باب صلاة الكسوف
٣٧٩ - عن المُغيرة بن شُعْبة ﵁ قال: انكسفت الشمسُ على عهد رسول الله ﷺ يوم مات (أ) إبراهيم، فقال الناس: انْكسفْت الشمس لموت إبراهيم، فقال رسول الله ﷺ : "إن الشمس والقمرَ آيتانِ من آيات الله لَا تنْكسفان لموتِ أحدٍ ولا لحياتِه، فإِذا رأيْتُمُوهُما فادْعوا اللهَ، وصلّوا حتى تَنكَشِف". متفق عليه (١).
وفي رواية للبخاري (٢): "تنجلي"، وللبخاري من حديث أبي بكرة (٣): "فصلوا وادعوا حتى ينكشف ما بكم".
قوله: "انكسفت الشمس": (ب يقال: انكسفت ب) وكسفت بفتح الكاف والسين (جـ) وبضم الكاف (د وكسر السين د) نادر وخسفت بفتح الخاء وضمها (هـ وكسر السين هـ) أيضًا وانخسفت (٤). واختلف العلماء في أن
стр. 1262
اللفظين يستعملان جميعًا في الشمس و (أ) القمر أو لا، فقال البخاري (١): باب هل يقول كسفت الشمس أو خسفت؟ وقال الله تعالى: ﴿وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨)﴾ (٢) (ب) هذه لفظه فظاهره (جـ) التردد في ذلك في حق الشمس والجزم في حق القمر بالخسوف، والأحاديث التي أوردها في الباب بإطلاق لفظ الكسوف في الشمس على انفراد نسبته إليها، ولفظ خسفت أيضًا إليها (د) في حديث ابن عمر (٣): "خسفت الشمس" يدل دلالة واضحة على استعمال الكسوف والخسوف في حق الشمس، والخسوف في حق القمر واستعمالهما مقرونًا بينهما في حق الشمس والقمر في قوله: "ينكسفان وينخسفان"، وأما ورود الكسوف منسوبًا إلى القمر على جهة الانفراد فلم أره في شيء من الأحاديث وقد أخرج سعيد بن منصور عن ابن عيينة عن الزهري عن عروة موقوفًا: "لا تقولوا كسفت (هـ) الشمس
стр. 1263
ولكن قولوا: (حسنت) (أ). وأخرجه أيضًا مسلم (١) عن يحيى بن يحيى عنه، ولكنه معارض بما ثبت في الروايات الصحيحة من قوله: "ينخسفان"، والمشهور في استعمال الفقهاء الكسوف للشمس والخسوف للقمر، واختاره ثعلب، وذكر الجوهري أنه (٢) أفصح، وقيل: يتعين ذلك، وحكى عياض (٣) عن بعضهم عكسه، وغلط لثبوته في القمر في القرآن، وقيل: يقال بهما في كل منهما، وبه جاءت الأحاديث. ولا شك أن مدلول الكسوف لغة غير مدلول الخسوف فإن الكسوف التغير إلى سواد والخسوف النقصان أو الذل، فإذا قيل: في الشمس كسفت أو خسفت، فقد حصل فيها التغيير والنقصان وكذلك الخسوف فيستقيم ذلك المعنى في حق الشمس والقمر ولا يلزم من صحة الاستعمال لملاحظة المعنى الترادف، وقيل: بالكاف في الابتداء وبالخاء في الانتهاء وقيل: بالكاف لذهاب جميع الضوء، وبالخاء لبعضه، وقيل: بالخاء لذهاب كل اللون وبالكاف (لتغيره) (ب) (٤).
وقوله: "يوم مات إبراهيم"، يعني ابن النبي ﷺ . ذكر جمهور أهل
стр. 1264
السير (١) أنه مات في السنة العاشرة من الهجرة، قال أبو داود: في (أربيع الأول يوم الثلاثاء لعشر خلون منه، وقيل: في أ) رمضان، وقيل: في ذي الحجة، والأكثر أن وفاته في عاشر الشهر، وقيل: في رابعه، وقيل في رابع عشرة (٢) ولا يصح كونه في ذي الحجة في (ب) السنة العاشرة (جـ لأن النبي ﷺ كان إذ ذاك بمكة وقد ثبت أنه شهد وفاته، وكانت جـ) بالمدينة بلا
стр. 1265
خلاف، ثم قيل: إنه مات سنة سبع. فإن ثبت صح ذلك وقد اعترض أيضًا بأنه في سنة تسع كان بالحديبية، وأجيب بأنه رجع منها في آخر ذي القعدة فلعلها كانت في أواخر الشهر، وتوفي وهو في ستة عشر شهر وثمانية أيام، وقيل: سنة وعشرة أشهر وستة أيام وحمل على سرير صغير (أ) وصلى عليه النبي ﷺ بالبقيع وقال: "ندفنه عند سلفنا عثمان بن مظعون" (١)، وروي عن عائشة ﵁: "أنه دفنه (ب ولم يصل عليه" فيحمل أنه ب) لم يصل عليه في جماعة بل صلى عليه وحده، وأمر أصحابه أن يصلوا عليه، وروى (جـ) أن الذي غسله أبو بردة [وروى الفضل بن عباس: ونزل قبره أسامة بن زيد والفضل، والنبي ﷺ واقف على شفير القبر، ورش (٢) قبره، وعُلِّم بعلامة، وهو (٣) أول قبر يرش] (٤) وأخرج ابن ماجه عن ابن عباس: لما مات إبراهيم ابن النبي ﷺ أنه صلى عليه وقال: "إن له مرضعًا في الجنة، ولو عاش لكان صديقا نبيا، ولو عاش لأعتقت أخواله من القبط، وما استرق قبطي" (٥)، وفي سنده أبو شيبة إبراهيم بن
стр. 1266
عثمان الواسطي (١)، وهو ضعيف، قال: "وكان إبراهيم قد ملأ المهد ولو بقي لكان نبيًّا (٢) وأخرج البخاري من حديث عبد الله بن أبي أوفى: "ولو قضي بعد محمد بنبي (أ) عاش ابنه إبراهيم ولكن لا نبي بعده" (٣) وأخرج أحمد (٤) عنه نحوه، وأخرج الطبراني (٥) عن أنس نحوه، وقد أنكر النووي (٦) في تهذيب الأسماء واللغات هذه الجملة الشرطية، وكذا ابن عبد البر (٧) من حيث تجويز نبوته بعد النبي ﷺ لأن ذلك يلزم منه أن لا يكون خاتم النبيين، ولا يلزم ما ذكر إذ المحذور إنما هو تجويز كون الشيء واقعًا متحققًا في (نفس) (ب) الأمر، لا فرض الوقوع، والفرق واضح.
