← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17747

البدر التمام شرح بلوغ المرام ت الزبن

الحسين بن محمد المغربي

Полный текст (4 458 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

خمسة عشر صاعًا"، وفي رواية سفيان: "فيه خمسة عشر أو نحو ذلك"، وعند ابن خزيمة عن الثوري: "فيه خمسة عشر أو عشرون" (١)، وكذا عند مالك، وعن سعيد بن المسيب في مرسله عند عبد الرزاق (٢)، وفي مرسله عند الدارقطني الجزم بعشرين صاعًا، وكذا عند ابن خزيمة في حديث عائشة. قال البيهقي (٣): وهو بلاغ محمد بن جعفر أحد رواته، ووقع في مسند عطاء عند مسدد: "فأمر له ببعضه (أ) ". قال المصنف -رحمه الله تعالى (٤) - في الجمع بين الروايات: فمن قال: إنه كان عشرون أراد أصل ما كان فيه، ومن قال: خمسة عشر أراد قدر ما تقع به الكفارة، وبين ذلك حديث علي ﵁ عند الدارقطني: "يطعم ستين مسكينًا لكل مسكين مدّ"، وفيه: "فأتى خمسة عشر صاعًا" فقال: "أطعمه ستين مسكينًا"، وكذا في حديث أبي هريرة عند الدارقطني (٥) من طريق الزُّهْرِي وفيه رَد على الكوفِيِّين في قولهم: إن واجبه من القمح ثلاثون صاعًا ومن غيره ستون، وعلى أشهب في قوله: لو غداهم أو عشاهم كفى لصدق الطعام، ولقول الحسن: "يطعم أربعين مسكينًا عشرين صاعًا"، ولقول عطاء: إنْ أفطر بالأكل أطعم عشرين صاعًا أو بالجماع أطعم خمسة عشر (٦)، وفيه رد على

стр. 1682

الجوهري حيث قال في "الصحاح" (١): المكْتَل شبه الزِّنبيل يَسَع خمسة عشر صاعًا لأنه لا حصر في ذلك. وروي عن مالك (٢) أنه قال: يسع خمسة عشر أو عشرين، ولعله قال ذلك في هذه القصة الخاصة فيوافق رواية مهران، وإلا فالظاهر أنه لا حَصْر، وأما ما وقع في رواية عطاء ومجاهد عن أبي هريرة عند الطبراني في "الأوسط" "أنه أُتي بمِكتل فيه عشرون صاعًا فقال: تصدق بهذا" وقال قبل ذلك: "تصدق بعشرين صاعًا أو بتسعة عشر أو بأحد وعشرين"، فلا حجة لما فيه من الشَّك، ولأنه من رواية ليث بن أبي سليم (٣)، وهو ضعيف، وقد اضطرب فيه وفي الإسناد إليه مع ذلك [من لا يحتج به] (أ) انتهى كلامه (٤). قوله: "تصدق بهذا": وقع في رواية الأكثر: "خُذْ هذا فتصدق به"، وزاد ابن إسحاق: "فتصدق به عن نفسك"، وفي رواية "أطعِم هذا عنك" (٥)، وفي رواية: "نحن نتصدق به عليك"، وقد يستدل بهذا على أنه لا يلزم إلا كفارة واحدة، ولا تجب على الزوجة وهو الأصح من قولي الشافعي، وبه قال الأوزاعي، وقال الجمهور وأبو ثَور وابن المنذر: تجب الكفارة على المرأة أيضًا معتلين بأن النبي ﷺ إنما لم يذكرها مع الزوج لأنها لم تعترف، واعتراف الزوج لا يوجب عليها الحُكْم، واحتمال أن المرأة لم تكن صائمة بأن تكون طاهرة من الحيض بعد طلوع

стр. 1683

الفجر، أو أن بيان الحكم في حق الرجل يثبت الحكم في حق المرأة أيضًا لم عُلم من تعميم الأحكام. أو أنه عَرف فقرها كما ظهر من حال زوجها، وقال القرطبي، اختلفوا في الكفارة هل هي على الرجل وحده على نفسه فقط، أو عليه وعليها، أو عليه كفارتان عنه وعنها، أو عليه عن نفسه وعليها عنها، وليس في الحديث ما يدل على شيءٍ من ذلك، ولهم تفاصيل في الحُرَّة والأَمَة والمطاوعة والمُكْرَهة، وهل هي عليها أو على الرجل عنها، والقائل بوجوب كفارة واحدة على الزوج عنه وعن موطوءته يقول: يعتبر حالهما فإن كانا من أهل العتق أجزأت رقبة واحدة، وإن كانا من أهل الإطعام أطعم كما سبق، وإن كانا من أهل الصيام صاما جميعًا، فإن اختلف حالهما ففيه تفريع محله كتب الفروع. وقوله: "أَعَلَى أفقر منا! ": أي أتصدق به على شخص أفقر منا، أو على أهل بيت أفقر منا، وفي هذا دلالة على أنه فهم منه الأمر له بالتصدق على من يتصف بالفقر، وقد بين ذلك في حديث مالك عن ابن عمر بزيادة: "إلى مَنْ أدفعه؟! إلى أفقر من أهلي"، ولابن مسافر: "أعلى أهل بيت أفقر مني"، وللأوزاعي: "أعلى غير أهلي أهل"، ولمنصور: "أعلى أحوج منا"، ولابن إسحاق: "وهل الصدقة إلا لي وعليَّ". وقوله: "ما بين لابتيها": هو تثنية لابة، واللابة: هي الحَرَّة، وهي أبيض ملتبسة بحجارة سود يقال: لابَة، لُوَبة ونُوبة بالنون حكاهن أبو عبيد والجوهري (١) (أ) ومَنْ لا يحصى من أهل اللغة، وجمع اللابة: لُوبٌ

стр. 1684

ولابٌ (أ) ولابات (ب) وهي غير مهموزة، واللابتان هما الحرتان، والضمير للمدينة، وما: هي النافية المشبهة بليس، اسمها "أفقر" مرفوع وخبرها "بين"، فهي ملغاة عن العمل لتقدم الخبر فيُرفعان على الابتداء أو الخبر إلا على قول سيبويه من الإعمال مع تقدم الخبر، و"أحوج" بدل من "أفقر" فحكمه حكمه، ومنا هو المفَضَّل عليه. وقوله: "حتى بَدَتْ أنيابه": وفي رواية ابن إسحاق: "حتى بدت نواجذه"، ولأبي قرة في "السنن": "حتى بدت ثناياه"، ولعلها تصحيف من أنيابه، فإن الثنايا تتبين بالتبسم غالبًا، وهو ظاهر السياق أنه زاد على التبسم، وما ورد في صفته ﷺ أن ضحكه كان تبسما (١) بناء على الغالب، وقيل كان في أمر الدنيا لا يزيد على التبسم، وفي أمرٍ يتعلق بالآخرة يزيد على ذلك، وقيل: إن سبب ذلك هو اختلاف حال السائل فإنه جاء خائفًا على نفسه راغبًا في فداها مهما أمكنه، فلما وجد الرخصة طمع في أَن يأكل ما أُعطيه في الكفارة، وقيل: ضحك مِنْ حسْن بيان المتكلم وتلطفه في الخطاب وتوسله في توصله إلى مقصده. وقوله: "اذهب فأطعمه أهلك": وفي رواية "أطعمه عيالك" (٢)، وفي رواية "فأنتم إذا" وقدم ذلك على ذكر الضحك، وفي رواية: "ثم قال كُلْهُ"، وفي رواية "خذها وكُلها وأنفقها على عيالك" (٣)، وفي

