← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17747

البدر التمام شرح بلوغ المرام ت الزبن

الحسين بن محمد المغربي

Полный текст (4 458 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

"تصدق به على خادمك"، قال: عندي آخر، قال: "أنت أبصر" رواه أبو داود والنسائي وصححه ابن حبان والحاكم وأخرجه الشافعي وأحمد (١). قال ابن حَزْم: اختلف يحيى القطان والثوري، فقدم يحيى الزوجة على الولد، وقدم سفيان الولد على الزوجة، فينبغي أن لا يقدم أحدهما على الآخر بل يكونان سواء، لأنه قد صح أن النبي ﷺ كان إذا تكلم تكلم ثلاثًا، فيحتمل أن يكون في إعادته إياه قدم الولد مرة، ومرة قدم الزوجة فصارا سواء. قال المصنف -رحمه الله تعالى-: وفي صحيح مسلم (٢) من رواية جابر تقدم الأهل على الولد من غير تردد، فيمكن أن ترجح إحدى الروايتين. والحديث يدل على تقديم النفس بالقيام ثم من ذكر بعد، وذكر مثل هذا الترتيب في مهذب الشافعي (٣)، وبنى عليه الإمام المهدي في "الأزهار" في باب الفطرة، وذكر في "الانتصار" والفقيه أحسن (أ) في "التذكرة " تقديم الزوجة ثم العبد ثم الولد الصغير، وروى في "الانتصار" الحديث في النفقة على هذا الترتيب. قال الإمام المهدي في "الغيث": فأخذ أهل المذهب من ترتيب النفقة في هذا الحديث ترتيب الفطرة، قال: وفي المأخذ ضعف عندي والأقرب

стр. 1577

ما قاله المنصور بالله أنه إذا لم يملك له ولعوله جميعًا قوت عشرة أيام سقطت الفطرة عنه وعنهم لأنه ولو قدر أنه يكفيه وحده فليس له أن يستبد به دونهم فكأنه لم يملك نفسه قوت عشرة أيام، انتهى كلامه. وأقول: إن الحديث لا دلالة له (أ) على النفقة الواجبة وأنما ذلك فيما زاد عليها من البر والصلة، وإلا فلو (ب) كان كما ذكر لما أمره أن ينفق الدينار على نفسه، وظاهره وأن يكفيه أيامًا، وليس كذلك فإنه يجب المشاركة في ذلك، وقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ (١). والله أعلم. ٤٨٤ - وعن عائشة ﵂ قالت: قال النبي ﷺ : "إِذا أنفقت المرأة من طعام بيتها غير مُفْسِدة، كان لها أجرها بما أنفقت، ولزوجها أجره بما كسب، وللخازن مثل ذلك، لا ينقص بعضهم أجر بعض شيئًا" متفق عليه (٢). والحديث فيه دلالة على أن للمرأة أن تتصدق من الطعام الذي قد صار لها فيه تصرف بصنعته اللزوج، ومن تعلق به بشرط أن لا يكون ذلك مضرًا بنفقتهم. قال ابن العربي (٣): وقد اختلف السلف في ذلك فمنهم من أجازه

стр. 1578

لكن في الشيء اليسير الذي لا يؤبه له ولا يظهر به النُّقْصان، ومنهم مَنْ حَمَلَهُ على ما إذا أذِن الزوج ولو بطريق الإجمال، وهو اختيار البخاري، ولذلك ترجم الباب الذي أورد فيه هذا الحديث "باب مَنْ أمر خادمه بالصدقة ولم يناول بنفسه" (١)، وحصل الترجمة في حكم التقييد الحديث المذكور، [ويدل عليه ما أخرجه الترمذي عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تنفق المرأة من بيت زوجها إلا بإذنه، قيل: يا رسول الله، ولا الطعام؟ قال: ذلك أفضل أموالنا"] (أ) (٢). ومنهم مَنْ قال: المراد بنفقة المرأة والعبد والخازن النفقة على عيال صاحب المال في مصالحه، وهو بعيد من لفظ الحديث، ومنهم منْ فَرَّق بين المرأة والخادم، فقال: المرأة لها حق في مال الزوج والنظر في بيتها فجاز لها أن تتصدق بخلاف الخادم، فليس له تصرف في متاع مولاه، فيشترط الإذن فيه، ويرد عليه بأنَّ المرأة ليس لها التصرف إلا في القدر الذي تستحقه، وظاهره أنهم سواء في الأجر، ويحتمل أن يكون المراد بالمثل حصول الأجر في الجملة، وإن كان الكاسب أوفر إلا أنه في حديث أبي هريرة بلفظ: "فلها نصف أجره" يشعر بالتساوي. ٤٨٥ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "جاءت زينب امرأة ابن مسعود قالت: يا رسول الله إنك أمرت اليوم بالصدقة، وكان عندى حلي لي فأردت أن أتصدق به فزعم ابن مسعود أنه وولده أحق من تصدقت به عليهم، فقال النبي ﷺ : صدَقَ ابن مسعود،

стр. 1579

زوجك وولدك أحق من تصدقتِ به عليهم" رواه البخاري (١). قوله: "جاءَتْ زينب": هي بنت معاوية، ويقال: بنت عبد الله بن معاوية بن عتاب الثقفية، ويقال لها أيضًا رائطة، ووقع ذلك في صحيح ابن حبان (٢) في نحو هذه القصة، ويقال: هما ثنتان عند الأكثر، وجزم به ابن سعد (٣)، وقال الكلاباذي: بل هي زينب، وجزم به الطحاوي أيضًا وقال: لا نعلم أن لابن مسعود امرأة في عصر رسول الله ﷺ غيرها (٤). الحديث فيه دلالة على أن الصدقة على من كان أقرب إلى المتصدق أفضل وأولى، وظاهر هذا الحديث أن الصدقة هنا هي صدقة تطوع لا وجوب، وساقه البخاري من حديث عمرو بن الحارث في ترجمة باب الزكاة على الزوج والأيتام في الحجر (٥)، فيدل سياقه على أنه في الصدقة الواجبة، واحتمل أن يكون ذلك في قصة واحدة، وأن يكون قصتان، واستدل بهذا على جواز دفع المرأة زكاتها إلى زوجها، وهو قول الجمهور، وعن أبي حنيفة أنه لا يجزئ لقوله تعالى: ﴿مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ (٦)، فأشبهت الأب، والجواب النص، وفي قوله "وولده" ظاهره أنه يجري صرفها إلى الولد، وقد ادعى في "البحر" وابن المنذر الإجماع بأنه لا يجوز صرفها إلى الولد، وأجيب عن الحديث بأن ذلك في غير الصدقة الواجبة أو أن الصرف إنما هو إلى الزوج وهو المُنْفِق على أولاده، أو أن

стр. 1580

الأولاد للزوج ولم يكونوا لها، ووقع في غير هذه الرواية: "على زوجها وأيتام في حجرها" (١) وهم أولاد أخيها والله أعلم. ٤٨٦ - وعن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مُزْعة لحم" متفق عليه (٢). الحديث فيه دلالة على قُبْح المسألة. وفي قوله: "ما يزال": [إشارة] (أ) إلى كثرة السؤال، وأنَّ المسألة تؤثِّر في الوجه فلا يزال اللحم ينقص مع المسألة حتى ينتهي إلى ذهابه بالكلية، وظاهر الحديث أن السؤال مطلقًا على هذه الكيفية، وقد ورد التخصيص للبعض كما سيأتي ولذا إن البخاري ترجم الباب بباب "من سأل (ب) مكثرًا" (٣) يعني: مَنْ سأل (ب) وهو غني لأجل تكثُّر ماله وأما من سأل (ب) وهو مضطر فهو مباح فلا يعاقب عليه. والمزعة (٤) -بضم الميم وحكي كسرها وسكون الزاي ثم مهملة- أي قطعة، وقد ضبطه بعضهم بفتح الميم والزاي.

