← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17747

البدر التمام شرح بلوغ المرام ت الزبن

الحسين بن محمد المغربي

Полный текст (4 458 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

تلك الليلة، فتلطف النبي ﷺ في منعه من (أ) نزول القبر تأديبًا له. انتهى، ولعله يقال: إن في ذلك من الحكمة (ب) لما في ذلك من عدم الوفاء بما خص (جـ) به من التكريم بزواجه السيدتين الطاهرتين المطهرتين، ومن (د) حق من خص بذلك إمحاضهما بالمودة وعدم الالتفات إلى من سواهما شكر، (هـ) منه (للنعمة) (و) وهذا ما فهمته، والله أعلم، ويدل الحديث على جواز مباشرة الأجانب للمرأة في القبر بحائل الكفن وإن لم تدع إلى ذلك ضرورة وقد صرح بذلك المنصور بالله عبد الله بن حمزة. وفيه دلالة على الوقوف على شفير القبر عند الدفن. ٤٤٨ - وعن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا تدفنوا موتاكم بالليل إِلا أن تضطروا". أخرجه ابن ماجه (١) وأصله في مسلم لكن قال: "زجر أن يقبر الرجل بالليل حتّى يُصلّي عليه" (٢) وأخرج الحديث ابن حبان. وفيه دلالة على كراهة الدفن ليلًا، وظاهره الإطلاق، وقد ذهب إلى

стр. 1472

هذا الحسن البصري، وعلل بأن ملائكة (١) النهار أرأف من ملائكة الليل وروي في ذلك حديث والله أعلم بصحته. وقوله: "إلا أنْ تُضْطروا"، وذلك كمن خاف على الميت أن يتغير جسده أو من سبع أو خاف على نفسه، وذلك يقع من أسباب كثيرة. وحديث مسلم بالتقييد المذكور يشعر بأن العلة في النهي هو عدم الصلاة، ولفظ مسلم أن النبي ﷺ خطب يومًا فذكر رجلًا من أصحابه قبض وكفن في كفن غير طائل وقبر ليلًا، وزجر أن يقبر الرجل بالليل حتى يصلى عليه، إلا أن يضطر إنسان (أ) إلى ذلك، فظاهره أن النهي إنما هو حيث كان مظنة حصول التقصير في حق الميت من ترك (ب) الصلاة أو عدم إحسان الكفن، وفي قوله: "حتى يصلى عليه" هو بضم الياء وكسر اللام مسند إلى الضمير المستكن العائد إلى النبي ﷺ وهو يفهم أنه إذا كان يحصل في ترك الميت إلى النهار كثرة المصلين أو حضور من يرجى استجابة دعائه للميت حسن تأخيره، وعلى هذا فيؤخر، ولو في النهار، ولا يعجل الدفن مع ذلك، ويدل على ذلك دفن الصحابة لأبي بكر كما أخرجه البخاري (٢) عن عكانشة، لابن أبي شيبة (٣) من حديث القاسم بن محمد قال: دفن أبو بكر ليلًا، ومن حديث عبيد بن السباق (٤) أن عمر دفن أبا بكر بعد العشاء الآخرة، وصح أن عليًّا دفن فاطمة (٥) ليلًا. ٤٤٩ - وعن عبد الله بن جعفر ﵁ قال: "لما جاء بني

стр. 1473

جعفر حين قُتِلَ، قال النبي ﷺ اصنَعوا لأهلِ جعفر طعامًا، فقد أتاهم ما يشغلهم". أخرجه الخمسة إلا النسائي (١). في الحديث دلالة على شرعية إيناس أهل الميت، والقيام بما يمونهم مدة اشتغال خواطرهم، وشدة (أ) موجدتهم على ميتهم، وعلى كراهة ما يعتاد الناس من إطعام أهل الميت لغيرهم الطعام، وتحمل ثقيل (ب) الأغرام، وروي أن جابر (جـ) بن عبد الله البجلي قال: كنا نعد الاجتماع إلى (د) أهل الميت، وصنيعة (هـ) الطعام بعد دفنه من النياحة. أخرجه أحمد وابن ماجه (٢)، وكذلك (و) يحرم ما يعتاد من عقر الحيوان

стр. 1474

عند القبر لورود النهي عنه أخرج (أ) أبو داود وأحمد من حديث أنس (١) ﵁ أنّ النَّبيّ ﷺ قال: "لا عَقْر في الإسلام" قال عبد الرزّاق (٢): كانوا يعقرون عند القبر بقرة أو شاة، قال الخطابي (٣): كان أهل الجاهلية يعقرون الإبل على قبر الرَّجل الجواد (ب) يقولون: نخازيه على فعله لأنه كان يعقرها في حياته، فيطعمها الأضياف، فنحن نعقرها عند قبره حتّى تأكلها السِّباع والطير فيكون مطعمًا بعد مماته كما كان مطعمًا في حياته. قال: ومنهم من كان يذهب في ذلك إلى أنه إذا عقرت راحلة عند قبره حشر في القيامة راكبًا، ومن لم يعقر عنده (جـ) حشر راجلًا، وكان هذا على مذهب من يرى منهم المبعث بعد الموت (٤). ٤٥٠ - وعن سليمان بن بريدة عن أبيه قال: "كان رسول الله ﷺ يعلمهم إِذا خرجوا إلى المقابر: السّلام على أهل الدِّيار مِنَ المؤمنين والمسلمين وإِنا إِن شاء الله بكم للاحقون، أسأل الله لنا ولكم العافية". رواه مسلم (٥).

стр. 1475

هو سليمان بن بريدة الأسلمي (١)، روي عن أبيه وعمران بن حصين، وعنه علقمة وغيره مات سنة خمس عشرة ومائة، وبريدة بضم الباء الموحدة - مصغرًا. وأخرجه مسلم (٢) أيضًا من حديث عائشة بلفظ: قالت: كيف أقول يا رسول الله، تعني، في زيارة القبور؟ قال: "قولي: السّلام على أهل الديار .. إلخ" .. وفيه زيادة: "ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين (أ) وإنا إن شاء الله ... " وفي رواية أيضًا (ب) عنها: قالت: كان رسول الله ﷺ كلما كان ليلتها من رسول الله ﷺ يخرج من آخر اللّيل إلى البقيع، فيقول: "السّلام عليكم دار قوم مؤمنين وأتاكم ما توعدون غدًا مؤجلون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللَّهُمَّ اغفر لأهل بقيع الغرقد". في الحديث دلالة على استحباب زيارة القبور، وفي حديث عائشة (٣) خصوصًا (جـ) أنه لا كراهة في حق النِّساء، وفي ذلك خلاف للعلّماء (د)، ولأصحاب الشافعي (٤) ثلاثة أوجه أحدها التّحريم، لحديث "لعن الله زوارات (هـ) القبور" الّذي قد مر، والثاني يكره والثّالث يباح.

стр. 1476

وقوله: "السّلام" بالتعريف والتقديم على الخبر دلالة على استواء الحال (أ) في السّلام على الأحياء والأموات، وهو خلاف ما كان عليه الجاهلية من قولهم. عليك سلام الله قيس بن عاصم ... ورحمته ما شاء أن يترحما (١) وقوله: "على أهل الديار" أراد أهل (ب) المقابر وتسميتها بالديار صحيح، إذ الدَّار (جـ) في اللُّغة تقع على الربع المسكون وعلى الخراب غير (د) المأهول. وقوله "من المؤمنين والمسلمين" من عطف بعض الصفات على بعض، والموصوف واحد، وفيه من الفائدة التنبيه، على فضيلة الوصفين اللذين استوجبوا بهما المودة والدعاء، والتقييد بالمشيئة على سبيل التبرك، امتثال قول الله تعالى: ﴿ولا تَقولَنَّ لشَيءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلكَ غَدًا إلا أن يَشَاءَ الله﴾ (٢). وقيل: المشيئة عائدة إلى مثل تلك المنزلة التي نالوها بسبب الإيمان. وفي سؤاله ﷺ العافية دلالة على أنّ العافية هي أعظم المسائل التي تفرد بالسؤال، ويهتم بشأنها، والعافية للميت هي سلامته عن ألم العقاب، وما يخشى عليه من مناقشة الحساب.