وقولهم: انكسفت لموت إبراهيم. وذلك لأنه لما كان كسوفها (في العاشر أو في الرابع كما تقدم وكذا يوم قتل الحسين بن علي ﵄ فإنه كما رواه البيهقي (٨) في يوم (جـ) عاشوراء وكسفت الشمس حتى بدت الكواكب نصف النهار، وهذا) (د) مخالف لا تقررت عليه قاعدة
стр. 1267
ذلك عند علماء الهيئة، فإنهم يزعمون أن ذلك لا يكاد يتفق لعدم حصول الأسباب المفضية (أ) إلى كسوفهما عندهم فقالوا: إنما ذلك لأجل هذا (ب) الفادح العظيم، فرد عليه النبي ﷺ فقوله (ب): "إنهما آيتان"، أي علامتان من العلامات الدالة على وحدانية الله تعالى وقدرته أو على تخويف العباد من بأسه وسطوته، ويؤيده قوله تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إلا تَخْوِيفًا﴾ (١) وقوله في رواية: "يخوف الله بهما عباده".
وقوله: "ولا لحياته"، فائدته الاحتراس عن توهم من يتوهم أنه إذا لم يكن ذلك سببًا في العدم فيجوز أن يكون سببًا للوجود (د) فعمم الأمرين جميعًا.
وقوله: "فإِذا رأيتموهما" بصيغة التثنية في رواية الكشميهني (٢) للبخاري، وفي رواية الأكثر بصيغة ضمير المؤنث المفرد، فعلى التثنية أي كسوف كل واحد منهما في وقته لاستحالة الاجتماع عادة، وإن جاز ذلك بالنظر إلى القدرة الإلهية وعلى رواية الإفراد أي الآية، وقد وقع في رواية ابن المنذر (٣): "حتى ينجلي كسوف أيهما انكسف" وهو أصرح.
وقوله: "فادعوا الله وصلوا حتى ينكشف"، في الأمر دلالة على
стр. 1268
مشروعية ذلك، وهو مجمع عليه والأمر محمول عند الجمهور على الندب المؤكد، فهي سنة مؤكدة (١) عندهم، ولعل القرينة على ذلك ما تقدم مرارًا من حديث: "خمس كتبهن الله" (٢)، وغير ذلك مما فيه دلالة على حصر الواجبات، فما عداها محمول الأمر على الندب، وصرح أبو عوانة (٣) في صحيحه بوجوبها، وحكى أيضًا عن مالك أنه أجراها مجرى الجمعة، ونقل الزين بن المنير عن أبي حنيفة أنه أوجبها وكذا نقل بعض مصنفي الحنفية (٤) أنها واجبة.
وقوله: "حتى ينكشف ما بكم" فيه دلالة على استغراق ذلك الوقت جميعه بالصلاة والدعاء (أ)، وأنه تفوت الصلاة بالانجلاء، فعلى هذا إذا انجلت وهو في الصلاة لم يتمها بل يقتصر على ما قد فعل، وفي رواية لمسلم (٥) "فسلم (ب)، وقد انجلت" فدل على أنه يصح التمام للصلاة، وإن كان قد حصل الانجلاء، ويتأيد هذا بالقياس على سائر الصلوات، فإنه يصح تقييدها بركعة كما تقدم، فإذا قد (جـ) فعل ركعة منها أتمها والله أعلم.
[وفي الحديث دلالة على أن فعلها يتقيد بحصول السبب في أي وقت
стр. 1269
كان من أوقات النهار وذهب إلى هذا الجمهور (١)، واستثنى الحنفية أوقات الكراهة، وهو المشهور من مذهب أحمد (٢) وعن المالكية (٣) من الوقت الذي تحل فيه النافلة إلى الزوال، وفي رواية إلى صلاة العصر.
قال المصنف (٤) ﵀ ولم أقف على شيء من الطرق أنه ﷺ صلاها وقت الضحى، ولكن ذلك وقع اتفاقًا، فلا يدل على منع ما عداه، واتفقت جميع الروايات إلى أنه ﷺ بادر إليها عقيب وقوع السبب (أ)] ومعنى الرواية الأخرى (ب) للبخاري ظاهر بما ذكرناه (جـ).
٣٨٠ - وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ : "جهر في صلاة الكسوف بقراءته، فصلَّى أربع ركعات في ركعتين وأربع سجدات" (٥) متفق عليه (د وهذا لفظ مسلم د).
стр. 1270
وفي رواية له: "فبعث مناديًا ينادي: الصلاة جامعةً" (١).
