← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17747

البدر التمام شرح بلوغ المرام ت الزبن

الحسين بن محمد المغربي

Полный текст (4 458 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

والحديث يدل على مشروعية قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة بل على الوجوب، فإن (أ) في قول ابن عباس: من السنة، يدل على الوجوب إذ السنة المراد بها الطريقة المألوفة عن النبيِّ ﷺ في وقوعها في غير الواجب إنما هو في عرف الفقهاء. وقوله: "حق" أي ثابت يؤكد ذلك، وأما حديث أم شريك فظاهر في الوجوب، إذ قولها: أمرنا حقيقة في الوجوب، وقد ذهب إلى وجوبها الشافعي (١) وأحمد وغيرهما من السلف والخلف، وذهب أبو حنيفة وأصحابه ومالك وجماعة الكوفيين إلى عدم مشروعية (٢) القراءة، قالوا: لقول ابن مسعود (٣): لم يؤقت رسول الله ﷺ قراءة في صلاة الجنازة، بل قال: كبر إذا كبر الإمام واختر من أطيب الكلام ما شئت. رواه في الانتصار (٤)، وذهب الهادي (٥) والقاسم والمؤيد إلى أن القراءة سنة، قالوا: لقول ابن عباس: سنة، وقد عرفت الجواب عنه، وأيضًا فإنهم متفقون على أنها صلاة، وصحة حديث: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" (٦) فهي مندرجة تحت ذلك العموم، وإخراجها يحتاج إلى دليل، وأما حديث ابن

стр. 1402

مسعود إذا ثبت (١)، فهو نَافٍ، وما تقدم مثبت، والمثبت أولى كما عرفت. وفي حديث شرحبيل دلالة على صحة الجمع بين القراءة (٢) والدعاء وقد ذهب إلى هذا الهادي والقاسم، وذهب (أ) الشافعي وأحمد (٣) وإسحاق وداود ومن الصحابة ابن الزبير أنه لا يجمع بين القراءة والدعاء، وإنما يقرأ الفاتحة حتما بعد التكبيرة الأولى، ثم يكبر ويصلى على النبيِّ ﷺ حتما لقوله: "لا صلاة لمن لم (ب) يصلّ على نبيه" (٤)، ثم يدعو، ثم يكبر، ثم يدعو للميت حتما لقوله ﷺ : "فأخلصوا له الدعاء" (٥) والله أعلم. ٤٣٠ - وعن عَوف بن مالك ﵁ قال: "صلى رسول الله ﷺ على جنازة فحفظت من دعائه: اللهم اغفر له، وارحمه، وعافه، واعف عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله دارًا خيرًا من داره، وأهلا خيرًا من أهله، وأدخله الجنة وقهِ فتنة القبر،

стр. 1403

وعذاب النار". رواه مسلم (١). وعن أبي هريرة ﵁ قال: "كان رسولُ الله ﷺ إِذا صلَّى على جنازة يقول: اللهم اغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإِسلام ومن توفيته منا فتوفه على الإِيمان، اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده". (٢) رواه مسلم والأربعة. وعنه: أن النبيَّ (أ) ﷺ قال: "إذا صليتُم على الميت فأخلصوا له الدعاءَ" رواه أبو داود، وصححه ابن حبان (٢).

стр. 1404

قوله: "فحفظت من دعائه" يحتمل أنه مسألة فأخبره بما دعا، فلا ينافي ما صرح به الفقهاء من أنه يندب الإسرار به، وبعضهم فَصَّل فقال: يسر في النهار ويجهر في الليل، ويحتمل أنه جهر بذلك ليعلمهم الدعاء كما فعل ابن عباس، ويحتمل أن يقال بتوسعة الأمر وأنه يسوغ الجهر والإسرار، ولعل هذا أولى. واعلم أنه لا يتعين في الدعاء لفظ مخصوص، وقد نبه عليه في قوله (أ): فأخلصوا (ب) له (جـ) الدعاء، واتباع ما ثبت عنه ﷺ -أولى، وأصح الوارد حديث (د) عوف بن مالك (١) وكذا حديث أبي هريرة، قال الحاكم أبو عبد الله (٢): حديث صحيح على شرط البخاري ومسلم، وقد وقع في ألفاظ الوارد بعض اختلاف، ففي رواية (٣) لمسلم: "وقه فتنة القبر وعذاب القبر"، وكذا وقع في رواية أبي داود (٤) " فأحيه على الإيمان وتوفه على الإسلام"، والمشهور في معظم كتب الحديث كما في الأصل، وفي سنن أبي داود (٥) عن أبي هريرة ﵁ عن النبيِّ ﷺ في الصلاة على

стр. 1405

الجنازة: "اللهم أنت ربها، وأنت خلقتها، وأنت هديتها للإسلام وأنت قبضت روحها، وأنت أعلم بسرها وعلانيتها، جئنا شفعاء له فاغفر له". وفي سنن أبي داود (١) وابن ماجه عن واثلة بن الأسقع ﵁ قال: "صلى بنا رسول الله ﷺ على رجل من المسلمين، فسمعته يقول: اللهم إن فلان ابن فلان في ذمتك، وحبل جوارك، فقه فتنة القبر (أ) وعذاب النار، وأنت أهل الوفاء والحمد، اللهم فأغفر له، وارحمه، فإنك أنت الغفور الرحيم". واختار الشافعي (٢) -رحمه الله تعالى- من مجموع هذه الأحاديث وغيرها فقال: يقول: اللهم هذا عبدك وابن عبدك خرج من روح الدنيا وسعتها، ومحبوبها وأحباؤه (ب) فيها إلى ظلمة القبر، وما هو لاقيه، كان يشهد أن لا إله إلا أنت وأن محمدًا عبدك ورسولك، وأنت أعلم به، اللهم (جـ) نزل بك وأنت خير منزول به، وأصبح فقيرًا إلى رحمتك، وأنت غني عن عذابه، وقد جئناك راغبين إليك شفعاء له، اللهم إن كان محسنا فزد في إحسانه، وإن كان مسيئًا فتجاوز عنه، ولقه برحمتك ورضاك، وقه فتنة القبر وعذابه، وأفسح له في قبره، وجاف الأرض عن جنبيه، ولقه برحمتك (د) الأمن من عذابك حتى تبعثه

