول الله ﷺ خطبتان
стр. 1132
يجلس بينهما يقرأ القرآن ويذّكر الناس" (١)، وظاهر (أ) محافظته ﷺ على ما ذكر في الخطبة وجوب ذلك لأن فعله بيان لما أجمل في آية (ب) الجمعة، وقد قال: "صلوا كما رأيتموني أصلي" (٢)، وقد ذهب إلى هذا الشافعي و (جـ) الإمام يحيى (٣) وأبو طالب. ويجب الدعاء للإمام أيضًا لعمل المسلمين به (٣)، وكذلك الدعاء لنفسه وللمؤمنين [قال الإمام يحيى (٤): وأقل ما يجب: الحمد لله والصلاة على نبيه، أطيعوا الله يرحمكم الله ويقرأ آية] (د).
وقالت الهادوية: لا يجب إلا الحمد والصلاة على النبي وآله ﵌ في الخطبتين جميعًا.
وقال أبو حنيفة: يجزئه: سبحان الله ولا إله إلا الله (٥). وقال أبو يوسف ورواية عن مالك: لا يجزئ إلا ما يسمى خطبة (٦).
٣٤٣ - وعن عَمَّار بن ياسر ﵁ قال: سمعت: رسول الله ﷺ يقول: "إِنّ طول صلاة الرجل، وقِصر خطبته مَئِنّة من فقهه" رواه
стр. 1133
مسلم (١).
قوله "مَئِنّة" بفتح الميم ثم همزة مكسورة ثم نون مشددة .. أي مما يعرف به فقه الرجل، وكل شيء دل على شيء فهو مئنة له (أ) وحقيقتها أنها مفعلة من معنى أن الشيء للتحقيق غير مشتقة من لفظها، لأن الحروف لا يشتق منها، وإنما ضمنت حروفها دلالة على أن معناها فيها ولو قيل: إنها اشتقت من لفظها بعد ما جعلت اسمًا لكان قولًا (ب)، ومنْ أغرب ما قيل فيها: إن الهمزة بدل من ظاء المظنة كذا في "النهاية" (٢)، وعلى هذا فالميم زائدة، وقد صرح بزيادتها الأزهري.
قال الهروي (٣): وغلط أبو عبيدة فجعل الميم أصلية. وإنما كان قِصَر الخطبة علامة لفقه الرجل، لأن الفقيه هو المطلع على حقائق المعاني وجوامع الألفاظ، يتمكن من التعبير بالعبارة الجامعة الجزلة المفيدة، ولذلك كان من تمام رواية هذا الحديث: "فأطيلوا الصلاة، وأقصروا الخطبة، وإنَّ من البيان لسحرًا"، فشبه الكلام العامل في القلوب الجاذب للعقول بالسحر لأجل ما اشتمل عليه من الجزالة، وتناسق الدلالة، وإفادته المعاني الكثيرة، ووقوعه في مجازه من الترغيب والترهيب ونحو ذلك، ولا
стр. 1134
يقدر عليه إلا مَنْ فقه بالمعاني وجمع شتاتها، وناسب دلالتها فيتمكن حينئذ من الإتيان بالكلمات الجوامع، ومطالع المعاني السواطع وكان ذلك من خصائصه ﷺ فكان (أ) أفصح منْ نَطَقَ بالضاد، وأبرع منْ أوتي فصل الخطاب.
والمراد بطول الصلاة هنا، هو الطول غير المنهي عنه، وهو ما اقتفي فيه بالسنة النبوية، وقد ثبت عنه قراءة (ب) سورة الجمعة والمنافقين في صلاة الجمعة (١)، وذلك هو طول بالنسبة إلى الخطبة وكان غير تطويل منهي عنه. والله سبحانه أعلم.
٣٤٤ - وعن أم هشام بنت حارثة بن النعمان ﵂ قالت: "ما أخذت ﴿ق والقرآن المجيد﴾ إِلا عن لسان رسول الله ﷺ يقرؤها كل جمعة على المنبر إِذا خطب الناس" رواه مسلم (٢).
أم هشام (٣): صحابية [من الأنصار، لا يعرف اسمها، وفي رواية أبي داود: أم هشام بنت الحارث، ولمسلم: بنت حارثة (٤) بالحاء المهملة، أخت عمرة بنت عبد الرحمن لأمها، الأنصارية النجّارية، بايعت بيعة الرضوان،
стр. 1135
وروت عنها أختها عمرة] (أ) روى عنها عبد الرحمن بن سعد وحبيب بن عبد الرحمن وعمرة بنت عبد الرحمن. في الحديث دلالة على شرعية قراءة السورة في الخطبة في كل جمعة، بل وجوبها، قال العلماء (١): سبب اختيار ﴿ق﴾ أنها مشتملة على ذِكر البعث والموت والمواعظ الشديدة والزواجر الأكيدة وفيه دلالة لقراءة شيء من القرآن في الخطبة كما سبق، إلا أنه لا قام الإجماع على عدم وجوب قراءة السورة المذكورة ولا بعضها في الخطبة، فيحمل مواظبته ﷺ عليها (ب) على اختياره لما هو الأحسن في الوعظ والتذكير، ولذلك قال في خطبته: "خير الحديث كتاب الله" (٢).
