في المنع من التطوع المشبه للفرض، وكان وصل نافلة الصلاة بالفريضة هلكة، والله أعلم.
[وقوله: "فقد عصى أبا القاسم" قيل: إنما أتى بهذه الكنية إشارة إلى أنه هو الذي يقسم بين عباد الله أحكامه زمانًا ومكانا وغير ذلك] (أ).
وعن ابنِ عباسٍ ﵁ أن أعرابيا جاء إلى النبي ﷺ فقال: "إني رأيت الهلال، فقال: أتشهد أن لا إله إلا الله؟ قال: نعم، قال: أتشهد أن محمدًا رسول الله؟ قال: نعم. قال: فأذن في الناس يا بلال أن يصوموا غدًا".
رواه الخمسة، وصححه ابن خزيمة وابن حبان ورجح النسائي إرساله (١).
وأخرجه ابن ماجه والدارقطني والبيهقي والحاكم من حديث سماك عن عكرمة عنه، قال الترمذي: روي مرسلًا، وقال النسائي إنه أولى بالصواب، وسماك إذا انفرد بأصل لم يكن حجة.
وفي الحديث دلالة على قبول خبر المستور (٢) الذي لم نعلم في حقه بقادح وأنه يعامل معاملة العدل، فإن النبي ﷺ اكتفى منه بعد معرفته لتصديقه بظاهر الحال من السلامة عن القادح وأنه لا يتم التصديق
стр. 1612
إلا بعد الإقرار بالشهادتين جميعًا وأنه لا يحتاج في التصديق إلى إظهار التبري من سائر الأديان، والله أعلم.
٤٩٩ - وعن ابن عمر ﵄ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إِذا رأيتموه فصوموا، وإِذا رأيتموه فأفطروا، فإِن غم عليكم فاقدروا له" متفق عليه (١)، ولمسلم "فإن أغمي عليكم فاقدروا له ثلاثين" (٢)، وللبخاري "فأكملوا العدة ثلاثين" (٣) وله في حديث أبي هريرة "فأكملوا عدة شعبان ثلاثين" (٤).
قوله: "إِذا رأيتموه" الضمير للهلال، وقد أخرجه الإسماعيلي بلفظ سمعت رسول الله ﷺ يقول لهلال رمضان: "إذا رأيتموه فصوموا" الحديث (٥). وكذا أخرجه عبد الرزاق (٦) عن ابن عمر قال رسول الله ﷺ لهلال رمضان "إذا رأيتموه فصوموا".
الحديث ظاهره وجوب الصوم عقيب الرؤية ليلًا كانت أو نهارًا, لكنه محمول على صوم اليوم المستقبل، وليس المراد أنه لا يثبت الصيام لكل أحد (أ) إلا برؤيته، بل المراد برؤية (ب) من يثبت بإخباره الحكم، إما واحد
стр. 1613
على رأي بعض، أو اثنان على رأي آخرين، ويدل على هذا التأويل فعله ﷺ والحنفية قالوا: واحد إن كان في السماء غيم وإلا فلا بد من جمع كبير يفيد خبرهم العلم إذا كان صحوًا، والخطاب في قوله: "إِذا رأيتموه" بمعنى إذا وجد فيما بينكم الرؤية، فيدل هذا على أن رؤية بلد رؤية لجميع البلاد فيلزمهم الحُكْم، ويحتمل خلاف ذلك، لأن قوله: "إِذا رأيتموه" خطاب لأناس مخصوصين، وقد اختلف العلماء في ذلك على مذاهب أحدها: تعتبر لأهل كل بلد رؤيتهم (١)، وفي صحيح مسلم (٢) من حديث ابن عباس في قدوم كريب من الشام ما يشهد له، وحكاه ابن المنذر عن عكرمة والقاسم وسالم وإسحاق، وحكاه الترمذي (٣) عن أهل العلم ولم يحك سواه، وحكاه الماوردي وجهًا للشافعية.
ثانيها: إذا رئي ببلدة لزم أهل البلاد كلها وهو المشهور عند المالكية، [واختاره الإمام المهدي (٤) على أصل الهادوية، قال: إذ لم يفصل دليل الرؤية] (١)، لكن حكى ابن عبد البر الإجماع على خلافه، قال: وأجمعوا على أنه لا تراعى الرؤية فيما بَعُد من البلدان كخراسان والأندلس، قال القرطبي (٥): قد قال شيوخنا إذا كانت رؤية الهلال ظاهرة قاطعة بموضع ثم نقل إلى غيرهم بشهادة اثنين لزمهم الصوم، وقال ابن الماجشون (٦): لا يلزمهم بالشهادة إلا لأهل البلد الذي ثبتت فيه الشهادة
стр. 1614
إلا إن ثبت عند الإمام الأعظم فيلزم الناس كلهم؛ لأن البلاد في حقه في حكم البلدة الواحدة لنفوذ حكمه في الجميع.
وقال بعض الشافعية: إن تقاربت البلاد كان الحكم واحدًا، وإن تباعدت فوجهان: لا يجب عند الأكثر، واختار أبو الطيب وطائفة الوجوب، وحكى البغوي عن الشافعي في ضبط البُعْد أوجهًا: أحدها: اختلاف المطالع قطع به العراقيون والصيدلاني، وصححه النووي في "الروضة" و "شرح المهذب".
ثانيها: مسافة القَصْر قطع به الإمام والبغوي وصححه الرافعي في "الصغير"، والنووى في شرح مسلم (١).
ثالثها: باختلاف الأقاليم.
رابعها: حكاه السرخسي فقال: يلزم كل بلد لا يتضور خفاؤه عنهم يلي عارض دون غيرهم.
خامسها: قول ابن الماجشون المتقدم.
سادسها: ما حكاه في "البحر" عن الإمام يحيى لمذهب الهادوية مسافة القصر وأن تختلف الجهتان ارتفاعًا وانحدارًا، قيل وكان كل واحد منهما إقليمًا.
والذي في "الانتصار" للإمام يحيى أن يكون اختلاف البلدين بأحد اعتبارين، إما بأن يكونا إقليمين، قال: لأن الأقاليم ينقطع بعضها عن بعض، وإما بأن يكون أحدهما سهلًا والآخر جبلًا، لأنهما إذا كانا على هذه الصفة اختلفت فيها المطالع والمغارب.
стр. 1615
قال الإمام يحيى: فبغداد والبصرة والكوفة سهلين فتكون الرؤية في أحدهما رؤية للآخر، والعراق والحجاز وخراسان وجبلان وديلمان كلها جبلية يختلف فيها المطالع والمغارب فلا تكون الرؤية فيها للغير.
ويدل الحديث على أن مَنْ انْفَرَدَ بالرؤية يلزمه الإفطار والصوم، وقد ذهب إلى هذا العترةُ جميعًا، والأئمة الأربعة في الصوم، واختلفوا في الإفطار فقال الشافعي: يفطر ويخفيه، وقال الأكثر: يستمر صائمًا احتياطًا. [ويدل عليه حديث كريب (١)، فإنه قال لابن عباس: أولًا تكتفي -شك أحد رواته في أنه بالخطاب لابن عباس الجمع للمتكلم والمخاطب- فقال له ابن عباس: لا. فأمره بالبقاء على الإمساك حتى يعيّد أهل بلده] (أ).
وقوله: "فإِن غُمَّ": يغم بضم المعجمة وتشديد الميم، أي حال بينه وبينكم غيم، يقال غممت الشيء إذا غطيته، ووقع في رواية أبي هريرة (٢) بلفظ: غم وأغمي وغبي من الغباوة وهو عدم الفطنة استعارة لخفاء الهلال.
ونقل ابنُ العربي (٣) أنه روي عمي بالعين المهملة من العمى، قال: وهو بمعناه لأنه ذهاب البصر عن المشاهدات، أو ذهاب البصر عن المعقولات.