стр. 1685

رواية "عُدْ به عليك وعلى أهلك" (١). واعلم أن في توسيعه ﷺ بأكل ذلك هو وعياله احتمال أن الكفارة ساقطة عليه بسبب الإعسار المقارن لوجوب الكفارة؛ لأن الكفارة من قاعدتها أن لا تُصرف في النفس، ولم يبين له ﷺ أنها باقية في ذمته يخرجها متى أيسر، وهو أحد قَوْلَي الشافعي، وجزم به عيسى بن دينار من المالكية، ويتأيد ذلك بالقياس على صدقة الفِطْر. وقد يُجَابُ بأن صدقة الفطر لها أَمَد ينتهى إليه، وكفارة الجماع لا أمد لها فتستقر في الذمة، وليس في الحديث ما يدل على السقوط، وفيه احتمال أن الكفارة غير ساقطة، وصرفها فيه وفي أولاده خصوصية له، وقد ذهب إلى هذا إمام الحَرَمين، وهو قول الزُّهْرِي. ورُدَّ بأن الأصل عدم الخصوصية، وقال بعضهم: هذا منسوخ، وتقصى عنه بعضهم بأن الأهل الذين أمر بالصرف إليهم هم مَن لا تلزمه نفقتهم من أقاربه. ورُدَّ بأنه قد بين الأهل في رواية "عيالك" (٢)، وأيضًا في رواية "أكله بنفسه منه" وبعضهم قال: إنه لما كان معسرًا سقطت عنه نفقة أولاده فجاز الصرف فيهم، ولكنه يشكِل برواية "أكله". وقال الشيخ تقي الدين: إن إعطاءه ليس لأجل أن يخرجه عن الكفارة، وإنما هو لقصد التصديق عليه وعلى أهله لما ظهر من حاجتهم، والكفارة باقية في ذمته، وليس في الحديث ما يدل على سقوطها، وليس فيه تأخير

стр. 1686

البيان عن وقت الحاجة لما أنه قد علم لزوم الإخراج بسبب المقتضي لذلك، وإن سُلِّمَ ذلك فوقت الحاجة هو وقت القدرة على الإخراج، ولما يحصل ويجاب عن هذا بأن قد ورد ما يدل على سقوط الكفارة، فإنه قال في حديث عليّ "كله أنت وعيالك فقد كفر الله عنك" (١) ولكنه حديث ضعيف، وكذا ما أخرجه أبو داود (٢) في حديث أتي هريرة "كله أنت وأهل بيتك وصم يومًا واستغفر الله". ويمكن الجواب عن هذا بأنه لم يكن فيه صريح دال على سقوطها عند الإيسار، فإنه يحتمل أنَّ المُرَادَ بالتكفير عنه بمعنى عدم المطالبة في الحال، ولا يلزم منه التكفير مطلقًا. وقد ذهب إلى القول بوجوب الكفارة أبو طالب والإمام يحيى وأبو حنيفة والشافعي ومالك والإمامية ورواية عن القاسم وحجتهم ما عرفت من الأمر للأعرابي بإخراج أي الأنواع الثلاثة. وذهب طاوس وابن المسيب والنخعي وابن عُليَّة وأحمد والهادي والمؤيد والناصر والمرتضى والنفس الزكية إلى القول بعدم الوجوب محتجين بحديث أتي هريرة الذي أخرجه أبو داود، وبأنه أباح له الأكل (أ) من التمر وعياله، وقد عرفت الجواب عن ذلك، وذكر في حديث أتي هريرة عند أبي داود والأمر بقضاء يوم مكان ما أفطر. وقد ذهب إلى وجوب القضاء الهادوية والشافعي للحديث وعموم قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٣)، وفي قولٍ للشافعي يسقط إذ أمره بها

стр. 1687

فقط، ويجاب بأنه اتكل في القضاء على الآية، وقد عرفتَ حديث أبي هريرة. وعن الشافعي إنْ كَفَّرَ بالصوم فلا قضاء وإلا وجب، ومن أفطر بالجماع وهو مرخص له في الإفطار كأن يكون مسافرًا وجب القضاء ولا كفارة، وعند أحمد: بل يكَفر. والجواب بأنه كالأكل حيث نوى به الإفطار للرخصة، فإن لم ينوِ به الترخيص فقال الإمام المهدي: فيه وجهان: يكفر كالمقيم لعدم النية، ولا إذ هو مسافر، ولا تكرر الكفارة بتكرر الأيام ما لم يتخلل التكفير. وعن الشافعي: بل تعدد كيومين من شهرين، قال الإمام المهدي: وهو الأقرب، وأما في اليوم الواحد فلا تكرار، وقال أحمد: بل يلزم ويجاب بأن الوَطْءَ وقع في غير صَوْم، وكذا إذا وطئ بعد أن قد كان أفطر ناسيًا فلا كفارة. وقال أبو الطيب الطبري: يلزم، وهِو صحيح على قول مَنْ يقول إن الأكل ناسيًا غير مفطر، وكذا من جَامع ثم سافر أو مرض في ذلك اليوم فلا كفارة عليه عملًا بالانتهاء، وهذا عند أبي حنيفة والإمام يحيى والهادوية والثوري، وقال مالك وأحمد وإسحاق وأحد قولي الشافعي: العبرة بالإقدام، وقد أقدم عاصيًا، ويجاب عنه بأن الصوم انكشف كونه غير مستحق وفيه نظر على اعتبار الابتداء. والحديث ورد في حق المجامع، ويقاس عليه من أفطر بغير الجماع، وقد يُجَابُ بالفرق بين الجماع وغيره بأن المدة في حق المجامع أكمل من حق منْ تناول أدنى مفطر بغير الجماع، ولذلك منع منه المحرم، وقد ورد عن أبي هريرة "أن رجلًا أكل في رمضان، فأمره النبي ﷺ أن يعتق رقبة" أخرجه الدارقطني، وفي إسناده أبو معشر، وهو ضعيف، وأما

стр. 1688

حديث "أن رجلًا قال: قد أفطرت في رمضان" فهو يحتمل أنه أفطر بجماع لا حجة فيه. وقد اختلف السلفُ في حَقِّ مَنْ أفطر بغير الجماع عمدًا، فعلق البخاري (١) عن أبي هريرة رفعه: "مَنْ أفطر يومًا من رمضان من غير عِلة ولا مرض لم يقضه صيام الدهر، وإن صامه" (٢)، وبه قال ابن مسعود. وقال سعيد بن المسيب والشَّعْبي وابن جبير وإبراهيم وقتادة وحماد: يقضي يومًا مكانه. وفي الحديث من الفوائد غير ما تقدم السؤال عن حُكم ما يفعله المرء مخالفًا للشرع، والتحدث بذلك لمصلحة معرفة الحكم، واستعمال الكناية فيما يُسْتَقْبح ظهوره بصريح لفظه لقوله: "واقعتُ" و"أصبتُ"، على أنه قد ورد في بعض طرقه "وطأتُ"، والظاهر أنه مِن تصرف الرواة. وفيه الرفق بالمتعلم، والتلطف في التعليم، والتآلف على الدين، والنَّدَم على المعصية، واستشعار الخَوْف. وفيه الجلوس في المسجد لغير الصلاة من المصالح الدينية كنَشْر العلم. وفيه جواز الضحك عند وجود سببه، وإخبار الرجل بما يقع منه مع

стр. 1689

أهله للحاجة. وفيه الحَلِف للتأكيد كما ورد في رواية: "والله ما بين لابتيها"، وقبول قوله في الفقر، ويحتمل أن القرينة ظاهرة في فقره. وفيه التعاون في العبادة، والسعي في خلاص المسلم، وإعطاء الواحد فوق حاجته الراهنة، وإعطاء الكفارة أهل بيتٍ واحد، وأن المضطر إلى ما في يده لا يجب عليه أن يعطيه، أو يعطيه لمضطر آخر. قال المصنف -رحمه الله تعالى-: "قد اعتنى بعضُ المتأخرين ممن أدركه شيوخنا بهذا الحديث، فتكلم عليه في مجلدين جمع فيهما ألف فائدة وفائدة، ومحصلة (أ) إن شاء الله تعالى فيما لخصته مع زيادات كثيرة، فلله الحمد على ما أنعم. انتهى كلامه في "فتح الباري" (١)، وأقول: وقد أتيتُ بحمد الله في هذا المختصر على معظم تلك الفوائد جمع تلخيص وزيادات كثيرة، فلله الحمد على ما أنعم وأجزل. ٥١٩ - وعن عائشة وأم سلمة ﵄: "أن النبي ﷺ كان يصبح جُنُبًا مِنْ جِمَاع ثم يغتسل ويصوم" متفق عليه (٢)، وزاد مسلم في حديث أم سلمةَ: "ولا يقضي" (٣). الحديث فيه دلالة على أنَّ الصَّوْمَ يصح ولو أصبح جُنُبًا مِنْ جِمَاع،