стр. 1477

وفي الرِّواية الأخرى من حديث عائشة في قوله: "وأتاكم ما توعدون" ظاهره مشكل فإن الواو لا تصلح أن تكون عاطفة؛ لأن ما قبلها هو السّلام وهو جملة إنشائية دعائية لا يصلح عطف الأخبار عليه، فهي حالية بتقدير "قد". والذي وعدوا به هو الموت وما بعده. وقوله: "غدًا مؤجلون"، لفظ مؤجلون بصيغة (أ) اسم المفعول كما هو الظّاهر وهو مرفوع خبر لمبتدأ محذوف، والمعنى: (ب) أنتم مؤجلون غدًا، والغد (جـ) هو يوم القيامة، يعني أنّ يوم القيامة لما قد أتاهم، وأن الّذي أتاهم ما (د) تقدمه من أهوال الموت وبقي التأجيل ليوم القيامة، وهي جملة حالية أيضًا حذف منه الواو الحالية لكونه قد صار في صورة المفرد (هـ) لما حذف المبتدأ، هذا ما ظهر لي في توجيهه والله أعلم. وفي دعائه لأهل بقيع الغرقد، بالمغفرة دلالة على شرعية الدُّعاء لعموم الموتى من غير اشتراط استحقاق للدعاء (و) واستثنى من كان ظالمًا من الدُّعاء. ٤٥١ - وعن ابن عبّاس ﵁ قال: مر رسول الله ﷺ بقبور المدينة، فأقبل عليهم بوجهه، فقال: "السّلام عليكم يا أهل القبور، يغفر (ز) الله لنا ولكم، وأنتم سلَفنا ونحنُ بالأثرِ" (١). رواه التّرمذيّ وقال: حسن.

стр. 1478

هذا الحدّيث قد علم ما يتعلّق به ممّا قبله. ٤٥٢ - وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "لا تَسُبُّوا الأمواتَ، فإِنّهم قد أفضوا إِلى ما قَدَّموا" رواه البخاريّ (١). وروي التّرمذيّ عن المغيرة نحوه، لكن قال: "فتؤذوا الأحياء" (٢). الحديث فيه دلالة على تحريم سب الأموات، وظاهره العموم في حق المسلم والكافر، والظاهر أنّ ذلك مخصوص بمن عدا الكافر، وبعض المؤمنين، فأمّا الكافر فيدلُّ على ذلك ما حكاه الله من قصص عاد وثمود وفرعون وأضرابهم، وأما بعض المسلمين فمخصوص بما ثبت (أ) في حق من أثنى عليه شرًّا، ومن أثنى عليه خيرًا، وقال ﷺ في ذلك: "أنتم شهداء الله" (٣) والظاهر أنّ ذلك في حق مسلم، (وقد أخرج الحاكم (٤) أنهم قالوا: كان يحب الله ورسوله ويعمل بطاعة الله، ويسعى فيها وللآخر بئس (ب) المرء كان، لقد كان فظًّا غليظًا، وهذا ظاهر أنه في حق مسلم (جـ)) (د) وقال القرطبي (٥): في (هـ) الكلام على حديث "وجبت"

стр. 1479

يحتمل أجوبة: الأوّل: أنّ الّذي كان يحدث عنه بالشر كان مستظهرًا به، فيكون من باب لا غيبة لفاسق أو كان منافقًا. ثانيهما: يحمل النهي على ما بعد الدفن، والجواز على ما قبله ليتعظ به من يسمعه. ثالثها: يكون النهي العام متأخرًا، فيكون ناسخًا وهذا مبني على أنّ العام المتأخر ناسخ للخاص المتقدم، وهي مسألة خلاف بين أهل الأصول. وقال ابن رشيد (١): إن سب الكافر يحرم إذا تأذي به الحي المسلم، وهذا التقييد كما في رواية التّرمذيّ، ويحل إذا لم يحصل به الأذية، وأما المسلم فيحرم إلا إذا دعت الضّرورة كأن يكون فيه مصلحة للميت، إذا أريد تخليصه من مظلمة وقعت منه فإنّه يحسن بل يجب، ولو اقتضى ذلك سبه، وقال ابن بطّال (٢): إن سب الميِّت كالغيبة، فإن كان معلنًا جاز، وإن كان مستترًا لم يجز. وقد روي عن عائشة (٣) ﵂ أنها كانت تلعن يزيد بن قيس الأرجي فلما قيل لها: إنّه قد مات استغفرت، وهو قد كان أرسله إليها، علي ﵁ يوم الجمل برسالة (أ) فلم ترد عليه، فبلغها أنه عاب عليها ذلك فكانت تلعنه.

стр. 1480

و (أ) قد أشار البخاري (١) إلى أنّ (ب) هو سب بعض (جـ) الأموات، بقوله (د) في التّرجمة: باب ما ينهى (هـ) من سب الأموات، فأتى بمن التي هي ظاهرة في التبعيض. وأقول: الحكم بالعموم أولى، وهو محمول على مجرد جري السب على اللسان انتقاصًا للمسبوب، وحطأ من قدره، وترفعًا بنفسه (لغير مقصد جائز) (ر)، وما ورد في القرآن فإنّما هو للاتعاظ والتحذير، أنّ يصيب السامعين مثل ما (ز) أصاب من مضى وفي التعليل بقوله: "فإنهم قد أفضوا"؛ أي وصلوا إلى ما عملوا من خير وشر دلالة على ذلك، فإن مفهومه أنه لا فائدة في مجرد إجراء ذلك على اللسان، والاشتغال بما لا يغني كمن فضول الكلام، وما فعل لمقصد صحيح فهو بخلاف ذلك. فائدة: اختلف العلماء في وصول ثواب قراءة القرآن وغيرها إلى الميِّت، فالمشهور من مذهب الشافعي ﵀ (ح وجماعة من أصحابه ح) إلى (ط أنه لا يصل، وذهب أحمد بن حنبل (٢) وجماعة من العلماء ومن أصحاب الشّافعيّ ط) إلى أنه يصل كذا ذكره النووي في الأذكار.

стр. 1481

وفي رمز الحقائق شرح الكنز أنّ للإنسان أنّ يجعل ثواب عمله لغيره صلاة كان أو صوما أو حجًّا أو صدقة أو قراءة القرآن أو ذكر (أ) إلى غير ذلك من جميع أنواع البرّ، وكذلك يصل إلى الميِّت وينفعه عند أهل السنة. وقالت المعتزلة: ليس له ذلك، ولا يصل إليه، لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إلا مَا سَعَى﴾ (١). وقال مالك والشّافعيّ (٢): يجوز ذلك في الصَّدقة والعبادة المالية وفي الحج، ولا يجوز في غيره من الطاعات كالصلاة والصوم وقراءة القرآن وغيره، ولنا ما روي: أنّ رجلًا سأل النَّبيَّ ﷺ قال: يا رسول الله إنّه كان لي أبوان أبرهما في حال حياتهما، فكيف لي ببرهما بعد موتهما؟ فقال النَّبيّ ﷺ : "إن من البرّ بعد البرّ أنّ تصلّي لهما مع صلاتك، وأن تصوم لهما مع صيامك" رواه الدارقطني (٣) وما رواه معقل بن يسار أنه قال: قال رسول الله ﷺ "اقرءوا على موتاكم سورة يس" (٤) رواه أبو داود، وحديث تضحيته عن نفسه بكبش وعن أمته بكبش متفق عليه (٥). وفي هذا إشارة منه ﷺ إلى أنّ الإنسان ينفعه (ب) عمل غيره، والآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ﴾ (٦) الآية.