стр. 1581

قال المصنف ﵀ (١) - "والذي أحفظه عن المحدثين الضم، قال الخطابي (٢): يحتمل أن يكون المراد أنه يأتي ساقطًا أي لا قَدْر له ولا جاه أو يعذب في وجهه حتى يسقط لحمه لمشاكلة العقوبة في مواضع الجناية من الأعضاء لكونه أذل وجهه بالسؤال، وأنه يبعث ووجهه عظم فيكون ذلك شعاره الذي يعرف به". ويؤيد الأول ما أخرجه الطبراني والبزار من حديث مسعود بن عمرو مرفوعًا: "لا يزال العبد يسأل وهو غني حتى يجلو وجهه، فلا يكون له عند الله وجه" (٣). وقال ابن أبي جَمْرَة: معناه أنه ليس في وجهه من الحُسْن شيء، لأن حُسْن الوجه هو بما فيه من اللحم، ومال المُهَلَّب إلى حمله على ظاهره، وإلى أن السر فيه أن الشمس تدنو يوم القيامة فإذا جاء لا لحم بوجهه كانت أذية الشمس له أكثر من غيره. ٤٨٧ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ سأل الناس أموالهم تكثرًا فإِنما يسأل جمرًا فليستقل أو ليستكثر" رواه مسلم (٤). قوله: "فإِنما يسأل جمرًا": قال القاضي ابن العربي: معناه أنه يعاقب بالنار، ويحتمل أن يكون على ظاهره، وأن الذي يأخذه يصير جمرًا يكوى به كما ثبت في مانع الزكاة. ٤٨٨ - وعن الزبير بن العَوَّام ﵁ أن النبي ﷺ

стр. 1582

قال: "لأن يأخذ أحدكم حبله فيأتي بحزمة الحَطَب على ظهره فيبيعها، فيكف بها وجهه خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه" رواه البخاري (١). الحديث فيه دلالة على قُبْح السؤال وحُسْن الاكتساب، ولو امتهن نفسه في طلب الرزق وارتكب المشقة، وذلك لما يدخل على السائل مِنْ ذُل السؤال، ومن ذل الرد إذا لم يعطوه، ولما يدخل على صاحب المال من الضيق في ماله إن أعطي كل سائل، وقد اختلفت الشافعية في القادر على الكسب على وجهين أصحهما أنه حرام لظاهر الأحاديث، والثاني أنه حلال مع الكراهة بثلاثة شروط: أن لا يذل نفسه، ولا يلح في السؤال، ولا يؤذي المسئول، فإن فقد أحدها فهو حرام بالاتفاق. ٤٨٩ - وعن سمرة بن جُنْدب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "المسألة كد يكد بها الرجل وجهه إِلا أن يسأل الرجل سلطانًا أو في أمر لا بد منه" رواه الترمذي، وصححه (٢). والمسألة: أي السؤال من الناس أموالهم. والكد: هو الخدش وهو الأثر، وفي رواية "كُدُوح" (٣) بضم الكاف جمع كدح، وكل أمر من خدش أو عض فهو كدح. وقوله: "إِلا أن يسأل الرجل ذا سلطان": يعني يعطيه ما يستحقه من بيت المال فهو خارج عن مذمة السؤال لأن السائل لم يسأل إلا ما يستحقه، والسلطان ليس له مِنَّة عليه.

стр. 1583

وقوله: "لا بد منه": وذلك كالسؤال في الأمور التي أبيح السؤال فيها. (أ) [عدة أحاديث صدقة التطوع أحد عشر حديثًا] (أ).

стр. 1584

باب قسمة الصدقات ٤٩٠ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :- "لا تحل الصدقة لغني إِلا لخمسة، لعامل عليها، أو رجل اشتراها بماله، أو غارم، أو غاز في سبيل الله، أو مسكين تُصُدِّق عليه منها فأهدى منها لغنيّ". رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه وصححه الحاكم، وأعلّ بالإرسال (١). أخرجوه عن عطاء بن يسار عن النبي ﷺ في رواية الحاكم وأبي داود ومالك، وفي رواية أحمد وأبي داود وابن ماجه والبزار وعَبْد بن حُمَيْد وأبي يَعْلَى والبيهقي عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد. قوله: "لا تحل الصدقة لغني" اختلف في تحقيق الغنى المانع من أخذ الصدقة فأشار البخاري إلى أن ذلك هو الكافي لصاحبه القائم بمصالحه وقال بعد إيراده لقوله تعالى: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ (٢)، "وكم الغني" (٣)، وقول النبي ﷺ : "ولا يجد غنًى يغنيه" (٤)، لقول الله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ﴾ (٥) فأشار إلى ذلك لأن ذلك غني يغنيه أي يقوم بحاجته، وفي

стр. 1585

قوله: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ﴾ لأنهم إذا استطاعوا ضربًا في الأرض لتحصيل ما يقوم بهم فقد ملكوا نوعًا من الغنى، وقد أخرج الترمذي من حديث ابن مسعود: "قيل يا رسول الله: وما يغنيه؟ قال خمسون درهمًا أو قيمتها من الذهب" (١). وفي إسناده حكيم بن جبير وهو ضعيف (٢)، وقد روي من حديث شيخه زبيد أبو عبد الرحمن، ولكن أحمد جزم بأن رواية زبيد موقوفة (٣)، وفي حديث أبي سعيد عند النسائي: "مَنْ سأل وله أوقية فقد أَلْحَفَ" (٤). وأخرج أبو داود: "مَنْ سأل منكم وله أوقية أو عدلها فقد سأل إِلحافًا" (٥). وأخرج من حديث سهل بن الحنظلية قال: قال رسول الله: "مَنْ سأل -وعنده ما يغنيه- فإِنما يستكثر من النار، فقالوا: يا رسول الله وما يغنيه؟ قال: قَدْر ما يغديه ويعشيه" (٦)، وصححه ابن حبان (٧). قال الترمذي (٨) في حديث ابن مسعود: والعمل على هذا عند بعض أصحابنا كالثوري وابن المبارك وأحمد وإسحاق، قال: ووسع قَوْمٌ في ذلك فقالوا: إذا كان عنده خمسون درهمًا أو أكثر وهو محتاج، فله أن يأخذ

стр. 1586

من الزكاة، وهو قول الشافعي وغيره من أهل العلم، قال الشافعي: فيكون الرجل غنيًّا بالدرهم مع الكسب، ولا يغنيه الألف مع ضعفه في نفسه وكثرة عياله، والظاهر أن التحديد بالخمسين إنما هو باعتبار حال الوقت، وأن الخمسين يجد صاحبها بها سدادًا مِنْ عِوَز، وإلا فإنها قد تكون الخمسين باعتبار كثرة المؤنة وغلاء السعر في حق صاحب ذلك في حكم الدرهم الواحد، ولا شك أن جانب المناسبة والحكمة في شرعية الزكاة تقضي بعدم الوقوف على قدر معين، وإنما ذلك باعتبار الكفاية، ويفسر هذا المعنى حديث أبي هريرة وغيره، وذهب الهادي والمؤيد والأزرقي والإمام يحيى وأبو حنيفة إلى أن الغنى هو ملك النصاب، وسواء كان النصاب من الذهب أو الفضة أو ما يقوم بذلك، وذهب الحقيني والأزرقي (١) -تخريجًا على أصل الهادي- وأبو طالب بأن من كان معه من العروض ما يساوي النصاب فإنه لا يصير بذلك غنيا لا سيما ذا العول، قال الإمام المهدي (٢): بل هو غني لقوله ﷺ : "أوقية أو عدلها" فجعل العرض في تحريم المسألة كالنقد، وذهب المرتضي وأبو طالب إلى أن: مَنْ كان لا يكفيه غلة أرضه للسنة وإن قومت نصابًا فإنه فقير تحل له الزكاة، وذهب بعضهم على ما حكاه الخطابي (٣) أن حد الغنى من وجد ما يغديه ويعشيه على ظاهر حديث سهل بن الحنظلية، وقد تأوله بعضهم بأن الغنى ما يغديه ويعشيه على الدوام، وذهب أبو عبيد بن سَلَّام (٤) إلى أن حد الغنى أربعون درهمًا لقوله: "منْ سأل وله أوقية" وهي أربعون درهمًا، والظاهر أن ذلك إنما هو في حِلِّ السؤال لا في حِلّ الصدقة من