стр. 1406

إلى جنتك برحمتك (أ) يا أرحم الراحمين، هذا نص الشافعي في مختصر (١) المزني، وبعد التكبيرة الرابعة لا يجب فيها ذكر عنده ولكن يستحب ما نص عليه في كتاب (٢) البويطي قال: ويقول بعد الرابعة: اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده. وقال أبو علي بن (ب) أبي (٣) هريرة من أصحاب الشافعي: كان المتقدمون يقولون في الرابعة: اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. قال (٤): وليس ذلك محكيًا عن الشافعي. قال النووي (٥) في الأذكار: ويحتج للدعاء في الرابعة بما رويناه في السنن الكبير للبيهقي عن عبد الله بن (٦) أبي أوفى ﵁ أنه كبر على جنازة ابنة له أربع تكبيرات، فقام (ب) بعد الرابعة بقدر ما بين التكبيرتين يستغفر لها ويدعو، ثم قال: "كان رسول الله ﷺ يصنع هذا"، وفي رواية كبر أربعًا فسكت (د) ساعة حتى ظننت أنه سيكبر خمسًا ثم سلم عن يمينه وعن شماله، فلما انصرف قلنا له: ما هذا؟ فقال: إني لا أزيدكم على ما رأيت رسول الله ﷺ يصنع، وهكذا صنع رسول الله ﷺ

стр. 1407

قال الحاكم أبو عبد الله: هذا حديث (١) صحيح. انتهى، وعند الهادي (٢) والقاسم -رحمة الله عليهما- يندب (أ) الجمع بين القراءة والذكر فيكبر الأولى ثم يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو حي لا يموت، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير، ثم يقرأ الفاتحة، ثم يكبر الثانية فيقول: اللهم صل على محمد عبدك ورسولك وخيرتك من خلقك وعلى آل بيته الطيبين الأطهار، الصادقين الأبرار الذين أذهب الله عنهم الرجس، وطهرهم تطهيرًا. كما صليت على إبراهيم و (ب) آل إبراهيم إنك حميد مجيد، ثم يقرأ الإخلاص، ثم يكبر الثالثة فيقول: اللهم صل على ملائكتك المقربين، اللهم شرف بنيانهم وعظم أمرهم، اللهم صل على أنبيائك المرسلين اللهم أحسن (جـ) جزاءهم، وارفع عندك درجاتهم، اللهم شفع محمدًا في أمته واجعلنا ممن تشفعه فيه، اللهم اجعلنا في زمرته، وأدخلنا في شفاعته، واجعل مأوانا الجنة، ثم يقرأ سورة العلق ثم يكبر الرابعة فيقول: سبحان من سبحت له السماوات والأرضون، سبحان ربنا الأعلى، ، اللهم هذا عبدك وابن عبديك، وقد صار إليك، وقد أتيناك مستشفعين له سائلين له المغفرة فاغفر له ذنوبه وتجاوز عن سيئاته وألحقه بنبيه محمد ﷺ اللهم وسع

стр. 1408

عليه قبره وأفسح (أ) له أمره، وأذقه عفوك ورحمتك، يا أكرم الأكرمين (ب)، اللهم ارزقنا حسن الاستعداد لمثل يومه ولا تفتنا بعده واجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك (جـ)، ثم يكبر الخامسة ثم يسلم (١). قال الهادي (٢): وإذا اضطر المصلي بالصلاة على فاسق لعنه فيها، وإذا صلي علي ملتبس الحال قال في الدعاء: اللهم إن كان محسنًا فزده إحسانا (د)، وإن كان مسيئا فأنت (هـ) أولى بالعفو عنه. وإن كان الميت طفلا صغيرًا قال (و) اللهم اجعله لنا، ولوالديه ذخرًا وسلفًا وفرطًا وأجرًا. ٤٣١ - وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "أسرعوا بالجنازة، فإِن تكن صالحة تقدمونها إِليه، وإِن تك (ز) سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم". متفق عليه (٣).

стр. 1409

قوله: "أسرعوا بالجنازة" (أ)، يحتمل الإسراع بتجهيزها ولا يناسبه قوله "فإن تكن .. " إلخ ويحتمل الإسراع عند الحمل لها، وهو الأنسب، إلا أن الوجه الأول يناسبه حديث ابن عمر: "إذا مات أحدكم فلا تحبسوه، وأسرعوا به إلى قبره" (١)، أخرجه الطبراني بإسناد حسن، وحديث حصين بن وحوج مرفوعًا: "لا ينبغي لجيفة مسلم أن تبقى بين ظهراني أهلها" أخرجه أبو داود (٢) إلا أنه لا تنافي بين الأمر (ب) بالشيئين، وإن كان أحدهما أخص، والأمر هنا للندب بلا خلاف بين العلماء (٣) إلا ابن حزم (٤) فقال بوجوبه، والمراد بالإسراع هنا المشي الشديد، وهو دون الخبب، كذا قالت (جـ) الحنفية (٥)، وعن الشافعي (٦) المراد به ما فوق المشي المعتاد، والحاصل، أنه يستحب الإسراع بحيث لا ينتهى إلى شدة يخاف معها حدوث مفسدة بالميت أو مشقة على الحامل (د). والضمير في قوله: "فإن تكن صالحة" (عائد) (هـ) إلى الجثة المحمولة،

стр. 1410

إذا كانت الجنازة مرادًا بها النعش، وإن كانت مرادًا بها الميت فالضمير إليها، وهو الظاهر لعدم الحاجة إلى ارتكاب التجوز في الخير، وخير خبر مبتدأ محذوف أي فهو خير، أو مبتدأ محذوف الخبر، أي فلها (أ) خير. و (ب) قوله: "تقدمونها إليه"، وفي رواية: "تقدمونه (١) إليها"، فعلى الوجه الأول الظاهر عود ضمير (جـ) تقدمونها إلى الجنازة، والضمير في إليه إلى الخير، ويحتمل أن يكون الضمير المؤنث عائدًا إلى الخير بتأويل الحسنة، فتطابق الروايتان حينئذ (٢). والحديت فيه دلالة على شرعية المسارعة إلى تجهيز الميت ودفنه وهو مخصوص بمن لم يتحقق موتهم، كالمفلوج والمطعون والمسبوق (د) فينبغي التثبت في أمرهم وعدم الإسراع، ويتركوا حتى يمضي يومًا وليلة (٣)، ويتحقق موتهم، ويؤخذ من الحديث ترك مصاحبة أهل البطالة وغير الصالحين. ٤٣٢ - وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ شَهِدَ الجِنَازَةَ حتى يُصلَّى عليها فلَه قِيراطٌ ومَنْ شَهِدَها حتى تُدْفَنَ فلَهُ قِيرَاطان". قيل: وما القيراطان؟ قال: "مثلُ الجبلَيْن العظِيميْن". متفق