стр. 1482

وقيل: الإنسان أريد به الكافر، وأما المؤمن فله ما سعى آخره وقيل: (أ) ليس له من طريق العدل، وله من طريق الفضل، وقيل: اللام بمعنى على كما في قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ اللَّعَنَةُ﴾ (١) أي: وعليهم. انتهى كلامه. قال النووي في الأذكار (٢): و (ب) الاختيار أنّ يقول القارئ بعد قراءته: اللَّهُمَّ أوصل ثواب ما قرأته إلى فلان انتهى. و (جـ) قال ابن الصلاح: أنها إهداء (د) القرآن للميت ففيه خلاف بين الفقهاء، والذي عليه عمل أكثر النَّاس تجويز ذلك وينبغي أنّ يقول إذا أراد ذلك: اللَّهُمَّ أوصل ثواب ما قرأته لفلان ولمن يريد، فيجعله دعاء، ولا يختلف في ذلك القريب والبعيد، وفي شرح المنهاج لابن البجوي: إلى الميِّت عندنا ثواب القراءة على المشهور و (هـ) المختار الوصول إذا سأل الله تعالى إيصال ثواب قراءته للميت، وينبغي الجزم به لأنه دعاء، فإذا جاز الدُّعاء للميت بما ليس للداعي فلأن يجوز بما هو له أولى، ويبقى الأمر فيه موقوفًا علي استجابة (و) الدُّعاء، وهذا المعنى لا يختص بالقراءة بل يجري في سائر الأعمال، والظاهر أنّ الدُّعاء متفق عليه أنه ينفع الميِّت والحي، القريب والبعيد، بوصية وغيرها، وعلى ذلك أحاديث كثيرة، بل كان أفضل الدُّعاء أنّ

стр. 1483

يدعو لأخيه بظهر الغيب، وأما سائر أنواع القرب فقد دلت على أكثرها أحاديث صحيحة، وظاهرها من دون وصية بل صريح في بعضها كحديث أم سعد (١) وسقايته عنها وكحديث (أ) المحرم عن أخيه شبرمة، ولم يستفصل ﷺ : وهل قد حج شبرمة؟ وهل أوصى؟ وهل هو ميت؟. وفي الإعتاق وقراءة القرآن، وفي ذلك الكثير الطيب ويقاس ما (ب) لم يردّ فيه نصّ على ما ورد، إذ الجامع موجود ولا وجه للاقتصار، والله سبحانه أعلم. (جـ عدة أحاديث كتاب الجنائز أحد وسبعون حديثًا جـ).

стр. 1484

كتاب الزكاة الزَّكاة في اللُّغة (١) بمعنى النماء، يقال: زكي الزّرع إذا نمي، وبمعنى. التطهر (أ) كقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ (٢). (ب وهي في الشّرع ب): إعطاء جُزء مالي معين من النصاب الحولي إلى فقير ونحوه، وهو غير منعكس لعدم شموله زكاة ما أَخرَجَت الأرض، فحدها حينئذٍ: إعطاء جزء مالي معين عند حصول موجبه (٣)، والمناسبة بين المعنى اللغوي والشرعي: أنَّ إخراج ذلك الجزء سبب للنماء في المال، أو (جـ) أن الأجر ينمو بسبب إخراجها، أو أنّ متعلّقها الأموال ذوات النماء كالتجارة والزراعة، وفيها طهارة للنفس من رذيلة البُخْل، وتطهير من الذنوب. وهي الركن الثّالث من أركان الإسلام التي بُنِيَ عليها، ووجوبها معلوم من الدين ضرورة، فيكفر منكرها ويحارب كما فعل الصديق ﵁، وقد تُطلق الزكاةُ على الصَّدقة الواجبة والمندوبة والنفقة والعفو والحق. واعلم أنه اختلف في أي سَنَة فُرِضَت الزَّكاة وقد ذهب الأكثر إلى أنها فُرضت بعد الهجرة، فقيل: كان في السنة الثّانية قبل فرض رمضان، أشار إليه النووي في باب السِّيَر من "الروضة"، وجزم ابن الأثير في "التاريخ"

стр. 1485

بأن ذلك كان في التّاسعة (١)، وفيه نَظرَ، فإن الزَّكاة ذُكِرَتْ في حديث ضِمَام بن ثعلبة في قوله: أنشدك آلله أمرك أن تأخذ هذه الزكاة الصَّدقة (أ) من أغنيائنا فتقسمها على فقرائنا (٢)؟، وكان قدومه في سنة خمس، وفِي حديث وَفْد عبد القيس، وفي عدة أحاديث متقدمة على ذلك التاريخ، وقوي بعضهم ما ذهب إليه ابن الأثير بما وقع في قصة ثعلبة بن حاطب المُطَوَّلَة، فإن فيها: لما أنزلت آية الصَّدقة، بعث النَّبيُّ ﷺ عاملًا، فقال: ما هذه إلا جزية أو أخت الجزية (٣)، والجزية إنّما وجبت في التّاسعة فتكون الزَّكاة في التّاسعة، لكنه حديث ضعيف لا يحتج به (٤). وذهب ابن خزيمة في صحيحه (٥) أنّ فرضها كان قبل الهجرة، واحتج بما أخرجه من حديث أم سلمة في قصة هجرتهم إلى الحبشة، وفيها أنّ جعفر بن أبي طالب قال للنجاشي في جملة ما أخبره به عن النَّبيِّ ﷺ : "ويأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام (٦) " انتهى. ولكنه يعترض عليه بأن هذا الإخبار يحتمل أن يكون في وقت متأخر،

стр. 1486

لأن جعفر بن أبي طالب أقام بالحبشة إلى سنة ست، والظاهر أنه بلغه فرضية ما ذكر لأن الأخبار كانت تتصل بهم، وقوله: "يأمرنا" بصيغة المتكلم صادق باعتبار أنه بعض الأمة المأمورين، ويدلُّ على ذلك أنّ الصلوات الخمس لم تكن فُرِضَت في وقت هجرتهم ولا صيام رمضان، فإنَّ (أ) آية الصِّيام مَدَنيَّة بلا خلاف، وهو متقدم على فرض الزَّكاة يدل عليه ما ثبت عند أحَمد وابن خزيمة أيضًا والنَّسائيُّ وابن ماجة والحاكم من حديث قيس بن سعد بن عُبَادة قال: "وأمرنا رسول الله ﷺ ، بصدقة الفطر، قبل أن تنزل الزَّكاة ثمّ نزلت فريضة الزَّكاة فلم يأمرنا ولم ينهنا، ونحن نفعله" (١). إسناده صحيح، ورجاله رجال الصّحيح، إلا أبا عمار الراوي له عن قيس بن سعد، وهو كوفي اسمه: عَرِيب -بالمهملة المفتوحة- ابن حميد، وقد وثقه أحمد وابن معين (٢). ٤٥٣ - عن (ب) ابن عبّاس ﵁ أنّ النَّبيّ ﷺ بعث معاذًا إِلى اليمن، فذكر الحديث وفيه أنّ الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترَدُّ في فقرائهم. متفق عليه واللفظ للبخاري (٣).