стр. 1587

غير سؤال، فالظاهر قَوْل الشافعي، ويقرب منه قول الهادي وأبي حنيفة. وفي قوله: "أو غازٍ في سبيل الله" يفهم منه أن الغازي له أن يتجهز في غزوه من الزكاة وإن كان غنيًّا، لأنه ساعٍ في سبيل الله، ويلحق به من كان قائمًا بمصلحة عامة من مصالح المسلمين؛ كالقضاء والإفتاء والتدريس أي أنه له الأخذ من الزكاة فيما يقوم به مدة القيام بالمصلحة وإن كان غنيًّا، والله أعلم. قال الطبري (١): في حديث عمر ﵁ الآتي دليل واضح على أن مَنْ شُغِلَ بشيءٍ من أعمال المسلمين أخذ الرزق على عمله، انتهى. وذكر ابن المنذر (٢) أنَّ زيد بن ثابت كان يأخذ الأجر على القضاء، واحتج أبو عُبَيْد في جَوَاز ذلك بما فرض اللهُ للعاملين على الصدقة وجعل لهم منها حقًّا لقيامهم وسعيهم فيها، وهذا الذي ذكره هو الذي أشار إليه البخاري حيث قال: "باب رزق الحاكم والعاملين عليها" (٣). والمراد بالرزق: ما يرتبه الإمام من بيت المال لمن يقوم بمصالح المسلمين. وقال المطرزيُّ (٤): الرزق ما يخرجه الإمام كل شهر للمرتزقة من بيت المال، والعطاء ما يخرجه كل عام. وقول البخاري: "والعاملين عليها": يحتمل أن يريد العاملين على الصدقات، وعطفه على أجر الحاكم فيكون المراد أن الحاكم يرزقه مثل رزق العامل من الصدقة بقدر عمله، ويحتمل أن يريد العاملين على

стр. 1588

الحكومات وإنْ لم يَجْرِ لها ذكر؛ لأن ذلك مدلول عليه بذكر الحاكم ويؤيد الاستدلال على جواز أخذ الرزق بآية الصدقات، وهُم من جملة المستحقين لها لعطفهم على الفقراء والمساكين بعد قوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ﴾ (١). قال الطبري: ذهب الجمهور على جواز أخذ القاضي الأجرة على الحكم لكونه يشغله الحُكْم عن القيام بمصالحه، غير أن طائفة من السلف كرهت ذلك ولم يحرموه مع ذلك، وقال أبو علي الكرابيسي: لا بأس للقاضِي أن يأخذ الرزق على القضاء عند أهل العلم قاطبة من الصحابة ومنْ بعدهم، وهو قول فقهاء الأمصار، لا أعلم بينهم خلافًا، وقد كره ذلك قومٌ منهم مَسْرُوق، ولا أعلم أحدًا منهم حرمه. قال المُهَلِّب: وَجْه الكراهة أنه في الأصل محمول على الاحتساب لقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ (٢) فأرادوا أن يجري الأمر فيه على الأصل الذي وضعه الله لِنَبِيِّهِ، ولئلا يدخل فيه مَنْ لا يستحقه فيتحيل على أموال الناس. وقال غيره: أخذُ الرزق على القضاء إذا كانت جهة الآخذ من الحلال جائز إجماعًا، ومن تركه إنما تركه تورعًا، وأما إذا كانت هناك شبهة فالأولى الترك جزمًا، يحرم إذا كان المال يؤخذ لبيت المال من غير وجهه، واختلف إذا كان الغالب حرامًا. وأما مِنْ غير بيت المال ففي جواز الأخذ من المتحاكمين خلاف، ومن أجازه شرط فيه شروطًا، وقد حسن القول بالجواز إلى إلغاء الشروط، وفَشَا ذلك في هذه الأعصار بحيث لا يبالي من أي جهة كان، والله المستعان.

стр. 1589

واستشْهَدَ البخاريُّ على ذلك فقال: "وكان شريح يأخذ على القضاء أجرًا". وهو شُرِيْح بن الحارث بن قيس النخعي الكوفي قاضي الكوفة، ولّاه عمر ثم قضى لمن بعده بالكوفة دهرًا طويلًا، وله مع عليٍّ أخبار في ذلك، وهو ثقة مخضرم؛ أدرك الجاهلية والإسلام، ويقال: إن له صحبة، مات قبل الثمانية وقد جاوز المائة (١). وقد وصله عبد الرزاق وسعيد بن منصور من طريق مجالد عن الشعبي بلفظ: "كان مسروق لا يأخذ على القضاء أجرًا، وكان شريح يأخذ"، وقال: وقالت عائشة ﵂: يأكل الوصي بقدر عمله، ووصله ابن أبي شيبة عن عائشة في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٢)، ثم قال: "وأكل أبو بكر وعمر". أما أثر أبي بكر فوصله ابن أبي شيبة عن عائشة قالت: "لما استخلف أبو بكر قال: قد علم قومي أن حرفتي لم تكن تعجز عن مؤنة أهلي، وقد شغلتُ بأمر المسلمين .... " الحديث، إلى أن قال: "فسيأكل آل أبي بكر من هذا المال، ويحترف للمسلمين فيه". ومنه أن عمر ﵁ لما ولي أَكَلَ هو وأهله من المال، واحترف في مال نفسه.

стр. 1590

وأما أثر عمر فوصله ابن أبي شيبة وابن سعد (١) من طريق حارثة بن مُضَرّب -بضم الميم وفتح الضاد المعجمة وتشديد الراء بعدها موحدة- قال: قال عمر: "إني أنزلتُ نفسي من مال الله منزلة قيم اليتيم إن استغنيت عنه تركت، وإن افتقرت إليه أكلت بالمعروف"، وسنده صحيح. وأخرج بسند صحيح (٢) عن الأحنف قال: "كنا بباب عمر ... " .. فذكر قصة وفيها: فقال عمر: "أنا أخبركم بما أستحل ما أحج عليه وأعتمر وحلتي الشتاء والقيظ وقُوتي وقُوت عيالي كرجل من قريش ليس بأعلاهم ولا أسفلهم". ورخص الشافعي وأكثر أهل العلم في ذلك، وعن أحمد: لا يعجبني، وإن كان فيقدر عمله مثل ولي اليتيم، واتفقوا على أنه لا يجوز الاستئجار عليه، وهذا يؤيد ما ذكرناه أن قوله: "أو غازٍ في سبيل الله" باعتبار المعنى المناسب لذلك، أنه يشمل من كان فيه مصلحة عامة، والله أعلم. ٤٩١ - وعن عبيد الله بن عَديّ بن الخِيَار أن رجلَيْن حدثاه أنهما أتيا رسول الله ﷺ يسألانه الصدَقة، فقلبَ فيهما النظر فرآهما جلدين فقال: "إِن شئتما أعطيتكما، ولا حَظَّ فيها لغني ولا لقوي مكتسب" رواه أحمد وقواه أبو داود والنسائي (٣). هو عبيد الله بن عدي بن الخيار بن عدي القرشي النوفلي (٤)، يقال