стр. 1411

عليه (١). ولمسلم: "حتى توضع في اللَّحد" (٢). وللبخاري: "من تبع جنازة مسلم إيمانا واحتسابا، وكان معه حتى يصلى عليها ويفرغ من دفنها فإنه يرجع بقيراطين، كل قيراط مثل (أ) أحد" (٣). قوله: "من شهد الجنازة"، المراد بالشهود هو الحضور معها، وظاهر الحضور معها من ابتداء الخروج بها، وهذا مصرح به في رواية لمسلم (٤) بلفظ: "من خرج مع جنازة من بيتها، ثم تبعها حتى تدفن كان له قيراطان من أجر، كل قيراط مثل أحد ومن صلى عليها ثم رجع كان له (ب) قيراط". وقوله: "حتى يصلى عليها"، لفظ عليها ثابت في رواية (٥) الكشميهنيّ للبخاري، وهو كذلك عند مسلم (٦)، وللبيهقي (٧) أيضًا بإسناده

стр. 1412

عن أحمد بن شبيب شيخ البخاري، وفي سائر الرواية للبخاري بحذف "عليها" وفتح اللام في "يصلى"، ووقع في رواية البعض بكسر اللام والظاهر أن هذه تفسر إطلاق صيغة المجهول، وأنه لا يستحق الأجر من شهد ولم يصل، وإن صلى غيره أو صلى ولم يتبع. قال المصنف (١) -رحمه الله تعالى-: والذي يظهر لي أنه يحصل الأجر لمن صلى وإن لم يتبع لأن ذلك وسيلة إلى الصلاة، لكن يكون قيراط من صلى فقط دون قيراط من شيع مثلًا وصلى، ويدل عليه ما علقه البخاري (٢) عن زيد بن ثابت: "إذا صليت فقد (قضيت) (أ) الذي عليك. ووصله (ب سعيد بن (٣) منصور من طريق عروة عنه بلفظ: "إذا صليت على جنازة فقد قضيت ما عليك" ووصله ب) ابن أبي (٤) شيبة من هذا الوجه بلفظ: "إذا صليتم على الجنازة فقد قضيتم ما عليكم، فخلوا بينها وبين أهلها"، وكذا أخرجه عبد الرزاق (٥) بلفظ الإفراد ومعناه: فقد قضيت حق الميت، فإن أردت الاتباع فلك زيادة أجر، وعلق البخاري (٦) قول حميد بن هلال: ما علمنا على الجنازة إذنًا، ولكن من صلى ثم رجع فله قيراط، ولم يرو هذا موصولًا، وفي هذا رد على ما ذهب إليه مالك (٧)

стр. 1413

كما حكي عنه أنه لا ينصرف التابع للجنازة حتى يستأذن أهل الميت، محتجًا بما أخرجه عبد الرزاق (١) من طريق عمرو بن شعيب عن أبي هريرة قال: أميران وليسا بأميرين: الرجل يكون مع الجنازة يصلي عليها فليس له أن يرجع حتى يستأذن وليها (أ) ... الحديث، وهو منقطع موقوف، وروى عبد الرزاق (٢) مثله من قول إبراهيم، وأخرجه ابن أبي (٣) شيبة عن المسور مِنْ فعْلِه أيضًا، وقد ورد مثله مرفوعًا من حديث جابر، أخرجه البزار بإسناد فيه مقال، وأخرجه العقيلي (٤) في الضعفاء من حديث أبي هريرة مرفوعًا بإسناد ضعيف، وروى أحمد من طريق عبد الله بن هرمز عن أبي هريرة مرفوعًا "من تبع جنازة فحمل وحَثَا في قبرها وقعد حتى يؤذن له رجع بقيراطين"، وإسناده (٥) ضعيف، والذي عليه معظم أهل الفتوى أنه لا يحتاج إلى إذن. وقوله: "فله قيراط ": القيراط بكسر القاف، قال الجوهري (٦): أصله قراط بتشديد الراء لأن جمعه قراريط، فأبدل من أحد حرفي المضعف ياء، وقال: والقيراط نصف دانق، والدانق سدس درهم، فعلى هذا القيراط

стр. 1414

جزء من اثني عشر جزءًا من الدرهم (أ). وأما صاحب النهاية (١) فقال: القيراط جزء من أجزاء الدينار، وهو نصف عشره في أكثر البلاد، وفي الشام جزء من أربعة وعشرين جزءًا، ونقل ابن الجوزي (٢) عن ابن عقيل أنه كان يقول: القيراط نصف سدس درهم أو نصف عشر دينار. وذكر القيراط هنا على جهة التمثيل بما يعرف من أحوال تقدير الموزونات، ولما كان وزن الأعمال في الآخرة بما لا يعلم حقيقته (ب) إلا الله تعالى، ولم يمكن (جـ) تعريفنا ذلك إلا بتشبيهه ما (د) نعرفه من أحوال المقادير فشبه بالقيراط، وكان القيراط حقيرًا قدره فنبه على تعظيم الأمر بقوله في رواية: "أصغرهما مثل أحد"، وكان جبل أحد من أعظم جبال المدينة المشرفة ومن الجبال المحبوبة إليهم، فشبه به، فعرف من ذلك تعظيم الأمر وأن مقدار الثواب والزلفى في الآخرة لا طريق لنا إلى معرفتهما (هـ) بحقيقته كما قال تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ (٤).

стр. 1415

وقوله: "حتى يدفن"، ظاهره وقوع مطلق الدفن، وإن لم يفرغ من جميع الأعمال وفي رواية مسلم (١): "حتى يوضع في اللَّحْدِ"، ظاهره مثل هذا، ولكنه في الرواية الأخرى لمسلم (٢): "حتى يفرغ من دفنها"، ففيها تفسير لما أطلق في غيرها. وقوله: "قيل وما القيراطان؟ " لم يبين في هذه الرواية القائل من هو؟ وقد بين (أ) القائل (ب) أبو عوانة (٣) من طريق أبي مزاحم عن أبي هريرة، ولفظه: قلت: يا رسول الله، وما القيراط؟ ووقع عند مسلم (٤) أيضًا أن أبا حازم أيضًا سأل أبا هريرة عن ذلك. وقوله: "مثل الجبلين العظيمين"، قد بين عِظَم الجبل بتشبيهه في الرواية الأخيرة بأحُدٍ، كأنها رواية بالمعنى، ووقع في رواية النَّسائي (٥) "فله قيراطان من الأجر كل واحد منهما أعظم من أحد". وفي رواية لمسلم (٦): "أصغرهما مثل أحد" وفي رواية ابن ماجه (٧) عن أبَي بن كَعْب: القيرَاط أعظم من أحُدٍ. هذا كأنه أشار إلى الجبل عند ذكر الحديث، وعند ابن