قوله: "جهر في صلاة الكسوف"، فيه دلالة على شرعية الجهر في الكسوف، وهذا يحتمل (أ) أن يكون في القمر أو في الشمس، إلا أنه لم يرد لفظ الكسوف مسندًا إلى القمر على جهة الخصوص، فهو متبادر إلى كسوف الشمس، إلا أن لفظ هذا الحديث في البخاري: "جهر النبي ﷺ في صلاة الخسوف بقراءته، ثم قالت في آخره: ثم يعاود القراءة في صلاة الكسوف" (٢) فجمع في هذا اللفظ بين لفظ الخسوف والكسوف ولكنه مصرح بإسناده إلى الشمس في رواية الأوزاعي (٣) وغيره ولفظه: "إن الشمس خسفت على عهد رسول الله ﷺ ". . الحديث، ولكنه لم يذكر فيه الجهر بالقراءة، وقد أخرج أحمد (٤) الحديث بلفظ "خسفت الشمس"، وقال: "ثم قرأ فجهر بالقراءة". الحديث وكذا في مسند أبي داود الطيالسي (٥): "أن النبي ﷺ جهر بالقراءة في صلاة الكسوف"، وقد أخرج الجهر أيضًا الترمذي والطحاوي والدارقطني (٦) وهي طرق يقوي بعضها بعضًا، فيفيد مجموعها الجزم بذلك، وقد ورد الجهر فيها عن
стр. 1271
علي ﵁ مرفوعًا. أخرجه ابن خزيمة (١) وغيره، وقد اختلف العلماء في الجهر والإسرار فيهما، فذهب الهادي (٢) ومالك إلى أنه يخير المصلي بين الجهر والإسرار، قالوا: لثبوت الأمرين عنه ﷺ فأما الجهر فالحديث (أ) عن عائشة وغيرها، وأما الإسرار فلحديث ابن عباس (٣)، "قام قيامًا طويلًا نحوًا من سورة البقرة" فلو جهر بالقراءة لم يقدره بما ذكر، والاعتراض على ذلك باحتمال أنه كان بعيدًا مدفوع بما رواه الشافعي (٤) تعليقًا عن ابن عباس أنه صلى بجنب النبي ﷺ في الكسوف فلم يسمع منه حرفًا، ووصله البيهقي (٥) من ثلاث طرق أسانيدها واهية وكذلك حديث سمرة عند ابن خزيمة، والترمذي (٦) "ولم يسمع له
стр. 1272
صوتًا، وذهب الأئمة الثلاثة إلى أنه يسر في الشمس (١)، ويجهر في القمر، وهو متأيد بالقياس على الصلوات الخمس وما تقدم من الدلالة يرد عليهم وذهب صاحبا أبي حنيفة وأحمد وإسحاق وابن خزيمة وابن المنذر وغيرهما (أ) من محدثي الشافعية وابن العربي من المالكية إلى الجهر فيهما جميعًا وهو متأيد بالقياس على الجمعة والعيدين إذ هي صلاة مشروع فيها الجماعة والخطبة والجواب عنهم بما تقدم في المذهب الثاني.
وقوله: "فصلى أربع ركعات في ركعتين وأربع سجدات"، يعني أنه ركع في كل ركعة ركوعين، فيه دلالة على الصفة المذكورة، وقد ذهب إليه ابن عباس وعثمان والشافعي وأحمد ومالك، وسيأتي تمام ذكر المذاهب.
وقوله: "وبعث مناديًا" فيه دلالة على شرعية الإعلام للاجتماع لها.
وقوله: "الصلاةَ جامعةً" بالنصب فالصلاة (ب) مفعولية فعل محذوف أي احضروا الصلاة، وجامعة على الحال، ويجوز رفعها على أن الصلاة
стр. 1273
مبتدأ وجامعة خبر، أي ذات جماعة، أو أن الإسناد إليها مجاز عقلي، لما كانت سببًا للجمع فنسب (أ) إليها، ويجوز رفع جامعة على الوضعية لكون اللام في الصلاة للجنس، والخبر محذوف أي احضروها، ويجوز أيضًا نصب جامعة على الحال، والخبر مقدر.
٣٨١ - وعن ابن عباس ﵄ قال: "انْخَسَفت الشمسُ على عهد رسول الله ﷺ فصلَّى فقام قيامًا طويلًا نحوًا من قراءة سورة البقرة، ثم ركع ركوعًا طويلًا، ثم رفع فقام قيامًا طويلًا، وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعًا طويلًا وهو دون الركوع الأول، ثم سجد ثم قام قياما طويلا، وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعا طويلا وهو دون الركوع الأول، ثم رفع فقام قيامًا طويلًا، وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعًا طويلًا وهو دون الركوع الأول، ثم سجد ثم انصرف، وقد تجلت الشمس فخطب الناس". متفق عليه (١) واللفظ للبخاري.
стр. 1274
وفي رواية لمسلم (١): "صلى حين كسفت الشمس ثماني ركعات (أ) في أربع سجدات".
[وعن علي ﵁ مثل ذلك.
وله عن جابر: "صلى ست ركعات (ب) بأربع سجدات" (٢).
ولأبي داود عن أبي بن كعب ﵁: "صلَّى فركع خمس ركعات وسجد سجدتين وفعل في الثانية مثل ذلك] (جـ) (٣).
قوله: "فصلّى": ظاهر الفاء التعقيب من دون تراخ وأنها وقعت الصلاة عقيب الانخساف واستدل بهذا السياق بعضهم على أنه ﷺ كان يحافظ على الوضوء ولذا وقع منه الصلاة عقيب الانخساف، وهو غير
стр. 1275
مستقيم، فإن (أ) في رواية ابن عباس (١) لهذا الحديث: "أنها خسفت فخرج إلى المسجد فصف الناس" وهذا يدل على أن في السياق الأول حذفًا، وهو صريح في التراخي، فيجوز أن يكون توضأ بعد الانْخساف في بيته ثم خرج.
وقوله: "نحوًا من قراءة سورة البقرة"، فيه دلالة على أنه أسر بالقراءة كما تقدم.
وقوله: "ركوعًا طويلًا"، فيه دلالة على شرعية ذلك.
قال المصنف (٢) -رحمه الله تعالى-: لم أر في شيء من الطرق بيان ما قال فيه، إلا أن العلماء اتفقوا على أنه لا قراءة فيه وإنما المشروع فيه الذكر من تسبيح وتكبير ونحوهما.
