← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17747

البدر التمام شرح بلوغ المرام ت الزبن

الحسين بن محمد المغربي

Полный текст (4 458 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

النهي عن التجصيص والبناء، على التنزيه، والنهي عن القعود على التحريم، وفيه جمع بين الحقيقة والمجازه وحمل مالك (١) القعود هنا على قضاء الحدث وهو مردود بالرواية الأخرى في قوله: "لا تجلسوا على القبور": رواها مسلم (٢)، وكذا قوله: "لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خير من أن يجلس على قبر" (٣) فهذا ظاهر في الجلوس ولا يكنى بالجلوس عن قضاء الحاجة كما يكنى بالقعود، ويقاس على الجلوس الاستناد إليه والاتكاء عليه، والعلة في ذلك هو احترام قبر المسلم. والتجصيص للقبر مكروه صرح بذلك أصحاب الشافعي (٤) وغيرهم، وأما البناء على القبر فإن كان في مقبرة مسبلة، وشغلت العمارة فوق ما يشغل محل الدفن فلا كلام في تحريم ذلك، وإن لم تشغل أو كان في الملك أو المباح فقال الإمام (٥) يحيى: إنه لا بأس بذلك. وباتخاذ القباب على الفضلاء لإجماع المسلمين (٦) على وضع ذلك، وقال الشافعي في الأم (٧): رأيت الأئمة بمكة يأمرون بهدم ما يبنى، وقال أيضًا (٨): أكره أن يعظم

стр. 1437

مخلوق حتى يجعل قبره مسجدًا مخافة الفتنةِ، وفي الباب أحاديث عن أبي هريرة (١) أن (أ) النبي ﷺ قال: "قاتلَ الله اليهود اتخذوا قبورِ أنْبيائهم مساجد" متفق عليه، وعن ابن عباس (٢) ﵁ قال: "لعَنَ رسول الله ﷺ زائرات القبورِ والمتخذين عليها المساجدَ والسُّرج". رواه أبو داود والترمذي والنسائي، وفي لفظ للترمذي (٣) (ب): "نهي أن تجصص القبور، وأن يكتب عليها، وأن يبنى عليها وأن توطأ"، وفي لفظ للنسائي (٤): "نهى أن يبنى على القبر أو يزاد عليه أو يجصص أو يكتب عليه"، وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ في مرضه الذي لم يقم منه: "لعن الله اليهود والنصاري اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". لولا ذلك أبرز قبره غير أنه خشي أو خشى أن يتخذ مسجدا. أخرجه (٥) البخاري. وظاهر هذه الأخبار المقترنة باللعن والتشبيه بالوثن في قوله: "لا تتخذوا قبري وثنًا يعبد من دون الله"، التحريم للعمارة والتزيين (جـ) والتجصيص ووضع الصندوق المزخرف ووضع الستائر على القبر وعلى سمائه، والتمسح (د) بجدار القبر، وأن ذلك قد يفضي مع بعد العهد وفشو الجهل إلى ما كان عليه الأم السابقة من عبادة الأوثان، فكان (هـ) في المنع من ذلك بالكلية قطع لهذه

стр. 1438

الذريعة المفضية إلى الفساد، وهو المناسب للحكم المعتبر في شرع الأحكام، من جلب المصالح ودفع المفاسد سواء كانت بنفسها، أو باعتبار ما تفضي إليه، والله أعلم. ٤٤٠ - وعن عامر بن ربيعة: "أن النبي، ﷺ صلّى على عثمانَ بن مظعون وأتى القبر فحثى عليه ثلاث حثيات وهو قائم". رواه الدارقطني (١) وأخرجه البزار أيضًا ولفظه: "رأيت النبي ﷺ حين دفن عثمان بن مظعون صلّى عليه، وكبر عليه أربعًا، وحثى على قبره بيديه ثلاث حثيات من التراب وهو قائم عند رأسه (٢) "، وزاد البزار: "فأمر فرش عليه الماء"، وقد روي الشافعي (٣) من حديث إبراهيم بن محمد عن جعفر بن محمد عن أبيه مرسلًا، وروى أبو داود في المراسيل (٤): أن النبي ﷺ "حثى في (أ) قبر ثلاثًا"، وهو من طريق أبي المنذر قال أبو حاتم (٥) فيه: هو مجهول، وقد ورد في الحثْي على القبر أيضًا عن أبي أمامة قال: توفي رجل فلم يصب له حسنة إلّا ثلاث حَثيات حثَاها على قبر فغفرت (ب) له ذنوبه (٦)، وروى أبو

стр. 1439

الشيخ في مكارم الأخلاق عن أبي هريرة مرفوعًا: "مَنْ حَثَى عَلَى مُسلم احتِسابًا كتبَ له بكلِّ ثَراةٍ حسنة" (١)، إسناده ضعيف، وروى ابن ماجه من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ حثى من قبل الرأس ثلاثا (٢) " وقال أبو حاتم في العلل (٣): هذا حديث باطل. في الحديث دلالة على شرعية الحثي على القبر وهو يكون باليدين جميعًا، ويستحب أن يقول عند ذلك: منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى ذكره أصحاب الشافعي (٤). وروي عن علي (٥) ﵁ أنه يقول: "اللهم إيمانًا بكَ وتصديقا برسلك، وإيقانًا ببَعْثك، هذَا ما وعد الله ورسولُهُ وصدق الله ورسوله". ٤٤١ - وعن عثمان ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ ، إِذَا فَرغَ مِن دَفْنِ المَيَّت، وقَفَ عليه، وقال: استغفروا لأخيكم، وسَلوُا (أ) له التثبيت فإِنه الآن يسأل". رواه أبو داود وصحه الحاكم (٦).

стр. 1440

في الحديث دلالة على أن الميت ينفعه الاستغفار والدعاء (أ) له، وأنه ينتفع بما فعله (ب) الحي له، وأن له في القبر حياة يدرك بها ما يفعله الحي، وقد ورد بهذا أحاديث صحيحة. وقوله: "وسلوا (جـ) له التثبيت فإنه الآن يسأل"، فيه دلالة على ثبوت سؤال منكر ونكير (د) في القبر، وقد وردت به صحاح الأحاديث، واتفقت على قدر مشترك، وإن اختلف في تفصيل السؤال والجواب وأخرجه البخاري في عدة مواضع في كتابه بأسانيد متعددة، فمنها من (هـ) حديث أنس (١) أنه حدثهم أن رسول الله ﷺ قال: "إن العَبْدَ إذا وضِعَ في قَبْره، وتولَّى عنْه أصحَابه إنه ليسْمع قَرع نعَالِهم" زاد مسلم (٢): "إذا انصرفوا أتاه (و) مَلَكَان" زاد ابن حبان والترمذي (٣) من حديث أبي هريرة "أزرقَان أسْوَدَان، يقال لأحدهما: المنْكر والآخر النكير" زاد الطبراني (٤) في الأوسط: "أعينهما (ز) مثل قدور النحاس، وأنيابهما مثل صياصي البقر (٥) وأصواتهما مثل الرعدِ"، زاد عبد الرزاق (٦): "يحفران بأنيابهما ويطآن في أشْعَارهما، معهما مرزبة لو اجْتَمَعَ عليْها أهْل أمتي لم يُقِلُّوها"، وزادَ ابن الجوَزي في