стр. 1591

إنه ولد على عهد رسول الله، ﷺ ، ويُعَدُّ في التابعين، وروى عن عمر وعثمان وعبد الله بن عدي الأنصاري، روى عنه عروة بن الزبير وحميد ابن عبد الرحمن وعطاء بن يزيد، مات في زمن الوليد بن عبد الملك، والخيار بكسر الخاء المعجمة وتخفيف الياء تحتها نقطتان وبالراء. والحديث أخرجه الدارقطني، وزاد الطحاوي في "بيان المشكل" أن رجلين من قومه، قال أحمد بن حنبل: ما أجوده من حديث. والآتيان إلى النبي ﷺ وهو في حجة الوداع وهو يقسم الصدقة فسألاه منها، وتقليب البصر مفسر في الرواية، وهو قوله: "فرفع فينا النظر وخفضه". وقوله: "إِن شئتما" إلخ: تناول الحرام أعطيتكما قاله توبيخًا وتغليظًا. والحديث فيه دلالة على تحريم الصدقة على الغني وهو إجماع، وإن اختلفوا في تحقيق الغنى. وقوله: "ولا لقوي مكتسب": يدل على أنه يصير بالحرفة في حكم الغني يحرم عليه الصدقة، وأجاب عنه الإمام المهدي في "البحر" بأنه أراد بالقوي المكتسب من كان له كسب حاصل فيصير به غنيًّا، ونظرًا أنه قد دخل في الغنى ولا وجه للعطف، وقد ذهب الهادوية وأبو حنيفة ومالك إلى أنه لا يصير بذلك في حكم الغنى لتسميته فقيرًا والجواب عنه النص. ٤٩٢ - وعن قَبيصة بن مُخَارق الهلالي قال: قال رسول الله ﷺ : "إِن المسألة لا تحل إِلا لأحد ثلاثة: رجل تحَمَّل حَمَالة فحَلَّتْ له المسألة حتى يصيبها ثم يُمسِكُ، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قوامًا من عيش، ورجل أصابته فاقة حتى يقول ثلاثة من ذوي الحِجَا من قومه: لقد أصابت فلانًا فاقة فحلت له

стр. 1592

المسألة حتى يصيب قوامًا من عيش، فما سواهن من المسألة يا قبيصة سُحْتٌ يأكلها سُحتًا" رواه مسلم وأبو داود وابن خزيمة وابن حبان (١). هو أبو بشر -بكسر الباء الموحدة وسكون الشين المعجمة والراء قَبيْصة -بفتح القاف وكسر الباء الموحدة وبالصاد المهملة- ابن مُخَارِق -بضَمِ الميم وبالخاء المعجمة وبالراء والقاف. وفَدَ على النبي، ﷺ ، عداده في أهل البصرة، وروى عنه ابنه قطن وأبو عثمان النهدي وكنانة بن نعيم وأبو قلابة (٢). قوله: "تحمل حَمَالة" -بفتح الحاء المهملة- وهي المال الذي يتحمله الإنسان عن غيره، أي يستدينه ويدفعه في إصلاح ذات البَيْن، كالإصلاح بين قبيلتَيْن. وقوله: "جائحة" أي آفة أهلكت ماله. والقِوَام -بكسر القاف-: هو ما يقوم بحاله ويَسُدٌّ خلته، وفي رواية "سِدَاد". وهو أيضًا بكسر السين-: وهو ما يسد به الحاجة، وكل شيء سددت به فهو سداد، ومنه سداد الثغر وسداد القارورة، وقولهم سداد من عوز. وقوله: "أصابته فَاقَة" وهي الحاجة، "والحجا" -بالقصر- هو العَقْل، واعتبر كونهم من قومه لأنهم الأعرف بحاله، وكونهم من أهل الحجا دلالة على اشتراط تبصر الشاهد فيما شهد فيه، فلا تقبل شهادة مَنْ قصر تمييزه وغلب عليه الغباوة والغفلة.

стр. 1593

واشتراط الثلاثة ذهب إلى ظاهره بعض الشافعية، وأنه لا يقبل في الاعتبار أقل من ذلك، والجمهور على أنه يكفي الاثنان قياسًا على سائر الشهادات، وحملوا هذا على الندب، وهذا محمول على مَنْ كان له مال من قبل وادعى الفقر، وأما من لم يكن كذلك فإنه يُقْبَلُ قوله. وقوله: "سُحْت" -بضم السين المهملة وسكون الحاء المهملة-: هو الحرام الذي لا يحل كسبه، لأنه يسحت البَرَكَة أي يُذْهبُهَا. وقوله: "يأكلها سُحْتًا": صفة سحت، والضمير الراجع إلى الموصوف مؤنث على تأويل الصدقة، وفائدة الصفة أنَّ آكِلَ السحت لا يجد للسحت الذي يأكله شبهة يجعله مباحًا على نفسه بَل يأكلها من جهة السحت. والحديث فيه دلالة على تحريم المسألة في غير ما ذَكَرَ، وأن ما أعطي بالمسألة فهو حرام. وقد ذهب إلى تحريم السؤال مطلقًا ابن أبي ليلى وتسقط به العدالة لهذا، ولقوله ﷺ : "المسألة كدوح" (١) وغيره. وأجيب بأن ذلك مع الغنى، والتخصيص لمن ذكر بدليله، وقال الإمام يحيى: يجوز سؤال الإمام لقوله ﷺ : "إلا أن يسأل الرجل ذا سلطان" لا غيره فيكره إلا عن ضرورة كما في حق الثلاثة المذكورين في الحديث. وذهب العترة والحنفية والشافعية والإمام يحيى أنه يجوز للفقير السؤال لقوله تعالى: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ (٢) حيث أريد بأحدهما السائل على بعض ما فسر به السلف ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾ (٣)، وإذ هو حقه

стр. 1594

كالدَّيْن. وقال مالك: يجوز سؤال الحقير للتسامح به لا الكثير لقوله ﷺ "فإنما يستكثر من الجمر" (١) وأجيب بأن ذلك مع الغِنَى، والظاهر من الأحاديث النهي عن السؤال مطلقًا إلا لمن ورد الاستثناء في حقهم، والله أعلم. ٤٩٣ - وعن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث قال: قال رسول الله ﷺ : "وإِنها الصدقة لا تنبغي لآل محمد إِنما هي أوساخ الناس"، وفي رواية: "وإِنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد" رواه مسلم (٢). هو عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم الهاشمي القرشي، سكن المدينة ثم تحول عنها إلى دمشق، ومات بها سنة اثنتين وستين. روى عنه عبد الله بن الحارث، وقيل: كان رجلًا على عهد رسول الله ﷺ وليس له في الكتب الستة سوى هذا الحديث (٣). وفي الباب من حديث نوفل بن الحارث: "إن لكم في خُمس الخُمس ما يكفيكم أو يغنيكم" أخرجه أبو نعيم في معرفة الصحابة. وفي الطبراني من حديث ابن عباس قال: "بعث نوفل بن الحارث ابنته إلى رسول الله ﷺ " فذكر نحوه. الحديث فيه دلالة على تحريم الزكاة على النبي ﷺ وعلى آله، فأما على النبي ﷺ فذلك إجماع، وأما على آله فادعى أبو طالب أنه إجماع أيضًا، وكذا ابن قدامة (٤)، ونقل الطبري الجواز عن أبي حنيفة مطلقًا، وقيل عنه: يجوز