وقوله: "وهو دون الركوع الأول ثم سجد"، فيه دلالة على أن القيام الذي يعقبه السجود لا تطويل فيه، وقد وقع في رواية مسلم (٣) لحديث جابر: "أنه أطال ذلك"، ولكنه قال النووي (٤): إنها رواية شاذة تفرد بها أبو الزبير مخالفة، فلا يعمل بها، ونقل القاضي (٥) إجماع العلماء أنه لا يطول الاعتدال الذي يلي السجود، وقد تؤول هذه الرواية بأنه أراد بالإطالة هو زيادة الطمأنينة لا الإطالة التي تقرب من الإطالة فيما قبله (٦)،
стр. 1276
وقوله: "ثم سجد"، لم (أ) يذكر في هذه الرواية طول السجود وقد استدل به بعض المالكية على عدم إطالته، وأن الذي شرع فيه التطويل إنما هو ما شرع تكريره، وهو قياس في مقابلة النص وبعضهم ناسب ذلك بأن القيام والركوع مع إطالتهما يمكن المصلي تعرف حال الشمس من الانْخساف والانجلاء، وأما السجود فلا يمكن معه ذلك فلا تشرع فيه الإطالة، وأيضًا فإن في السجود تسترخي الأعضاء فيؤدي إلى النوم، وهذا مردود بثبوت الأحاديث الصحيحة بتطويله، فقد أورده (١) مسلم والبخاري (ب (عن أَبي موسى وعبد الله بن عمرو، ومسلم من حديث جابر، وقد ذكره الشافعي فيما حكاه عنه الترمذي (٢) وكذا في كتاب البويطي، وأخرجه أبو داود والنسائي (٣) من حديث سمرة: "كأطول ما سجدنا في صلاة قط"، وفي رواية مسلم (٤) لحديث جابر بلفظ: "وسجوده نحو من ركوعه". وقد
стр. 1277
ذهب إلى هذا أحمد وإسحاق (١) وأحد قولي الشافعي، وبه جزم أهل (٢) العلم بالحديث من أصحابه، واختاره ابن سريج ثم النووي (٣)، وتعقب صاحب المهذب في قوله: إنه لم ينقل في خبر ولم يقل به الشافعي، ورد عليه في الأمرين، وأن الشافعي نص عليه في البويطي، ولفظه: "ثم سجد سجدتين طويلتين يقيم في كل سجدة نحوًا مما قام في ركوعه" (٤)، ووقع في رواية مسلم لحديث جابر "إطالة الاعتدال بين السجودين" (٥) وقد أخرجه أبو داود والنسائي (٦) وإسناده صحيح، لأنه من رواية شعبة (٧) عن
стр. 1278
عطاء بن السائب، وقد سمع منه قبل الاختلاط، قال المصنف (أ) ﵀: و (ب) لم أقف على تطويل الجلوس بين السجدتين في شيء من الطرق إلا في هذا، ونقل الغزالي (١) الاتفاق على عدم إطالته، وهو مردود بما عرفت.
وقوله: "ثم قام قيامًا طويلًا" إلخ، فيه دلالة على إطالة القيام في الركعة الثانية، ولكنه دون القيام في الركعة الأولى، وقد ورد في رواية أبي داود (٢) عن عروة أنه نحو من آل عمران، وهذا يدل على أن القيام الأول في الركعة الثانية هو دون القيام الأول في الركعة الأولى، وقال ابن بطال: (٣) لا خلاف أن الركعة الأولى بقيامها وركوعها تكون أطول من الركعة الثانية بقيامها وركوعها، وقال النووي (٤): اتفقوا على أن القيام الثاني وركوعه أقصر من القيام الأول وركوعه، واختلفوا في القيام الأول من الثانية وركوعه هل هما أقصر من القيام الثاني من الأولى وركوعه أو يكونان (جـ) سواء، قيل: وسبب هذا (د) الخلاف فهم معنى قوله: "وهو دون القيام الأول"، هل المراد به الأول من الثانية؟ أو يرجع إلى الجميع
стр. 1279
فيكون كل قيام دون الذي قبله.
وقوله: "ثم انصرف": أي من الصلاة، "وقد تجلت الشمس" وفي رواية ابن شهاب (١): "وانجلت الشمس قبل أن ينصرف"، وللنسائي (٢): "ثم تشهد وسلم فخطب الناس .. " وقوله: "فخطب الناس" فيه دلالة على شرعية الخطبة، وقد ذهب إلى استحباب الخطبة: الشافعي (٣) وإسحاق وأكثر أصحاب الحديث، قال ابن قدامة (٤): لم يبلغنا عن أحمد ذلك. وقال صاحب الهداية (٥) من الحنفية: ليس في الكسوف خطبة لأنه (أ) لم ينقل، وتعقب بأن الأحاديث مصرحة بالخطبة، والمشهور عند المالكية (٦) أنه لا خطبة، مع أن مالكًا (٧) روى الحديث، وفيه ذكر الخطبة، وتأوله بعضهم بأن النبي ﷺ لم يقصد بها الخطبة بخصوصها وإنما على من اعتقد أن الكسوف يكون بسبب موت أحد، وتعقب هذا بأن في رواية البخاري (٨): "فحمد الله وأثنى عليه"، وفي رواية (٩) زيادة: "وشهد أنه
стр. 1280
عبده ورسوله" وفي سياق البخاري (١) زيادة: "لذكر أحوال الجنة والنار وغير ذلك"، وهذه من مقاصد الخطبة، وبعضهم قال: إنه لم يرد أنه صعد المنبر فدل على عدم الخطبة، ويجاب عنه بأن المنبر ليس بشرط، وأيضًا فعدم الذكر لا يدل على عدم الكون.
وقوله في رواية مسلم: "ثماني ركعات (أ) في أربع سجدات"، فيه دلالة على أن الركوع أربعة في كل ركعة، وقد ذهب إلى هذا (٢).
وقوله في رواية جابر: "ستة ركوعات بأربع سجدات"، فيه دلالة على أن الركوع ثلاثة في كل ركعة، وقد ذهب إلى هذا (حذيفة، كذا في البحر (٣)) (ب).
وقوله في رواية أُبَيّ بن كعب: "فركع خمس ركعات" إلخ، فيه دلالة على أن الركوع خمسة في كل ركعة وقد ذهب إلى هذا جماعة أهل البيت (٤) ما عدا الباقر. قال في اللمع: لا يختلفون في هذه الصفة، وقد روي من حديث سمرة والنعمان بن بشير وعبد الله بن عمرو: "أنه ﷺ
стр. 1281
صلاها ركعتين كل ركعة بركوع" (١)، وفي حديث قبيصة الهلالي (٢) عنه ﷺ قال: "إذا رأيتم ذلك فصلوها كأحدث صلاة صليتموها من المكتوبة". وروى هذه الأحاديث أحمد والنسائي، وعن الحسن البصري (٣) قال: خسف القمر وابن عباس أمير على البصرة، فخرج فصلى بنا ركعتين، في كل ركعة ركعتين (أ) ثم ركع، وقال: إنما صليت كما رأيت النبي ﷺ يصلي. رواه الشافعي في مسنده، وهو مروي أيضًا عن ابن
стр. 1282
الزبير: أنه صلى كصلاة الفجر، فقيل لعروة بن الزبير: إن أخاك يوم كسفت الشمس بالمدينة لم يزد على ركعتين مثل (أ) الصبح، قال: أجل لأنه أخطأ السنة (١). وقد ذهب إلى هذا أبو حنيفة (٢) والثوري والنخعي، ورواه في شرح الإبانة عن الباقر قال ابن عبد البر: أصح ما في هذا الباب رواية ركوعين في كل ركعة. قال: وما عدا هذا معلل ضعيف.
