كذا قال، وهو احتجاج ركيك، وأظهر منه ما روي عن علي ﵁ في صيامها للمتمتع قال: "يتسحر ليلة الحصبة ويصوم الثلاثة أيام" وليلة الحصبة هي ليلة ثاني النحر، وسميت بذلك لأنها ترمى في يومها الجمار الثلاث.
وفي "شمس الأخبار" أيضًا: "نهي عن صيام ستة أيام" يعني يومًا قبل شهر رمضان، ويوم الفطر، ويوم النحر، وثلاثة أيام التشريق، فعطف أيام التشريق على يوم النحر، والعطف يقتضي المغايرة.
أخرجه .... (أ).
وسميت أيام التشريق لأن لحوم الأضاحي تُشْرق فيها أي تنشر في الشمس (ب وقيل: لأن الهدي لا ينحر حتى تشرق الشمس، وقيل: لأن صلاة العيد تقع عند شروق الشمس ب)، وقيل: التشريق: التكبير دُبُر كل صلاة.
واختلف فيها هل هي يومان بعد النحر أو ثلاث (١)؟ والخلاف في صِحَّة القضاء فيها، وحُكْم النذر بصيامها ما تقدم في يوم العيدين.
٥٢٩ - وعن عائشة ﵂ وابن عمر ﵁ قالا: "لم يرخص في أيام التشريق أن يُصَمْن إِلا لمن لم يجد الهدي" رواه البخاري (٢) تقدم الكلام على هذا.
стр. 1717
٥٣٠ - وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال "لا تَخُصُّوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي، ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام إِلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم" رواه مسلم (١).
الحديث فيه دلالة على كراهة اختصاص ليلة الجمعة بصلاة زائدة على ليالى الأسبوع، وهذا متفق على كراهته، واحتج به العلماء على كراهة الصلاة المبتدعة في أول ليلة جمعة (أ) من شهر رجب المسماة بصلاة الرغائب (٢)، وقد صنف جماعة من العلماء مصنفات نفيسة في تقبيحها وتضليل مصليها ومبتدعها، ودلائل قبحها وبطلانها وتضليل فاعلها أكثر من أن يحصى، كذا ذكره النووي (٣).
وفيه دلالة على منع الصوم في يوم الجمعة مفردًا عن غيره، وقد اختلف العلماء في ذلك فنقل ابن المنذر وابن حزم منع صومه عن علي وأبي هريرة وسَلْمَان وأبي ذَرّ، قال ابن حزم: ولا نعلم لهم مخالفًا (ب) من الصحابة (٤).
وقال ابن المنذر: ثبت النَّهْيُ عن منع الصوم يوم الجمعة كما ثبت عن صوم يوم العيد.
وقال أبو جعفر الطبري: يفرق بين العيد والجمعة بأن الإجماع منعقد
стр. 1718
على تحريم صوم العيد، ولو صام قبله أو بعده.
وذهب الجمهور إلى أن النهيَ فيه لتنزيه، وعن مالك وأبي حنيفة أنه لا يكره، قال مالك: لم أسمع أحدًا ممن يقتدى به ينهى عنه.
قال الداودي: لعل النهيَ لم يبلغ مالكًا، وفي كلام عياض (١) أنه قد يفهم من كلام مالك كراهة صومه؛ لأنه قال: يكره أن يخص يوم من الأيام بالعبادة، فيكون له في المسألة روايتان.
واستدل الحنفية بحديث ابن مسعود ﵁: "كان رسول الله ﷺ يصوم من كل شهر ثلاثة أيام، وقل ما كان يفطر يوم الجمعة" (٢) حَسَّنه الترمذي، وهو يحتمل أنه كان يصومه مع ما قبله أو بعده، وبعضهم عده من الخصائص، وهو بعيد.
واختلف النقل عن الشافعي، فنقل عنه المزني أنه لا يكره إلا لمن أضعفه صومه عن العبادة التي تقع فيه من الصلاة والدعاء والذكر، والرواية الأخرى كقول الجمهور، وهو الذي صححه المتأخرون.
واختلف في علة النهي عن إفراده بالصومِ على أقوال:
أحدها: لكونه يوم عيد، والعيد لا يُصَام، وقد دل على هذا ما رواه أبو هريرة مرفوعًا: "يوم الجمعة يوم عيدكم" (٣) وأخرج ابن أبي شيبة بإسناد حسن عن علي قال: "منْ كان منكم متطوعًا من الشهر فليصُم يوم الخميس ولا يصم (أ) يوم الجمعة فإنه يوم طعام وشراب وذِكْر" (٤).