وفيه دلالة على لزوم الخطبة للوعظ [وقد رَوَى ابن ماجه (٣) عن أُبَيّ بن كعب، ﵁: أنه ﷺ قرأ في يوم الجمعة "تبارك" وهو قائم يذكر (جـ) بأيام الله، وفي رواية لسعيد بن منصور والشافعي (٤) عن عمر ﵁ "أنه كان يقرأ في الخطبة ﴿إِذا الشَّمس كورتْ﴾ ويقطع عند قوله: ﴿ما أحضرت﴾، وفي إسناده (٥) انقطاع، ولا يعارض هذا حديث أم هشام إذ يمكن حمل قولها: "في كل جمعة" على الجُمَع] (د)
стр. 1136
[التي حضرتها، وقراءة ﴿تبارك﴾ فيما لم تحضر، ويحتمل أنه كان ﷺ يجمع بين السورتين، واقتصر الراوي على بعض ما سمع.
وقال شارح "المصابيح": أرادت بقاف أول السورة لا جميعها فلم يقرأها رسول الله ﷺ في الخطبة، وهذا يحتاج إلى نقل (١) والله سبحانه أعلم] (أ).
٣٤٥ - وعن ابن عباس - رضي الله. عنهما - قال: قال رسول الله ﷺ "مَنْ تكلَّم يومَ الجُمعة والإِمام يَخْطُبُ فهو كمَثَلِ الحِمَارِ يَحْمِلُ أسفَارًا، والذي يقول له: أنْصِتْ ليس له جُمعة" رواه أحمد بإسنادٍ لا بأس به (٢).
وهو تفسير حديث أبي هريرة ﵁ في الصحيحين (٣) مرفوعًا: "إذا قلت لصاحبك أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغوت".
حديث أحمد له شاهد قوي في "جامع حماد" مرسل عن ابن عمر موقوفًا (٤).
وقوله: "من تكلم يوم الجمعة، والإِمام يخطب": فيه دلالة على أنَّ
стр. 1137
خطبة غير الجمعة ليست مثلها، وفي قوله: "والإِمام يخطب": دلالة على أن ذلك النهي يختص بحال الخطبة وفيه رد على من قال: إنه منهي عن الكلام (١) من حين خروج الإمام، ولا شك في أفضلية ترك الكلام في ذلك الوقت.
وأما الكلام عند الجلوس بين الخطبتين (٢) فقد حكى فيه قولان: أحدهما: أنه غير خاطب فيحمل الكلام، والثاني: أن وقته يسير فهو شبه السكوت للتنفس فهو في حكم الخاطب (٣).
وتشبيهه بالحمار يحمل أسفارًا لما فاته الانتفاع بأبلغ نافع، وقد تكلف وأتعب نفسه في الحضور للجمعة (أ) والمشبه به كذلك فاته الانتفاع بأبلغ نافع مع تحمل التعب في استصحابه.
وفي قوله: "والذي يقول له: أنصت ليس له جمعة": متأول بأنه حرم فضيلة الجمعة لا نفيها بالكلية، ويدل على هذا تأويل ما رواه أبو داود وابن خزيمة (٤) من حديث عبد الله بن عمر: "ومن لغا وتخطى رقاب الناس كانت له ظهرًا". قال ابن وهب أحد رواته: معناه: أجزأته الصلاة وحُرِم فضيلة الجمعة.
стр. 1138
والإجماع أيضًا على (أ) أنه قد سقط (ب) عنه الفرض، وقد احتج بهذا الحديث من ذهب إلى حرمة التكلم (جـ) في حال الخطبة، وهم الهادي والناصر وأبو حنيفة ومالك ورواية عن أحمد ورواية عن الشافعي (١). فإن تشبيهه بالمشبه به المستنكر وملاحظة وجه الشبه المذكور (د) يدل على القُبْح، وكذلك نسبته إلى فوات الفضيلة الحاصلة بالجمعة ما زال إلا لما يلحق المتكلم من الوزر الذي يُقَاوم الفضيلة فيصير محيطًا لها.
وذهب القاسم بن إبراهيم (٢) وابنه والمرتضي بن الهادي ومحمد بن الحسن وأحد قولي أحمد وأحد قولي الشافعي، ورواية عن أحمد، وعن الشافعي التفرقة بين مَنْ سَمعَ الخطبة (٣) ومن لم يسمعها، [وعبارة الشافعي (٤): فإذا أجاب على أَحدٍ لم أرَ بأسًا إذا لم يفهمه عنه بالإيماء، يدل على أنه يجوز الكلام جوابًا إذا لم يفهم بالإشارة] (هـ)، وبعض الشافعية (٥) أوجب الإنصات على مَن تنعقد بهم الجمعة، وهم أربعون لا
стр. 1139
على مَنْ زاد على ذلك، فجعله كفرض الكفاية، نقل ابن عبد البر (١) الإجماع على وجوب الإنصات على منْ سَمِعَ خُطبة الجمعة إلا عن قليل من التابعين، وروي عن الشعبي، وناس قليل أنهم كانوا يتكلمون إلا في وقت قراءة الإمام في الخطبة خاصة، قال: وفعلهم في ذلك مردود وأحسن ما يُقَالُ: إنه لم يبلغهم الحديث، ودليل منْ جَوَّزَ الخفيف من الكلام تقرير النبي ﷺ السائل له عن الساعة، فأجاب عليه ولم ينكر عليه التكلم، ومن خص ذلك بالسامع لها بقول علي ﵁: "ومن دنا، ولم ينصت، كان عليه كِفْلان من الوزر".