وقد حاول جماعة الجمع بين هذه الروايات المختلفة فقالوا: وقع من النبي ﷺ جميع ذلك باعتبار اختلاف حال الكسوف في سرعة الانجلاء وبطئه وتوسطه، واعترض بأن هذا (ب) لا يعلم في أول الحال، ولا في الركعة الأولى، وقد اتفقت الروايات أن عدد الركوع في الركعتين سواء، وهذا يدل على أنه مقصود في نفسه من أول الأمر، وقال جماعة من العلماء منهم إسحاق بن راهويه وابن جرير وابن المنذر: أن فعله لجميع ذلك يدل على توسعة الأمر وبيان الجواز لذلك وهذا أقرب (٣) والله أعلم.
٣٨٢ - وعن ابن عباس ﵄ قال: "ما هبت ريح قط إِلا جثا النبي ﷺ على ركبتيه، وقال: اللهم اجْعلها رحمة ولا تجعلها عذابًا". رواه الشافعي والطبراني (٤).
стр. 1283
وعنه: "أنه صلى في زلزلة ست ركعات (أ) وأربع سجدات، وقال: هكذا صلاة الآيات". رواه البيهقي (١).
وذكر الشافعي عن علي ﵁ مثله دون آخره.
أخرج الشافعي الأول في "الأم" قال: أخبرني من لا أتهم عن العلاء بن راشد (٢) عن عكرمة عنه به، والطبرانى وأبو يعلى من طريق حسين بن قيس عن عكرمة.
والثاني: أخرجه البيهقي من طريق عبد الله بن الحارث عنه: أنه (ب) في زلزلة بالبصرة فأطال، فذكره إلى أن قال: فصارت صلاته ست ركعات (جـ) وأربع سجدات ثم قال هكذا صلاة الآيات، لرواه ابن أبي شيبة (٣) مختصرًا من هذا الوجه أن ابن عباس صلى بهم في زلزلة كانت أربع سجدات ركع فيها ستا.
وقوله: وذكر الشافعي إلخ (د) أخرجه البيهقي في السنن والمعرفة بسنده إلى الشافعي فيما بلغه عن عباد عن (هـ) عاصم الأحول عن قزعة عن علي ﵁ أنه صلى في زلزلة ست ركعات في أربع سجدات
стр. 1284
خمس ركعات (أ) وسجدتين في الركعة (ب) الأولى، وركعة (جـ) وسجدتين في الركعة (د) الثانية، قال الشافعي: ولو ثبت هذا عن علي لقلت به، وهم يثبتونه ولا يأخذون به.
وقول: دون آخره، وهو قوله: "وقال: هكذا صلاة الآيات".
قوله: "ما هبت ريح قط"، الريح: اسم جنس صادق على ما يأتي بالرحمة، وما يأتي بالعذاب، وقد ورد هذا مصرحًا به في حديث أبي هريرة مرفوعًا: "الريح من روح الله تأتي بالرحمة وبالعذاب، فلا تسبوها" (١)، ويجمع على رياح في الكثرة، وقد يرد على هذا أن في تمام حديث ابن عباس: "اللهم اجعلها رياحًا ولا تجعلها ريحًا"، وهو يدل على المغايرة وأن الريح المفرد يختص بالعذاب، والجمع بالرحمة، قال ابن عباس (٢): في كتاب الله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ (٣)، و ﴿أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (هـ)﴾ (٤)، ﴿وَأَرْسَلْنَا
стр. 1285
الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ (١) وأرسلنا ﴿الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾ (٢)، رواه الشافعي والبيهقي في الدعوات الكبير (أ)، وقد أجيب عن ذلك بأن المعنى لا تهلكنا بهذه الريح، فإنهم لو أهلكوا بهذه الريح لم تهب بعدها عليهم ريح أخرى فتكون ريحًا لا رياح، وقيل: لأنه يلقح السحاب الرياح الكثيرة فيكثر مطرها، وأما لو كانت واحدة فلا تلقح، ولا تنزل المطر أو ينزل قليلًا وقوله: "قط" مبني على الضم: ظرف زمان ماض يقع بعد النفي كثيرًا.
وقوله: "إِلا جثا" الجثي (ب): القعود على الركبتين (٣) وهي قعدة مخافة لا يفعلها المطمئن (جـ) بالقعود بحسب الأغلب وهو جملة حالية واقعة بعد الاستغناء بها عن الواو وعن قد لتضمنها معنى الجزاء لما قبلها للزومها لما قبلها أي إن هبت ريح جثا.
وقوله: "أنه صلى" إلخ، فيه دلالة على شرعية الصلاة والتجميع بها أيضًا لأن الظاهر من اللفظ أنه صلى بهم، وقد ذهب إلى هذا القاسم فقال: يصلي للإفزاع كصلاة الكسوف قياسًا على الكسوف في الفزع، وإن شاء المصلي فركعتان ووافق (د) على ذلك أحمد بن حنبل (٤) وأبو ثور، ولكن كالكسوف فقط، وذهب الشافعي (٥) وتبعه الإمام يحيى إلى أنه لا
стр. 1286
يشرع فيها التجميع، وحجته ما مر من عدم الصحة، ولو صح له لقال له به، وأما صلاة المنفرد فحسن، قال الشافعي: وإنما تركنا ذلك لأنه ﷺ لم يأمر بالتجميع في الصلاة إلا في الكسوفين، ولأن عمر (١) لم يأمر بالصلاة عند وقوع ذلك، انتهى.
وقد روى أبو داود عن ابن عباس مرفوعًا: "إذا رأيتم آية فاسجدوا" (٢)، وقوله: "فاسجدوا" يحتمل أنه أراد السجود الفرد (أ) أو عبر به عن صلوا (ب).
