ومن صلى معه أخذ بظاهر قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ الآية (١) (أ)، فالشرط كونه معهم، فإذا انتفى الشرط انتفى المشروط.
والجواب عنهم عموم التأسي بصلاته ﷺ وإذ قد فعلها بعده جماعة من الصحابة ﵃، كعليّ ﵁ ليلة الهرير (٢)، وحذيفة بطبرستان (٣)، وأبي موسى الأشعري (٤).
وقوله: "عمن صلى" هو سهل بن أبي حثمة (ب)، وقد صرح به البخاري (٥).
وذات الرقاع (٦): هي غزوة غزاها النبي ﷺ بنفسه في شهر جمادي الأولى من السنة الرابعة -وقيل: في المحرم- وهي غزوة نجد، وخرج يريد محارب و (جـ) بني ثعلبة بن سعد بن غطفان، واستعمل على المدينة أبا ذر وقيل عثمان -وخرج في أربعمائة من أصحابه- وقيل: سبعمائة -
стр. 1192
فلقي جمعًا من غطفان (أ) فتوافقوا، ولم يكن بينهم قتال إلا أنه صلى بهم صلاة الخوف.
وسُميت ذات الرقاع لأنها نقبت أقدامهم حتى قال أبو موسى (١): إنها سقطت أظفاره فلفوا على أرجلهم الخرق فسميت غزوة (ب) ذات الرقاع لا عصبوه على أرجلهم من الخرق، وقيل: إن في ذلك المحل جبلا مختلف ألوان أحجاره كالرقاع المختلفة.
وكانت قبل الخندق على ما ذكره ابن إسحاق (٢) وغيره من أهل السير، وقد استشكل ذلك بأن النبي ﷺ لم يصلها بالخندق، فلو كانت قد شرعت لصلاها، وأيضًا (٣) فإن في السنن ومسند أحمد والشافعي أنهم حبسوه عن صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء، فصلاهنَّ جميعًا، وذلك قبل نزول صلاة الخوف. والخندق سنة خمس.
стр. 1193
قال في "الهَدْي النبوي" (١): والأظهر أن أول صلاة صلاها رسول الله ﷺ ، بعسفان، وهو بعد خيبر فتكون ذات الرقاع بعد ذلك، وفي قصة الصلاة بعسفان ما يدل على ذلك، وقد يُحتج بعدم (أ) صلاته لها في الخندق على فرض تقدم شرعيتها بذات الرقاع من يقول إنها لا تصلي في الحضر، وظاهر ما حكي في هذه الرواية: أن صفتها أن يصلي الإمام في الصلاة الثانية بطائفة ركعة كاملة، ثم يتمون لأنفسهم، وتأتي الطائفة الباقية فيصلون مع الإمام ركعة ثم يتمون لأنفسهم والإمام منتظر، ثم يُسلم بهم، وقد ذهب إلى هذا جماعة من الصحابة: على وابن عباس وابن مسعود وابن عمر (٢) وزيد وأبو موسي وسهل بن أبي حثمة والهادي والقاسم والمؤيد وأبو العباس والشافعي (٣) إلا أنه اشترط أن يكون العدو في غير جهة القبلة وإن كانت الصلاة ثلاثية انتظر الإمام في المغرب متشهدًا، ويتم بالطائفة الأخرى الركعة الثالثة، وكذلك في الرباعية على قول الأكثر في أنها تصلي في الحَضَر ينتظر متشهدًا التشهد الأوسط، وفي مذهب مالك قول: إنه ينتظر قائما في الثالثة، وظاهر مذهب مالك في هذه الأطراف أن الإمام يسلم وتتم الطائفة بعد تسليم الإمام، وظاهر القرآن مطابق لما دل عليه الحديث الشريف، فإن قوله: ﴿فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ أي بقية الصلاة التي بقيت من صلاتك، وظاهره (ب) المصاحبة له في جميع صلاته، ومن جملة الصلاة السلام فإذا سلم قبلهم لم يصلوا معه بقية صلاته إلا أن
стр. 1194
يقول قائل: إن السلام ليس من أجزاء الصلاة، وهو قول ضعيف، وهذه الكيفية هي أقرب إلى (أ) موافقة المعتاد من الصلاة في تقليل الأفعال المنافية للصلاة والمتابعة للإمام.
٣٦١ - وعن ابن عمر ﵄ قال: "غَزَوتُ مع رسول الله ﷺ قِبَل نجدْ فوازَينا العدوَّ فَصَافَفْنَاهم، فقام رسول الله ﷺ فصلى بهم فقامت طائفة معه، وأقبلت طائفة على العدو، وركع بمن ركع معه، وسجد سجدتين ثم انصرفوا فكان الطائفة التي لم تصَلِّ فجاءوا فركع بهم ركعة، وسجد سجدتين". متفق عليه، وهذا لفظ البخاري (١).
قوله: "قِبَل نجد": هو بكسر القاف وفتح الباء الموحدة أي جهة نجد، ونجد كل ما ارتفع من بلاد العرب (٢).
وقوله: "فَوازينا العدو": وهو بالزاي وبعدها ياء مثناة من تحت أي قابلنا، وقد أنكر الجوهري أن يقال: وازيت، وإنما هو (ب) آزيت بهمزة بعدها ألف ولكنه يحتمل أن يكون وازيت منه ولكنها قلبت الهمزة واوًا.
стр. 1195
وقوله: "فصلى بنا": لفظ البخاري "فصلى لنا" (١)، قال المصنف في شرحه (٢): أي لأجلنا.
وقوله: "فقامت طائفة": الطائفة: تُطْلَق على القليل والكثير حتى على الواحد حتى لو كانوا ثلاثة، جاز للإمام أن يصلي بواحد، والثالث يحرس ثم يصلي مع الإمام وهذا أقل ما تحصل به جماعة الخوف.
وقوله: "مكان الطائفة التي لم تُصَلِّ": "مكان" منصوب على الظرفية بتقدير فعل، أي قاموا في مكان. وفي رواية مالك (٣): ثم استأخروا مكان الذين لم يصلوا.