стр. 1595

لهم إذا حرموا سهم ذوي القربى، حكاه الطحاوي، ورواه الرافعي عن الإصطخري، ونقل بعض المالكية في ذلك أربعة أقوال: الجواز مطلقًا، أو مع المَنْع من الخُمْس، والمنع مطلقًا، وجواز التطوع دون الفرض. واختلف في الآل المحرم عليهم الزكاة (١)، فذهب الزيدية وأبو حنيفة ومالك إلى أنهم بنو هاشم فقط، وذهب الشافعي إلى ذلك مع دخول بني المطلب في ذلك الحُكْم، ولأحمد روايتان في بني المطلب، وعن المالكية فيما بين هاشم وفهر بن غالب (أ) قولان، وذهب أصبغ إلى أنهم بنو قُصَيّ، والظاهر أن المراد به هنا بنو هاشم؛ لأنهم هم الذين وردت فيهم أسباب الأحاديث في المنع. واحتج الشافعي بقوله ﷺ في بني المطلب "إنا لم نفترق في جاهلية ولا إسلام" (٢)، وأجيب بأن المراد الموالاة. وقوله: "إِنما هي أوساخ الناس" فِعلَّة التحريم أن ذلك لكونهم يتنزهون عن أوساخ الناس، وسميت أوساخ الناس لأنها تطهير لأموالهم ونفوسهم، كما قال الله - تعالى -: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ (٣) فذلك من التشبيه البليغ، وفيه دلالة على أن المُحَرَّم من الصدقة إنما هو المطهر، وهو ما كان ىن واجب، وأما صدقة التطوع فيحرم على النبي ﷺ ، ونقل الخطابي وغيره الإجماع على ذلك، وللشافعي قول: أنها تحل له، وأما آله فالأكثر على حلها لهم، وللشافعي قول

стр. 1596

بتحريمها عليهم، وأبو العباس، وأبو يوسف لعموم الصدقة، والجواب أن ذلك في الصدقة الواجبة، والله أعلم. ٤٩٤ - وعن جُبَيْر بن مُطْعِم قال: مشيت أنا وعثمان بن عفان إلى النبي ﷺ فقلنا: يا رسول الله أعطيت بني المطلب من خُمس خيبر وتركتنا، ونحن وهم بمنزلة واحدة، فقال رسول الله ﷺ : "إِنما بنو المطلب وبنو هاشم شيءٌ واحد" رواه البخاري (١). هو أبو محمد جُبَيْر (٢) -بضم الجيم وفتح الباء الموحدة وسكون الياء- ابن مُطْعِم -بضم الميم وسكون الطاء وكسر العين- ابن عدي بن نوفل ابن عبد مناف القرشي النوفلي، ويقال كنيته أبو أمية، ويقال أبو عدي، أسلم قبل الفتح، ونزل المدينة، ومات بها سنة أربع وخمسين، وقيل: سنة سبع وخمسين، وقيل: سنة تسع وخمسين، [وفي "الرياض المستطابة" سنة ثمان أو تسع بالشك (أ)] روى عنه نافع ومحمد. الحديث فيه دلالة على أنَّ بني المطلب يشاركون بني هاشم في سهم ذوي القربي دون من عداهم، وإن كانوا في النسب سواء، وعلله النبي ﷺ باستمرارهم على الولاء فصاروا كالشيء الواحد في الأحكام، وهو دليل واضح، وقد ذهب إليه الشافعي، والخلاف في ذلك للجمهور، قالوا: وإعطاؤه لبني المطلب على وَجْه التفضيل لا الاستحقاق، ولا يخفى أن هذا خلاف الظاهر، والمراد ببني هاشم هم آل علي وآل جعفر وآل عَقِيْل وآل العباس وآل الحارث، ولم يدخل آل أبي لهب في ذلك الخط

стр. 1597

لأنه لم يسلم منهم أحد في وقته ﷺ ، كذا نُقِلَ عن زيد بن علي، وفي "الجواهر والدرر" أن عتبة ومعتب ابني أبي لهب ثبتا معه ﷺ في حنين (١)، [وفي "جامع الأصول": أسلم عتبة وأخوه معتب عام الفتح، وكانا قد هربا فبعث العباس فأتى بهما فأسلما فسُرَّ رسول الله ﷺ بإسلامهما ودعا لهم وشهدا معه حُنَيْنًا والطائف، ولم يخرجا من مكة ولم يأتيا المدينة، ولهما عقب عند أهل النسب، وهذا عتبة له ذِكْر في كتاب الفرائض، وقيل: إنه أخوه عتيبة، وكان عتبة وعتيبة زوجي بنتي رسول الله ﷺ رقية وأم كلثوم، فلما نزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ (٢) أمرهما أبوهما بفراقهما ففعلا (أ)]. ٤٩٥ - وعن أبي رافع أن النبي ﷺ بعث رجلًا على الصدقة من بني مخزوم فقال لأبي رافع: اصحبني، فإنك تصيب منها. قال: حتى آتى النبي ﷺ فأسأله، فأتاه فسأله، فقال: "مولى القوم من أَنفسهم، وإِنا لا تحل لنا الصدقة". رواه أحمد والثلاثة وابن خُزَيْمَة وابن حبان (٣). وأخرج الحديث الطبراني عن ابن عباس (٤)، والرجل اسمه كما صرح

стр. 1598

به النسائي والطبراني الأرقم بن الأرقم (١). والحديث فيه دلالة على أنَّ حُكْمَ مولى بني هاشم حكمهم في تحريم الزكاة عليه، وقد ذهب إلى هذا المؤيد وأبو طالب، وعن أبي حنيفة وأصحابه وقول للشافعي، وذهب الناصر والإمام يحيي ومالك وقول للشافعي إلى حلها لهم لأن علة التحريم مفقودة وهو قُرْبُ النَّسَب، والجواب أن الحديث صريح في التحريم، ويدل على تحريمها على الآل ومواليهم ولو كان على جهة الأخذ بالعمالة، وذهب الناصر، وأبو حنيفة إلى أنه يجوز أخذ العمالة من الزكاة، وذهب إليه بعض الشافعية أيضًا، قالوا: لأنها إجارة، والجواب أن السهم المذكور وإن كان أخذه على وجه الأجرة، ولكن هذا الحديث يرده. ٤٩٦ - وعن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه أن رسول الله ﷺ كان يعطي عمر العَطَاءَ فيقول: أعْطه أفقر مني، فيقول: "خُذْه فتموله أو تصدق به، وما جاءك من هذا المال وأنت غير مُشْرفٍ ولا سائل فخُذْهُ، وما لا فلا تتبعه نفسك" رواه مسلم (٢). قوله: "كان يعطي عمر العطاء" في رواية لمسلم أيضًا زيادة حسبت العُمالة وهي بضم العين المهملة، ولذا قال الطحاوي: ليس معنى الحديث في الصدقات وإنما هو في الأموال التي يقسمها الإمام، وليست هي من جهة الفقر ولكن من الحقوق، ولذلك لم يقبل من عمر قوله: "أعطه أفقر مني"، لأنه إنما أعطاه لمعنى غير الفقر، ويدل عليه قوله:

стр. 1599

"خذه فتموله". قال الطبري: اختلفوا في قوله: "خذه" بعد إجماعهم بأنه أمر ندب فقيل: هو مندوب لكل من أُعْطِيَ عطية أن يقبلها كائنًا من كان بالشرطين المذكورين في آخر الحديث، وقيل ذلك مخصوص بعطية السلطان، وقال بعضهم: يكره عطية السلطان وهو محمول على السلطان الجائر، والكراهة لأجل الوَرَع والتحرز من الوقوع في الحرام، وهو المشهور من تصرف السلف، والله أعلم. والتحقيق أنَّ مَنْ عَلِمَ كون ماله حلالًا فلا يرد عليه، ومن عَلمَ كَوْن ماله حرامًا فيحرم عطيته، ومن شك فيه فالاحتياط رده وهو الورع، ومَنْ أباحه أخذ بالأصل. قال ابن المنذر: واحتج مَنْ رَخَّصَ فيه بأن الله تعالى قال في اليهود: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ (١)، وقد رهن النبي ﷺ درعه (٢) عند يهودي مع علمه بذلك، وكذلك أخذ الجزية منهم مع علمه بذلك، وأن كثيرًا من أموالهم مِنْ ثَمَن الخمر والخنزير والمعاملات الباطلة، انتهى. وقد ذكر في "الجامع الكافي مختصر جامع آل محمد" ما معناه أن عطية السلطان الجائر لا ترد، قال: لأنه إنْ علم أن ذلك عين مال مسلم وجب قبوله وتسليمه لمالكه، وإن كان ذلك ملتبسًا فهو مَظْلَمَة مصرفها إلى من يستحقها، وإن كان ذلك عين مال الجائر، ففيه تقليل لباطله وأخذ ما يستعين بإنفاقه على معصية. هذا معنى كلامه وهو كلامٌ حَسَن، موافق لقواعد الشريعة إلا أنه شرط