стр. 1441

الموضوعات (١): "أن فيهم درومان وهو كبيرهم، وذكر بعض الفقهاء (٢) أن اسم اللذين يسألان المُذْنب مُنْكرٌ ونَكِيرٌ، وأن اسم اللَّذين لا يَسْألان المُطِيع بشْرٌ وبَشيرٌ فيُقْعدانه"، زاد البخاري في حديث البراء "فتُعادُ رُوحُه في جَسده" (٣)، وزادَ ابن حبان (٤): "فإذا كان مؤمنًا كانت الصلاة عند رأسه، والزكاة عند (أ) يمينه، والصوم عن شماله، وفعل المعروف من قبل رجليه، فيقال: له اجْلسْ فيجْلسُ، وقد مُثلتْ لهُ الشمس عند الغروبِ" (ب) زاد ابن ماجه: "فيجلسُ وَيمسحُ عَيْنيه، ويقول: دعُوني أصَلي فيقولان: مَا كُنت تقول في هذا الرَّجل لمحمدٍ" زاد أبو داود (٥): "ما كنت تَعبد؟ فإن الله هدَاهُ قالَ: كنت أعبد الله، فيقال له: ما كنت تقول (جـ) في هذا الرجل؟ ولأحمد من حديث عائشة (٦): مَا هذَا الرجل الذي كان فِيكُم؟ (فأمَّا المُؤمنُ فيقول: أشْهدُ أنهُ عَبْدُ الله وَرَسُولُه" (د) ولأحمد من حديث أبي سعيد (٧): "فإنْ كان مؤمنا قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده

стр. 1442

ورسوله، فيُقَالُ له: صدقت، فلا يُسألُ عنْ شيءٍ غيرَها". وفي حديث أسماء (١) بنت أبي بكر عند البخاري: "فأما المُؤمنُ أو المُوقِنُ فيقول: محمدٌ رسولُ الله جاءنا بالبيِّنات والهُدَى فأجبنا، وآمنا، واتبَعناه، فيقالُ له. نم صَالحا" وفي حديث أبي (٢) سعيد عند سعيد بن منصور" فيقال له: نم نومة عَرُوسٍ، فيكون في أحلى نَوْمة نَامَها أحدٌ حتى يبعث" وللترمذي (٣) في حديث أبي هريرة: "ويقال له: نم فينامُ نوْمةَ العَروُس الذي لا يُوقِظُه إلَّا أحبُّ أهْله حتى يبعَثَهُ الله مِنْ مَضْجعِهِ ذَلكَ" ولابن ماجه، وابن حبان من حديث أبي هريرة (٤) وأحمد من حديث عائشة (٥): "ويقال له: على اليقين كُنْتَ، وعليْه متَّ، وعليه تبْعَثُ إنْ شاءَ الله، فيقال له: انظر إلى مَقْعَدكَ من النار قد (أ) أبْدَلَكَ الله مَقْعَدًا منَ الجنة فَيَرَاهما جَميعًا" وفي رواية أَبي داود: (٦) "فيقال له: هذا بيتكَ كان في النارِ، ولكِن اللَّه عَصَمِكِ ورحمَكَ، فأبْدلَكَ به بيتًا في الجنةِ، فيقول: دعُوني حتى أذهبَ فأبشر أهْلي، فيقال له: اسِكن". وفي حديث أبي سعيد عند أحمد (٧): "كان هذا منزِلَكَ لوْ كَفَرت بِرِبكَ". ولابن ماجه كان حديث أبي هريرة (٨) بإسناد

стр. 1443

صحِيح: "فيقال له: هلْ رأيتَ الله؟ فيقول: مَا ينبَغي لأحد أنْ يرَى الله، فَتُفْرج له فُرْجَةً قبَلَ النارِ فينظر إليها يحطم بعضها بعضًا، فيقول: انْظر إلى مَا وَقاكَ الله". وللبخاري عن (١) أبي هريرة ﵁: "لا يدخل الجنةَ أحدٌ إلا أري مَقْعَدَه مِنَ النارِ لوْ أساءَ ليَزْدَادَ شكْرًا"، وذكر عكسه قال قتادة (٢) وذكر لنا أنه يُفْسحُ له في قِبره. زادَ (٣) مسلم من طريق شيبان عن قتادة: "سبعون ذراعًا ويُملأ عليه خضِرًا إلى يومِ يبعثُون". وفي حديث أبي سعيد عند أحمَد (٤): "وَيُفْسَحُ لهُ في قبره". ومن حديث أبي هريرة عند الترمذي وابن حبان (٥) فيُفْسَحُ له في قبرِه سبعون ذراعًا زاد ابن حبان "في سبعين ذاراعًا"، وزاد من وجه آخر عن أبي هريرة (٦): "ويرحب له في قبره سبعون ذراعًا، وينور له كالقمر ليلة البدرِ" وفي حديث البراء (٧) الطويل: "فيُنادي مناد (أ) من السماء: أنْ صدق عبدي، فأفرشوه من الجنة، وافْتَحُوا له بابًا في الجنة، وألْبسُوهُ من الجنة قال: فيأتيه من رُوحها وطيبها، ويفسح له فيها مد بصَره" زَاد ابن حبان (٨) من وجه آخر عن أبي هريرة "فيزداد غِبْطَةً وسرورًا، فَيعادُ الجلد إلى ما بدئ منه، ويُجعلُ روحه في نسيمِ طائرٍ

стр. 1444

تعلق في شَجرِ الجنة، وأما المنافق والكافرُ (أ) " وفي رواية للبخاري (١): وأما الكافر، أو المنافق بالشك. وفي رواية أبي داود: "إن الكافرَ إذا وضع"، وكذا لابن حبان (٢) من حديث أبي هريرة، وكذا في حديث البراء (٣) الطويل، وفي حديث أبي سعيد (٤) عند أحمد: "وإن كان كافرًا، أو منافقًا" بالشك. وله من حديث أسماء (٥): "فإن كان فاجرًا أو كافرًا". وفي الصحيحين (٦) من حديثها: "وأما المنافق والمرتاب". ومن حديث جابر عن عبد الرزاق وحديث أبي هريرة عند الترمذي (٧): "وأما المنافق". وفي حديث عائشة عند أحمد وأبي هريرة (٨) عند ابن ماجه (ب): "وأما الرجل السوء"، وللطبراني من حديث أبي هريرة (٩) "وإن كان من أهل الشك"، فاختلفت هذه الروايات، وهي مجتمعة على أن كلا من الكافر والمنافق يسأل. وفيه رد على من زعم أن السؤال إنما يقع على من يدعى الإيمان إن (جـ) محقا وإنْ