وقوله: "فاقدروا له": أي قدروا عدد الشهر ثلاثين يومًا، والمعنى: أفطروا يوم الثلاثين واحسبوه تمام الشهر الأول، وهذا تفسير مالك وأبي حنيفة والشافعي، وهو بصيغة الأمر بوصل الهمزة وكسر الدال وضمها، وقال المطرزي: الضم خطأ، وهذا التأويل ترجحه الروايات الأخر المصرحة
стр. 1616
بالمراد وهي "فاقدروا ثلاثين" و "أكملوا العدة ثلاثين" ونحوها، وأولى ما يفسر الحديث بالحديث، وقال أحمد: معناه ضيفوا له وقدروه تحت السحاب، وقال أبو نعيم: معناه أقسطوا النظر والطلب للموضع الذي تقدرون أنكم ترونه منه، وقال أبو العباس ابن سُرَيْج من الشافعية ومطرف ابن عبد الله من التابعين وابن قتيبة من المحدثين أن معناه قدروه بحسب المنازل، قال ابن عبد البر: لا يصح عن مطرف، وأما ابن قتيبة فليس هو ممن يُعَرَّجُ عليه في مثل هذا، ونقل ابن خويز منداد عن الشافعي مسألة ابن سريج، والمعروف عن الشافعي ما عليه الجمهور، ونقل ابن عبد البر عن ابن سريج أن قوله: "فاقدروا له" خطاب لمن خصه الله بهذا العلم، وأن قوله: "فأكملوا العِدَّة" خطاب للعامة.
قال ابنُ العربي: فصار وجوب رمضان عنده مختلف يجب على قوم بحساب الشمس والقمر وعلى آخرين بحساب العدد، وقال: وهذا بعيد عن النبلاء.
وقال ابن الصلاح: معرفة منازل القمر هو معرفة سَيْر الأَهلَّة، وأما معرفة الحساب فأمر دقيق يختص بِمعرفة الآحاد، قال: فمعرفة منازل القمر تدرك بأمرٍ محسوس يدركه مَنْ يراقب النجوم، وهذا هو الذي أراده ابن سريج، وقال في حق العارف بها في خاصة نفسه، ونقل الروياني عنه أنه لم يَقُلْ بوجوب ذلك، وإنما قال بجوازه، وهو اختيار القفال وأبي الطيب، وأما أبو إسحاق في "المهذب" فنقل عن ابن سريج لزوم الصوم في هذه الصورة.
فتعدد الآراء في هذه المسألة بالنسبة إلى خصوص النظر في الحساب والمنازل أحدها: الجواز ولا يجزيء عن الفرض.
ثانيها: يجوز ويجزيء.
ثالثها: يجوز للحاسب ويجزئه لا للمنجم.
стр. 1617
رابعها: يجوز لهما ولغيرهما تقليد الحاسب دون المنجم.
خامسها: يجوز لهما ولغيرهما مطلقًا.
وقد ذهب إلى هذا الروافض، قال الباجي: وإجماع السلف الماضي الصالح حُجَّة عليهم، وقال ابن بريزة: وهو مذهب باطل قد نهت الشريعة عن الخوض في علم النجوم لأنها حدس وتخمين ليس فيها قطع ولا ظن.
وأقول: والجواب الواضح عليهم ما أخرجه البخاري عن ابن عمر أنه قال ﷺ : "إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا" (١): يعني مرة تسعة وعشرين ومرة ثلاثين، إنه مصرح بعدم الرجوع في هذه الشريعة المحمدية إلى النجوم في هذا الحُكْم [كما في غيره في سائر] (أ) الأحكام، وهل يجوِّز العاقل أن يكون النبي ﷺ وأصحابه أنهم لا يحسبون ولا يعتبرون سير الأفلاك ويأتي من بعده من يتأسى به ويسلك غير ذلك المنهج السهل الواضح.
قال ابن بطال: في الحديث رفع لمراعاة النجوم بقوانين التعديل، وإنما المُعَوّل على رؤية الأهلة، وقد نُهينا عن التكلف، ولا شك أن في مراعاة ما غَمُض حتى لا يدرك إلا بالظنون غاية التكلف.
واختار الإمام المهدي في "البحر" أن العارف بالنجوم إذا عرف ذلك يقينًا عاديًا عمل به كمن انفرد بالرؤية، والله أعلم.
[فائدة: أخرج أبو داود (٢) عن الحسن في رجل كان بمصْر من الأمصار فصام يوم الإثنين، وشهد رجلان أنهما رأيا الهلال ليلة الأحد فقال: لا يقضي ذلك اليوم الرجل ولا أهل مصره إلا أن يعلموا أن أهل
стр. 1618
مصر من أمصار السلمين قد صاموا يوم الأحد فيقضونه] (أ).
٥٠٠ - وعن ابن عمر ﵁ قال: "تراءى الناسُ الهلال فأخبرت النبي ﷺ أو رأيته فصام وأمر الناس بصيامه" رواه أبو داود، وصححه ابن حبان، والحاكم، وأخرجه الدارمي والدارقطني والبيهقي، وصححه ابن حزم كلهم من طريق أبي بكر بن نافع عن نافع عنه (١).
وأخرجه الدارقطني والطبراني في "الأوسط" من طريق طاوس قال: "شهدتُ المدينة وبها ابن عمر وابن عباس فجاء رجل إلى واليها وشهد عنده على رؤية هلال شهر رمضان، فسأل ابن عمر وابن عباس عن شهادته فأمراه أن يجيزه، وقالا: إن رسول الله ﷺ أجاز شهادة واحد على رؤية هلال رمضان، وكان لا يجيز شهادة الإفطار إلا شهادة رجلين".
قال الدارقطني: تفرد به حفص بن عمر الأيلي، وهو ضعيف (٢).
والحديث يدل على قَبُول خبر الواحد في ابتداء الصوم، وقد ذهب إلى هذا الشافعي في أحد قولَيْه وأحمد وابن المبارك، وتخريج أبي مضر للمؤيد باللهِ، وللشافعية في الواحد اشتراط العدالة في الأصح لا عَبْد وامرأة، وهذا ما نَصَّ عليه الشافعي في "الأم" (٣)، واحتمال أنه يصح من المرأة والعبد
стр. 1619
لأنه رواية، والأصح في الصبي المميز الثقة عدم القبول، وذهب الهادوية ومالك والثوري والنخعي وأحد قولي الشافعي إلى اعتبار العدد فلا يكفي الواحد لحديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب أنه خطب الناس في اليوم الذي يشك فيه فقال: جالست أصحاب رسول الله ﷺ وسألتهم وإنهم حدثوني أن رسول الله ﷺ قال: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غُمَّ عليكم فأكملوا عِدَّةَ شعبان ثلاثين يومًا، إلا إن شهد شاهدان" رواه النسائي (١)، فدل بمفهوم العدد أنه لا يكفي الواحد، قال الإمام المهدي (٢): وحديث ابن عمر وحديث الأعرابي يحتمل أنه قد كان شهد غيرهما بذلك كما أنه ﷺ رآه فلم يعلم برؤيته حتى أخبره غيره فقال: وآخر معك، وأجيب عن ذلك بأن المفهوم يترك لما هو أقوى منه، وقد وجد ما هو أقوى منه، والاحتمال الذي ذكره خلاف الظاهر، فإن سياق الإخبار يقضي بأنه لم يكن قد سبق خبر بذلك، وحكاية رؤيته ﷺ وحده لم تثبت ولم يخرجها أحد من الأئمة المعتبرين، وذهب الصادق [ورواية عن زيد بن علي] (أ) وأحد قولَي المؤيد بالله وأبو حنيفة إلى أنه يقبل الواحد في الغيم لاحتمال خفائه عن غيره لا الصحو فلا بد من جماعة لِبُعْد خفائه، وظاهر أقوالهم أن المشترط العدد مع العدالة فيصح أن يكون المخبر امرأتين، ونص عليه القاضي زيد إذ لا دليل على اعتبار غيرهما، وقد يجاب عنه بأن قوله "شاهدان" دليل على كونها شهادة، فلا تكفي المرأتان، وقد ذهب إليه الناصر وقال: لا تُقْبَلُ شهادة النساء.
وعلى قول من لم يعتبر العدد هو خبر فيكفي في غير محضر الحاكم، ولا يشترط لفظ الشهادة، وعلى القول بالعمل بخبر الواحد في الصوم دون الإفطار إذا صمنا وكملت الثلاثين وجب الإفطار على الأصح لأنا لم نفطر
стр. 1620
بخبر الواحد صريحًا، وإنما هو متضمن، واحتمل أن لا يجب الإفطار لأنه يؤدي إلى الفطر بقول واحد، وهو ممتنع ابتداء، فكذلك إذا اقتضاه الشهادة السابقة، وأجاب الأول بأنه قد يثبت الشيء ضمنًا ولا يثبت صريحًا.