وبعضهم قال: إنه يجوز التكلم إذا انتهى الخطيب إلى ما لم يشرع في الخطبة مثل الدعاء للسلطان، بل جزم صاحب "التهذيب" من الشافعية إلى أنه مكروه وقال النووي (٢): إن ذلك إذا جاوز الحد وأوغل في الثناء وإلا فالدعاء لولاة الأمر مطلوب. انتهى. ونقل صاحب "المغني" من الشافعية الاتفاق على جواز الكلام في الخطبة، الذي يجوز في الصلاة، كتحذير الضرير من الوقوع في بئر و (أ) نحوه.
وقوله: "إِذا قلت لصحابك .. " إِلخ: فيه دلالة على تأكيد النهي عن الكلام، لأنه إذا عُدّ من اللغو الأمر بالمعروف فبالأولى (ب) غيره، فعلى هذا
стр. 1140
يجب عليه أن يأمره بالإشارة إنْ أمكن ذلك والصاحب مراد به المخاطب، وخصه لأنه الأغلب والأمر بالإنصات قيل المراد به السكوت عن مكالمة الناس، فيلزم من هذا جواز الذكر وقراءة القرآن، والظاهر أن النهي شامل للجميع، ومن فرق فعليه الدليل (أويرد عليه أ) مثل جواب التحية، ومثل الصلاة على النبي ﷺ عند سماع ذكره عند مَن يقول بوجوب ذلك على ما هو الأقوى، فإنه قد تعارض عموم النهي هنا وعموم الوجوب فيهما، وتخصيص أحدهما لعموم الآخر تحكم مِن دون مُرجح.
وقوله: "فقد لغوت": اللغوُ الكلام الذي لا أصل له، قال الأخفش: من الباطل وشبْهه، وقال ابن عرفة: اللغو السقط من القول، وقيل: الميل عن الصواب، وقيل: الإثْم، وقال الزين بن المنير: اتفقتْ أقوالُ المفسرين على أنَّ اللغو ما لا يحسن، وقال الهروي: هو في معنى اللغة، والصواب التقييد. وقال النضر بن شميل: معنى لغوت حنثت من الأمر (١)، وقيل: بطلت فضيلة جمعتك، وقيل (ب): صارت جمعتك ظُهْرًا، وأقوال أهل اللغة متقاربة في هذا، والقول الآخر أظهر كما تقدم شاهده (٢)، والله أعلم.
٣٤٦ - وعن جابر ﵁ قال: "دخل رجلٌ يوم الجمعةِ والنبي ﷺ يخطب، فقال: صليت؟ قال: لا، قال: فَقُم، فَصلّ ركعتيْن" متفق عليه (٣).
стр. 1141
قوله: "دخل رجل": هو سليك -بضم السين (أ) المهملة مصغرًا- ابن هدبة، وقيل: ابن عمرو الغَطفاني -بفتح المعجمة ثم الطاء المهملة بعدها فاء من غطفان-، هكذا سماه في رواية لمسلم (١)، وفي رواية الطبراني (٢) من رواية منصور بن الأسود أنه: النعمان بن قوفَل، وقد روى البخاريُّ (٣) من طريق أبي صالح مثل هذه القصة مع أبي ذر، وفي إسناده ابن لَهيعة (٤)، ولكن المشهور عن أبي ذر أنه جاء إلى النبي ﷺ وهو جالس في المسجد، أخرجه ابن حبان (٥) وغيره. وفي رواية الدارقطني (٦) رجل من قيس، وهو يحتمل أن يكون هو سليك لأن غطفان من قيس [وسماه ابن بشكوال (ب) في "المبهمات": أبو هدبة، وهو يحتمل أن يكون كنية سليك] (جـ)،
стр. 1142
ويحتمل تعدد الواقعة في سليك وغيره (١).
وقوله: "صليتَ": بحذف الهمزة للأكثر من رواة البخاري، وقد ثبتت في رواية كريمة والمستملي (٢).
وقوله: "صلّ ركعتَيْن": في رواية مسلم: قال له: "أصليت ركعتين؟ " قال: لا. قال: قم فأدْرِكْهُمَا" (٣)، وفي رواية له: "قم فاركع ركعتين، وتجوِّز فيهما" (٤)، وقد أخرجه أبو قرة (٥): "فاركع ركعتين خفيفتين". وترجم البخاري بذلك فقال: باب من جاء والإمام يخطب صلى ركعتين خفيفتين (٦) (أ).
وفي الحديث دلالة على أن ركعتي تحية المسجد تفْعَلان في حال الخطبة، وأن شرعيتهما ثابتة في تلك الحال، وقد ذهب إلى هذا القاسم والمرتضى والشافعي وأحمد وإسحاق وفقهاء المحدثين، وهو محكي عن الحسن البصري وغيره من المتقدمين.
