وقوله: "وأشار بيده يقللها": قد بُيِّن المشير في رواية أبي مصعب (١) عن مالك: "فأشار رسول الله ﷺ "، وقيل: المشير (٢) (سلمة بن علقمة وأنه وضع أنملته على بطن الوسطى والخنصر يبين قلتها، وقيل: إن الواضع هو بشر (أ) بن الفضل راويه عن سلمة (٣).
والسؤال ورد مطلقًا في هذه الرواية ومقيدًا في رواية لمسلم: "يسأل الله خيرًا" (٤)، وعند ابن ماجه من حديث أبي لبابة (ب): "ما لم يسأل الله إثمًا" (٥)، وعند أحمد من حديث سعد بن عبادَة (٦): "ما لم يسأل إثمًا أو قطعة رحم"، وقطيعة الرحم من عطف الخاص على العام.
٣٥٣ - وعن أبي بردة عن أبيه ﵁: "سمعت رسول الله ﷺ يقول: "هي ما بين أنْ يجلس الإِمام إِلى أن يقضي الصلاة". رواه مسلم (٧). ورجح الدارقطني أنه من قول أبي بردة (٨).
стр. 1157
وفي حديث عبد الله بن سلام عند ابن ماجه (١)، وجابر عند أبي داود والنسائي (٢): "إِنها ما بَيْنَ صلاة العصرِ إِلى غروب الشمس"، وقد اختلف فيها على أكثر من أربعين قولًا أَمليتها في شرح البخاري (٣).
أبو بُرْدَة -بضم الباء الموحدة وسكون الراء المهملة وبالدال المهملة- هو: عامر بن عبد الله بن قيس -وعبد الله هو أبو موسى الأشعري- أحد التابعين المشهورين المكثرين سمع أباه وعليًّا وابن عمر وغيرهم. روي عنه الشّعْبي وأبو إسحاق السِّبِيعي، كان على قضاء الكوفة (٤) بعد شريح فعزله الحجاج (٥).
وعبد الله بن سلام هو أبو يوسف عبد الله بن سلام بن الحارث من بني قينقاع الإسرائيلي من ولد يوسف بن يعقوب ﵉ وكان حليفًا لبني عوف بن الخزرج، وكان اسمه الحصين فسماه رسول الله ﷺ
стр. 1158
عبد الله، وهو أحد الأحبار، وأحد من شهد له النبي ﷺ بالجنة (١)، روى عنه ابناه يوسف ومحمد، وأنس بن مالك وغيرهم. مات بالمدينة سنة ثلاث وأربعين (٢).
وسَلام بتخفيف اللام (٣). قال المبرد: لم يكن في العرب سَلام بالتخفيف غيره، وزاد غيره: سلام بن مشكم، والمعروف فيه بالتشديد.
وقَيْنقاع: (٤) بفتح القافين وسكون الياء تحتها نقطتان من أسفل وضم (أ) النون وبالعين المهملة.
قوله: "وقد اختلف فيها" .. إِلخ. ذكر المصنف ﵀ في "فتح الباري" (٥) ثلاثة وأربعين قولًا، وها أنا أذكرها على وجه الإيجاز مستوفيًا لما في الكتاب:
الأول: أنها قد رُفعَتْ وهو محكي عن بعض الصحابة، وأخرج عبد الرزاق (٦) عن عبد الله بن يحنس مولى معاوية (٧) قال: قلتُ لأبي هريرة:
стр. 1159
"إنهم زعموا أن الساعة في يوم الجمعة التي يستجاب فيها الدعاء قد رفعت، فقال: كذب من قال ذلك. قلتُ: فهي في (أ) كل جمعة؟ قال: نعم". إسناد قوي.
الثاني: أنها موجودة في جمعة واحدة في كل سنة قاله كعب الأحبار، ورد عليه أبو هريرة، فرجع، رواه (ب) مالك في "الموطأ" وأصحاب السنن (١).
الثالث: أنها مخفية في جميع اليوم كما أخفيت ليلة القدر في العشر، وهذا القول قاله جَمْعٌ من العلماء كالرافعي وصاحب المغني (٢) (جـ)، فإنهم قالوا: يستحب إكثار الدعاء في يوم الجمعة رجاء أن يصادف ساعة الإجابة، وأخرج ابن خزيمة (٣): أن أبا سعيد سأل النبي ﷺ ، عنها فقال: "لقد أعلمتها ثم أنسيتها كما أنسيت ليلة القدر". وروى عبد الرزاق (٤): أن الزهري قال: لم أسمع فيها بشيء، إلا أن كعب الأحبار قال: لو أن إنسانًا دعا في جمعة أول النهار وفي الثانية بعد ذلك الوقت إلى وقت معلوم حتى يأتي على آخر النهار لأتى عليها.
стр. 1160
وهذا يدل على عدم التعيين، ويحتج لهذا القول بالقياس على إخفاء ليلة القدر والاسم الأعظم، والحكمة في ذلك بعث العباد على الاجتهاد في الطلب، واستيعاب الوقت بالعبادة.
الرابع: أنها تنتقل في يوم الجمعة ولا يلزم ساعة معينة (أ) لا ظاهرة ولا مخفية. قال الغزالي: هذا أشبه الأقوال (١)، وجزم به ابن عساكر وغيره، وقال المحب الطبري: إنه الأظهر.
الخامس: إذا أذن المؤذن لصلاة الغداة، ذكره أبو الفضل في "شرح الترمذي" وسراج الدين بن الملقن في شرحه على البخاري، وروياه عن ابن أبي شيبة (٢) عن عائشة، وقد رواه الروياني في "مسنده" عنها، وأطلق الصلاة، ورواه ابن المنذر فقيده بصلاة الجمعة.
السادس: مِنْ طُلُوع الفجر إلى طلوع الشمس رواه ابن عساكر عن أبي هريرة وعبارة بعضهم: ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس.
السابع: مثله، وزاد من العصر إلى المغرب، أخرجه سعيد بن منصور عن أبي هريرة، وفيه ليث بن أبي سليم (٣)، وهو ضعيف، واختلف عليه فيه أيضًا.
الثامن: مثله، وما بين أن ينزل الإمام من المنبر إلى أن يكبر، رواه [حميد] (ب) بن زنجويه في "الترغيب" له من طريق عطاء عن أبي هريرة
стр. 1161
قال: "التمسوا الساعة التي يجاب فيها الدعاء يوم الجمعة في هذه الأوقات الثلاثة".