٥٠١ - وعن حفصة أم المؤمنين ﵂ أن النبي ﷺ قال: "مَن لم يبيت الصيام قبل الفجر فلا صيام له".
رواه الخمسة، ومال الترمذي والنسائي إلى ترجيح وقفه، وصححه مرفوعًا ابنُ خزيمة وابن حبان (١).
وللدارقطني: "لا صيام لمن لم يفرضه من الليل" (٢).
الحديث لفظ النسائي، وغيره بلفظ: "من لم يجمع"، وقد اختلفت الأئمة في رفعه ووقفه، فقال ابن أبي حاتم عن أبيه (٣): لا أدري أيهما أصح، يعني رواية يحيى بن أيوب عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم عن الزهري عن سالم عن أبيه عن حفصة مرفوعًا، ورواية إسحاق بن حازم عن عبد الله بن أبي بكر عن سالم عن أبيه عن حفصة مرفوعًا بغير واسطة الزهري، لكن الوقف أشبه، وقال أبو داود (٤): "ووقفه (أ) على حفصة: مَعْمَر بن راشد والزبيدي وابن عيينة ويونس الأيلي كلهم عن الزهري"، وقال الترمذي (٥): "الموقوف أصح" ونقل في "العلل" عن البخاري أنه قال:
стр. 1621
هو خطأ، وهو حدَّثنا فيه اضطراب، والصحيح عن ابن عمر موقوف.
وقال النَّسائيّ: الصواب عندي موقوف، ولم يصح رفعه.
وقال أحمد: ما له عندي ذلك الإسناد.
وقال الحاكم في "الأربعين": صحيح على شرط الشيخين (١)، وقال في "المستدرك": صحيح على شرط البُخاريّ (١).
وقال البيهقي (٢): "رواته ثقات إلَّا أنه رُوِيَ موقوفًا" (١).
وقل الخطابي (٣): أسنده عبد الله بن أبي بكر، والزيادة من الثقة مقبولة.
وقال ابن حزم: الاختلاف فيه يزيد الخبر قوة لأنَّ مَنْ رواه مرفوعًا قد رواه موقوفًا (٤).
وأخرَجه الدارقطني من طريق أُخْرَى وقال: "رجالها ثقات" (٥) وأخرجه ابن ماجه أيضًا (٦).
وفي الباب عن عائشة أخرجه الدارقطني (٧)، وفي إسناده عبد الله بن عباد، وهو مجهول، وقد ذكره ابن حبان في الضعفاء (٨).
وعن ميمونة بنت سعد (٩)، ورواه أيضًا، وفيه الواقدي (١٠).
والحديث يدل على أنه لا يصح الصوم إلَّا بتبييت النية، ويبيتها بأن
стр. 1622
ينوي في أي جزء مِنْ آخر الليل، وأول وقتها من الغروب عند الأكثر، وقال بعضُ أصحاب الشافعي: من النصف الأخير، ولا وجه له، وتقدم النية على الصوم هو على نحو سائر العبادات، فإن بيتها (أ) مقارِن (ب) لأول جزء، أو متقدمة مستصحب حكمها، وهو موافق لحديث: "الأعمال بالنية" (جـ)، فإن ابتداء الصوم عمل (د) فلا بد أن يكون مصحوبًا بالنية، وآخر النهار غير منفصلة عن الليل بفاصل يتحقق، فلا يتحقق إلَّا إذا كانت النية واقعة في جزء من الليل، وظاهر هذا شمول الفرض والنفل، وأنه لا يصح إلَّا بتبييت، وقد ذهب إلى هذا ابن عمر ومالك والليث وابن أبي ذؤيب (هـ) والمؤيد والناصر، إلَّا أن مالكًا خصص مَنْ سرد الصوم فلا يحتاج إلى التبييت، وذهب الشافعي والإمام يحيى إلى أنه يجب التبييت في الفرض دون النفل لهذا الحديث، وخصص النفل حديث عائشة الآتي وغيره ممَّا في معناه، إلَّا أن للشافعي قولَيْن فيما بعد الزوال، نص في معظم كُتبه على صحة النية قبل الزوال فقط، ونقل ابن المنذر الجواز مطلقًا، وذَهب عليّ وابن مسعود والنخعي والهادوية إلى أنها تصح نية الصوم إلى آخر جزْء من النهار فِي غير القضاء والنذر المطلق والكفارات، قالوا: لأنَّ النَّبيَّ ﷺ بعث رجلًا ينادي في النَّاس يوم عاشوراء: أن مَنْ أكل فليتم أو فليصم، ومن لم يأكل فلا يأكل، أخرجه البُخاريّ (١).
стр. 1623
وكان واجبًا ثم نسخ، ونسخ وجوبه لا يرفع سائر الأحكام، فقِيس عليه رمضان، وفي حكمه النذر المعين والتطوع لحديث عائشة وغيره فخصص مِن عموم، فلا صيام له، وبقي ما عدا ذلك داخلًا تحت العموم، وادعى في "البحر" (١) الإجماع على وجوب التبييت في القضاء والنذر المطلق والكفارات، فإن صح الإجماع فهو دليل، وإلا فيمكن قياسها أيضًا على عاشوراء أو (أ) التطوع، ويكون قرينة على تأويل الحديث بأن المعنى لا صيام كامل كما في غير ذلك، مثل: "لا صلاة لحاقن"، ونحوه.
وقال الطحاوي: إنْ كان صوم الفرض في يوم يعينه كعاشوراء أجزت النية في النهار، وإن كان في يوم لا يعينه كرمضان فلا يجزئ إلَّا بالتبييت، وصوم التطوع يجزئ في الليل وفي النهار.
قال إمام الحرمين: هذا كلام لا أصل له.
والحديث يدل أيضًا أن (ب) لا بد من النية، وهو مطابق لعموم الأعمال بالنيات، وهو قول الأكثر.
وقال زفر: يصح صوم رمضان في حق المقيم الصحيح بغير نية.
وبه قال عطاء ومجاهد، واحتج زفر بأنه متعين فيه الصوم، فالزمان معيار له فلا يحتاج إلى تعيينه بالنية، وألزمه أبو بكر الرازي بأنه يصح صوم المغمى عليه في رمضان إذا لم يأكل ويشرب لوجود الإمساك بغير نية، وألزمه غيره أن منْ أخَّرَ الصَّلاة حتَّى لم يبق من وقتها إلَّا قدرها فصلى أن يجزيه لتعين الوقت.
стр. 1624
٥٠٢ - وعن عائشة ﵂ قالت: دخل النبيُّ ﷺ ذات يوم فقال: "هل عندكم شِيء؟ " قلنا: لا، قال "فإِني إِذًا صائم" ثم أتانا يومًا آخر فقلنا: أُهْدِيَ لنا حيس، فقال: "أرينيه، فلقد أصبحت صائمًا"، فأكل. رواه مسلم (١).
هذه إحدى روايتي مسلم، والرواية الأخرى (٢): قالت: قال لي رسول الله ﷺ ذات يوم: "يا عائشة، هل عندكم شيء؟ قالتْ: قلت: يا رسول الله ما عندنا شيء، قال: فإني صائم، قالت: فخرج النَّبيُّ ﷺ فأهديت لنا هدية، أو جاءنا زور، فلما رجع رسول الله ﷺ قلت: يا رسول الله، أهديت لنا، أو جاءنا زور، وقد خبأت لكَ شيئًا، قال: ما هو؟ قلت: حيس، قال: هاتيه، فجئتُ به فأكل ثم قال: قد كنتُ أصبحت صائمًا".
قال القاضي وغيره، الروايتان حديث واحد (٣).
وفيه دلالة على مذهب الجمهور أن صوم التطوع لا يشترط فيه التبييت، وتأوله مشترط التبييت بأنه قد كان نوى الصوم من الليل، وإنما أراد الفِطْر لما ضعف عن الصوم، وهو محتمل لا سيما على رواية: "فلَقَدْ أصبحتُ صائمًا".
وفي الحديث أيضًا دلالة على أن المتطوع أمير نفسه وأن له أن يُفْطِرَ في أي جزء من أجزاء النهار، ولا يجب عليه القضاء، وقد قال بهذا جماعة من الصحابة وأحمد وإسحاق وغيرهم، ولكنهم متفقون على استحباب إتمامه.