стр. 1487

الحديث أخرجه البخاريّ ولفطه: "إن رسول الله ﷺ لما بعث معاذًا إلى (أ) اليمن قال: إنك تَقْدُمُ على قومٍ أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله، فإذا عرفوا الله ، فأخبرهم أنّ الله قد فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم، فإذا فعلوا فأخبرهم أنَّ الله قد فرض عليهم زكاة من أموالهم وتُرَدُّ على فقرائهم، فإذا أطاعوا بها فخذ منهم وتوق كرائم أموال النَّاس". الحديث فيه دلالة علي فرضية الزَّكاة، وأنها حق واجب في المال، وفي قوله: "تؤخذ من الأغنياء" دلالة على أنّ أمر الأخذ إلى العامل من قبل الإمام أو الإمام نفسه، إذ لا خصوصية لأخذ آحاد النَّاس لها، وقد بين المراد ببعث السعاة، وخص الفقراء بالذكر؛ لأن الفقير معتبر في أكثر مصارف الزَّكاة، ولأن العامل ليس الصّرف إليه مقصودًا بالشرعية لها، وإنّما كان بالعَرْض والمؤلِّف ليس يلازم في جميع الأحوال، وإنّما هو علي فرض الحاجة إلى التأليف، ومن عداهما فالفقر معتبر فيه (١)، ولعلّه يراد بالفقير هنا من يحل الصّرف إليه، فيدخل فيه المسكين عند من يقول المسكين أعلى حالًا من الفقير، وأما من قال بالعكس أو قال بالاستواء فالأمر في ذلك واضح، وبَعْث معاذ إلى اليمن كان في سنة ثمان بعد الفتح (٢)، وأقام معاذ باليمن إلى خلافة أبي بكر الصديق ﵁. ٤٥٤ - وعن أنس ﵁ أنّ أبا بكر الصديق ﵁ كتب له "هذه فريضة الصَّدقة التي فرضها رسول الله ﷺ على

стр. 1488

المسلمين، فالتي أمر الله بها رسوله: في أربع وعشرين في (أ) الإِبل فما دونها الغنم (١) في كلّ خمس شاة، فإِذا بلغت خمسًا وعشرين إِلى خمس وثلاثين" ففيها بنت مخاض أنثى، فإِن لم يكن فابن لَبُون ذكَر، فإِذا بَلَغت ستًّا وثلاثين إِلى خمس وأربعين ففيها بنت لَبُون أنثى، فإِذا بلغَتْ ستًّا وأربعين إِلى ستين ففيها حِقة طروقه الجمل، فإِذا بلغَتْ واحدا (٢) وستين إِلى خمس وسبعين ففيها جَذعة، فإِذا بلغت ستًّا وسبعين إِلى تسعين ففيها بنتا لَبُون، فإِذا بلغت إِحدى وتسعين إِلي عشرين ومائة ففيها حِقَّتَان طَروقتا الجمل، فإِذا زادَتْ على عشرين ومائة (ب) ففي كلّ أربعينَ بنت لَبُون، وفي كلّ خمسين حِقَّة، ومنْ لم يكن معه إِلا أربعٌ من الإِبل فليسَ فيها صدقة إِلا أنّ يشاء رَبُّهَا. وفي صدقة الغنم في سائمتها إِذا كانت أربعين إِلى عشرين ومائة شاةٍ شاةٌ، فإِذا زادت على عشرين ومائة إِلى مائتين ففيها شاتان، فإِذا زادت على مائتين إِلى ثلاثمائة ففيها ثلاث شياه، فإِذا زادت على ثلاثمائة ففي كلّ مائةٍ شاة، فإِذا كانت سائمة الرَّجل ناقصة من أربعين شاة شاة فليس فيها صدقة إِلا أنّ يشاء ربها، ولا يجمع بين مفترق، ولا يُفَرّق بين مجتمع خشية الصَّدقة، وما كان من (جـ) خليطَيْن فإِنهما يتراجعان بينهما بالسوية، ولا يخرج في الصَّدقة هرمة ولا ذات عوار

стр. 1489

ولا تيس إِلا أنّ يشاء المصدق. وفي الرِّقة ربع العشر، فإِن لم يكن إِلا تسعين ومائة فليس فيها صدقة إِلا أنّ يشاء ربها، ومن بلغت عنده من الإِبل صدقة الجذعة وليس عنده جذعة وعنده حِقَّة فإِنها تقبل منه الحقة ويجعل معها شاتين إِن استيسرتا له، أو عشرين درهمًا، ومن بلغت عنده صدقة الحِقة وعنده الجذعة فإِنها تقبل منه الجذعة ويعطيه المصدق عشرين درهمًا أو شاتين". رواه البخاريّ (١). هذا الكتاب كتبه أبو بكر (أ) لأنس لما وجهه إلى البحرين عاملًا عليها (ب)، وهي اسم لإقليم مشهور (٢) يشتَمل على مدن معروفة قاعدتها "هَجَر"، وهو علم مفرد بلفظ المثنى، والنسبة إليه بحراني، وافتتح الكتاب ببِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وهو يستدل به على إثبات البسملة في أول الكتب، وعلى أنه يكفي ذلك من دون ذِكْر الحَمْد. وقوله: "هذه فريضة الصَّدقة": أي نسخة فريضة حذف المضاف للعِلْم به، فيه اسم الصَّدقة تطلق على الزَّكاة، وقد منع ذلك بعض الحنفية. وقوله: "التي فرض رسول الله ﷺ " فيه دلالة على أنّ الحديث مرفوع غير موقوف، ومعني "فرض" أوجب أو شَرَع، والمعنى أنه فعل ذلك بأمر الله له، وقيل معناه: قَدَّرَه لأن وجوب الزَّكاة بنصّ القرآن،

стр. 1490

وتقدير النَّبيِّ ﷺ لبيان الأنواع والأجناس والقَدْر الخرج بيان لما أجمل في القرآن. ومعنى الفَرْض في الأصل: قَطْع الشيء الصُّلْب، ثم استعمل في التقدير لكونه مقتطعًا من الشيء الّذي يقدر منه، وقد يَرِدُ بمعنى البيان كقوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ (١)، وبمعنى الإنزال كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾ (٢) أي أَنْزَلَ، وبمعنى الحل كقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ (٣)، ومعنى التقدير لازم في ذلك جميعه، وقال الراغب (٤): كلّ شيء ورد في القرآن فرض على فلان فهو بمعنى الإلزام (٥) وما عدي باللام فهو بمعنى لم يحرم عليه، وذكر أنّ الإلزام معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾ أي: أَوْجَبَ عليك العمل، وهذا يؤيد قول الجمهور أنّ الفرض مرادف للوجوب (٦). وفي قوله "على المسلمين": استدل به علي أنّ الكافر ليس مخاطبًا بذلك، ويُرد بأن (أ) المراد بذلك كونها لا تصح منه، لا أنه لا يُعَاقَب عليها

стр. 1491

وهو محل النزاع. وقوله: "والتي أمر الله بها رسوله" وقع هكذا في كثير من نسخ البخاريّ، ووقع في بعضٍ منها بحذف "بها"، وفي لفظ البخاريّ زيادة "فَمَنْ سُئِلها على وجهها فليُعْطها، ومن سئل فوقها فلا يعطه" (١) أي من سئل عَليّ هذه الكيفية المثبتة في هذا الحديث فليعطها العامل، ومن سئل أكثر منها فلا يعطى العامل، وذلك لأن حق العامل أنّ يكون أمينًا، والسائل للزائد قد خان، وفي هذا دلالة على أنّ ولاية القبض إلى العامل إلا أنه إذا خان لم يجب على رب المال التسليم إليه فيتولى إخراجه (أ)، وهذا ظاهر في أنه طلب الزيادة من غير تأويل له في أخذها، فأمّا (ب) مع التّأويل فلا يفهم منه المنع، فلا يعارضه ما أخرجه مسلم من حديث جرير مرفوعًا: "أرضوا مصدقيكم" (٢) قاله مجيبًا لمن قال له من الإعراب: إن ناسًا من المصدقين يأتوننا فيظلموننا، وأخرج أبو داود عن جابر بن عُتَيك مرفوعًا: "سيأتيكم ركب (٣) مبغضون، فإذا أتوكم فرحبوا بهم وخلوا بينهم وبين ما يبتغون، فإن عدلوا فلأنفسهم، وإن ظلموا فعليها، وأرضوهم فإن تمام زكاتكم رضاهم، وليدعوا لكم" (٤). وعند الطَّبرانيُّ في الأوسط من حديث سعد بن أبي وقّاص مرفوعًا: "ادفعوا إليهم ما