[التاسع: أنها أول ساعة بعد طلوع الشمس، حكاه الجيلي في شرح التنبيه"، وتبعه المحب الطبري في شرحه.
العاشر: أنها (أ)] عند طلوع الشمس حكاه الغزالي في "الإحياء" (١)، وقال الزين بن المنير في شرحه: هي ما بين أن ترتفع الشمس بشبر إلى ذراع وعزاه لأبي ذر.
الحادي عشر: أنها آخر الساعة الثالثة من النهار، حكاه صاحب "المغني" (٢) (ب) وهو في "مسند الإمام أحمد" من طريق علي بن أبي (جـ) طلحة عن أبي هريرة مرفوعًا: "يوم الجمعة فيه طُبِعَتْ (د) طينة آدم وفي آخر ثلاث ساعات منه، من دعا الله فيه استجيب له" (٣)، وفي إسناده فرج بن فَضالة (٤)، وهو ضعيف، وعليّ (٥) لم يسمع من أبي هريرة، وقال المحب الطبري: هو يحتمل أمرين أحدهما ما ذكره، وثانيهما أنْ يكون في آخر
стр. 1162
كل ساعة من الثلاث ساعة إجابة فيكون (أ) قد تجوز بإطلاق الساعة على بعض الساعة.
الثاني عشر: من الزوال إلى أن يصير الظل نصف ذراع حكاه المحب الطبري (ب في "الأحكام" ب).
الثالث عشر: مثله إلا أنه قال: "إلى أن يصير الظل ذراعًا" حكاه عياض والقرطبي والنووي) (جـ) (١).
الرابع عشر: بعد الزوال بشبر إلي ذراع، وقد روي عن أبي ذر بإسناد قويّ.
الخامس عشر: إذا زالت الشمس، حكاه ابن المنذر عن أبي العالية، ورووا نحوه في أثناء حديث عن علي، وروي عبد الرزاق (٢) من طريق الحسن أنه كان يتحراها عند الزوال، وروي ابن عساكر من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة قال: "كانوا يرون الساعة المستجاب فيها الدعاء إذا زالت الشمس، وكان مأخذهم أن ذلك وقت اجتماع الملائكة، وابتداء وقت دخول الجمعة وابتداء الأذان، ونحو ذلك.
السادس عشر: إذا أذن المؤذن لصلاة الجمعة. وهذا يغاير (د) الذي قبله لتقييده بالأذان وإن تأخر عن الزوال، ويتعين أن يراد به الأذان الذي بين يدي الخطيب.
стр. 1163
السابع عشر: من الزوال إلى أن يدخل الرجل في الصلاة، ذكره ابن المنذر عن أبي السوار العدوي، وحكاه ابن الصباغ إلى أن يدخل الإمام.
الثامن عشر: من الزوال إلى خروج الإمام، حكاه القاضي أبو بكر الطبري.
التاسع عشر: من الزوال إلى غروب الشمس، حكاه أبو العباس أحمد بن علي كشاسب (أ) الدزماري (ب) بزاي ساكنة وراء مهملة قبل ياء النسب (جـ)، في نكته على التنبيه (د) عن الحسن، ونقله ابن الملقن، وكان الدزماري (١) في عصر ابن الصلاح.
العشرون: ما بين خروج الإمام إلى أن تقام الصلاة، رواه ابن المنذر عن الحسن.
الحادي والعشرون. عند خروج الإمام، رواه حميد بن زنجويه، في كتاب "الترغيب" عن الحسن أن رجلًا مر به وهو ينعس في ذلك الوقت.
الثاني والعشرون: ما بين خروج الإمام إلى أن تنقضي الصلاة، رواه ابن جرير عن الشعبي.
الثالث والعشرون: ما بين أن يحرم البيع إلى أن يحل، رواه سعيد بن منصور وابن المنذر عن الشعبي (٢)، قوله أيضًا. قال ابن المنير: وجهه
стр. 1164
أنه أخص أوقات الجمعة بدليل حرمة البيع فيه.
الرابع والعشرون: ما بين الأذان إلى انقضاء الصلاة، رواه حميد ابن زنجويه عن ابن عباس (أ) وحكاه في "شرح السنة" عنه (١).
الخامس والعشرون: "ما بين أن يجلس الإمام على المنبر إلى أن تنقضي الصلاة" رواه مسلم وأبو داود (٢) عن أبي بردة بن أبي موسى لما سأله ابن عمر فقال: (ب) سمعت أبي يقول (جـ): سمعت رسول الله ﷺ يقول ... : فذكره، وهذا يمكن أن يتحد بما قبله.
السادس والعشرون: عند التأذين، وعند تذكير الإمام وعند الإقامة، رواه حميد بن زنجويه عن عوف بن مالك الأشجعي قوله.
السابع والعشرون: مثله لكن قال: إذا أذن، وإذا رقى المنبر، وإذا أقيمت الصلاة، رواه ابن أبي شيبة (٣) وابن المنذر عن أبي أمامة الصحابي. قوله: ولا شك في وقت النداء. أنه وقت إجابة في سائر الأوقات فيتأكد (د) ذلك في يوم الجمعة.
الثامن والعشرون: من حين يفتتح الإمام الخطبة حتى يفرغها، رواه
стр. 1165
ابن عبد البر عن ابن عمر مرفوعًا وإسناده ضعيف.
التاسع والعشرون: إذا بلغ الخطيب المنبر وأخذ في الخطبة، حكاه الغزالى في "الإحياء" (١).
الثلاثون: عند الجلوس بين الخطبتين، حكاه الطيبي عن بعض شراح "المصابيح".
الحادي والثلاثون: عند جلوس الإمام على المنبر، رواه ابن أبي شيبة وحميد بن زنجويه وابن خزيمة (٢) وابن المنذر بإسناد صحيح إلى أبي إسحاق عن أبي بردة قوله، وحكاه الغزالي (٣) قولًا بلفظ: "إذا قام الناس إلى الصلاة".
الثاني والثلاثون: حين تقوم الصلاة حتى يقوم الإمام في مقامه، حكاه ابن المنذر عن الحسن أيضًا، ورواه الطبراني (٤) من حديث ميمونة بنت سعد نحوه مرفوعًا بإسناد ضعيف.
