← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17747

البدر التمام شرح بلوغ المرام ت الزبن

الحسين بن محمد المغربي

Полный текст (4 458 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

طالب (١): وثمرته أمن الخيانة من رب المال، ولذلك يجب البينة في دعوى النقص بعد الخرص، ومطالبة المصدق بقدر ما خرصه للفقر أو جواز انتفاع المالك بالأكل والانتفاع. وقال المنصور والشافعي: ومن فوائده التضمين لرب المال قدر الزكاة فيضمنه ولو تلف بغالب، كما لو تلف بعد إمكان الأداء (٢)، قال الإمام المهدي (٣): لا دليل على التضمين، ويجاب عنه بأن في قصة عبد الله بن رَوَاحَة أنه ضمن أهل خيبر بعد أن خرص عليهم (٤) ولم ينكر عليه النبي ﷺ . ولا بد من لفظ التضمين وقبول المضمن لذلك، وإلا لم يضمن. وقال ابن المنذر (٥): أجمع من يحفظ عنه العلم أن الخروص إذا أصابته جائحة قبل الجذاذ فلا ضمان (أ). ويكفي خارص واحد عند العترة وأحد قولي الشافعي كعبد الله بن رواحة وعتاب بن أسيد وأحد قولي الشافعي لا بد من عدلين كتقويم جزاء الصيد (٦)، والجواب أنه لا قياس مع النص. (ولا بد أن يكون عدلًا، لأن الفاسق غير مأمون، عارفًا بالخرص) (ب). والحديث وارد في العنب والتمر ويقاس عليه غيره، وهو ما كان يمكن ضبطه وإحاطة النظر به.

стр. 1542

وعن أبي جعفر وابن (أ) أبي الفوارس أن ذلك يقصر على ورود النص، وقد قال به شريح وبعض أهل الظاهر، ومذهب الهادوية والشافعية (١) أنه لا خرص في الزرع لتعذر ضبطه لاستتاره بالقشر، وذهب الإمام يحيى إلى أنه يجوز للمصلحة كالعنب، قال الإمام المهدي (٢): العنب ممكن الضبط لظهوره فافترقا، وإذا ادعى المالكُ أنه نقص المخروص، فإن كان ذلك بسبب يمكن إقامة البينة عليه وجبت عليه البينة، وإلا صدق مع يمينه وفي عجالة المنهاج ما لفظه: "ولو ادعى هلاك الخروص بسبب خفيٍّ كسرقة أو ظاهر كالنهب والبرد عرف صدقه بيمينه" أي في دعوى التلف بذلك السبب (٣)، واليمين مستحبة على الأصح (٤)، فإنْ لم يعرف الظاهر طولب ببينة على الصحيح لإمكانها ثم يصدق بيمينه في الهلاك له أي بذلك السبب والثاني: لا يطالب بها بل القول قوله بيمينه لأنه مؤتمن شرعًا، فإن اقتصر على دعوى الهلاك من غير تعرض لسبب فالمفهوم من كلامهم قبوله مع اليمين، ولو ادعى حَيْف الخارص أو غلطه بما يبعد لم يقبل. أو محتمَل -بفتح الميم- قُبِلَ في الأصح لما نبه عليه من التعليل، والثاني: لا يعدم تحققه. وقوله: "وتؤخذ زكاته زبيبًا" هذا فيما كان يعتبر فيه الترتيب، وأما ما كان لا يعتبر فيه ذلك وإنما يؤخذ رطبًا فالظاهر أن له حكم الخضراوات، والله أعلم.

стр. 1543

٤٦٩ - وعن عَمرو بن شُعَيْب عن أبيه عن جده: "أن امرأة أتت النبي ﷺ ومعها ابنة لها، وفي يد ابنتها مسكتان من ذهب، فقال لها: أتعطين زكاة هذا؟ قالت: لا، قال: أيسرك أن يسورك الله بهما يوم القيامة بسوارَيْن من نار؟ فألقتهما". رواه الثلاثة (١) وإسناده قَويّ، وصححه الحاكم من حديث عائشة ﵂ (٢). ٤٧٠ - وعن أم سلمة: "أنها كانت تلبس أوْضَاحًا من ذهب فقالت: يا رسول الله أكَنْزٌ هو؟ قال: إِذا أدَّيْتِ زكاته فليس بكنز" رواه أبو داود والدارقطني وصححه الحاكم (٣). الحديث أخرجه أبو داود من حديث حسين المُعلِّم وهو ثقة عن عمرو، فَجَزْم الترمذي بأنه لا يُعْرَف إلا من حديث ابن لَهْيعَة غير صحيح (٤). وحديث عائشة أخرجه الحاكم والدارقطني والبيهقي: "أنها دخلت على رسول الله ﷺ فرأى في يدي فتخات من ورق فقال: ما هذا يا عائشة؟ فقالت صغتهن أتزين بهن لك يا رسول الله قال: أتؤدين زكاتهن؟ قالت: لا قال: هو حسبك من النار .. " وإسناده على شرط الصحيح. وفي الباب (أ) عن عمر أخرج ابن أبي شيبة والبيهقي " أنه كتب عمر

стр. 1544

إلى أبي موسى أنْ مُر (أ) مَنْ قِبَلَك من نساء المسلمين أن يصدقن من حليهنّ" (١) وهو مرسل قاله البخاري (٢)، وقد أنكر الحسن ذلك فيما رواه ابن أبي شيبة قال: لا نعلم أحدًا من الخلفاء قال في الحلي زكاة (٣). وعن ابن عباس أخرجه ابن المنذر والبيهقي، وقال الشافى: لا أدري أثبت عنه أم لا. وعن ابن مسعود أخرجه ابن المنذر والطبراني والبيهقي أن امرأته سألته على حلي لها، فقال: إذا بلغ مائتي درهم ففيه الزكاة، قالت: أضعها في بني أخ لي في حِجرِي؟ قال: نعم (٤). والحديث فيه دلالة على وجوب الزكاة في الحلي من ذهب أو فضَّة، وقد ذهب إلى هذا العترة والثوري والنخعي والزهري وأبو حنيفة وأصحابه وأحد قولي الشافعي (٥)، لهذه الأحاديث وعموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ ...﴾ (٦) الآية. وذهب الحسن البصري والشَّعْبِيّ ومالك وأحمد وإسحاق والشافعي (٧) إلى أنها لا تَجِب الزكاة في الحلي لما أخرجه الدارقطني من حديث جابر: "ليس في الحُليّ زكاة" (٨) وفي إسناده أبو حمزة وهو ضعيف، وهو

стр. 1545

متقوي بآثارٍ: أخرج مالك عن ابن عمر أنه كان يحلي بناته وجواريه بالذهب فلا يُخْرجُ منه الزكاة (١). وأخرج مالك والشافعي عنه عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة "أنها كانت تلي بنات أخيها يتامى في حجرها لهن الحلي فلا تخرج منه الزكاة" (٢). وعن جابر أخرج الشافعي أنه سأله رجل عن زكاته فقال: "زكاته عاريته" (٣) ورواه البيهقي أيضًا، وروى الدارقطني عن أنس وأسماء بنت أبي بكر مثل ذلك (٤). وقوله: في الحديث "مِسكتان" بكسر الميم وتحريك السين بالفتح مثنى مسكة، وهي أسورة من ذبل أو عاج، فإذا كانت من غير ذلك أضيفت إلى ما هي منه، فيقال من ذهب أو فضة أو نحوهما. والأوضاح: حلي مِن الدراهمِ الصحاح أو الفضة. ٤٧١ - وعن سمرة بن جُنْدب ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ يأمرنا أن نخرج الصدقة من الذي نعده للبيع" رواه أبو داود (٥)، وإسناده لين، وأخرجه الدارقطني والبزار، وهو من حديث سليمان بن سمرة، وفي إسناده جهالة (٦).