стр. 1492

صَلَّوا الخَمْس" (١). وعند أحمد والحارث وابن (٢) وهب من حديث أنس قال: "أتى رجل من بني تميم فقال: يا رسول الله: إذا أديتُ الزكاةَ إلى رسولك فقد برئت منها إلى الله ورسوله؟ قال: نعم ولك أجرها، وإثمها على من بدلها" (٣). فهو محمول على أنّ العامل له تأويل في أخذ ذلك، أو مع خشية وقوع منكر أعظم من ذلك، والله أعلم. وقوله: "في أربع وعشرين من الإِبل فما دونها" خبر مقدم، و"الغنم" مبتدأ مؤخر، وقَدَّم الخبر هنا لأن الغرض بيان المقادير التي يجب فيها الزَّكاة، والزكاة إنّما تجب بعد وجود النصاب فَحَسُنَ التقديم، وفي رواية الأكثر بزيادة "منْ" في "الغنم"، وفي توجيه إعرابه خفاء، ووجهه أنّ المبتدأ محذوف، والتقدير الزَّكاة في أربع وعشرين، حذف المبتدأ وبقي متعلّقه دالا عليه لقرينة المقام، و "من الغنم" بيان للزكاة. وقوله: "في كلّ خمس شاة" الجملة خبر المبتدأ الأوّل، والعائد مستغني عنه لاتحاد جزء الخبر وهو "شاة" بالمبتدأ وهو "الزَّكاة"، وظاهره أنّ هذا هو (٤) الواجب متعين فلا يجزئ إخراج بنت مخاض عن أربع وعشرين، وهو قول مالك وأحمد، وقال الشّافعيّ والجمهور يجزئه (٥)

стр. 1493

لأنه يجزئ عن خمس وعشرين. فما دونها أولى، ولأن (أ) الأصل أنّ يجب من جِنْس المال، وإنّما عدل عثه رفقًا بالمالك، فإذا أحبَّ الأصل أجزأه، فإن (ب) كانت قيمة البعير مثلًا دون قيمة أربع شياه ففيه خلاف عند الشّافعيّة وغيرهم، والأقيس أنه لا يجزئ. وفي قوله: "في أربع وعشرين ونحوه" يدلُّ على أنّ الوَقَص (١) متعلّق به الوجوب، وهو قول للشافعي في البويطي (جـ)، وبه قال محمّد وزفر، وذهب أبو حنيفة، وهو على أصل مذهب الهادي، وقول للشافعي أنه لا يتعلّق به الوجوب، (د وسيأتي قريبًا حديث معاذ أنه لا يتعلّق بها الوجوب د). وفائدة الخلاف: لو تلفت واحدة من ستِّ إبل بعد أن حال الحول قبل إمكان الأداء فإنّه تجب واحدة كاملة على القول بعدم تعلّق الوجوب بها، وعلى القول الثّاني تجب خمسة أسداس، وهذا بناء على أنّ إمكان الأداء شرط في الضمان لا في الوجوب. وقوله: "فإِذا بلغت خمسًا وعشرين" إلخ: ذهب إلى هذا الجمهور، وقد رُوِيَ عن عليٍّ ﵁ أنه يجب في الخمس (هـ) والعشرين خمس شياه، فإذا (و) صارت ستًّا وعشرين كان فيها بنت مخاض أخرجه

стр. 1494

ابن أبي شيبة وغيره (أموقوفًا ومرفوعًا أ) والبيهقي أخرج الموقوف (١) (ب)، وإسناد المرفوع ضعيف (٢). وأخرج المرفوع ابن جُرَيج وصححه (٢). وقوله: "إِلى ستٍّ وثلاثين" ظاهره أنه لا يجب شيء في الوقص (٣) خلافًا للحنفية، فقالت: يستأنف الفريضة فيجب في كلّ خمس من الإبل شاة مضافة إلى بنت الخاض. وقوله: "بنت مخاض أنثى" زاد حماد بن سلمة في روايته: "فإن لم يكن بنت مخاض فابن لبون ذكر"، ولفظ "أنثى" و "ذكر" للتأكيد، أو لتنبيه رب المال ليطيب نفسًا بالزيادة، وقيل احترز بذلك عن الخنثى وفيه بُعْد (جـ). ولفظ "إِلى" في قوله: "إِلي خمس وثلاثين" ونحوها داخل ما بعدها في حكم ما قبلها لقرينة ما بعده (د).

стр. 1495

وقوله: "إِذا بلغت يعني ستًّا وأربعين" (أ) بزيادة يعني وزادها البخاريّ للتنبيه على أنه مزيد، أو شك أحد رواته فيه، فلم يجزم بأنها من لفظ الحديث. وقوله: "فإِذا زادت على عشرين ومائة" أي واحدة فصاعدًا ففي كلّ أربعين بنت لَبُون، وفي كلّ خمسين حقَّة، ذهب إلى هذا الجمهور من أهل الحجاز والقاسم في "الأحكام" (١) فيجب حينئذ في مائة وإحدى وعشرين ثلاث بنات لبون، وذهب ابن مسعود والنخعي وحماد والمؤيد وأبو طالب وأبو العباس (٢) إلى أنّ الفريضة تستأنف إذا زادت واحدة على مائة وعشرين فيجب في الخمس شاة، وعلى ما تقدّم (ب يعني في كلّ خمس شاة إلى خمس وعشرين ب) لقوله ﷺ : "وما زاد على ذلك (جـ) استؤنفت الفريضة" (٣) أخرجه التّرمذيّ (د)، والعمل به أرجح لأنه موجب للزكاة، "وفي حديث أنس إسقاط لزكاة ما زاد (هـ) على ذلك حتّى يبلغ الزائد (٤)

стр. 1496

أربعين أو خمسين، والموجب إذا عارضه مسقط فهو راجح (أ)، وذهب أبو حنيفة إلى مثل القول الثاني إلى مائة وخمس وأربعين ثمّ فيما زاد روايتان كالقول الثاني وكالقول الأوّل، وذهب مالك إلى أنَّ في إحدى وعشرين ومائة ثلاث بنات لبون إلى ثلاثين ومائة، وفيها ابنتا لبون وحقة كالقول الأوّل لخبر سالم بن عبد الله بن عمر عن نسخة الكتاب الّذي كتبه رسول الله ﷺ في الصَّدقة وكان عند آل عمر (١) وانتسخه منهم عمر بن عبد العزيز، أخرجه أبو داود (٢)، ولا يخفى عليك أنّ الأرجح هو الأوّل لأن ذلك ممّا أخرجه البخاريّ، وعمل به أبو بكر الصديق في أيّام وفرة (ب) الصّحابة واجتماعهم، وهذا جهة ترجيح. وفي قوله: "إِلا أنّ يشاء ربها" المعنى في ذلك أنه ليس على صاحبها صدقة واجبة مع إيكاله إلى مشيئته، فليست من الصَّدقة الواجبة، لأن الواجب ليس واقعًا على الاختيار والمشيئة، فيكون ذلك استثناء منقطعًا لأن الصَّدقة المسوق التفصيل فيها هي الواجبة، ولعلّ ذِكْر ذلك لدفع وهم ينشأ من قوله: "فليس فيها صدقة" أنّ المنفي مطلَق الصَّدقة لاحتمال اللّفظ له، وإن كان غير مقصود. وقوله: "فإِذا زادت على ثلاثمائة ففي كلّ مائة شاة" مقتضاه أنه لا تجب الشاة الرّابعة حتّى تفي أربعمائة، وهذا قول الجمهور، قالوا: وفائدة ذكر الثلاثمائة لبيان النصاب الّذي بعده لكون ما قبله مختلفًا فيه، وعن