стр. 1625
وقال أبو حنيفة ومالك: لا يجوز قطعه ويأثم بذلك، وبه قال الحسن البصري ومكحول والنخعي، وأوجبوا قضاءه على مَنْ أفطر بلا عذْر.
قال ابن عبد البر: وأجمعوا على أنه لا قضاء على من أفطر لعذر.
والحَيْس: بفتح الحاء المهملة هو التمر مع السمن والأقط.
وقال الهروي: ثريدة من أخلاط، والأول هو المشهور.
والزَّوْر: بفتح الزاي تقع على الواحد والجمع، أي الزوار.
وقد خبأت لك معناه: جاءنا زائر ومعهم هدية خبأت لك منها، أو يكون معناه: جاءنا زور فأهدي لنا بسببهم هدية فخبأت لك منها.
٣٠٥ - وعن سَهْل بن سَعْد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يزال الناسُ بخير ما عجلوا الفطر" متفق عليه (١).
وللترمذي من حديث أبي هريرة ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ قال: قال الله -تعالى-: "أحب عبادي إليّ أعجلهم فطرًا" (٢).
الحديث فيه دلالة على أن الأفضل الموافق للسنة التي بسببها ينال الخير ويندفع الشر، وهو تعجيل الإفطار إذا تحقق غروب الشمس بالرؤية أو بإخبار من يجوز العمل بقوله، وقد رواه ابن حبان والحاكم من حديث سهل أيضًا بلفظ: "لا تزال أمتي على سنتي ما لم تنتظر بفطرها النجوم" (٣)، وفيه بيان العلة في ذلك، وقد صرح بها أيضًا في حديث أبي هريرة: "لأن اليهود والنصارى يؤخرون" أخرجه أبو داود (٤)، فلما كان ذلك شعارًا
стр. 1626
للمخالفين في الملة، وقد كثر من النَّبيِّ ﷺ إظهار مخالفتهم فيما يتدينون به، فكان ذلك شعارًا (أ) لسنة النَّبيِّ ﷺ وموافقة لا ألفه ومضى عليه.
قال المهلب: والحكمة في ذلك أن لا يزاد في النهار من الليل، ولأنه أرفق (ب) بالصائم وأقوى له على العبادة (١).
قال الشافعي في الأم (٢): "تعجيل الفطر مستجب ولا يكره تأخيره إلَّا لمن تعمده ورأى الفضل فيه".
وقال في "شرح المصابيح": ولو أن بعض النَّاس صنع هذا الصنيع، وقصده في ذلك تأديب النفس ودفعُ حاجتها أو مواصلة العشاءين بالنوافل غير معتقد ما يعتقده الفرقة الغوية من الشيعة أن ذلك أفضل لم يضره ذلك، ولم يدخل به في جملتهم.
ويصحح هذا التأويل حديث أبي سعيد: "لا تواصلوا، فأيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السَّحَر" (٣) فإباحة المواصلة إلى السحر تأخير للإفطار، وتأخير الإفطار نظر، إلى سياسة النفس وقمع الشهوة أمر قد صنعه كثيرٌ من الربانيين وأصحاب النظر في الأحوال والمعارف -أعاد الله علينا من بركتهم-، وقد صح من ابن الزُّبير أنه كان يواصل سبعًا، ولم ييلغ إنكار أحد من الصحابة عليه. وفي الحديث القدسي أيضًا دلالة على محبوبيَّة الله سبحانه لما جرى على وفق سنة نبيه ﷺ .
стр. 1627
٥٠٤ - وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "تسحروا فإِن في السحور بركة" متفق عليه (١).
وفي الباب من حديث أبي سعيد عند أحمد بلفظ: "السحور بركة فلا تدعوه ولو أن يجرع أحدكم جرعة من ماء، فإن الله وملائكته يصلون على المتسحرين" (٢)، ولسعيد بن منصور من طريق أخرى مرسلة: "تسحروا ولو بلقمة".
قوله: "تسحروا": ظاهر الأمر الوجوب ولكنه محمول على الندب هنا لأن النَّبيَّ ﷺ وأصحابه واصلوا، وسيأتي الكلام في حكم الوصال، وقد نقل ابن المنذر الإجماع على ندبية السحور.
والسّحور: يروى بالضم مصدر، وبالفتح اسم لما يتسحر به فإن كان مصدرًا فالمراد بالبركة الأجر والثواب، وإن كان اسمًا لما يتسحر به فالمراد بالبركة هو ما يحصل به من القوة على الصوم والنشاط وتخفيف المشقة، وقيل: المراد بالبركة ما يتضمن من الاستيقاظ (أ) والدعاء في السحر، والأولى أن البركة في السحور تحصل بجهات متعددة، وهي اتباع السنة ومخالفة أهل الكتاب لقوله ﷺ : "فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلةُ السَّحَر" (٣) رواه مسلم.
والتقوي به على العبادة والزيادة في النشاط والتسبب بالصدقة على من يسأل إذ ذاك، والسحور يحصل بأقل ما يتناوله المرء من مأكول أو مشروب.
стр. 1628
٥٠٥ - وعن سلمان بن عامر الضبيّ عن النَّبيِّ ﷺ قال: "إِذا أفطر أحدكم فليُفْطِر على تمر فإِن لم يجد فليفطر على ماء فإِنه طهور" رواه الخمسة، وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم (١).
قال ابن عبد البر في "الاستيعاب" (٢): قال بعض أهل العلم بهذا الشأن: ليس في الصحابة من الرواة ضبيّ غير سلمان بن عامر، وقال ابن أبي خيثمة: قد روى عن النبيّ ﷺ من بني ضبة عتاب بن شمير (أ).
سكن سلمان بن عامر البصرة، وله بها دار قريب من الجامع، روى عنه محمد بن سيرين، والرباب بنت ضليع بن عامر بنت أخي سلمان، وعداده في الشاميين.
الحديث صححه أيضًا أبو حاتم الرازي (٣)، وروى ابن عدي عن عمران بن حصين معناه وإسناده ضعيف، وروى التِّرمذيُّ (٤) والحاكم وصححه من حديث أنس مثل حديث سلمان، ورواه أحمد والترمذي والنَّسائيُّ وغيرهم عن أنس مِنْ فعْله ﷺ قال: "كان رسول الله ﷺ يفطر على رطبات قَبل أن يصلِّي فإن لم يكن فعلى تمرات، فإن لم يكن حسا حسوات من ماء" (٥).
стр. 1629
قال ابن عدي (١): تفرد به جعفر بن ثابت والحديث مشهور بعد (أ) الرَّزاق تابعه عمار وهارون وسعيد بن سليمان النشيطي قال (ب) البزار: رواه النشيطي، فأنكروا عليه وضعف حديثه.
قال المصنف ﵀: وأخرج أبو يعلى عن إبراهيم بن الحجاج عن عبد الواحد بن ثابت عن ثابت عن أنس قال: "كان رسول الله ﷺ يحب أن يفطر على ثلاث تمرات أو شيء لم تصبه النار".
وعبد الواحد، قال البُخاريّ: منكر الحديث.
وروى الطّبرانيّ (٢) عن أنس ﵁: "كان رسول الله ﷺ إذا كان صائمًا لم يُصَل حتى نأتيه برطب وماء فيأكل ويشرب، وإذا (جـ) لم يكن رطب لم يصل حتى نأتيه بتمر وماء"وقال: تفرد به مسكين بن عبد الرحمن عن يحيى بن أيوب، وعنه زكريا بن عمر.
في الحديث دلالة على اختيار ما ذكر للإفطار به، وقد تقدمت المناسبة لذلك في باب صلاة العيد، والله أعلم.
٥٠٦ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: "نهى رسول الله ﷺ عن الوِصَال، فقال رجل من المسلمين: فإِنك تواصل يا رسول الله، فقال: وأيكم مثلي؟! إِني أبيت يطعمني ربي ويسقيني، فلما أبوا أن ينتهوا عن الوصال واصل بهم يومًا ثم يومًا ثم رأوا الهلال فقال:
стр. 1630
لو تأخر الهلال لزدتكم كالمنكل لهم حين أبوا أن ينتهوا" متفق عليه (١).
