حديث أنس (١) وجابر (٢).
والثاني: احتجم وهو صائم. رواه أصحاب السنن، وفي إسناده مقال (٣)، وزاد ابن سعد في آخره: "فلذلك كرهت الحجامة للصائم".
وفيه ضعف أيضًا، وقد رواه البزار وفي آخره: "فغشي عليه" (٤).
والثالث: ما رواه البُخاريّ كما في الأصل.
والرابع: "احتجم وهو صائم مُحْرِم". رواه النَّسائيّ وغيره (٥)، وقال أحمد وابن المدينيّ: ليس فيه صائم، وقال أحمد: هؤلاء أصحاب ابن عباس لا يذكرون صيامًا، وقال أبو حاتِمٍ: "أخطأ فيه شريك، إنما هو احتجم وأعطى الحجام أجره، وشريك حدث به من حفظه وقد ساء حفظه فغلط فيه" (٦).
والحديث فيه دلالة على أن الحجامة لا تفطر الصائم، وقد ذهب إليه الأكثر من الصحابة والتابعين والفقهاء ذهابًا منهم إلى أن هذا ناسخ لحديث شداد بن أوس وغيره، وبعضهم تأول ذلك وسيأتي، وذهب أبو هريرة وعائشة والأوْزاعِي وأحمد وإسحاق إلى أنها تفطره لما سيأتي.
стр. 1647
٥١٠ - وعن شَداد بن أوْس أن النَّبيَّ ﷺ : "أتى على رَجُل بالبقيع وهو يحتجم في رمضان فقال: أفطر الحاجم والمحجوم له" رواه الخمسة إلَّا التِّرمذيّ، وصححه أحمد وابن خزيمة، وابن حبان (١).
هو أبو يعلى شداد -بالشين المعجمة- بن أوس الأنصاري، ابن أخي حسَّان بن ثابت، يقال إِنه شهد بدرًا، ولا يصح، ونزل بيت المقدس، وعداده في أهل الشام، وروَى عنه ابنه يعلى ومحمود بن الرَّبيع وضمرة بن حبيب، مات بالشام سنة ثمان وخمسين وهو ابن خمس وسبعين سنة، وقيل: مات سنة إحدى وأربعين، وقيل: سنة أربع وستين.
قال عبادة بن الصامت وأبو الدرداء: كان شداد ممن أوتي العلم والحلم (٢).
الحديث أخرج من طرق كثيرة عن جماعة من الصحابة وهم: شداد بن أوس، وثوبان، ورافع بن خديج، وأبو موسى، ومَعْقل بن يسار، وأسامة بن زيد، وبلال، وعلي، وعائشة، وأبو هريرة، وأَنس، وجابر، وابن عمر، وسَعْد بن أبي وَقَّاص، وأبو سويد الأنصاري، وابن مسعود (أ). وصحح البُخاريّ حديث شداد من طريقين.
وقال أحمد في حديث رافع بن خديج أنه أصح شيء في هذا الباب
стр. 1648
حكاه عنه التِّرمذيُّ (١)، وصححه ابن حبان والحاكم (٢)، وتكلم فيه أبو حاتم وبالغ (أ) حتَّى قال: هو عندي من طريق رافع باطل (٣)، ونقل عن يحيى (٤) بن معين أنه قال: هو أضعف أحاديث الباب، وحديث (ب) أبي موسى صححه عليّ بن المدينيّ، وقال النَّسائيّ: رفعه خطأ (٥).
وحديث معقل ذكر فيه النَّسائيّ اختلافًا، وكذا حديث بلال وحديث علي.
وحديث عائشة في إسناده ليث بن [أبي] (جـ) سليم وهو ضعيف.
وحديث أبي هريرة أخرجه النَّسائيّ من طريقين (٦).
والحديث فيه دلالة على أن الحجامة تفطر الصائم وأنه مستوٍ في ذلك الحاجم والمحجوم، وقد ذهب إليه من عرفت، ولكنه في حق المحجوم، وأما الحاجم فمجمع في حقه على عدم الإفطار، وأجاب الجمهور بأنه منسوخ بالحديث الأول، قالوا: لأنَّ ابن عباس صحب النَّبيَّ ﷺ في حجة الوداع سنة عشر، وحديث شداد وَقَعَ في عام الفتح سنة ثمان ولم
стр. 1649
يكن ابن عباس مصاحبًا فيه للنبي ﷺ ، وهذا قول الشافعي (أ) في حكاية الرَّبيع عنه. قال: وإسناد الحديثين جميعًا مشتبه وحديث ابن عباس أمثلهما إسنادًا، فإن توقى أحدٌ الحجامة كان أحب إلي احتياطًا، أو لئلا يعرِّض صومه للضعف. قال: والذي أحفظ عن بعض أصحاب رسول الله ﷺ والتابعين وعامة المدنيين أنه لا يفطر أحد بالحجامة (١). انتهى.
ومن (ب) روي عنه ذلك من الصحابة سعد بن أبي وقاص والحسين بن عليّ وابن مسعود وابن عباس يزيد بن أرقم وابن عمر وأنس بن مالك وعائشة وأم سلمة.
ومن التابعين والعلماء: الشعبيّ وعروة بن الزُّبير والقاسم بن محمد وعطاء يزيد بن أسلم وعكرمة وأبو العالية وإبراهيم وسفيان ومالك والشافعي وأصحابه إلَّا ابن المنذر.
وأخرَج ابن أبي شيبة عن أنس قال: "أول ما كرهتُ الحجامة للصائم أن جعفر ابن أبي طالب احتجم وهو صائم فمر به النَّبيُّ ﷺ فقال: أفطر هذان، ثم رخص النَّبيُّ ﷺ بعد في الحجامة للصائم فكان أنس يحتجم وهو صائم". قال الدارقطني: كلهم ثقات ولا أعلم له علة (٢).
وأخرج الحازمي عن أبي سعيد الخدري قال: رخص رسول الله ﷺ في القبلة للصائم ثم رخص في الحجامة.
стр. 1650
وأخرج من حديث أبي هريرة قال: يقولون أفطر الحاجم والمحجوم، ولو أحتجم ما باليت، وهذا القول من أبي هريرة يدل على أنه قد ثبت عنده الرخصة. وقال الشافعي في "تأويل الحديث" (١) في رواية حرملة: وقد قال بعض من يروي: "أفطر الحاجم والمحجوم" أن النَّبيَّ ﷺ مر بهما وهما يغتابان رجلًا.
وأخرج الحازمي من حديث ثوبان قال: "مر رسول الله ﷺ برجل يحتجم وهو يُعرِّضُ برجل فقال ﵇ (أ) أفطر الحاجم والمحجوم" قال كذا رواه أبو النضر، ورواه الوحاظي عن يزيد بن ربيعة عن أبي الأشعث الصنعاني أنه قال: إنما قال النَّبيُّ ﷺ : "أفطر الحاجم والمحجوم لأنهما كانا يغتابان"، ثم حمل الشافعي الإفطار بالغيبة على سقوط أجر الصوم مثل قوله ﷺ للمتكلم يوم الجمعة: "لا جمعة لك" (٢) فإن النَّبيَّ ﷺ لم يأمره بالإعادة فدل على أنه محمول على إسقاط الأجر ومثله، ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ (٣)، فإن الحابط هو أجر العمل، فلا وجه لتعجب ابن خُزيمة من هذا التأويل حيث قال: جاء بعضهم بأعجوبة فزعم أنه ﷺ إنما قال: "أفطر الحاجم والمحجوم" لأنهما كانا يغتابان، قال فإذا قيل له: فالغيبة (ب) تفطر الصائم؟ قال: لا، قال: فعلى هذا لا يخرج من مخالفة الحديث فلا شبهة، انتهى.
стр. 1651
وقال ابن حزم (١): صح حديث "أفطر الحاجم والمحجوم" بلا ريب، لكن وجدنا من حديث سعيد "أرخص النَّبيُّ ﷺ في الحجامة للصائم"، وإسناده صحيح فوجب الأخذ به لأنَّ الرخصة إنما تكون بعد العزيمة فدل على النسخ سواء كان حاجمًا أو محجومًا، وقد تأول أيضًا بأنه محمول على الكراهة فقط.
وقد أخرج عبد الرَّزاق وأبو داود بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ قال: "نهى النَّبيُّ ﷺ عن الحجامة للصائم وعن المواصلة ولم يحرمهما إبقاءً على أصحابه" (٢) إسناده صحيح والجهالة بالصحابي لا تضر.