стр. 1546

والحديث يدل على أنه إذا نوى المالكُ بشيءٍ من ماله البيع أو كان من ابتدائه معدودًا لذلك صار للتجارة، فتجب فيه الزكاة، وهو المتبادر من قوله "نعدّه للبيع"، وقد ذهب إلى هذا الأخير العترة وأكثر الفقهاء (١)، واشترطوا أن يكون ابتداء الملك بالاختيار، وهو يتبادر من قوله "نعده"، وذهب أحمد وإسحاق والكرابيسي إلى أنه يصير للتجارة إذا نوى به البيع (٢)، وإن لم يكن كذلك قالوا لقوله ﷺ : "لكل امرئ ما نوى" ولكنه عام والحديث المذكور خاص، والله أعلم. ٤٧٢ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "وفي الركاز الخمس" متفق عليه (٣). الركاز: عند أهل الحجاز كنوز الجاهلية المدفونة في الأرض، وعند أهل العراق المَعَادِن، والقولان تحتملهما اللغة لأن كلا منهما مركوز في الأرض أي: ثابت، يُقَالُ: ركزه يركزه ركزًا إذا دفنه، وأركز الرجل إذا وجد الركاز، والركاز وهو بكسر الراء وتخفيف الكاف وبعده زاي (٤)، وصرح مالك كما رواه عنه أبو عبيد في كتاب "الأموال" (٥)، وهو دفين الجاهلية بكسر الدال وسكون الفاء، قال: وأما المعدن فإنه بمنزلة الزرع تؤخذ منه الزكاة كما تؤخذ من الزرع حين يُحْصَدُ، ومثله قال الشافعي كما أخرج البيهقي في "المعرفة" من طريق الربيع قال الشافعي (٦):

стр. 1547

والركاز الذي فيه الخمس دفن الجاهلية ما وجد في غير مِلْك لأحد. وقال الحسن البصري: "ما كان من رِكَاز في أرض الحرب ففيه الخمس، وما كان في أرض المسلم ففيه الزكاة" أخرجه البخاري تعليقًا (١)، قال ابن المنذر: لا أعلم أحدًا فرق هذه التفرقة غير الحسن، وقال أبو حنيفة: الركاز المعدن، وإليه ذهب الثوري، واختاره المهدي، واحتج له بقول العرب: أركز الرجلُ إذا أصاب ركازًا، وهي قِطعَ من الذهب تخرج من المعادن، وقول مالك والشافعي هو الأولى هنا بقرينة العَطْف على المعدن، وهو قوله ﷺ : "العجماء جُبَار، والمَعْدِن جُبَار، وفي الركاز الخمس". واعلم أن في الرِكاز على القولين الخلاف في قدر ما يؤخذ واعتبار الحَوْل والنِّصَاب وعَيْن ما تجب فيه ذلك، فعلى القول بأنه المعادن ذهب القاسم والهادي وأحد قولي الشافعي إلى وجوب الخمس في كل معدن (٢)، لقوله ﷺ : "الركاز ما نَبَتَ مع الأرض" أخرجه البيهقي عن أبي هريرة (٣)، واستثنى المؤيد بالله الملح والنفط، والقار (٤)، لقوله، ﷺ : "الركاز الذهب والفضة". [جوابًا لسؤال مَنْ قال: ما الركاز يا رسول الله (أ)؟] فخرجت الثلاثة، ولأنها ماء منعقد ولا خمس في الماء. ويرد عليه أن قوله: "ما نبت مع الأرض" تعمها، وأحد قولي

стр. 1548

الشافعي لا تجب فيما عدا الذهب والفضة للحديث، ويجاب عنه بأن الحديث أخرجه البيهقي. [وفي إسناده عبد الله بن سعيد (١)، وتابعه حبان بن علي، وعبد الله متروك، وحبان ضعيف] (أ). وقال أبو حنيفة (٢): لا يجب إلا في المنطبع فيخرج الكحل ونحوه لتخصيصه الذهب والفضة فقِيْسَ المنطبع، وذهب العترة وأبو حنيفة وأصحابه (٢) إلى أنه لا يعْتَبَرُ النِّصَاب لعموم الدليل، وذهب الشافعي وأصحابه، ومالك، وأحمد، وإسحاق إِلِى اعتبار النصاب قالوا: لقوله، ﷺ ،: "ليس فيما دُوْنَ خمس أوَاق صَدَقَة" ولم يفصل. والجواب بأن الظاهر من الصدقة هو الزكاة فلا يتناول الخمس، وهو محل احتمال إذ الخُمْس له حُكم الزكاة في كونه واجبًا لمصرف مخصوص فلا تعد في تناول الصدقة له، وذهب العترة وأبو حنيفة وأصحابه والزهري وقول للشافعي إلى أن الواجب في المعدنِ الخمس لقوله: "وفي الركاز الخمس"، وذهب أحمد وإسحاق وقول للشافعي إلى وجوب ربع العشر قالوا: لقوله ﷺ : "وفي الرقة ربع العشر" ولم يفصل، ويقاس غيرها عليها، [ولحديث بلال بن الحارث الآتي قريبًا، والجواب] (ب) مثل الطرف الأول ولا يعتبر الحول عند العترة وأبي حنيفة وأحد قولي الشافعي إذ

стр. 1549

لم يفصل الدليل، مالك وأحد قولي الشافعي يعتبر لقوله ﷺ : "لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول" والجواب مثل ما مر ولا يعتبر إسلام الواجد عند العترة وأبي حنيفة وأصحابه وأحد قولي الشافعي وذهب مالك وأحد قولي الشافعي والعراقيون والثوري والأوزاعي بل حكمه حكم الزكاة، فيشترط الإسلام إذ هو واجب في نام كالزرع والجواب بأنه لم يزرع فكان غنيمة كالفيء. وعلى كون المُرَاد بالركاز الدفين ففيه تفصيل وخلاف، فذهَبتْ الهادوية إلى أنه إنْ وُجِدَ في دار الإسلام فلُقَطَة، وقال أبو حنيفة: إنْ وجد في دار فلصاحبها ولا خُمس إذ هو أحق حيث لم يكن ضربه الإسلام بل جهل حالها، أو كان ضربه كفر وملكه الإمام عقيب الفتح، وإنْ كان في دار الحرب فغنيمة. وعند أبي حنيفة لا خمس فيه لأنه وجده في موضع لم يظهر عليه المسلمون ولم يزحفوا عليه بخيل ولا ركاب. وعند الشافعي إنْ كان في موات دار الحرب فغنيمة ولا خمس، وعنه يخمس والباقي له ولجيش الإمام، وعند الهادوية وعن الشافعي أن آلة الذهب والفضة إن وجدت فكالركاز، وعنه بل لُقَطَة، وأما المنبوذ على وجه الأرض فله حكم الدار مطلقًا. ٤٧٣ - وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال في كنز وَجَدَه رجل في خربة: "إِنْ وجدته في قرية مسكونة فعرِّفْه، وإن وجدته في قرية غير مسكونة ففيه وفي الركاز الخمس" أخرجه ابن ماجه بإسنادٍ حسن (١).

стр. 1550

وأخرج نحوه الشافعي عن عمرو بن شعيب بلفظِ إن النبي ﷺ قال في كَنْزٍ وجده رجل في خربة جاهلية: "إن وجدته في قرية مسكونة أو طريق ميتاء فعرِّفه، فإن وجدته في خربة جاهلية أو قرية غير مسكونة ففيه وفي الركاز الخمس". وأخرجه أبو داود أيضًا، وأخرجه النسائي والحاكم والبيهقي، وأخرج سعيد بن منصور عن علي "أن رجلًا وجد ركازًا، فأداه به فأخذ علي منه الخمس وأعطى بقيته للذي وجده". رواه من وجه آخر عن الشعبي وكذلك ابن أبي شيبة. الحديث فيه دلالة على بعض ما تقدم في التفصيل، والظاهر في الخربة في عصر النبي ﷺ أن المالك في الأصل كافر، والقرية المسكونة الظاهر فيها إسلام أهلها أو دخولهم في الذمة فيحمل على ذلك، والقرية غير المسكونة محمولة على أنها من مساكن الحربيين، والله أعلم، والطريق الْمِيتاء: بكسر الميم هي المسلوكة بالاستطراق (١). ٤٧٤ - وعن بلال بن الحارث أن رسول الله ﷺ "أخذ من المعادن القبلية الصدقة" رواه أبو داود (٢). هو أبو عبد الرحمن: بلال بن الحارث بن عُصْم -بضم العين وسكون الصاد المهملتين- المزني، وفد على النبي ﷺ في وفد مُزَيْنَة