стр. 1416

عدي عن (١) واثلة: "كتب له قيراطان من أجر أخفهما في يوم القيامة ميزانه أثقل من جبل أحد". والحديث من فوائده الترغيب في شهود الميت، والقيام بأمره، والحض على الاجتماع له، والتنبيه على عظيم فضل الله وتكريمه للمسلم في تكثير ثواب من يتولاه بعد موته، وفيه تقدير الأعمال بالميزان، وهو إما تقريب للأفهام وإما على حقيقته. واعلم أن ظاهر قوله: "فله قيراطان" يقضي بأن أحدهما هو الذي كان لمن انصرف قبل الدفن، وأن المنتظر للدفن يزاد له قيراط مع ذلك القيراط الأول، وهذا هو المفهوم من سائر الروايات، وإن كان بعض القدماء جزم بأن القيراطين من غير القيراط الأول وحكاه ابن الزين عن القاضي أبي الوليد. فائدة: رَوَى هذا الحديث اثنا عشر صحابيًّا، وهم عائشة وأبو هريرة وحديثهما في البخاري (٢) وثوبان عند مسلم (٣) والبراء وعبد الله بن مغفل عند النَّسائيِّ (٤)، وأبو سعيد عند أحمد (٥)، وابن مسعود عند أبي عوانة، وأسانيد هؤلاء صحاح، وأُبي بن كعب عند ابن ماجه (٦)، وابن عباس عند البيهقي في الشعب وأنس عند الطبراني (٧) في الأوسط وواثلة ابن

стр. 1417

الأسقع عند ابن عدي (١) وحفصة عند حميد بن زنجويه في فضائل الأعمال وفي كل من أسانيد هؤلاء الخمسة ضعف. ٤٣٣ - وعن سالم عن أبيه "أنه رأى النبي ﷺ وأبا بكر وعمر وهُم (أ) يَمْشُونَ أمَامَ الجنازَة". رواه الخمسة، وصححه ابن حبان، وأعله النَّسائي وطائفة بالإرسال (٢). هو أبو عبد الله، ويقال: أبو عمرو، سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشيّ العدوي المدني أحد فقهاء المدينة، من سادات التابعين وعلمائهم وثقاتهم. روى عن أبيه وغيره، (ب) روى عنه الزهريّ ونافع، مات سنة ست ومائة. الحديث أخرجه الخمسة وابن حبان والبيهقي من حديث ابن عيينة عن الزهريّ عن سالم عن أبيه به (جـ)، قال أحمد: إنما هو عن الزهريّ مرسل، وحديث سالم إنما هو موقوف على ابن عمر من فعله، وحديث ابن عيينة وهم. قال الترمذي (٣): أهل الحديث يرون المرسل أصح، قاله ابن

стр. 1418

المبارك. قال: وروى معمر ويونس ومالك عن الزهريّ: "أن النبيَّ ﷺ كان يمشي أمام الجنازة" (١)، قال الزهريّ: وأخبرني سالم أن أباه كان يمشي أمام الجنازة (٢)، وكذا أخرجه (أ) أحمد (٣) عن ابن شهاب عن سالم عن ابن عمر من فعله، وقد كان رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر يمشون أمامها، وقال عبد الله بن أحمد: قال أبي ما معناه: القائل -وقد كان رسول الله ﷺ هو الزهريّ، وأخرجه (٤) ابن حبان في صحيحه عن الزهريّ عن سالم أن عبد الله بن عمر كان يمشي بين يديها، وأبو بكر وعمر (ب) وعثمان، قال الزهريّ وكذلك السنة، وقد ذكر الدارقطني (٥) في "العلل" اختلافا كبيرا فيه عن الزهريّ، قال: والصحيح قول من قال: عن الزهريّ عن سالم عن أبيه أنه كان يمشي، قال: وقد مشى رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر، واختار البيهقي (٦) ترجيح الموصول لأنه من رواية ابن عيينة وهو ثقة حافظ، وعن علي بن (٧) المديني قال: قلت لابن عيينة: يا أبا محمد خالفك الناس في هذا الحديث، فقال: استيقن الزهريّ حديثه مرارا، لست أحصيه، يعِيده ويُبْديه من فيه عن سالم عن أبيه.

стр. 1419

قال المصنف (١) ﵀: وهذا لا ينفي عنه الوهم لأنه ضبط أنه سمعه منه عن سالم عن أبيه، والأمر كذلك إلا أن فيه إدراجًا، ولعل الزهريّ أدمجه إذ حدث به ابن عيينة، وفصله (أ) لغيره، وقد أوضحته في المدرج بأتم من هذا، وجزم أيضًا بصحته (ب) ابن المنذر وابن حزم (٢)، وقد ر وي عن يونس عن الزهريّ عن أنس مثله، أخرجه الترمذي (٣) وقال: سألت عنه البخاري، وقال: هذا خطأ أخطأ فيه محمد بن بكر. والحديث فيه دلالة على أن المشي أمام الجنازة أفضل لأنه الذي ورد (جـ) من فعله ﷺ وفعل الشيخين من بعده، وقد ذهب إليه الجمهور (٤) والشافعي وذهب أنس (٥) بن مالك إلى أنه يمشي بين يديها، وخلفها وعن يمينها وعن شمالها علقه البخاري (٦) وقد وصله عبد الوهاب بن عطاء (٧) الخفاف في كتاب الجنائز. قال المصنف (٨) ﵀: ورويناه عاليا في رباعيات أبي بكر الشافعي وأخرجه ابن أبي شيبة (٩) موصولا وكذا عبد الرزاق، وظاهر (د) أثر

стр. 1420

أنس التوسعة في الأمر على المشيعين، وعدم التزامهم جهة معينة، وذلك لما علم من تفاوت أحوالهم في المشي، وقضية الإسراع بالجنائز أن لا يلزموا بمكان واحد يمشون فيه لئلا يشق على بعضهم، وذهب العترة (١) وأبو حنيفة وأصحابه إلى أن المشي خلفها أفضل لما رواه محمد بن طاوس عن أبيه أنه قال: "مَا مَشَى رسول الله ﷺ حتّى ماتَ إلَّا خَلْفَ الجِنَازة" (٢) وروى سعيد بن منصور وغيره من طريق عبد الرحمن بن أبزى عن علي قال: المشي خلفها أفضل من المشي أمامها كفضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ (٣). إسناده حسن (٤) وهو موقوف له حكم المرفوع، لكن حكى الأثرم عن أحمد أنه تكلم في إسناده وذهب الثَّوريُّ إلى أن الماشي حيث يشاء، والراكب خلفها لما أخرجه أصحاب السنن وصححه ابن حبان والحاكم من حديث المُغيرة (٥) بن شعبة مرفوعًا: الراكب خلف الجنازة والماشي حيث شاء منها.