стр. 1690

وقد ذهب إلى هذا الجمهور، وادعى النووي الإجماع على ذلك (١)، وقال ابن دقيق العيد (٢): صار ذلك إجماعًا أو كالإجماع، وقد سبق الخلاف في ذلك لعُروة بن الزُّبَير فيمن تعمد الجنابة فقال: إنه يفطر، وكذا حكاه ابن المنذر عن طاوس، وحكى ابن المنذر عن الحسن البصري وسالم بن عبد الله بن عمر أنه يتم صومه ويقضي. وأخرج عبد الرزاق عن ابن جريج أنه سأل عطاء عن ذلك فقال: اختلف أبو هريرة وعائشة، وأرى أن يتم صومه ويقضي (٣) انتهى. ونقل بعض المتأخرين عن الحسن بن صالح بن حي إيجاب القضاء، والذي نقل الطحاويُّ عنه استحبابه، ونقل ابن عبد البر عنه وعن النخعي إيجاب القضاء في الفرض والإجزاء في التطوع، ونقل الماوردي أن هذا الاختلاف كله إنما هو في حَقِّ المُجَامِع دون المحتلم، فأجمعوا على أنه يجزئه وهو معترض بما أخرجه النسائي (٤) بإسناد صحيح عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر "أنه احتلم ليلًا في رمضان فاستيقظ قبل أن يطلع الفجر ثم نام قبل أن يغتسل فلم يستيقظ حتى أصبح، قال: فاستفتيت أبا هريرة فقال: أفطِرْ". وحجة مَنْ قال ذلك حديث أبي هريرة، قال البخاري (٥): وقال همام

стр. 1691

وابن عبد الله بن عمر عن أبي هريرة "أن النبي ﷺ كان يأمر بالفطرْ" وقد وصل الرواية أحمد وابن حبان بلفظ: قال رسول الله ﷺ "إذا نودي للصلاة (أصلاة الصبح أ) وأحدكم جُنُب فلا يصُم يومه" (١)، ورواية ابن عبد الله بن عمر وصلها عبد الرزاق، وقد اختلفَ على الزهري في اسم ابن عبد الله هل عبد الله مكبرًا أو مصغرًا، وأجابَ الجمهور بأن ذلك منسوخ، وأن أبا هريرة حدث به ولم يعلم النسخ، ثم لما روي له حديث عائشة وأم سلمة رجع عن ذلك وأفتى بقولهما. وأخرج النسائي أنه قال: هي أمي عائشة (ب) أعلم برسول الله ﷺ منا" (٢)، وزاد ابن جريج في روايته: فرجع أبو هريرة عما كان يقول في ذلك. وروى ابن أبي شيبة (٣) من طريق قتادة عن سعيد بن السيب أن أبا هريرة: رجع عن فُتْيَاه مَنْ (جـ) أصبح جنبًا فلا صوم له، وفي رواية للنسائي فقال أبو هريرة: "هكذا كنت أحسب" (٤)، وفي رواية البخاري والنسائي (٥) وغيرهم أن أبا هريرة روي ذلك بواسطة الفضل بن العباس،

стр. 1692

ويدل على النسخ ما أخرجه مسلم والنسائي وابن حبان وابن خزيمة عن عائشة أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ يستفتيه وهي تسمع منْ وراء حجاب، فقال: يا رسول الله، تدركني الصلاة -أي صلاة الصبح- وأنا جنب أفأصوم؟ فقال النبي ﷺ : وأنا تدركني الصلاة وأنا جنب فأصوم، فقال: لستَ مثلنا يا رسول الله قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال: والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقي" (١). ونزول سورة الفتح في عام الحديبية سنة ست، وابتداء فرض الصيام كان في السنة الثانية، وقد كان في صَدْرِ الإسلام المنع من الأكل والشرب والجِمَاع بعد النوم، ثم أباح الله تعالى ذلك ولم يبلغ الفضل ولا أبا هريرة الناسخ، فاستمر أبو هريرة على الفُتْيَا به، ثم لما بلغه رجع، وقد ذهب إلى النسخ ابن المنذر والخطابي وغيرهم. وهذا الحديث يدفع قولَ منْ قال بأن ذلك مخصوص بالنبي ﷺ وذهب البخاري (٢) إلى الرد على حديث أبي هريرة بأن حديث عائشة أقوى سندًا حتى قال ابن عبد البر: إنه صح وتواتر (٢)، وأما حديث أبي هريرة فأكثر الروايات أنه كان يفتى به، ورواية الرفع أقل، ومع التعارض يرجح بقوة الطريق، ويرجحه أيضًا ما يفهم من قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ﴾ (٣) الآية، فإنه إذا أحل الرفث في جميع أجزاء الليل فمن جملة

стр. 1693

الأجزاء آخرها، ومن ضرورته الإصباح جنبًا ويلزم من إباحته أن لا يمنع ذلك عن الصوم، إذ لو كان مانعًا لحرم إذ لا يتم الواجب إلا به. وبعضهم حاول الجمع بين الحديثين بأن حديث أبي هريرة محمول على أن النهي للإرشاد، وحديث عائشة مبين للجواز، ونقله النووي عن أصحاب الشافعي إلا أن البيهقي نقل عن أصحاب الشافعي سلوك الترجيح، وبعضهم حمله على من أدرك الفجر مجامعًا فاستدام بعد طلوعه إلا أنه يدفعه ما أخرجه النسائي (١) عن أبي هريرة "أنه كان يقول: من احتلم وعلم باحتلامه ولم يغتسل حتى أصبح فلا يصوم" (١). وقولها: "من جماع": قال القرطبي: فيه دلالة على أنه كان ﷺ لا يحتلم؛ لأنه من الشيطان، وهو معصوم منه، وقال بعضهم: بل فيه دلالة على جواز الاحتلام عليه، وإلا لما احتاجت إلى الاحتراز عنه. وقد يجاب عنه بأن الاحتلام قد يطلق على الإنزال، وقد يقع الإنزال بعد رؤية شيء في المنام، والله أعلم. ٥٢٠ - وعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "من مات وعليه صيام صام عنه وَليّه" متفق عليه (٢). الحديث فيه دلالة على أنه يجزئ عن الميت صيام غيره عنه، وأن ذلك هو الواجب، لأن "منْ" لفظ عام شامل للمكلَّفين. وقد اختلف السلف والخلف في هذه المسألةَ فأجاز الصيام عن الميت أصحاب الحديث، وعلق الشافعي في القديم (٣) القول به على صحة

стр. 1694

الحديث، نقل ذلك عنه (أ) البيهقي في "المعرفة"، وهو قول أبي ثور وجماعة من محدثي الشافعية (ب)، حتى قال البيهقي في "الخلافيات": هذه السنة ثابتة لا أعلم خلافًا بين أهل الحديث في صحتها، فوجب العمل بها، ثم ساق سنده إلى الشافعي قال: "كل ما قلت وصح عن النبي ﷺ خلافه فخذوا بالحديث (جـ) ولا تقلدوني". وذهب إلى هذا المؤيد بالله، وذهب الشافعي في الجديد ومالك وأبو حنيفة وزيد بن علي والهادي والقاسم إلى أنه لا يصام عن الميت، وإنما الواجب الكفارة لقوله ﷺ : "منْ مات وعليه صيام فَليُطْعم عنه مكان كل يوم مسكين"، وأخرجه الترمذي عن ابن عمر مرفوعًا (١)، وقال: غريب لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه، والصحيح أنه موقوف على ابن عمر. وأخرجه ابن ماجه (٢) مرفوعًا أيضًا وفي إسناده وهم (٣)، وقال الدارقطني: المحفوظ وقفه على ابن عمر، وتابعه البيهقي على ذلك. وأخرج البيهقي عن عائشة "أنها سئلت عن امرأة ماتت وعليها صوم، قالت: تطعم عنها" (٤). وعنها أيضًا أنها قالت: "لا تصوموا عن موتاكم،

