← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17747

البدر التمام شرح بلوغ المرام ت الزبن

الحسين بن محمد المغربي

Полный текст (4 458 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

وفي قوله: "تَبيع أو تَبيعَة" فيه دليل على التخيير في ذلك، وفي المسنة ظاهره أنه لا (أ) يجزئ المسن، وهو كذلك لأن النصَّ ورد به (ب) إلا أنه أخرج الطَّبرانيُّ عن ابن عبّاس مرفوعًا "ليس في البقر العوامل صدقة" (١)، لكن في ثلاثين تبيع أو تبيعة، وفي كلّ أربعين مسنة أو مسنًا" (جـ) وصرح بذكر المسن صاحب "المحيط" وصاحب "مصباح الشّريعة" (د)، ولا شيء في الأوقاص لما روي أنّ معاذًا لما أتى بما دون النصب فيها فأبى أنّ يأخذ منه شيئًا وقال: "لم نسمع فيه من النَّبيِّ ﷺ شيئًا حتّى ألقاه"، فتوفى رسول الله ﷺ قبل أنّ يقدم معاذ، أخرجه مالك في الموطأ (٢) وهو الصّحيح، وإن كان البزار قد روي أنّ معاذًا لما قدم من اليمن سأل النَّبيَّ ﷺ عن الأوقاص، فقال: "ليس فيها شيء" (٣). وعن أبي حنيفة أنّ فيما بين الأربعين والستين يجب ربع مسنة، وفي "ملتقى الأبحر" عن أبي حنيفة: أنه يجب في ذلك. قسطة من المسنة، والجواب عنه الحديث. وفي (هـ) قوله: "وعن كلّ حَالِم" يعني محتلم، هكذا أخرجه أبو

стр. 1507

داود مفسرًا في رواية، "أو عدله (*) من المعافر" هي ثياب تكون باليمن (١)، هذا لفظ أبي داود من رواية أبي وائل عن معاذ (٢)، وفي رواية مسروق عنه من دون تفسير فيهما (٣)، والمراد به الجزية ممّن لم يسلم، كما يدلُّ عليه سياق الحديث. والمعافر (٤): بالعين المهملة حيٌّ من همدان، لا ينصرف في معروف ولا نكرة لأنه جاء على مثال ما لا ينصرف من الجمع، وإليهم تنسب (أ) الثِّياب المعافرية، يقولون "ثوب معافري". وفي قوله "وأشار إِلى اختلاف في وصلة": هو كما عرفت، من عدم لقاء طاووس ومسروق لمعاذ، فهو غير موصول، وبروايته عن ابن عبّاس يكون موصولًا، والله أعلم. ٤٥٦ - وعن عمرو بن شُعَيْب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : "تؤخذ صدقات المسلمين على مياههم" رواه أحمد (٥). ولأبي داود: "ولا تؤخذ صدقاتهم إِلا في دورهم" (٦). في الحديث دلالة على أنّ المصدق هو الذي يأتي إلى رَبِّ المال، فيأخذ صدقته من المحل الّذي يكون فيه المال، ورواية أحمد خاصّة بالأنعام، ورواية أبي داود عامة لجميع الصدقات.

стр. 1508

وحديث عَمرو بن شعيب في رواية أبي داود والنَّسائيِّ بلفظ: "لا جلب ولا جنب، ولا تؤخذ صدقاتهم إلا في دورهم" (١). قال ابن إسحاق: معنى "لا جلب": أن تصدق الماشية في موضعها، ولا تجلب إلى المصدق، ومعنى "لا جنب": أنّ يكون المصدق بأقصى مواضع أصحاب الصَّدقة فيجنب إليه، فَنُهوا عن ذلك. وفسره مالك (٢) بالسباق في خيل الحلبة فقال: معنى "الجلب" أنّ يجلب الفرس في السباق فيحرك وراءه الشيء يستحث به فيسبق، و"الجنب" أن يجنب مع الفرس الذي سابق به فرسًا آخر حتّى إذا دنا تحول الراكب على الفرس المجنوب فيسبق، ويدلُّ على هذا التفسير أنّ في رواية عمران بن حصين: "لا جلب ولا جنب في الرهان" (٣)، وهذا التفسير أقرب لأنه على الوجه الأوّل يكون من عطف العام على الخاص، وهو وإن كان له من وجه فهو بعيد لخفاء النكتة المقتضية للإجناب، والله أعلم. ٤٥٧ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة". رواه البخاريّ، ولمسلم: "ليس في العبد إِلّا صدقة الفِطْر" (٤). في الحديث دلالة على عدم وجوب الصَّدقة في العَبْد والفَرس، وهو مجمع عليه في العبد المُعَدّ للخدمة، والفرس المعدة للرُّكوب، وأما الخيل المعدة للنتاج فالخلاف فيها لأبي حنيفة وزفر إذا كانت لغير الغزو وكانت

стр. 1509

إناثًا وذكورًا سائمة، وفي الإناث المنفردة روايتان (١) أيضًا، الأصح عدم الوجوب لعدم التناسل بخلاف السوائم الثلاث فإن ذكورها وإن لم يكن فيها التناسل إلا أنه يحصل فيها نمو بالسمن للأكل، بخلاف الخيل عند أبي حنيفة، فهي لا تحل عنده، والقائل بحلها أبو يوسف ومحمد، وهما لا يوجبان الزَّكاة، وهذا هو الأصح من مذهب أبي حنيفة (٢)، وإن روي في القدوريّ اشتراط اختلاطها بالذكور والإناث، والواجب في عينها، ويؤخذ من قيمتها (أ) أربعون دينارًا كما كان في عصرهم، واحتج أبو حنيفة بقوله ﵊ "في كلّ فرس سائمة دينار أو عشرة دراهم" أخرجه الدارقطني والبيهقي وضعفاه والخطيب عن جابر (٣)، وتأول حديث أبي هريرة بأن المراد بالفرس التي لا صدقة فيها هي المعدة للرُّكوب، وهي لا يجب فيها بالإجماع، قال: بقرينة اقترانها بالعبد المعد للخدمة، بدليل استثناء صدقة الفطر في حقه، وأجاب الجمهور بضعف الحديث الذي احتج به وقوة حديث النفي، فلا يعارضه ولو كان عمومًا، وله أن يجيب بأن الحديث متأيد بما روي أنّ عمر ﵁ كتب إلى أبي عُبَيْدة يأمره أنّ يأخذ من الخيل السائمة من كلّ فَرَس دينارًا أو عشرة

стр. 1510

دراهم، ووقعت هذه الحادثة في زمن مروان فشاور الصّحابة في ذلك فروى أبو هريرة الحديث: "ليس على الرَّجُل في عبده ولا فرسه صدقة" (١)، فقال مروان لزيد بن ثابث: ما تقول يا أبا سعيد؟ فقال أبو هريرة: عجبًا من مروان أحدثه بحديث رسول الله ﷺ وهو يقول: ما تقول يا أبا سعيد؟ فقال زيد: صدق رسول الله، ﷺ ، إنّما أراد به فرس الغازي (٢)، فأمّا من تاجر يطلب نسلها ففيها الصَّدقة، فقال: كم؟ قال: في كلّ فرس دينار أو عشرة دراهم. فهذا يدلُّ على شيوع ذلك في أيّام الصّحابة، وعلى صحة تأويل أبي حنيفة لحديث أبي هريرة. واعلم أنّ ظاهر هذا الاحتجاج أنه يجب في الفرس ولو كانت واحدة، وأنه لا يشترط منها أنّ يبلغ إلى أربعين، ولعلّ اعتبار الأربعين إنّما هو لإخراج واحدة منها (واعلم أيضًا أنّ أبا حنيفة يقول: إنّه لا يأخذ الإمام زكاتها قهرًا لأن زكاتها لا تجب في عينها) (أ) بخلاف زكاة السائمة فإنها جزء من عينها وللإمام فيه حق الأخذ، وذهب أهلُ الظّاهر إلى العمل بظاهر حديث أبي هريرة، وأنها لا تجب الزَّكاة في الخيل ولو كانت للتجارة، وأجيب بأن زكاة التجارة واجبة بالإجماع كما نقله ابن المنذر وغيره (٣)، فهو مخصوص (ب) لعموم النفي الّذي في الحديث، والله أعلم.