الحديث متفق عليه من حديث ابن عمر (٢)، ومن حديث أبي هريرة وعائشة وأنس، وتفرد به البُخاريّ من حديث أبي سعيد (٣).
الحديث فيه دلالة على المنع من الوِصَال، والوصال هو تَرْك المفطر في النهار وفي ليالي رمضان بالقصد، فيخرج من أمسك اتفاقًا ويدخل فيه من أمسك الليل جميعه أو بعضه، ويدل عليه حديث أبي سعيد: "فأيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر"، فإنّه صريح في أن إمساك بعض الليل مواصلة، وهذا يرد على مَنْ قال: الليل ليس محلًا للصوم فلا تنعقد فيه نيته، قالوا: لقوله تعالى: ﴿ثم أتموا الصيام إِلى الليل﴾ (٤)، وما أخرجه التِّرمذيُّ (٥)، من حديث عبادة بن نسي عن أبي سعيد الخير مرفوعًا "إن الله لم يكتب الصيام بالليل، فمن صام فقد تعنى ولا أجر له" قال ابن منده: غريب لا نعرفه إلَّا من هذا الوجه. قال التِّرمذيُّ: سألت البُخاريّ عنه فقال: ما أرى عبادة سمع من أبي سعيد الخير.
وأخرج أحمد (٦) والطبراني وسعيد بن منصور وعبد بن حمَيْد وابن أبي
стр. 1631
حاتم في تفسيرهما بإسنادٍ صحيح إلى ليلى امرأة بشير ابن الخَصَاصية قالت: "أردتُ أن أصوم يوميْن مواصلة فمنعنى بشير وقال: إن النبيَّ ﷺ نهى عن هذا، قال: تفعل ذلك النصارى ولكن صوموا كما أمركم الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (١) فإذا كان الليل فأفطروا".
وروى ابنُ أبي حاتم وابن أبي شيبة (٢) من طريق أبي العالية التابعيّ أنه سُئل عن الوصال في الصيام فقال: "قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾، فإذا جاء الليل فهو مفطر".
وأخرج الطّبرانيّ (٣) عن أبي ذر رفعه قال: "لا صيام بعد الليل" أي بعد دخول الليل ذكره في أثناء حديث، وترد هذه الأحاديث بأنه قد ثبت النهي عن الوصال، ومواصلته، ﷺ ، ولو كان كما قالوا لما كان لذلك مفهوم ينهى عنه أو يسأل عنه، وهي متأولة بأن ذلك الوقت هو الوقت الذي أبيح فيه الإفطار، وهو غاية ما يجب فيه الإمساك، ولا ينافي كون الليل تصح نية الإمساك فيه عن المفطرات، والفرق واضح.
وقوله: "قال رجل من المسلمين": هكذا في رواية أبي هريرة، وفي غيرها في أكثر الروايات: "قالوا إنك تواصل" فكأن القائل واحد (أ) ونسب القول إلى الجميع لرضاهم به.
قال المصنف -رحمه الله تعالى- (٤): "ولم أقف على تسمية السائل في شيءٍ من الطُّرق".
стр. 1632
وقوله: "وأيكم مثلي؟ ": استفهام إنكار للتوبيخ، ومثلي أي على صفتي أو منزلتي من ربي، وقد وقع في لفظ للبخاري: "لست كأحدٍ منكم"، وفي حديث ابن عمر: "لستُ مثلكم"، وفي حديث أبي سعيد: "لست كهيئتكم"، وفي حديث أبي (أ) زُرْعة عن أبي هريرة عند مسلم: "لستم في ذلك مثلي" (١)، ونحوه في مرسل الحسن عند سعيد بن منصور.
وقوله (ب) "إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني": وقع هذا اللفظ في البُخاريّ عن أبي هريرة من طريقين (٢)، ووقع عند سعيد بن منصور وابن أبي شيبة (٣) عن أبي هريرة "إنِّي أظَلُّ عند ربي يطعمني ويسقيني".
وأخرَج الإسماعيليّ (٤) في حديث عائشة: "أظَلُّ عند الله يطعمني ويسقيني"، ومن طريقٍ بلفظ: "عند ربي" ووقعت أيضًا كذلك عند سعيد بن منصور (٥) وابن أبي شيبة في مرسل الحسن بلفظ: "إني أبيت عند ربي" (٦).
ورواية "أبيت" هي المناسبة لما عنه (جـ) الحكم، وهو الإمساك بالليل، وأما رواية "أظل" فلا تناسب ظاهرًا لأنَّ ذلك للنهار إلَّا أنها محمولة على
стр. 1633
مطلق الكون، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ (١) وهي في الحقيقة بمعنى صار لا يختص بوقتٍ دونَ آخر.
واختلف العلماء في معنى "يطعمني ويسقيني"، فقيل: هو على حقيقته، وأنه ﷺ كان يطعم ويسقى من عند الله كرامة له في ليالي صيامه، وتعقبه ابن بَطَّال بأنه لو كان كذلك لم يكن مواصلًا، وأجيب عنه بأنَّ ما كان على هذه الكيفية من طعام الجنة للتكريم فهو لا ينافي التكليف ولا يكون له حكم طعام الدنيا، كما أنه ﷺ غسل صدره (أأي قلبها" أ) -في طشت الذهب مع تحريم آنية الذهب، وقال الزين بن المُنيِّر (٢): إن أكله وشربه في تلك الحالة كحالة النائم الذي يحصل له الشبع والري في حال النوم، ويستمر له ذلك (ب) حتَّى يستيقظ، والمراد أنه ﷺ مستغرق في أحواله الشريفة حتَّى لا يؤثر فيه شيء من الأحوال البشرية.
وقال الجمهور: المعنى أن له قوة الآكل الشارب لا يضعفه الوصال عن وظائف العبادة ولا يضعف جسمه عن الكيفية البشرية، أو أن الله يخلق فيه من الشبع والري ما يغنيه عن الطعام والشراب فيكون في كيفية الآكل الشارب، ويرجح الأول بأن روح عبادة الصوم هو إدراك خلق (جـ) الباطن فلا يناسب خلق الشبع والري فيه. قال القرطبي: مع أنه ﷺ كان يجوع أكثر ممَّا يشبع، وربط على بطنه الحجارة من الجوع، وإن كان ابن
стр. 1634
حبان (١) قال بأنه كان لا يجوع وتمسك بظاهر هذا الحديث، وضعف الأحاديث الواردة بأنه كان ﷺ يجوع وشد الحجر على بطنه، وقال أيضًا ما يغني الحجر عن الجوع، وقد أكثرَ النَّاس عليه الرد في ذلك، ويرد عليه بما أخرجه هو أيضًا في "صحيحه" من حديث ابن عباس أنه خرج ﷺ بالهاجرة فرأى أبا بكر وعمر فقال: ما أخرجكما؟ قالا: ما أخرجنا إلَّا الجوع، قال: وأنا والذي نفسي بيده ما أخرجني إلَّا الجوع، وفائدة الشد بالحجر أنه يقيم الصلب لأنَّ البطن إذا خلا ضعف صاحبه عن القيام لانثناء بطنه، فإذا ربط عليه الحجر اشتد وقوي صاحبه على القيام حتَّى قال بعض من وقع له ذلك: كنتُ أظن الرِّجْلَيْن تحملان البطن، فإذا البطن تحمل الرِّجْلين، والظاهر أنه أراد ﷺ أن ما هو فيه من الاشتغال بالتفكر في عظمة ربه والتملي بمشاهدته والتغذي بمحبته، والاستغراق في مناجاته، والإقبال عليه مغنٍ عن الطعام والشراب، وإلى هذا جنح ابنُ القيِّم قال: وقد يكون هذا الغذاء أعظم من غذاء الأجساد، ومن له أدنى ذَوْق عَلِمَ استغناء الجسم بغذاء القلب والروح عن كثيرٍ من الغِذَاء الجسماني، ولا سيما الفرح والسرور بمطلوبه الذي قرت عينه بمحبوبه.
وقوله: "واصل بهم يومًا ثم يومًا": ظاهره أنَّ قدرَ المواصلة لهم كانت يومَيْن، وقد صرح بذلك البُخاريّ في رواية (٢)، وقوله: "لو تأخر": يستدل بهذا على جواز التمني بليت، ويحمل النهي على ذلك فيما إذا كان في الأمور الشرعية.