واعلم أن هذا الوارد في هذه الصلوات (جـ) لم يرو (د) مثله في صلاة الكسوف عن أحد فإن جميع ما تقدم في الكسوف أن الركوع في الركعتين على سواء. والله أعلم.
[عدة (هـ) أحاديث هذا الباب ثلاثة عشر حديثًا] (و).
стр. 1287
باب صلاة الاستسقاء
[الاستسقاء مصدر وهو طلب سقي الماء من الغير للنفس أو للغير، وشرعًا (١) طلبه من الله تعالى عند حصول الجدب على وجه مخصوص. وله أنواع أدناها مجرد الدعاء وأوسطها الدعاء خلف الصلوات وفي خطبة الجمعة وأفضلها الاستسقاء بصلاة ركعتين] (أ).
٣٨٣ - وعن ابن عباس ﵄ قال: "خرج النبي ﷺ متواضعًا مبتذلا متخشعًا مترسلًا متضرعًا، فصلى ركعتين كما يصلي في العيد ولم يخطب خطبكم (ب) هذه" (٢). رواه الخمسة وصححه الترمذي وأبو عوانة وابن حبان، وأخرجه أيضًا الحاكم، والدارقطني، والبيهقي، كلهم من حديث هشام بن إسحاق بن كنانة عن أبيه (٣) عن ابن عباس وبعضهم يزيد على بعض.
стр. 1288
قوله: "خرج النبي ﷺ "، أي إلى المصلى.
وقوله: "مبتذلًا"، أي لابسًا ثياب البذلة والمراد به ترك الزينة والتهيوء بالهيئة الحسنة على وجه التواضع.
وقوله: "مترسلًا"، أي متأنيًا، يقال (أ): ترسل الرجل في كلامه ومشيته، إذا لم يعجل.
والتضرع، إظهار الضراعة وهو التذلل عند طلب الحاجة.
وقوله: "فصلى ركعتين"، ظاهره أن الصلاة عقيب الخروج، وأنه لم يتقدم الصلاة خطبة ولا دعاء، وسيأتي ما يخالف هذا وهو يدل على أنه مشروع في الاستسقاء صلاة ركعتين، وهو مروي عن علي ﵁ وقال به الناصر والمؤيد والإمام يحيى ومالك وأبو يوسف ومحمد والزهري والنخعي (١). وأنه لا صفة لهما زائدة على ذلك، قالوا (ب): لما روي في خبر عباد بن تميم، أخرجه البخاري (٢) "أنه صلى بهم ركعتين"، وكذا في خبر عائشة (٣) الآتي وذهب الشافعي وجماعة (٤) من السلف ورواية عن أبي يوسف ومحمد: بل ركعتان كصلاة العيد في تكبيرها وقراءتها وهو المنصوص (٥) للشافعي، وقيل: يقرأ في الثانية: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا
стр. 1289
نُوحًا﴾ لمناسبتها، وفي الأولى: ق، والوجه في ذلك حديث ابن عباس كما يصلي في (أ) العيد، والظاهر منه الموافقة في العدد والصفة، والأولون يتأولون هذا بأن المراد التشبيه في العدد لا في الصفة بقرينة ما ورد من إطلاق الركعتين، ولا دلالة على ذلك فتنبه إذ ذلك مطلق ومقيد، فالعمل بهما صحيح، (بل قد أخرج الدارقطني (١) من حديث ابن عباس "أنه يكبر فيهما (ب) سبعًا وخمسًا كالعيد، ويقرأ فيها بسبح، وهل أتاك" وفي إسناده (٢) مقال، ولكنه متأيد برواية ابن عباس: كما يصلي في العيد) (جـ)، وقال أبو حنيفة (٣): أنه لا يصلي في الاستسقاء، وإنما هو بالدعاء فقط إذ ثبت عند ذلك كما أخرجه أبو داود والترمذي (٤) من حديث آبى اللحم
стр. 1290
"أنه رأى النبي ﷺ يستسقي عند أحجار الزيت قريبًا من الزوراء فرآه قائمًا يدعو يستسقي رافعًا يديه قبل وجهه لا يجاوز بهما رأسه" وأخرج أبو عوانة في صحيحه من زياداته عن عامر بن خارجة "أن قومًا شكوا إلى النبي ﷺ قحط المطر فقال: "اجثوا على الركب ثم قولوا: يا رب يا رب" الحديث (١) .. والجواب عليه بأنه قد ثبت صلاة الركعتين، وتركها في بعض الأحوال (أ) لبيان عدم الوجوب، وقد ثبت عن رسول الله ﷺ في الاستسقاء ثلاث كيفيات: الأولى: الدعاء المجرد كما في حديث (ب آبى اللحم، وهي أدناها، الثانية: وهي أوسطها، الدعاء خلف الصلوات كما سيأتي من حديث ب) أنس (٢) خلف الجمعة، والثالثة: وهي أعلاه، الصلاة كما في حديث ابن عباس وغيره.