وقوله: "وركع بهم ركعة وسجد سجدتين": تمام الحديث في البخاري: "ثم سلم فقام كل واحد منهم فركع لنفسه ركعة وسجد سجدتين". وهذا لم تختلف فيه الرواية عن ابن عمر، وظاهره أنهم أتموا في حالة واحدة، ويحتمل أنهم أتموا على التعاقب وهو الراجح من حيث المعنى وإلا استلزم أن تضيع الحراسة ولقاء الإمام وحده. وقد ورد هذا مصرحًا به في حديث ابن مسعود أخرجه أبو داود (٤) بقوله: "ثم سلَّم وقام هؤلاء -أي الطائفة الثانية- فصلوا (أ) لأنفسهم ركعة، ثم سلموا، ثم ذهبوا ورجع أولئك إلى
стр. 1196
مقامهم فصلوا (أ) لأنفسهم ركعة ثم سلموا"، وظاهره أن الطائفة الثانية وَالَتْ بين ركعتيها ثم أتمت الطائفة الأولى بعدها، ووقع في الرافعي (١) تبعًا لغيره من كتب الفقه، أن في حديث ابن عمر هذا أن الطائفة الثانية تأخرت وجاءت الطائفة الأولى فأتموا ركعة ثم تأخروا وعادت الطائفة الثانية فأتموا، ولم يكن في جميع طرق الحديث ما يدل على هذا (٢)، وقد ذهب إلى هذه الكيفية المذكورة في هذا الحديث أبو حنيفة ومحمد ورواية عن أبي يوسف (٣).
٣٦٢ - وعن جابر ﵁ قال: "شهدتُ مع رسول الله ﷺ صلاة الخوف، فصفَّنا صفين، صفٌّ خلف رسول الله ﷺ والعدو بيننا وبين القبلة، فكبّر النبي ﷺ وكبَّرْنا جميعًا، ثم رَكَعَ ورَكَعْنَا جميعًا، ثم رفع رأسَه من الركوع ورفعْنَا جميعًا، ثم انْحَدَرَ بالسُّجود والصفُّ الذي يليه، وقام الصفُّ المؤخَّرُ في نَحْر العَدو، فَلَمَّا قَضى السُّجودَ وقَامَ الصفُّ الذي يليه. . .". فذكر الحديث (٤).
وفي رواية: "ثم سجد وسَجَدَ مَعَهُ الصفُّ الأوَّلُ، فلما قاموا سجد الصف الثاني ثم تأخر الصف الأول وتقدم الصف الثاني. .". فذكر
стр. 1197
مثله (١) وفي آخره: "ثم سلَّم النبي ﷺ وسلمنا جميعًا". رواه مسلم (٢).
ولأبي داود (٣) عن أبي عياش الزرقي مثله، وزاد: "إنها كانت بعسفان"، وللنسائي من وجهٍ آخر عن جابر (٤) "أن النبي ﷺ صلى بطائفة من أصحابه ركعتين ثم سلم، ثم صلى بآخرين ركعتين ثم سلَّم". ومثله لأبي داود عن أبي بكرة (٥).
стр. 1198
قوله: "فذكر الحديث": تمامه "انحدر الصف المؤخر بالسجود وقاموا ثم تقدم الصف المؤخر وتأخر الصف المقدم، ثم ركع النبي ﷺ وركعنا معه جميعًا ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعًا ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه الذي كان مؤخرًا في الركعة الأولى، وقام الصف المؤخر في نحر العدو. فلما قضى النبي ﷺ السجود والصف الذي يليه انحدر المؤخر بالسجود فسجدوا ثم سلم النبي ﷺ وسلمنا جميعًا".
قال جابر: كما يصنع حرسكم هؤلاء بأمرائكم. ذكره مسلم بتمامه، وذكر البخاري طرفًا منه (١).
والحديث فيه دلالة على أن العدو إذا كان في جهة القبلة فهو يخالف ما إذا لم يكن كذلك وهو أنه يمكن الحراسة مع دخولهم جميعًا في الصلاة، وذلك أن الحاجة إلى الحراسة إنما تكون في حال السجود فقط فيتابعون الإمام في القيام والركوع ويحرس الصف المؤخر في حال السجدتين بأن يتركوا المتابعة للإمام، ثم يسجدون (أ) عند قيام الصف الأول، ويتقدم الصف (ب) المؤخر إلى مَحلّ الصف المقدّم ويتأخر المقدم ليتابع المؤخر الإمام في السجدتيْن الأخيرتين (جـ) فيصح مع كل من الصفين المتابعة (د) في سجدتين.
وقد ذهب إلى هذه الكيفية الشافعي رحمه الله تعالى، إلا أنه نص الشافعي (٢) إلى أنه يسجد في الركعة الأولى مع الإمام الصف المؤخر وهو
стр. 1199
خلاف نص الحديث، فقال بعض أصحابه: لعله سها أو لم يبلغه الحديث، وجماعة من العراقيين بنوا على الصحيح على أن المشهور عن الشافعي أن الحدىث إذا صح يذهب إليه ويترك قوله (١)، والغزالى بنى على نص الشافعي، وادعى بعضهم أن في الحديث رواية توافق نص الشافعي، ورجح بعضهم بمناسبة عقلية وهو أن الصف الأول يكون جُنَّة لمن خلفه، وهو أقرب إلى الحراسة، وظاهر الحديث يدل على اشتراك الطائفتين في الحراسة، فلو انفردت بها إحداهما فعند أصحاب الشافعي خلاف في صحة صلاتهم.
ويدل الحديث أن الحراسة إنما هي في حال السجود فقط دون حال الركوع، لأن الركوع لا يمتنع معه إدراك أحوال العدو، وعند بعض أصحاب الشافعي أنه يحرس في الركوع أيضًا، وهذه الكيفية لا توافق ظاهر الآية وصلاة جابر مع النبي ﷺ في غزوة ذات الرقاع كما أشار إليه البخاري (٢)، وفي رواية أبي عياش (٣) أن هذه الصلاة كانت بعسفان، ويمكن الجمع بينهما بأنها وقعت كذلك في الموضعين جميعًا ولا يخالف الرواية الأولى عن صالح بن خوات لاختلاف الأحوال فيمكن وقوع الصفتين. وصلاة ابن عمر كذلك في غزوة ذات الرقاع في صلاة العصر أيضًا، نبه عليه البخاري (٤).