стр. 1421

وعن النخعي (١): إن كان في الجنازة نساء مشى أمامها وإلا فخلفها. والله أعلم. ٤٣٤ - وعن أم عطية قالت: "نُهِينا عن اتِّباع الجنَائِز، ولَمْ يُعْزَم عَلَينا". متفق عليه (٢). قوله: "نهينا" بعدم ذكر الفاعل، ذهب الشيخان وجمهور المحدثين وجمهور أهل الأصول إلى أن قول الصحابي: أمرنا بكذا أو (أ) نهينا عن كذا له حكم المرفوع، إذ الظاهر من ذلك أن الآمر والناهي هو النبي ﷺ وفي هذا المحل بخصوصه متعين ذلك إذ قد أخرجه البخاري (٣) في باب الحيض عنها: "نهانا رسول الله ﷺ " وهذا من أم عطية مرسل لعدم سماعها ذلك من النبيِّ ﷺ لما رواه الطبراني (٤) عنها قالت: "لما دخل النبيُّ ﷺ المدينة جمع النساء في بيت، ثم بعث إلينا عمر فقال: إن رسولَ الله ﷺ إليكن بعثني (ب) لأبَايِعكن علَى أن لا تَسْرِقْنَ .. " الحديث. وفي آخره: "وأمرنا

стр. 1422

أن (أ) نخرج في العيدين العواتق ونهانا أن نخرج في جنازة"، وظاهر هذا النهي أنها فهمت منه الكراهة دون التحريم، وله قال جمهور أهل العلم، وقال به (١) مالك وأهل المدينة، وقال المهلب: في حديث أم عطية دلالة على أن النهي من النبي ﷺ على درجات، ويدل على الجواز ما أخرجه ابن أبي (٢) شيبة عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ كان في جنازة فرأى عمر امرأة فصاح بها. فقال: "دعها يا عمر" .. الحديث وأخرجه ابن (٣) ماجه والنسائي من طريق ابن أبي شيبة. وأخرجاه من طريق أخرى، ورجالها ثقات، وتأوله الداودي (٤) وقال: نهينا عن اتباع الجنائز أي (ب) إلى المقابر ولم يعزم علينا أي أن لا (جـ) نأتي أهل الميت فنعزيهم ونترحم على ميتهم من غير أن نتبع جنازته. انتهى. وفي آخر هذا التفصيل من سياق هذا الحديث بعد، وإن كان مثل هذا في حديث عبد الله بن عمر (٥): أن النبي ﷺ رأى فاطمة مقبلة، فقال: "من أين جئت؟ "

стр. 1423

فقالت: ترحمت على أهل هذا الميت بميتهم، فقال: "و (أ) لعلك بلغت معهم الكُدَى"، قالت لا .. الحديث، وفي (آخر الحديث) (ب) الوعيد على ذلك، أخرجه أحمد والحاكم وغيرهما فأنكر عليه, بلوغ الكدَى، وهو بضم الكاف وتخفيف (المهملة) وبالمقصورة (جـ) وهي القابر، ولم ينكر عليها التعزية. وقال المحب الطبري: يحتمل أن يكون المراد بقولها: ولم يعْزم علينا (د). أي كما عزم على الرجال بترغيبهم في اتباعها بحصول (هـ) القيراط، ونحو ذلك، والأول أظهر. ٤٣٥ - وعن أبي سعيد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا رأيتُمُ الجِنازةَ فَقُومُوا، فَمَنْ تَبِعَهَا فَلا يَجلِسُ حتّى توضع". متفق عليه (١). الحديث فيه دلالة علي الأمر بالقيام للجنازة إذا مرت بالمكلف، وإن لم يكن قاصدًا لتشييعها، وظاهره العموم لجنازة المؤمن وغيره، وقد أخرج البخاري (٢) قيامه ﷺ لجنازة يهودي مرت به، وتعليله ذلك بالموت (و) فزع (٣)،

стр. 1424

وفي رواية: "أليست نفسًا" وأخرج الحاكم (١) قوله: "إنما قمنا للملائكة"، وأخرج أحمد والحاكم (٢) وابن حبان: "إنما يقومون إعظامًا للذي يقبض النفوس"، وفي لفظ ابن حبان: "إعظامًا للذي يقبض الأرواح" (٣)، وهذا لا ينافي التعليل الأول بأن الموت فزع، فإن تعظيم القائمين بأمر الموت إعظام للموت. وقد اختلف العلماء في القيام للجنازة فذهب الشافعي (٤) وغيره إلى أنه غير واجب، وقال: هذا الأمر إما أنْ يكون منسوخًا أو أنه قام لعلة، وأيهما كان فقد ثبت أنه تركه بعد فعله، والحجة في الآخر من أمره والقعود أحب إلى. انتهى. وأشار بالترك إلى حديث على ﵁: "أنه ﷺ قامَ للجنازة ثم قعد". أخرجه مسلم (٥)، قال البيضاوي (٦): وهذا محتمل (أ) أن يكون قام للجنازة ثم قعد بعد أن جَاوزتهُ وبَعُدَت عنه، ويحتمل أن يكون المراد أنه كان يقوم في وقت ثم ترك القيام أصلًا، فيكون الترك قرينة على أن الأمر للندب فلا يحمل (ب) على النسخ.

стр. 1425

وقد يتأيد احتمال النسخ (أبما رواه البيهقي (١) في حديث علي: أنه أشار إلى قوم قاموا أن يجلسوا، ثم حدثهم أ) فالحديث (ب). قال عياض (٢): ذهب جمع من السلف إلى أن الأمر بالقيام منسوخ بحديث علي، وتعقبه النووي (٣) بأن النسخ لا يصار إليه إلا إذا تعذر الجمع، وهو هنا ممكن، قال: والمختار أنه مستحب، وبه قال المتولي. انتهى. وأما حديث عبادة بن الصامت قال (ب): "كان النبي ﷺ يقومُ لِجنَازَة فمرَّ به حبر من اليهود فقال: هكذا نفعل. فقال: اجلسوا وخالفوهم" (٤) أخرجه أحمد وأصحاب السنن إلا النسائي وابن ماجه والبزار والبيهقي، فلا يعارض هذا الحديث الصحيح، فهو ضعيف، في إسناده بشر بن رافع (٥) وهو ليس بالقوي، وقال البزار: تفرد به بشر، وهو بين الحديث، وذهب ابن حبيب وابن الماجشون (٦) من المالكية إلى أن جلوسه لبيان الجواز، فمن جلس (د) في سعة، ومن قام فله أجر.