وقوله: "ولم يخطب خطبكم (جـ) هذه"، احتج بهذا من لم يثبت الخطبة في الاستسقاء وهو الهادي والمؤيد (٣) وذهب الناصر وأبو يوسف ومحمد (٤) إلى أنه يخطب قبلها كالجمعة، لحديث عائشة الآتي (٥)، وكذا عن ابن عباس (٦) في رواية أبي داود، وذهب الشافعي (٧) والجماهير من
стр. 1291
العلماء: أن الخطبة بعد الصلاة، وقد ثبت هذا في حديث أَبى هريرة "أن رسول الله ﷺ خرج إلى الاستسقاء فصلى ركعتين ثم خطب" أخرجه أحمد وابن ماجه وأبو عوانة والبيهقي بأتم من (١) هذا. قال البيهقي: تفرد به النعمان بن راشد (٢)، وقال في الخلافيات (٣): رواته ثقات، ويؤخذ أيضًا من تشبيهها بصلاة العيد، ويجاب عن ظاهر حديث عائشة ﵂ وغيره أن الذي بدأ به هو الدعاء فعبر بعضهم عن الدعاء بالخطبة، واقتصر على الرواية، ولم يرد الخطبة بعدها، والراوي لتقديم الصلاة على الخطبة اقتصر على ذلك، ولم يرد الدعاء قبلها وهذا جمع بين الروايات ويحمل إنكار ابن عباس للخطبة بأنه لعله أنكر زيادة في الخطبة لم تكن في خطبته ﷺ وهو متبادر من قوله: "ولم يخطب خطبكم (أ) هذه" فالمنكر هو تعيين المفعول لا نفس الفعل، إذ لو أراد ذلك لقال: ولم يخطب، (وقد ذهب إلى تقديم الصلاة الجمهور (٤)، والخلاف في ذلك لجماعة من الصحابة (٥)، ونسب أيضًا إلى ابن الزبير بتقديم الخطبة، وقال ابن (ب) المنذر: وصرح
стр. 1292
الشيخ أبو حامد (١) الاختلاف في الاستحباب (أ) لا في الجواز (ب) (والمشهور عند الأكثر خطبتان كالعيد (جـ)، ويستفتح الخطبة الأولى بالاستغفار على قول الشافعي (٢)، وقول آخر بالتكبير كالعيد (٣) ثم يحمد الله سبحانه، ويصلي على النبي ﷺ ويوصي بتقوى الله ويكثر الاسغفار، ويدعو بالمأثور وهو: "اللهم اسقنا غيثًا مغيثًا هنيئًا مريئًا مريعًا غدقًا مجللًا سحًّا طبقًا دائمًا، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفارًا، فأرسل السماء علينا مدرارًا" (٤) ويستقبل القبلة بعد صدر الخطبة الثانية، ويدعو، فإذا فرغ من الدعاء استقبل الناس في باقي الخطبة، وقال أستغفر الله لي ولكم ويبالغ في الدعاء سرًّا وجهرًا (د).
قوله "غيثًا" الغيث المطر ويسمي النبات غيثًا تسمية له باسم سببه. مغيثًا بضم الميم وهو المنقذ من الشدة، المريئًا بفتح الميم وبالمد والهمزة المحمود العاقبة وقيل المنمي للحيوان بغير ضرر "مريئا" وفتحها فمن ضم الميم كسر الراء وياء بنقطتين من تحت وهو الذي يأتي بالريع وهو الزيادة مأخوذ من المراعة وهو الخصب ومن فتح الميم كان اسم مفعول أصله
стр. 1293
مربوع كمهيب ومعناه يخصب نافع "ويروى" بضم الميم وسكون الراء وكسر الموحدة. من قولهم: أربع الربيع يربع إذا أكل الربيع ويروى بضم الميم مع كسر المثناة من فوق من قولهم أرتع المطر إذا أنبت ما يرتع فيه الماشية.
واعلم أن هذه الصلاة لا وقت لها معين، وقد حكى ابن المنذر الخلاف في وقتها وأنها عند البعض تفعل في وقت صلاة العيد فقط وقد فهمه من قوله: كالعيد فعم بالتشبيه جميع أحكامها، والأرجح الأول، إذ قد خالفتها بأنها لا تختص بيوم معين، ونقل ابن قدامة الإجماع (١) بأنها لا تصلى في وقت الكراهة، وأفاد ابن حبان بأن خروج النبي ﷺ إلى المصلى للاستسقاء كان في شهر رمضان سنة ست من الهجرة.
٣٨٤ - وعن عائشة ﵂ قالت: "شكا الناس إِلى رسول الله ﷺ قُحوط المطرِ، فأمر بِمنْبر فوضِعَ له في المصلى، ووعد الناس يومًا يخرجون فيه، فخرج حين بدا حاجبُ الشمس فقعد على المِنبر، فكبر وحمد الله، ثم قال: "إِنكم شكوتم جدْب دياركم، وقد أمركم الله أن تدعوه، ووعدكم أن يستجيب لكم"، ثم قال: الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، لا إِله إِلا الله يفعل ما يريد، اللهم أنت الله لا إِله إِلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء. أنزل علينا الغَيْث، واجْعلْ ما أنزلت قوة وبلاغًا إِلى حين، ثم رفع يديه فلم يزلْ حتى رُئِي بياضُ إِبطَيْه ثم حوَّل إِلى الناس ظهره، وقلبَ رِداءه، وهو
стр. 1294
رافع يديه، ثم أقبل على الناس، ونزل فصلّى ركعتين، فأنشأ الله سبحانه سحابة، فرَعدَت وبرَقَتْ ثم أمْطَرتْ". رواه أبو داود (١) وقال: غريب، وإسناده جيد. وقصة التحويل في الصحيح من حديث عبد الله بن زيد: "فتوجه إِلى القبلة يدعو، ثم صلى ركعتين جهر فيهما بالقراءة" (٢).
وللدارقطني من مرسل أبي جعفر الباقر: "وحول رداءه ليتحول القحط" (٣).
وأخرج حديث عائشة أيضًا أبو عوانة وابن حبان والحاكم وقال: على شرط البخاري وصححه أبو علي بن السكن.
قوله: "قحوط المطر"، مصدر كالقحط، وقوله: "فأمر بمنبر" فيه دلالة
стр. 1295
على أنه يستحب صعود المنبر للدعاء. وقوله: "ووعد الناس يومًا يخرجون فيه"، فيه دلالة على استحباب مواعدة الإمام للناس بالخروج، قالوا: ندب (أ) تقديم الأمر برد الظلامات في المال والدم والاستحلال في العرض، والصلح بين المتهاجرين، والصدقة والعتق، وصيام ثلاثة أيام متوالية (١) ثم يخرجون في اليوم الرابع (صباحًا) (ب)، والخروج بلا زينة ولا طيب إلا الغسل والسواك، وتقديم مَنْ حضر من فُضَلاء أهل البيت ثم من غيرهم، وإخراج المشايخ والصبيان لآثار وردت في جميع ذلك على الانفراد، ولم يرد في خصوص الخروج إلى الاستسقاء، وتخرج البهائم، لقصة قوم يونس، والنملة مع سليمان ﵇، ويخرج أهل الذمة (٢)، ويعتزلون مجتمع المسلمين إذ هم من المرتزقين، [وهم مقررون على العصيان بخلاف عصاة المسلمين] (جـ) ومتى حضروا للصلاة نودي لها بالصلاة جامعة من غير أذان ولا إقامة.
وقوله: (د) "فخرج حين بدا حاجب الشمس"، المراد به حين بدا شعاعها سمي حاجبًا لأنه يحجب جرم الشمس عن الإدراك.