وقوله: "آنِفًا على أصحابه" يتعلق بنهى، وقد رواه ابن أبي شيبة (٣) عن وكيع عن الثوري بإسناده هذا ولفظه: عن أصحاب محمد ﷺ قالوا: إنما نهى النَّبيُّ ﷺ عن الحجامة للصائم وكرهها للضعيف، أي: لئلا يَضْعُف، وتأول بعضهم أيضًا الحديث بأن المراد أنهما سيفطران وهو أن حالهما يؤول إلى الإفطار كقوله ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ (٤) وقال البغوي (٥): المعنى أنهما يعرضا للإفطار، وأما الحاجم فلأنه لا يأمن وصول شيء من الدم إلى جوفه عند المص، وأما المحجوم فلأنه لا يأمن ضعفًا من قوته بخروج الدم فيؤول إلى الإفطار.
وقيل: أفطر أي فعل مكروهًا وهو الحجامة، فكأنه غير متلبس بالعبادة.
стр. 1652
وأعلم أنه قال التِّرمذيُّ حكاية عن الزعفراني: أن الشافعي علق القول بأن الحجامة تفطر على صحة الحديث. قال التِّرمذيُّ: "كان الشافعي يقوله ذلك ببغداد، وأما بمصر فمال إلى الرخصة" (١)، والله أعلم.
٥١١ - وعن أنس بن مالك ﵁ قال: "أول ما كرهت الحجامة للصائم أن جعفر بن أبي طالب ﵁ احتجم وهو صائم، فمر به النَّبيُّ ﷺ فقال: أفطر هذان، ثم رخص النَّبيُّ ﷺ بعد في الحجامة للصائم، وكان (أ) أنس يحتجم وهو صائم". رواه الدارقطني وقواه (٢)، وقد عرفت ما فيه كفاية، يقول الدارقطني: "رجاله كلهم ثقات ولا أعلم له علة".
٥١٢ - وعن عائشة ﵂: "أن النَّبيَّ ﷺ اكتحل في رمضان وهو صائم" رواه ابن ماجه بإسنادٍ ضعيف (٣).
قال التِّرمذيُّ (٤): لا يصح فيه شيء، في إسناده بقية (٥) رواه عن الزبيدي واسمه سعيد بن أبي سعيد وهو ضعيف (٦).
ورواه البيهقي (٧) من طريق محمد بن عبد الله بن أبي رافع عن أبيه عن جده "أن رسول الله ﷺ كان يكتحل وهو صائم".
стр. 1653
قال ابن أبي حاتم عن أبيه: هذا حديث منكر، وقال في محمد: إنه منكر الحديث، وكذا قال البُخاريّ (١)، وألان البيهقي (٢) القول فيه فقال: ليس بالقوي، وأما شيخه الحاكم فوثقه وأخرج له في فضائل الحسنين ورواه ابن حبان في "الضعفاء" من حديث ابن عمر وسنده مقارب (٣) ورواه ابن أبي عاصم في "كتاب الصيام" (٤) له من حديث ابن عمر أيضًا ولفظه: "خرج علينا رسول الله ﷺ وعيناه مملوءتان من الإثمد، وذلك في رمضان وهو صائم".
ورواه التِّرمذيُّ من حديث أنس في الإذن فيه لمن اشتكت عينه ثم قال: ليس إسناده بالقوي ولا يصح عن النَّبيِّ ﷺ في هذا الباب شيء (٥)، ورواه أبو داود من فِعْل أنس ولا بأس بإسناده (٦).
وفي الباب عن بريرة مولاة عائشة في الطبراني في الأوسط، وعن ابن عباس في "شعب الإيمان" للبيهقي.
والحديث فيه دلالة على أن الاكتحال لا يفطر الصائم سواء كان من الكُحْل أو من غيره أو ذروراء في العين، وقد ذهب إلى هذا العترة والفقهاء.
وأخرج أبو داود عن الأعمش قال: "ما رأيت أحدًا من أصحابنا يكره الكحْلَ ما لم يجد طعمه" (٧).
وقال الحسن: "لا بأس بالكحل للصائم" (٨).
стр. 1654
وقال إبراهيم النَّخعيُّ (١) لما سأله القعقاع بن زيد: أيكتحل الصائم؟ قال: نعم، قلت: أجد طعم الصبر في حلقي، قال: وليس بشيء. أخرجه سعيد بن منصور، والخلاف لابن شبرمة وابن أبي ليلى فقالا: يفطر الصائم لقوله ﷺ : "الفطر ممَّا دخل وإذا وجد طعمه فقد دخل" (٢).
والجواب أنه لا يسلم كونه داخلًا لأن العين ليست بمنفذ وإنما يصل من المسام، ألا ترى أن الإنسان قد يُدَلِّك باطن قدمه بالحنظل فيجد طعمه في فيه ولا يفطر، وقد يقبض على الثلج بيده فيجد برده في فؤاده ولا يفطر.
والحديث المذكور علَّقَه في البُخاريّ على ابن عباس موقوفًا (٣)، وقد وصله ابن أبي شيبة عن وكيع عن الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس في الحجامة للصائم، فقال: "الفطر ممَّا دخل وليس ممَّا خرج" (٤)، وفي لفظ: "الصوم والوضوء ممَّا خرج وليس ممَّا دخل" (٥).
وروي من طريق إبراهيم النَّخعيُّ أنه سئل عن ذلك فقال: قال عبد الله -يعني ابن مسعود- فذكر مثله، وإبراهيم لم يلق ابن مسعود، وإنما أخذ عن كِبَار أصحابه، وقد أخرج أبو داود عنه ﷺ أنه قال في الإثمد: ليتقه الصائم (٦). قال أبو داود: قال يحيى بن معين: "هو حديث منكر" (٧).
стр. 1655
٥١٣ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من نسى وهو صائم فأكل وشرب فليتم صوومه، فإِنما أطعمه الله وسقاه" متفق عليه (١).
وللحاكم: "من أفطر في رمضان ناسيًا فلا قضاء عليه ولا كفارة". وهو صحيح (٢).
قوله: "فأكل وشَرِبَ": ظاهره اختصاص الحكْم المذكور بالأكِل والشرب دون سائر المفطرات، وقد ورد في بعض ألفاظ الحديث: "من أفطر" فيعم الجماع.
وذكر ابن دقيق العيد في شرح العمدة (٣) أن تعليق الحكم بالأكل والشرب إنما هو لكونهما الغالب في النسيان دون الجماع، وذكر الغالب لا يقتضي مفهومًا، قال: وقد اختلف فيه القائلون بظاهر الحديث، ومدار إلحاق المجامع بهما إنما هو بالقياس دون النص مع وجود الفارق وهو ندور نسيان المُجامِع دونهما فإنّه يكثر إلَّا أن يبين القائس أن الوصف الفارق ملغي، انتهى (٤).
وقد عرفت أن ذلك مدلول عليه بالعموم، وفي رواية "من أفطر" وإنما خص الأكل والشرب في الرواية الأخرى لكونهما أغلب وقوعًا، ولعدم الاستغناء عنهما غالبًا.
وقوله: "فليتم صومه"، وفي رواية التِّرمذيِّ (٥) من طريق قتادة عن
стр. 1656
ابن سيرين: "فلا يفطر" (١).
وقوله: "إِنما أطعمه الله وسقاه" في رواية التِّرمذيِّ: "إِنما هو رزق ساقه الله إِليه" (٢).
والحديث فيه دلالة على أن الأكل والشرب في حال النسيان لا يفطران (أ) لأنَّ ظاهر قوله: "فليتم صومه" أن الصوم باقٍ، فلو كان قد أفطر وإنما أمره بالإمساك لحرمة اليوم كما قاله منْ تأول الحديث لقال فليمسك عن الأكل لأنَّ الصوم الشرعي هو ما له حكم الصحة، وهو يجب حمل اللفظ على حقيقته الشرعية ما لم تظهر قرينة صارفة عن ذلك، وقد ذهب إلى هذا الجمهور، والخلاف في ذلك للقاسمية ومالك وابن أبي ليلى فقالوا: إنه قد أفطر بذلك لأنَّ الصوم ركنه الإمساك عن المفطرات فحكمه حكم من نسي ركعة من الصَّلاة فإنّه يجب عليه الإعادة لما فات الركن، وإن كان ناسيًا، قالوا: والحديث متأوَّل بأن المعنى من قوله: "فليتم صومه" هو الأمر له بالإمساك لحُرمة اليوم وإنْ وجب عليه القضاء.