ويتجوز المصلي ليتفرغ إلى استماع الخطبة (٧)، قيل: إلا أنه يخص من
стр. 1143
ذلك (١) إذا كان الإمام في آخر الخطبة بحيث لا يسمع المصلي بعد فراغه شيئًا من الخطبة، وهو متجه من حيث المناسبة وإنْ لم يقُم عليه دليل يخصه، وذهب مالك والليث وأبو حنيفة والثوري وجمهور السلف من الصحابة والتابعين (٢)، وهو مذهب الهادي، ومرويّ عن علي وعمر وعثمان (٣) ﵃ إلى أنه لا يصلي في ذلك الوقت، وحجتهم قوله تعالى: ﴿وإِذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا﴾ (٤)، ولأنه ﷺ نهى عن أن يقول لصاحبه: أنصت مع أنه أمر بمعروف، وما رواه الطبراني من حديث ابن عمر ﵄ رفعه: "إذا دخل أحدكم المسجد، والإمام على المنبر، فلا صلاة ولا كلام حتى يفرغ الإمام (٥).
واحتجت المالكية (٦) بإطباق أهل المدينة خَلَفًا عن سَلَف عن منع النافلة وقت الخطبة واحتج (أ) الطحاوي بما (ب) روي أن عبد الله بن صفوان دخل
стр. 1144
المسجد وابن الزبير يخطب فاستلم الركن وسلم عليه، ثم جلس، ولم ينكر عليه ابن الزبير (١)، وكذا يحتج بإنكار عمر على عثمان التأخر وعدم الغسل، ولم ينكر عليه ترك الصلاة (٢).
وقصة سليك (٣) أجابوا عنها بأجوبة أحد عشر أولها: أنه (أ) يجوز أن يكون النبي ﷺ سكت عن الخطبة حتى فرغ من صلاته، وقد أجيب عنه بأن (ب) قطع الخطبة لا يجوز لأجل الداخل.
الثاني: أن النبي ﷺ لما خاطب سليكًا فهو في تلك الحال غير خطب فجاز له أن يصلي، كذا قاله ابن العربي (٤). وهو باطل لأن النبي ﷺ بعد أن أتم خطابه رجع إلى خطبته، فصلاته (جـ) وقت الخطبة.
الثالث: أن دخوله والنبي ﷺ قاعد على المنبر قبل أن يخطب، وقد وقع عند مسلم من رواية الليث: "والنبي ﷺ قاعد على المنبر (٥) ويُجَابُ عنه بأن القعود الذي في الحديث لم يدل على أنه قَبْل الخطبة، وهو يحتمل (د) أن يكون القعود الذي بين الخطبتين وهو يسير لا يفرغ من الصلاة إلا وقد فعل شيئًا من الخطبة، ويحتمل أن الراوي تجوّز بالقعود على الاستقرار، فإن سائر الروايات أن النبي ﷺ في حال الخطبة.
стр. 1145
الرابع: أن هذه القصة قبل تحريم الكلام في الصلاة، ويجاب عنه بأن تحريم الكلام متقدم في أول الهجرة أو قبلها كما مضى تحقيقه، وسليك متأخر الإسلام.
الخامس: أن الأوقات التي نهى عن الصلاة فيها يستوي في ذلك من كان خارج المسجد وداخله فيقاس عليه التنفل حال الخطبة، فلا يجوز لمن أتى من خارج كما لا يجوز لمن كان داخل المسجد، ويجاب عنه بأنه قياس مصادم للنص فلا يقبل.
السادس: أنه لا تحية إذا جاء والإمام يصلي، فكذلك إذا جاء وهو يخطب، ويجاب عنه بمثل ما أجيب به عن الخامس، وأيضًا فليست الخطبة كالصلاة من كل وجه، وأيضًا فإن التحية إنما شرعت لئلا يقعد قبل أن يصلي وإذا كان الإمام في حال الصلاة فهو مستغن عن التحية بالدخول معه في الصلاة.
السابع: قيل: اتفقوا على سقوط التحية على الإمام مع كونه يجلس على المنبر فيكون ترك المأموم التحية بطريق الأولى، ويجاب عنه بمثل ما تقدم قبله.
الثامن: قيل: يجوز أن يكون المأمور به صلاة فاتت عليه كذا قاله بعض الحنفية قال: ولعله ﷺ كوشف عن ذلك، وإنما استفهمه ملاطفة له. قال: ولو أراد التحية لما استفهمه لأنه قد شاهد دخوله. ويجاب عنه باستبعاد ما ذكر مع أن في رواية مسلم: "أصليت الركعتين" (١)، والمتبادر من التعريف العهد ولا عهد إلا للتحية وأما الاستفهام فيحمل أنه أراد أن يقرر عليه ما لم يفعل ليكون الأمر له آكد.
стр. 1146
التاسع: أن الخطبة التي وقعت في القصة يجوز أن تكون لغير الجمعة، ويجاب عنه بأن الرواية كما عرفت مصرحة بنفي الاحتمال.