وقوله: "لزدتكم" أي: في الوصال إلى أنْ تعجزوا عنه فتسألوا
стр. 1635
التخفيف عنكم بتَرْكه.
وقوله (أ): "كالمُنَكِّل": هي في رواية معمر، ووقع في أخرى "كالتنكيل"، ووقع عند المستملي كالمنكر" بالراء وسكون النون من الإنكار، وللحموي "كالمنكي" بتحتانية ساكنة قبلها كاف مكسورة خفيفة من النكاية، والتنكيل: هو المعاقبة (١).
وفي الحديث دلالة على أنَّ الوِصَال من خصائصه ﷺ ، وأن غيره ممنوع منه إلَّا (ب) ما أذن فيه إلى السَّحَر، ثم اختلف العلماء في المنع منه فقيل على سبيل التحريم، وقيل الكراهة، وقيل يحرم على منْ شق (ب) عليه ويباحُ لمن لم يشق عليه، وقد اختلف السلف في ذلك فنقل التفضيل عن عبد الله بن الزُّبَير، وروي ابن أبي شيبة (٢) بإسناد صحيح عنه أنه كان يواصل خمسة عشر يومًا.
وذهب إليه أيضًا من الصحابة أخت أبي سعيد، ومن التابعين عبد الرحمن بن أبي نعم وعامر بن عبد الله بن الزُّبير، وإبراهيم بن يزيد التَّيْمي، وأبو الجوْزَاء كما نقله أبو نعيم في ترجمته في "الحلية" (٣) وغيرهم، رواه الطّبرانيّ وغيره، واحتجوا بأنه ﷺ وَاصلَ بأصحابه بعد النهي، فلو كان النهي للتحريم مطلقًا لما أقرهم على فعله، فَعُلِمَ أنه أراد بالنهي الرحمة لهم والتخفيف عنهم، وقد صرحت بذلك عائشة في روايتها (٤)،
стр. 1636
وذهب الأكثرون (أ) إلى تحريمه، وعن الشافعية في ذلك وجهان: التحريم والكراهة، هكذا اقتصر عليه النووي، وقد نص الشافعي في "الأم" (١) على أنه محظور، وصرح ابن حزم بتحريمه (٢)، وصححه ابن العربي من المالكية (٣)، واعتذروا عن مواصلته ﷺ بهم بأن ذلك تقريعًا لهم وتنكيلًا، واحتمل جواز ذلك منه لأجل مصلحة النهي في تأكيد زجرهم لأنهم إذا باشروه ظهرت لهم حكمة النهي وكان ذلك أدعى (ب) إلى قبولهم لما يترتب عليه من الملل في العبادة والتقصير فيما هو أهم منه وأرجح من وظائف العبادات.
وذهب أحمد وإسحاق وابن المنذر وابن خزيمة وجماعة من المالكية إلى جواز الوصال إلى السَّحَر للإذن بذلك وهذا حيث لم (جـ) يشق على الصائم وإلا فليس بقربة، وأجاب بعض الشافعية بأن ذلك ليس وصالًا، وقد عرفت فيما تقدم أنه وصال، (د وقد ورد د) أن النَّبيَّ ﷺ كان يواصل من سحر إلى سحر، أخرجه أحمد وعبد الرَّزاق (٤)، واختار المصنف - رحمه الله تعالى (هـ) - أن الوصال غير محرم، قال لما أخرجه أبو داود (٥)
стр. 1637
وغيره من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى عن رَجُلٍ من الصحابة قال: "نهى النَّبيُّ ﷺ عن الحجامة والمواصلة ولم يحرمهما (أ) إبقاءً على أصحابه" وإسناده صحيح.
وروي البزار والطبراني في "الأوسط" من حديث سمرة: "نهى النَّبيُّ ﷺ عن الوصال وليس بالعزيمة (١) " وأما ما رواه الطّبرانيّ في الأوسط من حديث أبي ذر أن جبريل قال للنبي ﷺ : إن الله قد قبل وصالك، ولا يحل لأحد بعدك. فليس إسناده بصحيح (٢).
ويدل على الجواز أيضًا إقدام الصحابة على الوصال بعد النهي فلولا أنهم فَهِمُوا أنه ليس للتحريم لما أقدموا على ذلك.
وفيه مناسبة من حيث المعنى من جهة فطم النفس عن شهواتها وقمعها عن مستلذاتها، ولهذا استمر على القول بجوازه مطلقًا ومقيدًا من يقدم ذكره، والله أعلم.
وفي الحديث دلالة على التأسي به ﷺ ومعارضة المفتي فيما أفتى به إذا كان بخلاف حاله ولم يعلم المستفتي بسر المخالفة والاستكشاف عن حكمة النهي وثبوت خصائصه وأن الصحابة كانوا يرجعون إلى فعله المعلوم صفته إلَّا أن يتبين له الخصوصية به.
٥٠٧ - وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَن
стр. 1638
لم يَدَعْ قَوْل الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة أن يدع طَعَامَهُ وشرابه" رواه البُخاريّ وأبو داود واللفظ له (١).
الحديث رواه البُخاريّ في كتاب الصيام بدون زيادة "والجهل" (٢)، ورواه بالزيادة في الأدب، وفي رواية ابن وهب (أ) بزيادة "والجهل" في الصوم، ولابن ماجه "من لم يدع قول الزور والجهل والعمل به" (٣).
وأخرَج الطّبرانيّ في "الأوسط" (٤) عن أنس بلفظ "من لم يدع الخنا والكذب"، والمراد بمن لم يَدَعْ أي يترك ما ذكر، والزور المراد به الكذب، والجهل: السَّفَه.
وعلي رواية الأصل الضمير في "به" يعود إلى الزُّور، وفي رواية ابن ماجه يعود إلى الجهل، ويحتمل العودُ إلى كل واحد منهما.
وقوله: "ليس لله حاجة": أي ليس له إرادة، والغَرَض من هذا التحذير والتعظيم لإثمه، وأن صيامه كلا صيام (ب) ولا معنى معتبر للمفهوم هنا، فإن الله لا يحتاج إلى أحد، هو الغني ، ذكر هذا ابن بطال.
وقال ابن المُنيِّر في حاشيته على البخاريّ: هو كناية عن عدم القَبُول، كما يقول المغضب لمن رد عليه شيئًا طلبه منه لم يقم به: لا حاجة لي
стр. 1639
إلى كذا، مثل قوله تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ (١).
وقال ابن العربي: معناه أن ثواب الصيام لا يقاوم في حكم الموازنة ما استحق من العقاب لما ذكر (٢). وقال (أ) البيضاوي: إن المقصود من شرعية الصيام هو قمع النفس ومنعها عن المشتهيات، وأن تطيع النفس الأمارة النفس (ب) المطمئنة، وهو لا يتم إلَّا بترك المنهيات، فإذا لم يحصل ذلك لم يتقبل الله منه، فيجوز بما ذكر عن عدم القبول فنفى السبب وهو (جـ) الاحتياج (د) إلى الشيء في الجملة الذي يكون سببًا لقبوله وتلقيه، وأراد المسبب وهو القبول، والله أعلم.
٥٠٨ - وعن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ يقَبِّل وهو صائم، ويباشر وهو صائم، ولكنه أملككم لإِرَبِهِ" متفق عليه، واللفظ لمسلم (٣).
وأراد في رواية في رمضان المراد بالمباشرة هنا هو التقاء البشرتين من غير جماع، وقد يستعمل في الجماع مثل قوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ (٤).
стр. 1640
والإِرَب: رُوِيَ على وجهَيْن أشهرهما - ورواية الأكثرين (أ) -بكسر الهمزة وإسكان الراء، وكذا (ب) نقله الخطابي والقاضي عن رواية الأكثرين (١).
والثاني بفتح الهمزة والراء، ومعناه بالكسر: الوَطَر والحاجة، وكذا بالفتح ولكنه يطلق المفتوح أيضًا على العضو.