وأجيب عن ذلك بأن رواية الحاكم المذكورة في الأصل مصرحة بصحة الصوم وعدم وجوب القضاء، وهي حُجَّة واضحة، وإنما قال ابن العربي (٣) ليته صح فتبعته وأقول به، وأما مالك فلا يلزمه القَول به لأنَّ خبر الواحد إذا جاء بخلاف القواعد لم يعمل به، وقد جاء الحديث الأول الموافق للقاعدة في رفع الإثم فعملنا به، وأما الثاني فلا يوافقها فلم (ب)
стр. 1657
يعمل به انتهى كلامه.
ومراده أن حديث "فلا قضاء عليه ولا كفارة" مخالف للقواعد فإن القاعدة المتأصلة أنه: إذا فات ركن الشيء لم يُعْتَبر حكمه، وقال القرطبي: احتج به مَنْ أسقط القضاء، وأجيب بأنه لم يتعرض فيه للقضاء فيحمل على سقوط المؤاخذة لأنَّ المطلوب صيام يوم (أ) لا حرام فيه، لكن روى الدارقطني فيه سقوط القضاء (١)، وهو نصّ لا يقبل الاحتمال، لكن الشأن في صحته، فإن صح وجب الأخذ به وسقط القضاء، انتهى.
وحمل بعضُ المالكية الحديث على صوم التطوع، وبه قال ابن شعبان وابن القصار، وأجيب بأن حدَّثنا الحاكم فيه تصريح برمضان.
والحديث أيضًا أخرجه ابن خزيمة وابن حبان والدارقطني (٢) من طريق محمد بن عبد الله الأنصاري عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة بلفظ الحاكم (٣)، قال الدارقطني: تفرد به محمد بن مرزوق عن الأنصاريّ.
وتعقب بأنّ ابن خزيمة أخرجه أيضًا (ب) عن إبراهيم بن محمد الباهلي، وبأن الحاكم (٣) أخرجه من طريق أبي حاتم الداري كلاهما عن الأنصاري فهو المنفرد به كما قال البيهقي (٤)، وهو ثقة، والمراد أنه انفرد بذِكْر
стр. 1658
إسقاط القضاء فقط لا بتعيين رمضان.
قال النَّسائيّ (١): أخرج الحديث من طريق عليّ بن بكار عن محمد بن عمرو، ولفظه: "في الرجل يأكل في شهر رمضان ناسيًا قال: الله أطعمه وسقاه".
وقد ورد إسقاط القَضَاء من وجه آخر عن أبي هريرة أخرجه الدارقطني من رواية محمد بن عيسى بن الطباع (أ) عن ابن عُليَّة عن هشام عن ابن سيرين ولفظه: "فإنما هو رزق ساقه الله إليه ولا قضاء عليه"، وقال بعد تخريجه: هذا إسناد صحيح وكلهم ثقات (٢).
قال المصنف -رحمه الله تعالى (٣) -: لكن مسلم أخرجه من طريق ابن عُليَّة وليس فيه زيادة: "ولا قضاء عليه" (٤).
وروى الدارقطني (٥) إسقاط القضاء من رواية أبي رافع وسعيد المَقبرِيّ، الوليد بن عبد الرحمن وعطاء بن يَسَار وكلهم عن أبي هريرة (٥).
وأخرج أيضًا من حديث أبي سعيد رفعه: "منْ أكل في شهر رمضان ناسيًا فلا قضاء عليه" (٦)، وإسناده وإن كان ضعيفًا لكنه صالح للمتابعة، فأقل (ب) درجات الحديث بهذه الزيادة أن يكون حسنًا فيصلح للاحتجاج
стр. 1659
به، وقد وقع الاحتجاج في كثير من المسائل بما هو دونه في القوة (١)، ويعتضد بأنه قد أفتى به جماعة من الصحابة من غير نكير عليهم كما قاله ابن المنذر وابن حزم وغيرهما عن عليّ بن أبي طالب يزيد بن ثابت وأبي هريرة وابن عمر ﵃، ثم هو موافق لقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ (٢) فالنسيان ليس من كَسْب القلب، وموافق للقياس في إبطال عمد الأكل للصلاة لا نسيانه، وكذلك الصيام، وأما القياس الذي ذكره ابن العربي فهو في مقابلة النص فلا يُسْمع، ورده للحديث مع صحته بكونه خبر واحد خالف القياس ليس بمسَلَّم، لأنَّه قاعدة مستقلة في الصيام، فمن عارضه بالقياس على الصَّلاة أدخل قاعدة في قاعدة، ولو فتح هذا ورد به الأخبار الصحيحة لما بقي من الحديث إلَّا القليل، وفي هذه التوسعة لطف من الله -تعالى- بعباده وتيسير عليهم ورفع المشقة والحرج، وقد روى أحمد (٣) لهذا الحديث سببًا آخر فأخرج من طريق أم حكيم بنت دينار عن مولاتها أم إسحاق إنها كانت عند النَّبيِّ ﷺ فأتى بقصعة من ثريد، فأكلت معه ثم تذكرت أنها صائمة فقال لها ذو اليدين: الآن بعد ما شبعت! فقال لها النَّبيُّ ﷺ : "أتمي صومك فإنما هو رزق ساقه الله إليك" وفي هذا رد على من فَرَّق بين قليل الأكل وكثيره.
ومن المستظرف ما رواه عبد الرَّزاق: "أن إنسانًا جاء إلى أبي هريرة فقال: أصبحت صائمًا فطعمت، فقال: لا بأس، قال: ثم دخلت على إنسان فنسيت فطعمت وشربتُ، قال: لا بأس أطعمك الله وسقاك، قال: ثم
стр. 1660
دخلتُ على آخر فنسيتُ فطعمتُ، فقال أبو هريرة، أنت إنسان لم يتعود الصيام" (١).
وفي قوله: "أطعمه الله وسقاه": نسبة الفعل إلى الله -تعالى- مجاز (٢) عن كونه لا إثم عليه لأنَّه لا يأثم المكلف إلَّا بما فعل فلما لم يكن مستحقًا للإثم وقد فعل الفعل أشبه من لم يكن قيل فعلًا.
فائدة: أخرج عبد الرَّزاق عن ابن جريج قلت لعطاء: إنسان يستنثر فدخل الماءُ حلقه؟ قال: لا بأس بذلك إن لم يملك (٣). قال عبد الرَّزاق: وقاله معمر عن قتادة (٣).
وقال ابن أبي شيبة (٤): حدَّثنا مخلد عن ابن جريج أن إنسانًا قال لعطاء: أتمضمض فيدخل الماء حلقي؟ قال: لا بأس به (٤).
وفرق إبراهيم النَّخعيُّ بين مَنْ (أ) كان ذاكرًا لصومه حال المضمضة فأوجب عليه القضاء دون الناسي.
وعن الشعبيّ: إنْ كان لصلاة فلا قضاء وإلا قضى (٥). والعلة في ذلك هو كونه غالبًا.
стр. 1661
وقال الحسن: إنْ دخل الذباب في حلقه فلا شيء عليه (١).
وفي مذهب الهادوية تفصيل إن كان دخول الذباب بفعله أو سببه أفسد، وإلا لم يفسد، وذلك بأن يفتح فاه للتثاؤب أو لتحديث الغير أو قراءة فيدخل الذباب، وأما لو فتحه لغير غرض فدخل الذباب، فخرج المؤيد وأبو طالب للهادي أن ذلك لا يفسد، وهو مذهب الشافعي، وهو مطابق لقول الحسن (أ)، وقال أبو حنيفة: إنه يفسد.
٥١٤ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ ذَرَعَهُ القَيْء فلا قضاء عليه، ومن استَقَاءَ فعليه القضاء" رواه الخمسة وأعله (ب) أحمد وقواه الدارقطني.
وأخرجه الدارمي وابن حبان والحاكم (٢).