стр. 1445

مبطلًا ومستندهم في ذلك ما رواه عبد الرزاق (١) من طريق عبيد بن عمير أحد كبار التابعين -قال: إنما يفتن رجلان- مؤمن ومنافق، وأما الكافر فلا يسأل عن محمد ولا يعرفه، وهو موقوف، والأحاديث الماضية على أن الكافر يسأل مرفوعة مع كثرة طرقها الصحيحة، فهي أولى بالقبول، وجزم الحكيم الترمذي (٢) بأن الكافر يسأل، واختلف في الطفل غير الخير، فجزم القرطبي في التذكرة (٣) بأنه يسأل، وهو منقول عن الحنفية، وجزم غير واحد من الشافعية بأنه لا يسأل، ولذلك (أ) قالوا: لا يستحب أن يلقن (٤)، واختلف أيضًا في النبي ﷺ هل يسأل؟، وأما الملك فلا نعرف أن أحدًا قال: إنه يسأل، والذي يظهر أنه لا يسأل؛ لأن السؤال إنما يكون لمن يفتن، قال ابن عبد البر (٥): الآثار تدل على أن الفتنة لمن كان من أهل القبلة، ورد عليه ابن القيم في كتاب الروح (٦) بقوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ (٧) الآية، وفي حديث أنس (٨) في البخاري"

стр. 1446

"وأما المنافق والكافرُ" بواو العطف وفي حديث أبي سعيد (١): "فإن كان مؤمنًا" فذكره (أ) وفيه: "وإن كان كافرًا"، وفي حديث البراء "وإن الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا" فذكره فيه "فيأتيه منكر ونكير .. " الحديث، أخرجه (٢) أحمد: "فيقول: لا أدري"، وفي حديث البراء (٣) زيادة: "فيقول: هاه هاه لا أدري، فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فيقولون له: ما دينك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه لا أدري"، وهو أتم الأحاديث سياقا (٤). "كنت أقول ما يقول الناس"، وفي حديث أسماء (٥): "سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته". وكذا في أكثر الأحاديث. "فيقال: لا دريت ولا تليت" (٦)، ومعنى تليت: تلوت مِنْ تلوت القرآن فأبدلت الواو ياء تباعًا (ب)، والمعنى: لا فهمت ولا اتبعت من يفهم، ووقع عند أحمد (٧) من حديث أبي سعيد: "لا دريث ولا اهتديت" وفي مرسل عبيد بن عمير عند عبد الرزاق (٨): "لا دريت ولا أفلحت، ويضرب بمطارق من حديد ضربة"،

стр. 1447

وقع في رواية للبخاري (١) بلفظ الإفراد، ويمكن الجمع بأنه عبر عن المفرد بالجمع، إيْذانًا بأن كلا من أجزائِها مطرقة من المطارق، مبالغة. وفي حديث (٢) البراء زيادة: "لو ضُرِب بها جَبَلٌ لصار تُرابًا، فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين". وفي حديث (أ) البراء (٣): "يسمعها ما بين المشرق والمغرب"، وفي حديث أبي سعيد (٤) عند أحمد: "يسمعه خلق الله كلهم غير الثقَلين"، وظاهر هذا شمول الحيوان والجماد، إلا أنه ورد في حديث أبي هريرة (٥) عند البزار (ب): "يسمعه كل دابة إلا الثقلين" ففيه التقييد لما أطلق ويسمى الجن والإنس بالثقل لثقلهم على الأرض، والحكمة في عدم إسماعهما: إخفاء الله أحوال الآخرة عن المكلفين إلا من شاء إبقاء عليهم ولسر (جـ) التكليف. واعلم أنه (د) قد وردت أحاديث تدل على اختصاص هذه الأمة بالمسألة، وأن أم الأنبياء المتقدمين لا يكون لهم هذا الامتحان، وهو ما في حديث زيد بن ثابت أن هذه (هـ) تبتلى في قبورها، أخرجه مسلم (٦)، ومثله عند

стр. 1448

أحمد (١) من حديث أبي سعيد ومن حديث عائشة (٢): "و (أ) أما فتْنَة القبر، فبي يفْتَنون، وعنِّي يسألون" وجزم بهذا الحكيم الترمذي (٣) وقَال: السر فيه أن الأم السالفة كانت تأتيهم الرسل، فإن أطاعوا فذاك، وإن أبوا (ب) اعتزلوهم، وعوجلوا بالعذاب، فلما أرسل الله محمدًا رحمة للعالمين أمسك عنهم العذاب وقبل الإسلام ممن أظهره سواء أخلصه أم لا، فلما ماتوا قيَّض الله لهم فتَّانَي القبور لتستخرج سرهم بالسؤال، وليميز الله الخبيث من الطيب ويثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين. وجنح ابن القيم (٤) إلى عموم المسألة، وقال: ليس في الأحاديث ما يدل على الاختصاص، وإنما أخبر النبي ﷺ بكيفية (جـ) امتحانهم لا باختصاصهم، قال: والذي يظهر أن كل نبي مع أمته كذلك، فيعذب كفارهم في قبورهم بعد سؤالهم كما يعذبون في الآخرة بعد سؤالهم وإقامة الحجة عليهم وحكى في مسألة الأطفال (٥) احتمالا، والظاهر أن ذلك لايمتنع في حق الخير (د) دون غيره وقد

стр. 1449

خالف في إثبات المسألة في القبر بعض العلماء، وقال: إنه يلزم من ذلك الحياة في القبر، فيكون الإنسان قد أحيي ثلاث مرات، وأميت ثلاث مرات، وهو خلاف قوله تعالى: ﴿قَالُوا (أ) رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ (١) والجواب: بأن (ب) الحياة في القبر ليست حياة مستقرة تقوم فيها الروح بالبدن بالتصرف والتدبير ويحتاج فيها إلى ما يحتاج إليه الحي فلم يعد حينئذ، وأريد بما في الآية الحياة المعتد بها الكاملة المقصودة، وهذه إنما قصدت لمجرد الامتحان، (كما أحيي خلق لكثير (جـ) من الأنبياء لمساءلتهم لهم عن أشياء ثم عادوا موتى) (د). وفي الحديث الذي ذكرناه (هـ) في كيفية المسألة دلالة على إثبات عذاب القبر فهذا (و) في حق الكافر وحديث: "وما يعذبان في كبير" (٢) يدل أيضًا علي تعذيب من شاء الله تعالى ذلك في حقه من الموحدين، وقد ثبت ذلك في أحاديث كثيرة، منها عن أبي هريرة وابن عباس وأبي أيوب وسعد وزيد بن الأرقم وأم خالد في الصحيحين أو أحدهما، وعن جابر عند ابن ماجه وأبي سعيد عند ابن مردويه، وعمر وعبد الرحمن وعبد الله بن عمرو عند أبي داود، وابن مسعود عند الطحاوي، وأبي بكرة عند النسائي،