стр. 1511

٤٥٨ - وعن بَهْز بن حكيم عن أبيه عن جده قال قال رسول الله ﷺ : "في كلّ سائمة إِبل في أربعين بنت لَبُون، لا تفرق إِبل عن حسابها، من أعطاها مؤتجرًا بها فله أجرها، ومن منعها فإِنا آخذوها وشطر ماله؛ عزمة من عزمات رَبّنَا، لا يحل لآل محمّد منها شيء" رواه أحمد، وأبو داود، والنَّسائيُّ، وصححه الحاكم (١)، وعلق الشّافعي القول به على ثبوته (٢). بَهْز -بفتح الباء الموحدة وسكون الهاء وبالزاي- ابن حكيم بن معاوية بن حَيْدَة -بفتح الحاء المهملة وسكون الياء تحتها نقطتان وفتح الدال- القشَيرِيّ -بضم القاف وفتح الشين المعجمة-، وقد اختلف العلماء فيه، فقال يحيى بن معين في هذه التّرجمة: إسناد صحيح إذا كان من دون بهز، وقال أبو حاتم: هو شيخ يكتب حديثه ولا يحتج به (٣)، وقال الشّافعي (٤): ليس حجة، وهذا الحديث لا يثبته أهل العلم بالحديث، ولو ثبت لقلنا به، وكان قال به في القديم -يعني تجوز العقوبة بالمال- ثمّ رجع، ورأى العقوبة فيه بغير أخذ المال. وسئل عنه أحمد فقال: ما أدري وجهه، فسئل عن إسناده فقال: صالح الإسناد (٥)، وقال ابن حبّان (٦): كان يخطئ كثيرًا يعني بهز ولولا

стр. 1512

هذا الحديث لأدخلته في الثقات، وهو ممّن أستخير الله (أ) فيه، وقال ابن عَدِي (١): لم أر له حديثًا منكرًا، وقال ابن الطلاع في أوائل الأحكام: بهز مجهول، وقال ابن حزم: غير مشهور بالعدالة، وهو خطأ منهما، وقد وثقه خلق من الأئمة. قال المصنِّف -رحمه الله تعالى (٢) -: وقد استوفيتُ الكلامَ فيه في "تلخيص التهذيب"، وقال الذهبي (٣): ما تركه عالم قط، وقد تكلم فيه بأنه كان يلعب بالشطرنج، قال ابن القطان: وليس ذلك بضائر له فإن استباحته مسألة فقهية مشتهرة. قوله "لا تفرق إِبل عن حسابها": معناه أنّ المالك لا يفرق ملكه عن ملك غيره حيث كانا خليطين كما تقدّم في الحديث الأوّل، كأن يكون خمس من الإبل بين شريكَيْن فاقتسماها لئلا يجب عليهما الزَّكاة. وقوله "مؤتجرًا": أي طالبًا للأجر. وقوله "فإِنا آخذوها" إلى آخره: فيه دلالة على أنّ الزكاة يأخذها الإمام قهرًا إذا منعها رب المال، والظاهر أنه مجمع عليه (٤) وأن نيّة الإمام تكفي في أخذ الزَّكاة وإن فات رَبّهَا الأجر فقد سقط عنه الفرض الواجب. وقوله "وشَطْر ماله": معطوف على الضمير المنكوب في قوله "آخذوها" والشطر مراد به البعض، ظاهره أنّ الإمام يعاقبه بأخذ جزء من

стр. 1513

المال عقوبةً له، وفيه دلالة على جواز العقوبة بالمال، وقد ذهب إلى ذلك الشافعي في القديم ثمّ رجع عنه (١)، وقال: إنّه منسوخ وإن ذلك كان في صدر الإسلام العقوبة بالمال جائزة، وقال: إن الناسخ له حديث ناقة البراء أنّ النَّبيَّ ﷺ حكم عليه بضمان ما أفسدت من دون عقوبة، ورد عليه النووي (٢) بأن الذي ادعوه بأن العقوبة بالمال في صدر الإسلام غير ثابت ولا معروف، ودعوى النسخ على فرض صحته غير مقبولة مع الجهل بالتاريخ. قال المصنف -رحمه الله تعالى (٣) -: والجواب عن الاحتجاج بالحديث ما أجاب به إبراهيم الحَربْيُّ، فإنّه قال في سياق هذا المتن: وَهم الراوي في قوله: "وشَطْر ماله"، وإنّما هو فإنا آخذوها من شطر ماله، أي: يجعل ماله شطرين ويتخير عليه المصدق ويأخذ الصَّدقة من خير الشطرَيْن عقوبة لمنعه الزَّكاة، فأمّا ما لا يلزمه فلا، نقله ابن الجوزي في "جامع المسانيد" عن الحربي، والله الموفق. انتهى. وأنا أقول هذا الجواب لا يجدي، فإنّه إذا تخير المصدق وأخذ من خير الشطرين فقد أخذ زيادة على الواجب، وهي عقوبة مالية، فقد حصل العقوبة بالمال الّتي فر منها. وقد ورد العقوبة بالمال في قضايا متعددة منها قصة المَدَديّ الذي أغلظ الكلام لأجله عوف بن مالك على خالد بن الوليد لما أخذَ سلبه، فقال النَّبيُّ ﷺ : "لا يردّ عليه" أخرجه مسلم (٤)، وكذا من سرق من

стр. 1514

التّمر المعلق على الشجر وخرج به فيما لا يوجب القطع فإنّه أوجب عليه الغرامة والعقوبة (١)، وفُسرت العقوبة بمضاعفة الغرامة، أخرجه أبو داود والنَّسائيّ وصححه الحاكم، وكذلك تحريقه، ﷺ ، متاع الغال عقوبة له، وجرى على ذلك الخليفتان أبو بكر وعمر، ﵄ (٢)، وهو ممّا يدلُّ على عدم النسخ. وقوله "عزمة": يجوز فيه الرفع خبر لمبتدأ محذوف، والنصب على المصدر، وهو مصدر مؤكد لنفسه مثل: له عليَّ ألف درهم، اعترافًا بفعل يدلُّ عليه الجملة التي قبله، وهي: فإنا آخذوها ألقائمة مقام الفعل المحذوف وجوبًا، ومعنى العزيمة في اللُّغة: الجد في الأمر، يعني أنّ أخذ ذلك واجب مفروض من الأحكام التي حكم بها الله على عباده كالجهاد ونحوه، لم يوسع في ذلك على الأئمة في التَّرك والمساهلة، أو لم يوسَّع على المكلفين وسهل لهم ذلك حتّى يتوقف أخذها على اختيارهم، وعزائم الله فرائضه على العباد كذا في "القاموس" (٣). وقوله "لا يحل" إلخ: سيأتي الكلام في ذلك إن شاء الله تعالى قريبًا. ٤٥٩ - وعن عليٍّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذا كانت لك مائتا درهم وحال عليها الحَوْل ففيها خمسة دراهم، وليس عليك شيء حتّى تكون لك عشرون دينارًا وحال عليها الحول

стр. 1515

ففيها نصف دينار، فما زاد فبحساب ذلكِ، وليس في المال زكاة حتّى يحول عليه الحول" رواه أبو داود (١)، وهو حَسَن، وقَد اختُلف في رفعه. وللترمذي عن ابن عمر ﵁: "من استفاد مالًا فلا زكاة عليه حتّى يحول عليه الحول" (٢) والراجح وقفه. أخرج حديث عليّ: أبو داود عن الحارث الأَعْوَر وعاصم بن ضمرة كلاهما مرفوعًا إلا قوله: "فما زاد فبحساب ذلك" قال: فلا أدري أعليّ يقول "فبحساب ذلك" أو يرفعه إلى النَّبيِّ ﷺ ، وإلا قوله "وليس في مال زكاة" إلخ، فقال أبو داود: إلا أنّ جريرًا قال ابن وهب يزيد في الحديث عن النَّبيِّ ﷺ : "ليس في مالٍ زكاة حتّى يحول عليه الحَوْل"، وظاهره أنه اختلف فيه (أ). الحديث فيه دلالة على اعتبار النصاب في وجوب الزَّكاة، وأن نصاب الفضة ما ذكر في مائتي درهم (٣)، وهو مجمع عليه، وظاهره أنه لا بد أنّ يكون ذلك القدر خالصًا من الفضة، فما كمل بالغش لم يجب فيه الزَّكاة