стр. 1497

بعض الكوفيين كالحسن بن صالح، ورواية عن أحمد: إذا زادت عن الثلاثمائة واحدة وجب الأربع. وقوله: "لا (أ) يجمع بين مفترق"، وفي لفظ "متفرق" الجمع بين المفترق قال مالك في "الموطَّأ": معناه أنّ يكون ثلاثة لكل واحد منهم أربعون شاة يجب على كلّ واحد منهم الزَّكاة فيجمعونها حتّى لا تجب عليهم كلهم إلا شاة (١) انتهى. والتفريق بين المجتمع أنّ الخليطين يكون لكل واحد منهما مائة شاة (ب وإحدى وعشرون ب) شاة (٢) فيكون عليهما فيها ثلاث شياه، فإذا طلبهما المصدق فرقا غنمهما فلم يكن على كلّ واحد منهما إلا شاة واحدة، فنهوا عن ذلك (٣). قال ابن الأثير (٤): فهذا الذي سمعتُ في ذلك، وقال الخطابي: قال الشّافعيّ (٥): الخِطَاب في هذا للمصدق ولرب المال، قال: والخشية خشيتان، خشية الساعي أن تقل الصَّدقة، وخشية رب المال أنّ يقل ماله، فأمر كلّ واحد منهما أنّ لا يحدث في المال شيئًا من الجمع والتفرقة خشية الصَّدقة.

стр. 1498

وقوله: "وما كان من خليطين" إلخ: اختلف في تفسير الخليط فعند أبي حنيفة والعترة (١) ومالك هما الشريكان ولا يجب عليهما إلا إذا كان ملك كلّ واحد منهما نصابًا، وفي البخاريّ تعليقًا (٢) ما لفظه وقال سفيان: "لا يجب عليه حتّى يتم لهذا أربعون شاةً ولهذا أربعون شاةً"، ورد هذا ابن جرير بأنه إذا كان لا يجب في حال الاجتماع إلا ما يجب في حال الانفراد تَخَلَّوا. فائدة بيان هذا الحكم بقوله "وما كان من خليطين" إلخ، وأن المتبادر أنّ الواجب حينئذٍ غير ما يجب على تقدير (أ) الانفراد، وقال الشافعي وأحمد وأصحاب الحديث: إن الخليط هو المجتمع ماشيتهما في المسرح (ب) والمبيت والحوض والفحل فيجب الزَّكاة فيها (٣)، ولو كان مال أحدهما دون النصاب (جـ) ويؤيد ذلك ما في "جامع سفيان الثّوريّ" عن نافع عن عبد الله بن عمر عن عمر: "ما كان من خليطين فإنهما يتراجعان" (٤).

стр. 1499

قلت: ما معنى الخليطين؟ قال: إذا كان المراح والراعي واحدًا، والدلو واحدًا، وهذا هو الظّاهر من الحديث ولا مدفع له، ولا ينافيه (أ) حديث: "ليس فيما دون خمس ذَوْد صدقة" (١) ونحوه، فإن اعتبار النصاب حاصل، ولكن في هذا الحديث دلالة على أنَّ النِّصَاب في هذه الحال لا يشترط أنّ تكون لمالك واحد، واعتذر بعضهم عن الحنفية بأن هذا الحديث لم يبلغهم (٢) والله أعلم. ومعنى قوله: "يتراجعان بالسوية" هو أنه لو كان لواحد مثلًا عشرون متميزة ولآخر مثلها فأخذ المصدق واحدة من مال أحد (ب) الشريكَيْن فإنّه يرجع على خليطه بقيمة نصف شاة، وعلى هذا القياس. وقوله: "ولا يخرج في الصَّدقة هَرِمةً" بفتح الهاء وكسر الراء: الكبيرة التي سقطت أسنانها (٣). وقوله: "ولا ذات عوار" (٤) بفتح العين المهملة، و (جـ) بضمها وقيل

стр. 1500

بالفتح للعين المهملة أي: معيبة العين، وبضمها عور العين. واختلف في تحقيق القَدْر الذي يمنع إخراجها، والأكثر على أنه ما ثبت به الرَّدّ في البيع، وقيل ما يمنع الإخراج في الأضحية، ويدخل في العيب المرض، وكذا الذكورة بالنسبة للأنوثة، والصغير سنًّا بالنسبة إلى ما هو أكبر منه. وقوله: "إِلا أن يشاء المصدق" اختلف في ضبطه، والأكثر على أنه بالتشديد، وأصله المتصدق فأدغمت التاء بعد قلبها صادًا، والمراد به المالك، وهو اختيار أبي عُبَيدة، والاستثناء راجع إلى الآخر وهو التيس، وذلك أنه إذا لم يكن مُعدًا للإنزاء فهو من الخيار، وللمالك أن يخرج الأفضل، ويحتمل عَوْده إلى الجميع، ويفهم منه أنّ للمالك إذا رأى الصلاح في إخراج الهرمة أو ذات العوار (أبأن تكون سمينة قيمتها أكثر من الوسط الواجب إخراجها، وقد قال بهذا أ) بعض المفرعين على أصل الهادي، وبعضهم قال: لا يخرجها وإن زادت قيمتها فيتعين الاستثناء إلى الأخير، ومنهم من ضبطه بالتخفيف، والمراد به الساعي، فيدلُّ على أنّ له الاجتهاد ونظر الأصلح للفقراء، وأنه كالوكيل لهم فتقيد مشيئته بالمصلحة، وهذا قول الشّافعيّ في البويطي، فيعود الاستثناء إلى الجميع كما هو الواجب في مثله، ولفظ الشافعي (١): ولا يؤخذ ذات عور ولا تيس ولا هرمة إلا أنّ يرى المصدق أنّ ذلك أفضل للمساكين فيأخذه على النظر، انتهى، وهذا إذا كانت الغنم مختلفة، فلو كانت معيبة أو تيوسًا أجزأه أن يخرج واحدة منها، وعن المالكية يلزمه أنّ يشتري شاة مجزئة

стр. 1501

تمسكًا بظاهر الحديث، وفي رواية عنهم كالأول. وقوله: "وفي الرِّقَة" هي بكسر الراء وتخفيف القاف هي الفضة الخالصة سواء كانت مضروبة أولًا، وقيل أصلها وَرِق فحذفت الواو وعوضت الهاء (١) وأطلق على الجميع بخلاف الورق (٢)، وقد قيل إن هذا الدّليل إنّما ورد في زكاة الفضة، والذهب مقيس عليها مقوم بالفضة، وهذا قول الزُّهْرِيّ، وخالفه الجمهور، وسيأتي في حديث علي ﵁ النص على الذهب أيضًا. وقوله "وإِن لم (أ) أي الرقة - إِلا تسعين ومائة" يوهم أنها زادت على التسعين ومائة قبل بلوغ المائتين (٣) أنّ فيها صدقة، وليس كذلك، وإنّما ذكر التسعين لأنه آخر عقد قبل المائة، والحِسَاب إذا جاوز الآحاد كان تركيبه العقود كالعشرات. والمئين والألوف، فذكر التسعين لذلك. وقوله: "إِلا أنّ تتطوع" يعني متبرعًا. وقوله: "فإِنها تقْبل منه الحقّة ويجعل معها شاتين إِن استيسرتا أو عشرين درهمًا" إلخ: فيه دلالَة على أنّ ذلك القَدْر هو جبر التفاوت ما بين السنين المذكورين، وفي العكس كذلك، وكذلك الحُكْم في سائر الأسنان، وقد ذهب إلى هذا الشافعي فقال، التفاوت بين كلّ سنين كما ذكر في الحديث، وذهبت الهادوية إلى أنّ الواجب إنّما هو زيادة فضل القيمة من رب المال، أو رد الفضل من المصدق، ويرجع في ذلك إلى