الثالث والثلاثون: من إقامة الصلاة إلى تمام الصلاة، رواه الترمذي وابن ماجه من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو عن أبيه عن جده مرفوعًا وفيه قالوا: أية ساعة يا رسول الله؟ قال ﷺ : "حين تقام الصلاة إلى
стр. 1166
الانصراف منها" (١)، وقد ضعف كثير (٢)، ورواه البيهقي في "الشعب" (٣) من هذا الوجه بلفظ: "ما بين أن ينزل الإمام من المنبر إلى أن تنقضي الصلاة"، ورواه ابن أبي شيبة (٤) من طريق مغيرة عن واصل الأحدب عن أبي بردة قوله، وإسناده قويّ، وفيه (أ) أن ابن عمر استحسن عن ابن سيرين منه، وبارك عليه ومسح على رأسه، ورواه ابن جرير وسعيد بن منصور عن ابن سيرين.
الرابع والثلاثون: هي الساعة التي كان النبي ﷺ يصلي فيها الجمعة، رواه ابن عساكر بإسناد صحيح عن ابن سيرين وخص في هذا الوقت الذي كان يصلي فيه النبي ﷺ لأن ﷺ لا يختار إلا أفضل الأوقات وأشرف الحالات.
الخامس والثلاثون: من صلاة العصر إلى غروب الشمس، رواه ابن جرير من طريق ابن عباس مرفوعًا، ومن طريق أبي سعيد مرفوعًا بلفظ: "والتمسوها بعد العصر" (٥)، وذكر ابن عبد البر (٦) أن الزيادة مدرجة من
стр. 1167
قول أبي سلمة راويه، ورواه ابن منده وزاد: "أغفل ما يكون الناس" ورواه أبو نعيم في "الحلية" (١) عن عبد الله مثل حديث ابن عباس، ورواه الترمذي (٢) عن أنس مرفوعًا بلفظ: "بعد العصر إلى غيبوبة الشمس"، وإسناده ضعيف (٣).
السادس والثلاثون: في صلاة العصر، رواه عبد الرزاق (٤) عن عمر (أ) بن ذر عن يحيى بن إسحاق بن أبي طلحة عن النبي ﷺ مرسلًا وفيه قصة.
السابع والثلاثون: بعد العصر إلى آخر وقت الاختيار، حكاه الغزالي في "الإحياء" (٥).
الثامن والثلاثون: بعد العصر (٦) كما تقدم عن أبي سعيد مطلقًا، ورواه أحمد وابن عساكر عن أبي هريرة وأبي سعيد مرفوعًا وهي بعد العصر، وروى ابن المنذر عن مجاهد مثله. ورواه ابن خزيمة (٧) من طريق إبراهيم بن ميسرة عن رجل (ب) أرسله عمر بن أوس إلى أبي هريرة فذكر مثله،
стр. 1168
قال: وسمعته عن الحكم عن ابن عباس مثله، ورواه أبو بكر المروزي من طريق الثوري وشعبة جميعًا عن يونس بن حبان. قال الثوري: عن عطاء، وقال الشعبي عن أبيه عن أبي هريرة. مثله، وقال عبد الرزاق (١) أخبرنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه أنه كان يتحراها بعد العصر، وعن ابن جريج عن بعض أهل العلم قال: لا أعلمه إلا عن ابن عباس مئله، فقيل له: لا صلاة بعد العصر؟ قال: بلى لأن من كان في مصلاه لم يقم منه فهو في صلاة (٢).
التاسع والثلاثون: من وسط النهار إلى قرب آخر النهار كما تقدم أول الباب عن سلمة بن علقمة.
الأربعون: من حين تصفر الشمس إلى أن تغيب، رواه عبد الرزاق عن طاوس قوله (٣).
الحادي والأربعون: آخر ساعة بعد العصر، رواه أبو داود والنسائي والحاكم (٤) بإسناد حسن عن أبي أسامة عن جابر مرفوعًا، وفي أوله: "إن النهار اثنتا عشرة ساعة" رواه مالك وأصحاب السنن وابن خزيمة وابن حبان من طريق محمد بن إبراهيم عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن عبد الله بن سلام قوله (٥)، وفيه مناظرة أبي هريرة له في ذلك.
стр. 1169
واحتج عبد الله بن سلام أن منتظر الصلاة في صلاة. وروى ابن جريج من طريق العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة عن كعب الأحبار قوله.
وقال عبد الرزاق (١): أخبرنا ابن جريج أخبرني موسى بن عقبة أنه سمع أبا سلمة يقول: حدثنا عبد الله بن عامر فذكر مثله وروى البزار (٢) وابن جريج من طريق محمد بن عمر عن أبي سلمة عن أبي هريرة وأبي سعيد، فذكر الحديث، وفيه: قال أبو سلمة: فلقيتُ عبد الله بن سلام فذكرتُ ذلك له (أ) ولم يعرض بذكر النبي ﷺ بل قال: "النهار اثنتا عشرة ساعة وإنها لفي آخر ساعة من النهار".
ولابن ماجه (٣) من طريق أبي النضر عن أبي سلمة عن عبد الله بن سَلام قال: قلتُ ورسول الله ﷺ جالس: إنا لنجد في كتاب الله أن في الجمعة ساعة فقال رسول الله ﷺ : "أوْ بعض ساعة". الحديث. قلتُ: أي الساعة؟ (ب) فذكرها، وهذا يحتمل أن يكون القائل: "قلتُ": عبد الله بن سلام، فيكون مرفوعًا، ويحتمل أن يكون أبا سلمة فيكون موقوفًا، (جـ) الأرجح لتصريحه في رواية يحيى بن أبي كثير (٤) بأن عبد الله بن سلام لم يذكر النبي ﷺ في الجواب.
стр. 1170
الثاني والأربعون: مِنْ حين يغرب قرص الشمس -أو من حين يدلي قرص الشمس للغروب- إلى أن يتكامل غروبها، رواه الطبراني في "الأوسط" والدارقطني في "العلل"، والبيهقي في "الشعب" "وفضائل الأوقات" (أ) من طريق (١): زيد بن علي بن الحسين بن علي: حدثتني مرجانة مولاة فاطمة بنت رسول الله ﷺ قالت حدثتني فاطمة ﵂ عن أبيها ﷺ وذكر (ب) الحديث وفيه: قلتُ: للنبي ﷺ : أي ساعة هي؟ قال: "إذا تدلى قرص الشمس للغروب"، وكانت فاطمة ﵂ إذا كان يوم الجمعة أرسلت غلامًا لها يقال له زيد ينظر لها الشمس، فإذا أخبرها أنها (جـ) تدلت للغروب أقبلت على الدعاء إلى أن يغيب.