قال العلماء: معنى كلام عائشة ﵂ أنه ينبغي لكم الاحتراز عن القبلة، ولا تتوهموا من أنفسكم أنكم مثل النَّبيِّ ﷺ في استباحتها، لأنَّه يملك نفسه ويأمن الوقوع من قبلة أن يتولد منها إنزال أو شهوة وهيجان نفسٍ ونحو ذلك، وأنتم لا تأمنون ذلك فطريقكم الانكفاف عنها، وقد أخرج النَّسائيّ (٢) من حدَّثنا الأسود قلت لعائشة: أيباشر الصائم؟ قالت: لا، قلت: أليس رسول الله ﷺ كان يباشر وهو صائم؟ قالت: إنه كان أملككم لإربه.
وظاهر هذا أنها اعتقدت خصوصية النَّبيِّ ﷺ بذلك، قاله القرطبي قال: وهو اجتهاد منها، انتهى.
ولكنه مُتَأَوِّل بأنها كرهت ذلك للسائل كراهة تنزيه لا تحريم، وهو يفهم من قولها: "أملككم لإربه" فإنّه لا دلالة فيه على الخصوصية، وإنما هو استبعاد منهم أنهم يملكون أنفسهم عند قوة الداعي وسبب تحرّك الشهوة.
стр. 1641
قال المصنف -رحمه الله تعالى (١) -: وقد رويناه في كتاب "الصيام" ليوسف القاضي من طريق حماد بن سلمة عن حماد بلفظ: سألتُ عائشة عن المباشرة للصائم فكرهتها.
ويدل أيضًا على أن عائشة لا تُحَرِّمها ولا تعدها من الخصائص ما رواه مالك في "الموطأ" (٢) عن أبي النَّضْر أن عائشة بنت طلحة أخبرته أنها كانت عند عائشة فدخل عليها زوجها وهو عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر فقالت له عائشة: ما يمنعك أن تدنو من أهلك فتلاعبها (أ) وتقبلها؟ قال: أقبلها وأنا صائم؟! قالت: نعم.
وأخرَج ابن حبان في "صحيحه" (٣) أنه كان ﷺ لا يمس شيئًا من وجهها وهي صائمة، فيدل أيضًا على أن النَّبيَّ ﷺ كان يجنبها ذلك إذا صابها تنزيهًا منه لها عن تحرك الشهوة، لكونها ليست مثله.
وفي قولها "في رمضان": إشارة إلى أنه لا فَرْق بين صوم النَّفْل والفَرْض، وظاهر الحديث يدل على إباحة التقبيل والمباشرة للصائم لدليل التأسي به ﷺ ولأن ما ذكرته جواب عن سؤال مَنْ سأل عن القُبْلَة وهو صائم، فالجواب يقضي بالإباحة لذلك مستشهدة بما كان يفعله (ب النَّبيُّ ﷺ ب) - وقد اختلف في ذلك فكرهها قَوْمٌ مطلقًا، وهو المشهور عند المالكية، وأخرجه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن ابن
стр. 1642
عمر (١)، ونقل ابن المنذر وغيره عن قوم التحريم واحتجوا بقوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ الآية (٢)، فمنع من المباشرة في النهار، ويجاب عنه بأن المراد بالمباشرة في الآية هو الجماع، ويدل على ذلك بيان النَّبيِّ ﷺ لهذا الحديث وغيره، وأفتى ابن شبرمة من فقهاء الكوفة بإفطار من قبّل، ونقله الطحاوي عن قوم ولم يسمهم، وأباح ذلك قوم وهو منقول صحيحًا عن أبي هريرة وسعيد وسعد بن أبي وقاص وطائفة، وبالغ بعض الظاهرية فاستحبها، وفَرَّق آخرون بين الشاب والشيخ فكرهها للشاب وأباحها للشيخ، وهو مشهور (أ) عن ابنِ عباس أخرجه مالك (٣) وسعيد بن منصور وغيرهما، وجاء فيه حديثان ضعيفان مرفوعان، أخرج أحدهما أبو داود من حديث أبي هريرة (٤)، والآخر أحمد من حديث عبد الله بن عمرو (٥)، وَفَرَّق آخرون بين من يملك إربه ومن لا، كما أشارت إليه عائشة.
وقال التِّرمذيُّ (٦)، ورَوَى بعض أهل العلم أن للصائم إذا ملك نفسه أن يقبّل وإلا فلا ليسلم له صومه، وهو قول سفيان والشافعي، ويدل على ذلك ما رواه مسلم من طريق عمر بن أبي سلمة لما سأل النَّبيُّ ﷺ فأخبرته أم سلمة أمه (ب) "أن النَّبيَّ ﷺ يصنع ذلك، فقال: يا رسول الله قد
стр. 1643
غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فقال: أنا والله لأتقاكم لله وأخشاكم له" (١)، فدل على أن الشاب والشيخ سواء لأنَّ عمر كان شابًّا لعله كان أول ما بلغ، وفيه دلالة على أنه ليس من الخصائص.
وأخرج أيضًا (أ) النَّسائيّ (٢) من حدَّثنا عائشة قالت: أهوى إليَّ النَّبيُّ ﷺ ليقبلني، فقلت: إني صائمة، فقال: "وأنا صائم" فقبلني.
مع أن عائشة أيضًا شابة، وهذا يعارض ما تقدم من تركه لتقبيلها وهي صائمة، ولعله اختلف الحال بالنظر إلى ما يعرض للإنسان مع شدة الشهوة في وقت وعدم ذلك.
واختلف العلماء أيضًا فيما إذا باشر أو قَبَّلَ أو نظر فأنزل أو أمذى، فقال الكوفيون والشافعي: يقضي إذا أنزل في غير النظر، ولا قضاء في الإمذاء. وقال مالك وإسحاق: يقضي في كل ذلك ويكفر إلَّا في الإمذاء فيقضي فقط، واحتج له بأن الإنزال أقصى ما يطلب في الجماع من الالتذاذ في ذلك، وتعقب بأن الحكم علق بالجماع فقط.
وروى ابن دينار عن ابن القاسم عن مالك وجوب القضاء فيمن باشر أو قبل فأنعظ وإن لم يمذ ولا أنزل، وأنكره غيره عن مالك، وأبلغ من ذلك ما رواه عبد الرَّزاق عن حذيفة: "من تأمل خلْق امرأته وهو صائم بطل صومه" وإسناده ضعيف (٣).
стр. 1644
وقال ابن قدامة: إنْ قَبَّلَ فأنزل أفطر بلا خلاف (١). وقد حكى ابن حزم أنه لا يفطر ولو أنزل (٢).
وقال الماوردي: ينبغي أنْ يُعْتَبَرَ حال المقبل فإن أثارت القبلة منه الإنزال حرمت عليه لأنَّ الإنزال يمنع من الصيام، فكذلك ما أدى إليه وإن كان عنها المذي، فمن رأى (أ) الإفطار به ووجوب القضاء قال: يحرم في حقه، ومن قال: يكره، وإن لم تؤدِّ القبلة إلى شيء فلا معنى للنهي عنها إلَّا على القَوْل بسد الذرائع، قال: ومِنْ بديع ما روي في ذلك قوله ﷺ للسائل عنها: "أرأيت لو تمضمضت" (٣) فأشار إلى فقهٍ بديع، وذلك أن المضمضة لا تنقض الصوم (ب) وهي أول الشرب ومفتاحه، كما أن القبلة من دواعي الجماع ومفتاحه، والشرب يفسد الصوم كما يفسده الجماع فكما ثبت عندهم أن أوائل الشرب لا يفسد الصيام فكذلك أوائل (جـ) الجماع. انتهى.
وهذا الحديث أخرجه أبو داود والنَّسائيُّ من حديث عمر، قال النَّسائيّ: منكر (٤)، وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم.
стр. 1645
وفي الحديث دلالة على أنه لا بأس بذكر ما يقع بين الزوجَيْن عند الاحتياج إلى ذلك، والنهي عنه إذا كان لغير حاجة، والله أعلم.
٥٠٩ - وعن ابن عباس ﵁ "أن النَّبيَّ ﷺ احتجم وهو مُحْرِم، واحتجم وهو صائم". رواه البُخاريّ (١).