стр. 1516

ولو كان الغش يسيرًا، وهو قول الأكثر، وذهب المؤيد بالله (١) والإمام يحيى إلى أنه إذا كان الغش يسيرًا يتعامل به فلا يضره، وفسره الإمام يحيى بالعشر فما دون، قال لأنه لا تخلو الفضة في الأغلب عن ذلك، وفي "البحر" (٢) رواية عن أبي حنيفة أنه يعفي في الغش عن النّصف فما دون، وعن السرخسي من الشّافعيّة (٣) حكاية وجه في مذهبهم: أنّ الدراهم المغشوشة إذا بلغت قدرًا لو ضم إليه قيمة الغش من النحاس مثلًا لبلغ نصابًا فإن الزَّكاة تجب فيه، وهو منقول عن الحنفية، وظاهر مفهوم العدد وهو متأيد بحديث النفي الّذي سيأتي وغيره أنه إذا نقص عن ذلك القدر وإن قل النقص أنه لا يجب فيه الزَّكاة، ونقل عن بعض المالكية، وفي البحر (٤) نسبه إلى مالك أنه يعفى عن النقص اليسير كالحبة والحبتين فتجب الزَّكاة حينئذٍ، والمراد بالدرهم ما بلغ قدر الدرهم من الفضة سواء كان مضروبًا أو غير مضروب، وحصل الإجماع أنّ العشرة الدراهم مقدار سبعة مثاقيل، فالدرهم سبعة أعشار المثقال. قال أبو عُبَيد: إن الدرهم لم يكن معلوم القدر حتّى جاء عبد الملك بن مَرْوَان فجمع العلماء فجعلوا كلّ عشرة دراهم سبعة مثاقيل، قال عياض (٥): وهذا يلزم منه أن يكون ﷺ أحال نصاب الزَّكاة على أمرٍ مجهول، وهو مشكِل، والصواب أنّ معنى ذلك أنه لم يكن شيء منها من ضرب الإسلام وكانت مختلفة في الوزن بالنسبة إلى العدد، فعشرة مثلًا وزن

стр. 1517

عشرة، وعشرة وزن ثمانية، فاتفق الرأيُ على نقش الكتابة العربيّة ويصير وزنها وزنًا واحدًا، وفي البحر (١): كانت الدراهم بعضها عشرة وزن خمسة دنانير، وبعضها عشرة وزن ستة، وبعضها عشرة وزن عشرة، فأخذوا من كلّ عشرة ثلثها فصارت العشرة الدراهم وَزْن سبعة مثاقيل، أو وزن ثلث مجموع العَشَرَات أربعمائة وعشرون شعيرة وذلك وزن سبعة مثاقيل، قال: ولا ضربة للإسلام في عهده ﷺ بل ضرب الجاهلية وهي المقصودة في الخطاب بالدرهم والدينار، وكان المسلمون يردونها إلى التبر وهو غير المضروب ويتعاملون بها وكان لهم نصف الأُوقِية معيارًا وهو عشرون درهمًا ويسمي نَشًّا كما في حديث عائشة (٢)، وكذلك النواة وهي ثُمُن الأُوقِية خمسة دراهم، فيردون ما وصلهم من الضرب الكسروية والقيصرية إلى هذا الوزن، وأول من ضرب الدّينار في الإسلام عبد الله بن الزُّبَيْر، والدرهم عبد الملك برأي عليّ بن الحُسَين ﵃، انتهى (٣). قال المصنِّف -رحمه الله تعالى (٤): ولم يخالف في أنّ نصاب الفضة مائتا درهم تبلغ مائة وأربعين مثقالًا من الفضة الخالصة إلا ابن حبيب الأندلسي فإنّه قال: إن أهل كلّ بلد يتعاملون بدراهمهم، وذكر ابن عبد البرّ اختلافًا في الوزن بالنسبة لدراهم الأندلس وغيرها من دراهم البلدان، وبعضهم اعتبر النصاب بالعدد لا بالوزن، قال: وهو خارق للإجماع، وأقول: إن صح الإجماع فهو دليل على ما ذكر من اعتبار الوزن وإلا فكان الظّاهر ما ذكره مع ثبوت اختلاف قدرها في زمنه ﷺ وإطلاقه لذلك مع علمه بالاختلاف وأن كثيرًا من الإعراب من أهل البوادي لم

стр. 1518

يعرف الوزن ولا يهتدي عند الإطلاق إلى ذلك والله أعلم. وقوله: "حتّى يكون ذلك عشرون دينارًا" المراد بالدينار (١): المثقال وهو ستون شعيرة من الشعير الموافق للعادة أي لا يخالف المعتاد في الخفة والثقل، وهذا بناء على أنّ المراد به الشعير المتبادر عند الإطلاق، وقال ابن الخليل وأبو مضر: المراد به وزنات عند أهل الصوغ يسمى شعائر قيل: وهي حب الشكلم، وكان عهده ﷺ المثقال عشرين قيراطًا عراقيا، والقيراط ثلاث شعيرات، وهذا مخالف لاصطلاح أهل الفرائض في القيراط، فهو عندهم ربع السدس جزء من أربعة وعشرين، واعتبار نصاب الذهب بالعشرين الدّينار هو قول الأكثر، وقد روى عن الحسن البصري (٢) أنّ نصاب الذهب أربعون، قال: لأنه إذا كان عشرين استفتح المال المزكى بالكسر، فيكون زكاته نصف دينار بخلاف ما إذا كان أربعين كان زكاته دينارًا، وقد روي عنه مثل قول الأكثر (٣)، ونصابه معتبر في نفسه، فإن نقص عن ذلك ولو قل النقص لم يجب فيه شيء، وذهب طاوس (٤) إلى أنه يعتبر في نصابه التقويم بالفضة، فما بلغ منه ما يقوم بمائتي درهم وجب فيه الزَّكاة، وهو بناء على أنه لم يثبت له نصاب في عينه، ولكنه قد ثبت فالنَّصُّ أولى، وعن مالك أنه لا يضر النقصان اليسير كما تقدّم في الفضة، وقدر ذلك بالحبة والحبتين، وعنه أنّ ذلك لا يضر إذا نقص في بعض الموازين دون بعض، فإن نقص في جميعها ضره (أ). وفي قوله: "حتّى يحول عليه الحول" وحديث ابن عمر [وكذلك

стр. 1519

أخرج الدارقطني من حديث أنس مرفوعًا "ليس في المال زكاة حتّى يحول عليه الحول" وحديث ابن عمر] رفعه أيضًا الدارقطني (١) والحاكم فيه دلالة على أنّ الزَّكاة لا تجب حتّى يمضي على المال في ملك المالك الحَوْل، وهو قول الأكثر، وذهب ابن عبّاس وابن مسعود والناصر وداود والصادق والباقر أنه يجب على المالك إذا استفاد المال أنْ يزكيه في الحال لعموم قوله: "في الرقة ربع العشر"، والجواب أنه مقيد بهذه الأحاديث والضعف فيها منجبر بكثرتها وبالآثار الواردة عن أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ، والله أعلم. ٤٦٠ - وعن عليّ ﵁ قال: "ليس في البَقَر العوامل صدقة" رواه أبو داود والدارقطني والراجح وقفه أيضًا (٢). الحديث قال البيهقي (٣): رواه النّفيلي عن زهير بالشك في وقفه أو رفعه، ورواه أبو بدر عن زُهَيْر مرفوعًا، ورواه غير زهير عن أبي إسحاق موقوفًا. انتهى. وهو عند أبي داود وابن حبّان عن عاصم عن عليّ، وصححه ابن القطان بناء على توثيق عاصم بن ضمرة (٤) عدم التعليل بالرفع والوقف. وقد روي مثله من حديث عمر، أخرجه البيهقي وابن عدي، ومن حديث ابن عبّاس أخرجه الدارقطني (٥) بإسناد ضعيف (٦) ومن حديث جابر