العاشر: يحتمل الخصوصية لسليك، وذلك أنه لما أراد النبي ﷺ أن يتصدقوا عليه، فعرفهم في ذلك الوقت بحاله ليشاهدوا ما عليه من أثر الضر، ويجاب عنه بأنا لا نسلم أن ذلك هو العلة بل يجوز أن يكون جزء علة والمؤثر في الحقيقة غيره، إذ ثبت أنه دخل في الجمعة الثانية، وقد كان تصدق عليه بثوبين في الجمعة الأولى فتصدق بأحدهما فأمره النبي ﷺ بالصلاة وفي الجمعة الثالثة (أ) كذلك. أخرجه أحمد وابن حبان (١).
الحادي عشر: لا نسلم أنهما ركعتا التحية إذ قد جلس وهما يفوتان بالجلوس ويجاب عنه بأن النووي حكى عن المحققين أن فواتها بالجلوس في حق العامد لا الناسي والجاهل (٢) وهذا محمول في المرة الأولى على الجهل وفي المرتين الأخريين على النسيان، [وقد تقدم زيادة بحث في باب المساجد] (ب).
وأجيب عن حُجَّة المانعين: أما عن الآية فإنها واردة في قراءة القرآن لا في الخطبة، وإن سلم فعموم مخصوص بهذا الخاص، والمصلي أيضًا يجوز أن يقال في حقه: إنه ينصت إذا كان المراد بالإنصات هو الإنصات عن
стр. 1147
كلام غيره، وأما حديث الطبراني عن ابن عمر فقوله: "لا صلاة" (١) عموم مخصوص بالركعتين التحية، والعمل بدليلهما أرجح، لأنه ثبت ذلك في الصحيحين وغيرهما، قال النووي: وقوله ﷺ : "إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب، فليركع ركعتين، وليتجوز فيهما لا، هذا نصّ لا يتطرق إليه تأويل، ولا أظن عالمًا يبلغه هذا اللفظ صحيحا فيخالفه (٢).
وأما احتجاج المالكية بإجماع أهل المدينة فغير صحيح بما أخرجه الترمذي وابن خزيمة وصححاه (أ) أن أبا سعيد الخُدْرِي أتى ومروان يخطب فصلاهما، فأراد حَرَس مروان أن يمنعوه فأبى حتى صلاهما ثم قال: ما كنت لأدعهما بعد أن سمعت رسول الله ﷺ يأمر بهما (٣).
وأما ما روي عن الصحابة من المنع فهو محمول على النافلة لمن كان داخل المسجد.
وأما عدم الإنكار على عبد الله بن صفوان فإنما فيه دلالة على جواز تركهما، ولا يدل على الوجوب، وأيضًا فالمسجد الحرام قد قيل: إن تحيته هو استلام الركن فقط، وقد فَعَلَ ذلك.
وفي الحديث دلالة على أنه يجوز للخطيب أن يقطع الخطبة باليسير من الكلام، وقد يقال: أما مثل هذا الكلام الذي صدر من النبي ﷺ فهو من جملة الأوامر والدلالة على الفضائل الذي شرعت الخطبة له فلا دلالة، على الوجه العام، والله أعلم.
стр. 1148
٣٤٧ - وعن ابن عباس ﵄ "أن النبي ﷺ كان يقرأ في صلاة الجمعة سورة الجمعة والمنافقين". رواه مسلم (١).
وله عن النعمان بن بشير ﵁ كان "يقرأ في العيدين وفي الجمعة بـ: ﴿سَبِّح اسْمَ رَبِّكَ الأعْلَى﴾ و ﴿هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ الغَاشيَة﴾ (٢).
إنما خص القراءة بالسورتين، أما الجمعة فلاشتمالها على وجوب الجمعة وغير ذلك من أحكامها وعلى الحث على التوكل والذكر، وبيان الفضيلة التي تضمنتها بعثة الرسول ﷺ وغير ذلك، وسورة المنافقين لتوبيخ خاص بهم وتنبيههم على التوبة لأنه أكثر اجتماعهم في ذلك الموقف، وفي قراءة سَبِّح والغاشية تنبيه بأن ذلك غير لازم، والسورتان فيهما من مقاصد السورتين الأوليين، وقد ورد في العيد أيضًا أنه كان يقرأ بقاف، واقتربت.
٣٤٨ - وعن زيد بن أرقم ﵁ قال: "صلى النبيُّ ﷺ العيد، ثم رخَّص في الجمعة فقال: مَن شاء أن يصلي فليصل". رواه الخمسة إلا الترمذي وصححه ابن خزيمة (٣).
стр. 1149
وصححه أيضًا علي بن المديني في الباب عن ابن الزبير من حديث عطاء، أنه فعل ذلك، وأنه سأل ابن عباس عنه فقال: "أصاب السنة".
أخرجه أبو داود والنسائي والحاكم (١).
وعن أبي هريرة أنه قال ﷺ : "قد اجْتَمَعَ في يَوْمكمْ هَذَا عيدَان فَمَنْ شَاءَ أجْزأه عن الجُمْعة وإنا مجمعون". أخرجه أَبو داود، وابن ماجه والحاكم (٢) من حديث أبي صالح، وفي إسناده بقية (٣)، وصحح الدارقطني إرساله، وكذا الإمام أحمد (٤)، رواه البيهقي (٥) مقيدًا بيا أهل العوالي، وإسناده ضعيف، وقد وقع عند ابن ماجه (٦) عن ابن عباس وهو وَهْم نبَّه عليه هو (٧)، ورواه أيضًا من حديث ابن عمر بإسناد ضعيف (٨) ورواه
стр. 1150
الطبراني أيضًا عن ابن عمر (١)، ورواه البخاري من قول عثمان (٢)، ورواه الحاكم من قول عمر بن الخطاب.