стр. 1450

وأسماء بنت زيد عند النسائي أيضًا و (أ) أم ميسرة عند ابن أبي شيبة وغيرهم. ٤٤٢ - وعن ضمرة بن حبيب -أحد التابعين- قال: "كانوا يَسْتَحِبّونَ إِذَا سُوِّيَ علَى الميت قبرُه، وانْصرف الناسُ عنه، أنْ يُقالُ عندَ قبرِه: يا فلان قلْ: لَا إِله إِلَّا الله، ثلاث مرات. يا فلانُ قُلْ: ربِّيَ الله، ودِيني الإِسلام، ونَبِيِّيَ مُحمَّدٌ". رواه سعيد بن منصور موقوفًا. وللطبراني نحوه من حديث أبي أمامة مرفوعًا موصولًا (١). ضمرة بن حبيب الحمْصِيّ (ب) تابعي ثقة، روي عن شداد بن أوس وأبي أمامة وجماعة. قوله: كانوا يستحبون، ظاهره أن المستحب لذلك الصحابة الذين أدرك عصرهم وأن ذلك سُنة مألوفة غير متحتمة، بل مختار موسع في تركه (٢). وحديث أبي أمامة رواه سعيد الأزدي وقد بيض له أبو حاتم، ولكن له شواهد ولفظه: قال أبو أمامة: إذا أنا مت فاصنعوا بي كما أمرنا رسول الله ﷺ أن نصنع بموتانا، أمرنا رسول الله ﷺ فقال: "إذا مات أحدُ من إخوانكم فسويتم التراب على قبره، فليقم أحدكم على رأس قبره، ثم ليقل: يا فلان ابن فلانة فإنه يسمعه، ولا يجيب، ثم يقول: يا فلان ابن فلانة، فإنه يستوي قاعدًا، ثم يقول: يا فلان ابن فلانة فإنه يقول: أرشدنا يرحمك الله، ولكن لا تشعرون، فليقل: اذكر ما خرجت عليه من

стр. 1451

الدنيا، شهادة أن لا (أ) إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، وأنك رضيت بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيًّا، وبالقرآن إمامًا، فإن منكرًا ونكيرًا يأخذ كل واحد منهما بيد صاحبه، ويقول: انطلق بنا، ما يقعدنا عند من قد لقن حجته؟ فقال رجل: يا رسول الله! فإن لم يعرف أمه؟ قال (ب) ينسبه إلى أمه حواء (جـ يا فلان ابن حواء جـ) " وهذا الحديث إسناده صالح، وقد قواه (١) الضياء في أحكامه وأخرجه عبد العزيز من الحنابلة في الشافعي، وهو أيضًا متأيد بحديث عثمان الذي، فإن قوله: "سلوا (د) له التثبيت"، إشارة إلى هذا المعنى، وأخرج (هـ) أيضًا الطبراني (٢) من حديث الحكم بن الحارث السلمي أنه قال لهم: إذا دفنتموني، ورششتم على قبري الماء فقوموا على قبري واستقبلوا القبلة وادعوا لي، وقد تقدم في دعاء النبي ﷺ بعد الدفن (٣)، أنه قام إلى (و) جانب القبر، ثم قال: "اللهم جاف الأرض عن جنبيها، وصعد روحها، ولقها منك رضوانًا". وفي صحيح مسلم (٤) أن عمرو بن العاص قال لهم: إذا دفنتموني

стр. 1452

أقيموا حول قبري قدر ما تنحر جزور ويقسم لحمها حتى أستأنس بكم، وأعلم ماذا أراجع رسل (أ) ربي. و (ب) قال الأثرم: قلت لأحمد: هذا الذي يصنعونه إذا دفن (ب) الميت، يقف الرجل ويقول (د): يا فلان ابن فلانة .. قال (هـ): ما رأيت أحدًا يفعله إلا أهل الشام حين مات أبو المغيرة يروي فيه عن أبي بكر بن أبي مريم عن أشياخهم أنهم كانوا يفعلونه، وكان إسماعيل بن عياش يشير (و) إلى حديث أبي أمامة (١)، وقد ذهب إلى العمل بهذا أصحاب الشافعي (٢)، فصرح في عجالة المنهاج بقوله: ويسن أن يقف جماعة بعد دفنه عند قبره ساعة يسألون له التثبيت للاتباع ويستحب تلقينه عند دفنه أيضًا. والظاهر أن الوقوف مجمع على شرعيته، والتلقين فيه خلاف. ٤٤٣ - وعن بُريدة بن الحصيب الأسلمي قال: قال رسول الله ﷺ : "نَهيتُكم عن زيارة القبور، فَزُوروها". رواه مسلم (٣).

стр. 1453

زاد الترمذي: "فإِنَّها تُذَكِّرُ الآخرة". زاد ابن ماجه من حديث ابن مسعود: "وتزهد في الدنيا" (١). وفي الباب أيضًا عن أبي هريرة (٢) رواه مسلم بلفظ: "اسْتأذنتُ ربي أنْ أزورَ قبر أمِّي فأذن لي، فزورُوا القبُورَ، فإنها تُذَكِّرُكُم الموت". ورواه الحاكم وابن ماجه مختصرًا وعن ابن مسعود رواه ابن ماجه، والحاكم، وعن أبي سعيد (٣) رواه الشافعي وأحمد، والحاكم ولفظه "فإنها عبرة"، ولفظ الحاكم: "كُنت نَهيْتكم عن زيارة القبور، ثم بدا لي أنها ترق القلب، وتُدمِعُ العينَ، وتُذَكِّر الآخرة فزُورُوها، ولا تقولوا: هُجْرًا"، وعن علي بن أبي طالب رواه أحمد (٤)، وعن عائشة: "أن النبي ﷺ رخص في زيارة القبور" رواه ابن ماجه (٥). الحديث فيه دلالة على استحباب زيارة القبور للرجال، لأن الخطاب لهم، والظاهر أنه مجمع عليه (٦)، وأن الأمر ليس للوجوب، وهذا الحديث من الأحاديث التي جمعت بين الناسخ والمنسوخ، وفي قصة زيارته ﷺ

стр. 1454

لقبر أمه دلالة على تأكيد (أ) زيارة الوالدين في الحياة وبعد الوفاة، ولو كانا كافرين، وأن ذلك من المصاحبة لهما في الدنيا معروفًا، ولذلك منع (ب) الاستغفار لهما. وفي قوله: "فإنها (جـ) تذكر الآخرة" إشعار بأن الحكمة في شرعية الزيارة إنما هو الاعتبار والاستبصار بمثل من خلا قبله. وقوله: "وتزهد في الدنيا كذلك"، فإن من علم بحقيقة الأمر استقرب مفاجأة الرحلة عن الدنيا فرفضها، ولم يطمئن إلى شيء من زينتها ومتاعها الحقير. ٤٤٤ - وعن أبي هريرة ﵁: "أن رسول الله ﷺ لَعَنَ زائرات القُبور". أخرجه الترمذي، وصححه ابن حبان، وأخرجه أحمد وابن ماجه (١). وفي الباب أيضًا من حديث حسان (٢) رواه أحمد وابن ماجه (د والحاكم، ومن (هـ) حديث ابن عباس (٣) رواه أحمد وأصحاب السنن والبزار وابن حبان د) والحاكم.

стр. 1455

والحديث يدل على تحريم زيارة النساء للقبور، وفي ذلك ثلاثة أقوال: التحريم عليهن لهذا، والإباحة، والكراهة، ولعله يحمل هذا (أ) على صحة زيارتها المتعرض (ب) لفعل محرم، كمن تبرجت بالزينة، أو ناحت على القبر، أو أنه منسوخ، ويدل على ذلك ما أخرجه مسلم عن عائشة (١) قالت: كيف أقول يا رسول؟ تعني إذا زارت القبور، قال: "قولي: السلام على أهل الديار (من المؤمنين والمسلمين) (جـ) ويرحم الله المتقدمين منا والمتأخرين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون"، وما أخرجه الحاكم (٢) من حديث علي بن الحسين ﵁: أن فاطمة ﵂ بنت النبي ﷺ كانت تزورُ قبرَ عمها حمزة كل جمعة، فتصلي وتبكي عنده وعموم قوله ﷺ : "مَنْ زار قَبْرَ أبَويه أو أحدَهما في كل جمعة غفر له، وكتب برًّا" رواه البيهقي في شعب الإيمان (٣) مرسلًا، وكذا الحديث الأول، "كنت نهيتكم"، فإنه كان كان الخطاب لمذكرين فهو كثير ما يغلب على الإناث بقرينة، والله أعلم.