стр. 1502

التقويم، قالوا: بدليل أنه قد ورد في رواية: عشرة دراهم أو شاة ما ذلك إلا لأن التقويم يختلف باختلاف الزّمان والمكان فور ما ذكرنا بالتقويم ما بينهما فيجب الرجوع إلى التقويم في ذلك، وقد أشار إلى مثل هذا البخاريّ (١) فإنّه أورد حديث أبي بكر في باب أخذ العَرْض (٢) في الزَّكاة، وذكر في ذلك قول معاذ لأهل اليمن: "إيتوني بعرض ثياب خميص أو لبيس في الصَّدقة مكان الشعير والذرة أهون عليكم وخير لأصحاب النَّبيِّ ﷺ بالمدينة (٣)، ورد الجمهور ذلك بأنه لو كان القصد ما ذكرتم لم ننظر إلى ما بين السّنّيْن في القيمة، وتقدير القيمة يزيد تارة وينقص أخرى في الأمكنة والأزمنة، وما ذكره الشارع ظاهر في أنّ ذلك لا يزيد ولا ينقص، قال الخطابي (٤): يشبه أنّ يكون الشارع جعل الشاتَيْن والعشرين درهمًا تقديرًا في الجبران لئلا يكل الأمر إلى اجتهاد الساعي لأنه يأخذها على المياه (أ) حيث لا حاكم ولا مقوم غالبًا، وضبطه بقياس يرفع التنازع كالصاع في المُصَرَّاة والغرة في الجنين، والله أعلم. وذهب زيد بن عليّ إلى أنّ ما بين كلّ سنَّين شاة أو عشرة دراهم، وذهب أبو حنيفة إلى أنه إذا تعذر الواجب رجعَ إلى القيمة فقط. فائدة: بنت المَخَاض من الإبل وابن المَخَاض -بفتح الميم والمعجمة المخففة وآخره معجمة-: ما استكمل السَّنَة الأولى ودخل في الثّانية إلى

стр. 1503

آخرها، سمي بذلك لأن أمه من المَخَاض أي الحوامل، و "المخاض" اسم للحوامل لا واحد له من لفظه. وبنت اللَّبون وابن اللَّبُون: "ما استكمل السنة الثّانية ودخل في الثّالثة إلى تمامها، سمى بذلك لأن أمه ذات لَبَن. والحقَّة والحِقّ بكسر الحاء وتشديد القاف، والجمع الحِقَاق بالكسر والتخفيف. وطَروقة الفحل: -بفتح أوله- أي: مطروقة، وهي فعولة بمعنى مفعولة كحَلُوبَة بمعنى مَحْلُوبة، وذلك ما استكمل السنة الثّالثة ودخل في الرّابعة إلى تمامها، سمي بذلك لاستحقاقه أنّ يحمل عليه أو تركبه الفحل، ولذلك قيل طَرُوقة الفحل أي يطرقها. والجَذَعَة والجَذَع -بفتح الجيم والذال-: ما استكمل الرّابعة ودخل في الخامسة إلى آخرها. والثني من الإبل: ما دخل في السّادسة وألقى ثنيته فإذا دخل في السابعة فربع، وفي الثامنة سدس، وفي التّاسعة بازل، وفي العاشرة مُخْلِف بضم الميم والخاء المعجمة الساكنة وكسر اللام. ٤٤٥ - وعن معاذ بن جبل ﵁ أنّ النَّبيَّ ﷺ بعثه إِلى اليمن فأمره أنّ يأخذ من كل ثلاثين بقرة تبيعًا أو تبيعة، ومِنْ كُلّ أربعين مسنة، ومن كلِّ حالم دينارًا أو عدله معافر. رواه الخمسة واللفظ لأحمد، وحسنه التّرمذيّ وأشار إلى اختلاف في وصله، وصححه ابن حبّان والحاكم (١).

стр. 1504

حديث معاذ أخرجه أبو داود والنَّسائيُّ عن أبي وائل عن معاذ، وأخرجه باقي أصحاب السنن وابن حبّان والدارقطني والحاكم من رواية أبي وائل عن مسروق عنه، ورجح الترمذي (١) والدارقطني في العلل الرِّواية المرسلة، وقد اعترضت رواية الاتصال بأن مسروقًا لم يلق معاذًا كذا قال ابن عبد الحق (٢)، وأجيب عنه بأن ابن عبد البر (٣) قال: إن الإسناد متصل، وذلك لأن مسروقًا همداني النسب من وادعة يماني الدَّار (٤) وقد كان في أيّام معاذ باليمن واللقاء ممكن بينهما، فهو محكوم له بالاتصال على رأي الجمهور، وقد أخرجه مالك عن طاوس عن معاذ (٥)، وقد قال الشّافعيّ: إن طاوسًا عالم بأمر معاذ وإن لم يلقه لكثرة من لقيه ممّن أدرك معاذًا، وهذا ممّا لا أعلم مَنْ أحد فيه خلافًا (٦)، انتهى. وقد رواه الدارقطني من طريق طاوس عن ابن عبّاس (٧) وهو موصول، إلا أنّ في طريقه المسعودي وقد اختلط (٨)، وتفرد بوصله عنه بقية بن الوليد (٩)، وقال ابن عبد الحق (١٠) ليس في زكاة البقر حديث متفق على صحته، يعني في النصب، وقال ابن جرير الطّبريّ (١١): صح الإجماع المتيقن المقطوع به الذي لا اختلاف

стр. 1505

فيه أنّ في كلِّ خمسين بقرة بقرةً، فوجب الأخذ بهذا وما دون ذلك مختَلَفٌ فيه، ولا نصَّ في إيجابه، وتعقبه صاحب "الإمام" (١) بحديث عمرو بن حزم الطَّويل في الديات وغيرها، فإن فيه: "في كلّ ثلاثين باقورة (٢) تبيع جذع أو جذعة، وفي كلّ أربعين باقورة بقرة" (٣)، وقال ابن عبد البرّ في "الاستذكار" (٤): لا خلاف بين العلماء أنّ السنة في زكاة البقر على ما في حديث معاذ هذا، وأنه النصاب مُجْمَع عليه فيها. والحديث فيه دلالة على وجوب الزَّكاة في البقر، وهو مُجْمَعٌ عليه. وفي قوله: "من كلّ ثلاثين بقرة" إلخ: دلالة على أنه لا يجب شيء فيما دون الثلاثين، وهو قول العترة (٥) والفقهاء، وروى في ذلك عن ابن مسعود أنه قال ﷺ : "ليس فيما دون ثلاثين من البقر شيء" ذكره في الشفاء (٦)، وهو متأيد بمفهوم العدد في حديث معاذ، والخلاف في ذلك للزهري (٧) فقال: يجب في الخمس شاة كالإبل، وأجيب بأن النصب لا تثبت بالقياس، سَلَّمْنَا فالنصُّ مانع (٨).