قال النَّسائيّ: "وقفه عطاء على أبي هريرة"، وقال التِّرمذيُّ: "تفرد به عيسى بن يونس، وقال البُخاريّ: لا أراه محفوظًا، وقد روي من غير وجه ولا (جـ) يصح إسناده (٣)، وقال الدَّارميُّ: "زعم أهل البصرة أن هِشَامًا
стр. 1662
أوهم فيه" (١)، وقال أبو داود: "وبعض (أ) الحفاظ لا يراه محفوظًا، وأنكره أحمد وقال في روايته: ليس مِنْ ذا شَيْءٌ، قال الخطابيّ: يريد أنه غير محفوظ" (٢)، وقال مهنا عن أحمد: حدث به عيسى وليس هو في كتابه، غلط فيه وليس هو من حديثه، وقال الحاكم: صحيح على شرطهما، وأخرجه من طريق حفص بن غياث أيضًا، وأخرجه ابن ماجه أيضًا.
قوله: "ذَرَعَهُ": بالذال المعجمة المفتوحة والراء المهملة والعين المهملة أيضًا أي: غلبه.
وقوله: "فلا قضاء عليه": فيه دلالة على أنه لا يفطر بالقيء الغالب إذ عدم القضاء فرع الصحة.
قوله: "ومن استقاء" أي: طلب خروج القيء بأن يكون مستدعيًا لخروجه، وثبوت القضاء عليه فرع على كونه قد أفطر بذلك، وقد ذهب إلى هذا عليّ وابن عمر وزيد بن أرقم، واختلفَت الرواية عن أبي هريرة، والصحيح عنه القول بما في هذا الحديث، وذهب إليه زيد بن عليّ والناصر والإمام يحيى والشافعي، ونقل ابن المنذر الإجماع على أن تعمد القيء يفطر، وذهب ابن عباس وابن مسعود ورواية عن مالك وربيعة والهادي والقاسم إلى أنَّ القَيءَ لا يفسد الصوم مطلقًا ما لم يرجع منه شيء وإلا أفسد (ب) إنْ تعمد لقوله ﷺ : "ثلاث لا يُفطرن: القيء
стр. 1663
والحجامة والاحتلام" أخرجه التِّرمذيُّ والبيهقي بإسناد ضعيف (١)، وأخرجه الدارقطني وأعله (٢)، وقال التِّرمذيُّ: "هو غير محفوظ"، ورواه الدراوردي مرسلًا (٣).
وأخرجه أبو داود: وفي إسناده رجل مجهول غير صحابيّ عن صحابيّ مجهول (٤)، ورجحه أبو حاتم وقال: إنه أصح وأشبه بالصواب (٥)، وتبعهما البيهقي وتأوله بمنْ ذَرعَهُ القَيء (٦).
وسئل عنه الدارقطني فذكر الاختلاف في وصله وإرساله وضَعَّفَ وَصْلَه وقال: لا يصح، وأخرج البُخاريّ عن أبي هريرة موقوفًا: "إذا قَاءَ فلا يفطر إنما يخرج ولا يولج" (٧).
ويذكر عن أبي هريرة أنه يفطر، والأول أصح، وقال ابن عباس وعكرمة: الصوم ممَّا دخل وليس ممَّا خرج. انتهى (٨).
وقد يُجَاب عنه بأن حديث أبي هريرة خاص وهذا عام، أو مطلق على طريقة حَمْل الخاص على العام فهو معمول بالخاص فيما يتناوله وبالعام فيما بقي فهذا مخصص بمن استقاء، وإنما يُشْكِل الأمر على مَن لا يقول
стр. 1664
بذلك ويحتاج إلى الترجيح مع عدم (أ) معرفة التاريخ، وترجح حديث أبي هريرة بأنه أقوى في سنده، وأحوط من حيث دلالته فيكون العمل به أولى والله أعلم.
وذهب عطاء وأبو ثور إلى أنه إنْ تعمد قضى وكفر وإلا قضى ولا كفارة.
٥١٥ - وعن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ : خرج عام الفتح إِلي مكّة في رمضان فصام حتَّى بلغ كُراع الغميم فصام النَّاس، ثم دعا بقَدَح من ماء فرفعه حتى نظر النَّاس إِليه ثم شرب فقيل له بعد ذلك: إِن بعض الناس قد صام، قال: "أولئك العصاة، أولئك العصاة" (١).
وفي لفظ: فقيل له: "إِن الناس قد شق عليهم الصيام وإِنما ينظرون فيما فعلت. فدعا بقدح من ماء بعد العصر فشرب" (٢) رواه مسلم.
قوله: "خرج عام الفتح": كان خروجه في ستة عشر من رمضان في (ب) سنة ثمان من الهجرة، وذكر ابن إسحاق (٣) أنه خرج في يوم عاشر وهو الذي اتفق عليه أهل السنن.
ودخل مكّة لتسعة عشر خلت منه فصام حتَّى بلغ كُراع الغميم وهو بفتح الغين المعجمة، وهو وادٍ أمام عسفان بثمانية أميال، كذا قال القاضي عياض (٤)، وبين عسفان ومكة ستة وثلاثون ميلًا، وعسفان قرية
стр. 1665
جامعة، والصحيح أن بينهما ثمانية وأربعين ميلًا لأنها مسافة أربعة بُرُد، وكل بريد أربعة فراسخ، وكل فرسخ ثلاثة أميال، وهذا هو المعروف عند الجمهور، وفي رواية لمسلم (١): "حتَّى بلغ الكديد (٢) "، وهو بفتح الكاف وكسر الدال المهملة، عَيْن جارية بينها وبين المدينة سبع مراحل أو نحوها، وبينها وبين مكّة قريب من مرحلتَيْن، وكراع الغميم والكديد جميعها (أ) من أعمال عسفان فذكرت هذه المواضع لتقاربها، وعسفان قريب منها، وهما ممَّا يضاف إلى عسفان، ويشتمل اسم عسفان عليهما، والكراع: كل أنف سال مِنْ جَبَلٍ أو حَرَّة، وهو هنا جبل أسود متصل بالغميم الذي هو اسم الوادي (٣).
والحديث فيه دلالة على أن المسافر له أن يصوم وله أن يُفْطر (ب وأن له الفطر ب) وإنْ صام بعض النهار أو أكثره كما في رواية "بعد العَصر"، وقد خالف في الطرف الأول الإمامية وداود، ورواية عن أبي هريرة، وقالوا: إنه لا يجزئ المسافِرَ الصوم قالوا: لقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٤) وقال في حق منْ صام: "أولئك العُصاة"، وقالَ "ليس من البر الصيام في السفر" (٥)، وفِعْل النَّبيِّ ﷺ يرُدُّ عليهم.
стр. 1666
وفي قوله: "أولئك العصاة" إنما قاله في حق من خالف أمره بالإفطار، وقد معين عليهم الإفطار وإن كان رخصة لأمره لهم.
وحديث (أ) "ليس من البر" في حَقِّ مَنْ شق عليه الصوم وغلبه الضعف، وذهب جماهير العلماء إلى العمل بالحديث، وأما الطرف الثاني فذهب إليه الجمهور وقطع به أكثر الشافعية، وفي وجهٍ للشافعية: ليس له أن يُفْطِرَ، ومستند ذلك ما وقع في البويطي منْ أن الشافعي علق القول به على صحة حديث ابن عباس، وهذا إذا نوىَ الصوم في السفر، فأما (ب) إذا نواه وهو مقيم ثم سافر في أثناء النهار، فذهب الجمهور إلى أنه ليس له أن يفطر، وأجازه أحمد وإسحاق وغيرهما، واختلفوا في الأفضل، فذهب أنس وعثمان بن أبي العاص والعترة وأبو حنيفة ومالك والشافعي إلى أن الصوم أفضل لمن أطاقه بلا مشقة ظاهرة ولا ضرر، فإن تضرر فالفطرْ أفضل، وقال سعيد بن المُسيَّب والأوزاعي وأحمد وإسحاق وغيرهم: الفطرْ أفضل مطلقًا، وحكاه بعضُ الشافعية قولًا للشافعي، واحتجوا بما احتج به الأولون، وبحديث حمزة بن عمرو الآتي فإن قوله: "ومن أحب أن يصوم فلا جُنَاح عليه" فنَفْي الجُنَاح دليل على أن الإفطار هو الأفضل، وأجاب الأكثرون بأنه فيمن يخاف ضررًا أو (جـ) يجد مشقة واعتمدوا على فعْل النَّبيِّ ﷺ فإن أغلب أحواله الصوم في السفر، وقال بعضُ العلمَاء: الفِطرْ والصوم سواء لتعادل الأحاديث، وهو أيضًا ظاهر من حديث أنس وهو قوله: "سافرنا مع رسول الله ﷺ فلم يَعِب الصائم على المفطر
стр. 1667
ولا المفطر على الصائم" (١)، وظاهره التسوية بين الأمرين.