في الحديث دلالة على أن صلاة الجمعة بعد صلاة العيد تصير رخصة يجوز فِعْلُها ويجوز تركها، وهذا مخصوص بمن صلى العيد دون مَن لم يصَلِّ لظاهر الرواية، وقد ذهب إلى هذا الهادي والناصر والمؤيد وأبو طالب إلا الإمام ونصاب الجمعة، وذهب أكثر الفقهاء وأحد قولي الشافعي إلى أنها لا تصير رخصة، قالوا: لأن دليل وجوبها عامّ لجميع الأيام وما ذكر من الأحاديث والآثار فقد عرفت ما في أسانيدها، فلا يقوى على تخصيص الدليل الصحيح إلا أن الشافعي خص من كان خارج المِصْر محتجا بما روي عن عثمان بترخيصه لأهل العوالي (٣)، وقد عرفت أنه روي في الحديث أيضًا من قول النبي ﷺ .
وذهب عطاء إلى أنها يسقط فرضها عن الجميع، وهو ظاهر قوله ﷺ : "من شاء أن يصلي فليصل" (٤)، وبفعل (أ) ابن الزبير (٥) فإنه صلى بهم في
стр. 1151
يومَ عيد في يوم جمعة أول النهار، قال عطاء: ثم رُحْنا إلى الجمعة فلم يخرج إلينا فصلينا وحدانًا وكان ابن عباس بالطائف، فلما قدم ذكرنا ذلك فقال: "أصاب السنة".
وعنده أيضًا يسقط فرض الظهر ولا يصلي إلا العصر، وفي روايته عن ابن الزبير أخرجها أبو داود (١) قال (أ): قال ابن الزبير: "عيدان اجتمعا في يوم واحد فجمعهما جميعًا فصلاهما ركعتين بكرة لم يزد عليهما حتى صلى العصر.
وعلى القول بأن الجمعة أصل في يومها، والظهر بدل، فهو يقتضي صحة هذا القول، لأنه إذا سقط وجوب الأصل مع إمكان أدائه سقط البدل.
وظاهر الحديث أيضًا حيث رخص لهم في الجمعة، ولم يأمرهم بصلاة الظهر مع تقرر إسقاط الجمعة للظهر يدل على صحة هذا القول، والله أعلم.
٣٤٩ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إِذَا صَلَّى أحَدكمْ الجُمعة فَلْيصَلِّ بَعْدهَا أربَعًا". رواه مسلم (٢).
في الحديث دلالة على شرعية صلاة أربع ركعات بعد الجمعة، والأمر
стр. 1152
بذلك دليل على تأكيد الشرعية، ولم يحمل على الوجوب لما وقع في لفظ الحديث في رواية ابن الصباح: "من كان مُصلِّيًا بعد الجمعة فليصلِّ أربعًا" (١) أخرجه مسلم وأبو داود، فدلَّ على أن ذلك ليس بواجب، والأربع أفضل من اثنتين لوقوع الأمر بذلك وكثرة فعله ﷺ لذلك، وقد ثبت مِنْ فعله ﷺ صلاة ركعتين بعد الجمعة (٢).
وفيه دلالة على توسعة الأمر وأن الفضيلة تحصل بذلك.
٣٥٠ - وعن السائب بن يزيد أن معاوية قال له: "إِذا صليتَ الجمعة فلا تصلها بصلاة حتى تتكلم أو تخرج، فإِن رسول الله ﷺ أمرنا بذلك ألَّا نوصل صَلاةً بصلاة حتى نتكلم أو نخرج". رواه مسلم (٣).
هو أبو يزيد السائب بن يزيد الكندي (٤)، وقيل: الليثي، وقيل: الكناني، وقيل: الأزدي وقيل: الهذلي، وقيل: هو حليف بني أمية أو بني عبد شمس، ولد في السنة الثانية من الهجرة، حضر حجة الوداع مع أبيه وهو ابن سبع سنين، روي عنه الزهري ومحمد بن يوسف، ومات سنة ثمانين، وقيل: سنة ست وثمانين، وقيل: سنة إحدى وسبعين.
فيه دلالة على شرعية فصل النافلة من الفريضة، وأن الفصل يحصل بالتكلم أو الانتقال إلى موضع آخر، [وقد ورد مصرحًا به في رواية الشافعي: "حتى يتكلم أو يتقدم". قال في "شرح ابن رسلان": يعني إلى مكان] (أ)
стр. 1153
[آخر بحيث يكون انتقاله ثلاث خطوات متواليات] (أ) ولعل الحكمة في ذلك لئلا تشتبه النافلة بالفرض ولذلك أنه قد ورد أن ذلك هلكة، وقد ذكر العلماء في أنه يستحب التحول للنافلة عن موضع الفريضة إلى موضع آخر، وأفضله التحول إلى بيته [لحديث مسلم: "إذا قضى أحدكم صلاته في مسجده فليجعل لبيته من (ب) صلاته" (١)] (جـ)، وإلا في موضع آخر من المسجد أو غيره ليكثر مواضع سجوده.