стр. 1551

سنة خمس من الهجرة وسكن بالأشعر وراء المدينة، وكان أحد من يحمل ألوية مزينة يوم الفتح، روى عنه ابنه الحارث وعلقمة بن وقاص، مات سنة ستين، وله ثمانون سنة (١). الحديث رواه أبو داود، والطبراني، والحاكم، والبيهقي موصولًا، ورواه مالك في "الموطأ" عن ربيعة عن غير واحد من علمائهم أنه ﷺ أقطع بلال بن الحارث المزني المعادن القبلية، وأخذ منها الزكاة دون الخمس، وهي من ناحية الفرع، فتلك المعادن لا تؤخذ منها إلا الزكاة إلى اليوم. قال الشافعي بعد أن روى حديث مالك (٢): "ليس هذا مما يثبته أهل الحديث، ولم تكن فيه رواية عن النبي ﷺ إلا إقطاعه، وأما الزكاة في المعادن دون الخمس فليست مروية عن النبي ﷺ ". قال البيهقي: هو كما قال الشافعي في رواية مالك، وقد روي عن الدراوردي عن ربيعة موصولًا (٣)، ثم أخرجه عن الحاكم، والحاكم أخرجه في المستدرك (٤)، وكذا ذكره ابن عبد البر من رواية الدراوردي. قال: ورواه أبو سبرة المديني عن مطرف عن مالك عن محمد بن عمرو عن علقمة عن أبيه عن بلال موصولًا، لكن لم يتابَع عليه، قال: وقد رواه أبو أوَيْس عن كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده، وعن ثَوْر بن يزيد بن عكرمة عن ابن عباس، وقد أخرجه أبو داود أيضًا (٥) عن أبي أويس من الطريقَيْن بلفظ: "أقطع بلال بن الحارث المعادن القبلية جليسها وغورتها"،

стр. 1552

وفي لفظ: "جلسها وغورها"، وحيث يصلح الزرع من قدس، ولم يعطه حق مسلم، وكتب له بذلك كتابًا، انتهى. والقبليَّة منسوبة إلى "قَبَل" -بفتح القاف والباء- وهو موضع من ناحية الفُرْع -بضم الفاء وسكون الراء وبالعين المهملة- قرية بين مكة والمدينة على نحو من أربع مراحل من المدينة (١). وجلسها منسوب إلى "جَلْس" -بفتح الجيمِ وسكون اللام- وهو ما ارتفع من الأرض، والغوريّ منسوب إلى "الغوْر" -بفتح الغين المعجمة وسكون الواو وهو ما انخفض (٢). والحديث يدل على وجوب الصَّدَقَة في المعادن، فعلى رواية الصدقة يحتمل أن يريد بها الزكاة كما هو المتبادر من لفظ الصدقة، وتفسره الرواية الأخرى في لفظ مالك، ويحتمل أن يريد به الخُمْس، وقد ذهب إلى الأول أحمد وإسحاق وقول الشافعي كما تقدم، وذهب غيرهم إلى وجوب الخمس (ألقوله: "وفي الركاز الخصم" أ)، وهو محتمل الدفين كما تقدم فلا يكون حجة، والله أعلم. [عدة أحاديث كتاب الزكاة سبعة وعشرون حديثًا] (ب).

стр. 1553

باب صَدَقة الفِطر إضافة الصدقة [إلى الفِطرْ (أ)]، لأن الفطر بمعنى الإفطار وهو سببها، ويدل عليه أنه قد وقع في بعض ألفاظ البخاري "زكاة الفطْر" من رمضان (١)، وقال ابن قتيبة: المراد بصدقة الفطر صدقة النفوس مأخوذة من الفِطْرة التي هي أصل الخلقة، والأول أظهر. ٤٧٥ - عن ابن عمرِ ﵁ قال: "فرَضَ رسول اللهِ ﷺ زكاة الفطر صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير على العبد والحُرِّ والذَّكَرِ والأنثى والصغير والكبير من المسلمين، وأمر بها أن تؤدي قبل خروج الناس إِلى الصلاة" متفق عليه (٢). ولابن عدي والدارقطني بإسناد ضعيف (٣): "اغنوهم عن الطواف في هذا اليوم" (٤). الحديث فيه دلالة على وجوب الفِطْر، فإن "فَرَضَ" عند جمهور السلف والخلف معناه أَلْزَم وأوجب، وهو غالب في استعمال الشرع لهذا المعنى، قال إسحاق بن راهويه: "هي واجبة بالإجماع" (٥)، وقال بعض أهل العراق وبعض أصحاب مالك وبعض أصحاب الشافعي وداود في آخر

стр. 1554

أمره: إنها سُنَّةٌ وليسب بواجبة (١)، وقالوا: معنى "فَرَضَ" قَدّر، فلا يدل على الوجوب، ويُجَاب بأن الظاهر منه الوجوب لا سيما مع قوله: "على العبد ... " إلخ، وقوله: "زكاة الفطر". وقال أبو حنيفة: هي واجبة غير فرض بناء على التفرقة بينهما عنده، وقال إبراهيم بن عُلَيّة والأصم أن وجوبها منسوخ، واستدل لهما بما رواه النسائي وغيره عن قيس بن عُبَادة بن الصَّامت ﵁ قال: "أمَرنَا رسول الله ﷺ بصدقة الفطرْ قبلَ أن تنزل الزكاةُ، فلما نزلت الزكاة لم يأمرنا ولم ينهنا ونحن نفعله" (٢)، وأجيب بأن في إسناده راويًا مجهولًا (٣) كما تقدم في أول الزكاة، ولا دلالة فيه على النسخ؛ لأن قوله: "لم يأمرنا ولم ينهنا" لا يدل على ذلك، فإنه ربما ترك ذلك اعتمادًا على الأمر الأول، ولأنه قد علم أن شرعيته فريضة مستقلة لا يلزم منه نسخ ما تقدمها من الفرائض، وأيضَا فهي داخلة في عموم قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (٤) ومن جملتها زكاة الفِطرْ، فإن النبي ﷺ سماها كذلك، وقال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ (٥) فإن كثيرًا من السلف فسر التزكية بزكاة الفطر وإن كانت السورة مكية ولم يكن في مكة بفروض لا زكاة ولا غيرها فهو قد يتقدم نزول الحكم على سببه، [وقد فرض صوم رمضان بعد ما حولت الكعبة بشهر على رأس ثمانية عشر شهرًا

стр. 1555

من الهجرة، وأمر في هذه السنة بزكاة الفطر، وذلك قبل أن تفْرَضَ الزكاةُ في الأموال، أخرجه ابن سعد في "الطبقات" (١) (أ). وقوله: "صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير": انتصب الصاع على التمييز، أو بَدَل من "زكاة" بيان لها، ولم تختلف الطرق عن ابن عمر في الاقتصار على هذَيْن الشيئين إلا ما أخرجه أبو داود والنسائي من حديثه فزاد فيه: "السلت والزبيب" (٢). والسلْت بضم السين وسكون اللام بعدها تاء (ب) مثناة وهو نوع من الشعير (٣)، ولكن حكم مسلم على عبد العزيز بن أبي رواد بالوهم فيه (٤). وقوله: "على العبد والحر ... " إلخ: ظاهره وجوبها على من ذكر، وأن الوجوب يتعلق بالعبد نفسه، وقد جنح إلى هذا البخاري (٥)، وإليه ذهب داود الظاهري (٦) وقال: إنه يجب على السيد أن يُمَكِّنَ عبده من الاكتساب لها، كما يجب عليه أن يمكنه من الصلاة، وخالفه أصحابه والناس، وللشافعية وجهان (٧) هل يتعلق أصل الوجوب بالعبد ويتحملها عنه السيد أو يجب ابتداءً على السيد؟، وكذلك المرأة إذا كانت مزوجة، فقال النووي وأبو حنيفة وابن المنذر: إنها تجب عليها، وقال مالك والشافعي والليث وأحمد وإسحاق أنها تجب على الزوج إلحاقًا لها بالنفقة.