٦١٥ - وعن حمزة بن عمرو الأسْلَمِيِّ أنه قال: يا رسول الله أجد لي قوة على الصيام في السفر، فهل علي جناح؟ فقال رسول الله ﷺ : "هي رخصة من الله فمن أخذ بها فحَسنٌ، ومَنْ أحب أن يصوم فلا جُناح عليه" رواه مسلم (٢)، وأصله في المتفق من حديث عائشة أن حمزة ابن عمرو سأل (٣) هو أبو صالح، وقيل أبو محمد (أ) حمزة -بالحاء المهملة- ابن عمرو بن عويمر الأسلمي منسوب إلى أسلم بن أفصى -بالفاء والصاد المهملة- يعد في أهل الحجاز.
روي عنه محمد ابنُه (ب) وعائشة وعروة بن الزُّبير وسليمان بن يسار، مات سنة إحدى وستين وله ثمانون سنة، وقيل إحدى وسبعون سنة (٤).
قوله: "أجد لي قوة": ظاهر في أن الصوم لا يشق عليه ولا يفوت عليه حق، وفي رواية أخرى لمسلم: "إني رجل أسرد الصوم أفأصوم في السفر؟ قال: صُمْ إنْ شِئْتَ وأَفْطِرْ إن شئت" (٥) وفي هذه الرواية دلالة
стр. 1668
على أنهما سواء، وقد عرفت ما في ذلك، أولًا يفوت عليه حق بشرط فطر يومي العيدين (أ) والتشريق لأنَّه أخبر بسرده، ولم ينكر عليه بل أقره عليه، وأذن له في السفر ففي الحضر أولى، ولا يعارضه إنكاره ﷺ على عبد الله بن عمرو صوم الدهر (١) لأنَّه ﷺ علم أنه سيَضْعف عنه، وهكذا جاء (ب) فإنّه ضعف في آخر عمره، وكان يقوله: يا ليتني قبلت رخصة رسول الله ﷺ وكان ﷺ يحب العمل الدائم وإن قل ويحثهم عليه (٢).
٥١٧ - وعن ابن عباس ﵁ قال: "رخص للشيخ الكبير أن يفطر ويطعم عن كل يوم مسكينًا ولا قضاء عليه". رواه الدارقطني والحاكم وصححاه (٣).
قوله: "رخص": ذكر ذلك ابن عباس ﵁ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ الآية (٤)، قال: نزلَتْ في الكبير والمريض اللذين (جـ) لا يَقْدرَان على الصوم، فالآية عنده غير منسوخة لكن المريض يقضي إذا بَرِئ ويلزمه الكفارة، وأكثر العلماء على أنه لا كفارة على المريض، وذهب ابن عمر والجمهور إلى أن حكم الإطعام باقٍ
стр. 1669
في حق من لم يُطق الصيام لكبر، منسوخ في غيره. وقال جماعة من السلف ومالك وأبو ثور وداود: جميع الإطعام منسوخ، وليس على الكبير إذا لم يُطِقْ إطعام (أ)، استحبه مالك.
وقال قتادة: كان الرخصة لكبير يقدر على الصوم ثم نُسِخَ فيه، وبقي فيمن لا يطيق.
وقال زيد بن أسلم والزهري ومالك: هي مُحْكَمَة نزلت في المريض يفطر ثم بيرأ فلا يقضي حتَّى يدخل رمضان آخر فيلزمه صومه ثم يقضي بعد ما أفطر، ويطعم عن كل يوم مُدا من حنطة فإن اتصل مرضه برمضان الثاني فليس عليه إطعام بل عليه القضاء فقط.
وقال الحسن البصري وغيره: الضمير في ﴿يُطِيقُونَهُ﴾ (١) عائد على الإطعام لا على الصوم ثم نسخ ذلك فهي عنده عامة.
والحديث فيه دلالة على أن الشَّيخ الكبير -والظاهر أنه مقيَّد بالعاجز إذ لا قائل بغير ذلك- يُفْطِر وتَجب عليه الكفارة.
قال الإمام المهدي: وكذا يُقَاس عليه إذا أيس عن قضاء ما أفطره للعجز أو المرض المأيوس في وجوب الكفارة.
واختلف في قدر إطعام المسكين فقال أبو طالب وأبو العباس: هي نصف صاع عن كل يوم من أي قوت لقوله ﷺ : "أطعم عن كل يوم نصف صاع" (٢)، ولم يفصل، وذهب المؤيد وأبو حنيفة وأصحابه إلى أنها صاع من غير البُرّ ونصف صاع من البُرّ كالكفارة، وذهب الشافعي
стр. 1670
إلى أنها مُدّ من بر أو (أ) نصف صاع من غيره، وهي واجبة من رأس المال كالدين، والله أعلم.
٥١٨ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: "جاء رجل إِلى النَّبيِّ ﷺ فقال: هلكتُ يا رسول الله. قال: "وما أهلكك"؟ قال وقعت على امرأتي في رمضان فقال (ب): "هل تجد ما تعتق رقبة"؟. قال: لا. قال: "فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين"؟ قال:. لا. وقال: "فهل تجد ما تطعم ستين مسكينًا"؟ قال: لا، ثم جلس، فأتى النَّبيّ ﷺ بعَرَق فيه تمر، فقال: "تصَدَّق بهذا". فقال: أعلى أفقر منا؟ فما بين لابتيها أفقر (جـ) أهل بيت أحوج إِليه منا.
فضحك النَّبيُّ ﷺ حتَّى بدت أنيابه، ثم قال: "اذهب فأطعمه أهلك" رواه السبعة واللفظ لمسلم (١).
قوله: "جاء رجل": قيل هو سلمة -أو سلمان- بن صَخْر البياضي، كذا ذكر (د) عبد الغني في "المبهمات"، وأخرج ابن عبد البر
стр. 1671
ذلك في "التمهيد" في ترجمة عطاء الخراساني، وتعيين أنه سلمان بن صخر، قال: والظاهر أنه وهْم لأن المحفوظ أنه ظاهرَ مِن امرأته ووقع عليها في الليل لا أن (أ) ذلك كان منه بالنهار، انتهى.
قال المصنف -رحمه الله تعالى (١) -: والظاهر أنهما قضيتان (ب)، فإنَّ في بعض ألفاظ الحديث أنه كان صائمًا.
وقوله: "هلكتُ": في رواية "أنا الأخِر هلكتُ" بفتح الهمزة والخاء المعجمة المكسورة بغير مَدّ، أي: الأبعد، وقيل: الأرذل، وفي رواية "احترقتُ"، وفي رواية: "ما أراني إلا قد هلكتُ" وهذا يفهم أنه كان عامدًا؛ لأن الهلاك والاحتراق مَجاز عن العِصيان المؤدي إلى ذلك، فجعل المتوقع كالواقع إقامة للمُسبب مقام سببه لإفضائه إليه، وفي ذلك دلالة على أن حُكم الكفارة المذكور (جـ) لا يتعلق بالناسي إذ لا إثم عليه، وهو قول الجمهور ومشهور من قول مالك.
وعن أحمد وبعض المالكية يجب على الناسي، قالوا: لأنه ﷺ لم يستفصله عن ذلك، وتَرْك الاستفصال عن الفِعْل ينزله منزلة العموم في القول.
والجواب بأنه قد عُرف حاله من العمدية بما (د) ذَكَرَ فلا إيهام حتى يستفصل، وقد ورد في بعض ألفاظه أيضًا (٢)، أنه جاء وهو ينتف شعره
стр. 1672
ويدق صدره ويقول: "هلك الأبعد"، وفي بعضها: "يلطم وجهه"، وفي بعضها: "يحثي التراب على رأسه"، وهذه قرائن تَدُلُّ على تَعَمُّدِ الفعْل منه، وفيها دلالة على أنه لا بأس في إظهار (أ) الجَزَع عند وقوع المصيبة في الدِّين، والنهي إنما هو في مصيبة الدنيا، أو (ب) أن هذه القصة قبل النَّهي، وأنه لا يستحق التعزير مرتكب المعصية إذا جاء تائبًا، وهو مناسب الحكمة في التعزير، وهو لأجل إصلاح الحال بالتوبة وقد وقعَت.
وعن البغوي (١): أنه يستحق التعزير والكفارة والقضاء، وهو محمول على عَدَم التوبة.