стр. 1296
(وقوله: "وقد أمركم الله أن تدعوه" إلخ، في قوله: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (١) قال الشافعي (٢): ينبغي أن يكون من دعائه في هذه الحالة (أ): "اللهم أنت أمرتنا بدعائك ووعدتنا إجابتك وقد دعوناك كما أمرتنا فأجبنا كما وعدتنا اللهم فامنن علينا بمغفرة ما قارفنا وإجابتك لسقيانا (ب) سعة في أرزاقنا".
وقوله: "مالك يوم الدين"، في رواية أبي داود لهذا الحديث بحذف الألف، قال: قال ابن رسلان في شرحه: هذه قراءة أهل المدينة بحذف الألف، وهذا الحديث حجة لهم، وهي قراءة الجمهور، ولأنه أمدح وليوافق الابتداء الاختتام (جـ).
وقوله في آخر الدعاء "وبلاغًا إلى حين"، البلاغ ما يبلغ به ويتوصل به إلى الشيء المطلوب (٣)، بمعنى اجعل الخير المنزل سببًا لقوتنا، ومده لنا مدًّا طويلًا، وهذا يؤيد (د) ما تقدم أن الذي بدأ به إنما هو الدعاء، وإنما سماه بعض الرواة خطبة.
وقوله: "ورفع يديه"، فيه دلالة على شرعية الرفع لليدين عند الدعاء، ولكنه في الاستسقاء رفعًا بليغًا حتى يساوي بهما وجهه لا يجاوز
стр. 1297
بهما رأسه كما أخرجه أبو داود في حديث آبى اللحم فقد (أ) ثبت الرفع لليدين في غير الاستسقاء (١) في عدة أحاديث، وقد ذكر جملة منها البخاري (ب)، في كتاب الدعوات (٢)، وصنف المنذري في ذلك جزءًا.
(قال النووي: وقد جمعت فيها (جـ) نحوًا من ثلاثين حديثًا من الصحيحين أو أحدهما، وذكرتها في أواخر باب صفة الصلاة في شرح المهذب) (٣) (د). وهذا جمع بين نفى أنس لرفع اليدين في غير الاستسقاء، وهذه الأحاديث المثبتة فلا تعارض.
وقوله: "حتى رئي بياض إبطيه"، فيعد دلالة على المبالغة في الرفع، وقد تقدم الكلام في بياض الإبط.
وقوله: "ثم حول إلى الناس ظهره"، يعني استقبل القبلة. وقوله: "وقلب رداءه"، وقع في هذه الرواية بلفظ (هـ) "القلب" وفي غيرها بلفظ
стр. 1298
"التحويل"، والمعنى واحد منهما، وقد ورد في صفة القلب أخرجه البخاري (١) عن المسعودي، وإن لم يكن (٢) على شرطه جعل اليمين على الشمال وزاد فيه ابن ماجه وابن خزيمة (٣) "والشمال على اليمين"، وفي رواية أَبي (أ) داود (٤): فجعل (ب) عطافه الأيمن على عاتقه الأيسر، وعطافه الأيسر على عاتقه الأيمن وفي رواية لأبي داود "استسقى وعليه خيمصة
стр. 1299
سوداء فأراد أن يأخذ بأسفلها، فيجعله (أ) أعلاها، فلما ثقلت عليه قلبها على عاتقه" (١) واختار الشافعي في الجديد (ب) تنكيس (٢) الرداء وهو الذي هم به النبي ﷺ وذهب الهادي والناصر والمؤيد إلى أنه يفعل ما فعله النبي ﷺ من التحويل دون ما هم به. وقال الغزالي: أو (ح) الظاهر باطنًا، وذهب أبو حنيفة (٣) وبعض المالكية إلى أنه لا يستحب، وهو محجوج بما ثبت، ويحول الناس مع الإمام (٤) عند الجمهور، ويشهد له ما رواه أحمد (٥) من طريق عن عباد بن (د) تميم بلفظ: وحول الناس معه، وقال الليث وأبو يوسف (هـ): إن التحويل يختص بالإمام، واستثنى ابن الماجشون النساء فقال: لا يستحب في حقهن. وهو حسن، ثم الظاهر أن قلب الرداء حين استقبل القبلة. ولمسلم (٦) "أنه لما أراد أن يدعو استقبل القبلة، وحول رداءه"، ومثله في البخاري، وللبخاري (٧) أيضًا في خبر عباد: "فقام فدعا الله قائمًا، ثم توجه قبل القبلة وحول رداءه".
стр. 1300
وقوله: "وصلى ركعتين"، فيه دلالة على أنها ركعتان فقط كالحديث الأول، وهو قول الجمهور والخلاف للهادي (١) فقال: هي أربع بتسليمتين، وعن القاسم متصلات بتسليمة واحدة ووجهه أنه ثبت أنه ﷺ استسقى في صلاة الجمعة في قصة الأعرابي كما سيأتي (٢) والجمعة مُنَزَّلة منزلة أربع ركعات بالخطبتين ولا يخفى ما في هذا مع ما ثبت من فعل النبي ﷺ .
وقوله: "وقصة التحويل، في الصحيح من حديث عبد الله بن زيد" وقد سبقت إشارة إليه إذ هو رواية عباد عن عمه عبد الله بن زيد المازني، وليس هو صاحب الأذان كما (٣) وهم ابن عيينة، إذ قد سبق أنه (٤) لم يكن له إلا حديث الأذان فقط.
وقوله: "جهر فيهما بالقراءة" استنبط من هذا بعضهم أنها لا تصلى إلا في النهار إذ لو كانت تصلى في الليل لأسر فيها نهارًا وجهر فيها ليلًا.
وقوله: "وللدارقطني من مرسل جعفر بن محمد وقد وصله أيضًا الدارقطني والحاكم، فأخرجاه عن جعفر بن محمد" عن أبيه محمد، وهو لقي جابرًا وروى عنه ولكن الدارقطني خرج إرساله: "وحول رداءه ليتحول القحط"، المراد أنه فعل ذلك تفاؤلًا بتحول القحط، وذكره أيضًا إسحاق بن راهويه في مسنده من قول وكيع، وفي (أ) الطوالات للطبراني من