стр. 1556

ويرد عليهم أنهم قالوا إن أعسر وجبت عليها، وكذلك إذا كانت الزوجة أَمَة كانت على سيدها بخلاف النفقة. وقالوا: لا يخرج عن زوجته الكافرة مع أن النفقة عليه. وذهبت الهَادَوِيَّة إلى أن أصل الوجوب على الزوجة، وإنما تحملها الزوج فإذا أخرجت عن نفسها أجزأ أو أعسر أو تمرد وجبت عليها، قالوا: وكذلك القريب الذي يلزم نفقته، والإمام يحيى ظاهر قَوْله مثل قول مالك والشافعي، وحُجّتُهُم قوله ﷺ : "أدوا صدقة الفطْر عمن تمونون" أخرجه الدارقطني والبيهقي من طريق الضحاك عن ابن عمر (١)، ورواه الدارقطني من حديث علي (٢)، وإسناده ضعيف وفيه إرسال، ورواه الشافعي عن إبراهيم بن محمد عن جعفر بن محمد عن أبيه مرسلًا (٣). وقوله: "والصغير والكبير": ظاهره وجوبها على هذا في مال الصغير وإلّا فعلي منْ تلزمه نفقته، وهذا قول الجمهور، وعند الهادوية وهو قول محمد بن الحسن أنها على الأب مطلقًا فإن كان الأب معسرًا [لا يمكنه التكسب] (أ) والولد الصغير موسرًا أخرج عن نفسه من مال ابنه الصغير، وفي إخراجه عن ولده الصغير احتمالان، وأما عند محمد بن الحسن فهي ساقطة عن الصغير، وعن الحسن البصري وسعيد بن المسيب لا تجب الفطرة إلا على صائم، ويستدل لها بما سيأتي من حديث ابن عباس أنها طهرة للصائم.

стр. 1557

وأجيب بأن ذكر التطهير خرج مخرج الغالب، ونقل ابن المنذر الاجماع على أنها لا تجب في حق الجنين (١)، قال: وكان أحمد يستحبه. ونقل بعضُ الحنابلة عنه رواية بالإيجاب، وبه قال ابن حزم (٢)، لكن قَيَّده بمائة وعشرين يومًا من يوم حمل أمه به، وظاهر الحديث أنها تجب على الفقير والغني وهو مصرح به فيما أخرجه البيهقي (٣) عن ثعلبة بن عبد الله -أو عبد الله بن ثعلبة- مرفوعًا: "أدوا صاعًا من قمح عن كل إنسان ذكر أو أنثى أو صغير أو كبير أو غني أو فقير حر أو مملوك" فأما الغني فيزكيه الله، (أوأما الفقير أ) فيرد عليه أكثر مما أعطى. وعن الحنفية -وإليه ذهب المنصور بِالله- أنها لا تجب إلا على مَنْ مَلَك نصابًا، ويحتج لذلك بقوله: "لا صدقة إلا عن ظهر غنى" (٤)، وقال الشافعي (٥): تجب على مَنْ مَلَك فاضلا عن قوت يومه ومن تلزمه نفقته. وذهب الهادي والمؤيد بالله إلى أنها لا تجب إلا إذا مَلَكَ قوت عشرة أيام والفطرة فاضلة عن ذلك، قالوا: لأن العشرة الأيام قد اعتبرت في أحكام كثيرة وفي عدم اعتبارها حرج ومشقة فصَحَّ ذلك (٦). وقوله: "من المسلمين": اتفقت الرواة عن مالك من حديث ابن عمر على زيادة هذه الكلمة إلا قتيبة بن سعيد فرواه عن مالك بدونها، وقال ابن

стр. 1558

الصلاح وغيره: إن مالكًا تفرد بها، وليس كذلك فقد رواها عمر بن نافع عن أبيه، وكذا أخرجه مسلم من طريق الضحاك بن عثمان عن نافع بها (١)، وأخرجه أبو داود عن عبد الله العمري عن نافع بلفظ "على كل مسلم" (٢)، وقد بسط الكلام في "فتح الباري" في اختلاف الرواة في إثباتها، فارجع إليه (٣). وزيادة التقييد بالإسلام فيها دلالة على أنها لا تجب على الكافر أَنْ يُخْرجهَا عن نفسه، وهو إجماع، وأما إذا كان الخرج عنه كافرًا والخرج مسَلمًا مثل الزوج المسلم عن الكافرة أو الأب الكافر والولد مسلم، أو كان العكس، نقل ابن النذر الإجماع على اشتراط إسلام المخرِج والمخرَج عنه، وظاهر الحديث يقضي بهذا، فإنه جَمَعَ فيه بين منْ يخرج ومن يخرج عنه، ووصفهم بالإسلإم، [وتأويل الطحاوي بأنه صفة للسادة الخرجين بعيد (أ)]، وقد روى ابن إسحاق عن نافع أنَّ ابنَ عمر كان يخرج عن أهل بيته حرِّهم وعبدهم صغيرهم وكبيرهم مسلمهم وكافرهم من الرقيق، قال ابن المنذر: وابن عمر راوي الحديث، وقد كان يخرج عن عبده الكافر، وهو أعرف بمراد الحديث (٤). وتعقب بأنه يحتمل أنه كان يخرجها تطوعًا ولا مانع منه، [وذهب الكوفيون وإسحاق وبعض السلف إلى أنه يجب على المسلم إخراجها عن عبده الكافر، ومستنده فعل ابن عمر] (ب)، والحديث عام لأهل الحَضَر والبدو، وإليه ذهب الجمهور، وخالف في ذلك الزهري وربيعة والليث في

стр. 1559

قولهم إن زكاة الفطر تختص بالحاضر دون البادي. وقوله: "وأمرهم .. " إلخ: يدل على أن المبادرة بها هو الأولى، وأنه يكره تأخيرها عن الصلاة، وذهب ابن حزم (١) إلى ظاهر الحديث وأنه لا يجوز تأخيرها إلى بعد الصلاة، وأجيب عنه بقوله: "ومن أخرها فهي صدقة من الصدقات" ولا صحة للجواب. وقوله: "فهي صدقة"! يدل على فوات زكاة الفطر وأنها قد خرجت على ماهيتها، وكذلك الجواب بقوله: "اغنوهم عن الطواف في هذا اليوم" لا يدل على ذلك إذ بملكهم لها في أول اليوم مغنٍ عن الطلب في سائر اليوم، ولزومها مؤقت إجماعًا، فذهب القاسم والهادي والناصر والمؤيد بالله وأبو حنيفة وأصحابه وأحد قولي الشافعي وعن مالك أنه منْ فجر أول شوال لقوله ﷺ : "اغنوهم عن الطواف في هذا اليوم"، وذهب الثوري وأحمد وإسحاق والشافعي. وعن مالك بل من غروب آخر يوم رمضان لقوله: "طهرة للصائم" (٢) وقوله: "زكاة الفطر" فأضافها إلى الفِطْر، والفطر حصل بذلك، والأولى أن ذلك محتمل مبني على تفسير الفطر، فإن أريد به المعتاد وهو عدم الصوم فهو من الغروب، وإن أريد به الفطر الطارئ به (أ) وهو وجوب الإفطار فهو من عند طلوع الفجر. وقال ابن دقيق العيد: إضافة الزكاة إلى الفطر لا يدل على تعيين وقت الوجوب، بل يطلب من دليل آخر (٣). [وذهب المسعودي إلى أنها لا تجب إلا بمضي الوقَتْين جميعًا أخذا

стр. 1560

بالدليلين. وفائدة الخلاف فيمن ولد أو مات] (أ)، واختلف العلماء في تقديمها على يوم الفطر، فذهب القاسم والهادي وأبو طالب إلى جواز التعجيل عن البدن الموجود ولو إلى عامين كزكاة المال، وقال الشافعي: بل يجوز في رمضان لا قبله لأن لها سببين هما الصوم والإفطار، فلا يتقدمها كالنصاب والحَوْل، والجواب بأن وجود البدن كالنصاب، والمال كالحَوْل. وذهب أحمد إلى أنها لا تتقدم على وقت وجوبها إلا ما يغتفر كيوم أو يومين إذ لا يعد تقديمًا في العادة، وهو مروي أيضًا عن ابن عمر. وذهب الحسن بن زياد والناصر ومالك إلى أنه (ب) لا يجوز مطلقًا كالصلاة قبل الوقت ولا التأخير عنه كالصلاة. والجواب بأن ردَّها إلى الزكاة أقرب من ردها إلى الصلاة، قال الإمام يحيى: ولإجماع السلف على جواز التقديم، [وقد أخرج ابن خزيمة عن ابن عمر أنه كان يقدم على الفطر بيومين أو ثلاثة (١)، وأخرجه الشافعي عنه، وقال: هذا حسن وأنا أستحبه، وفي قصة أبي هريرة، وإمساكه الشيطان ثلاث ليال لسرقته منها دلالة (جـ) على التقديم. وقد أخرجه البخاري في الوكالة] (د) (٢) وإن اختلفوا في مقداره. وقوله: "أغنوهم" الحديث: أخرجه الدارقطني والبيهقي من رواية أبي معشر عن نافع عن ابن عمر، وأبو معشر ضعيف (٣) وهو متأيد بما