قوله: "قال: وما أهلكك؟! " في رواية: "قال: مَا لَكَ؟! " بفتح اللام استفهام عن حاله، وفي رواية "ويحك وما شأنك؟! " وفي رواية "وما الذي أهلكك وما ذاك؟! " وفي رواية: "ويحك وما صنعت؟! " وفي رواية: "ويلك! " والأرجح أنه قال: "ويحك" دون "ويلك" لأن "ويل" كلمة عذاب، و "ويح" كلمة رحمة، وهو الأنسب بالمقام.
وقوله: "وقعتُ على امرأتي": وفي رواية "أصبت أهلي"، وفي رواية "وطأتُ امرأتي"، وفي رواية مالك وابن جريج وغيرهما: "أن رجلًا أفطر في رمضان" ... الحديث، وظاهره عموم الإفطار بأي مُفْطر، ولكنه قد يُحْمَلُ المطلق على المقيد في هذه الروايات الأُخَر، فيراد أَفطر بجماع، وإنْ كان القرطبي ادعى تعدد القصة وهو بعيد.
وقوله: "في رمضان": وفي رواية "أصبْت امرأتي ظهرًا في رمضان"،
стр. 1673
وتعيين رمضان معمولٌ به دليل على أنَّ الحُكْمَ لا يلزم من فِعْل ذلك في صوم غير رمضان، وإن كان واجبًا، وكلام أبي عوانة في "صحيحه" إشارة إلى وجوب ذلك على منْ وَقَعَ منه في رمضان نهارًا سواء كان الصوم واجبًا أو غير واجب.
وقوله: "هل تجد ما تعتق": في رواية "هل تجد رقبة"، وفي رواية "أعتق رقبة"، وفي رواية "بئس ما صنعتَ، أعتق رقبة".
وقوله: "قال: لا": وفي رواية "والله يا رسول الله"، وفي رواية: "والذي بعثك بالحق ما ملكتُ رقبةً قط" وقد يستدل بإطلاق الرقبة أنها تجزئ الكافرة، كما ذهب إليه (أ) الحنفية في صحة إعتاق الذمية في الكفارة، والجمهور حملوا هذا المطلق على المقيد في كفارة القتل، فقالوا: لا تجزئ الكافرة، وهي مسألة خلاف بين الأصوليين فيما إذا اختلف السبب واتحد الحكم هل يُقَيَّد المُطْلَق أم لا؟، وفيه إطلاقان وتفصيل، فالإطلاق الأول للحنفية، وهو أنه لا يقيد المطلق بالمقيد سواء اقتضى القياس التقييد أم لا، قالوا: لأن إعمال الدليلين واجب ما أمكن، فيجب إجراء المطلق على إطلاقه، والمُقيد على تقييده إذْ لو حمل عليه لزم إبطال المطلق من غير ضرورة، والإطلاق الثاني أنه يُحْمل عليه مطلقًا، وقد روي عن الشافعي وبعض أصحابه قالوا: لأنَّ كلام الله سبحانه في حُكْم الخطاب الواحد فيترتب فيه المطلق على المقيد، وقد تكلم على هذا الجويني وزيفه.
والتفصيل: أنه يقيد إذا اقتضى القياس التقييد فيكون تقييدًا بالقياس وذلك إذا وُجِدتْ علة جامعة بين ما ورد فيه الإطلاق وما ورد فيه التقييد،
стр. 1674
فيكون التقييد حينئذ بالقياس كالتخصيص بالقياس، وقد ذهب إلى هذا الجمهور، وهو الصحيح (أ) مِنْ مذهب الشافعي، والعلة الجامعة هو ان جميع ذلك كفارة عن ذنب مكفر للخطيئة، وقد أبدى بعضُ الحنفية فارقًا مانعًا من اعتبار القياس فيما ذكر وهو أن القاتل لما أخرج رقبة من الحياة وجب عليه التدارك بإحياء رقبة من موت الرقبة وإدخالها في حياة الحرية، والله أعلم.
وقوله: "لا": وفي رواية "لا أقدر"، وفي رواية "هل لقيت ما لقيت إلا من الصيام"، ولفظ الأصل فيه (ب) دلالة على أنه لا يعدل عن الصوم إلى الإطعام إلا مع عدم القدرة على الصيام، والأمر في ذلك واضح، وعلى رواية: "هل لقيت ما لقيت" يفهم أنه إذا شق ذلك بوجهٍ من الوجوه، أو لشدة شغفه بالمواقعة في أنه يجوز الانتقال إلى البَدل، وقد ذهب إلى هذا الشافعي وألحقوا به مَنْ وجد رقبة لا غناء به عنها فإنه يسوغ له الانتقال إلى الصوم مع وجودها لكونه في حكم غير الواجد، وقد ذهب إلى هذا المنصور بالله، وأما ما رواه الدارقطني (١) عن سعيد بن المسيب في هذه القصة مرسلًا أنه قال في جواب قوله: "هل تستطيع أن تصوم؟ " "إني لا أدع الطعام ساعة فما أطيق ذلك" ففي إسناده مقال، وعلى تقدير صحته فلعله اعتل بالأمْرين.
وقوله: "فهل تجد ما تطعم ستين مسكينًا؟ ": وقع في رواية "إطعام ستين مسكينًا"، زاد في رواية "يا رسول الله"، وفي رواية:
стр. 1675
"فهل تستطيع إطعام"، وفي رواية "فتطعم ستين مسكينًا. قال: لا أجد". وفي رواية "فتستطيع أن تطعم ستين مسكينًا؟ قال: لا"، وفي رواية "قال: والذي بعثك بالحق ما أشبع أهلي" وذكر الستين فيه دلالة بمفهوم العدد أنه لا يجزئ إطعام أقل من ذلك، ولا يجب أكثر، فالثاني مجْمعٌ عليه، والأول فيه خلاف الحنفية فعندهم يجزئ الصرف في واحد والإطعام إما إباحة أو تمليك، واللفظ محتمِل له، وظاهر الحديث أن الكفارة مترتبة على هذه الكيفية حتى لا يجزئ العدول إلى الثاني مع إمكان الأول لوقوعه مرتبًا في رواية الصحيحَيْن، بل، ورَوَى الترتيب عن الزهري ثلاثون نفسًا أو أكثر (١)، وروى الترتيب أيضًا ابن عيينة ومعمر والأوزاعي، ورواة التخيير في الحديث: مالك وابن جريج وفليح بن سليمان وعمر بن عثمان المخزومي فهو مرجح بأنه في الصحيحين، وأن رواته أكثر، وأن راويه حكى لفظ القصة على وجهها فمعه زيادة علم من سورة الواقعة، وراوي التخيير حكى لفظ راوي الحديث فيحتمل أنه مِن تصرُّف الراوي وأنه أحوط لأن العامل به قد عمل بواحد.
وقد يُجَابُ عنه بأن وقوع مثل هذا في الجواب لا يدل على الترتيب، فإن شخصًا لو استفتى في حنثه، فقال له المفتي: أعتق رقبة، فقال: لا أجد، فقال: صم ثلاثة أيام إلى آخره لم يكن مخالفًا لحقيقة التخيير بل يحمل على أن (أ) إرشاده إلى العتق لكونه أقرب لتنجبر الكفارة، كذا قاله عياض.
قال البيضاوي: ترتب الثاني بالفاء على فقد الأول ثم الثالث بالفاء على فَقْد الثاني يدل على عدم التخيير مع كونها في معرِض البيان،
стр. 1676
وجواب السؤال فينزل منزلة الشرط للحكم، انتهى كلامه، وفيه بُعْد.
وقال بعضهم: بل "أو" في الرواية التي وردت فيها ليست للتخيير وإنما هي للتفسير (أ)، وتقدير الكلام أمر رجلًا أن يعتق أو يصوم إن عجز عن العتق، أو يطعم إن عجز عنهما، وهو محتمل إذا ظهرت قرينة على هذا.
وذكر الطحاوي أن سبب إتيان بعض الرواة بالتخيير أن الزهري راوي الحديث قال في آخر حديثه: "فصارت الكفارة إلى عتق رقبة أو صيام شهرين أو الإطعام"، قال: فرواه بعضهم مختصرًا مقتصرًا على ما ذكر الزهري أنه آل إليه الأمر، وقد قص عبد الرحمن بن خالد بن مسافر عن الزهري القصة على وجهها ثم ساقه من طريقه مثل الحديث المذكور في الأصل إلى قوله: "أَطْعمْهُ أهلك" قال -أي الزهري-:
فصارت الكفارة إلى عِتْق رقبة، أو صيام شهرَين متتابعين، أو إطعام ستين مسكينًا (١).