ظاهر هذا اللفظ أنه وقع منه ﷺ الأمران (أ) مقترنين (ب): وهو الحِجَامَة وهو محرم، والحجامة وهو صائم، ولم يكن ذلك في وقت واحد لأنَّه ﷺ لم يكن صائمًا في حجة الوداع، فإنها لم تكن في رمضان، ولم يكن مُحْرِمًا في سفره في رمضان في عام الفتح، وقد صام في ذلك كما في الصحيحين [بلفظ "وما منا صائم إلَّا رسول الله ﷺ وعبد الله بن رواحة"] (٢) ويدل على ذلك أن غالب الروايات ورد مفصلًا، قال بعض الحفَّاظ: حديث ابن عباس ورد على أربعة أوجه:
الأول: احتجم وهو مُحْرِم. وقد روي من طرق شتى عن ابن عباس (٣)، وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن بُحينَة (٤)، وفي النَّسائيّ وغيره من
стр. 1646
حديث أنس (١) وجابر (٢).
والثاني: احتجم وهو صائم. رواه أصحاب السنن، وفي إسناده مقال (٣)، وزاد ابن سعد في آخره: "فلذلك كرهت الحجامة للصائم".
وفيه ضعف أيضًا، وقد رواه البزار وفي آخره: "فغشي عليه" (٤).
والثالث: ما رواه البُخاريّ كما في الأصل.
والرابع: "احتجم وهو صائم مُحْرِم". رواه النَّسائيّ وغيره (٥)، وقال أحمد وابن المدينيّ: ليس فيه صائم، وقال أحمد: هؤلاء أصحاب ابن عباس لا يذكرون صيامًا، وقال أبو حاتِمٍ: "أخطأ فيه شريك، إنما هو احتجم وأعطى الحجام أجره، وشريك حدث به من حفظه وقد ساء حفظه فغلط فيه" (٦).
والحديث فيه دلالة على أن الحجامة لا تفطر الصائم، وقد ذهب إليه الأكثر من الصحابة والتابعين والفقهاء ذهابًا منهم إلى أن هذا ناسخ لحديث شداد بن أوس وغيره، وبعضهم تأول ذلك وسيأتي، وذهب أبو هريرة وعائشة والأوْزاعِي وأحمد وإسحاق إلى أنها تفطره لما سيأتي.
стр. 1647
٥١٠ - وعن شَداد بن أوْس أن النَّبيَّ ﷺ : "أتى على رَجُل بالبقيع وهو يحتجم في رمضان فقال: أفطر الحاجم والمحجوم له" رواه الخمسة إلَّا التِّرمذيّ، وصححه أحمد وابن خزيمة، وابن حبان (١).
هو أبو يعلى شداد -بالشين المعجمة- بن أوس الأنصاري، ابن أخي حسَّان بن ثابت، يقال إِنه شهد بدرًا، ولا يصح، ونزل بيت المقدس، وعداده في أهل الشام، وروَى عنه ابنه يعلى ومحمود بن الرَّبيع وضمرة بن حبيب، مات بالشام سنة ثمان وخمسين وهو ابن خمس وسبعين سنة، وقيل: مات سنة إحدى وأربعين، وقيل: سنة أربع وستين.
قال عبادة بن الصامت وأبو الدرداء: كان شداد ممن أوتي العلم والحلم (٢).
الحديث أخرج من طرق كثيرة عن جماعة من الصحابة وهم: شداد بن أوس، وثوبان، ورافع بن خديج، وأبو موسى، ومَعْقل بن يسار، وأسامة بن زيد، وبلال، وعلي، وعائشة، وأبو هريرة، وأَنس، وجابر، وابن عمر، وسَعْد بن أبي وَقَّاص، وأبو سويد الأنصاري، وابن مسعود (أ). وصحح البُخاريّ حديث شداد من طريقين.
وقال أحمد في حديث رافع بن خديج أنه أصح شيء في هذا الباب
стр. 1648
حكاه عنه التِّرمذيُّ (١)، وصححه ابن حبان والحاكم (٢)، وتكلم فيه أبو حاتم وبالغ (أ) حتَّى قال: هو عندي من طريق رافع باطل (٣)، ونقل عن يحيى (٤) بن معين أنه قال: هو أضعف أحاديث الباب، وحديث (ب) أبي موسى صححه عليّ بن المدينيّ، وقال النَّسائيّ: رفعه خطأ (٥).
وحديث معقل ذكر فيه النَّسائيّ اختلافًا، وكذا حديث بلال وحديث علي.
وحديث عائشة في إسناده ليث بن [أبي] (جـ) سليم وهو ضعيف.
وحديث أبي هريرة أخرجه النَّسائيّ من طريقين (٦).
والحديث فيه دلالة على أن الحجامة تفطر الصائم وأنه مستوٍ في ذلك الحاجم والمحجوم، وقد ذهب إليه من عرفت، ولكنه في حق المحجوم، وأما الحاجم فمجمع في حقه على عدم الإفطار، وأجاب الجمهور بأنه منسوخ بالحديث الأول، قالوا: لأنَّ ابن عباس صحب النَّبيَّ ﷺ في حجة الوداع سنة عشر، وحديث شداد وَقَعَ في عام الفتح سنة ثمان ولم
стр. 1649
يكن ابن عباس مصاحبًا فيه للنبي ﷺ ، وهذا قول الشافعي (أ) في حكاية الرَّبيع عنه. قال: وإسناد الحديثين جميعًا مشتبه وحديث ابن عباس أمثلهما إسنادًا، فإن توقى أحدٌ الحجامة كان أحب إلي احتياطًا، أو لئلا يعرِّض صومه للضعف. قال: والذي أحفظ عن بعض أصحاب رسول الله ﷺ والتابعين وعامة المدنيين أنه لا يفطر أحد بالحجامة (١). انتهى.
ومن (ب) روي عنه ذلك من الصحابة سعد بن أبي وقاص والحسين بن عليّ وابن مسعود وابن عباس يزيد بن أرقم وابن عمر وأنس بن مالك وعائشة وأم سلمة.
ومن التابعين والعلماء: الشعبيّ وعروة بن الزُّبير والقاسم بن محمد وعطاء يزيد بن أسلم وعكرمة وأبو العالية وإبراهيم وسفيان ومالك والشافعي وأصحابه إلَّا ابن المنذر.
وأخرَج ابن أبي شيبة عن أنس قال: "أول ما كرهتُ الحجامة للصائم أن جعفر ابن أبي طالب احتجم وهو صائم فمر به النَّبيُّ ﷺ فقال: أفطر هذان، ثم رخص النَّبيُّ ﷺ بعد في الحجامة للصائم فكان أنس يحتجم وهو صائم". قال الدارقطني: كلهم ثقات ولا أعلم له علة (٢).
وأخرج الحازمي عن أبي سعيد الخدري قال: رخص رسول الله ﷺ في القبلة للصائم ثم رخص في الحجامة.
стр. 1650
وأخرج من حديث أبي هريرة قال: يقولون أفطر الحاجم والمحجوم، ولو أحتجم ما باليت، وهذا القول من أبي هريرة يدل على أنه قد ثبت عنده الرخصة. وقال الشافعي في "تأويل الحديث" (١) في رواية حرملة: وقد قال بعض من يروي: "أفطر الحاجم والمحجوم" أن النَّبيَّ ﷺ مر بهما وهما يغتابان رجلًا.
وأخرج الحازمي من حديث ثوبان قال: "مر رسول الله ﷺ برجل يحتجم وهو يُعرِّضُ برجل فقال ﵇ (أ) أفطر الحاجم والمحجوم" قال كذا رواه أبو النضر، ورواه الوحاظي عن يزيد بن ربيعة عن أبي الأشعث الصنعاني أنه قال: إنما قال النَّبيُّ ﷺ : "أفطر الحاجم والمحجوم لأنهما كانا يغتابان"، ثم حمل الشافعي الإفطار بالغيبة على سقوط أجر الصوم مثل قوله ﷺ للمتكلم يوم الجمعة: "لا جمعة لك" (٢) فإن النَّبيَّ ﷺ لم يأمره بالإعادة فدل على أنه محمول على إسقاط الأجر ومثله، ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ (٣)، فإن الحابط هو أجر العمل، فلا وجه لتعجب ابن خُزيمة من هذا التأويل حيث قال: جاء بعضهم بأعجوبة فزعم أنه ﷺ إنما قال: "أفطر الحاجم والمحجوم" لأنهما كانا يغتابان، قال فإذا قيل له: فالغيبة (ب) تفطر الصائم؟ قال: لا، قال: فعلى هذا لا يخرج من مخالفة الحديث فلا شبهة، انتهى.