وفي إسناده اختلاف على زيد بن علي، وفي بعض رواته من لا يعرف حاله، وقد أخرجه ابن راهويه في "مسنده" (٢) من طريق سعيد بن رشيد عن زيد بن علي عن فاطمة، ﵂، ولم يذكر مرجانة وقال فيه: "إذا تدلت الشمس للغروب"، فقال فيه: تقول للغلام يقال له زيد اصعد على الضراب إذا تدلت الشمس للغروب فأخبرني، والباقي نحوه، وفي آخره: ثم تصلي، يعني المغرب.
[الثالث والأربعون: أنها وقت قراءة الإمام الفاتحة في صلاة] (د)
стр. 1171
[الجمعة إلى أن يقول آمين. ذكره ابن الجزري في "عدة الحصن"] (أ).
فهذا جميع ما ذكر، وليست كلها متغايرة من كل وجه، بل كثير منها يمكن أن يتحد مع غيره.
وقال ابن المنيّر: يحسن جميع الأقوال، وقد ذكر عشرة أقوال من هذه تبعًا لابن بطال (١). قال: فتكون ساعة الإجابة واحدة منها، لا يعينها فيصادفها من اجتهد في الدعاء في جميعها.
قال المصنف -رحمه الله تعالى - (٢): وليس المراد مِنْ أكثرها أنه يستوعب جميع الوقت الذي عين، بل المعنى أنها تكون في أثنائه لقوله: "فيما مضى: "يقللها"، وقوله: "وهي ساعة خفيفة" وفائدة ذكر الوقت أنها تنتقل فيه، فيكون ابتداء مظنتها ابتداء الخطبة مثلًا وانتهاء الصلاة، ولا شك أن أرجح الأقوال المذكورة حديث أبي موسى وحديث عبد الله بن سلام.
قال المحب الطبري: أصح الأحاديث فيها (ب) حديث أبي موسى، وأشهر الأقوال فيها قول عبد الله بن سلام وما عداهما إما موافق لها أو لأحدهما. أو ضعيف (جـ) الإسناد أو موقوف استند قائله إلى اجتهاد ولا يعارضها حديث أبي سعيد في كونه ﷺ أنسيها بعد أن علمها لاحتمال أن يكون
стр. 1172
سمعا ذلك قبل أن أنسى، أشار إلى ذلك البيهقي وغيره، ورجح مسلم على ما روى عنه البيهقي (١) حديث أبي موسى وقال: هو أجود شيء في هذا الباب وأصحه، وقال به البيهقي وابن العربي (٢) وجماعة، وقال القرطبي: هو نص في موضع الخلاف فلا يلتفت إلى غيره، وقال النووي (٣) (أ): هو الصحيح بل الصواب، ورجح أحمد قول عبد الله بن سلام حكاه عنه الترمذي (٤)، وقال أحمد (٤): أكثر الأحاديث على ذلك، وقال ابن عبد البر (٥): أثبت شيء في هذا الباب. وروى سعيد بن منصور بإسناد صحيح إلى أبي سلمة (ب بن عبد الرحمن ب) أن ناسًا من الصحابة اجتمعوا فتذاكروا ساعة الجمعة ثم افترقوا ولم يختلفوا أنها آخر ساعة من يوم الجمعة (٦).
ورجحه إسحاق، ومن المالكية الطرطوشي، وحكى العلائي أن شيخه الزملكاني -شيخ الشافعية في وقته- كان يختاره، ويحكيه عن نص
стр. 1173
الشافعي (١)، وأجابوا عن كونه ليس في الصحيحين بأن الترجيح بما في الصحيحين أو (أ) أحدهما إنما هو حيث لا يكون مما انتقده الحفاظ، كحديث أبي موسى هذا فإنه أعل بالانقطاع والاضطراب، أما الانقطاع فلأن (ب) في إسناده مخرمة بن بكير (٢)، ولم يسمع من أبيه، وقد صرح أيضًا بأنه لم يسمع من أبيه فلا يكون على شرط مسلم، وأما الاضطراب فإن راوية (جـ) كأبي إسحاق وما قبل الأحدب ومعاوية بن قرة وغيرهم أخرجوه عن أبي بردة من قوله، وهؤلاء من أهل الكوفة، وأبو بردة كوفي، فهم أعلم بحديثه من بكير، فلو كان عند أبي بردة مرفوعًا لم يقفوه عليه، وبهذا جزم الدارقطني بأن الموقوف هو الصواب (٣)، وجمع ابن
стр. 1174
القيم في "الهدْي" (١) بين الروايتين بأن الساعة منحصرة في أحد الوقتين، وسبقه إلى تجويز هذا الإمام أحمد، وهو أولى في (أ) طريق الجمع، والحكمة في إبهامها وإبهام ليلة القدر بَعْث الدواعي على الإكثار من الصلاة والدعاء ولو بينت لاتكل الناس على ذلك وتركوا ما عداها.
وفي الحديث دلالة على فضل يوم الجمعة لاختصاصه بساعة الإجابة.
٣٥٤ - وعن جابر ﵁ قال: "مضت السّنة أنَّ في كلِّ أربعين فصاعدًا جمعة". رواه الدارقطني بإسناد ضعيف.
وأخرجه البيهقي أيضًا ولفظه: "في كلِّ ثلاثة إِمام، وفي كلِّ أربعين فما فَوقهَا جمعَة وأضحى وفطر" (٢).
ووجه الضعف أنه من (ب) رواية عبد العزيز بن عبد الرحمن عن (جـ) خصيف عن عطاء عن جابر وعبد العزيز: قال أحمد (٣): اضرب على أحاديثه فإنها كَذِب أو موضوعة، وقال النسائي (٤): ليس بثقة. وقال الدارقطني (٥): منكر الحديث، وكان ابن حبان لا يجوز أن يحتج به (٦)،
стр. 1175
وقال البيهقي (١): هذا الحديث لا يحتج بمثله، وعبد العزيز قرشي يقال له: البالسي.
وفي الباب أحاديث لا أصل لها، منها حديث أبي الدرداء "إذا بلغ أربعين رَجُلا فَعَليْهِم الجُمعَة"، قال في البدر (٢): لم أر مَنْ خرجه بعد البحث عنه.