стр. 1600

في ذلك أن يأمن القابض على نفسه من محبة المحسن التي جُبِلَتْ النفوسُ على حب من أحسن إليها، وعلى غيره الاغترار بأنه على حق, والله أعلم. وفي الحديث دلالة على أن للإمام أن يعطي بعض رعيته إذا رأى لذلك وجهًا، وإنْ كان غيره أحوج إليه منه، وإنَّ رد عطية الإمام ولا سيما الرسول ﷺ ليس من الأدب. وقوله: "وأنت غير مشْرف" هو -بالشين المعجمة- من الإشراف، وهو التعرض للشيء والحرص عليهم من قولهم "أشرف على كذا" إذا تطاول له، وقيل للمكان المرتفع "مشرِف" لذلك. قال أبو داود (١): سألتُ أحمد عن إشراف النفس، فقال: بالقلب، وقال يعقوب بن محمد: سألت أحمد (٢) عنه فقال: هو أن يقول مع نفسه يبعث إلَيَّ فلانٌ بكذا، وقال الأثرم: هو أن يضيق عليه أن يرد ما إذا كان كذلك. وقوله: "وما لا" يعني ما لم يوجد فيه هذين الشرطَيْن فلا تتبعه نفسك أي لا تعلقها به. وفي الحديث منقبة ظاهرة لعمر مبينة لفضله وزهده، وإيثاره لحب الله ورسوله وتجرده من العلائق الدنيوية، ﵁. [عدة أحاديث قسمة الصدقات ستة (أ)]. آخر الجزء الرابع، ويتلوه إِن شاء الله الجزء الخامس وأوله: كتاب الصيام والحمد لله رب العالمين

стр. 1601

البَدْرُ التمام شرح بُلوغ المرام للإمَامِ القاضي الحُسين بن محمد المغربي (١٠٤٨ هـ - ١١١٩ هـ) تحقيق علي بن عبد الله الزبن عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية قدم له فضيلة الشيخ صالح بن محمد اللحيدان رئيس مجلس القضاء الأعلى الجزء الخامس

стр. 1602

البَدْرُ التمام شرح بُلوغ المرام

стр. 1603

حقوق الطبع محفوظة الطبعة الأولى ١٤٢٤ - هـ= ٢٠٠٣ م

стр. 1604

كتاب الصيام الصيام والصوم في اللغة بمعنى الإمساك، وفي الشرع: إمساك مخصوص في زمن مخصوص بشرائط مخصوصة (١)، وقال صاحب المحكم: الصوم ترك الطعام والشراب والنكاح والكلام، يقال صام صومًا وصيامًا، ورجل صائم وصوم. وقال الراغب (٢): الصوم في الأصل الإمساك عن الفِعْلِ، ولذلك قيل للفرس الممسك عن السير "صائم". وفي الشرع: إمساك المكلف بالنية عن تناول المطعم والمشرب والاستقاء من الفجر إلى المغرب (٣). ٤٩٧ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تقدموا رمضان بيوم أو يومين إِلا رجل كان يصوم صومًا فليصمه" متفق عليه (٤). اعلم أنه فُرِضَ صوم رمضان في السنة الثانية من الهجرة، واختلف العلماء هل قد كان سبقه فرضية صوم أولًا؟ فالجمهور على أنه لم يكن قد سبقه فرضية صوم، وأشار البخاري (٥) إلى ذلك حيث أورد الآية وهي

стр. 1605

قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ (١) حجة على وجوب الصيام على الإطلاق. ثم بينه سبحانه بقوله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ (٢) الآية، وذهبت الحنفية -وهو وجه للشافعية- إلى أنه تقدم أولًا فرضية عاشوراء فلما نزل رمضان نسخ، ويدل على ذلك حديث عائشة أنه أمر بصيامه حتى فرض رمضان فقال: "من شاء فليصمه ومن شاء أفطر" أخرجه البخاري (٣). ويدل على الأول حديث معاوية مرفوعًا: "لم يكتب الله صيامه" (٤) يعني عاشوراء. قوله: "لا تقدموا رمضان" إلخ، في الحديث دلالة على النهي عن صوم يوم أو يومين قبل رمضان، قال العلماء -رحمهم الله تعالى-: معنى الحديث: لا تستقبلوا رمضان بصيام على نية الاحتياط لرمضان، قال الترمذي (٥)، لما أخرج هذا الحديث: العمل على هذا عند أهل العلم كرهوا أن يتعجل الرجل بصيام قبل دخول رمضان لمعنى رمضان. انتهى. والعلة بذلك أن حُكْم الصيام لا علق بالرؤية فمن تقدم بيوم أو يومين فقد حاول الطعن في ذلك الحكم، ومعنى الاستثناء أن من كان له ورد فقد أذن له فيه لأنه اعتاده وألفه، وليس ذلك من استقبال رمضان في شيء، ويستثنى أيضًا القضاء والنذر بالقياس على ما ذكر لعدم كونه مستقبلًا لرمضان، فالصوم من أجله، ولكنه يلزم من التعليل المذكور أنه لا نهي عن مطلق الفعل لعدم تناول العلة له، ولعله يقال إن النهي عام لما لا سبب له، وإن لم يقصد استقبال رمضان به، وفي ذلك تكميل لحصول المَقْصِد

стр. 1606

الذي اعتبره الشارع، ولا يخرج عنه إلَّا مَا له سبب واضح، والله أعلم. وفي ذلك رد على الرافضة في تجويزهم تقديم الصوم على الرؤية وعلى مَنْ جَوَّزَ النفل المطلق، وإنما اقتصر على اليوم أو اليومين لأنه الغالب في حق مَنْ يقصد ذلك، إذ لا يقع الاحتمال في أكثر من ذلك، وقال بعضهم: ابتداء المنع من أول السادس عشر من شعبان لحديث أبي هريرة مرفوعًا: "إذا انتصف شعبان فلا تصوموا " أخرجه أصحاب السنن وصححه ابن حبان وغيره (١)، وقال الروياني من الشافعية: يحرم التقدم بيوم أو يومين لحديث الباب، ويكره مِنْ نِصْف شعبان للحديث الآخر. وقال جمهور العلماء: يجوز الصوم تطوعًا بعد النصف من شعبان وضعف الحديث الوارد فيه، وقد قال أحمد وابن معين إنه مُنْكَرٌ، واستظهر بحديث أنس مرفوعًا: "أفضل الصيام بعد رمضان شعبان" (٢) لكن إسناده ضعيف. ٤٩٨ - وعن عمار بن ياسر ﵁ قال: "من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم ﷺ " ذكره البخاري تعليقًا، ووصله الخمسة، وصححه ابن خزيمة، وابن حبان (٣). قال البخاري وقال صِلَة: عن عمار. وصلة -هو بكسر الصاد المهملة