٣٥١ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَن اغْتسل ثم أتى الجمعة، فصلى ما قُدِّرَ له، ثم أنصت حتى يفرغ الإِمام من خطبته، ثم يصلي معه، غُفِرَ له ما بينه وبين الجمعة الأخرى، وفضل ثلاثة أيام". رواه مسلم (٢).
قوله: "من اغتسل يوم الجمعة": وفي رواية أخرى لمسلم (٣): "من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة"، وهذه الرواية الأخرى مُبَيِّنَة أن غُسْل يوم الجمعة ليس بواجب.
وقوله: "فصلى ما قُدِّرَ له" فيه دلالة على أن الصلاة قبل خروج الإمام مستحبة، وهو مذهب الجمهور، وقوله "ما قدر له": فيه دلالة على أن النافلة لا حد لها يقف عليه.
стр. 1154
وقوله: "ثم أنصت": من الإنصات، هكذا في أكثر نسخ مسلم، وفي بعض النسخ المعتمدة (١): "انتصت" (أ) بزيادة تاء فوقانية بعد النون، وهي لغة صحيحة، قال الأزهري: يقال: أنصت، ونصت ثلاث لغات، والإنصات السكوت، وهو غير الاستماع إذ هو الإصغاء، ولذا قال تعالى: ﴿فاستمعوا له وأنصتوا﴾ (٢) وقد تقدم حكم الإنصات (٣).
وقوله: "حتى يفرغ الإِمام من خطبته": في النسخ لصحيح (ب) مسلم بحذف لفظ "الإمام"، والضمير عائد إليه للعِلْم به وإن لم يكن مذكورًا، وفي "حتى" دلالة في أن الكلام لا يكون بعدَ الخطبة قبل الصلاة.
وفي قوله: "غفر له ما بينه وبين الجمعة": والمعنى ما بين صلاة الجمعة، وخطبتها إلى مثل ذلك الوقت من الجمعة الثانية حتى يكون سبعة أيام بلا زيادة ولا نقصان، أي: غفر له الخطايا الكائنة فيما بين .. إلخ فـ "ما" مراد بها صفة للوقت المقدّر حذف الموصوف وأقيم الموصول مقامه.
وقوله: "فَضل ثلاثة": معطوف على موصوف "ما" فهو (جـ) منصوب على الظرف، يعني ويضم إلى السبعة الأيام ثلاثة أيام حتى تكون عشرة أيام (٤).
стр. 1155
٣٥٢ - وعنه ﵁ "أن رسول الله ﷺ ذَكَرَ يومَ الجمعة، فقال: "فيه ساعة لا يوافقها عبدٌ مسلم، وهو قائمٌ يصلِّي، يسأل الله، ، شيئًا إِلا أعطاه [إِياه] (أ) وأشار بيده يقلّلها". متفق عليه (١).
وفي رواية لمسلم: "هي ساعة خفيفة" (٢).
قوله: "فيه ساعة": ورد في هذه الرواية إبهام الساعة، وسيأتي تعيينها.
وقوله: "وهو قائم": جملة حالية من عند مسلم، أو صفة والواو لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف و "يصلي" خبر ثان و "يسأل" ثالث، ومعنى "قائم"، مقيم للصلاة متلبس بأركانها لا بمعنى حالة القيام فقط، وهذه الجملة ثبتت" (ب) في رواية جماعة من الحفاظ وسقطت في رواية جماعة، وحكى أبو محمد بن السيد عن محمد بن وضاح (جـ): أنه كان يأمر بحذفها من الحديث، ولعله استشكل الصلاة إذا كان وقتها (د) من بعد العصر بعد ثبوت كراهة الصلاة في ذلك الوقت، وكذا إذا كان وقتها من جلوس الخطيب على المنبر إلى انصرافه من الصلاة، وقد تؤولت الصلاة (هـ) بالانتظار لها، والمنتظر للصلاة في صلاة كما ورد في الحديث. فارتفع الإشكال.
стр. 1156
وقوله: "وأشار بيده يقللها": قد بُيِّن المشير في رواية أبي مصعب (١) عن مالك: "فأشار رسول الله ﷺ "، وقيل: المشير (٢) (سلمة بن علقمة وأنه وضع أنملته على بطن الوسطى والخنصر يبين قلتها، وقيل: إن الواضع هو بشر (أ) بن الفضل راويه عن سلمة (٣).
والسؤال ورد مطلقًا في هذه الرواية ومقيدًا في رواية لمسلم: "يسأل الله خيرًا" (٤)، وعند ابن ماجه من حديث أبي لبابة (ب): "ما لم يسأل الله إثمًا" (٥)، وعند أحمد من حديث سعد بن عبادَة (٦): "ما لم يسأل إثمًا أو قطعة رحم"، وقطيعة الرحم من عطف الخاص على العام.
٣٥٣ - وعن أبي بردة عن أبيه ﵁: "سمعت رسول الله ﷺ يقول: "هي ما بين أنْ يجلس الإِمام إِلى أن يقضي الصلاة". رواه مسلم (٧). ورجح الدارقطني أنه من قول أبي بردة (٨).