стр. 1200
و (أ) في رواية النسائي (١) عن جابر أنه صلى بكل طائفة ركعتين، وأخرجها أبو داود (٢) عن جابر أيضًا كانت هذه الصلاة ببَطن نَخْل. وقد ذهب إلى العمل بهذا الحسن البصري، وادعى الطحاوي (٣) أن هذا منسوخ بناء منه على أنه لا (ب) يصح أن يصلي المفترض خلف المتنفل، ولا دليل على النسخ (جـ).
قال أبو داود (٤): وكذلك في صلاة المغرب يصلي الإمام ست ركعات والقوم ثلاث ثلاث، وقال بهذه الكيفية الشافعي ﵀.
٣٦٣ - وعن حذيفة ﵁ "أن النبي ﷺ صلى في الخوف بهؤلاء رَكعَةً وهؤلاء رَكعَةً ولم يقضوا". رواه أحمد وأبو داود والنسائي وصححه ابن حبان (٥).
стр. 1201
ومثله: عن ابن خزيمة (١) عن ابن عباس هذه الصلاة صلاها حذيفة بطبرستان، وكان الأمير سعيد بن (أ) العاص قال: أيكم صلى مع رسول الله ﷺ صلاة الخوف؟ فقال (ب) حذيفة: أنا، فصلى بهم هذه الصلاة.
وأخرج أبو داود (٢) هذه عن ابن عباس عن النبي ﷺ وعن أبي هريرة وعن أبي موسى وعن جابر كلهم عن النبي ﷺ إلا أن في بعض الروايات عن بعض الرواة أنه قال: "وقضوا ركعة أخرى".
وأخرجه أبو داود (٣) عن ابن عمر وعن زيد بن ثابت، قال زيد: فكانت للقوم ركعة ركعة وللنبي ﷺ ركعتين (٤).
وأخرج عن ابن عباس ﵁ قال: "فرض الله الصلاة على لسان نبيكم ﵇ في الحَضَر أربعا وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة" (٥)، وهذا قال به عطاء وطاوس والحسن ومجاهد والحكم وقتادة في أنه يصلي هذه الصلاة في شدة الخوف ركعة واحدة يومئ إيماء، وكان
стр. 1202
إسحاق بن راهويه يقول: عند (أ) المسايفة (١) تجزئك ركعة واحدة تومئ لها إيماء، فإن لم تقدر فسجدة فإن لم تقدر فتكبيرة لأنها ذكر الله تعالى.
وقد تأول هذا سائر العلماء القائلين بأن صلاة الخوف لا ينقص عددها ولكن يصلي على حسب المكان، بأن (ب) المراد [أنها تكون] (جـ) ركعة مع الإمام ولكنه لا يتم هذا التأويل إلا في بعض ألفاظ الحديث دون بعض.
٣٦٤ - وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "صلاةُ الخوف ركعة على أي وجه كان" رواه البزار بإسناد ضعيف (٢).
وعبه مرفوعًا: "ليسَ في صلاة الخوفِ سهو" أخرجه الدارقطني بإسناد ضعيف (٣).
هذه الصلاة روي أنه صلاها ﷺ بذي قَرد أخرجه النسائي (٤) وقال
стр. 1203
الشافعي (١): روى حديث لا يثبت. قال المصنف ﵀: (٢) وقد صححه ابن حبان (٣) وغيره.
وهذا الحديث فيه دلالة على أن المفروض في صلاة الخوف ركعة واحدة في حق الإمام والمؤتم [وقد قال به الثوري وإسحاق ومن تبعهما. وقال به أبو هريرة وأبو موسى وغير واحد من التابعين وقد تقدم مثل هذا (٤)، وتأويل الجمهور له، ووجه التأويل ما روي من فعل النبي ﷺ كما تقدم] (أ) أنه صلى ركعتين ولا تتم الجماعة بهم إلا إذا كان على هذه الكيفية.
واعلم أن المذكور في هذا الكتاب خمس كيفيات وفي "سنن أبي داود" ثمان كيفيات هذه الخمس وثلاث غيرها (٥).
قال المصنف -رحمه الله تعالى- في "فتح الباري" (٦): وقد ورد في كيفية صلاة الخوف صفات كثيرة، ورجح ابن عبد البر الكيفية الواردة في حديث ابن عمر لقوة الإسناد وموافقة الأصول في أن المأموم لا تتم صلاته (ب) قبل الإمام، وعن أحمد ثبت في صلاة الخوف ستة أحاديث أو سبعة أيها فعل المرء فهو جائز، ومال إلى ترجيح ما ورد في حديث صالح
стр. 1204
ابن خوات، ومال إلى ترجيحه (أ) الشافعي (١)، وسَوَّى بينهما إسحاق بن راهويه، وله قال الطبري وغير واحد منهم ابن المنذر، وسرد ثمانية أوجه. وكذا ابن حبان في "صحيحه" وزاد تاسًعا و (ب) قال ابن حزم (٢): صح فيها أربعة عشر وجهًا وبيَّنها في جزء مفرد، وقال ابن العربي (٣): فيها روايات كثيرة (جـ) أصحها ستة عشر رواية مختلفة ولم يبينها، وقال النووي (نحوه) في "شرح مسلم" (٤) ولم يبينها أيضًا، وقد بينها شيخنا الحافظ أبو الفضل في "شرح الترمذي" (٥)، وزاد وجهًا آخر فصارت سبعة عشر وجهًا لكن يمكن أن تتداخل (د).
قال صاحب الهدى (٦): وبلغها بعضُهم أكثر، وهؤلاء كلما رأوا اختلاف الرواة في قصة جعلوها وجهًا منْ فعْل النبي ﷺ ، وقد صلاها عشر مرات، وقال ابن العربي: صلاها أربعًا وعشرين مرة (٥)، وقال الخطابي (٧): صلاها النبي ﷺ في أيام مختلفة بأشكال متباينة يتحرى ما هو الأحوط
стр. 1205
للصلاة والأبلغ للحراسة فهي على اختلاف صورها متفقة المعنى (١) انتهى كلامه.