стр. 1520

بلفظ "ليس في المثيرة صدقة"، وفي رواية: "مثيرة الأرض" (١)، وضعف البيهقي (٢) إسناده، وصححه من طريق عَمرو بن شُعَيب عن أبيه عن جده (٣)، إلا أنه قال "الإبل" بدل "البقر"، وإسناده ضعيف (٤). والحديث فيه دلالة على أنه لا يجب في البقر العوامل شيء، وظاهره سواء أسمت أو لم تسم إذا كانت عاملة، وقد ذهب إلى هذا الشّافعيّ في أحد قولَيْه، وهو الصّحيح لمذهبه (٥)، والقاضي زيد وصاحب اللمع، وذهب الإمام يحيى وحكاه لمذهب الهادي والشّافعيّ في أحد قوليه، والجويني (٦) إلى أنه تجب الزَّكاة [في العاملة السائمة لقول عليّ ﵁ فإذا رعت وجبت (٧)، وذهب مالك (٨) وربيعة إلى وجوب الزَّكاة] في المواشي، وإن لم تكن سائمة بأن تكون معلوقة لعموم قوله: "في كلّ أربعين من الغنم" الحديث، "وفي ثلاثين من البقر" الحديث (٩)، "وفي خمس من الإبل" الحديث (٩)، والجواب بأن ذلك عموم، وهذا خصوص، والعمل بالخاص فيما تناوله هو الواجب. وإذا اختلف في العلّف والسوم فمذهب الهادي والشّافعي (١٠) أنّ العبرة بالأغلب، إذْ هو كالكل في أكثر الأحكام، واعتبر الإمام المهدي معه ذلك طرفي الحول، فلا بد أنّ يسام في أكثر الوسط مع طرفي الحول قياسًا

стр. 1521

على كمال النصاب، وللشافعي (١) قولان؛ أحدهما يسقط بعلف ثلاثة أيّام إذ لا تصبر في مثلها، والثاني إن نوى جعلها معلوفة سقطت بمرة كنية القنية. ٤٦١ - وعن عَمرو بن شُعَيْب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: "من ولي يتيمًا له مال فليتجر له ولا يتركه حتّى تأكله الصَّدقة" رواه التّرمذيّ والدارقطني (٢)، وإسناده ضعيف وله شاهد مرسل عند الشّافعيّ، في إسناد الحديث المثنى بن الصباح وهو ضعيف (٣)، وقد قال التّرمذيّ (٤): إنّما يروى من هذا الوجه. وقد رُوي عن عمرو بن شعيب عن عمر بن الخطّاب موقوفًا عليه، انتهى. وقال مهنا (٥): سألتُ أحمد عنه فقال: ليس بصحيح يرويه المثنى عن عمرو، ورواه الدارقطني (٦) من حديا أبي إسحاق الشيياني أيضًا عن عمرو بن شُعَيْب، لكن رواية مندل بن عليّ وهو ضعيف (٧)، ومن حديث العرزمي عن عمرو (٨)، والعرزمي ضعيف متروك (٩)، ورواه ابن عدي (١٠)

стр. 1522

من طريق عبد الله بن عليّ، وهو الإفريقي وهو ضعيف (١)، وقال الدارقطني في "العلل" رواه حسين المُعَلِّم عن مكحول عن عمرو بن شعيب عن سعيد بن المسيَّب عن عمر، ورواه ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن عمرو بن شعيب عن عمر، ولم يذكر ابن المسيَّب، وهو الّذي عناه التّرمذيّ، والمرسل الّذي رواه الشّافعيّ (أ)، وهو قوله ﷺ : "ابتغوا في أموال اليتامى لا تأكلها الزَّكاة" (٢)، وقد أخرجه الشافعي عن عبد المجيد بن أبي رواد عن ابن جُريج عن يوسف بن مَاهَك به مرسلًا، وقد أكده الشافعي بعموم الأحاديث الصحيحة في إيجاب الزَّكاة مطلقًا (٣)، وقد روى مثله عن أنس مرفوعًا، أخرجه الطَّبرانيُّ في "الأوسط" (٤)، وقد روى مثله الشّافعيّ عن ابن عمر موقوفًا (٥)، وأخرج أيضًا مالك في الموطَّأ عن القاسم بن محمّد قاسم: "كانت عائشة تليني وأخًا لي يتيمًا في حجرها، وكانت تخرج من أموالها الزَّكاة" (٦)، وهو مروي أيضًا عن عليّ ﵁ من طرق، أخرجها البيهقي وابن عبد البر (٧).

стр. 1523

والحديث فيه دلالة على وجوب الزَّكاة في مال الصبي، وأنه كمال المكلَّف، ولكن الواجب على وليه الإخراج لهذا ولعموم أدلة الزَّكاة، كقوله "في الرقة ربعِ العشر" (١) ونحوه، وقد ذهب إلى هذا طوائف من الصّحابة كعلي وعمر وابن عمر وعائشة (٢)، ومن التابعين كابن أبي ليلى، ومن بعدهم كالثوري والنخغي، ومن الأئمة كالهادي والمؤيد والشّافعيّ وغيرهم (٢)، وذهب ابن عبّاس وزيد بن علي والناصر والصادق وأبو حنيفة وأصحابه وابن شبرمة إلى أنه يلزمهم العشر (٣) لعموم دليله لا غيره لقوله ﷺ : "رفع القلم ... " الحديث (٤)، وذهب ابن مسعود (٥) إلى أنه لا يخرج الولي بنفسه من مال الصبي، قال فيما أخرجه البيهقي عنه: "من ولي مال يتيم فليحص عليه السنين، فإذا دفع إليه ماله أخبره بما فيه من الزَّكاة، فإن شاء زكي وإن شاء ترك" (٦) وأعله الشّافعي بالانقطاع (٧)، وبأن راويه ليث بن أبي سليم، وهو ليس بحافظ، وقد روي مثله عن ابن عبّاس (٨)، وفي إسناده ابن لهيعة (٩).

стр. 1524

وفي قوله "حتى تأكله الصدقة": دلالة على أن الزكاة لا تتعلق بالعين حتى تمنع وجوب الزكاة بنقصان النصاب، وإن كان ذلك يحتمل التأويل بأنه يصدق بأكل البعض منه مجازًا، والله أعلم. ٤٦٢ - وعن عبد الله بن أبي أوفى قال: "كان رسول الله ﷺ إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: "اللهم صَلِّ عليهم". متفق عليه (١)، لفظ البخاري قال: "اللهم صلِّ على آل فلان، فأتاه أبي بصدقته فقال: اللهم صل على آل أبي أوفى" (٢). في الحديث دلالة على أنه مشروع من قابض الزكاة الدعاء لمؤتيها، وظاهر هذا أن عادة النبي ﷺ كانت بذكر لفظ الصلاة، وهو مؤيد بقوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ (٣) ولكنه غير متعين ذلك اللفظ لما أخرجه النسائي من حديث وائل بن حجر (٤) أنه ﷺ قال في رجل بعثه ساعيا في الزكاة: "اللهم بارك فيه وفي إبله" وترجم البخاري في ذلك باب صلاة الإمام ودعائه لصاحب الصدقة (٥)، وكأنه أراد الإشارة إلى ما ورد في الحديث. وقد استدل بعض أهل الظاهر بهذا على وجوب الدعاء من الإمام، وآخذ الصدقة، وحكى وجهًا لبعض الشافعية، وأجيب بأنه لو كان واجبًا لعلمه النبي ﷺ السعاة، ولأن سائر ما يأخذه الإمام من الكفارات وغيرها لا يجب عليه فيها الدعاء، وكذلك الزكاة، وأما الأمر في الآية

стр. 1525

الكريمة فيحتمل أن يكون إيجابًا على الرسول ﷺ خاصًّا به لكون صلاته سَكَنٌ لهم. واستدل أيضًا بجواز الصلاة على غير الأنبياء، وكرهه مالك والجمهور، وقال جماعة من العلماء: يدعو آخذ الصدقة للمتصدق بهذا الدعاء لهذا الحديث، وأجاب الخطابي (١) بأن أصل الصلاة الدعاء إلا أنه يختلف بحسب المدعوِّ له، فصلاة النبي ﷺ على أمته دعاء لهم بالمغفرة، وصلاة أمته عليه دعاء له بزيادة القربة والزلفى، ولذلك كان لا يليق بغيره، انتهى. وفي قوله "اللهم صل على آل أبي أوفى": مراد بالآل النفس، لأن الآل يطلق على ذات الشيء كقوله "لقد أوتي مزمارًا من مزامير آل داود" (٢)، وقيل: لا يقال ذلك إلا في حق الرجل الجليل القدر. ٤٦٣ - وعن عليّ ﵁ أن العباس ﵁ سأل النبي ﷺ "في تعجيل صدقته قبل أن تحل، فرخص له في ذلك" رواه الترمذي والحاكم (٣). الحديث أخرجه أحمد وأصحاب السنن والحاكم والدارقطني والبيهقي من حديث الحجاج بن دينار عن الحكم بن عيينه عن جُحَيَّة بن عدي عن