стр. 1695

وأطعموا عنهم" (١). وأخرج عبد الرزاق عن ابن عباس قال في رجل مات وعليه رمضان قال: "يطعم عنه ثلاثون مسكينًا" (٢). وروي النسائي عن ابن عباس قال: "لا يصوم أحد عن أحد" (٣). قالوا: لقد أفتى ابن عباس وعائشة بخلاف ما روياه من صيام الولي، قالوا: وهو أيضًا موافق لسائر العبادات التي لا يقوم بها مكلف عن مكلف، والحج مخصوص بدليله، والحديث الصحيح المروي عن عائشة وعن ابن عباس يقضي عنه بأن المراد من قوله "صام عنه وليه". أي: فعل عنه ما يقوم مقام الصوم، وهو الإطعام، وهو نظير قوله: "التراب وضوء المسلم إذا لم يجد الماء" (٤) فسماه وضوءًا لما قام مقام الوضوء، كذا قال الماوردي. ويُجَاب عنه بأن ذلك مَجَاز بغير دليل عليه، والحنفية يقضوا عنه بمخالفة الراوي لما رواه كما عرفت عن عائشة وابن عباس وهي قاعدة مقررة لهم في الأصول، والجواب عنهم بأن الصحيح العمل بما روي لا بما رأى؛ لأن ذلك يكون بالاجتهاد، فقد يظن غير الناسخ ناسخًا ونحو ذلك، ومبنى الرواية على العدالة والضبط فقط. ويجاب عن ذلك بأن حديث عائشة متفق عليه مخرج في الصحيحين، وكذلك حديث ابن عباس بزيادة التعليل وهو: "فدين الله أحق أن يقضى" (٥)، وحديث ابن عمر قد عرفتَ ما فيه، والآثار عن عائشة وابن

стр. 1696

عباس لا تقاوم الحديث الصحيح. وقولهم: إن العبادة لا يقوم فيها مكلف عن مكلف غير صحيح، فإنه قد روي في كثير من أنواع البر في الاعتكاف والصدقة بالمال والدعاء وتلاوة القرآن، وفي ذلك أحاديث كثيرة يؤيد بعضها بعضًا، ولا فرْق بين قرْبَةٍ وقُرْبَةٍ، وفضل الله أوسع من ذلك. وتقضي المالكية عن العمل بحديث عائشة بأن أهل المدينة لم (أ) يعملوا به بناء على قاعدتهم في الاعتداد بإجماع أهل المدينة، والدليل قائم على خلافه، وادعى القرطبيُّ تبعًا لعياض أن حديث عائشة مضطرب، وليس كذلك. وذهب الليث وأحمد وإِسحاق وأبو عبيد إلى التفصيل، وهو أنه يصام في النذر، قالوا: لأنه وردَ في حديث ابن عباس ذلك الحكم وهو في النذر فيحمل حديث عائشة أيضًا عليه. ويجاب عنه بأن حديث ابن عباس ورد في صورةٍ معينة، وحديث عائشة في تقرير قاعدة كلية ولا تعارض بينهما، فلا حاجة إلى التقييد، وإنما يستقيم هذا على أصل أبي ثور أن الخاص الموافق للعام تخصيص للعام. وقوله: "صام عنه وليه": خَبَرٌ في معنى الأمرِ بمعنى لِيَصُمْ عنه، والأمر ليس للوجوب عند الجمهور، وبالغ إمامُ الحرميْن ومن تبعه فادعوا الإجماع على ذلك، وقد أخرج البزار زيادة: "فَلْيَصُمْ عنه وَليُّه إنْ شاء" وهي من رواية ابن لهيعة. وبعض أهل الظاهر أوجب ذلك على الولي، واختلفوا في الولي فقيل:

стр. 1697

المراد به كل قريب، وقيل: الوارث خاصة، وقيل: عَصَبَتهُ، والأول أرجح، والثاني قريب، ويرد الثالث قصة المرأة التي سألت عن نذر أمها، واختلفوا أيضًا هل يختص ذلك بالولي؛ لأن الأصل عدم النيابة في العبادة البدنية فيقتصر على الدليل ويبقى الباقي على الأصل، وقيل: لا يختص بالولي، فلو أمر أجنبيًّا بأن (أ) يصوم عنه أجزأ كالحج، وقيل: يصح استقلال الأجنبي بذلك، وذكر الولي لكونه الغالب، وقد مال البخاري إلى هذا، وجزم به أبو الطيب الطبري (ب) قواه بتشبيهه ﷺ بالديْن، والدين لا يختص به القريب. وأقول: هذا هو الراجح لأنه كسائر أحوال الميت فإنه ينوب عنه وَصيُّه في ذلك (جـ فإن لم يكن له وصي ولا وارث فالإمام والحاكم ثم منْ صَلح له من سائر المسلمين ولا يتعين على الوصي مباشرة العمل بعينه بل له الاستنابة، والله أعلم جـ). وعلق البخاري (١) عن الحسن البصري قال: "إنْ صام عنه ثلاثون رجلًا يومًا واحدًا جاز" (١)، وذَكَرَ الفقيه يوسف تفريعًا على أصل مَن قال بذلك أنه لا بد من الترتيب بعدد الأيام. [أحاديث الباب أربعة وعشرون حديثًا].

стр. 1698

باب صَوم التطوع وما نهي عن صومه ٥٢١ - عن أبي قتادة الأنصاري أن رسول الله ﷺ سئل عن صوم يوم عَرَفَة، قال: "يُكَفِّرُ السنة الماضية والباقية، وسئل عن صيام يوم عاشوراء فقال: يكفر السنة الماضية، وسئل عن صوم يوم الاثنين، فقال: ذاك يوم وُلِدْتُ فيه أو بُعِثْتُ فيه وأنزل عليّ فيه" رواه مسلم (١). قوله: "وسئل عن صيام يوم عاشوراء": أي ما حكمه، وعاشوراء بالمد على المشهور، وحكى فيه القصر، وزعم ابن دُريد أنه اسم إسلامي، وأنه لا يُعرف في الجاهلية، ورَدَّ ذلك ابن دحية بأن ابن الأعرابي حكى صحته في كلام الجاهلية، وبما روي عن عائشة (٢) "أن أهل الجاهلية كانوا يصومونه، وكان النبي ﷺ يصومه قبل أن يهاجر، وأمر بصومه في أولِ السنة الثانية من مقْدمه" (٢) لأن قدومه كان في شهر ربيع الأول وكان فَرْض رمضان بعده في أثناء السنة الثانية فلهذا لم يقع الأمر بصومه واجبًا إلا في سنة واحدة، وصيام قريش لعاشوراء لعلهم تلقوه من الشرايع، كانوا يعظمونه بكسوة الكعبة وغير ذلك. وذكر الباغندي الكبير (٣) في المجلس الثالث عن عكرمة أنه سُئل عن ذلك، فقال: أذنبت قريش ذنبًا في الجاهلية فعظم في صدورهم، فقيل لهم: صوموا عاشوراء يكفر ذلك، أو لأنه وُلد فيه إبراهيم كما في حديث أبي سعيد بن أبي راشد فتناقل تعظيمه في ولد إبراهيم. ولكنه لا دلالة في هذا لأن الكلام في تسميته لا في صومه، كذا قيل،

стр. 1699

ويجاب عنه بأنه قد سمي في قولهم: صوموا عاشوراء. واختلف أهلُ الشرع في تعيينه فقال الأكثر: هو اليوم العاشر، قال القرطبي: عاشوراء معدول عن عاشرة للمبالغة والتعظيم، وهو في الأصل صفة لليلة العاشرة لأنه مأخوذ من العَشر الذي هو اسم للعقد، واليوم مضاف إليها، فإذا (أ) قيل يوم عاشوراء فكأنه قيل: يوم الليلة العاشرة إلا أنهم لما عدلوا به عن الصفة غلبَتْ عليه الاسمية فامتنعوا عن الموصوف، فحذفوا الليلة العاشرة، وصار هذا اللفظ عَلَمًا على اليوم العاشر. وذكر الجواليقي أنه لم يُسمع فاعولاء إلا أربعة ألفاظ: عاشوراء وصاروراء وساروراء ودالولاء من الصار والسار والدال. وقال الزَّيْن بن المُنَيِّر: الأكثر على أن عاشوراء هو اليوم العاشر من شهر الله المحرم وهو مقتضى الاشتقاق والتسمية. وقيل: هو اليوم التاسع، فعلى الأول فاليوم مضاف لليلة الماضية، وعلى الثاني هو مضاف لليلة الآتية. وقيل: إنما سمي يوم التاسع عاشوراء أخذًا من أوراد (ب) الإبل، كانوا إذا رعوا الإبل ثمانية أيام ثم أوردوها في التاسع قالوا: ورودنا عشْرًا بكسر العين، ويدل عليه ما أخرجه مسلم في حديث الحكم بن الأعرج: انتهيت إلى ابنِ عباس وهو متوسد، فقلت: أخبرني عن يوم عاشوراء، قال: إذا رأيت هلال المحرم فاعدد وأصبح يوم التاسع صائما، قلت: أهكذا كان النبي ﷺ يصومه؟ قال: نعم (١).