стр. 1456

٤٤٥ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "لَعَنَ رسول الله ﷺ النَّائحةَ والمسْتَمِعَةَ" أخرجه أبو داود (١). وعن أم عطية قالت: "أخَذ علينا رسولُ الله ﷺ أن لا ننوحَ" متفق عليه (٢). النوح: هو رفع الصوت بتعديد شمائل الميت ومعاظم أفعاله. وقول أم عطية: أخذ علينا .. إلخ (أ) كان الأخذ في وقت المبايعة للإسلام. وفي الحديث دلالة على تحريم النياحة والاستماع لها، إذ اللعن إنما يكون على فعل محرم، وفي الباب أحاديث عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "لَيس منا منْ ضربَ الخُدودَ، وشق الجُيوب، ودَعَا بِدعْوَى الجاهلية" متفق عليه (٣). وفي أبي بردة قال: أغمى على أبي موسى، فأقْبَلت امرأته أم عبد الله تصيح برنة، ثم أفاق فقال. ألم تعلمي -وكان يحدِّثها-: أن رسول الله ﷺ قال: "أنا بَرِيء مِمن حَلقَ وصلقَ وخَرَقَ"

стр. 1457

متفق عليه (١). وعن أبي مالك الأشعري (٢) قال: قال رسول الله ﷺ : "أربع في أمتي من الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة" (أوقال: النائحة إذا لَمْ تتبْ قَبْل موتها تُقَام يومَ القيامةِ وعليْها سِرْبَالٌ مَنْ قطِرَانٍ، ودِرْع أ) مِنْ جرب (ب أي عصب ب)، وقد عورض هذا النَّهي بما أخرجه أحمد وابن ماجه وصححه الحاكم من طريق أسامة بن زيد عن نافع عن ابن عمر (٣): أن رسول الله ﷺ مر بنساء بني عبد الأشهل يبكين هلكاهن يوم أحد فقال: "لكن حمزة لا بواكي له" فجاء نساء الأنصار يبكين حمزة فاستيقظ رسول الله ﷺ ثم قال: "مروهن فَلْيَنْتَقِلْنَ ولا يبكين علَى هالكٍ بعد اليوم"، وله شاهد أخرجه عبد الرزاق (٤) من طريق عكرمة، وأخرج النسائي (٥) عن أبي هريرة قال: مات ميت من آل رسول الله ﷺ فاجتمع النساء يبكين عليه، فقام عمر ينهاهن ويطردهن، فقال رسول الله ﷺ : "دعهن يا عمر فإن العين دامعة، والقلب مصاب، والعهد قريب" والميت هي زينب صرح به

стр. 1458

في حديث ابن عباس قال (أ): ماتت زينب بنت رسول الله ﷺ فبكت النساء فجعل عمر يضربهن بسوطه، فأخره رسول الله ﷺ بيده وقال: "مهلًا يا عمر" ثم قال (ب): "إيَّاكُنَّ ونَعِيقَ الشَّيطان"، ثم قال: "إنه مهما كان من العين ومن القلب فمن الله ، ومن الرحمة، وما كان من اليد ومن اللسان فمن الشيطان" رواه أحمد (١)، والنعيق في الأصل: من نعق الراعي بالغنم إذا دعاها لتعود إليه. فهذا فيه دليل على جواز البكاء، وظاهره ولو كان على جهة النياحة، وهو ظاهر في قصة حمزة ﵁ ولكن فيه دلالة على الخصوص فلا معارضة، وحديث أبي هريرة منسوخ بالنهي عنه، كما في حديث عائشة (٢) ﵂ قالت: لما جاء النبي ﷺ قتل ابن حارثة وجعفر وابن رواحة جلس يعرف فيه الحزن، وأنا أنظر من صاير (جـ) الباب -يعني شق الباب- فأتاه رجل فقال: إن نساء جعفر -وذكر بكاءهن- فأمره أن ينهاهن فذهب، ثم أتاه (د) الثانية لم يطعنه (هـ فقال: إنهضنْ هـ)، فأتاه الثالثة (و) قال: والله غلبتنا يا رسول الله فزعمت أنه قال: "فأحث (ز) في أفواههن التراب"، فقلت: أرغم الله أنفك إن لم تفعل ما أمرك رسول الله ﷺ ولم تترك رسول الله ﷺ من العناء. متفق عليه. وهذا

стр. 1459

في قصة موته، وهي في شهر جمادي سنة ثمان وهو متأخر، فيكون ناسخًا، ولكن موت زينب أيضًا في أول سنة ثمان، ولعله يقال: إن النهي هذا ظاهره الكراهة؛ إذ لو كان للتحريم لبادر النبي ﷺ إلى إزالة (ذلك المنكر) (أ)، ولم يرخص له في الثلاث المرات، ولكن الكراهة شديدة حسمًا لذريعة (ب) إظهار الجزع، وعدم الرضا بالقضاء، والله سبحانه أعلم. وقد أشار إلى ذلك البخاري (١) فقال: باب ما يكره من النياحة، وظاهر "مَنْ" التبعيض وأورد بعده: وقال عمر (١): دعهن يبكين على أبي سليمان -يعني خالدًا- ما لم يكن نقع أو لقلقة. والنقع: التراب على الرأس، واللقلقة: الصوت. وأخرج أيضًا من حديث عبد الله بن عمر (٢): "إن الله (جـ) لا يعذب بدمع العين، ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا، وأشار إلى لسانه، أو يرحم (٣)، فقوله: يعذب أو يرحم" يحتمل أنه للتنويع بمعنى يعذب ببعض ويرحم بنوع فلا يعذب به، ونقل ابن قدامة (٤) عن أحمد أن بعض النياحة لا يحرم، ويزيده (د) بيانًا قوله ﷺ : "ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية"، وهي النياحة بالويل ونحوه، ولا يكون منهم ذلك إلا سخطًا بالقضاء.