стр. 1526

علي، وذكر الدارقطني الاختلاف فيه على الحكم، ورجح رواية منصور عن الحسن بن مسلم بن يناق عن النبي ﷺ مرسلًا، وكذا رجحه أبو داود (١)، وقال البيهقي (٢): قال الشافعي: روي عن النبي ﷺ أنه تسلف صدقة مال العباس قبل أن يحل، ولا أدري أثبت أم لا، قال البيهقي: عنى بذلك هذا الحديث، وهو معتضد بحديث أبي البختري عن على ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إنا كنا احتجنا فأسلفنا العباس صدقة عامين" (٣)، رجاله ثقات إلا أن فيه انقطاعًا (٤). وقد ورد هذا المعنى بألفاظ مختلفة، ومجموعها يدل على أن النبي ﷺ قبض من العباس زكاة عامَيْن، واختلفت الرواية هل هو استسلاف من النبي ﷺ أو تقديم من العباس ابتداء، ولعلهما واقعتان جميعًا. والحديث فيه دلالة على صحة تعجيل الزكاة قبل أن يحل وقت وجوبها، وقد ذهب إلى هذا الهادي والقاسم والمؤيد بالله والحنفية والشافعية (٥)، إلا أن ذلك مخصوص بالمالك، ولا يصح التعجيل من المتصرف بالوصاية أو الولاية، ولعل وجه ذلك أن فيه تبرعًا بالإخراج قبل وجوبه، وذلك إنما هو للمالك، ولأنه يجوز ذهاب المال قبل وجوب الإخراج. قال المؤيد بالله (٦): والتعجيل أفضل، وقد صح عن أبي هريرة أنه كان يقبض زكاة الفطر في رمضان (٧) مع أن وقت وجوبها هو يوم

стр. 1527

العيد، وكذا صح عن ابن عمر أنهم كانوا يخرجونها قبل يوم العيد باليوم واليومين (١)، وذهب الناصر ومالك وربيعة وداود وأبو عبيد بن الحارث إلى أنه لا يجزئ التعجيل لا تقدم من حديث الترمذي حتى يحول عليه الحول (٢). والجواب عنه بأن المراد به أنه لا وجوب حتى يحول عليه الحول، وهو لا ينفي جواز التعجيل، قالوا: ولأن ذلك كالعبادة قبل الوقت، والجواب عنه بأن العبادة قبل الوقت لا يحصل سبب وجوبها، وهنا قد حصل سبب الوجوب وهو ملك النصاب، وحول الحول إنما هو شرط للوجوب، وفرق بين التقديم على السبب والتقديم على الشرط كالحج، فإن وجوبه مشروط بالاستطاعة، وهو يصح فعله قبلها، وفرق أيضًا حديث العباس، وقال الإسفرائيني (٣): لا يصح لعامين، وهو مردود بحديث العباس، ولا يصح التعجيل قبل ملك النّصاب لعدمِ حصول سبب الوجوب، واعتبر الحنفية والشافعية كمالَ النصاب آخر الحَوْل الذي وقع فيه التعجيل، ولو كان وقت التعجيل ناقصا ولا يكمل النصاب بالمعجل إلى الفقر أو لا يزكي إذ هو تمليك لهم، وذهب الشافعي وأصحابه إلى أنه يحتسب به، قال: لأن التعجيل رفق بالمساكين، وهذا ينافيه لتفويتها عليهم فلزم الاحتساب به، وأما المصدق فاتفاق أن التعجيل إليه ليس بتمليك. ٤٦٤ - وعن جابر ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "ليس فيما دون خمس أواقي من الورق صدقة، وليس فيما دون خمس ذود من الإِبل صدقة، وليس فيما دون خمسة أَوْسُق من التمر صدقة"

стр. 1528

رواه مسلم (١)، وله من حديث أبي سعيد "ليس فيما دون خمسة أو ساق من تمر ولا من حبٍّ صدقة" (٢). وأصل حديث أبي سعيد متفق عليه (٣). قوله: "ليس فيما دون خمس أواقي" هكذا وقع في رواية لمسلم بإثبات الياء، وفي باقي روايته "أواق" بحذفها، وكلاهما صحيح، قال أهل اللغة: الأوقيَّةَ بضم الهمزة وتشديد الياء وجمعها أواقيّ بتشديد الياء وتخفيفها (أ (وأواق بحذفها. قال ابن السكيت في "الإصلاح": كل ما كان من هذا النوع واحده مشدد خافي جمعه التشديد التخفيف) أ) كالأوقية والأواقي والسري والسراوي والتحتية والعلية والأثفبة ونظائرها، وأنكر جمهورهم أن يقال في الواحدة، وفيه بحذف الهمزة، وحكى اللحياني جوازها بفتح الواو، وجمعها وقايا. والأوقية: أربعون درهمًا كما تقدم. الورق: بفتح الواو وكسرها وكسر الراء وإسكانها والمراد به الفضة مطلقًا، وقيل هو حقيقة في المضروب، ولا يطلق على غيره إلا مجازًا، وقد تقدم ما يتعلق بذلك من الفقه. والذَّوْد (٤): بفتح الذال المعجمة وسكون الواو ما بين الثلاث إلى العشر [من الإبل لا واحد له من لفظه، وإنما يقال في الواحد بعير، وقال الجمهور: هو من الثلاث إلى العشر]، قال أبو عبيد (٥): ما بين ثلاث إلى

стр. 1529

تسع مختص بالإناث، وأنكر ابن قتيبة أن يُقَال خمس ذود كما لا يقال خمس ثوب وغُلِّطَ بأن هذا اللفظ شائع في الحديث الصحيح، مسموع من العرب، موجود في كتب اللغة، وليس هو جمع لمفرد بخلاف الأثواب، وقال أبو حاتم السجستاني: تركوا القياس في الجَمْع فقالوا: خمس ذود لخمس من الإبل، وثلاث ذود لثلاث من الإبل، وأربع ذود وعشر ذود على غير قياس، كما قالوا ثلاثمائة ونحوه (١)، وقد روي في الحديث بتنوين خمس وإتباع ذود على الصفة، ورواية الجمهور بالإضافة، وهو المشهور. ولفظ ذود مؤنث ولذلك أنث له اسم العدد، نص عليه سيبويه وقال: وليس باسم كسر عليه مؤنث. فائدة: قال الأصمعي: الذود ما بين الثلاث إلى العشر، والصبه خمس أو ست، وفي القاموس (٢) بالضم وهي السرية من الخيل والإبل والغنم أو ما بين العشرة إلى الأربعين، إذ هي من الإبل ما دون المائة، والصِّرمة ما بين العشر إلى العشرين، وفي القاموس (٣): الصرمة بالكسر ما ما بين العشرين إلى الثلاثين، والعكرة: ما بين العشرين إلى الثلاثين، وفي القاموس (٤)، العكرة: القطعة من الإبل، والهجمة: ما بين الستين إلى السبعين، وفي القاموس (٥): الهجمة من الإبل: ما لها أربعون إلى ما زاد أو ما بين السبعين إلى المائة أو إلى دونها، والهنيدة مائة، وفي القاموس (٦): الهنيدة اسم للمائة من الإبل أو لما فوقها ودونها أو للمائتين

стр. 1530

كهيدة، والخِطرْ نحو مائتين، وفي القاموس (١): الخِطرْ بكسر الخاء: الإبل الكثير أو أربعون أو مائتان أو ألف منها، والعرج: من خمسمائة إلى ألف، وفي القاموس (٢): العرج القطيع من الإبل نحو الثمانين أو منها إلى التسعين أو مائة وخمسون وفوقها، أو من خمسمائة إلى ألف، والجمع أعراج وعروج، وقال أبو عبيدة وغيره: الصرمة من العشر إلى الأربعين (٣). وقوله "أوساق": جمع وَسْق بكسر الواو وفتحها، والمراد به ستون صاعًا كل صاع خمسة أرطال وثُلُث بالبغدادي، وفي رطْل بغداد أقوال أظهرها أنه مائة درهم وثمانية وعشرون درهمًا وأربعة أسباع درهم، وقيل: مائة وثمانية وعشرون درهمًا، وقيل مائة وثلاثون، والخمسة الأوسق ألف وستمائة رِطْل بالبغدادي (٤)، وقد ذهب إلى تقديره بالوزن زيد بن علي والناصر والمؤيد وأبو حنيفة والشافعي ومالك (٥)، قالوا لاتفاق أهل المدينة على تقديره به، وهم أعرف. وذهب الهادي والقاسم إلى أنه يقدر بالكيل لظاهر الخبر، والوزن في المدينة إنما أمر به هارون حين تناظر أبو يوسف ومالك وأحضروا صيعانهم التي روي أنها عهده، ﷺ ، فالصاع حينئذ أربعة أمداد بمده ﷺ ، والجمهور على أنَّ مُدَّه ﷺ رِطْل وثُلُث وزيادة يسيرة بالبغدادي، وهو