وقوله: "ليس في صلاة الخوف سهو": فيه دلالة على أنه لا يشرع سجود سهو في صلاة الخوف. والظاهر أنه لم يذهب إلى هذا أحد من العلماء، والله أعلم.
واعلم أنه قد شرط في صلاة الخوف شروطًا منها:
السفير فاشترطه جماعة (٢) قالوا: لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية (٣) ولأنه لم يصلها النبي ﷺ في الحضر والخلاف في ذلك لزيد بن علي (٤) والناصر والإمام يحيى والحنفية والشافعية قالوا: لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾. . الآية (٥)، وظاهره الإطلاق، وهذا مبني على أن قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ معطوف على قوله: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ فهو غير داخل في التقييد بالضرب في الأرض، وأهل القول الأول لعلهم يجعلونه مقيدًا بالشرط فيكون التقدير: "وإذا كنت فيهم مع هذه الحالة التي هي الضرب في الأرض". والقرينة على التقييد هي أنه في سياق الصلاة المقصورة المشروطة بالخوف من الذين كفروا، والمذكور بعد قوله: وإذا كنت فيهم بيان الاحتراز مع الخوف ولذلك قال جماعة من الصحابة: إن القصر في حال الأمن إنما أخذ من السنة لا من الآية، وأما عدم صلاته
стр. 1206
لها ﷺ في حال الإقامة (أ) فلأن المخافة إنما وقعت في الخندق حتى فاتت الصلاة، وهي لم تكن قد شُرعت في ذلك اليوم كما تقدم.
ومنها: آخر الوقت، فاشترط ذلك الهادي والقاسم وأبو العباس (١) قالوا: لأنها بدل عن صلاة الأمن فلا تجزئ إلا عند اليأس من المبدل وهي قاعدة لهم، وقال الناصر والمؤيد بالله والإمام يحيى والحنفية والشافعية: بل يصح في أول الوقت، قالوا لعموم أدلة الأوقات، وعلى الأول إذا حصل الأمن، وقد (ب) فعلت، وفي الوقت ما يسع الصلاة وجبت الإعادة، وعلى القول الثاني لا تجب الإعادة.
ومنها: حمل السلاح حال الصلاة، فاشترطه (جـ) داود الظاهري (٢) فلا تصح الصلاة إلا بحمله، ولا دلالة في الآية على كونه شرطًا، وأوجبه الناصر والشافعي والإمام يحيى للأمر به في الآية (٣)، قالوا: وإنما يجب من السلاح ما يحصل به المقصود من الحراسة، وهو ما يمكن به المدافعة للعدو، بشرط أن يكون ظاهرًا يدفع به عن نفسه كالسيف والشفرة، ويستحب ما يدفع به عن الغير كالقوس (د) والنشاب، ويحرم النجس،
стр. 1207
ويكره ما يشغل لثقله كالدرع، وأما الرمح والسنان، فإذا لم (أ) يتأذ به غيره فلا كراهة، وإلا كره. وقالت الهادوية وأبو حنيفة (١) وأصحابه: أنه يندب.
ومنها: أنه (ب) لا يكون القتال محرمًا سواء كان واجبًا عينا أو كفاية، والظاهر أنه مجمع عليه.
ومنها: أن يكون مصليها مطلوبًا للعدو لا إذا كان طالبًا، لأنه يمكنه أن يصلي صلاة كاملة مع كونه طالبًا فلا حاجة للحراسة إلا أن يهجم عليه عدوه، صلاها لأنه قد صار مطلوبًا في تلك الحال، وكذا إذا كان طالبًا له لخشية أن (جـ) يكرَّ عليه في المستقبل.
فائدة: صلى النبي ﷺ صلاة الخوف في ثلاث غزوات، ببطن نخل وعسفان، وذات الرقاع (د)، وقد جمعها بعضهم بقوله:
ببطن نحل وعسفان وقبلهما ... ذات الرقاع صلاة الخوف قد فعلت
وأما كيفية الفعل فقد تقدم الخلاف فيها (هـ).
آخر الجزء الثالث، ويتلوه إِن شاء الله الجزء الثالث وأوله: باب صلاة العيدين والحمد لله رب العالمين
стр. 1208
البدرُ التمام شرح بلوغ المرام
للإمام القاضي الحسين بن محمد المغربي
(١٠٤٨ هـ- ١١١٩ هـ)
تحقيق
علي بن عبد الله الزبن
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
قدم له
فضيلة الشيخ صالح بن محمد اللحيدان
رئيس مجلس القضاء الأعلى
الجزء الرابع
стр. 1209
البَدْرُ التّمام شرح بُلوغ المرام
стр. 1210
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى
١٤٢٤ - هـ = ٢٠٠٣ م
стр. 1211
باب صلاة العيدين
[سمى العيد عيدًا (١) لعوده وتكرره وقيل: لعَوْد السُّرور فيه، وقيل: تفاؤلًا بعوده على مَنْ أدْركه كما سُميت القافلة حين خروجها تفاؤلًا بقفولها سالمة وهو رجوعها] (أ).
٣٦٥ - عن عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ "الفطر يوم يُفطِر الناس، والأَضْحَى يوم يُضْحى الناس". رواه الترمذي (٢).