وحديث أبي أمامة: "لا جُمعَة إلا بأرْبَعِينَ" (٣) والذي روى البيهقي والطبراني من حديثه: "على خمسين جمعة ليس فيما دون ذلك" (٤)، زاد الطبراني في "الأوسط": "ولا تجب على مَنْ دون ذلك"، وفي إسناده جعفر بن الزبير (٥) وهو متروك، قال شعبة: كذب جعفر على النبي
стр. 1176
- ﷺ أربعمائة حديث. وهياج بن بسطام (١) وهو متروك أيضًا، وفي طريق البيهقي (٢) النقاش المفسر، وهو واه أيضًا (٣) وحديث أنه ﷺ جمع بالمدينة ولم يجمع بأقل من أربعين هكذا حكاه الرافعي (٤).
والذي رواه البيهقي من حديث ابن مسعود قال: "جمعنا رسول الله ﷺ ، ونحن أربعون رجلًا -وفي رواية: نحوًا من أربعين- فقال: "إنكم منصورون" .. (٥) الحديث. وهذا غير متعلق بالجمعة، وقد أخرج أبو داود وابن حبان (٦) وغيرهما في تجميع أسعد بن زرارة قبل قدوم النبي ﷺ ، و (أ) كانوا أربعين، وإسناده حسن.
وفي الحديث دلالة على وجوب الجمعة على الأربعين فصاعدًا، إذ قوله: "مضت السنةُ" في حكم المرفوع إذ المراد بها سنة النبي ﷺ وعلى أنها لا تجب فيما دون الأربعين بمفهوم العدد، إذ معنى قوله: "في كل أربعين جمعة" أي ثابتة، وثبوتها يقضي بوجوبها، إذ هو المتبادر، وقد
стр. 1177
ذهب إلى هذا عمر بن عبد العزيز والشافعي.
وفي كون الإمام أحدهم وجهان للشافعي (١)، قال الإمام يحيى: أصحهما أنه أحدهم، وذهب أبو حنيفة والمؤيد وأبو طالب إلى أنَّ أقل ما تنعقد بهم (أ) الجمعة ثلاثة مع الإمام (٢) فلا تجب إذا (ب) لم يكمل هذا النصاب، قالوا: لقوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا﴾ (٣) فالخطاب لجماعة بعد النداء للجمعة، وأقل الجمع ثلالة فَدَلَّ على وجوب السعي من الجماعة (جـ) الجمعة بعد النداء لها والنداء لا بد له من (د) مناد، ويصحّ أن يقوم النداء بإمامها، فكانوا ثلاثة مع الإمام ولا دليل على اشتراط ما زاد على ذلك، وأيضًا فإن الجمعة شعار، وهو لا يحصل الشعار إلا بجماعة، وأيضًا التزامه ﷺ لصلاتها مع جماعة يختلف عددهم قلة وكثرة كشف عن عدم وجوب (هـ) اشتراط مرتبة معينة فوجب الاقتصار على ظاهر الآية، [وما روى من حديث أم عبد الله الدوسية مرفوعًا: "الجمعة واجبة على كل قرية فيها إمام وإن لم يكونوا إلا أربعة"، وفي رواية: "وإن لم يكونوا] (و)
стр. 1178
[إلا ثلاثة رابعهم إمامهم". ورواه الدارقطني وابن عدي وضعفاه] (أ) (١) وذهب أبو العباس، وهو مذهب أبي ثور و (ب) النخعي وأبي يوسف وأهل الظاهر والحسن بن يحيى وابن السيب، [وقد روي عن الشافعي في القديم] (جـ) أنها تصحّ باثنين مع الإمام (٢) إذ (د) هم جماعة والإمام داخل في الخطاب بقوله (هـ): ﴿فَاسْعَوْا﴾، وأجيب بأن النداء قبل السعي والأمر بالسعي بعد النداء إلا لجماعة والاثنان ليسا (و) بجمع حقيقة، ولعلهم يقولون: إنه ليس المراد بترتيب السعي على النداء أنه لا يجب السعي إلا بعد النداء وإلا لزم أن لا يجب على المنادي أن ينادي فلا يجب عليهم السعي، باب المراد إمكان وقوعه، وهو يمكن وقوعه بحضور الثلاثة وينادي أحدهم، وفيها أقوال غير ما تقدم بلغت إلى خمسة عشر قولا: هذه ثلاثة، والرابع:
стр. 1179
تصح من الواحد نقله ابن حزم (١)، الخامس: اثنان كالجماعة (١)، وهو مرويّ عن النخعي وأهل الظاهر، السادس: سبعة، وهو مرويّ عن عكرمة (٢)، والسابع: ستة (٣) وهو يروي عن ربيعة (أالثامن: اثنا عشر وهو كذلك مروي عن ربيعة أ) (٤)، ولعل حُجَّته ما روي "أنهم انفضوا عن رسول الله ﷺ ولم يبق معه إلا اثنا عشر رجلا" أخرجه البخاري (٥)، فَدلَّ على انعقادها بهم، إذ لولا ذلك لبطلت الجمعة، وأُجيب عنه بأنه يجوز أن يكون مشترطا أكثر من ذلك في ابتداء الدخول ولا يجب استمراره، [وقد سبق قريبا] (ب)، وقد أخرج أيضًا الدارقطني بإِسناد ضعيف أن الباقين معه أربعون رجلا (٦)، التاسع: مثله من غير الإمام وهو مروي عن إسحاق (٧) ولعل حجته مثل ما قبله وهي فيه أظهر، العاشر: عشرون في رواية ابن حبيب عن مالك (٨)، الحادي عشر ثلاثون كذلك (٩). الثاني عشر: خمسون عند أحمد (١٠).
стр. 1180
الثالث عشر: ثمانون حكاه المازري، الرابع عشر: جمع كثير بغير قَيْد.
الخامس عشر: أحد قوله الشافعي في الأربعين أنهم من غير الإمام. والذي نقل من حال النبي ﷺ أنه كان يصليها في جَمْعٍ (أ) كثير غير موقوف على عددٍ، يَدُلُّ على أن المعتبر هو الجمع الذي يحصل به الشعار، ولا يكون إلا في كثرة يغيظ (ب) بها المنافق ويكبت بها الجاحد، ويسر بها المصدق، والآية الكريمة دالة (جـ) على أمر الجماعة (د) بعد حضور مناديها ومقيمها، ومن المعلوم أنه كان في ذلك الزمان المنادي غير مقيمها فلو وقف على أقل ما دلت عليه الآية الكريمة لم يبعد، والله أعلم.