стр. 1700

وظاهره أن يوم عاشوراء هو التاسع، وقد تأوله الزين بن المُنَيِّر بأن المعنى أنه ينوي الصائم في الليلة المتعقبة للتاسع وصبحها العاشر. ويقوي هذا الاحتمال مع بعْده ما أخرجه مسلم من حديث ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "إن بقيتَ إلى قابل لأصومن التاسع" فمات قبل ذلك (١)، فدل على أنه لم يصم التاسع، ثم ما هَمَّ به النبي ﷺ من صوم التاسع يحتمل معناه أنه يضيفه إلى العاشر مخالفة اليهود والنصارى، ويدل عليه حديث أحمد عن ابن عباس: "صوموا يوم عاشوراء وخالفوا اليهود، صوموا يومًا قبله أو يومًا بعده" (٢). فوافق ﷺ أهل الكتاب في أول الأمر بصومه وحده وأمر بالمخالفة من بعد بصومٍ قبله أو بعده في آخر الأمر كما اشتهر عنه من مخالفتهم في آخر أمره. وعلى هذا فصيام عاشوراء على ثلاث مراتب: أدناها: أن يُصَامَ وحده، وفوقه: أن يصام معه الحادي عشر أو التاسع، ويحتمل أنه أراد أن ينقل صوم العاشر إلى التاسع فيصام وحده وهو أوسطها. واعلم أنه قد قِيلَ: إن اليوم الذي كانت اليهود تصومه هو (أ) يوم عاشوراء بحساب السنة الشمسية فصادف صومهم (ب) اليوم الذي قدم فيه النبي ﷺ المدينة في ربيع الأول، ويؤيده ما في الطبراني (٣) وهو ما أخرجه في ترجمة زيد بن ثابت من طريق ابن أبي زياد عن أبيه عن خارجة

стр. 1701

ابن زيد بن ثابت عن أبيه قال: "ليس يوم عاشوراء باليوم الذي تقوله الناس، وإنما كان يومًا تُستر فيه الكعبة، وكان يدور في السنة، وكانوا يأتون فلانًا (أ) اليهودي فيحسب لهم". وهذه عادة اليهود يعتمدون في صيامهم وأعيادهم حساب النجوم، فالسنة عندهم شمسية لا هلالية، فمن ثَمَّ احتاجوا إلى منْ يعرف الحساب ليعتمدوا عليه في ذلك، وهذا من ضلال أهل الكتاب وهداية المسلمين إلى غير اليوم الذي استحق التعظيم، ولذلك قال النبي ﷺ : "إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب" (١). وقد استشكل تعظيم النصارى له، فإن الوارد في الرواية تعليله بنجاة موسى وإغراق فِرْعوْن، وهذا يختص باليهود، وهو مندفع بأنَّ النصارى غير جاحدين لفضيلة موسى ﵇، وقد ورد من حديث أبي موسى في البخاري كانت تعده اليهود عيدًا فقال النبي ﷺ : "فصوموه أنتم" (٢)، وفي رواية مسلم: "كان يوم عاشوراء تعظمه اليهود وتتخذه عيدًا" (٣)، وفي رواية له: "كان أهل خيبر يصومون يوم عاشوراء ويتخذونه (ب) عيدًا ويلبسون نساءهم فيه حليتهم (٤) وشارتهم" بالشين المعجمة أي هيئتهم الحَسَنَة، ولا منافاة بين اتخاذه عيدًا وصيامه. واعلم أنه قد ورد ما دل على أنه كان واجبًا في صَدْر الإسلام ثم نسخ

стр. 1702

وجوبه برمضان، وفي البخاري وغيره أحاديث صحيحة بإرجاع صومه إلى المشيئة (١). ونقل عياض أن بعض السلف كان يرى بقاء فرض عاشوراء، لكن انقرض القائلون بذلك، ونقل ابن عبد البر الإجماع على أنه ليس الآن بفرْضٍ (٢)، وعلى أنه مستحب، وكان ابن عمر يكره قصده بالصوم، ثم انقرض القول بذلك. وفي قوله: "يكفر السنة الماضية": دلالة على أن صومه دون صوم يوم عرفة في الفضيلة، وقد قيل في الحكمة في ذلك أن صوم عاشوراء منسوب إلى موسى ﵇ وصوم عرفة إلى نبينا ﷺ فكان أفضل. وقوله: "يكفّر": المراد بالتكفير تكفير الذنوب الصغائر، كذا قيده جماعة من المعتزلة وغيرهم، قال النووي (٣): فإنْ لم تكن صغائر كفّر من الكبائر، وإن لم يكن كبائر كان زيادة في رفع الدرجات. ٥٢٢ - وعن أبي أيوب الأنصاري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من صام رمضان ثم أتبعه ستًّا من شوال كان كصيام الدهر" رواه مسلم (٤).

стр. 1703

الحديث فيه دلالة على استحباب صيام الستة الأيام المذكورة، وهو مذهب جماعة منهم الشافعي وأحمد وأبو داود (أ)، وقال مالك وأبو حنيفة: يكره ذلك، قال مالك في "الموطأ" (١) ما رأيت أحدًا يصومها من أهل العلم فنكره صومها لذلك، ولئلا يظن وجوبه. ويجاب عنه بأنه قد ثبت الدليل في ذلك، والأفضل أن تكون السِّتّ متوالية، فإن فرقها الفضيلة لكونه قد أتبع ستًّا من شوال، وإنما كان كصيام الدهر لأن الحسنة بعشرة أمثالها، فرمضان بعشرة أشهر والستة بشهرين، وقد صرح بهذا في رواية النسائي (٢). وفي قوله: "ستًّا من شوال": ورد بصيغة المؤنث مع أن مميزه مذكر، وهو الأيام لأن اسم العدد إذا لم يصرح بمميزه من الأيام يجوز فيه الوجهان، منه قوله تعالى: ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ (٣) وإن صرح بالمميز فالتذكير لا غير. ٥٢٣ - وعن أبي سعيد الخُدْرِي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من عبد يصوم يومًا في سبيل الله إِلا باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفًا" متفق عليه واللفظ لمسلم (٤). الحديث فيه دلالة على فضيلة الصيام في سبيل الله، وهو محمول

стр. 1704

على ما لا يتضرر به، ولا يفوت به حق، ولا يختل بسببه القيام بواجبٍ كالجهاد والكسب على نفسه ومن يمونه (أ). ومعنى المباعدة: السلامة من النار، إلا أنه كنَّى بذلك عنه، فإنه إذا كان بين المذكور وبين النار المسافة (ب) المذكورة كان من لازمه السلامة منها، وهو من باب تقريب ذلك إلى الأفهام بضرب المثل فيما يستعمل في المبالغة في البعد، والمراد مسافة سبعين، والخريف مراد به العام (جـ). ٥٢٤ - وعن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ يصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم، وما رأيتُ رسول الله ﷺ استكمل (د) صيام شهر قط إِلا رمضان، وما رأيته في شهر أكثر منه صيامًا في شعبان" متفق عليه واللفظ لمسلم (١). الحديث فيه دلالة على أنَّ صومَ النبي ﷺ لم (هـ) يكن مختصًا بشهر دون شهر. وفي قولها: "حتى نقول لا يفطر": دلالة على مبالغة الصوم، وفي قولها "حتى نقول لا يصوم": دلالة على مبالغة الإفطار، ولعل ذلك لما يعرض له ﷺ من الاشتغال بالأمور التي فضلها أعظم من الصوم.