وكذلك رواه الدارقطني في "العلل" من طريق صالح بن أبي الأخضر عن الزهري، وقال في آخره: "فصارت سنته عتق رقبة، أو صيام شهرين، أو إطعام ستين مسكينًا" فعرفت من هذا أنه وقع التخيير في لفظ الزهري غير مقصود به استواء الثلاث، وإنما المقصود الانحصار في الثلاثة، وهي مرتبة على ما وقع في أصل الرواية.
وأقول: قد عرفت ما في فَهْم الترتيب من القصة من النظر، والأولى أن الترتيب مأخوذ من القياس على كفارة الظهار، والجامع أن الكَفارَتين هما سبب وطء محرم، والله أعلم.
стр. 1677
وقد ذهب إلى التخيير مالك كما هو المشهور (أ). إلا أنه وقع في "المدونة": ولا يعرف مالك غير الإطعام ولا يأخذ بعتق ولا صيام.
قال ابن دقيق العيد: وهي معضلة لا يهتدى إلى توجيهها مع مصادمة الحديث الثابت (١)، وبعض أصحاب مالك حمل ما في "المدونة" على الاستحباب في تقديم الطعام على غيره من الخِصَال، ووجه ذلك بأن الله سبحانه جعله معادِلًا للصيام في حق القادر في صدر الإسلام ثم نسخ، ولا يلزم من نسخ الحُكْمِ نسخ الفضيلة، وكذا في حَقّ مَن لم يكن قادرًا على الصوم، وفي حق من حال عليه رمضان، وفيما نحن فيه العلة في الكفارة هو فوات الصيام بالجماع، فالمناسبة حاصلة، وأيضًا فإن حديث عائشة أخرجه البخاري (٢) ولم يذكر فيه إلا الإطعام، وقد أجيب عنه بأن حديث عائشة هو وارد في هذه القصة، وهي متحدة وقد حفظها أبو هريرة فقصها على وجهها أو أوودتها عائشة مختصرة، ولعل الاختصار منْ بعض الرواة، وإلا فإنه قد روي عنها بذكْرِ الإعتاق أولًا وبعده الإطعام أخرجه أبو داود وابن خزيمة في "صحيحه" والبخارى في "تاريخه" والبيهقي أيضًا (٣)، ولم يذكر عنها الصيام، ومنْ حفِظَ حجَّة على من لم يحفظ.
واعلم أنها قد اختلفت الرواية عن مالك في ذلك، فالمشهور عنه ما تقدم، وعنه يكفِّر في الأكل بالتخيير وفي الجماع بالإطعام فقط وعنه بالتخيير مطلقًا، وقيل يراعى زمن الخصب والجَدْب، وقيل: يعتبر حالة
стр. 1678
المكفِّر، وقيل غير ذلك.
وقال ابن جرير الطبري: هو مخيّر بين العتْق والصوم ولا يطعم إلا عند العَجْز عنهما، وظاهر الحديث أنه لا يدخل (أ) في الكفارة لغير الثلاث، وجاء عن بعض المتقدمين إهداء البدنة، وقد ذكره مالك في "الموطأ" عن عطاء الخراساني عن سعيد بن السيب مرسلًا (١)، ولكنه في رواية سعيد بن منصور عن ابن عُليَّة عن خالد الحَذَّاء عن القاسم بن عاصم قلتُ لسعيد بن المسيب: ما حديثًا حدثناه عطاء الخراساني عنك في الذي وقع على امرأته في رمضان أنه يعتق رقبة، أو يهدي بدنة؟ فقال: كذب فذكر الحديث (٢).
وقد أخرج ابن عبد البر من طريق أخرى عن أبي هريرة مثل حديث عطاء الخراساني، وفي الإسناد ليث بن [أبي] سليم، وهو ضعيف، وقد اضطرب أيضًا في روايته (٣).
واعْلَم أنه قد ذُكِر في مناسبة الكفارة المذكورة للسبب الذي هو الإفطار في رمضان، وهو أنه قد أهلك نفسه بالمعصية فناسب الإعتاق الذي فيه افتداء النفس، وقد صح أنَّ مَنْ أعتق رقبة أعتق الله بكل عضو منها عضوًا
стр. 1679
منه من النار (١)، والصوم فيه مقاصة (أبحسب الجناية أ).
وأما كونها شهرين فلأنه لما أمر بصوم شهر على جهة الولاء فلما أفسد منه صومًا (ب) كان كمن أفسد صوم الشهر كله لفِوَات الولاء فوجب عليه صوم شهرين مضاعفة على سبيل المقابلة بنقيض قصده.
وأما الإطعام فلا، وكل يوم مقابل بإطعام مسكين.
وقوله: "فجلس": وفي رواية ابن عُيَيْنَة: "فقال له النبي ﷺ : اجلس، فجلس"، قال بعضهم: يحتمل أن يكون سبب أمره له بالجلوس انتظار ما يوحَى إليه في حقه، ويحتمل أن يكون قد عرف أنه سيؤتى بشيء يعينه به.
وقوله: "فأُتِيَ": بضم أوله على البناء للمجهول، وفي رواية ابن عيينة "فبينما هو جالس كذلك إذ أتى"، وفي رواية: "فبينا نحن على ذلك أُتي النبي ﷺ ": والآتي لم يسم.
ووقع في البخاري في باب الكفارة (٢): "فجاء رجلٌ من الأنصار" (٣)، وفي الدارقطني عن ابن المسيب اسمه ضربة العاني رجلًا (جـ) من ثقيف، وهو يحتمل أنه كان حليفًا للأنصار، أو أطلق عليه اسم الأنصار (د) بالمعنى الأعم، وفي رواية ابن إسحاق: "فجاء رجل بصدقته يحملها" (٣)، وفي مرسل الحسن: "بتمر من تمر الصدقة" (٤).
стр. 1680
وقوله: "بعَرَق": بفتح المهملة والراء بعدها قاف، وهو في رواية الأكثر، وفي رواية أبي الحسن القابسي بإسكان الراء، وقد أنكر بعضهم الإسكان، وإنما هو العظم عليه اللحم (١).
قال المصنف -رحمه الله تعالى-: "الراجح هو الفتح، والإسكان ليس بمنكر، بل قد أثبته بعضُ أهل اللغة، وهو المِكْتَل -بكسر اليم وسكون الكاف وفتح التاء النقوطة باثنتين من أعلى- الضخم، قال الأخفش: يسمى المكتل عَرَقًا لأنه نصف عرقة، فالعَرَق جمع عَرقة كعلق وعلقة، والعرقة الضفيرة من الخوص" (٢).
وفي بعض طرق عائشة عند مسلم (٣): "فجاءه عَرَقَان" (٣) مثنى، قال المصنف -رحمه الله تعالى-: "إن التمر كان أولًا" عند حمله على الدابة عَرَقَان ليكون (ب) أسهل في الحمل، ويحتمل أنه لما وصل به أفرغ أحدهما في الآخر، فمن قال عرقان أراد ابتداء الحال، ومن قال عَرَق أراد ما آل إليه، والله أعلم" (٤).
وهذا أولى مما ذهب إليه البيهقي من تعدد الواقعة.
واعلم أنه لم يقع تعيين قَدْر ما في الِمكتَل من التمر في شيء من طرق الصحيحَيْن في حديث أبي هريرة، ووقع في رواية ابن أبي حفصة: "فيه
стр. 1681
خمسة عشر صاعًا"، وفي رواية سفيان: "فيه خمسة عشر أو نحو ذلك"، وعند ابن خزيمة عن الثوري: "فيه خمسة عشر أو عشرون" (١)، وكذا عند مالك، وعن سعيد بن المسيب في مرسله عند عبد الرزاق (٢)، وفي مرسله عند الدارقطني الجزم بعشرين صاعًا، وكذا عند ابن خزيمة في حديث عائشة. قال البيهقي (٣): وهو بلاغ محمد بن جعفر أحد رواته، ووقع في مسند عطاء عند مسدد: "فأمر له ببعضه (أ) ".