стр. 1561

أخرجه ابن سعد في "الطبقات" من حديث أبي سعيد، وقال في آخره: "أغنوهم -يعني المساكين- عن طواف هذا اليوم" (١). ٤٧٦ - وعن أبي سعيد الخُدْريِّ ﵁ قال: "كنا نعطيها في زمان النبي ﷺ صاعًا من طعام أو صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير أو صاعًا من زبيب" متفق عليه (٢). وفي رواية "أو صاعًا من أقط" (٣) قال أبو سعيد: "أما أنا فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه في زمن رسول الله ﷺ " ولأبي داود: "لا أخرج أبدًا إِلا صاعًا" (٤). قوله: "كنا نعطيها" إلخ: هذا له حكم المرفوع لأضافته إلى زمن النبي ﷺ ففيه إشعَار باطلاعه على ذلك وتقريره له في مثل هذه الصورة التي كانت توضع عنده وتجمع بأمره وتفرق بأمره، والطعام قيل المراد به هنا بعض أنواعه وهو الحنطة، فهو عام أريد به خاص بقرينة عطف ما ذكر عليه، وتعينت الحنطة لأنها أشهر أنواع الطعام وأفضلها، فلو لم تكن المرادة لذكرها عند التفصيل ذكره الخطابي (٥)، وقال هو وغيره: إن لفظ الطعام يستعمل في الحنطة عند الإطلاق حتى إذا قيل: اذهب إلى سوق الطعام فهم منه القمح، وإذا غلب العرف على معنى نزل اللفظ عليه. وقال ابن المنذر: إنما أجمل أولًا ثم فصل ثم احتج عليه باللفظ الآخر الذي روي به حديث أبي سعيد، وقد أخرجه البخاري أيضًا ولفظه: "كنا

стр. 1562

خرج صاعًا من طعام، وكان طعامنا الشعير والزبيب والأقط والتمر" (١). فدل على أنَّ الحنطة غير مذكورة. وأخرج البخاري نحوه من طريق أخرى عن عياض، وقال فيه: "ولا يخرج غيره"، وقال: وفي قوله: "ولما جاء معاوية وجاء بالسمرا ... " (٢) دليل على أنها لم تكن قوتًا لهم قبل هذا، فدل على أنها لم تكن كثيرة ولا قوتًا فكيف يتوهم أنهم أخرجوا ما لم يكن موجودًا، انتهى كلامه. وقد ذُكِرَتْ الحنطة في حديثه عند ابن خزيمة والحاكم في صحيحيهما بلفظ: "صاع تمر أو صاع حنطة أو صاع شعير أو صاع أقط، فقال له رجل أو مُدَّيْن من قمح؟ فقال: لا، تلك قيمة معاوية لا أقبلها ولا أعمل بها" (٣)، قال ابن خزيمة: ذِكْر الحنطة وَهْم، ولا أدري ممن هو، وكذا قال أبو داود (٤): "ذكر الحنطة غير محفوظ، وذكر أن معاوية بن هشام روى في هذا الحديث عن سفيان نصف صاع من بُرٍّ وهو وَهْم (٥)، وأن ابن عِيَاض حدث به عن ابن عجلان عن عياض فزاد فيه: "أو صَاعٍ من دَقيق" وأنهم أنكروا عليه فتركه، قال: وذِكْر الدقيق وَهْم من ابن عيينة (٦). وقال ابن المنذر (٧): لا تعلم في القمح خبرا ثابتًا عن النبي ﷺ يعتمد عليه، ولم يكن البُر بالمدينة في ذلك الوقت إلا الشيء اليسير منه، فلما كَثُرَ في أيام الصحابة رأوا أنَّ نصف صاع منه يقوم مقام صاع من

стр. 1563

الشعير وهم الأئمة فغير جائز أن يعدل عن قولهم إلا إلى قول مثلهم، ثم أسند عن عثمان وعلى وأبي هريرة وجابر وابن عباس وابن الزبير وأمه أسماء بنت أبي بكر بأسانيد صحيحة أنهم رأوا أن في زكاة الفِطْر نصف صاع من قمح (١) انتهى. وقد أفهمتْ عبارته دعوى الإجماع على ذلك، وقد عرفت خلاف أبي سعيد وكذلك ابن عمر، فلا إجماع في المسألة خلافًا للطحاوي، ولعل أبا سعيد اجتهد فرأى أَنَّ المقصود إخراج مقدار الصاع من تلك الأشياء أو من غيرها فلم يسوغ أن يكون المُخَّرج أقل منه وغيره وإلى أن الحنطة لما كانت قيمتها غالية وأن النصف منها يقوم مقام الكامل من غيرها اجتهد في ذلك، فاعتبر النصف بناء على التقويم ولكنه غير منضبط، لأنه يلزم أن يختلف ذلك باختلاف الأزمان، وفعل ابن عباس في البصرة وأمره بنصف صاع من تمر إلى أن أتى عليّ ﵁ ورأى رخص أسعارهم قال: اجعلوها صاعًا من كل (٢)، فدل على أنه كان ينظر إلى القيمة في ذلك. [وقد أخرج الحاكم من حديث ابن عباس أو مُدَّان منْ قمح] (أ) (٣) والحديث فيه دلالة على أنها صاع كامل نصًّا في المذكوراتَ وقياسًا فيما عداها مما يقتات، وهو إجماع إلا في البر، وأما البرُ فذهب جماعة من الصحابة والتابعين والفقهاء إلى أنه مِثْل غيره، وذهب جَمَاعة من الصحابة والتابعين والفقهاء إلى أنها نصف صاع، وقد عرفت ما فيه كفاية،

стр. 1564

ويجزئ الدقيق عند زيد بن علي والهادي والحنفية لعموم قوله: "صاعًا من شعير" ونحوه فإنه يصدق عليه ذلك، وذهب الناصر والشافعي إلى أنه لا يجزئ إلا تقويمًا إذ الأمر إنما هو بأصله، وأيضًا فالدقيق ينقص، وأجيب بأنه قد أمر ﷺ بالدقيق كما تقدم، وأجيب بأن ابن عُيَيْنَة نُسِب إلى الوَهْم بذكره. وقوله. "أو أقط": فيه دلالة على إجزائه، وظاهره العموم في حق مَنْ يعتاده ومنْ لا يعتاد كغيره أولًا، وجنح البخاري إلى أنه غير مجزئ مع وجدان غيره (١)، كما ذهب إليه أحمد، وحملوا الحديث على أنَّ مَنْ أخرجه كأن يعتاده ولم يجد غيره، وفيه خلاف عند الشافعية، وزعم الماوردي أنه يختص بأهل البادية، وأما الحاضر فلا يجزئ عنه بلا خلاف، وتعقبه النووي في "شرح المُهَذَّب" بأن الخلاف في الجميع (٢)، واختار الإمام المهدي (٣) لمذهب الهادوية أجزأ الأقط والحليب لا المخيض والسمن إلا تقويمًا. ٤٧٧ - وعن ابن عباس ﵁ قال: "فَرضَ رسول الله ﷺ زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرَّفَث وطُعْمَة للمساكين، فَمَنْ أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات" رواه أبو داود وابن ماجه وصحه الحاكم (٤). وأخرج الحديث الدارقطني، وقد تقدم الكلام على ما يتضمنه.

стр. 1565

وفي قوله: "طعمة للمساكين": فيه دلالة على أن مصرفها مختص بالمساكين دون سائر الأصناف الثمانية، وقد ذهب إلى هذا الهادي والقاسم وأبو طالب (١)، وفي الحقيقة أن الخارج منها إنما هو التأليف لأنهم يعتبرون في ما عدا العامل الفقر، والظاهر أن العالم يجوز أن يعطى منها لأن ذلك في مقابلة عمل لا لأجل سد الخلة، فالظاهر الإجماع عليه، وقال المنصور بالله (٢): إنها كالزكاة في الثمانية، قال الإمام المهدي (٣): وهو قوي لعموم قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ﴾ (٤). الآية، وهي من جملتها وذِكْر البعض لا يلزم منه التخصيص، وقد ورد مثله في الزكاة في حديث معاذ: "أمرتُ أن آخذها من أغنيائكم وأردها في فقرائكم" (٥). وفي قوله: "طهرة الصائم" إلخ: دلالة على أن بعض المعاصي تكفرها الأعمال الصالحة من دون احتياج إلى تَوْبَة، وقد ورد في الحديث شطر صالح في أمور متفرقة يدل على هذا، والله أعلم. [عدة أحاديث صدقة الفطر ستة أحاديث].