стр. 1426

و (أ) قوله: "ومن (ب) تبعها فلا يجلس حتى توضع"، في هذه الرواية إطلاق الوضع، وقد روي هذا الحديث من حديث عامر (١) بن ربيعة، ووقع الاختلاف على سهيل بن أبي صالح في روايته، فرواه الثوري بلفظ: "حتى توضع بالأرض" (جـ) ورواه أبو (د) معاوية عن سهيل قال فيه: "حتى توضع في اللحد". قال أبو داود: وسفيان الثوري أحفظ من أبي معاوية (٢)، وجنح (٣) البخاري إلى ترجيح رواية أبي سفيان، فبوب عليه: باب من تبع جنازة فلا يقعد حتى توضع عن مناكب الرجال، فإن قعد أمر بالقيام، وقد اختلف العلماء الفقهاء (٤) في ذلك فقال أكثر الصحابة والتابعين باستحبابه كما نقله ابن المنذر، وهو قول الأوزاعي وإسحاق وأحمد ومحمد بن الحسن ورواه البيهقي من طريق ابن حازم الأشجعي عن أبي هريرة وغيرهما: أن القائم مثل الحامل في الأجر. قال الشعبيّ والنخعي: يكره القعود قبل أن توضع، وقال بعض السلف: يجب القيام، واحتج له برواية سعيد عن أبي هريرة وأبي سعيد. قال: "ما رأينا رسولَ الله ﷺ شهد جنازة قط فجلس حتى توضع". أخرجه النسائي (٥).

стр. 1427

٤٣٦ - وعن أبي إسحاق: "أنّ عبدَ الله بن يزيدَ (أ) أدخَلَ الميِّتَ مِنْ قبل رِجْلي الْقَبْرِ، وقال: هذا مِنَ السُّنَّة". أخرجه أبو داود (١). هو أبو إسحاق عمرو بن (ب) عبد الله السَّبيعي، بفتح السين المهملة وكسر الباء الموحدة وبالعين المهملة، الهمدانيّ، الكوفي، رأى عليا وابن عباس وأسامة بن زيد وابن عمر وسمع البراء بن عازب وزيد بن أرقم، روى عنه منصور والأعمش وشعبة والثوري، وهو تابعي مشهور كثير الرواية، ولد لسنتين من خلافة عثمان ومات سنة تسع وعشرين ومائة، وقيل: سنة سبع وعشرين (٢). الحديث فيه دلالة على أن المشروع سل الميت من مؤخر القبر، بأن يوضع رأس الميت في ناحية مؤخر القبر، وهو محل الرجل، ولذلك قال: "من قبل رجلي القبر" أي موضع الرجلين فأطلق الحال على المحل، وقد ذهب إلى هذا الهادي (٣) والناصر والمؤيد والشافعي وأحمد، لهذا، ولما روي عن علي ﵁ قال: "صلى رسول الله ﷺ على جنازة رجل من ولد عبد المطلب فأمر بالسرير فوضع من قبل رجلي اللحد أمر به

стр. 1428

فسُل سلا، ثم قال ﷺ : "ضعوه في حفرته لجنبه الأيمن مستقبل القبلة، وقولوا بالله وعلى ملة رسول الله (أ) لا تكبوه لوجهه ولا تلقوه لقفاه، ثم قولوا: اللهمّ لقنه حجته، وأصعدَ (ب) بروحه، ولقه منك رضْوانًا" (١)، وقد روى الشافعي (٢) عن الثقة مرفوعًا إلى ابن عباس "أن النبي ﷺ سُل مِنْ قبَلِ رأُسه"، وكذا في شرح الهداية من حديث ابن عمر، [وقال أبو حنيفة (٣): بل من جهة القبلة معرضًا، إذ هو أيسر والجواب عنه أن إيثارَ السنة أوْلى] (ب). ٤٣٧ - وعن ابن عمر ﵁ عن النبي ﷺ : قال: "إِذا وَضَعتُم مَوْتاكم في القبور فقولوا: بسم الله، وعلى ملة رسول الله ﷺ ". أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وصححه ابن حبان وأعله الدارقطني بالوقف (٤).

стр. 1429

الحديث رجع الدارقطني وقبله النسائي وقفه على ابن عمر، وقد رواه ابن حبان من حديث قتادة مرفوعًا، وقد أخرجه من حديث بن عمر ابن ماجه بإسناد (١) ضعيف وعن عبد الرحمن بن العلاء (أ) بن اللجلاج عن أبيه قال: قال: قال لي اللجلاج: يا بني إذا مت فألحدني، فإذا وضعتني في لحدي، فقل: بسم الله، وعلى ملة رسول الله ﷺ ثم شن (ب) عليَّ التراب شنًّا، ثم اقرأ عند رأسي بفاتحة البقرة وخاتمتها، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول ذلك (٢). وأخرج الطبراني من (جـ) حديث البياض رفعه، الميت إذا وضح في قبره فليقل الذين يضعونه حين يوضع في اللحد بسم الله وبالله، وعلى ملة رسول الله ﷺ . رواه الحاكم (٣)، وأخرج عن أبي (٤) أمامة أيضًا

стр. 1430

والبيهقي وسنده ضعيف (١)، ولفظه: لما وضعت أم كلثوم بنت رسول الله في القبر قال رسول الله ﷺ : " ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ بسم الله، وفي سبيل الله، وعلى ملة رسول الله ﷺ " واستحسن الشافعي (٢) ﵀ أن يقول الذين يدخلون الميت القبر: إللهم سلَّمه إليك الأشحاء من ولده وأهله وقرابته وإخوانه وفارق ما كان يحب قُربه وجرج من سعة الدنيا والحياة إلى ظلمة القبر وضيقه ونزلَ بكَ وأنتَ خير منزولٍ به فإنْ عاقَبْتَه فَبذنبه، وإنْ عفوْت عنه فأنت أهلُ العفوِ، وأنتَ غَني عن عذَابه، وهو فقير إلى رحمتك، اللهم اشْكُر حسنته واغْفر سيئَتَه، وأَعِذْهُ من عذاب القبْر، واجْمع له برحمتكَ (أ) الغابرِينَ، وارْفَعْهُ في عليينَ، وعُد علَيه بفَضل رحمتِك يا أرحمَ الراحمين. ٤٣٨ - وعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "كَسْر عَظْمِ المَيِّتِ كَكَسْرِه حَيًّا". رواه أبو داود بإسناد على شرط مسلم (٣)

стр. 1431

وزاد ابن ماجه من حديث أم سلمة: "في الإثْم" (١) فيه دلالة على وجوب احترام الميت كما يحترم الحي. وفي زيادة قوله: "من الإثم" رافع (أ) لما يفهم من عموم التشبيه من وجوب الضمان، وأن ذلك الحكم إنما هو لأجل ما يتضمن من إهانة الميت وعدم المبالاة به، فاستحق الإثم دون الضمان، والله أعلم. ٤٣٩ - وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: "الحدوا لي لحدًا، وانصبوا على اللبن نصبًا كما صنع برسولِ (ب) الله ﷺ ". رواه (٢) مسلم وللبيهقي (٣) عن جابر نحوه وزاد: "ورفع قبره على الأض قدر شبر". وصحه ابن حبان. ولمسلم عنه: "نهى رسول الله ﷺ أن يجصص القبر وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه" (٤). حديث سعد قاله لما قيل له: ألا نتخذ لك شيئًا كأنه الصندوق من الخشب؟ فقال: بل اصنعوا. فذكره. وحديث جابر أخرجه البيهقي من حديث جعفر بن محمد عن أبيه عنه (جـ) وفيه "ورفع قبره ... " لخ.