الحديث فيه دلالة على أنه يعتبر في ثبوت العيد موافقة (ب) الناس، وأَنَّ
стр. 1212
المنفرد بمعرفة يوم العيد بالرؤية يجب عليه موافقة غيره ويلزمه حكمهم في الصلاة والإفطار والتضحية (أ)، وقد أخرج الترمذي (١) مثل هذا الحديث عن أبي هريرة، وقال: حسن (٢)، ويوافقه في المعنى حديث ابن عباس (٣) لما قال له كريب: إنه صام أهل الشام ومعاوية وهو رأى الهلال ليلة الجمعة بالشام، وقدم المدينة في آخر الشهر، وأخبر ابن عباس بذلك، مقال ابن عباس: لكنا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه. قال: فقلت: أو لا تكتفي برؤية معاوية؟ فقال (ب): لا، هكذا أمرنا رسول الله ﷺ . وقد ذهب إلى هذا محمد بن الحسن الشيباني، وقال. إنه يتعين عليه حكم الناس، وإن خالف ما تيقنه، وكذلك في الحج [وكذا قال الحسن: يصوم مع الناس ويفطر في أول الشهر إذا انفرد بالرؤية، وحكى في نهاية المجتهد مثل هذا عن عطاء (٤)، (جـ) وقد ورد أيضًا: "وعرفتكم يوم تعرفون" (٥)، والخلاف في هذا للجمهور وقالوا: إنه يتعين عليه حكم نفسه فيما تيقنه،
стр. 1213
ويحمل الحديث على عدم معرفته لما (أ) يخالف الناس فإنه إذا انكشف من بعد الخطأ فقد أجزأه ما فعل. قالوا: وتتأخر (الأيام) (ب) في حق من التبس عليه وعمل بالأصل، وهو بقاء الأيام في أعمال الحج والأضحية، وحديث ابن عباس يحتمل أن ذلك لاختلاف المطالع في الشام والحجاز، أو أنه لما كان المخبر له واحدًا، لم يكتف بشهادته، أو أن المراد بالحديث أن هذا لا يعتبر فيه حقيقة الأمر وأن اليوم الذي يفطر فيه الناس بالطريق المجوزة له شرعًا من الشهادة أو نحوها يثبت له ذلك الحكم، وإن انكشف الخطأ، وأما من تيقن فهو مخصوص من هذا الحكم إذا فعل بمقتضى علمه وخالفه الناس، فلا يتم الاحتجاج به. والله أعلم.
٣٦٦ - وعن أبي عمير (جـ) ﵁ عن عمومة له من الصحابة: "أن ركبًا جاءوا فشهدوا بأنهم (د) رأوا الهلال بالأمس، فأمرهم النبي ﷺ أن يفطروا وإِذا أصحوا يغدوا إِلى مصلاهم". رواه أحمد وأبو داود (١) وهذا لفظه، وإسناده صحيح.
стр. 1214
هو أبو عمير بن أنس بن مالك الأنصارى، يقال: إن اسمه عبد الله، وهو معدود في صغار التابعين. روى عنه جعفر بن إياس اليشكري، وعمّر بعد أبيه أنس زمانًا طويلًا (١).
والحديث أخرجه أيضًا (أ) النسائي وابن ماجه وصححه ابن المنذر وابن السكن وابن حزم (٢) ورواه ابن حبان (٣) في صحيحه عن أنس: أن عمومة له. وهو وهم. قاله (ب) أبو حاتم (٤) في "العلل". وعلق الشافعي (٥) القول به على صحة الحديث، فقال ابن عبد البر: أبو عمير مجهول. كذا قال. وقد عرفه من صحح له. وترجم الخطابي (٦) في شرح السنن: باب (جـ) إذا لم يخرج الإمام للعيد يومه. ثم ذكر الحديث بإسناده.
وفي الحديث دلالة على أن صلاة العيد تصلى في اليوم الثاني حيث انكشف العيد بعد خروج وقت الصلاة، وقد ذهب إلى هذا من السلف الأوزاعي (٧) والثوري وأحمد وإسحاق. وظاهر الحديث الإطلاق بالنظر إلى
стр. 1215
وقت الصلاة، وأنه وإن كان وقتها باقيًا حيث لم يكن ذلك معلومًا من أول اليوم، وذهب إلى العمل به، ولكن بني على أنه لم يعلم إلا وقد خرج الوقت، وأن الصلاة تكون قضاء (١)، الهادي والقاسم والمؤيد وأبو طالب وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وقول للشافعي وأنها تقضى في اليوم الثاني فقط في الوقت الذي تؤدى فيه في يومها. قال أبو طالب: بشرط أن يترك للبس كما ورد في الحديث، وغير أبي طالب يعمم العذر سواء كان اللبس أو غيره كالمطر مثلًا، وهو مصرح به في كتب الحنفية قياسًا لسائر الأعذار على اللبس، وكأن أبا طالب يقول: قضاؤها وارد على خلاف القياس، لأن مثل هذه الصلاة التي شرعت في يوم معين (ألسبب معين أ) حقها أن لا تقضى كصلاة الجمعة والكسوف والاستسقاء وغيرها، إلا أنه ورد هذا الدليل في هذه الصلاة، فلا يقاس عليها غيرها، وهو يذهب إلى أن المعدول (ب) عن سنن القياس لا يقاس عليه وإن ظهرت العلة، والجمهور
стр. 1216
يذهبون إلى صحة القياس، ولذلك صح لهم إطلاق العذر هنا، ولكن الحديث لا (أ) يدل على كونها قضاء، بل الظاهر أنها أداء، ويتأيد (١) الظاهر بحديث الباب المتقدم، وذهب مالك وقول للشافعي إلى أنها لا تقضى في يومها، وكالكسوف، وللشافعي قول: أنها تقضى إلى الشهر، وقول آخر أنها تقضى إلى الأبد. وفي "عجالة المنهاج" للشافعية تفصيل، وهو أنه إذا شهدوا يوم الثلاثين قبل الزوال برؤية الهلال الليلة الماضية أفطرنا وصلينا العيد لبقاء الوقت، وقيد الرافعي (٢) ذلك بما إذا بقي من الوقت ما يمكن جمع الناس فيه، وإقامة الصلاة، وإن شهدوا بعد الغروب لم تقبل الشهادة، أي في صلاة العيد خاصة، أو بين الزوال والغروب أفطرنا وفاتت الصلاة لخروج وقتها بالزوال، وشرع (ب) قضاؤها لمن شاء في الأظهر أي في باقي اليوم، وضحوة العيد (جـ) وبعده متى اتفق، كالفرائض إذا فاتت لا يتيقن وقت قضائها، والثاني: لا يجوز تأخيرها عن الحادي والثلاثين؛ لجواز كونه عيدًا بأن يخرج الشهر كاملًا بخلاف ما بعده من الأيام.
وقيل في قول (د): تصلى من الغد أداء؛ لأن الغلط في الهلال كثير فلا يفوت به هذا الشعار العظيم، يؤيده صحة الوقوف في العاشر غلطًا، ثم قال: واعلم أن القضاء واجب إذا قلنا: إنها فرض كفاية ولم تفعل في
стр. 1217
ذلك الوضع كما نبه عليه ابن عجيل وصاحب المعين (أ). انتهى. وهذا يخالف ما نقله الإمام يحيى عن الشافعي أنه إذا انكشف ليلة الحادي والثاني قضيت فيه قولًا واحدًا للشافعي لقوله: "فطركم يوم تفطرون" بخلاف ما لو انكشف بعد الزوال يوم الثلاثين ففيه الأقوال التي مرت له.