٣٥٥ - وعن سَمُرة بن جُنْدُب ﵁: "أن النبي ﷺ كان يَستَغْفِر للمؤمنين والمؤمنات كل جمعة" رواه البزار بإسنادٍ لين (١).
في الحديث دلالة على شرعية الاستغفار للمؤمنين والمؤمنات في الخطبة، وقد قال الإمام يحيى وأبو طالب (٢) بوجوب الدعاء لنفسه وللمؤمنين، ولعلهم يقولون مواظبته ﷺ على ذلك كما يفهم من قوله:
стр. 1181
"كان يستغفر". . . يدل على ذلك، وقال غيرهم (١): يندب ذلك، ولا يجب إذ لا دليل (أ) على الوجوب، والأول أظهر.
٣٥٦ - وعن جابر بن سمرة ﵁: "أن النبي ﵌ كان في الخطبة يقرأ آيات من القرآن يذكر الناس" رواه أبو داود وأصله في مسلم (٢).
وعن طارق بن شهاب ﵁ "أن رسول الله ﷺ قال: الجمعةُ حقٌّ واجب على كل مسلم في جماعة إِلا أربعة: مملوك، وامرأة، وصبي، ومريض" رواه أبو داود (٣) وقال: لم يسمع طارق من النبي ﷺ .
و (ب) أخرجه الحاكم من رواية طارق المذكور (جـ) عن أبي موسى.
طارق بن شهاب (٤): هو أبو عبد الله طارق بن شهاب بن عبد شمس
стр. 1182
الأحْمَسِي البَجَلِيّ الكوفي، أدرك الجاهلية، ورأى النبي ﷺ وليس له منه سماع (١) إلا شاذًّا، وغزا في خلافة أبي بكر ثلاثًا وثلاثين أو أربعا وثلاثين بين (أغزوة وسرية، ومات سنة اثنتين وثمانين. روى عنه قيس بن مسلم وعلقمة بن مرثد وإسماعيل بن أبي خالد.
والحديث صححه غير واحد (٢).
وفي الباب عن تميم الداري (٣) ومولى آل الزبير (٤) رواها البيهقي، وخرج حديث تميم العقيلي والحاكم أيضًا بإسناد ضعيف، وأخرج الطبراني من (ب) حديث أبي هريرة مرفوعًا: "خمسة لا جُمعة عليهم: المرأة والمسافر والعبد والصبي وأهل البادية". وأخرج حديث أبي هريرة في "مجمع الزوائد" (٥)، وقال فيه إبراهيم بن حماد (٦) ضعفه الدارقطني، وذكر
стр. 1183
في "النهاية" (١) أن البادية تختص بأهل العمد والخيام دون أهل القرى والمدن، وفي "شرح العمدة": أنَّ حُكْم أهل القرى حكم أهل البادية.
ذكره في حديث: "لا يَبِعْ حَاضِرٌ لبَاد" (٢)، وأخرج الدارقطني والبيهقي من حديث جابر: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فعليه الجمعة إلا امرأة أو مسافرًا أو عبدًا أو مريضًا" (٣) إسناده ابن لهيعة (٤) عن معاذ بن محمد الأنصاري (٥) وهما ضعيفان، وأخرج ابن خزيمة من حديث أم عطية: "نهينا عن اتباع الجنائز ولا جمعة علينا" (٦).
في الحديث دلالة على أن الجمعة فرض عين على كل مسلم، وأنها لا تجب على الأربعة المذكورين في الحديث، أما الصبي فَمُتَّفَقٌ عليه. وأما المملوك (٧) فكذلك إلا عن داود فقال بوجوبها عليه لعموم التكليف، قلنا: خصه الدليل من السنة كما عرفت، والأحاديث وإن كان في كل منها مقال فهي يقوي بعضها بعضًا وإلا عن الحسن البصري (٨) فقال: يجب
стр. 1184
على المكاتب وعلى ذي الضريبة لشبههما (أ) بالحر، وأجيب عنه بعموم المملوك وهو محتمل للتخصيص (ب) بالقياس المذكور. وأما المرأة فكذلك مُجْمَعٌ على عدم وجوبها عليها (١)، وإنما قال الشافعي: إنه مستحب للعجائز حضورها بإذن الزوج لقوله ﷺ : "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله" (٢) وإن روي عنه في "البحر" (٣) القول بالوجوب عليهن فهو خلاف ما هو مصرح به في كتب أصحابه.
وأما المريض فكذلك لا يجب عليه حضور الجمعة إذا كان يزداد الضرر عليه بالمسير إليها (٤)، وبالوقوف قدرها، وقال الإمام يحيى وأبو حنيفة (٥): وفي حُكْمه الأعمى ولو وجد قائدا للحَرَج (جـ)، وقال الشافعي وأبو يوسف (٦) ومحمد: إن وجد قائدا وجبت (د) لعموم التكليف وعدم العذر، وفي حكمه المُقْعَد إذا وجد منْ يحمله.
وقال بعض أصحاب الشافعي (٧): وإن لم يجد القائد إنْ (هـ) أمكنه بالعصا، وهو قوي.
وفي حديث أبي هريرة زيادة المسافر، والمسافر يحتمل أنَّ يُرَاد به مَنْ هو
стр. 1185
مباشر للسفر في حاله، فيجب على مَنْ نزل بمقدار الصلاة على هذا، وقد ذهب إلى هذا الهادي والقاسم وأبو العباس، وهو مذهب الزهري والنخعي (١).
ويحتمل أن يراد بالمسافر ما له حكم المسافر فيدخل فيه من كان نازلا وقت إقامتها، فلا تجب عليه الجمعة، وقد ذهب إلى هذا زيد بن علي والناصر والباقر والإمام يحيى (٢) والفقهاء. قال الإمام المهدي في "البحر" في الاحتجاج للأول والرد على الثاني. قلتُ: شدد (أ) الجمعة في ترك الاشتغال لقوله: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ (٣) فشددنا على الواقف أخْذًا من ذلك دون السائر للحرج. انتهى.