стр. 1432

وقوله: "الحدوا" هو بوصل الهمزة وفتح الحاء، ويجوز القطع وكسر الحاء يقال: لحد يلحد كذهب يذهب، وألحد يلحد إذا حفر اللحد، واللحد بفتح اللام وضمها وهو الحفر تحت الجانب القبلي من القبر. وقوله: "كما صنع برسول الله (أ) ﷺ " فيه دلالة أن النبي ﷺ ألحد له، وقد ورد أيضًا من حديث ابن عمر عند أحمد (١)، وفيه عبد الله (٢) العمرى، وعند ابن أبي شيبة (٣) من طريق مالك وزيادة (ب) ولأبي بكر وعمر، ومن حديث جابر عند ابن شاهين في الناسخ، ومن حديث بريدة عند ابن عدي (٤) في الكامل، ومن حديث أنس (٥) عند أحمد وابن ماجه، وإسناده حسن، أنه كان بالمدينة رجلان، رجل يلحد ورجل يشق، فبعث الصحابة في طلبهما، وقالوا: أيهما جاء أولًا عمل عمله لرسول الله ﷺ ؟ فجاء الذي يلحد فلحد لرسول الله ﷺ ومثله من حديث ابن عباس (٦) عند أحمد والترمذي، وبيَّن أن الذي كان يضرح هو أبو عبيدة وأن (جـ) الذي كان يلحد هو أبو طلحة الأنصاري، وفي إسناده ضعف، وفي حديثه

стр. 1433

أيضًا أن أبا عبيدة كان يضرح لأهل مكة وأبو طلحة (أ) يلحد لأهل المدينة، والضرح هو الشق في وسط القبر، وقد روي من حديث عائشة أيضًا قبل مثل حديث (١) أنس عند ابن ماجه، وإسناده ضعيف (٢). وفيه دلالة على أن اللحد أفضل إلا إذا دعت إليه الحاجة كأن يكون في الأرض رخاوة فلا بأس بالشق. [أو كان عدد اللبن التي نُصبت عليه في قبره تسع لبنات كذا ذكره السهيلي] (٣) (ب). وقوله: "ورفع قبره على الأرض قدر شبر" أخرجه (٤) البيهقي وابن حبان من حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر، ورواه البيهقي (٥) من وجه آخر مرسلًا ليس فيه جابر. وفي الباب من حديث القاسم بن محمد قال: دخلت على عائشة ﵂ فقلت: يا أماه، اكشفي لي عن قبر رسول الله ﷺ وصاحبيه، فكشفت عن ثلاثة قبور لا مشرفة، ولا لاطية مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء أخرجه أبو داود (٦) والحاكم. وزاد: ورأيت رسول الله ﷺ مقدمًا، وأبو بكر رأسه بين كتفي رسول الله ﷺ وعمر

стр. 1434

رأسه عند رجل (أ) رسول الله ﷺ وأخرج أبو داود (١) في المراسيل من حديث صالح بن أبي صالح قال: رأيت قبر رسول الله ﷺ شبرا أو نحو شبر. ولا يعارض هذا ما (ب) أخرجه البخاري (٢) من حديث سفيان التمار: أنه رأى قبر رسول الله ﷺ مسنمًا أي مرتفعًا بأن يجعل كهيئة السنام، ورواه ابن أبي شيبة (٣)، وزاد: وكذا قبر أبي بكر وقبر عمر، لإمكان الجمع بما قال البيهقي (٤): إنه كان أولًا سطحًا كما قال القاسم ثم لما سقط الجدار في زمن الوليد بن عبد الملك أصلح فجعل مسنمًا. فائدة: روي أنه ﷺ دَفَنه عليّ والعباسُ وأسامةُ وغسَّلوه. كذلك أخرجه أبو داود من حديث الشعبيّ قال: وحدثني مرحب أنهم أدخلوا معهم عبد الرحمن بن عوف كأني أنظر إليهم أربعة، وفي رواية البيهقي (٥) عن علي ﵁ أربعة: علي والعباس والفضل وصالح، وهو شقران، وفي رواية ابن حبان في صحيحه عن ابن عباس: العباس وعلي والفضل وسوّى لحدَه رجلٌ من الأنصار، وهو الذي سوى لحودَ الأنصار يوم بدرٍ (٦). وفي رواية ابن ماجه (٧) والبيهقي من حديث ابن عباس، علي والفضل وقثم

стр. 1435

وشقران، ونزل معهم خَوْلي، ويجمع بين الروايات بأن كل واحد روى ما رأى، فمن نقص أراد به أول الأمر ومن زاد أراد به آخر الأمر. وكان وفاته ﷺ يوم الاثنين (١) عند أن زاغت الشمس لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول، ودفن يوم الثلاثاء، كما أخرجه مالك في الموطأ (٢)، وقال جماعة: ليلة الأربعاء. وقوله: "نهى رسول الله ﷺ أنْ يُجَصصَ القبرُ .. " إلخ، التجصيص هو التقصيص بالقاف، والقصة (٣) بفتح القاف والصاد المهملة المشددة، والحديث فيه دلالة على النهي عن التجصيص للقبر والبناء عليه (أ) والقعود عليه، وهذا مذهب جمهور (ب) العلماء ومنهم الشافعي (٤)، إلا أنهم حملوا