стр. 1705

وفيه أيضًا تيسير على أمته في التأسي به، وإن كان في ذاته ﷺ قد أُعِينَ على العبادة التي لا يقدر أن يقوم بها غيره، ولذلك أنه واصل وقال أَنه يطعم ويسقى. وقولها: "وما رأيته في شهر .... " إلخ: دلالة على تخصيص شعبان بإيثاره بزيادة الصوم فيه، ولفظ "أكثر" منصوب مفعول ثان لرأيته وصيامًا على التمييز، وإنما كان يخص شعبان بكثرَة الصوم لأنه كان يشتغل عن صوم الثلاثة الأيام من كل شهر لسفرٍ أو غيره فتجتمع فيقضيها في شعبان، أشار إلى هذا ابن بطال. وأخرج هذا الطبراني عن عائشة ﵂: "كان ﷺ يصوم ثلاثة أيام من كل شهر فربما أخر ذلك حتى يجتمع عليه صوم السنة فيصوم شعبان" (١). وفيه ابن أبي ليلى، وهو ضعيف. وقيل: كان يصنع لتعظيم رمضان، وورد فيه حديث أنس، قال: "سُئل النبي ﷺ أي الصوم أفضل بعد رمضان؟ قال: شعبان لتعظيم رمضان" (٢). أخرجه الترمذي وقال: غريب، وفيه صدقة بن موسى (٣)، وهو عندهم ليس بالقوي. ومُعَارَض بما رواه مسلم عن أبي هريرة مرفوعًا: "أفضل الصوم بعد

стр. 1706

رمضان صوم المحرم" (١). وقيل إنه كان يصومه لأن نساءه كن يؤخِّرْنَ القضاء إلى شعبان فيصوم معهن لما كان عليه ﷺ من المحافظة على مكارم الأخلاق من حسْن العشرة ومحبة الموافقة لمن صحبه وتيسير الكلفة عليه. وقيل: كان يفعل فيه تطوع شهرين؛ لأنه لما كان صوم رمضان فرضًا مانعًا من التطوع فيتطوع في شعبان. وقيل: لأن الناس يغفلون في شعبان عن الصوم. وقد أخرج النسائي وأبو داود وصححه ابن خزيمة (٢) عن أسامة بن زيد قال: "قلتُ! يا رسول الله لم أرَكَ تصوم من شهر من الشهور ما تصوم في شعبان قال: ذاك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم". ويحمل الحديث على أنه لم يَصم اليومَيْن المتقدمَيْن لرمضان، وأنه لم يصم مِن منتصف شعبان، كما ورد النهي عن ذلك إلا أن يُحْمَلَ النهي على منْ لم يكن قد صام من أول الشهر، وأورد النووي (٣)، لم (أ) إنه لم يكثر صوم المحرم مع كونه أفضل، وأجاب بأن ما علم ذلك إلا في آخر عمره فلم يتمكن من كثرة الصوم فيه، أو أنه كان يتفق له من الأعذار ما لم يتفق في شعبان. فائدة: يسمى شعبان بهذا الاسم لتشعبهم في طلب المياه، أو في

стр. 1707

المغارات بعد أن يخرج رحب المحرم. ٥٢٥ - وعن أبي ذر ﵁ قال: "أمرنا رسول الله ﷺ أن نصوم من الشهر ثلاثة أيام: ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة" رواه النسائي والترمذي وصححه ابن حبان (١). وللحديث شواهد (أ) من حديث أبي هريرة، وفيه قصة قال: "إن كنتَ صائمًا فصم الغر -أي البيض" أخرجه أحمد والنسائي وابن حبان (٢)، وفي بعض طرقه عند النسائي: "إن كنت صائمًا فَصُم البِيض: ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة" (٣). في حديث (ب) قتادة بن ملحان عند أصحاب السنن بلفظ: "كان رسول الله ﷺ يأمرنا أن نصوم البيض ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة، وقال (جـ): هي كهيئة الدهر" (٤). وأخرج النسائي من حديث جرير مرفوعًا: "صيام ثلاثة أيام من كل شهر صيام الدهر، أيام (د) البيض صبيحة ثلاث عشرة" الحديث وإسناده

стр. 1708

صحيح (١). والحديث فيه دلالة على ندبية صوم الثلاثة الأيام المعينة، وقد وردت أحاديث في صوم ثلاثة أيام من كل شهر مطلقة ومعينة فمنها ما رواه ابن مسعود "أن النبي ﷺ كان يصوم ثلاثة أيام من غرة كل شهر" أخرجه أصحاب السنن وصححه ابن خزيمة (٢). وأخرج مسلم من حديث عائشة قالت: "كان رسول الله ﷺ يصوم من كل شهر ثلاثة أيام ما يبالي من أيِّ الشهر صام" (٣). وأخرج أبو داود والنسائي من حديث حفصة: "كان رسول الله ﷺ يصوم من كل شهر ثلاثة أيام: الاثنين والخميس والاثنين من الجمعة الأخرى" (٤). وهذه الأحاديث لا معارضة بينها، فإن وقوعَ ذلك جميعه ممكن مندوب إليه، وكلٌّ حكى ما اطلع عليه، ولكن ما أمر به وحث عليه ووصى به أولى، وأما هو فلعله كان يعرض له ما يشغله عن مراعاة ذلك، أو كان يفعل ذلك لبيان الجَوَاز، وكل ذلك في حَقِّه أفضل، ويترجح البيض بكونها وسط الشهر، ووسط الشيء أعدله، ولأَن الكسوفَ غالبًا يقع فيها، وقد ورد الأمر بمزيد العبادة في الكسوف فإذا اتفق الكسوف

стр. 1709

صادف الذي يعتاد صيام البيض صائمًا فيتهيأ له أن يجمع بين العبادات من الصلاة والصيام والصدقة بخلاف من لم يصمها. واعلم أن للعلماء في تعيين الثلاثة الأيام التي ندب صومها في كل شهر عشرة أقوال: أحدها: لا يتعين ويكره تعيينها، وهذا عن مالك، وهو مثل حديث عائشة "ما يبالي مِن أي الشهر صام" (١). الثاني: ثلاثة أيام من أول الشهر؛ لأن المرء لا يدري ما يعرض له من الاشتغال، وهو للحسن (أ) البصري. الثالث: أولها الثاني عشر. الرابع: أولها الثالث عشر. الخامس: أولها السبت من أول شهر صام فيه ثم في الشهر الذي يليه يصوم من أول ثلوث (ب)، وعلى هذا في سائر الشهور، وهو مروي عن عائشة مرفوعًا. السادس: أول خميس ثم اثنين ثم خميس. السابع: أول اثنين ثم خميس ثم اثنين. الثامن: أول يوم والعاشر والعشرون، وهو مرويّ عن أبي الدَّرْدَاء. التاسع: أول كل عشر، وهو مروي عن ابن شعبان من المالكية. العاشر: آخر ثلاثة أيام من الشهر، وهو قول النَّخَعِي ليكون كفارة لما مضى.