وعيد الأضحى كالفطر في ذلك وحكى في شرح (القدوري) (ب) عن الكرخي للحنفية: أنهم إذا تركوها لغير عذر صلوها في اليوم (جـ) الثاني وأساءوا فإن لم يصلوها في اليوم الثاني حتى زالت الشمس صلوها في اليوم الثالث، فإن لم يصلوها فيه حتى زالت الشمس سقطت سواء كان لعذر أو لغير عذر إلا أنه مسئ في التأخير لغير عذر، وإن كان لعذر لم يلحقهم الإساءة، وعن الشافعي يصلي في الغد أو بعد الغد، وعن الناصر يستحب فعلها وأطلق. واعلم: أن الدليل (د) هذا إنما ورد في عيد الإفطار والأضحى مقيس عليه، وورد في تركها لعذر اللبس فقط، وسائر الأعذار مقيس عليها (هـ) وورد في التأدية في اليوم الثاني وظاهره أنها آداء، وإذا بنى على أنها أداء لم يمكن أن يقاس عليها سائر الأعذار لقيام الإجماع (و) أن تارك العبادة المؤقتة حتى يخرج وقتها متعمدًا، وإن كان لعذر غير النوم والسهو
стр. 1218
إذا أداها بعد الوقت أنه قاض وليس بمؤد، وثبوت القضاء لها هنا، وإن احتج عليه بالقياس (أ) على سائر الواجبات المؤقتة إذا تركت عمدًا فهو غير صحيح، لأن ذلك إنما ثبت بالقياس على النائم والساهي، والنائم والساهي محتمل أن يكون وقت تأدية لهما، فإثبات قضاء صلاة العيد لا يخلو عن (ب) نظر. والله أعلم.
٣٦٧ - وعن أنس ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ لا يغْدُو يومَ الفطر حتى يأكلَ تمراتٍ". أخرجه البخاري (١).
وفي رواية معلقة، ووصلها أحمد: "يأكلهن أفرادًا" (٢).
(جـ قوله: "لا يغدو يوم الفطر". أي يخرج إلى المصلى وقت الغداة، وقوله في الرواية الأخرى: "يأكلهن أفرادًا" جـ). وقد أخرج البخاري في تاريخه وابن حبان والحاكم من رواية عتبة بن حميد عنه بلفظ: "ما خرج يوم فطر حتى يأكل تمرات ثلاثًا أو خمسًا أو سبعًا أو أقل من ذلك أو أكثر وترًا" (٣).
стр. 1219
والحديث يدل على مداومته ﷺ على ذلك. قال (١) المهلب: الحكمة في الأكل قبل الصلاة أن لا يظن ظان لزوم الصوم حتى يصلي العيد فكأنه أراد سد هذه الذريعة، وقيل: لما وقع وجوب الفطر عقيب وجوب الصوم استحب تعجيل الفطر مبادرة إلى امتثال أمر الله تعالى. وقيل: لأن الشيطان الذي يحبس في رمضان لا يطلق إلا بعد الصلاة فاستحب الإفطار قبل الصلاة ليكون في ذلك الوقت سالمًا من وسوسته، وقال ابن قدامة (٢): لا نعلم في استحباب تعجيل الأكل في هذا اليوم قبل الصلاة خلافًا، وقد روى ابن أبي شيبة (٣) عن ابن مسعود التخيير فيه، وعن النخعي (٤) أيضًا مثله، والحكمة في استحباب التمر فيه لما في الحلو من تقوية النظر الذي يضعفه الصوم، ولأن الحلو مما يوافق الإيمان ويعبر به المنام ويرق القلب، ولذلك ورد الأمر بالإفطار به دائمًا في حديث سلمان (٥).
أخرجه الترمذي: "إِذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر، فإِنه بركة، فإِن لم يجد فليفطر على ماء فإِنه طهو". وأما جعلهن وترًا فللإشارة (أ) إلى الوحدانية، وكذلك كان يفعل ﷺ في جميع أموره.
стр. 1220
٣٦٨ - وعن ابن بُرَيدة عن أبيه ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ لا يخرجُ يوم الفِطْر حتي يَطْعَم ولا يطعم يومَ الأضْحَى حتى يُصلِّي". رواه أحمد والترمذي وصححه ابن حبان (١).
بريدة بضم الباء الموحدة وفتح الراء وسكون الياء تحتها نقطتان وبالدال المهملة -هو بريدة (أ) بن حصيب -بضم الحاء المهملة وفتح الصاد المهملة وبالياء تحتها نقطتان وبعدها الباء الموحدة- ابن عبد الله بن الحارث الأسلمي يكنى أبا عبد الله، وقيل: أبا سهيل، وقيل: أبا الحصيب. وقيل: أبا ساسان والمشهور أبا عبد الله، أسلم قبل بدر ولم يشهدها، وشهد الحديبية وكان ممن بايع بيعة الرضوان، لقي النبي ﷺ في سفر هجرته ﷺ بالغميم، ومعه من قومه زهاء ثمانين بيتًا فأسلموا، ثم رجع إلى بلاد قومه وقد تعلم
стр. 1221
من القرآن شيئًا، ثم قدم بعد أحد فشهد المشاهد، وسكن المدينة، ثم تحول إلى البصرة، ثم خرج منها غازيًا في أيام يزيد إلى خراسان فمات بمرو، وبقي ولده بها (أ) (ب) (١) روى (جـ) عنه ابناه: عبد الله وسليمان.