стр. 1531

الذي رجع إليه أبو يوسف حين ناظره مالك بشهادة أهل المدينة، وكان أبو حنيفة يقول: إن المُدَّ رِطْلَان والصاع ثمانية أرطال. واختُلف هل هذا التقدير تقريب أو تحديد؟ فيه وجهان لأصحاب الشافعي، وفائدة الخلاف أنه على وجه التقريب تجب الزكاة وإنْ نقص قليلًا، وعلى وجه التحديد لا تجب، وهذا الحديث مخصص لعموم: "فيما سَقَت السماءُ العُشْر" (١) فلا تجب الزكاة فيما دون ذلك، وقد ذهب إلى هذا الجمهور منهم على وابن عمر وجابر والهادي والقاسم والمؤيد والشافعي وأبو يوسف ومحمد والثَّوْريُّ (٢)، وذهب زيد بن علي والنخعي وابن عباس وأبو حنيفة إلى العمل (٣) لعموم قوله: "فيما سقت السماءُ العُشْر" فتجب الزكاة فيما قَلَّ وكُثَر وتخصيصه بحديث الأوساق ممنوع، وذلك أن حديث العموم مشهور، له حكم المعلوم عندهم، وحديث الأوساق ظني فلا يقوى على تخصيصه. وقد حكى أبو الحسين والرازي عن الشيخ أبي الحسن الكرخي أن المبين إذا كان لفظًا معلومًا وجب كون بيانه مثله وإلا لم يقبل، ولهذا لم يقبل خبر الأوساق مع قوله لا فيما سقت السماء العشر". انتهى. وهذا بناء منهم على أن دلالة العموم على ما تحته من الأفراد قطعية، وهو ممنوع، ولكن لا يتم العمل بالتخصيص إلا إذا كان خبر الأوساق متأخرًا، وأما إذا كان متقدمًا فيستقيم ذلك على أصل الشافعي ومن قال بقوله مِنْ بِنَاء العام على الخاص مطلقًا، وأما على قول الجمهور منْ أنَّ العامَّ المَتأخر ناسخ للخاص المتقدم فلا ينم العمل به، بل العمل بالعام على تقدير تأخره أو التوقف مع جهل التاريخ والرجوع إلى غيره إنْ وُجِدَ.

стр. 1532

وذهب الناصر إلى العمل بحديث الأوساق في التمر والزبيب والبُر والشعير والعمل بعموم: "فيما سقت السماء العُشر" في غير ذلك جمعًا بين الأدلة، ويُجَابُ عنه بأن النَّصَّ على ما ذكر لا يقتضي الوقوف عليه مع إثبات حجية القياس، فلا وجه لذلك، والله أعلم. ٤٦٥ - وعن سالم بن عبد الله عن أبيه عن النبي ﷺ قال: "فيما سقت السماء والعيون أو كان عَثريَّا العُشْر، وفيما سُقِي بالنَّضح نصف العُشْر" رواه البخاري (١)، ولأبي داود أيضًا "العشر، وفيما سُقي بالسواني أو النضح نصف العشر" (٢). المراد بما سقت السماء هو ما كان من المطر أو الثلج أو البرد أو الطل والعيون، وهي الأنهار الجارية التي يسقى منها بإساحة الماء من غير اغتراف منه بآلة، والعثَرِيُّ بفتح العين المهملة وفتح الثاء وكسر الراء المهملة وتشديد الياء المنقوطة من أسفل بنقطتين (٣)، وحكى ابن الأعرابي تشديد الثاء المثلثة، ورده ثعلب، وحكى ابن عديس في "المثلث" منه ضم أوله وإسكان ثانيه (٤)، واختُلِف في معناه، فقيل هو الذي يشرب بعروقه لأنه عثر على الماء قاله الخطابي، وهو ما كان الماء قريبًا من وجه الأرض فيغرس فتصل العروق إلى الماء فتستغني عن السقي. وقيل العَثَرِيُّ هو الماء المستنقع في بركة ونحوها يصب إليه ماء المطر في

стр. 1533

وقيل العَثَرِيُّ هو الماء المستنقع في بركة ونحوها يصب إليه ماء المطر في ساق تساق إليه، وسمى بذلك لأن الماء تتغير فيها، وقال أبو عبيد (١): إن العثري ما سقت السماء، والظاهر هو الأول بقرينة مغايرة العطف، وقال بعضهم: العشري هو الذي لا حمل له، ولا يصح هذا لأن ما لا حمل له لا زكاة فيه. والنَّضْح بفتح النون وسكون الضاد المعجمة بعدها مهملة، والمراد به ما سقي بالسانية، وهي رواية مسلم، والمراد بها الإبل التي يستقى عليها، والبقر وغيرها مثلها في الحُكْم، وعطف النضح على السواني في رواية أبي داود يدل على أنَّ النَّضْحَ ما كان بآلة غير السواني، والحكم في ذلك واحد لأن المقصود الاحتياج إلى تعب، ومن أوله في السقي. والبعُل بفتح الباء الموحدة وضم المهملة: وهو النخل الذي يشرب بعروقه (٢)، وظاهر الحديث أنه يجب العشر فيما يسقي بما ذكر، ونصف العُشْر فبالنضح حيث كان جميعه، وأما إذا كان بعض السقي من السني وبعضه من غيره وجب الزكاة بالتقسيط، وقال المؤيد وأبو طالب وأحمد بن حنبل: العبرة بالأكثر، وهو قول الثوري وأبي حنيفة وأحد قولي الشافعي (٣)، والقول الثاني يؤخذ بالتقسيط (٤)، وعن ابن القاسم صاحب مالك العبرة بما تم به الزرع وانتهى ولو كان أقل، وعلى القول بالتقسيط إذا استوى أو التبس فنصفان إذ لا مخصص، واختلف في التقسيط فقيل حسب العرامة، وهو ظاهر اللمع، وقيل يعتبر بالأوراد وهو أحد قولي الشافعي.

стр. 1534

٤٦٦ - وعن أبي موسى الأشعري ومعاذ بن جبل ﵄ أن النبي ﷺ قال لهما: "لا تأخذا في الصدقة إِلا من هذه الأصناف الأربعة: الشعير والحنطة والزبيب والتمر" رواه الطبراني والحاكم (١). وللدارقطني عن معاذ: "فأما القثاء والبطيخ والرمان والقصب فقد عفا عنه رسول الله ﷺ " وإسناده ضعيف. الحديث الأول: أخرجه الحاكم من حديث أبي بُرْدَة عن أبي موسى ومعاذ حين بعثهما النبي ﷺ إلى اليمن يُعَلِّمَان الناس أمر دينهم، قال البيهقي (٢): رواته ثقات وهو متصل، وروى الطبراني من حديث موسى بن طلحة عن عمر: "إنما سن رسول الله ﷺ الزكاة في هذه الأربعة" فذكرها وهو مرسل (٣) رواية موسى عن عمر كذا قال أبو زرعة، وروي ابن ماجه والدارقطني (٤) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: "إنما سن رسول الله ﷺ الزكاة في الحنطة والشعير والتمر والزبيب" زاد ابن ماجه: "والذرة"، وفي إسنادهما محمد بن عبد الله