стр. 1719
ولا يلزم منه مساواته للعيد في التحريم إذ هو مشبه، ويحتمل المبالغة في التشبيه بأن كراهته قريب من التحريم في الاجتناب.
ثانيها: لئلا يضعف عن سائر أنواع العبادة، واختاره النووي (١)، وتعقب بأن ذلك حاصل، ولو صام قبله أو بعده، وأجيب بأنه قد حصل الجبر لما فات من الفضائل بصوم ما قبله أو بعده وقد يورد عليه بأن الخبر لا ينحصر في الصوم بل يمكن تغيره من سائر أنواع الخير فيلزم أن من فَعَلَ في يوم الجمعة عملًا صالحًا وصام أنه ينجبر به الصوم، ولا قائل بذلك.
ثالثها: خوف المبالغة في تعظيمه فيحصل بذلك الابتداع، وهو منتقض بثبوت تعظيمه بغير الصيام.
رابعها: خوف اعتقاد وجوبه، وهو منتقض بصوم الاثنين والخميس.
خامسها: خشية أن يفرض عليهم كما خشى ﷺ من قيامهم الليل، ذلك قاله المهلب، وهو منتقض مع صوم قبله أو بعده.
سادسها: مخالفة النصارى لأنه يجب عليهم صومه ونحن مأمورون بمخالفتهم، نقله القمولي وهو ضعيف.
٥٣١ - وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يَصُومن أحدكم يوم الجمعة إِلا أن يصوم يومًا قبله أو يومًا بعده" متفق عليه (٢).
تقدم الكلام عليه، وفي الباب من حديث جويرية "أن رسول الله ﷺ دخل عليها في يوم الجمعة وهي صائمة فقال لها: أصمْت أمس؟ قالت: لا، قال: تريدين أن تصومي غدًا؟ قالت: لا، قال: فَأفطِري"
стр. 1720
رواه البخاري وأحمد وأبو داود (١).
٥٣٢ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "وإِذا انتصف شعبان فلا تصوموا" رواه الخمسة واستنكره أحمد (٢).
الحديث هو من رواية العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال، قال أبو داود: "رواه الثوري وشبل بن العلاء وأبو عميس وزهير بن محمد عن العلاء" (٣)، قال أبو داود: "وكان عبد الرحمن لا يحدث به، قلت لأحمد: لم؟ قال: لأنه كان عنده أن النبي ﷺ كان يصل شعبان برمضان، وقال عن النبي ﷺ خلافه".
قال أبو داود: ليس هذا عندي خلافه (٣).
لأنه ﷺ كان يصوم الشهر من أوله كاملًا كما في رواية أبي سلمة "أنه لم يكن يصوم من السنة شهرًا تامًّا إلا شعبان يصله برمضان" أخرجه أبو داود (٤).
والمنهيّ عنه أنما هو ابتداء الصوم من النصف فما بعده فلم يكن بين
стр. 1721
الحديثَيْن مخالفة، ولذلك قال أبو داود: و (أ) ليس هذا عندنا خلافه ولم يَجِيء به غير العلاء عن أبيه، وصح الحديث ابن حبان وخيره (١)، وقال ابن معِين: هو منكر.
والحديث فيه دلالة على أنَّ الصومَ بعد انتصاف شعبان منهيّ عنه، وقد اختلف العلماءُ في ذلك، فقطع كثير من الشافعية بتحريمه لهذا الحديث، وحديث: "لا تقدموا رمضان بيوم أو يومين" (٢) إنما هو لأن ذلك الغالب فيمن يقصد استقبال الشهر بالصيام.
وقال الروياني: يحرم التقدم بيوم أو يومين، ويكره من نصف شعبان، وذهب منْ عَدَاهمُ إلى عدم الكراهة، وصرح الإمام المهدي في "البَحْر" (٣) لمذهب الهادوية إلى أنه مندوب، وتأول حديث النهي عمن أضعفه الصوم، وقد سبقه إلى ذلك الطحاوي، وقال: وحديث التقدم بيوم أو يومين لمن يحتاط بزعمه لرمضان لا مطلق التطوع، والله أعلم.
٥٣٣ - وعن الصماء بنت بُشر أن رسول الله ﷺ قال: "لا تصوموا يوم السبت إِلا فيما افترض عليكم، فإِن لم يجد أحدكم إِلا لحاء عنبة أو عود شجرة فليمضغها" رواه الخمسة (٤)، ورجاله ثقات، إلا
стр. 1722
أنه مضطرب، وقد أنكره مالك، وقال أبو داود: هو منسوخ (١).