стр. 1460

٤٤٦ - وعن عمر ﵁ عن النبي ﷺ قال: "الميتُ يُعذَّبُ في قَبْرِهِ بما نِيحَ عليه" متفق عليه (١). ولهما نحوه عن المغيرة بن شعبة (٢). الحديث أخرجه أيضًا (أ) الشيخان من حديث ابن عمر (٣) بلفظ: "إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه" ولمسلم أن ابن عمر قال لحفصة: أما علمت أن رسول الله ﷺ قال: "المعول عليه يعذب في القبر" زاد ابن حبان (٤): وقالت بلى، والمعول -بضم الميم وسكون العين وكسر الواو- اسم فاعل من أعول يعول: إذا رفع صوته بالبكاء، وهو العويل، ومن شدده أخطأ. وحديث المغيرة بلفظ: "مَنْ نيحَ عليه فإنه يعَذب بمَا نيحَ عليه (ب يوم القيامة" لفظ مسلم (٥). ولفظ البخاري (٦): "من نيح عليه يعذب بما نيح عليه ب)، وأخرج البزار (٧) من حديث عائشة عن أبي بكر: سمعت

стр. 1461

رسول الله ﷺ يقول: "الميتُ ينْضَخ عليه بالحميم ببكاء الحي عليه"، وفي إسناده ابن زبالة (١)، قال البزار: لين الحديث وكذبه غيره. وأخرج (أ) أحمد (٢) من طريق موسى بن أبي موسى الأشعري عن أبيه مرفوعًا: "الميت يعذب ببكاء الحي إذا (ب) قالت الجماعة. واعضداه، وأناصراه وأكاسياه .. جبذ الميت وقيل له: أنت كذلك؟ " ولابن ماجه (٣) نحوه، ورواه الترمذي بلفظ: "ما منْ ميت يموت فيقوم (جـ) باكيهم: في الترمذي فيقون باكيه فيقول: وَاجَبَلاهْ! واسَنَدَاه! ونحوه -إلَّا ويلزمه ملكان يلهزانه أهكذا أنت؟ " (٤) ورواه الحاكم وصححه، وشاهده في الصحيحين (٥) عن النعمان بن بشير قال: أغمى على عبد الله بن رواحة، فجعلت أخته تبكي وتقول: وَاجَبَلاهْ، واكذِا، واكذ فلما أفاق قال: مَا قلْتِ شيئًا إلَّا قيلَ لي: أنْتَ كذا؟ فلما مَات لم تبكِ عليه.

стр. 1462

في الحديث دلالة على أن الميت يلحقه العذاب في القبر بسبب النياحة، وقد استشكل هذا (أالحكم جماعة من السلف والخلف حتى قال عمران بن الحصين (١) في جواب من اعترض وقال كيف يعذب ببكاء الحي؟ فقال عمران: قد قاله رسول الله ﷺ . أخرجه ابن عبد البر من طريق ابن سيرين، ومعناه أنه قد صح عن رسول الله ﷺ ، فوجب الإيمان به، وصح عن عائشة (٢) إنكار ذلك على عمر وابنه عبد الله محتجة بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزر وَازِرَة وزر أخرى﴾ (٣)، وكذلك ابن عباس، وقال بعد الإنكار على ابن عمر: ﴿وأنه هوَ أضْحَكَ وأبْكَى﴾ (٤)، وقال أبو هريرة: "تالله لئن انطلق (رجل) (ب) مجاهد في سبيل الله فاستشهد: فعمدت امرأته سفهًا وجهلا، فبكت عليه ليعذبن هذا الشهيد بذنب هذه السفيهة"؟ (٥) فتأول هذا الحديث جماعة بتأويلات أولها: قال البخاري (٦) قول النبي ﷺ : "يُعذبُ الميتُ ببعض بكاء أهله عليه. إذا كان النَّوْح من سنته (ب) لقول الله تعالى: ﴿قوا أنْفسَكم وأهلِيكم نَارًا﴾ (٧) وقال

стр. 1463

النبي ﷺ : "كلكْم رِاع مَسئولٌ عن رعيته" (١) فإذا لم يكن من سنته فهو كما قالت عائشة: ﴿ولا تزرُ وازِرَة وزرَ أخرى﴾ (٢) وهو كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ﴾ (٣) ثم اسْتَشْهدَ يقول النبِي (أ) ﷺ : "لا تقتل نفس ظلما إلَّا كان على ابن آدم الأول كفل (ب) منْ دمها، وذلك أنه أول من سن القتلَ (٤). انتهى. وأراد البخاري إثباتَ أن الإنسان قد يعذب بفعل (جـ) غيره إذا كان له فيه تسبيب فمن أثبات فهو ناظر إلى التسبيب، ومن نفى فمراده حيث لم يكن منه تسبيب، فمراده فيما نحن فيه أن الميت إذا كان من عادته النياحة بأن يكون آمرًا لغيره بأن يفعل ذلك أو فاهمًا من الغير أنه يفعل ذلك ولم ينهه فقد تسبب في ذلك، وهو تأويل حسن. ثانيها: أن المعنى أنه يعذب مقارنًا لابتداء بكاء أهله عليه، وذلك عقيب دفنه وهذا في حق من يستحق العذاب، وهو تأويل عائشة، أن الحديث ورد في حق يهودية وأخرج مسلم (٥) من حديث عائشة: إنما قال رسول الله ﷺ : "إنه ليعذب بمعصيته أو بذنبه، كان أهله ليبكون عليه الآن"، فالأول مبني على أن الحديث ورد في شخص معين، والثاني في سبب (د) معين، وفي رواية ابن عباس عن عائشة "إن الله ليزيد الكافر عذابًا ببكاء

стр. 1464

أهله عليه"، والإشكال وارد أيضًا على هذه الرواية ولا يصح الجواب، بأن البكاء لا يكون سببًا في ابتداء العذاب، ويكون سببًا في زيادته إذ لا فرق بينهما من حيث إنه عذب بذنب غيره والآية واردة عليه. ثالثها: بأنه متأول بما إذا أوصى أهله بذلك وهو أخص من جواب البخاري وقد قال به المزني وإبراهيم الحربي وجماعة من الشافعية وغيرهم حتى قال أبو الليث (١) السمرقندي: إنه قول عامة أهل العلم، وكذا نقله النووي (٢) (أ) عن الجمهور، قالوا: وكان معروفًا للقدماء الوصية به حتى قال طرفة بن العبد: إذا مت فانعيني بما أنا أهله ... وشُقي على الجيب يا ابنة (ب) معبد (٣) ويعترض هذا بأن التعذيب يكون لأجل الوصية كان لم يبكوا عليه، وظاهر الحديث أنه لا يكون التعذيب إلا عند الامتثال، ويجاب عنه بأنه ليس في الحديث حصر وإنما ذكر حالة الامتثال التي هي أغلب أحوال الوصية. رابعًا: أنه يلحقه العذاب إذا لم ينه أهله ويزجرهم عن البكاء وهو قول داود وطائفة، وذهب إليه ابن المرابط (٤) قال: لأنه إذا لم يوص بترك البكاء ويزجرهم عنه وقد علم من حالهم أنهم يفعلون ذلك، فقد قصر في ترك

стр. 1465

الإنكار فاستحق العقاب (أ) على فعله. (ب) خامسها: أنه يعذب بالأفعال التي يناح بها لأنهم يمدحونه لرئاسته التي جاد (جـ) فيها، وشجاعته التي صرفها في غير طاعة الله، وجوده الذي لم يضعه في الحق، فأهله يبكون عليه بهذه المفاخر وهي سبب لعقابه، وذهب إلي هذا ابن حزم واستقواه (د) الإسماعيلي. سادسها: أن المراد (د) بالتعذيب هو توبيخ الملائكة له إذا قيل: واعضداه ونحوه كما تقدم في حديث أبي موسى ومن قصة النعمان بن بشير. سابعها: أن المراد بالتعذيب تألم الميت بما يقع، ومن قصة النعمان أهله من النياحة وغيرها، وأن ذلك يعرض على الميت، كما أخرج الطبراني من حديث أبي هريرة أن أعمال العباد تعرض على أقربائهم من موتاهم، ثم ساقه بإسناد صحيح، ويسشتهد لهذا بحديث قيلة -بفتح القاف وسكون الياء منقوطة باثنتين من أسفل- بنت مخرمة -بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة- قالت: قلت يا رسول الله قد ولدته فقاتل معك يوم الردة ثم أصابته الحمى فمات وترك عليَّ البكاء. فقال رسول الله ﷺ : "أيغلب أحدكم أن يصاحب صويحباه في الدنيا معروفًا فإذا مات استرجع؟! فوالذي نفس محمد بيده إنَّ أحدكم ليبكي فيستعبر إليه صويحبه، فيا عباد الله لا تعذبوا موتاكم".