стр. 1710

وفي كلام كثير من العلماء أن استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر غير استحباب صيام البيض، وقال (أ) الروياني: صيام ثلاثة أيام من كل شهر مستحب، فإن اتفقت أيام البِيض كان أحب. ٥٢٦ - وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لا يحل للمرأة أن تصوم وزوجها شاهد إِلا بإِذنه" متفق عليه واللفظ للبخاري (١) زاد أبو داود: "غير رمضان" (٢). الحديث فيه دلالة على أن حق الزوج مقدم على صَوْم التطوع كما في زيادة أبي داود: "غير رمضان" يعني: وأما رمضان فإنه يجب عليها الصوم وإن كره الزوج، ويقاس عليه قضاء الصيام، ولا يتعين عليها تأخيره إلى شعبان؛ لأن ذلك واجب مطلق، وحق الزوج وإن كان واجبًا في جميع الأوقات، ولكنه يخصص بغير تضايق أوقات العبادات لعموم التكليف للمرأة والرجل، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. قالوا: ولا يمنع الزوجة والعبد من واجب، وإن رخص فيه كالصوم في السفر والصلاة أول الوقت فيخص النهي الوارد بصوم التطوع، فإن للزوج المنع، وظاهر الحديث أنها لا يجوز (ب) لها الصوم، إلا بإذنه، فإذا صامت من غير إذن وإن لم ينهها حرم عليها، وله المنع بعد الإذن؛ لأن النبي ﷺ أذن لعائشة وحفصة في الاعتكاف ثم منعهن (٣)، وقد ذهب إلى هذا

стр. 1711

الشافعي والإمام يحيى. ولا يُقَال هو إسقاط حق لا يصح الرجوع فيه لأن الحق متجدد هنا، وذاك فيما لم يتجدد. وذهبت الهادوية وأبو حنيفة ومالك (أ) إلى أنه ليس له الرجوع لأنه قد أسقط حقه فإن أوجبت المرأة على نفسها صومًا بإذن الزوج فكذا فيه الخلاف. وقوله (ب): "وزوجها شاهد" أي حاضر. ٥٢٧ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁: أن رسول الله ﷺ "نهي عن صيام يومَيْن: يوم الفطر ويوم النحر" متفق عليه (١). الحديث فيه دلالة على أن صوم يوم الفطر ويوم النحر منهيٌّ عنه، والنهي أصله التحريم إلا أن تقوم قرينة على خلافه، وقد أشار في رواية عمر إلى علة التحريم وهو قوله "يوم فطركم من صيامكم، واليوم الآخر تأكلون فيه من نسككم" (٢)، فقوله "يوم فطركم" إشارة إلى أن العلة في إفطاره هو الدلالة على تمام فريضة الصيام فهو بمثابة التسليم في الصلاة، وكذلك قوله: "تأكلون فيه من نسككم" إذ ذلك للتقرب بعبادة مشروعة في ذلك اليوم والصيام ينافيها فكان غير محل للصوم، ومقتضى هذا أنه لا

стр. 1712

يصام فيهما تطوع ولا قضاء ولا نذر، وقد ذهب إلى هذا الجمهور، وذهب المؤيد والإمام يحيى وأبو حنيفة وأصحابه إلى أن النهي للتنزيه، قالوا: فلو نذر بصيامهما صامهما، ولا يصح القضاء فيهما لأن القضاء فيهما يكون ناقصًا، والفائت كامل ولا يجبر الكامل بالناقص بخلاف النذر، فإنه أوجبه، ناقصًا فصح أداؤه ناقصًا على (أ) القول الأول إذا نذر بصيامهما فعند زيد بن علي والهادوية يصوم غيرهما قدرهما أو عند الناصر والشافعي ومالك والصادق والإمامية لا ينعقد النذر فلا يصومهما ولا غيرهما، قالوا: لأنه نَذْر بمعصية، وأجيب بأن ذلك حيث لا يمكن الوفاء إلا بالمعصية وهنا قد أمكن بغيرها، وظاهر الكلام أن المتمتع أيضًا لا يصح منه الصوم، وفي ظاهر عبارات بعض (ب) كتب الهادوية ما يقضي بصحة صومهما في حق المتمتع، والله أعلم. ٥٢٨ - وعن نُبيْشة الهذلي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أيام التشريق أيام أكل وشرب وذِكْر الله " رواه مسلم (١). هو نُبَيْشة -بضم النون وفتح الباء الموحدة وسكون الياء تحتها نقطتان، وبالشين المعجمة- يقال له نُبيْشة الخير بن عمرو؛ لأنه دخل على النبي ﷺ وعنده أسارى فقال: يا رسول الله: إما أن تفاديهم وإما أن تَمُنَّ عليهم، فقال له: أمرت بخير فأنت نبيشة الخير، وقيل هو: ابن عبد الله الهذلي، روى عنه أبو المُلَيح الهذلي وأبو قِلابة الجَرْميّ، يعد في البصريين

стр. 1713

وحديثه فيهم (١). الحديث أخرجه أيضًا مسلم من حديث كعب بن مالك (٢)، وابن حبان من حديث أبي هريرة (٣)، والنسائي من حديث بشر بن سحيم (٤)، ورواه أصحاب السنن وابن حبان والحاكم من حديث عقبة بن عامر في حديث (٥)، ورواه البزار (٦) من حديث عبد الله بن عمر أن النبي ﷺ قال: "أيام التشريق أيام أكل وشرب وصلاة فلا يصومها أحد". وأخرج أبو داود عن عبد الله بن عمرو أنه دخل على أبيه فَقَرَّبَ إليه طعامًا، فقال: كلْ، قال: إني صائم، قال عمرو: كلْ، هذه الأيام التي كان رسول الله ﷺ يأمرنا بإفطارها وينهانا عن صيامها". قال مالِك: وهي أيام التشريق (٧). وأخرج الدارقطني من حديث عبد الله بن حُذَافَة السهمي: "أيام أكلْ وشراب وبعال" (٨) وفيه الواقدي (٩)، ولكنه متأيد بشواهد كثيرة بهذا اللفظ،

стр. 1714

وفي لفط زيادة: "نساء وبعال" والبعال يراد به مواقعة النساء. الحديث فيه دلالة على كون أيام التشريق مقصورة على ما ذكر لا تتجاوزه إلى غيره، والغَيْر هنا إنما هو الصيام لكون القصر إضافيا فالنفي إنما هو المغاير المخصوص فيدل على تحريم صومها، وهو مصرح بالنهي عن صيامها كما عرفت في الروايات الأُخَر. وقد اختلف العلماء في النهي هل هو للتنزيه أو للتحريم، فذهب إلى التحريم علي وعبد الله بن عمر (أ)، وهو المشهور عن الشافعي مطلقًا، وذهب ابن عمر وعائشة وعُبَيْد بن عُمَيْر في آخرين إلى التحريم إلا للمتمتع الذي لا يجد الهَدْيَ، وهو قول مالك والشافعي في القديم، وهو مذهب الهادوية، وذهب الأوزاعي وغيره إلى أنه يصومها أيضًا المحصر والقارن، فالأولون احتجوا بحديث نُبَيْشة وغيره وجعلوه مخصصًا لعموم قوله تعالى: ﴿ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ (١) فإنَّ الآية تشمل ما قبل يوم النحر وما بعده، وهذه الأحاديث خصوص في أيام التشريق، وفيها عموم منْ حيثُ شُمُولها الحاج وغيره فيرجح خصوصها لكونه مقصود بالدلالة على أنها ليست محلًا للصوم وأن ذاتها باعتبار ما هي مؤهلة له كأنها منافية للصوم. وحجة القول الثاني عموم الآية الكريمة وما أخرجه البخاري عن عُرْوَة عن عائشة، وعن سالم عن ابن عمر قالا (ب): "لم يرخص في أيام التشريق أنْ يُصمْنَ إلا لمن لم يجد الهدي" (٢) ويُرَخَّص بصيغة المجهول، وهذه

стр. 1715

العبارة اختلف علماءُ الحديثِ والأصول في أن لها حُكم الرفع أو لا؟ على ثلاثة أقوال ثالثها: إن أضاف ذلك إلى عهد النبي ﷺ فله حُكْم الرفع، وإن لم فلا، وقد وقع عند الدارقطني والطحاوي (١) بإسنادٍ ضعيف التصريح بالرفع لفظ: رَخَّص رسولُ الله ﷺ للمتمتع إذا لم يجد الهَدْيَ أن يصوم أيام التشريق". وحجة القول الثالث كالثاني، فإن المُحْصَرَ حُكمه حكم المتمتع. وأخرج البخاري عن غيره "أن عائشة كانت تصوم أيام منى وكان أبوها يصومها" (٢). والظاهر أن ذلك في غير الحج، وذهب المؤيد بالله وأبو العباس والمرتضى إلى أن النهيَ للتنزيه فيها لا للتحريم، قالوا: لأن النهي ليس لذات الصوم، وإنما هو لأمرٍ آخر وهو أنه متضمن رد كرامة الله تعالى بالأكل وغيره، وهو احتجاج في غاية الضعف، فإن هذا التعليل هو مناسب للتحريم، وأيضًا فإن النهي ظاهر في التحريم لا يُصرف عنه إلا لقرينة، ولو احتجوا بما روي مِنْ فعْل عائشة وأبيها، وأن فعلهما مع معرفتهما قرينة بأن النهي مقترن بما يدَلُّ على أنه ليس للتحريم وإنْ لم يُنْقَلْ ذلك حملًا لهما على أنهما لعلمهما وأخصيتهما (١) بالنبي ﷺ لا يفعلان ذلك إلا لقرينة قوية تصرف النهي عن ظاهره لكان سديدًا، والله أعلم. وأيام التشريق هي الثلاثة الأيام بعد النحر، قال المصنف -رحمه الله تعالى: "لأن يوم النحر لا يُصَامُ بالاتفاق، وصيام التشريق مختلف فيه"