стр. 1506

وفي قوله: "تَبيع أو تَبيعَة" فيه دليل على التخيير في ذلك، وفي المسنة ظاهره أنه لا (أ) يجزئ المسن، وهو كذلك لأن النصَّ ورد به (ب) إلا أنه أخرج الطَّبرانيُّ عن ابن عبّاس مرفوعًا "ليس في البقر العوامل صدقة" (١)، لكن في ثلاثين تبيع أو تبيعة، وفي كلّ أربعين مسنة أو مسنًا" (جـ) وصرح بذكر المسن صاحب "المحيط" وصاحب "مصباح الشّريعة" (د)، ولا شيء في الأوقاص لما روي أنّ معاذًا لما أتى بما دون النصب فيها فأبى أنّ يأخذ منه شيئًا وقال: "لم نسمع فيه من النَّبيِّ ﷺ شيئًا حتّى ألقاه"، فتوفى رسول الله ﷺ قبل أنّ يقدم معاذ، أخرجه مالك في الموطأ (٢) وهو الصّحيح، وإن كان البزار قد روي أنّ معاذًا لما قدم من اليمن سأل النَّبيَّ ﷺ عن الأوقاص، فقال: "ليس فيها شيء" (٣). وعن أبي حنيفة أنّ فيما بين الأربعين والستين يجب ربع مسنة، وفي "ملتقى الأبحر" عن أبي حنيفة: أنه يجب في ذلك. قسطة من المسنة، والجواب عنه الحديث. وفي (هـ) قوله: "وعن كلّ حَالِم" يعني محتلم، هكذا أخرجه أبو

стр. 1507

داود مفسرًا في رواية، "أو عدله (*) من المعافر" هي ثياب تكون باليمن (١)، هذا لفظ أبي داود من رواية أبي وائل عن معاذ (٢)، وفي رواية مسروق عنه من دون تفسير فيهما (٣)، والمراد به الجزية ممّن لم يسلم، كما يدلُّ عليه سياق الحديث. والمعافر (٤): بالعين المهملة حيٌّ من همدان، لا ينصرف في معروف ولا نكرة لأنه جاء على مثال ما لا ينصرف من الجمع، وإليهم تنسب (أ) الثِّياب المعافرية، يقولون "ثوب معافري". وفي قوله "وأشار إِلى اختلاف في وصلة": هو كما عرفت، من عدم لقاء طاووس ومسروق لمعاذ، فهو غير موصول، وبروايته عن ابن عبّاس يكون موصولًا، والله أعلم. ٤٥٦ - وعن عمرو بن شُعَيْب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : "تؤخذ صدقات المسلمين على مياههم" رواه أحمد (٥). ولأبي داود: "ولا تؤخذ صدقاتهم إِلا في دورهم" (٦). في الحديث دلالة على أنّ المصدق هو الذي يأتي إلى رَبِّ المال، فيأخذ صدقته من المحل الّذي يكون فيه المال، ورواية أحمد خاصّة بالأنعام، ورواية أبي داود عامة لجميع الصدقات.

стр. 1508

وحديث عَمرو بن شعيب في رواية أبي داود والنَّسائيِّ بلفظ: "لا جلب ولا جنب، ولا تؤخذ صدقاتهم إلا في دورهم" (١). قال ابن إسحاق: معنى "لا جلب": أن تصدق الماشية في موضعها، ولا تجلب إلى المصدق، ومعنى "لا جنب": أنّ يكون المصدق بأقصى مواضع أصحاب الصَّدقة فيجنب إليه، فَنُهوا عن ذلك. وفسره مالك (٢) بالسباق في خيل الحلبة فقال: معنى "الجلب" أنّ يجلب الفرس في السباق فيحرك وراءه الشيء يستحث به فيسبق، و"الجنب" أن يجنب مع الفرس الذي سابق به فرسًا آخر حتّى إذا دنا تحول الراكب على الفرس المجنوب فيسبق، ويدلُّ على هذا التفسير أنّ في رواية عمران بن حصين: "لا جلب ولا جنب في الرهان" (٣)، وهذا التفسير أقرب لأنه على الوجه الأوّل يكون من عطف العام على الخاص، وهو وإن كان له من وجه فهو بعيد لخفاء النكتة المقتضية للإجناب، والله أعلم. ٤٥٧ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة". رواه البخاريّ، ولمسلم: "ليس في العبد إِلّا صدقة الفِطْر" (٤). في الحديث دلالة على عدم وجوب الصَّدقة في العَبْد والفَرس، وهو مجمع عليه في العبد المُعَدّ للخدمة، والفرس المعدة للرُّكوب، وأما الخيل المعدة للنتاج فالخلاف فيها لأبي حنيفة وزفر إذا كانت لغير الغزو وكانت

стр. 1509

إناثًا وذكورًا سائمة، وفي الإناث المنفردة روايتان (١) أيضًا، الأصح عدم الوجوب لعدم التناسل بخلاف السوائم الثلاث فإن ذكورها وإن لم يكن فيها التناسل إلا أنه يحصل فيها نمو بالسمن للأكل، بخلاف الخيل عند أبي حنيفة، فهي لا تحل عنده، والقائل بحلها أبو يوسف ومحمد، وهما لا يوجبان الزَّكاة، وهذا هو الأصح من مذهب أبي حنيفة (٢)، وإن روي في القدوريّ اشتراط اختلاطها بالذكور والإناث، والواجب في عينها، ويؤخذ من قيمتها (أ) أربعون دينارًا كما كان في عصرهم، واحتج أبو حنيفة بقوله ﵊ "في كلّ فرس سائمة دينار أو عشرة دراهم" أخرجه الدارقطني والبيهقي وضعفاه والخطيب عن جابر (٣)، وتأول حديث أبي هريرة بأن المراد بالفرس التي لا صدقة فيها هي المعدة للرُّكوب، وهي لا يجب فيها بالإجماع، قال: بقرينة اقترانها بالعبد المعد للخدمة، بدليل استثناء صدقة الفطر في حقه، وأجاب الجمهور بضعف الحديث الذي احتج به وقوة حديث النفي، فلا يعارضه ولو كان عمومًا، وله أن يجيب بأن الحديث متأيد بما روي أنّ عمر ﵁ كتب إلى أبي عُبَيْدة يأمره أنّ يأخذ من الخيل السائمة من كلّ فَرَس دينارًا أو عشرة

стр. 1510

دراهم، ووقعت هذه الحادثة في زمن مروان فشاور الصّحابة في ذلك فروى أبو هريرة الحديث: "ليس على الرَّجُل في عبده ولا فرسه صدقة" (١)، فقال مروان لزيد بن ثابث: ما تقول يا أبا سعيد؟ فقال أبو هريرة: عجبًا من مروان أحدثه بحديث رسول الله ﷺ وهو يقول: ما تقول يا أبا سعيد؟ فقال زيد: صدق رسول الله، ﷺ ، إنّما أراد به فرس الغازي (٢)، فأمّا من تاجر يطلب نسلها ففيها الصَّدقة، فقال: كم؟ قال: في كلّ فرس دينار أو عشرة دراهم. فهذا يدلُّ على شيوع ذلك في أيّام الصّحابة، وعلى صحة تأويل أبي حنيفة لحديث أبي هريرة. واعلم أنّ ظاهر هذا الاحتجاج أنه يجب في الفرس ولو كانت واحدة، وأنه لا يشترط منها أنّ يبلغ إلى أربعين، ولعلّ اعتبار الأربعين إنّما هو لإخراج واحدة منها (واعلم أيضًا أنّ أبا حنيفة يقول: إنّه لا يأخذ الإمام زكاتها قهرًا لأن زكاتها لا تجب في عينها) (أ) بخلاف زكاة السائمة فإنها جزء من عينها وللإمام فيه حق الأخذ، وذهب أهلُ الظّاهر إلى العمل بظاهر حديث أبي هريرة، وأنها لا تجب الزَّكاة في الخيل ولو كانت للتجارة، وأجيب بأن زكاة التجارة واجبة بالإجماع كما نقله ابن المنذر وغيره (٣)، فهو مخصوص (ب) لعموم النفي الّذي في الحديث، والله أعلم.
следующие страницы →