стр. 1466

وهذا طرف من حديث حسن الإسناد أخرجه ابن أبي خيثمة وابن أبي شيبة والطبراني وغيرهم، وأخرج أبو داود أطرافًا منه، وذهب إلى هذا أبو جعفر الطبري من المتقدمين، ورجحه ابن المرابط وعياض، ونصره ابن تيمية وجماعة من المتأخرين. قال المصنف -رحمه الله تعالى:- ويحتمل أن يجمع بين هذه التوجيهات بأنها على اختلاف الأشخاص بأن يقال مثلًا من كانت طريقته النوح فمشي أهله على طريقته أو بالغ فأوصاهم بذلك عذب بصنيعه، ومن كان ظالمًا فذكرت أفعاله الجائرة في (أ) النياحة عذب بها، ومن كان يعرف من أهله النياحة وأهمل نهيهم عنها، فإن كان راضيًا بذلك التحق (ب) بالأول، كان كان غير راض عذب بالتوبيخ كيف أهمل النهي، ومن سلم من ذلك كله واحتاط فنهى أهله عن ذلك ثم فعلوه وخالفوه كان تعذيبه مرادًا به تألمه (جـ) لما يراه منهم من مخالفة أمره، وإقدامهم على معصية ربهم. انتهى. وحكى الكرمانيّ (١) تفصيلًا آخر وحسنه، وهو التفرقة بين حال البرزخ وحال يوم القيامة، فيحمل قوله تعالى: ﴿ولا تزر وازرةٌ وزْرَ أخرى﴾ (٢) على يوم القيامة. وهذا الحديث وما أشبهه على البرزخ وأن أعمال البرزخ

стр. 1467

تلحق بأعمال الدنيا، وقد جرى التعذيب في (أ) الدنيا بذنب الغير، وإليه الإشارة (ب) بقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ (١) فإنها دالة على جواز وقوع التعذيب بالدنيا بسبب ذنب الغير. انتهى. وأقول: إن هذا هو الذي ينبغي ترجيحه، فإن الأحاديث الواردة في انتفاع الميت بعمل غيره في البرزخ متواترة من حيث المعنى وندب الله الاستغفار لمن سلف من المؤمنين: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا﴾ " (٢) (جـ) وقال نوح: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ (٣) ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ (٤) وما شرع ذلك إلا لنفعه، وإلا كان عبثًا. وأيضًا للقبر حالة يتألم بها المؤمن كما ثبت في ضمة القبر في حق سعد بن معاذ (٥)، وابنة رسول الله ﷺ (٦) وروعة نكير ومنكر، وغير ذلك مما

стр. 1468

نسأل الله تعالى الملاطفة منها برحمته، مع قوله تعالى في مواضع كثيرة من القرآن ﴿لا خوف عَلَيْهم ولا هم يَحْزنُونَ﴾ (١) وفي ذلك دلالة على أن حال البرزخ يتمم للمرء ما فاته من أعمال الخير فيه، إذا كان له سبب كما في الثلاث التي لا تنقطع من عمل ابن آدم ويجوز أن يكون ما أصاب المؤمن فيه من الامتحان مكفرًا عنه من السيئات، وزيادة في الدرجات كما في حالة الأمراض والأعراض والقحط والشدائد فإن أصابها (أ) بسبب الفساد بما كسبت أيدي الناس وهي زيادة في حسنة المؤمن، والله أعلم بحقيقة الحال ونسأله التجاوز عما لا يطابق مراده من المقال. ٤٤٧ - وعن أنس ﵁ قال: "شَهِدتُ بِنْتًا لِرَسولِ الله (ب) ﷺ تُدفَنُ، ورسول الله ﷺ جَالسٌ عندَ القبرُ، فرأيت عَيْنَيْهِ تَدمَعَانِ". رواه البخاري (٢). تمام الحديث: قال: فقال: "هلْ منْكم رَجُلٌ لَمْ يقَارف اللَّيلَة"، فقال أبو طلحة: أنا، قال (جـ): "فأنْزِل"، قال: فنزل في قبرِها. البنت هي أم كلثوم (د زوج عثمان، رواه الواقدي بالإسناد (هـ) (د) الذي

стр. 1469

(أفي البخاري أخرجه ابن سعد في الطبقات (١) في ترجمة أم كلثوم أ)، وكذا الدولابي في الذرية الطاهرة وكذا رواه الطبري والطحاوي (٢) وأخرج (ب) البخاري في التاريخ، والحاكم (٣) في المستدرك من رواية حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس أنها رقية، قال البخاري: ما أدري ما هذا؟ فإن رُقَيَّة ماتت، والنبي ﷺ ببدرٍ لَمْ يشهدها، وأغرب الخطابي فقال: هذه البنت كانت لبعض بنات النبي ﷺ فنسبت إليه. الحديث فيه دلالة على جواز البكاء بعد الموت على الميت، (وحكي عن الشافعي (٤) كراهته لحديث (جـ) الموطأ (٥): "فإذا وجبت فلا تبكين باكية" (د يعني إذا ماتت د)، وهو محمول على الأولوية، أو المراد رفع الصوت، أو ذلك مخصوص بالنساء، لأنه قد يفضي بكاؤهن إلى النياحة المنهي عنها والله أعلم (هـ). وفي تمام الحديث: " (وهل منكم رجل و) لم يقارف"، وهو بقاف

стр. 1470

وفاء، زاد ابن المبارك عن فليح أراد يعني الذنب، وذكره البخاري (١) في باب من يدخل قبر المرأة تعليقًا، ووصله الإسماعيلي (٢)، وكذا أخرجه أحمد عنه (٣)، وقيل: معناه لم يجامع تلك الليلة، وله جزم ابن حزم (٤)، وقال: معاذ الله أن يتبجح أبو طلحة عند رسول الله ﷺ بأنه (أ) لم يذنب تلك الليلة انتهى، ويقويه أن في رواية ثابت المذكورة بلفظ: "لا يدخل القبر أحد قارف أهله البارحة"، فتنحى عثمان، وحكي عن الطحاوي (٥) أنه قال: "لم أقارف" تصحيف، والصواب "لم يقاول"، أي لم ينازع غيره الكلام، لأنهم كانوا يكرهون الحديث بعد العشاء، وتعقب بأنه تغليظ للثقة بغير مستند، وكأنه استبعد أن يقع من عثمان ذلك لحرصه على موافقة المخاطر الشريف، وأجيب عنه باحتمال أن مرض المرأة طال، واحتاج عثمان إلى المواقعة، ولم يكن مجوزًا لموتها في تلك الليلة، فإن كثيرًا من المرضى يفاجئهم الموت مع ظهور قرائن العافية، وليس في الخبر ما يدل على أنه واقع بعد الموت ولا حين احتضارها، والله أعلم بحقيقة الحال. وفي هذا دلالة على صدق لهجة عثمان وتحريه مواقع الصدق وعلى اختيار من كان بعيدًا من اللذة لمثل هذه الأمور، وحكي عن (ب) ابن حبيب (٦): أن السر في ذلك أن عثمان قد كان جامع بعض جواريه في