стр. 1607

وتخفيف اللام المفتوحة- ابن زُفر -بضم الزاي-. وقد وصله أبو داود والترمذي والنسائي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم من طريق عمرو بن قيس عن أبي إسحاق عنه، ولفظه عندهم: "كنا عند عمار بن ياسر ﵁ فأتي بشاة مصلية، فقال: كلوا، فتنحى بعض القوم فقال: إني صائم، فقال عمار: من صام يوم الشك ... "، وفي رواية ابن خزيمة وغيره: "من صام اليوم الذي نشك ... "، وله متابع بإسناد حسن أخرجه ابن أبي شيبة من طريق منصور عن ربعي أن عمارًا وناسًا معه أتوهم يسألونهم في اليوم الذي يشك فيه فاعتزلهم رجل فقال له عمار: "إنْ كنتَ تُؤمن بالله واليوم الآخر فتعال وكل (١) "، ورواه عبد الرزاق من وجه آخر عن منصور عن ربعي عن رجل عن عمار، وله شاهد من وجةٍ آخر أخرجه إسحاق بن راهويه من رواية سماك عن عكرمة، ومنهم من وصله بذكر ابن عباس فيه. والحديث فيه دلالة على تحريم صوم يوم الشك، وهو يوم الثلاثين من شعبان حيث لم يُرَ فيه الهلال لساتر من غيم وغيره فيجوز كَوْنه من رمضان أو من شعبان، لأن الصحابي لا يقول ذلك مِنْ قِبَل رأيه فيكون من قبيل المرفوع. قال ابن عبد البر: هو مستند عندهم لا يختلفون في ذلك وهو موقوف لفظًا، مرفوع حكمًا، وهذا المعنى مدلول عليه بأحاديث النهي عن استقبال رمضان بصوم، والأمر بإكْمال عدة شعبان، والأمر بالصوم لرؤيته، والإفطار لرؤيته، وقد ذهب إلى هذا الشافعي فقال: لا يجوز صومه فرضًا ولا نفلًا مطلقًا بل قضاء وكفارة ونذرًا ونفلًا يوافق عادة. وقال مالك: لا يجوز عن فرض رمضان ويجوز عما سوى ذلك، وبالقولين المذكورين قال أحمد، وله قول ثالث، وهو: إن المرجع إلى

стр. 1608

رأي الإمام في الصوم والإفطار، وهو مذهب الحسن البصري، ليذهب علي وابن عمر وعائشة وأسماء بنت أبي بكر وعمر وأنس بن مالك وأبو هريرة ومعاوية وعمرو بن العاص والحكم بن أيوب الغفاري وسالم بن عبد الله ومجاهد وطاوس وأبو عثمان النَّهْدِيّ ومطرف بن الشِّخِّير وميمون بن مهران وبكر بن عبد الله المزني وأحمد بن حنبل والهادوية والناصر إلى أنه يندب (أ) صومه، فأما عمر فأخرج الوليد بن مسلم عن مكحول أن عمر بن الخطاب، كان يصوم إذا كانت السماء في تلك الليلة مغيمة، ويقول: "ليس هذا بالتقديم ولكنه التحري". وأخرج الشافعي عن فاطمة بنت حسين أن (ب) علي بن أبي طالب قال: "لأن أصوم يومًا من شعبان أحب إلى من أن أُفْطِرَ يومًا من رمضان"، [ولفظ الرواية أن رجلًا شهد عند علي على رؤية الهلال فصام وأمر الناس أن يصوموا، وقال: "أصوم يومًا من شعبان" الحديث، وفيه انقطاع (١). وأخرجه الدارقطني (٢) من طريق والشافعي وسعيد بن منصور عن شيخ الشافعي عبد العزيز بن محمد الدراوردي] (ب)، وفي كتاب عبد الرزاق أخبرنا معمر عن أيوب عن ابن عمر قال: "كان إذا كان سحاب أصبح صائمًا وإن لم يكن سحاب أصبح مفطرا". وأخرج أحمد (٣) بإسناد الصحيح عن نافع قال: "كان عبد الله إذا مضى من شعبان تسعة وعشرون يبعث من ينظر، فإن رأى فذاك، وإن لم

стр. 1609

ير ولم يَحُلْ دون منظره سحاب ولا قتر أصبح مفطرًا، وإن حال دون منظره سحاب أو قتر أصبح صائمًا". وأخرج أحمد عن يحيى بن إسحاق قال: رأيتُ الهلال إما الظهر وإما قريبًا منه فأفطر ناس من الناس، فأتينا أنس بن مالك وأخبرناه برؤية الهلال وبإفطار من أفطر، فقال: "هذا اليوم يكمل لي أحد وثلاثون يومًا، وذلك أن الحكم بن أيوب أرسل إلى قبل صيام الناس إني صائم غدًا فكرهت الخلاف عليه فصمت، وأنا متم صومي هذا إلى الليل". وأخرج أحمد أيضًا عن مكحول أن معاوية كان يقول: "لأن أصوم يومًا من شعبان أحب إليَّ من أن أفطر يومًا من رمضان". وأخرج أحمد عن عمرو بن العاص أنه كان يصوم اليوم الذي يشك فيه من رمضان. وأخرج أحمد عن ابن أبي مريم قال سمعتُ أبا هريرة يقول: "لأن أتعجل في (أ) صوم رمضان بيوم أحب إلى من أن أتأخر، لأني إذا تعجلت لم يفتني وإذا تأخرت فاتني". وأخرج سعيد بن منصور عن يزيد بن جبير عن الرسول الذي أتى عائشة في اليوم الذي يشك فيه من رمضان، قال: قالت عائشة: "لأن أصوم يومًا من شعبان أحب إليَّ من أن أفطر يومًا من رمضان". وأخرج سعيد بن منصور عن فاطمة بنت المنذر قالت: "ما غم هلال رمضان إلا كانت أسماء متقدمة بيوم وتأمر بتقدمه". وأخرج أحمد عن فاطمة عن أسماء أنها كانت تصوم اليوم الذي يشك فيه من رمضان. وهذا المروي جميعه يدل على استحباب صوم يوم الشك، وقد روي

стр. 1610

عن عمر وعلي وابن عمر كراهة صوم يوم الشك حتى قال ابن عمر: "لو صمت السنة كلها لأفطرت اليوم الذي يشك فيه" أخرجه الثوري (١) في جامعه عن ابن عمر، وقد يجاب عن هذه الآثار مع فرض صحتها أنها موقوفة وللاجتهاد في ذلك مسرح، بل في كثير من الألفاظ ما يفهم منه الاجتهاد لأجل التحري في إكمال العدة، فلا يقاوم أحاديث النهي عن تقدم رمضان بصوم، والأمر بإكمال عدة شعبان مع اللبس، ومن الصريح في ذلك، ما أخرجه أحمد وأصحاب السنن وابن خزيمة وأبو يعلى من حديث ابن عباس (٢) "فإن حال بينكم وبينه سحاب فأكملوا العدة ثلاثين، ولا تستقبلوا رمضان بصوم يوم من شعبان" ورواه النسائي من طريق أخرى بلفظ: "فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين" (٣). وروى الدارقطنيي وصححه وابن خزيمة في صحيحه من حديث عائشة (٤): "كان رسول الله ﷺ يتحفظ من شعبان ما لا يتحفظ من غيره، ثم يصوم لرؤية رمضان، فإن غم عليه كمله ثلاثين يومًا ثم صام"، وأخرجه أبو داود وغيره. وروى أبو داود وابن خزيمة عن حذيفة مرفوعًا: "لا تقدموا الشهر حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة، ثم صوموا حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة" (٥). وفي هذا المعنى من الكثير الطيب، وهو المناسب لما عرف من التشديد