стр. 1566

باب صدقة التطوع ٤٧٨ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "سبعة يظلهم الله في ظِلِّهِ يوم لا ظِلَّ إِلا ظله ... " فذكر الحديث، وفيه: "ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه". متفق عليه (١). الحديث لفظه في البخاري: "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: الإمام العادل، وشاب نشأ في عبادة ربه، ورجل قلبه مُعَلَّق (أ) بالمساجد، ورجلان تحابَّا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل طلبته ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله ورجل تصدق أخفى حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه". قوله: "سبعة ... " إلخ: ظاهر مفهوم العدد أن الحُكْمَ وهو الإظلال يختص بمن ذكر، ولكنه غير مراد لورود غيرهم فأبلغها المصنف (٢) - رحمه الله تعالى - بتتبع الأحاديث إلى ثمانية وعشرين. قال الأسيوطي: وزدت عليه بالتتبع إلى أن بلغت سبعين وقد أفردتها بتأليف بأسانيدها وشواهدها، ثم لخصته في كراسة سميتها "بُزُوغ الخِلال في الخصال المقتضية للظلال" وقد أوردتها منظومة في "شرح الموطأ"

стр. 1567

انتهى كلامه. وقد نظم الإمام أبو شامة السبعة بقوله: أتانا حديثٌ في الصحيحين سبعة ... يظلهم الله الكريم بظله محب، عفيف، ناشيء، متصدق ... مصلّ، وباكٍ، والإمام بعدله وذيل ذلك المصنف سبعة (أ) فقال: وِزدْ سبعة إظلال: غاز، وعونه ... وإنظار ذي عُسر، وتخفيف حمله وإرفاد ذي غرم، وعون مكاتب ... وتاجر صدق في المقال وفعله وقد زاد على ذلك في تضمين لسبعة وسبعة، قال: وقد أفردته في جزء "معرفة الخصال الموصلة إلى الظلال". أضاف الظل إلى الله -سبحانه- إضافة تشريف كما قيل بيت الله. والظل هو حقيقة في المانع من وصول الشمس، وقيل: المراد بالظل الحماية والكَنَف، كما يقال في ظل فلان، وذهب إلى هذا عيسى بن دينار. وقيل: المراد بالظل عرشه، ويدل عليه حديث سلمان عند سعيد بن منصور بإسناده: "سبعة يظلهم الله في ظل عرشه .. " فذكر الحديث، وهو مستلزم كونهم في كف الله وحمايته وكرامته، وهذا مستلزم كونها في كنف وكرامته، وهذا أرجح، وله جزم القرطبي، وقيل: المراد به الجنة وهو غير صحيح، فإنه قد ورد في رواية ابن المبارك تقييد ذلك بيوم القيامة، وظل الجنة إنما يحصل بعد الاستقرار فيها، وظل الجنة يشترك فيه كل من دخلها .. فلا اختصاص بالسبعة، والسياق يدل على الاستئثار بذلك لأجل الخلال المذكورة. وبدأ بالإمام العادل لعموم النفع به، والعادل اسم فاعل من العدل، وبعض الرواة عن مالك رواه (١) بلفظ "العدل" وهو أبلغ، والمراد بالإِمام

стр. 1568

صاحب الولاية العُظْمَى، ويلتحق به كل من ولي شيئًا من أمور المسلمين فعدل فيه ويدل على هذا حديث مسلم: "المُقْسطُون عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن، الذين يعدلون في حكمهم وأهلهم وما ولوا عليه" (١). وفسر العادل بأنه الذي يتبع أمر الله تعالى بوضع كل شيء في موضعه بغير إفراط ولا تفريط، وخص الشاب لكونه مظنة غلبة الشهوة لما فيه من قوة الباعث على متابعة الهوى، وأن ملازمة العبادة مع ذلك أشد وأدل على غَلَبة التقوى، وزاد حماد: "حتى توفي على ذلك" (٢)، وفي حديث سَلْمَان: "أفنى شبابه ونشاطه في عبادة الله تعالى" (٣)، والمعلق في المساجد كذا في لفظٍ من التعليق شبه بالقنديل ونحوه الكائن في المسجد مجاز عن طول الملازمة، وفي قوله: "متعلق" من العلاقة وهي شدة المحبة، وفي رواية سلمان زيادة "من حبها" وقوله: "تحابا" بتشديد الباء، وأصله تحاببا أي: اشتركا في جنس المحبة، أحب كل منهما صاحبه حقيقة لا إظهارًا فقط، ومعنى اجتمعا عليه وتفرقا، أنهما داما على المحبة الدينية ولم يغيرها عارض دنيوي، وسواء اجتمعت أبدانهما حقيقة أم لا، وقوله: "ورجل طلبته ذات منصب وجمال" الظاهر أن المراد دعته إلى الفاحشة، وبه جزم القرطبي، وقال بعضهم: يحتمل أنها دعته إلى التزويج فخاف أن يشتغل عن العبادة بالافتتان بها، أو خاف أن لا يقوم بحقها لشغله بالعبادة عن التكسب بما يليق بها، والأول أظهر بدليل الكناية بقوله: "إِلى نفسها" فإنه يكنى به عن الفاحشة، ولو كان المراد

стр. 1569

بالتزويج لصرح به ولم يُكَنّ عنه. وقوله "إِني أخاف الله": الظاهر أنه قال ذلك بلسان حاله، ويحتمل القول الحقيقي اعتذارًا إلى المرأة، أو أنه قاله بقلبه. وقوله: "تصدق أخفى": بلفظ الماضى حالًا بتقدير "قد"، والرواية لمالك، وقد وقع في رواية الأصيلي "إِخفاءً": بلفظ المصدر بكسر الهمزة ممدودًا على أنه مصدر أو نعت لمصدر محذوف، ويحتمل أن يكون حالًا بمعنى مخفيًّا. وقوله: "لا تعلم شماله" الخ: المراد بذلك المبالغة في التشبيه، استعارة عن الإخفاء وكتمان الصدقة وتبعيدها عن مظان الرياء، وقد صرح بذلك في رواية حماد: "تصدق بصدقة فكأنما أخفى يمينه عن شِماله"، ويحتمل أن يكون من مجاز الحَذْف، والتقدير: حتى لا يعلم مَنْ على شماله من الناس، ولا وجه لجعل الشمال مجازًا عن النفس، إطلاقًا للجزء على الكل كما فسر به بعضهم. وقوله: "ذَكَرَ الله خاليًا" يحتمل أن يواد به الذكْرُ اللسانيّ أو الذكر القلبي أي: يتذكر الله يقلبه خاليًا عن الخَلقْ، لأنه يكون (أ) أبعد عن الرياء، والمراد خاليًا عن الالتفات إلى غير الله تعالى ولو كان في خلاء، ويؤيده رواية البيهقي. "ذكر الله بين يديه"، ويؤيد الأول رواية ابن المبارك وحماد بن زيد: "ذكر الله في خلاء" أي في أيّ موضع خالٍ، وهو الظاهر. وقوله: "ففاضت عيناه": أي: فاضت الدموع من عينيه، وأسند (ب) الفيض إلى العين مبالغة، كأنما هي التي فاضت.