стр. 1716

كذا قال، وهو احتجاج ركيك، وأظهر منه ما روي عن علي ﵁ في صيامها للمتمتع قال: "يتسحر ليلة الحصبة ويصوم الثلاثة أيام" وليلة الحصبة هي ليلة ثاني النحر، وسميت بذلك لأنها ترمى في يومها الجمار الثلاث. وفي "شمس الأخبار" أيضًا: "نهي عن صيام ستة أيام" يعني يومًا قبل شهر رمضان، ويوم الفطر، ويوم النحر، وثلاثة أيام التشريق، فعطف أيام التشريق على يوم النحر، والعطف يقتضي المغايرة. أخرجه .... (أ). وسميت أيام التشريق لأن لحوم الأضاحي تُشْرق فيها أي تنشر في الشمس (ب وقيل: لأن الهدي لا ينحر حتى تشرق الشمس، وقيل: لأن صلاة العيد تقع عند شروق الشمس ب)، وقيل: التشريق: التكبير دُبُر كل صلاة. واختلف فيها هل هي يومان بعد النحر أو ثلاث (١)؟ والخلاف في صِحَّة القضاء فيها، وحُكْم النذر بصيامها ما تقدم في يوم العيدين. ٥٢٩ - وعن عائشة ﵂ وابن عمر ﵁ قالا: "لم يرخص في أيام التشريق أن يُصَمْن إِلا لمن لم يجد الهدي" رواه البخاري (٢) تقدم الكلام على هذا.

стр. 1717

٥٣٠ - وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال "لا تَخُصُّوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي، ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام إِلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم" رواه مسلم (١). الحديث فيه دلالة على كراهة اختصاص ليلة الجمعة بصلاة زائدة على ليالى الأسبوع، وهذا متفق على كراهته، واحتج به العلماء على كراهة الصلاة المبتدعة في أول ليلة جمعة (أ) من شهر رجب المسماة بصلاة الرغائب (٢)، وقد صنف جماعة من العلماء مصنفات نفيسة في تقبيحها وتضليل مصليها ومبتدعها، ودلائل قبحها وبطلانها وتضليل فاعلها أكثر من أن يحصى، كذا ذكره النووي (٣). وفيه دلالة على منع الصوم في يوم الجمعة مفردًا عن غيره، وقد اختلف العلماء في ذلك فنقل ابن المنذر وابن حزم منع صومه عن علي وأبي هريرة وسَلْمَان وأبي ذَرّ، قال ابن حزم: ولا نعلم لهم مخالفًا (ب) من الصحابة (٤). وقال ابن المنذر: ثبت النَّهْيُ عن منع الصوم يوم الجمعة كما ثبت عن صوم يوم العيد. وقال أبو جعفر الطبري: يفرق بين العيد والجمعة بأن الإجماع منعقد

стр. 1718

على تحريم صوم العيد، ولو صام قبله أو بعده. وذهب الجمهور إلى أن النهيَ فيه لتنزيه، وعن مالك وأبي حنيفة أنه لا يكره، قال مالك: لم أسمع أحدًا ممن يقتدى به ينهى عنه. قال الداودي: لعل النهيَ لم يبلغ مالكًا، وفي كلام عياض (١) أنه قد يفهم من كلام مالك كراهة صومه؛ لأنه قال: يكره أن يخص يوم من الأيام بالعبادة، فيكون له في المسألة روايتان. واستدل الحنفية بحديث ابن مسعود ﵁: "كان رسول الله ﷺ يصوم من كل شهر ثلاثة أيام، وقل ما كان يفطر يوم الجمعة" (٢) حَسَّنه الترمذي، وهو يحتمل أنه كان يصومه مع ما قبله أو بعده، وبعضهم عده من الخصائص، وهو بعيد. واختلف النقل عن الشافعي، فنقل عنه المزني أنه لا يكره إلا لمن أضعفه صومه عن العبادة التي تقع فيه من الصلاة والدعاء والذكر، والرواية الأخرى كقول الجمهور، وهو الذي صححه المتأخرون. واختلف في علة النهي عن إفراده بالصومِ على أقوال: أحدها: لكونه يوم عيد، والعيد لا يُصَام، وقد دل على هذا ما رواه أبو هريرة مرفوعًا: "يوم الجمعة يوم عيدكم" (٣) وأخرج ابن أبي شيبة بإسناد حسن عن علي قال: "منْ كان منكم متطوعًا من الشهر فليصُم يوم الخميس ولا يصم (أ) يوم الجمعة فإنه يوم طعام وشراب وذِكْر" (٤).

стр. 1719

ولا يلزم منه مساواته للعيد في التحريم إذ هو مشبه، ويحتمل المبالغة في التشبيه بأن كراهته قريب من التحريم في الاجتناب. ثانيها: لئلا يضعف عن سائر أنواع العبادة، واختاره النووي (١)، وتعقب بأن ذلك حاصل، ولو صام قبله أو بعده، وأجيب بأنه قد حصل الجبر لما فات من الفضائل بصوم ما قبله أو بعده وقد يورد عليه بأن الخبر لا ينحصر في الصوم بل يمكن تغيره من سائر أنواع الخير فيلزم أن من فَعَلَ في يوم الجمعة عملًا صالحًا وصام أنه ينجبر به الصوم، ولا قائل بذلك. ثالثها: خوف المبالغة في تعظيمه فيحصل بذلك الابتداع، وهو منتقض بثبوت تعظيمه بغير الصيام. رابعها: خوف اعتقاد وجوبه، وهو منتقض بصوم الاثنين والخميس. خامسها: خشية أن يفرض عليهم كما خشى ﷺ من قيامهم الليل، ذلك قاله المهلب، وهو منتقض مع صوم قبله أو بعده. سادسها: مخالفة النصارى لأنه يجب عليهم صومه ونحن مأمورون بمخالفتهم، نقله القمولي وهو ضعيف. ٥٣١ - وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يَصُومن أحدكم يوم الجمعة إِلا أن يصوم يومًا قبله أو يومًا بعده" متفق عليه (٢). تقدم الكلام عليه، وفي الباب من حديث جويرية "أن رسول الله ﷺ دخل عليها في يوم الجمعة وهي صائمة فقال لها: أصمْت أمس؟ قالت: لا، قال: تريدين أن تصومي غدًا؟ قالت: لا، قال: فَأفطِري"

стр. 1720

رواه البخاري وأحمد وأبو داود (١). ٥٣٢ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "وإِذا انتصف شعبان فلا تصوموا" رواه الخمسة واستنكره أحمد (٢). الحديث هو من رواية العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال، قال أبو داود: "رواه الثوري وشبل بن العلاء وأبو عميس وزهير بن محمد عن العلاء" (٣)، قال أبو داود: "وكان عبد الرحمن لا يحدث به، قلت لأحمد: لم؟ قال: لأنه كان عنده أن النبي ﷺ كان يصل شعبان برمضان، وقال عن النبي ﷺ خلافه". قال أبو داود: ليس هذا عندي خلافه (٣). لأنه ﷺ كان يصوم الشهر من أوله كاملًا كما في رواية أبي سلمة "أنه لم يكن يصوم من السنة شهرًا تامًّا إلا شعبان يصله برمضان" أخرجه أبو داود (٤). والمنهيّ عنه أنما هو ابتداء الصوم من النصف فما بعده فلم يكن بين
следующие страницы →