стр. 1471

تلك الليلة، فتلطف النبي ﷺ في منعه من (أ) نزول القبر تأديبًا له. انتهى، ولعله يقال: إن في ذلك من الحكمة (ب) لما في ذلك من عدم الوفاء بما خص (جـ) به من التكريم بزواجه السيدتين الطاهرتين المطهرتين، ومن (د) حق من خص بذلك إمحاضهما بالمودة وعدم الالتفات إلى من سواهما شكر، (هـ) منه (للنعمة) (و) وهذا ما فهمته، والله أعلم، ويدل الحديث على جواز مباشرة الأجانب للمرأة في القبر بحائل الكفن وإن لم تدع إلى ذلك ضرورة وقد صرح بذلك المنصور بالله عبد الله بن حمزة. وفيه دلالة على الوقوف على شفير القبر عند الدفن. ٤٤٨ - وعن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا تدفنوا موتاكم بالليل إِلا أن تضطروا". أخرجه ابن ماجه (١) وأصله في مسلم لكن قال: "زجر أن يقبر الرجل بالليل حتّى يُصلّي عليه" (٢) وأخرج الحديث ابن حبان. وفيه دلالة على كراهة الدفن ليلًا، وظاهره الإطلاق، وقد ذهب إلى

стр. 1472

هذا الحسن البصري، وعلل بأن ملائكة (١) النهار أرأف من ملائكة الليل وروي في ذلك حديث والله أعلم بصحته. وقوله: "إلا أنْ تُضْطروا"، وذلك كمن خاف على الميت أن يتغير جسده أو من سبع أو خاف على نفسه، وذلك يقع من أسباب كثيرة. وحديث مسلم بالتقييد المذكور يشعر بأن العلة في النهي هو عدم الصلاة، ولفظ مسلم أن النبي ﷺ خطب يومًا فذكر رجلًا من أصحابه قبض وكفن في كفن غير طائل وقبر ليلًا، وزجر أن يقبر الرجل بالليل حتى يصلى عليه، إلا أن يضطر إنسان (أ) إلى ذلك، فظاهره أن النهي إنما هو حيث كان مظنة حصول التقصير في حق الميت من ترك (ب) الصلاة أو عدم إحسان الكفن، وفي قوله: "حتى يصلى عليه" هو بضم الياء وكسر اللام مسند إلى الضمير المستكن العائد إلى النبي ﷺ وهو يفهم أنه إذا كان يحصل في ترك الميت إلى النهار كثرة المصلين أو حضور من يرجى استجابة دعائه للميت حسن تأخيره، وعلى هذا فيؤخر، ولو في النهار، ولا يعجل الدفن مع ذلك، ويدل على ذلك دفن الصحابة لأبي بكر كما أخرجه البخاري (٢) عن عكانشة، لابن أبي شيبة (٣) من حديث القاسم بن محمد قال: دفن أبو بكر ليلًا، ومن حديث عبيد بن السباق (٤) أن عمر دفن أبا بكر بعد العشاء الآخرة، وصح أن عليًّا دفن فاطمة (٥) ليلًا. ٤٤٩ - وعن عبد الله بن جعفر ﵁ قال: "لما جاء بني

стр. 1473

جعفر حين قُتِلَ، قال النبي ﷺ اصنَعوا لأهلِ جعفر طعامًا، فقد أتاهم ما يشغلهم". أخرجه الخمسة إلا النسائي (١). في الحديث دلالة على شرعية إيناس أهل الميت، والقيام بما يمونهم مدة اشتغال خواطرهم، وشدة (أ) موجدتهم على ميتهم، وعلى كراهة ما يعتاد الناس من إطعام أهل الميت لغيرهم الطعام، وتحمل ثقيل (ب) الأغرام، وروي أن جابر (جـ) بن عبد الله البجلي قال: كنا نعد الاجتماع إلى (د) أهل الميت، وصنيعة (هـ) الطعام بعد دفنه من النياحة. أخرجه أحمد وابن ماجه (٢)، وكذلك (و) يحرم ما يعتاد من عقر الحيوان

стр. 1474

عند القبر لورود النهي عنه أخرج (أ) أبو داود وأحمد من حديث أنس (١) ﵁ أنّ النَّبيّ ﷺ قال: "لا عَقْر في الإسلام" قال عبد الرزّاق (٢): كانوا يعقرون عند القبر بقرة أو شاة، قال الخطابي (٣): كان أهل الجاهلية يعقرون الإبل على قبر الرَّجل الجواد (ب) يقولون: نخازيه على فعله لأنه كان يعقرها في حياته، فيطعمها الأضياف، فنحن نعقرها عند قبره حتّى تأكلها السِّباع والطير فيكون مطعمًا بعد مماته كما كان مطعمًا في حياته. قال: ومنهم من كان يذهب في ذلك إلى أنه إذا عقرت راحلة عند قبره حشر في القيامة راكبًا، ومن لم يعقر عنده (جـ) حشر راجلًا، وكان هذا على مذهب من يرى منهم المبعث بعد الموت (٤). ٤٥٠ - وعن سليمان بن بريدة عن أبيه قال: "كان رسول الله ﷺ يعلمهم إِذا خرجوا إلى المقابر: السّلام على أهل الدِّيار مِنَ المؤمنين والمسلمين وإِنا إِن شاء الله بكم للاحقون، أسأل الله لنا ولكم العافية". رواه مسلم (٥).

стр. 1475

هو سليمان بن بريدة الأسلمي (١)، روي عن أبيه وعمران بن حصين، وعنه علقمة وغيره مات سنة خمس عشرة ومائة، وبريدة بضم الباء الموحدة - مصغرًا. وأخرجه مسلم (٢) أيضًا من حديث عائشة بلفظ: قالت: كيف أقول يا رسول الله، تعني، في زيارة القبور؟ قال: "قولي: السّلام على أهل الديار .. إلخ" .. وفيه زيادة: "ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين (أ) وإنا إن شاء الله ... " وفي رواية أيضًا (ب) عنها: قالت: كان رسول الله ﷺ كلما كان ليلتها من رسول الله ﷺ يخرج من آخر اللّيل إلى البقيع، فيقول: "السّلام عليكم دار قوم مؤمنين وأتاكم ما توعدون غدًا مؤجلون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللَّهُمَّ اغفر لأهل بقيع الغرقد". في الحديث دلالة على استحباب زيارة القبور، وفي حديث عائشة (٣) خصوصًا (جـ) أنه لا كراهة في حق النِّساء، وفي ذلك خلاف للعلّماء (د)، ولأصحاب الشافعي (٤) ثلاثة أوجه أحدها التّحريم، لحديث "لعن الله زوارات (هـ) القبور" الّذي قد مر، والثاني يكره والثّالث يباح.
следующие страницы →