стр. 1157
وفي حديث عبد الله بن سلام عند ابن ماجه (١)، وجابر عند أبي داود والنسائي (٢): "إِنها ما بَيْنَ صلاة العصرِ إِلى غروب الشمس"، وقد اختلف فيها على أكثر من أربعين قولًا أَمليتها في شرح البخاري (٣).
أبو بُرْدَة -بضم الباء الموحدة وسكون الراء المهملة وبالدال المهملة- هو: عامر بن عبد الله بن قيس -وعبد الله هو أبو موسى الأشعري- أحد التابعين المشهورين المكثرين سمع أباه وعليًّا وابن عمر وغيرهم. روي عنه الشّعْبي وأبو إسحاق السِّبِيعي، كان على قضاء الكوفة (٤) بعد شريح فعزله الحجاج (٥).
وعبد الله بن سلام هو أبو يوسف عبد الله بن سلام بن الحارث من بني قينقاع الإسرائيلي من ولد يوسف بن يعقوب ﵉ وكان حليفًا لبني عوف بن الخزرج، وكان اسمه الحصين فسماه رسول الله ﷺ
стр. 1158
عبد الله، وهو أحد الأحبار، وأحد من شهد له النبي ﷺ بالجنة (١)، روى عنه ابناه يوسف ومحمد، وأنس بن مالك وغيرهم. مات بالمدينة سنة ثلاث وأربعين (٢).
وسَلام بتخفيف اللام (٣). قال المبرد: لم يكن في العرب سَلام بالتخفيف غيره، وزاد غيره: سلام بن مشكم، والمعروف فيه بالتشديد.
وقَيْنقاع: (٤) بفتح القافين وسكون الياء تحتها نقطتان من أسفل وضم (أ) النون وبالعين المهملة.
قوله: "وقد اختلف فيها" .. إِلخ. ذكر المصنف ﵀ في "فتح الباري" (٥) ثلاثة وأربعين قولًا، وها أنا أذكرها على وجه الإيجاز مستوفيًا لما في الكتاب:
الأول: أنها قد رُفعَتْ وهو محكي عن بعض الصحابة، وأخرج عبد الرزاق (٦) عن عبد الله بن يحنس مولى معاوية (٧) قال: قلتُ لأبي هريرة:
стр. 1159
"إنهم زعموا أن الساعة في يوم الجمعة التي يستجاب فيها الدعاء قد رفعت، فقال: كذب من قال ذلك. قلتُ: فهي في (أ) كل جمعة؟ قال: نعم". إسناد قوي.
الثاني: أنها موجودة في جمعة واحدة في كل سنة قاله كعب الأحبار، ورد عليه أبو هريرة، فرجع، رواه (ب) مالك في "الموطأ" وأصحاب السنن (١).
الثالث: أنها مخفية في جميع اليوم كما أخفيت ليلة القدر في العشر، وهذا القول قاله جَمْعٌ من العلماء كالرافعي وصاحب المغني (٢) (جـ)، فإنهم قالوا: يستحب إكثار الدعاء في يوم الجمعة رجاء أن يصادف ساعة الإجابة، وأخرج ابن خزيمة (٣): أن أبا سعيد سأل النبي ﷺ ، عنها فقال: "لقد أعلمتها ثم أنسيتها كما أنسيت ليلة القدر". وروى عبد الرزاق (٤): أن الزهري قال: لم أسمع فيها بشيء، إلا أن كعب الأحبار قال: لو أن إنسانًا دعا في جمعة أول النهار وفي الثانية بعد ذلك الوقت إلى وقت معلوم حتى يأتي على آخر النهار لأتى عليها.
стр. 1160
وهذا يدل على عدم التعيين، ويحتج لهذا القول بالقياس على إخفاء ليلة القدر والاسم الأعظم، والحكمة في ذلك بعث العباد على الاجتهاد في الطلب، واستيعاب الوقت بالعبادة.
الرابع: أنها تنتقل في يوم الجمعة ولا يلزم ساعة معينة (أ) لا ظاهرة ولا مخفية. قال الغزالي: هذا أشبه الأقوال (١)، وجزم به ابن عساكر وغيره، وقال المحب الطبري: إنه الأظهر.
الخامس: إذا أذن المؤذن لصلاة الغداة، ذكره أبو الفضل في "شرح الترمذي" وسراج الدين بن الملقن في شرحه على البخاري، وروياه عن ابن أبي شيبة (٢) عن عائشة، وقد رواه الروياني في "مسنده" عنها، وأطلق الصلاة، ورواه ابن المنذر فقيده بصلاة الجمعة.
السادس: مِنْ طُلُوع الفجر إلى طلوع الشمس رواه ابن عساكر عن أبي هريرة وعبارة بعضهم: ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس.
السابع: مثله، وزاد من العصر إلى المغرب، أخرجه سعيد بن منصور عن أبي هريرة، وفيه ليث بن أبي سليم (٣)، وهو ضعيف، واختلف عليه فيه أيضًا.
الثامن: مثله، وما بين أن ينزل الإمام من المنبر إلى أن يكبر، رواه [حميد] (ب) بن زنجويه في "الترغيب" له من طريق عطاء عن أبي هريرة