والأولى في الاحتجاج أن الحديث خصص المسافر من عموم ﴿فَاسْعَوْا﴾، ولكن المسافر يرادُ به منْ كان مباشرًا للسفر تخصيصًا له بالعلة المناسبة وهو الحرج. ولا حرج في الأغلب إلا في حق المباشر دون النازل، إذ هو والمقيم سواء في عدم اشتغال السفر. والله أعلم.
٣٥٧ - وعن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس على مسافرٍ جمعة" رواه الطبراني بإسنادٍ ضعيف (٤).
стр. 1186
تقدم الكلام فيه.
٣٥٨ - وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ إِذا استوى على المنبر استقبلناه بوجوهنا". رواه الترمذي (١) بإسنادٍ ضعيف.
وله شاهد من حديث البَرَاء عند ابن خزيمة.
قال الترمذي: لا يصحّ في هذا الباب شيء [وضعفه بمحمد بن الفضل بن (أ) عطية (٢)، وقد تفرد به، وضعفه الدارقطني وابن عدي وغيرهما (٣). ورواه ابن ماجه (٤) من (ب) حديث عدي بن (جـ) ثابت عن أبيه، وقال: أرجو أن يكون متصلًا، كذا قال، ووالد عدي لا صحبة له إلا أن يُرَادَ جده، أبو أبيه فله صُحْبَةٌ على رأي بعض الحفاظ من المتأخرين] (د).
стр. 1187
وفي الحديث دلالة على أنَّ استقبال الناس للخطيب مواجهين له عادة مستمرة لا يعرف خلافها، وهو في حكم المجمع عليه، إلا ما روي عن سعيد بن المسيب والحسن شيئًا محتملًا، وقد جزم أبو الطيب الطبري من الشافعية بوجوبه، وعند الهادوية احتمالان فيما إذا تقدم بعض المستمعين على الإمام ولم يواجهوه، يصح أو لا يصح؟ والإمام شرف الدين، نص على أنه يجب على العدد الذي تنعقد بهم الجمعة المواجهة دون غيرهم. قالوا: لإجماع السلف والخلف على ذلك. والله أعلم.
٣٥٩ - وعن الحَكَم بن حزن ﵁: "شهدنا الجمعة مع النبي ﷺ فقام متوكِّئًا على عصا أو قوس". رواه أبو داود (١).
هو الحكم بن حزن الكُلْفي (٢) -بضم الكاف وسكون اللام وبالفاء- من كُلْفة هوازن (٣) وقيل: إنه من كلفة تميم (٤). قال الحازمي: أظنه وهمًا، وحديثه عند أهل الحجاز، وقال ابن عبد البر (٥): ليس له إلا حديث واحد. روى عنه سعيد بن رزيق -بضم الراء وفتح الزاي، وبالقاف-.
الحديث أخرجه أيضًا أحمد، وأول الحديث: "وفدتُ إلى رسول الله ﷺ سابع سبعة أو تاسع تسعة فدخلنا عليه، فقلنا: يا رسول الله، زرناك، فادع الله لنا بخير، فأمر لنا بشيء من التمر. ." الحديث، وفيه "شهدنا
стр. 1188
الجمعة معه فقام متوكئًا على عصا أو قوس، فحمد الله وأثنى عليه كلمات خفيفات" وإسناده حسن، فيه شهاب بن خراش (١). وقد اختلف فيه، والأكثر وثقوه (أ)، وقد صححه ابن السكن وابن خزيمة، وله شاهد من حديث البراء بن عازب رواه أبو داود بلفظ: "أن النبي ﷺ أعطي يوم العيد قوسًا فخطب عليه" (٢) وطوله أحمد والطبراني وصححه ابن السكن.
وفي الباب عن ابن عباس (٣) والزبير رواهما أبو الشيخ ابن حبان (ب) في كتاب "أخلاق النبي ﷺ " له حديث أن النبي ﷺ كان يعتمد على عَنَزتَه (جـ) اعتمادًا. رواه الشافعي (٤) عن إبراهيم عن (د) ليث بن أبي سليم عن عطاء مرسلًا، وليث ضعيف (٥). العنزة: مثل نصف الرمح أو أكبر، وفيها سنان مثل سنان الرمح.
стр. 1189
في الحديث دلالة على أنه يندب للخطيب الاعتماد على سيف أو نحوه وقت الخطبة وكأن العلة في ذلك أن فيه ربطًا لجأشه، وليشغل يديه عن العَبَث، فإن لم يكن له ما يعتمد عليه أرسل يديه أو وضع اليمين على الشمال أو على جانبي المنبر (١) ويكره دق المنبر بالسيف عند الصعود إذ لم يؤثر فهو بدعة (٢).
اشتمل (أ) الباب على اثنين وعشرين حديثًا.
стр. 1190
باب صلاة الخوف
٣٦٠ - عن صالح بن خَوّات عمن صلى مع رسول الله ﷺ يوم ذات الرقاع صلاة الخوف: "أن طائفة صَلَّتْ معَة، وطائفة وجاه العَدُوِّ، فصَلى بالذين معه ركعة، ثم ثبت قائمًا، وأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا، وصفوا وجاه العدو وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت، ثم ثبت جالسا وأتموا لأنفسهم ثم سلَّم بهم". متفق عليه (١) وهذا لفظ مسلم، ووقع في "المعرفة" لابن منده عن صالح بن خوات عن أبيه.
هو صالح بن خوَّات -بفتح الخاء المعجمة وتشديد الواو بالتاء فوقها نقطتان- بن جُبَيْر -بضم الجيم وفتح الباء الموحدة- بن النعمان الأنصاري المدني، تابعي مشهور، عزيز الحديث، سمع أباه وسهل بن أبي حثمة (أ)، روى عنه يزيد بن رومان والقاسم بن محمد، حديثه عند أهل المدينة (٢).
جمهور الأئمة على بقاء شرعية صلاة الخوف كما صلاها النبي ﷺ (٣) و (ب نقل عن أبي يوسف (٤) والمزني أنَّ صلاتهما مخصوصة (جـ) بالنبي ﷺ ب).
стр. 1191
ومن صلى معه أخذ بظاهر قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ الآية (١) (أ)، فالشرط كونه معهم، فإذا انتفى الشرط انتفى المشروط.
والجواب عنهم عموم التأسي بصلاته ﷺ وإذ قد فعلها بعده جماعة من الصحابة ﵃، كعليّ ﵁ ليلة الهرير (٢)، وحذيفة بطبرستان (٣)، وأبي موسى الأشعري (٤).