هي الصماء بنت بُشر -بالصاد المهملة، وبشر بضم الباء المازنية، يقال إن الصماء لقب، واسمها بُهية -بضم الباء الموحدة وفتح الهاء وتشديد الياء الثناة من تحت-، ويقال اسمها بهيمة بزيادة الميم، وهي أخت عبد الله بن بُشر (٢).
الحديث أعل بالمعارضة للحديث الآتي عن أم سلمة، وبالاضطراب أيضًا؛ لأنه قيل فيه إنه رواه عبد الله بن بشر عن أخته الصماء، وقيل عن عبد الله بن بُشر وليس فيه أخته الصماء، وهذه (أ) رواية بن حبان (٣)، وهذه العلة ليست بقادحة فإنه صحابي، وقيل عنه عن أبيه بُشر، وقيل عنه عن الصماء عن عائشة.
قال النسائي: هذا حديث مضطرب.
قال المصنف (٤) -رحمه الله تعالى-: ويحتمل أن يكون عبد الله عن أبيه وعن أخته (ب وعند أخته ب) بواسطة، وهذه طريق مَنْ صححه، ورجع عبد الحق الطريق الأُولَى، وتبع في ذلك الدارقطني، لكن هذا التلون في الحديث الواحد بالإسناد الواحد مع اتحاد المَخْرَج يوهِن الرواية وينبئ بقلة ضبطه، إلا أن يكون من الحفاظ المكثرين المعروفين بجَمْع طرق الحديث، فلا يكون ذلك دالا على قلة ضبطه، وليس الأمر هنا كذا بل اختلف فيه
стр. 1723
أيضًا على الراوي عبد الله بن بُشر.
وقوله: "وقد أنكره مالك" صرح أبو داود عن مالك بأنه قال: هذا كذاب.
وقولة: "وقال أبو داود (١): هو منسوخ"، لعله أخذه من كونه ﷺ كان يحب موافقة أهل الكتاب في أول الأمر، ثم في آخر الأمر قال "خالفوهم".
والنهي عن صوم يوم السبت يوافق الحالة الأولى لأنه كان يوم عيد عندهم، وصيامه إياه موافق الحالة الثانية، وهي مخالفتهم، وهذا صورة النسخ، والله أعلم، كذا قال المصنف رحمه الله تعالى (٢).
وقال الحاكم: بل الجمع ممكن بين صيامه والنهي عنه، وهو أن النهي عن إفراده، والصوم له مع ما قبله أو بعده، والأولى أن يقال أن المعارضة حاصلة بسرده ﷺ للصوم في شعبان وأنه كان يصوم حتى نقول لا يفطر كما في حديث عائشة وابن عباس، والنهي عن صوم السبت مطلق غير مشروط بالإفراد كما في الجمعة، وهذا معارض، ولعل الحُكْم بأن هذا ناسخ أولى، وقد أشار إلى هذا في السنن أيضًا، فإنه قال نسخه حديث جويرية، وهو أن النبي ﷺ دخل عليها يوم الجمعة وهي صائمة فقال "صُمْتِ أمس؟ قالت: لا، قال: تريدين أن تصومي غدًا" الحديث وقد تقدم فإنه يدل على عدم النهي عن صومه مع غيره (٣).
وأقول: أصرح في دعوى النسخ من هذا جميعه حديث أم سلمة الآتي.
стр. 1724
٤٣٥ - وعن أم سلمة ﵂: "أن رسول الله ﷺ أكثر ما كان يصوم من الأيام السبت ويوم الأحد، وكان يقول: إِنهما يوما عيد للمشركين، وأنا أريد أن أخالفهم" أخرجه النسائي وصححه ابن خزيمة، وهذا لفظه، وأخرجه البيهقي، وأخرجه الحاكم (١) بإسناد صحيح عن كُرَيْب أن ناسًا من أصحاب رسول الله ﷺ بعثوه إلى أم سلمة يسألها (أ) عن الأيام التي كان رسول الله ﷺ أكثر لها صيامًا، فقالت: يوم السبت والأحد فرجعت إليهم فقاموا بأجمعهم إليها فسألوها فقالت: صدقَ، وكان يقول: "إنهما يوما عيد للمشركين، فأنا أريد أن أخالفهم".
وأخرج الترمذي من حديث عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ يصوم من الشهر السبت والأحد والاثنين، ومن الشهر الآخر الثلاثاء والأربعاء والخميس" (٢).