الحديث أخرجه أيضًا ابن ماجه والدارقطني والحاكم والبيهقي وصححه ابن القطان وفي رواية البيهقي زيادة: "وكان إِذا رجع أكل من كبد أضحيته" (٢). قال الترمذي (٣): وفي الباب عن علي وعن أنس، ولكن حديث علي (٤) إسناده غير محفوظ، وحديث أنس، وقال المصنف -رحمه الله تعالى-: لم أره (٥) عن أنس، وإنما أخرجه الطبراني (٦) عن ابن عباس، ورواه الترمذي (٧) أيضًا عن ابن عمر، وضعفه، ورواه البزار (٨) عن أبي سعيد
стр. 1222
وذكره الشافعي (١) مرسلًا عن صفوان بن سليم وسعيد بن المسيب وموقوفًا على عروة. والحديث فيه دلالة على شرعية تقديم الأكل في عيد الفطر على الصلاة وتأخيره في عيد الأضحى إلى بعد الصلاة، والحكمة في تأخير الأكل في يوم الأضحى هو أنه لما كان إظهار كرامة الله تعالى للعباد بشرعية نحر الأضاحي، وكان (أ) الأهم أن يبتدئ، بأكلها ويشكر الله تعالى على ما أنعم به (ب) عليه من شرعية النسكية الجامعة لخير (جـ) الدنيا وثواب الآخرة.
٣٦٩ - وعن أم عطية ﵂ قالت: "أُمرْنا أن نُخْرِج العَوَاتِقَ والحُيَّض في العيدَيْنِ، يشهدْنَ الخيْرَ ودَعوةَ المسلمِينَ، ويعْتزل (د) الحُيَّضُ المصلَّى" متفق عليه (٢).
стр. 1223
العواتق: البنات الأبكار (أ) البالغات المقاربات للبلوغ (ب)، وسُمِّين عواتق لأنهن أعتقن أنفسهن عن أن يخرجن في مهن أهلهن، وقيل: المقاربات أن يزوجن (جـ) فيملكن أنفسهن عن (د) أهلهن، والحيض أعم من العواتق من وجه.
وشهود الخير هو الدخول في فضيلة الصلاة.
واعتزال الحيض المصلى لعدم أهليتهن للصلاة فلا يداخلن صفوف الصلاة.
وفي الحديث دلالة على الأمر بإخراجهن، والأمر ظاهر في الوجوب: وقد اختلف السلف فيه، فنقل عياض (١) وجوبه عن أبي بكرٍ وعليّ وعُمر ﵃ وأخرج ابن أبي شيبة (٢) عن أبي بكرٍ: والأحق على كل ذات نطاق الخروج إلى العيدين، وقد ورد هذا مرفوعًا بإسناد لا بأس به أخرجه أحمد وأبو يعلى (٣) وابن المنذر من طريق امرأة منه (هـ) عبد القيس عن أخت عبد الله بن رواحة، والمرأة لم تسم، والأخت اسمها عمرة، صحابية.
стр. 1224
و (أ) قوله هذا يحتمل الوجوب ويحتمل تأكيد الاستحباب، وروى (ب) ابن أبي شيبة (١) عن ابن عمر ﵁ أنه كان يخرج إلى العيدين من استطاع من أهله، وهذا ليس صريحًا في الوجوب، بل قد روي عن ابن عمر (٢) المنع، فلعله يحمل على حالين، ويؤيد الوجوب ما أخرجه ابن ماجه والبيهقي من حديث ابن عباس: "أن رسول الله ﷺ كان يُخرج نساءه وبناته في العيدين" (٣) فدلالته على استمرار العادة ظاهر في الوجوب، وظاهره شمول من كان لها هيئة من النساء ومن لا هيئة لها، وإذا كان في الشواب فالعجائز بالأولى، ومنهم من حمله على الندب، وجزم بذلك الجرجاني (٤) من الشافعية وأبو حامد (٥) من الحنابلة، ونص الشافعي (٦) في الأم يقضى باستثناء ذوات الهيئات، فإنه قال: "وأحب شهود العجائز وغير ذوات الهيئات من النساء الصلاة، وأنا لشهودهن الأعياد أشد استحبابًا" (٧)، وقال الطحاوي: إن ذلك كان في صدر الإسلام، ونسخ بعد ذلك، قال: للاحتياج إلى خروجهن لتكثير السواد فيكون فيه إرهاب للعدو، وتعقب بأن
стр. 1225
النسخ لا يثبت بمجرد الدعوى والاحتمال، وأيضًا فإن ابن عباس (١) روى خروجهن كما في الصحيح، وشهده، وهو صغير، وكان ذلك بعد فتح مكة (٢)، ولا حاجة إليهن لقوة الإسلام حينئذ، وأيضًا فإن في حديث أم عطية معللًا بشهود الخير ودعوة المسلمين (أ) رجاء لنيلهن بركة ذلك وقد أفتت به أم عطية بعد النبي ﷺ بمدة كما أخرجه البخاري (٣)، ولم يثبت عن أحد من الصحابة مخالفتها في ذلك، وما روى عن عائشة: "لو رأى النبي ﷺ ما أحدث النساء لمنعهن المساجد" (٤)، لا يدل على تحريم خروجهن ولا على نسخ ذلك بل على بقاء الحكم، وأقول: إن في لفظ حديث أم عطية قرينة على حمل الأمر على الندب وهو قوله: "يشهدن الخير ودعوة المسلمين"، إذ لو كان واجبًا لما علل بذلك، ولكان خروجهن لأداء الواجب عليهن وامتثال الأمر. والله أعلم.
٣٧٠ - وعن ابن عمر ﵄ قال: "كان رسول الله ﷺ وأبو بكرٍ وعُمر يصلون العيدين قبل الخطبة". متفق عليه (٥).