وقوله: "عمن صلى" هو سهل بن أبي حثمة (ب)، وقد صرح به البخاري (٥).
وذات الرقاع (٦): هي غزوة غزاها النبي ﷺ بنفسه في شهر جمادي الأولى من السنة الرابعة -وقيل: في المحرم- وهي غزوة نجد، وخرج يريد محارب و (جـ) بني ثعلبة بن سعد بن غطفان، واستعمل على المدينة أبا ذر وقيل عثمان -وخرج في أربعمائة من أصحابه- وقيل: سبعمائة -
стр. 1192
فلقي جمعًا من غطفان (أ) فتوافقوا، ولم يكن بينهم قتال إلا أنه صلى بهم صلاة الخوف.
وسُميت ذات الرقاع لأنها نقبت أقدامهم حتى قال أبو موسى (١): إنها سقطت أظفاره فلفوا على أرجلهم الخرق فسميت غزوة (ب) ذات الرقاع لا عصبوه على أرجلهم من الخرق، وقيل: إن في ذلك المحل جبلا مختلف ألوان أحجاره كالرقاع المختلفة.
وكانت قبل الخندق على ما ذكره ابن إسحاق (٢) وغيره من أهل السير، وقد استشكل ذلك بأن النبي ﷺ لم يصلها بالخندق، فلو كانت قد شرعت لصلاها، وأيضًا (٣) فإن في السنن ومسند أحمد والشافعي أنهم حبسوه عن صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء، فصلاهنَّ جميعًا، وذلك قبل نزول صلاة الخوف. والخندق سنة خمس.
стр. 1193
قال في "الهَدْي النبوي" (١): والأظهر أن أول صلاة صلاها رسول الله ﷺ ، بعسفان، وهو بعد خيبر فتكون ذات الرقاع بعد ذلك، وفي قصة الصلاة بعسفان ما يدل على ذلك، وقد يُحتج بعدم (أ) صلاته لها في الخندق على فرض تقدم شرعيتها بذات الرقاع من يقول إنها لا تصلي في الحضر، وظاهر ما حكي في هذه الرواية: أن صفتها أن يصلي الإمام في الصلاة الثانية بطائفة ركعة كاملة، ثم يتمون لأنفسهم، وتأتي الطائفة الباقية فيصلون مع الإمام ركعة ثم يتمون لأنفسهم والإمام منتظر، ثم يُسلم بهم، وقد ذهب إلى هذا جماعة من الصحابة: على وابن عباس وابن مسعود وابن عمر (٢) وزيد وأبو موسي وسهل بن أبي حثمة والهادي والقاسم والمؤيد وأبو العباس والشافعي (٣) إلا أنه اشترط أن يكون العدو في غير جهة القبلة وإن كانت الصلاة ثلاثية انتظر الإمام في المغرب متشهدًا، ويتم بالطائفة الأخرى الركعة الثالثة، وكذلك في الرباعية على قول الأكثر في أنها تصلي في الحَضَر ينتظر متشهدًا التشهد الأوسط، وفي مذهب مالك قول: إنه ينتظر قائما في الثالثة، وظاهر مذهب مالك في هذه الأطراف أن الإمام يسلم وتتم الطائفة بعد تسليم الإمام، وظاهر القرآن مطابق لما دل عليه الحديث الشريف، فإن قوله: ﴿فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ أي بقية الصلاة التي بقيت من صلاتك، وظاهره (ب) المصاحبة له في جميع صلاته، ومن جملة الصلاة السلام فإذا سلم قبلهم لم يصلوا معه بقية صلاته إلا أن
стр. 1194
يقول قائل: إن السلام ليس من أجزاء الصلاة، وهو قول ضعيف، وهذه الكيفية هي أقرب إلى (أ) موافقة المعتاد من الصلاة في تقليل الأفعال المنافية للصلاة والمتابعة للإمام.
٣٦١ - وعن ابن عمر ﵄ قال: "غَزَوتُ مع رسول الله ﷺ قِبَل نجدْ فوازَينا العدوَّ فَصَافَفْنَاهم، فقام رسول الله ﷺ فصلى بهم فقامت طائفة معه، وأقبلت طائفة على العدو، وركع بمن ركع معه، وسجد سجدتين ثم انصرفوا فكان الطائفة التي لم تصَلِّ فجاءوا فركع بهم ركعة، وسجد سجدتين". متفق عليه، وهذا لفظ البخاري (١).
قوله: "قِبَل نجد": هو بكسر القاف وفتح الباء الموحدة أي جهة نجد، ونجد كل ما ارتفع من بلاد العرب (٢).
وقوله: "فَوازينا العدو": وهو بالزاي وبعدها ياء مثناة من تحت أي قابلنا، وقد أنكر الجوهري أن يقال: وازيت، وإنما هو (ب) آزيت بهمزة بعدها ألف ولكنه يحتمل أن يكون وازيت منه ولكنها قلبت الهمزة واوًا.
стр. 1195
وقوله: "فصلى بنا": لفظ البخاري "فصلى لنا" (١)، قال المصنف في شرحه (٢): أي لأجلنا.
وقوله: "فقامت طائفة": الطائفة: تُطْلَق على القليل والكثير حتى على الواحد حتى لو كانوا ثلاثة، جاز للإمام أن يصلي بواحد، والثالث يحرس ثم يصلي مع الإمام وهذا أقل ما تحصل به جماعة الخوف.
وقوله: "مكان الطائفة التي لم تُصَلِّ": "مكان" منصوب على الظرفية بتقدير فعل، أي قاموا في مكان. وفي رواية مالك (٣): ثم استأخروا مكان الذين لم يصلوا.
وقوله: "وركع بهم ركعة وسجد سجدتين": تمام الحديث في البخاري: "ثم سلم فقام كل واحد منهم فركع لنفسه ركعة وسجد سجدتين". وهذا لم تختلف فيه الرواية عن ابن عمر، وظاهره أنهم أتموا في حالة واحدة، ويحتمل أنهم أتموا على التعاقب وهو الراجح من حيث المعنى وإلا استلزم أن تضيع الحراسة ولقاء الإمام وحده. وقد ورد هذا مصرحًا به في حديث ابن مسعود أخرجه أبو داود (٤) بقوله: "ثم سلَّم وقام هؤلاء -أي الطائفة الثانية- فصلوا (أ) لأنفسهم ركعة، ثم سلموا، ثم ذهبوا ورجع أولئك إلى