قال المصنف -رحمه الله تعالى (٤) - في الجمع بين الروايات: فمن قال: إنه كان عشرون أراد أصل ما كان فيه، ومن قال: خمسة عشر أراد قدر ما تقع به الكفارة، وبين ذلك حديث علي ﵁ عند الدارقطني: "يطعم ستين مسكينًا لكل مسكين مدّ"، وفيه: "فأتى خمسة عشر صاعًا" فقال: "أطعمه ستين مسكينًا"، وكذا في حديث أبي هريرة عند الدارقطني (٥) من طريق الزُّهْرِي وفيه رَد على الكوفِيِّين في قولهم: إن واجبه من القمح ثلاثون صاعًا ومن غيره ستون، وعلى أشهب في قوله: لو غداهم أو عشاهم كفى لصدق الطعام، ولقول الحسن: "يطعم أربعين مسكينًا عشرين صاعًا"، ولقول عطاء: إنْ أفطر بالأكل أطعم عشرين صاعًا أو بالجماع أطعم خمسة عشر (٦)، وفيه رد على
стр. 1682
الجوهري حيث قال في "الصحاح" (١): المكْتَل شبه الزِّنبيل يَسَع خمسة عشر صاعًا لأنه لا حصر في ذلك.
وروي عن مالك (٢) أنه قال: يسع خمسة عشر أو عشرين، ولعله قال ذلك في هذه القصة الخاصة فيوافق رواية مهران، وإلا فالظاهر أنه لا حَصْر، وأما ما وقع في رواية عطاء ومجاهد عن أبي هريرة عند الطبراني في "الأوسط" "أنه أُتي بمِكتل فيه عشرون صاعًا فقال: تصدق بهذا" وقال قبل ذلك: "تصدق بعشرين صاعًا أو بتسعة عشر أو بأحد وعشرين"، فلا حجة لما فيه من الشَّك، ولأنه من رواية ليث بن أبي سليم (٣)، وهو ضعيف، وقد اضطرب فيه وفي الإسناد إليه مع ذلك [من لا يحتج به] (أ) انتهى كلامه (٤).
قوله: "تصدق بهذا": وقع في رواية الأكثر: "خُذْ هذا فتصدق به"، وزاد ابن إسحاق: "فتصدق به عن نفسك"، وفي رواية "أطعِم هذا عنك" (٥)، وفي رواية: "نحن نتصدق به عليك"، وقد يستدل بهذا على أنه لا يلزم إلا كفارة واحدة، ولا تجب على الزوجة وهو الأصح من قولي الشافعي، وبه قال الأوزاعي، وقال الجمهور وأبو ثَور وابن المنذر: تجب الكفارة على المرأة أيضًا معتلين بأن النبي ﷺ إنما لم يذكرها مع الزوج لأنها لم تعترف، واعتراف الزوج لا يوجب عليها الحُكْم، واحتمال أن المرأة لم تكن صائمة بأن تكون طاهرة من الحيض بعد طلوع
стр. 1683
الفجر، أو أن بيان الحكم في حق الرجل يثبت الحكم في حق المرأة أيضًا لم عُلم من تعميم الأحكام.
أو أنه عَرف فقرها كما ظهر من حال زوجها، وقال القرطبي، اختلفوا في الكفارة هل هي على الرجل وحده على نفسه فقط، أو عليه وعليها، أو عليه كفارتان عنه وعنها، أو عليه عن نفسه وعليها عنها، وليس في الحديث ما يدل على شيءٍ من ذلك، ولهم تفاصيل في الحُرَّة والأَمَة والمطاوعة والمُكْرَهة، وهل هي عليها أو على الرجل عنها، والقائل بوجوب كفارة واحدة على الزوج عنه وعن موطوءته يقول: يعتبر حالهما فإن كانا من أهل العتق أجزأت رقبة واحدة، وإن كانا من أهل الإطعام أطعم كما سبق، وإن كانا من أهل الصيام صاما جميعًا، فإن اختلف حالهما ففيه تفريع محله كتب الفروع.
وقوله: "أَعَلَى أفقر منا! ": أي أتصدق به على شخص أفقر منا، أو على أهل بيت أفقر منا، وفي هذا دلالة على أنه فهم منه الأمر له بالتصدق على من يتصف بالفقر، وقد بين ذلك في حديث مالك عن ابن عمر بزيادة: "إلى مَنْ أدفعه؟! إلى أفقر من أهلي"، ولابن مسافر: "أعلى أهل بيت أفقر مني"، وللأوزاعي: "أعلى غير أهلي أهل"، ولمنصور: "أعلى أحوج منا"، ولابن إسحاق: "وهل الصدقة إلا لي وعليَّ".
وقوله: "ما بين لابتيها": هو تثنية لابة، واللابة: هي الحَرَّة، وهي أبيض ملتبسة بحجارة سود يقال: لابَة، لُوَبة ونُوبة بالنون حكاهن أبو عبيد والجوهري (١) (أ) ومَنْ لا يحصى من أهل اللغة، وجمع اللابة: لُوبٌ
стр. 1684
ولابٌ (أ) ولابات (ب) وهي غير مهموزة، واللابتان هما الحرتان، والضمير للمدينة، وما: هي النافية المشبهة بليس، اسمها "أفقر" مرفوع وخبرها "بين"، فهي ملغاة عن العمل لتقدم الخبر فيُرفعان على الابتداء أو الخبر إلا على قول سيبويه من الإعمال مع تقدم الخبر، و"أحوج" بدل من "أفقر" فحكمه حكمه، ومنا هو المفَضَّل عليه.
وقوله: "حتى بَدَتْ أنيابه": وفي رواية ابن إسحاق: "حتى بدت نواجذه"، ولأبي قرة في "السنن": "حتى بدت ثناياه"، ولعلها تصحيف من أنيابه، فإن الثنايا تتبين بالتبسم غالبًا، وهو ظاهر السياق أنه زاد على التبسم، وما ورد في صفته ﷺ أن ضحكه كان تبسما (١) بناء على الغالب، وقيل كان في أمر الدنيا لا يزيد على التبسم، وفي أمرٍ يتعلق بالآخرة يزيد على ذلك، وقيل: إن سبب ذلك هو اختلاف حال السائل فإنه جاء خائفًا على نفسه راغبًا في فداها مهما أمكنه، فلما وجد الرخصة طمع في أَن يأكل ما أُعطيه في الكفارة، وقيل: ضحك مِنْ حسْن بيان المتكلم وتلطفه في الخطاب وتوسله في توصله إلى مقصده.
وقوله: "اذهب فأطعمه أهلك": وفي رواية "أطعمه عيالك" (٢)، وفي رواية "فأنتم إذا" وقدم ذلك على ذكر الضحك، وفي رواية: "ثم قال كُلْهُ"، وفي رواية "خذها وكُلها وأنفقها على عيالك" (٣)، وفي
стр. 1685
رواية "عُدْ به عليك وعلى أهلك" (١).
واعلم أن في توسيعه ﷺ بأكل ذلك هو وعياله احتمال أن الكفارة ساقطة عليه بسبب الإعسار المقارن لوجوب الكفارة؛ لأن الكفارة من قاعدتها أن لا تُصرف في النفس، ولم يبين له ﷺ أنها باقية في ذمته يخرجها متى أيسر، وهو أحد قَوْلَي الشافعي، وجزم به عيسى بن دينار من المالكية، ويتأيد ذلك بالقياس على صدقة الفِطْر.
وقد يُجَابُ بأن صدقة الفطر لها أَمَد ينتهى إليه، وكفارة الجماع لا أمد لها فتستقر في الذمة، وليس في الحديث ما يدل على السقوط، وفيه احتمال أن الكفارة غير ساقطة، وصرفها فيه وفي أولاده خصوصية له، وقد ذهب إلى هذا إمام الحَرَمين، وهو قول الزُّهْرِي.
ورُدَّ بأن الأصل عدم الخصوصية، وقال بعضهم: هذا منسوخ، وتقصى عنه بعضهم بأن الأهل الذين أمر بالصرف إليهم هم مَن لا تلزمه نفقتهم من أقاربه.
ورُدَّ بأنه قد بين الأهل في رواية "عيالك" (٢)، وأيضًا في رواية "أكله بنفسه منه" وبعضهم قال: إنه لما كان معسرًا سقطت عنه نفقة أولاده فجاز الصرف فيهم، ولكنه يشكِل برواية "أكله".
وقال الشيخ تقي الدين: إن إعطاءه ليس لأجل أن يخرجه عن الكفارة، وإنما هو لقصد التصديق عليه وعلى أهله لما ظهر من حاجتهم، والكفارة باقية في ذمته، وليس في الحديث ما يدل على سقوطها، وليس فيه تأخير