стр. 1535

العرزمي، وهو متروك (١)، وروى البيهقي (٢) من طريق مجاهد قال: "لم تكن الصدقة في عهد النبي ﷺ إلا في خمسة" فذكرها، ومن طريق الحسن قال: "لم يفرض النبي ﷺ الصدقة إلا في عشرة" (٣) فذكر الخمسة المذكورة والإبل والبقر والغنم والذهب والفضة. وعن الشعبي (٤): "كتب رسول الله ﷺ إلى أهل اليمن إنما الصدقة في الحنطة والشعير والتمر والزبيب" قال البيهقي (٥): هذه المراسيل طرقها مختلفة، هي تؤكد بعضها بعضا. والحديث الثاني: أخرجه الدارقطني والبيهقي (٦) من حديث إسحاق بن يحيى بن طلحة عن عمه موسى بن طلحة عن معاذ، وفيه انقطاع لأن موسى لم يسمع من معاذ، كذا قال أبو زرعة (٧)، وكذا قال ابن عبد البر: إنه لم يدرك معاذًا ولا لقيه، وفي هذا رد على الحاكم حيث قال (٨): موسى تابعي كبير لا ينكر أنه لقي معاذًا. والحديث فيه دلالة على أنه لا تجب الزكاة فيما عدا الأربعة المذكورة، وقد ذهب إلى هذا الحسن البصري والحسن بن صالح والثوري والشعبي وابن سيرين ورواية أيضًا عن أحمد (٩)، وذهب الشافعي (١٠) إلى أنها تجب الزكاة في هذه وما شابهها في الاقتيات اختيارًا كالذرة والحمص لورود النص فيما ذكر، وشمول العلة لغيرها، وهي الاقتيات والادخار وعظم المنافع فيها، واحترزنا بالاختيار عما كان يقتات في الاضطرار كحب

стр. 1536

الغاسول (١) ونحوه فإنه ليس في معنى ما ورد به النص، وقال في القديم: تجب الزكاة في الرسون والزعفران والورس والقرطم والعلس لآثار وردت في ذلك، وحكى الرافعي قولين في اللوز والبلوط، وقال أبو يوسف: تجب فيما جرى فيه النقير والرطل فقط، وقال محمد كذلك إلا الحناء، وذهب الهادي والقاسم إلى أنها تجب في كل خارج لعموم الآية، وهي قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ (٢)، وقوله ﷺ : "فيما سقت السماء العُشْر" (٣)، ونحوه إلا الحشيش والحطب (٤) لقوله ﷺ : "الناس شركاء في ثلاث" (٥)، والحطب مقيس على الكلأ. وقال أبو حنيفة بمثله إلا أنه استثنى السعف والتين، والحديث وارد على الجميع، والظاهر مع مَنْ قال به، والمخالفون دفعوا ذلك، والشافعي رجع إلى القياس وحَكَمَ بتخصيصه لعموم حديث معاذ وأبي موسى وهو صحيح، وقريب منه أبو يوسف ومحمد ولكنهما يجعلان العلة كثرة الاحتياج إلى ذلك فكان مظنة التبادر من لفظ العموم لا القياس، والهادي والقاسم رجحا العمل بعموم الآية والحديث، والحديث المخصص ضعيف، قال الإمام المهدي في "البحر" (٦): لنا عموم الأدلة وقوله ﷺ : "ليس في الخضروات صدقة" (٧) ضعيف السند فأسقطه البخاري وضعفه

стр. 1537

الترمذي، سلمنا فأراد ما لم يبلغ النصاب. انتهى. وقد يُجَابُ عن تضعيف الحديث بأن إسقاط البخاري له لا يقتضي ضعفه، وتضعيف الترمذي له إنما هو سبب إرسال موسى بن طلحة، فإنه رواه عن النبي ﷺ ، وهو تابعي ولكن الإرسال غير قادح عند كثير من الأئمة منهم الإمام المهدي إذا عرف من حال الراوي أنه لا يرسل إلا عن عدل، وقد رواه البيهقي من حديث موسى بن طلحة قال: عندنا كتاب معاذ (١)، مع أنه وصله الدارقطني (٢) فرواه عن موسى بن طلحة عن أبيه مرفوعًا، وقد روي من حديث على مرفوعًا أخرجه الدارقطني بسند ضعيف (٣)، وعن محمد بن جحش أخرجه الدارقطني (٤) وفيه عبد الله بن شبيب، قيل: إنه يسرق الحديث (٥)، وعن عائشة أخرجه الدارقطني (٦) وفيه صالح بن موسى وفيه ضعف (٧)، وعن علي وعمر موقوفًا أخرجها البيهقي (٨)، فهذه الروايات تقوي بعضها بعضًا فيصلح للاحتجاج.

стр. 1538

٤٦٧ - وعن سهل بن أبي حثمة قال: "أمرنا رسول الله ﷺ إِذا خرصتم فخذوا ودعوا الثلث، فإِن لم تدعوا الثلث فدعوا الربع" رواه الخمسة إلا ابن ماجه، وصححه ابن حبان والحاكم (١). الحديث في إسناده عبد الرحمن بن مسعود بن نيار (٢) (أ) الراوي عن سهل، وقد قال البزار (٣): إنه تفرد به، وقال ابن القطان (٤): لا يعرف حاله. قال الحاكم (٥): "وله شاهد متفق على صحته أن عمر بن الخطاب أمر به" انتهى. عن عمر أنه كان يقول للخراص: "دع لهم قدر ما يأكلون وقدر ما يقع" أخرجه عبد الرزاق وابن أبي شيبة وأبو عُبَيْد في "الأموال" والبيهقي (٦). وأخرج ابن عبد البر (٧) عن جابر مرفوعًا: "خففوا في الخَرص فإن في المال العرية والواطئة والآكلة" (٨) الحديث. وفي النهاية (٩) أنه قال للخراص: "احتاطوا لأهل الأموال في النائية والواطئة" (١٠) الواطئة المارة والسابلة

стр. 1539

سموا بذلك لوطئهم الطريق، يقول استظهروا لهم في الخرص لما ينوبهم وينزل بهم من الضيفان، وقيل: الواطئة سقاطة التمر تقع فتوطأ بالأقدام فهي فاعلة بمعنى مفعولة، وقيل هي من الوطايا جمع وطيئة وهي تجري مجرى العريَّة سميت بذلك لأن صاحبها وطأها لأهله أي ذللها ومهدها فهي لا تدخل في الخرص، ومنه حديث القَدَر وآثار موطوءة أي مسلوك عليها بما سبق من خير أو شر. انتهى. وقد اختلف في معنى هذا فقال ابن حبان: له معنيان أحدهما أن يترك الثلث أو الربع من العشر، وثانيهما أن يترك ذلك من نَفْس الثمر قبل أن يعشر، وقال الشافعي: معناه أن يَدَعَ ثُلُثَ الزكاة أو رُبُعَهَا ليفرِّقها هو بنفسه على أقاربه وجيرانه، وقيل: يَدَعُ له ولأهله قَدْرَ ما يأكلون ولا يخرص، ومقتضى هذا أنه إذا احتاج وأهله إلى الجميع أنْ يترك الجميع، وقد حكاه المنذري كذلك في حواشيه. والأولى الرجوع في تفسير الحديث إلى ما صرحت به رواية جابر، وهو التخفيف في الخرص فيترك من العشر بقدر الربع أو الثلث، فإن الأمور المذكورة قد لا تدرك الحصاد، فلا تجب فيها الزكاة، والأثمار لا تخلو في الأغلب عن ذلك. ٤٦٨ - وعن عتاب بن أسيد قال: "أمر رسول الله ﷺ أن يخرص العنب كما يخرص النخل وتؤخذ زكاته زبيبًا" رواه الخمسة وفيه انقطاع (١).