стр. 1226
في الحديث دلالة على أن تأخير الخطبة هو السنة التي داوم (أ) عليها النبي ﷺ واقتدى به فيها الخليفتان واستمرا على ذلك، وظاهر المحافظة على التقديم للصلاة وعلى فعل (ب) الخطبة بعدها وجوب ذلك، ولكن الظاهر أنه إجماع على عدم وجوب الخطبتين، وعلى أنه إذا قدمتا لم يشرع إعادتهما، وإن فعل خلاف السنة، وقد قيل: إن عمر ﵁ قد فعل الخطبة قبل الصلاة. واعترض الرواية عياض. و (جـ) قال: لا يصح ولكنه مدفوع بأن عبد الرزاق وابن أبي شيبة (١) روياه جميعًا عن ابن عيينة عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن يوسف بن عبد الله بن سلام. وهذا إسناد صحيح ولكنه معارض برواية ابن عمر هذه، وبما أخرج أيضًا البخاري عن ابن عباس (٢)، ويمكن التوفيق بأن ذلك وقع من عمر نادرًا، وقد روى التقديم للخطبة عن عثمان. أخرج ابن المنذر (٣) بإسناد صحيح إلى الحسن البصري قال: أول من خطب قبل الصلاة عثمان، ثم صلى بعد ذلك قبل الخطبة ثم رأى ناسًا لم يدركوا الصلاة فقدم الخطبة، فكان الحامل له على تقديم الخطبة النظر في مصلحة المسلمين لإدراكهم الصلاة والسبب في
стр. 1227
ذلك: أنه لما اتسع المسلمون في المدينة وتباعدت ديارهم فكان في المبادرة بالصلاة عقيب خروج الإمام تسبيب لفوات الصلاة على من تأخر خروجه عن خروج الإمام فإذا قدم الخطبة حصلت المهلة والانتظار لمن لم يبادر بالخروج، وفي هذا ملمح لعدم وجوب الخطبة إذ لم يبال بعدم إدراكها.
[والصريح في ذلك ما أخرجه النسائي وابن ماجه وأبو داود من حديث عبد الله بن السائب قال: "شهدت مع النبي ﷺ العيد فلما قضى الصلاة قال: إنا نخطب فمن أحب أن يجلس للخطبة فليجلس، ومن أحب أن يذهب فليذهب" (١)] (أ). وفي حديث أبي سعيد الخدري كما أخرجه البخاري (٢) ما يدل على أن أول من خطب قبل الصلاة مروان، فإنه قال بعد أن ساق ما كان (ب) يفعله النبي ﷺ : فلم يزل الناس على ذلك حتى خرجت مع مروان، وهو أمير المدينة، في أضحى أو فطر فلما أتينا المصلى إذا منبر بناه كثير بن الصلت، فإذا مروان يريد أن يرتقيه قبل أن يصلي فجبذت بثوبه فجبذني فارتفع فخطب قبل الصلاة فقلت له: غيرتم والله، فقال: أبا سعيد قد ذهب ما تعلم، فقلت: ما أعلم والله خير، فقال: إن الناس لم يكونوا يجلسون لنا بعد الصلاة فجعلتها (جـ) قبل الصلاة.
стр. 1228
وقد أخرج الشافعي (١) من حديث عبد الله بن يزيد: حتى قدم معاوية فقدم الخطبة، ففيه دلالة على أن معاوية الذي قدم، وروى ابن المنذر (٢) عن ابن سيرين: أن أول من فعل ذلك زياد بالبصرة، ويمكن التوفيق بينها (أ) بأن عثمان فعل ذلك لا على جهة المداومة، وإنما هو منظور فيه إلى مصلحة المسلمين وأن معاوية فعل ذلك وداوم عليه، واقتدى به أميراه لغرض لهم في ذلك من مدح بعض الناس، وذم بعض وفهموا من الناس، اجتناب الخطبة، وتنزههم عن سماع ما لم ينبغ استماعه مما خولف به السنة.
٣٧١ - وعن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ صلى يوم العيد ركعتين لم يصل قبلها ولا بعدها. أخرجه السبعة (٣).
وعنه: "أن النبي ﷺ صلَّى العيدَ بلا أذان ولا إِقامة" أخرجه أبو داود (٤) وأصله في البخاري.
стр. 1229
في الحديث دلالة على أن صلاة العيد ركعتان فقط، وهو إجماع (١) لمن صلاها مع الإمام في الجَبانة، وأما إذا فاتته صلاة الإمام وصلى وحده فكذلك على قول الأكثر، وذهب أحمد والثوري إلى أنه يصلي أربعًا (٢)، وأخرج سعيد بن منصور عن ابن مسعود: "من فاته صلاة العيد مع الإمام فليصل أربعًا" وهو إسناد صحيح، وقال إسحاق: إن صلاها في الجبانة فركعتين وإلا فأربعًا. وقال أبو حنيفة (٣): إذا قضى صلاة العيد فهم مخير بين اثنين أو (أ) أربعًا، [والقضاء غير لازم، وإنما خيره لأن صلاة العيد قائمة مقام صلاة الضحى إلا أن شرائطها كشرائط الجمعة، فإذا فاتت لعدم الشرائط صلى صلاة الضحى، فخير بين ركعتين أو أربع، ودليل قيامها مقام الضحى أنها لا تصلى الضحى قبلها، والضحى غير واجبة، فكانت (ب) مع فوات الشرائط غير واجبة، وفي حديث ابن مسعود أنه يقرأ في الأولى بسبح (جـ) اسم ربك الأعلى، والثانية والشمس، والثالثة والليل، والرابعة والضحى. رواه في المحيط، كذا (د) في شرح القدوري] (هـ).
واعلم أن صلاة العيدين مجمع على شرعيتها، واختلف في حكمها،
стр. 1230
فذهب الهادي وأبو حنيفة إلى أنها واجبة فرض عين (١)، ويدل على ذلك ما ذكر (أ) في هذه الأحاديث من محافظته ﷺ على ذلك، والخلفاء من بعده، ودليل التأسي قائم، وأيضًا فإن في حديث الركب الذي مَرَّ: "وإذا أصبحوا يغدوا إلى مصلاهم" (٢) بعد ذكر الأمر في أوله، وظاهر الأمر الوجوب وأيضًا فقوله (ب) تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ (٣) على بعض الوجوه أن المراد صلاة عيد الأضحى وهو أمر وقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥)﴾ (٤) كما هو عند كثير من السلف أن المراد به إخراج زكاة الفطر وصلاة عيد الفطر، وذهب أبو طالب وأحد قولي الشافعي والإصطخري وأحمد (٥) إلى أنها فرض كفاية، إذ هي شعار وهو يسقط بقيام البعض به كالجهاد، وذهب زيد بن علي والناصر والإمام يحيى والمؤيد وأحد قولي الشافعي وأكثر أصحاب الشافعي (٦) إلى أنها سنة مؤكدة، ومواظبته ﷺ لتأكيد السنية في ذلك. قالوا: لقوله ﷺ : "خمس صلوات