стр. 1436

النهي عن التجصيص والبناء، على التنزيه، والنهي عن القعود على التحريم، وفيه جمع بين الحقيقة والمجازه وحمل مالك (١) القعود هنا على قضاء الحدث وهو مردود بالرواية الأخرى في قوله: "لا تجلسوا على القبور": رواها مسلم (٢)، وكذا قوله: "لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خير من أن يجلس على قبر" (٣) فهذا ظاهر في الجلوس ولا يكنى بالجلوس عن قضاء الحاجة كما يكنى بالقعود، ويقاس على الجلوس الاستناد إليه والاتكاء عليه، والعلة في ذلك هو احترام قبر المسلم. والتجصيص للقبر مكروه صرح بذلك أصحاب الشافعي (٤) وغيرهم، وأما البناء على القبر فإن كان في مقبرة مسبلة، وشغلت العمارة فوق ما يشغل محل الدفن فلا كلام في تحريم ذلك، وإن لم تشغل أو كان في الملك أو المباح فقال الإمام (٥) يحيى: إنه لا بأس بذلك. وباتخاذ القباب على الفضلاء لإجماع المسلمين (٦) على وضع ذلك، وقال الشافعي في الأم (٧): رأيت الأئمة بمكة يأمرون بهدم ما يبنى، وقال أيضًا (٨): أكره أن يعظم

стр. 1437

مخلوق حتى يجعل قبره مسجدًا مخافة الفتنةِ، وفي الباب أحاديث عن أبي هريرة (١) أن (أ) النبي ﷺ قال: "قاتلَ الله اليهود اتخذوا قبورِ أنْبيائهم مساجد" متفق عليه، وعن ابن عباس (٢) ﵁ قال: "لعَنَ رسول الله ﷺ زائرات القبورِ والمتخذين عليها المساجدَ والسُّرج". رواه أبو داود والترمذي والنسائي، وفي لفظ للترمذي (٣) (ب): "نهي أن تجصص القبور، وأن يكتب عليها، وأن يبنى عليها وأن توطأ"، وفي لفظ للنسائي (٤): "نهى أن يبنى على القبر أو يزاد عليه أو يجصص أو يكتب عليه"، وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ في مرضه الذي لم يقم منه: "لعن الله اليهود والنصاري اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". لولا ذلك أبرز قبره غير أنه خشي أو خشى أن يتخذ مسجدا. أخرجه (٥) البخاري. وظاهر هذه الأخبار المقترنة باللعن والتشبيه بالوثن في قوله: "لا تتخذوا قبري وثنًا يعبد من دون الله"، التحريم للعمارة والتزيين (جـ) والتجصيص ووضع الصندوق المزخرف ووضع الستائر على القبر وعلى سمائه، والتمسح (د) بجدار القبر، وأن ذلك قد يفضي مع بعد العهد وفشو الجهل إلى ما كان عليه الأم السابقة من عبادة الأوثان، فكان (هـ) في المنع من ذلك بالكلية قطع لهذه

стр. 1438

الذريعة المفضية إلى الفساد، وهو المناسب للحكم المعتبر في شرع الأحكام، من جلب المصالح ودفع المفاسد سواء كانت بنفسها، أو باعتبار ما تفضي إليه، والله أعلم. ٤٤٠ - وعن عامر بن ربيعة: "أن النبي، ﷺ صلّى على عثمانَ بن مظعون وأتى القبر فحثى عليه ثلاث حثيات وهو قائم". رواه الدارقطني (١) وأخرجه البزار أيضًا ولفظه: "رأيت النبي ﷺ حين دفن عثمان بن مظعون صلّى عليه، وكبر عليه أربعًا، وحثى على قبره بيديه ثلاث حثيات من التراب وهو قائم عند رأسه (٢) "، وزاد البزار: "فأمر فرش عليه الماء"، وقد روي الشافعي (٣) من حديث إبراهيم بن محمد عن جعفر بن محمد عن أبيه مرسلًا، وروى أبو داود في المراسيل (٤): أن النبي ﷺ "حثى في (أ) قبر ثلاثًا"، وهو من طريق أبي المنذر قال أبو حاتم (٥) فيه: هو مجهول، وقد ورد في الحثْي على القبر أيضًا عن أبي أمامة قال: توفي رجل فلم يصب له حسنة إلّا ثلاث حَثيات حثَاها على قبر فغفرت (ب) له ذنوبه (٦)، وروى أبو

стр. 1439

الشيخ في مكارم الأخلاق عن أبي هريرة مرفوعًا: "مَنْ حَثَى عَلَى مُسلم احتِسابًا كتبَ له بكلِّ ثَراةٍ حسنة" (١)، إسناده ضعيف، وروى ابن ماجه من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ حثى من قبل الرأس ثلاثا (٢) " وقال أبو حاتم في العلل (٣): هذا حديث باطل. في الحديث دلالة على شرعية الحثي على القبر وهو يكون باليدين جميعًا، ويستحب أن يقول عند ذلك: منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى ذكره أصحاب الشافعي (٤). وروي عن علي (٥) ﵁ أنه يقول: "اللهم إيمانًا بكَ وتصديقا برسلك، وإيقانًا ببَعْثك، هذَا ما وعد الله ورسولُهُ وصدق الله ورسوله". ٤٤١ - وعن عثمان ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ ، إِذَا فَرغَ مِن دَفْنِ المَيَّت، وقَفَ عليه، وقال: استغفروا لأخيكم، وسَلوُا (أ) له التثبيت فإِنه الآن يسأل". رواه أبو داود وصحه الحاكم (٦).

стр. 1440

في الحديث دلالة على أن الميت ينفعه الاستغفار والدعاء (أ) له، وأنه ينتفع بما فعله (ب) الحي له، وأن له في القبر حياة يدرك بها ما يفعله الحي، وقد ورد بهذا أحاديث صحيحة. وقوله: "وسلوا (جـ) له التثبيت فإنه الآن يسأل"، فيه دلالة على ثبوت سؤال منكر ونكير (د) في القبر، وقد وردت به صحاح الأحاديث، واتفقت على قدر مشترك، وإن اختلف في تفصيل السؤال والجواب وأخرجه البخاري في عدة مواضع في كتابه بأسانيد متعددة، فمنها من (هـ) حديث أنس (١) أنه حدثهم أن رسول الله ﷺ قال: "إن العَبْدَ إذا وضِعَ في قَبْره، وتولَّى عنْه أصحَابه إنه ليسْمع قَرع نعَالِهم" زاد مسلم (٢): "إذا انصرفوا أتاه (و) مَلَكَان" زاد ابن حبان والترمذي (٣) من حديث أبي هريرة "أزرقَان أسْوَدَان، يقال لأحدهما: المنْكر والآخر النكير" زاد الطبراني (٤) في الأوسط: "أعينهما (ز) مثل قدور النحاس، وأنيابهما مثل صياصي البقر (٥) وأصواتهما مثل الرعدِ"، زاد عبد الرزاق (٦): "يحفران بأنيابهما ويطآن في أشْعَارهما، معهما مرزبة لو اجْتَمَعَ عليْها أهْل أمتي لم يُقِلُّوها"، وزادَ ابن الجوَزي في
следующие страницы →