стр. 1570

وذكْر الرجال هنا لا مفهوم له بل النساء تشارك (أ) فيما يصح اعتباره في حقهن، فالإمام العادل إذا أريد الإمامة الكبرى لا يصح في حق النساء، وإن أريد ما هو أعمّ صح في حقهن بعض الاعتبارات، وملازمة المسجد كذلك لا تعتبر في حق النساء لأن صلاتها في بيتها أفضل، ويصح اعتبار دعاء الرجل ذو المنصب والجمال للمرأة وامتناعها منه للخشية، وقد استوفيتُ الكلام على السبعة، وإنْ كان المذكور في الأصل إنما هو البعض لما في ذلك من الفوائد. ٤٧٩ - وعن عُقبة بن عَامِر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كل امرئ في ظل صدقته حتى يُفْصَلَ بين الناس" رواه ابن حبان والحاكم (١). الحديث فيه دلالة على فَضْل الصدقة وكون المَرْء في ظلها، إما مجاز عن (ب) مدافعتها عنه أهوال القيامة، أو أن ذلك على حقيقته، وإن الصدقة تأتي أعيانها يوم القيامة فيظله عن حر الموقف، والله أعلم. ٤٨٠ - وعن أبي سعيد الخُدريّ ﵁ عن النبي ﷺ قال: "أيما مسلم كسا مسلمًا ثوبًا على عري كساه الله من خضر الجنة، وأيما مسلم أطعم مسلمًا على جوعٍ أطعمه الله من ثمار الجنة، وأيما مسلم سقى مسلمًا على ظمأ سقاه الله من الرحيق المختوم" رواه أبو

стр. 1571

داود، وفي إسناده لين (١). قوله: "من خضر الجنة" من إقامة الصفة وهو الخفر مقام الموصوف وهو الثياب أي من ثيابها الخضر. وقوله: "من الرَّحِيق" أي من الشراب الخالص الذي لا غِشَّ فيه، والمختوم الذي يُخْتَم أوانيه، وهو عبارة عن نفاستها، وقيل: إن المرَاد منه أن آخر ما يجدون منه في الطَّعْم رائحة المسك من قولهم: ختمتُ الكتابَ أي: انتهيتُ إلى آخره. وفي الحديث دلالة على أن الجزاء من جنس الابتداء. ٤٨١ - وعن حكيم بن حِزَام في النبي ﷺ قال: "اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بِمَنْ تعول، وخير الصدقة عن ظهر غنى، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله" متفق عليه واللفظ للبخاري (٢). اختلف في تفسير (أ) اليد العليا فقال أبو داود: قال الأكثر عن حماد بن زيد: هي المنفقة (٣)، وعند النسائي من حديث طارق المحاربي: "يد المعطي العليا" (٤)، ومثله عن ثعلبة بن زهدم لابن أبي شيبة والبزار (٥)،

стр. 1572

وللطبراني بإسنادٍ صحيح عن حكيم بن حزام مرفوعًا: "يد الله فوق يد المعطي، ويد المعطي فوق المعطى، ويد المعطى أسفل الأيدي" (١)، وله من حديث عدي الجذامي مرفوعًا مثله (٢)، ولابن خزيمة من حديث أبي الأحوص عوف بن مالك عن أبيه مرفوعًا: "الأيدي ثلاثة، فيد الله العليا، ويد المعطي التي تليها، ويد السائل السفلى" (٣). ولأحمد والبزار من حديث عطية السعدي: "اليد المعطية هي العليا، والسائلة هي السفلى" (٤). فهذه الأحاديث متظافرة على التفسير المذكور، وهو قول الجمهور، وقد روى مسدد (أ) في "مسنده" عن حماد بلفظ: "المتعففة" بالعين وفاءين وقد تابعه على ذلك أبو الربيع الزهراني، وقد اختلف على نافع في ذلك، فقال موسى بن عقبة: "المتعففة"، ورواية مالك: "المنفقة"، قال ابن عبد البر: رواية مالك أولى، واليد السفلى قيل: هي الآخذة سواء كان بسؤال أو بغير سؤال، وقد أباه قوم وقالوا: إن الصَّدَقَة تقع في يد الله أولًا قبل يد المتصدق عليه، قال ابن العربي: التحقيق أن السفلى يد السائل، وأما يد الآخذ فلا، لأن يد الله هي المعطية ويد الله هي الآخذة وكلتاهما (ب) عليا وكلتاهما يمين، انتهى.

стр. 1573

وفيه نظر لأن الكلام إنما هو في يد المعطي، والمعطي من الآدميين، والنسبة إلى الله تعالى وكون يده المعطية إنما هو مجاز (١) لكونه المالك لكل شيء المسخر للمعطي، وكون يده الآخذة باعتبار القبُول، وفسر بعضهم اليد العليا بيد المتعفف ولو بعد أن تمد إليه يد المعطي مثلًا، وعلوها معنويّ، وبعضهم هي يد الآخذ بغير سؤال. قال ابن حبان (٢): اليد المتصدقة أفضل من السائلة لا الآخذة بغير سؤال، وقال الحسن البصري: "اليد العليا المعطية والسفلى المانعة"، وآخرون من المتصوفة قالوا (أ): إن اليد الآخذة أفضل من المعطية مطلقًا، وقال ابن قتيبة: وقد حُكي ذلك عن قوم، ثم قال: "وما أرى هؤلاء إلا قومًا استطابوا السؤال فهم يحتجون للدناءة". قال المصنف -رحمه الله تعالى (٣) -: "وقرأت في مطلع الفوائد للعلامة جمال الدين بن نباتة قال: "اليد العليا هي النعمة"، والمعنى أن العطية الجزيلة خير من العطية القليلة، قال: وهذا حث على التكارم بأوجز لفظ فلو أراد إعطاء ألف فصرفه في واحد لظهر عليه أثر العطية خير من صرفه في ألف واحد". وقد عرفت في تفسير الحديث من الروايات الصحيحة ما تضمحل عنده هذه التمحلات، ويؤيد ذلك ما أخرج إسحاق في "مسنده" أن حكيم بن حِزَام قال: يا رسول الله ما اليد العليا؟، قال: التي تعطي ولا تأخذ" فقوله: "ولا تأخذ" صريح في أن الآخِذَة ليست بعليا، والله أعلم. وقوله: "وابدأ بمَنْ تعول": فيه دلالة على تقديمه نفقة نفسه

стр. 1574

وعياله لأنها منحصرة فيه بخلاف نفقة غيرهم، وفيه الابتداء بالأهم فالأهم. وقوله: "وخير الصدقة" إلخ: يعني أن أفضل الصدقة ما بقي صاحبها بعدها مستغنيًا بما بقي معه، وتقديره: أفضل الصدقة ما أبقي المتصدق من ماله ما يستظهر به على مصالحه وحوائجه لأن المتصدق بجميع ماله يندم غالبًا ويود إذا احتاج أنه لم يتصدق بخلاف من بقي بعدها مستغنيًا، فإنه لا يندم عليها، بل يسر بها، [والظهر قال الخطابي: ورد في مثل هذا اتساعًا في الكلام، وقال البغوي: المراد به ما يستظهر به على النوائب تنوبه، ونحوه قولهم: ركب متن السلامة، وقيل بمن للسبية والظهر زائد أي خير الصدقة ما كان سببها غنى] (أ)، وقد اختلف العلماء في الصدقة بجميع ماله، وقيل إن زاد على النصف ترد جميعها، وهو مروي عن عمر بن الخطاب (١) ﵁ فإنه رد على غيلان الثقفي قسمة ماله، وقيل: ينفذ من الثلث، وهو مذهب أهل الشام، وقيل: إن زاد على النصف رُدَّت الزيادة، وهو محكيّ من مكحول، قال أبو جعفر الطبري (ب): ومع جوازه فالمستحب أن لا يفعله وأن يقتصر على الثلث، وقد أخرج أبو داود وصححه الحاكم عن عمر قال: "أمرنا رسول الله ﷺ أن نتصدق فوافق ذلك مالًا عندي، فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يومًا، فجئت بنصف مالي، وأبو بكر بكل ما عنده، فقال له النبي ﷺ : يا أبا بكر ما أبقيت لأهلك؟ قال: أبقيت الله ورسوله (٢)،

стр. 1575

ويجمع بين الأحاديث بأن من تصدق بماله كله وكان صبورًا على الإضافة ولا عيال له أو له عيال يصبرون فلا كلام في حُسْن ذلك، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (١) ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ (٢)، ومن لم يكن بهذه المثابة فهو مكروه له. وقوله: "ومن يستعفف": يعني عن المسألة، ومن يستغن بما عنده من المال وإن كان دون ما يسد خلته والله أعلم. ٤٨٢ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: "قيل: يا رسول الله، أي الصدقة أفضل؟ قال: جهد المُقِلّ وابدأ بمن تعول" أخرجه أحمد وأبو داود وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم (٣). قوله: "جُهد: هو بالضم والفتح، فالضم: الوسع والطاقة، وبالفتح: المشقة وقيل: المبالغة والغاية، وقيل هما لغتان لمعنى، وهو مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف، وقد عرف الجمع بين هذا وبين ما تقدم. ٤٨٣ - وعنه ﵁ قال رسول الله ﷺ : "تصدقوا" فقال رجل يا رسول الله: عندي دينار، قال: "تصدق به على نفسك"، قال: عندي آخر، قال: "تصدق به على ولدك"، [قال: عندي آخر، قال: "تصدق به على زوجَتك" [(أ)، قال: عندي آخر، قال:

стр. 1576

"تصدق به على خادمك"، قال: عندي آخر، قال: "أنت أبصر" رواه أبو داود والنسائي وصححه ابن حبان والحاكم وأخرجه الشافعي وأحمد (١). قال ابن حَزْم: اختلف يحيى القطان والثوري، فقدم يحيى الزوجة على الولد، وقدم سفيان الولد على الزوجة، فينبغي أن لا يقدم أحدهما على الآخر بل يكونان سواء، لأنه قد صح أن النبي ﷺ كان إذا تكلم تكلم ثلاثًا، فيحتمل أن يكون في إعادته إياه قدم الولد مرة، ومرة قدم الزوجة فصارا سواء. قال المصنف -رحمه الله تعالى-: وفي صحيح مسلم (٢) من رواية جابر تقدم الأهل على الولد من غير تردد، فيمكن أن ترجح إحدى الروايتين. والحديث يدل على تقديم النفس بالقيام ثم من ذكر بعد، وذكر مثل هذا الترتيب في مهذب الشافعي (٣)، وبنى عليه الإمام المهدي في "الأزهار" في باب الفطرة، وذكر في "الانتصار" والفقيه أحسن (أ) في "التذكرة " تقديم الزوجة ثم العبد ثم الولد الصغير، وروى في "الانتصار" الحديث في النفقة على هذا الترتيب. قال الإمام المهدي في "الغيث": فأخذ أهل المذهب من ترتيب النفقة في هذا الحديث ترتيب الفطرة، قال: وفي المأخذ ضعف عندي والأقرب

стр. 1577

ما قاله المنصور بالله أنه إذا لم يملك له ولعوله جميعًا قوت عشرة أيام سقطت الفطرة عنه وعنهم لأنه ولو قدر أنه يكفيه وحده فليس له أن يستبد به دونهم فكأنه لم يملك نفسه قوت عشرة أيام، انتهى كلامه. وأقول: إن الحديث لا دلالة له (أ) على النفقة الواجبة وأنما ذلك فيما زاد عليها من البر والصلة، وإلا فلو (ب) كان كما ذكر لما أمره أن ينفق الدينار على نفسه، وظاهره وأن يكفيه أيامًا، وليس كذلك فإنه يجب المشاركة في ذلك، وقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ (١). والله أعلم. ٤٨٤ - وعن عائشة ﵂ قالت: قال النبي ﷺ : "إِذا أنفقت المرأة من طعام بيتها غير مُفْسِدة، كان لها أجرها بما أنفقت، ولزوجها أجره بما كسب، وللخازن مثل ذلك، لا ينقص بعضهم أجر بعض شيئًا" متفق عليه (٢). والحديث فيه دلالة على أن للمرأة أن تتصدق من الطعام الذي قد صار لها فيه تصرف بصنعته اللزوج، ومن تعلق به بشرط أن لا يكون ذلك مضرًا بنفقتهم. قال ابن العربي (٣): وقد اختلف السلف في ذلك فمنهم من أجازه

стр. 1578

لكن في الشيء اليسير الذي لا يؤبه له ولا يظهر به النُّقْصان، ومنهم مَنْ حَمَلَهُ على ما إذا أذِن الزوج ولو بطريق الإجمال، وهو اختيار البخاري، ولذلك ترجم الباب الذي أورد فيه هذا الحديث "باب مَنْ أمر خادمه بالصدقة ولم يناول بنفسه" (١)، وحصل الترجمة في حكم التقييد الحديث المذكور، [ويدل عليه ما أخرجه الترمذي عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تنفق المرأة من بيت زوجها إلا بإذنه، قيل: يا رسول الله، ولا الطعام؟ قال: ذلك أفضل أموالنا"] (أ) (٢). ومنهم مَنْ قال: المراد بنفقة المرأة والعبد والخازن النفقة على عيال صاحب المال في مصالحه، وهو بعيد من لفظ الحديث، ومنهم منْ فَرَّق بين المرأة والخادم، فقال: المرأة لها حق في مال الزوج والنظر في بيتها فجاز لها أن تتصدق بخلاف الخادم، فليس له تصرف في متاع مولاه، فيشترط الإذن فيه، ويرد عليه بأنَّ المرأة ليس لها التصرف إلا في القدر الذي تستحقه، وظاهره أنهم سواء في الأجر، ويحتمل أن يكون المراد بالمثل حصول الأجر في الجملة، وإن كان الكاسب أوفر إلا أنه في حديث أبي هريرة بلفظ: "فلها نصف أجره" يشعر بالتساوي. ٤٨٥ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "جاءت زينب امرأة ابن مسعود قالت: يا رسول الله إنك أمرت اليوم بالصدقة، وكان عندى حلي لي فأردت أن أتصدق به فزعم ابن مسعود أنه وولده أحق من تصدقت به عليهم، فقال النبي ﷺ : صدَقَ ابن مسعود،

стр. 1579

زوجك وولدك أحق من تصدقتِ به عليهم" رواه البخاري (١). قوله: "جاءَتْ زينب": هي بنت معاوية، ويقال: بنت عبد الله بن معاوية بن عتاب الثقفية، ويقال لها أيضًا رائطة، ووقع ذلك في صحيح ابن حبان (٢) في نحو هذه القصة، ويقال: هما ثنتان عند الأكثر، وجزم به ابن سعد (٣)، وقال الكلاباذي: بل هي زينب، وجزم به الطحاوي أيضًا وقال: لا نعلم أن لابن مسعود امرأة في عصر رسول الله ﷺ غيرها (٤). الحديث فيه دلالة على أن الصدقة على من كان أقرب إلى المتصدق أفضل وأولى، وظاهر هذا الحديث أن الصدقة هنا هي صدقة تطوع لا وجوب، وساقه البخاري من حديث عمرو بن الحارث في ترجمة باب الزكاة على الزوج والأيتام في الحجر (٥)، فيدل سياقه على أنه في الصدقة الواجبة، واحتمل أن يكون ذلك في قصة واحدة، وأن يكون قصتان، واستدل بهذا على جواز دفع المرأة زكاتها إلى زوجها، وهو قول الجمهور، وعن أبي حنيفة أنه لا يجزئ لقوله تعالى: ﴿مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ (٦)، فأشبهت الأب، والجواب النص، وفي قوله "وولده" ظاهره أنه يجري صرفها إلى الولد، وقد ادعى في "البحر" وابن المنذر الإجماع بأنه لا يجوز صرفها إلى الولد، وأجيب عن الحديث بأن ذلك في غير الصدقة الواجبة أو أن الصرف إنما هو إلى الزوج وهو المُنْفِق على أولاده، أو أن

стр. 1580

الأولاد للزوج ولم يكونوا لها، ووقع في غير هذه الرواية: "على زوجها وأيتام في حجرها" (١) وهم أولاد أخيها والله أعلم. ٤٨٦ - وعن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مُزْعة لحم" متفق عليه (٢). الحديث فيه دلالة على قُبْح المسألة. وفي قوله: "ما يزال": [إشارة] (أ) إلى كثرة السؤال، وأنَّ المسألة تؤثِّر في الوجه فلا يزال اللحم ينقص مع المسألة حتى ينتهي إلى ذهابه بالكلية، وظاهر الحديث أن السؤال مطلقًا على هذه الكيفية، وقد ورد التخصيص للبعض كما سيأتي ولذا إن البخاري ترجم الباب بباب "من سأل (ب) مكثرًا" (٣) يعني: مَنْ سأل (ب) وهو غني لأجل تكثُّر ماله وأما من سأل (ب) وهو مضطر فهو مباح فلا يعاقب عليه. والمزعة (٤) -بضم الميم وحكي كسرها وسكون الزاي ثم مهملة- أي قطعة، وقد ضبطه بعضهم بفتح الميم والزاي.
следующие страницы →