стр. 1540

وأخرج الحديث الدارقطني وابن حبان أيضًا، والانقطاع من حيث إنه رواية سعيد بن السيب عن عتاب، وقد قال أبو داود: إنه لم يسمع منه (١)، وقال ابن قانع: لم يدركه، وقال المنذري: إن مولد سعيد في خلافة عمر، وعتاب مات في اليوم الذي مات فيه أبو بكر، وقال بمثله ابن عبد البر (٢)، وقد رواه الدارقطني بسند فيه الواقدي عن سعيد بن المسيب عن المسور بن مخرمة عن عتاب بن أسيد (٣)، وقال أبو حاتم: الصحيح عن سعيد بن المسيب أن النبي ﷺ أمر عتابًا مرسل، وهذه رواية عن الزهري (٤)، قال النووي: هو وإن كان مرسلًا فهو معتضد بقول الأئمة (٥). والحديث فيه دلالة على وجوب خرص العنب والتمر لأن قول الراوي "أمر" مفهم لوقوع ما يدلّ على الأمر من النبي ﷺ ، والأمر ظاهر في الوجوب، وقد ذهب إلى الوجوب الشافعي في أحد قولَيْه (٦)، قال الإمام المهدي: لا دليل على الوجوب (٧)، ويجاب عنه بأن الدليل ما عرفت، وذهب الهادوية والشافعي في أحد قوليه إلى أنه مندوب (٨) قالوا: للمصلحة في ذلك، وقال أبو حنيفة: لا يجوز لأنه رجم بالغيب، ويجاب عنه بأنه عمل بالظن، ورد الأمر به، قال القاسم والهادي والمؤيد وأبو

стр. 1541

طالب (١): وثمرته أمن الخيانة من رب المال، ولذلك يجب البينة في دعوى النقص بعد الخرص، ومطالبة المصدق بقدر ما خرصه للفقر أو جواز انتفاع المالك بالأكل والانتفاع. وقال المنصور والشافعي: ومن فوائده التضمين لرب المال قدر الزكاة فيضمنه ولو تلف بغالب، كما لو تلف بعد إمكان الأداء (٢)، قال الإمام المهدي (٣): لا دليل على التضمين، ويجاب عنه بأن في قصة عبد الله بن رَوَاحَة أنه ضمن أهل خيبر بعد أن خرص عليهم (٤) ولم ينكر عليه النبي ﷺ . ولا بد من لفظ التضمين وقبول المضمن لذلك، وإلا لم يضمن. وقال ابن المنذر (٥): أجمع من يحفظ عنه العلم أن الخروص إذا أصابته جائحة قبل الجذاذ فلا ضمان (أ). ويكفي خارص واحد عند العترة وأحد قولي الشافعي كعبد الله بن رواحة وعتاب بن أسيد وأحد قولي الشافعي لا بد من عدلين كتقويم جزاء الصيد (٦)، والجواب أنه لا قياس مع النص. (ولا بد أن يكون عدلًا، لأن الفاسق غير مأمون، عارفًا بالخرص) (ب). والحديث وارد في العنب والتمر ويقاس عليه غيره، وهو ما كان يمكن ضبطه وإحاطة النظر به.

стр. 1542

وعن أبي جعفر وابن (أ) أبي الفوارس أن ذلك يقصر على ورود النص، وقد قال به شريح وبعض أهل الظاهر، ومذهب الهادوية والشافعية (١) أنه لا خرص في الزرع لتعذر ضبطه لاستتاره بالقشر، وذهب الإمام يحيى إلى أنه يجوز للمصلحة كالعنب، قال الإمام المهدي (٢): العنب ممكن الضبط لظهوره فافترقا، وإذا ادعى المالكُ أنه نقص المخروص، فإن كان ذلك بسبب يمكن إقامة البينة عليه وجبت عليه البينة، وإلا صدق مع يمينه وفي عجالة المنهاج ما لفظه: "ولو ادعى هلاك الخروص بسبب خفيٍّ كسرقة أو ظاهر كالنهب والبرد عرف صدقه بيمينه" أي في دعوى التلف بذلك السبب (٣)، واليمين مستحبة على الأصح (٤)، فإنْ لم يعرف الظاهر طولب ببينة على الصحيح لإمكانها ثم يصدق بيمينه في الهلاك له أي بذلك السبب والثاني: لا يطالب بها بل القول قوله بيمينه لأنه مؤتمن شرعًا، فإن اقتصر على دعوى الهلاك من غير تعرض لسبب فالمفهوم من كلامهم قبوله مع اليمين، ولو ادعى حَيْف الخارص أو غلطه بما يبعد لم يقبل. أو محتمَل -بفتح الميم- قُبِلَ في الأصح لما نبه عليه من التعليل، والثاني: لا يعدم تحققه. وقوله: "وتؤخذ زكاته زبيبًا" هذا فيما كان يعتبر فيه الترتيب، وأما ما كان لا يعتبر فيه ذلك وإنما يؤخذ رطبًا فالظاهر أن له حكم الخضراوات، والله أعلم.

стр. 1543

٤٦٩ - وعن عَمرو بن شُعَيْب عن أبيه عن جده: "أن امرأة أتت النبي ﷺ ومعها ابنة لها، وفي يد ابنتها مسكتان من ذهب، فقال لها: أتعطين زكاة هذا؟ قالت: لا، قال: أيسرك أن يسورك الله بهما يوم القيامة بسوارَيْن من نار؟ فألقتهما". رواه الثلاثة (١) وإسناده قَويّ، وصححه الحاكم من حديث عائشة ﵂ (٢). ٤٧٠ - وعن أم سلمة: "أنها كانت تلبس أوْضَاحًا من ذهب فقالت: يا رسول الله أكَنْزٌ هو؟ قال: إِذا أدَّيْتِ زكاته فليس بكنز" رواه أبو داود والدارقطني وصححه الحاكم (٣). الحديث أخرجه أبو داود من حديث حسين المُعلِّم وهو ثقة عن عمرو، فَجَزْم الترمذي بأنه لا يُعْرَف إلا من حديث ابن لَهْيعَة غير صحيح (٤). وحديث عائشة أخرجه الحاكم والدارقطني والبيهقي: "أنها دخلت على رسول الله ﷺ فرأى في يدي فتخات من ورق فقال: ما هذا يا عائشة؟ فقالت صغتهن أتزين بهن لك يا رسول الله قال: أتؤدين زكاتهن؟ قالت: لا قال: هو حسبك من النار .. " وإسناده على شرط الصحيح. وفي الباب (أ) عن عمر أخرج ابن أبي شيبة والبيهقي " أنه كتب عمر

стр. 1544

إلى أبي موسى أنْ مُر (أ) مَنْ قِبَلَك من نساء المسلمين أن يصدقن من حليهنّ" (١) وهو مرسل قاله البخاري (٢)، وقد أنكر الحسن ذلك فيما رواه ابن أبي شيبة قال: لا نعلم أحدًا من الخلفاء قال في الحلي زكاة (٣). وعن ابن عباس أخرجه ابن المنذر والبيهقي، وقال الشافى: لا أدري أثبت عنه أم لا. وعن ابن مسعود أخرجه ابن المنذر والطبراني والبيهقي أن امرأته سألته على حلي لها، فقال: إذا بلغ مائتي درهم ففيه الزكاة، قالت: أضعها في بني أخ لي في حِجرِي؟ قال: نعم (٤). والحديث فيه دلالة على وجوب الزكاة في الحلي من ذهب أو فضَّة، وقد ذهب إلى هذا العترة والثوري والنخعي والزهري وأبو حنيفة وأصحابه وأحد قولي الشافعي (٥)، لهذه الأحاديث وعموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ ...﴾ (٦) الآية. وذهب الحسن البصري والشَّعْبِيّ ومالك وأحمد وإسحاق والشافعي (٧) إلى أنها لا تَجِب الزكاة في الحلي لما أخرجه الدارقطني من حديث جابر: "ليس في الحُليّ زكاة" (٨) وفي إسناده أبو حمزة وهو ضعيف، وهو

стр. 1545

متقوي بآثارٍ: أخرج مالك عن ابن عمر أنه كان يحلي بناته وجواريه بالذهب فلا يُخْرجُ منه الزكاة (١). وأخرج مالك والشافعي عنه عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة "أنها كانت تلي بنات أخيها يتامى في حجرها لهن الحلي فلا تخرج منه الزكاة" (٢). وعن جابر أخرج الشافعي أنه سأله رجل عن زكاته فقال: "زكاته عاريته" (٣) ورواه البيهقي أيضًا، وروى الدارقطني عن أنس وأسماء بنت أبي بكر مثل ذلك (٤). وقوله: في الحديث "مِسكتان" بكسر الميم وتحريك السين بالفتح مثنى مسكة، وهي أسورة من ذبل أو عاج، فإذا كانت من غير ذلك أضيفت إلى ما هي منه، فيقال من ذهب أو فضة أو نحوهما. والأوضاح: حلي مِن الدراهمِ الصحاح أو الفضة. ٤٧١ - وعن سمرة بن جُنْدب ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ يأمرنا أن نخرج الصدقة من الذي نعده للبيع" رواه أبو داود (٥)، وإسناده لين، وأخرجه الدارقطني والبزار، وهو من حديث سليمان بن سمرة، وفي إسناده جهالة (٦).
следующие страницы →