стр. 1611

في المنع من التطوع المشبه للفرض، وكان وصل نافلة الصلاة بالفريضة هلكة، والله أعلم. [وقوله: "فقد عصى أبا القاسم" قيل: إنما أتى بهذه الكنية إشارة إلى أنه هو الذي يقسم بين عباد الله أحكامه زمانًا ومكانا وغير ذلك] (أ). وعن ابنِ عباسٍ ﵁ أن أعرابيا جاء إلى النبي ﷺ فقال: "إني رأيت الهلال، فقال: أتشهد أن لا إله إلا الله؟ قال: نعم، قال: أتشهد أن محمدًا رسول الله؟ قال: نعم. قال: فأذن في الناس يا بلال أن يصوموا غدًا". رواه الخمسة، وصححه ابن خزيمة وابن حبان ورجح النسائي إرساله (١). وأخرجه ابن ماجه والدارقطني والبيهقي والحاكم من حديث سماك عن عكرمة عنه، قال الترمذي: روي مرسلًا، وقال النسائي إنه أولى بالصواب، وسماك إذا انفرد بأصل لم يكن حجة. وفي الحديث دلالة على قبول خبر المستور (٢) الذي لم نعلم في حقه بقادح وأنه يعامل معاملة العدل، فإن النبي ﷺ اكتفى منه بعد معرفته لتصديقه بظاهر الحال من السلامة عن القادح وأنه لا يتم التصديق

стр. 1612

إلا بعد الإقرار بالشهادتين جميعًا وأنه لا يحتاج في التصديق إلى إظهار التبري من سائر الأديان، والله أعلم. ٤٩٩ - وعن ابن عمر ﵄ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إِذا رأيتموه فصوموا، وإِذا رأيتموه فأفطروا، فإِن غم عليكم فاقدروا له" متفق عليه (١)، ولمسلم "فإن أغمي عليكم فاقدروا له ثلاثين" (٢)، وللبخاري "فأكملوا العدة ثلاثين" (٣) وله في حديث أبي هريرة "فأكملوا عدة شعبان ثلاثين" (٤). قوله: "إِذا رأيتموه" الضمير للهلال، وقد أخرجه الإسماعيلي بلفظ سمعت رسول الله ﷺ يقول لهلال رمضان: "إذا رأيتموه فصوموا" الحديث (٥). وكذا أخرجه عبد الرزاق (٦) عن ابن عمر قال رسول الله ﷺ لهلال رمضان "إذا رأيتموه فصوموا". الحديث ظاهره وجوب الصوم عقيب الرؤية ليلًا كانت أو نهارًا, لكنه محمول على صوم اليوم المستقبل، وليس المراد أنه لا يثبت الصيام لكل أحد (أ) إلا برؤيته، بل المراد برؤية (ب) من يثبت بإخباره الحكم، إما واحد

стр. 1613

على رأي بعض، أو اثنان على رأي آخرين، ويدل على هذا التأويل فعله ﷺ والحنفية قالوا: واحد إن كان في السماء غيم وإلا فلا بد من جمع كبير يفيد خبرهم العلم إذا كان صحوًا، والخطاب في قوله: "إِذا رأيتموه" بمعنى إذا وجد فيما بينكم الرؤية، فيدل هذا على أن رؤية بلد رؤية لجميع البلاد فيلزمهم الحُكْم، ويحتمل خلاف ذلك، لأن قوله: "إِذا رأيتموه" خطاب لأناس مخصوصين، وقد اختلف العلماء في ذلك على مذاهب أحدها: تعتبر لأهل كل بلد رؤيتهم (١)، وفي صحيح مسلم (٢) من حديث ابن عباس في قدوم كريب من الشام ما يشهد له، وحكاه ابن المنذر عن عكرمة والقاسم وسالم وإسحاق، وحكاه الترمذي (٣) عن أهل العلم ولم يحك سواه، وحكاه الماوردي وجهًا للشافعية. ثانيها: إذا رئي ببلدة لزم أهل البلاد كلها وهو المشهور عند المالكية، [واختاره الإمام المهدي (٤) على أصل الهادوية، قال: إذ لم يفصل دليل الرؤية] (١)، لكن حكى ابن عبد البر الإجماع على خلافه، قال: وأجمعوا على أنه لا تراعى الرؤية فيما بَعُد من البلدان كخراسان والأندلس، قال القرطبي (٥): قد قال شيوخنا إذا كانت رؤية الهلال ظاهرة قاطعة بموضع ثم نقل إلى غيرهم بشهادة اثنين لزمهم الصوم، وقال ابن الماجشون (٦): لا يلزمهم بالشهادة إلا لأهل البلد الذي ثبتت فيه الشهادة

стр. 1614

إلا إن ثبت عند الإمام الأعظم فيلزم الناس كلهم؛ لأن البلاد في حقه في حكم البلدة الواحدة لنفوذ حكمه في الجميع. وقال بعض الشافعية: إن تقاربت البلاد كان الحكم واحدًا، وإن تباعدت فوجهان: لا يجب عند الأكثر، واختار أبو الطيب وطائفة الوجوب، وحكى البغوي عن الشافعي في ضبط البُعْد أوجهًا: أحدها: اختلاف المطالع قطع به العراقيون والصيدلاني، وصححه النووي في "الروضة" و "شرح المهذب". ثانيها: مسافة القَصْر قطع به الإمام والبغوي وصححه الرافعي في "الصغير"، والنووى في شرح مسلم (١). ثالثها: باختلاف الأقاليم. رابعها: حكاه السرخسي فقال: يلزم كل بلد لا يتضور خفاؤه عنهم يلي عارض دون غيرهم. خامسها: قول ابن الماجشون المتقدم. سادسها: ما حكاه في "البحر" عن الإمام يحيى لمذهب الهادوية مسافة القصر وأن تختلف الجهتان ارتفاعًا وانحدارًا، قيل وكان كل واحد منهما إقليمًا. والذي في "الانتصار" للإمام يحيى أن يكون اختلاف البلدين بأحد اعتبارين، إما بأن يكونا إقليمين، قال: لأن الأقاليم ينقطع بعضها عن بعض، وإما بأن يكون أحدهما سهلًا والآخر جبلًا، لأنهما إذا كانا على هذه الصفة اختلفت فيها المطالع والمغارب.

стр. 1615

قال الإمام يحيى: فبغداد والبصرة والكوفة سهلين فتكون الرؤية في أحدهما رؤية للآخر، والعراق والحجاز وخراسان وجبلان وديلمان كلها جبلية يختلف فيها المطالع والمغارب فلا تكون الرؤية فيها للغير. ويدل الحديث على أن مَنْ انْفَرَدَ بالرؤية يلزمه الإفطار والصوم، وقد ذهب إلى هذا العترةُ جميعًا، والأئمة الأربعة في الصوم، واختلفوا في الإفطار فقال الشافعي: يفطر ويخفيه، وقال الأكثر: يستمر صائمًا احتياطًا. [ويدل عليه حديث كريب (١)، فإنه قال لابن عباس: أولًا تكتفي -شك أحد رواته في أنه بالخطاب لابن عباس الجمع للمتكلم والمخاطب- فقال له ابن عباس: لا. فأمره بالبقاء على الإمساك حتى يعيّد أهل بلده] (أ). وقوله: "فإِن غُمَّ": يغم بضم المعجمة وتشديد الميم، أي حال بينه وبينكم غيم، يقال غممت الشيء إذا غطيته، ووقع في رواية أبي هريرة (٢) بلفظ: غم وأغمي وغبي من الغباوة وهو عدم الفطنة استعارة لخفاء الهلال. ونقل ابنُ العربي (٣) أنه روي عمي بالعين المهملة من العمى، قال: وهو بمعناه لأنه ذهاب البصر عن المشاهدات، أو ذهاب البصر عن المعقولات. وقوله: "فاقدروا له": أي قدروا عدد الشهر ثلاثين يومًا، والمعنى: أفطروا يوم الثلاثين واحسبوه تمام الشهر الأول، وهذا تفسير مالك وأبي حنيفة والشافعي، وهو بصيغة الأمر بوصل الهمزة وكسر الدال وضمها، وقال المطرزي: الضم خطأ، وهذا التأويل ترجحه الروايات الأخر المصرحة
следующие страницы →