والحديث فيه دلالة على عدم كراهة صوم السبت لا سيما مع كثرة صيامه له، بل يدل على الاستحباب، ولا سيما مع تعليله بمخالفة أهل الكتاب، وظاهره مفردًا أو مضمومًا إليه غيره، والله أعلم.
٥٣٥ - وعن أبي هريرة ﵁: "أن النبي ﷺ نهي عن صَوْم يوم عَرَفَة (ب) بعرفة" رواه الخمسة غير الترمذي، وصححه
стр. 1725
ابنُ خزيمة والحاكم، واستنكره العقيلي، وأخرجه البيهقي أيضًا (١).
وفي إسناد الحديث مهدي الهجري ضعفه العقيلي وقال: لا يتابع عليه، والراوي عنه أيضًا حوشب بن عقيل مختلف فيه (٢).
قال المصنف -رحمه الله تعالى-: قد صححه ابن خزيمة ووثق مهديًا المذكور ابن حبان. انتهى.
قال العقيلي: وقد روى (أعن النبي ﷺ أ) بأسانيد جياد أنه لم يصم يوم عرفة بها، ولا يصح النهي عنه عن صيامه (ب)، انتهى (٣).
أما إنه لم يصم ﷺ بعرفة فقد أخرج البخاري من طريقين (٤)، ولكن تركه ﷺ لصومه لا يدل على النهي عن الصوم ولا على استحبابه، إذ قد يترك الشيء المستحب لبَيَان الجوَاز، ويكون في حقه أفضل لبيان الشرعية ولكن هذا حديث أبي هريرة يدل على أنه منهي عنه، وظاهر النهي التحريم، وقد ذهب إلى ظاهره يحيى بن سعيد الأنصاري وقال: يجب إفطاره للحاج، وعن جماعة من الصحابة منهم الزبير وأسامة بن زيد وعائشة أنهم كانوا يصومونه وكان ذلك يعجب الحسن ويحكيه عن
стр. 1726
عثمان.
وقال قتادة: لا بأس به إذا لم يَضْعُفْ عن الدعاء. ونقله البيهقي في "المعرفة" عن الشافعي في القديم، واختاره الخطابي والمتولي من الشافعية، وقال الجمهور: يستحب فطره حتى قال عطاء: من أفطره ليتقوى به [على] (أ) الذِّكر كان له مثل أجر الصائم.
وقال الطبري: إنما أفطر النبي ﷺ بعرفة ليدل على الاختيار للحاج لئلا يضعف عن الدعاء والذكر المطلوب يوم عرفة، وقيام إنما أفطر لموافقته يوم الجمعة، وقد نهى عن إفراده بالصوم، وهو بعيد، وقيل: إنما كره صوم يوم عرفة لأنه يوم عيد لأهل الموقف لاجتماعهم فيه، ويؤيده ما رواه أصحاب السنن عن عقبة بن عامر مرفوعًا: "يوم عرفة ويوم النحر وأيام مِنى عيدنا أهل الإسلام" (١)، وهذا يؤيد القول بوجوب إفطاره لذكره مع ما يجب إفطاره، والله أعلم.
٥٣٦ - وعن عبد الله بن عَمرو ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا صام مَنْ صام الأبد" متفق عليه (٢)، ولمسلم عن أبي قتادة بلفظ: "لا صام ولا أفطر" (٣).
قوله: "لا صام منْ صام الأبد" أي: الدهر مستمرًا "لا" (ب) ظاهرها
стр. 1727
الدعاء عليه بعدم القدرة على الصوم، ويحتمل أنَّ معناها (أالنفي الذي هو أصلها كقوله تعالى: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى﴾ (١) أي: ما صام، والمعنى أنه لم يحصل له فضيلة الصوم، ويدل عليه رواية أبي (ب) قتادة فإن المعنى فيها أنه لم يحصل له فضيلة الصوم ولا راحة الإفطار، وفي رواية: "ما صام ولا أفطر" (٢)، وفي رواية الترمذي: "لم يصم ولم يفطر" (٣)، وهي تفسر معنى النفي.
وقد اختلف العلماء في صوم الدهر، فذهب إسحاق وأهل الظاهر، ورواية عن أحمد إلى كراهته، قال ابنُ العربي (٤): قوله "لا صام من صام الأبد" إنْ كان معناه الدعاء فيا ويح من دعا عليه النبي ﷺ ، وإن كان معناه الخبر فيا ويح مَنْ أخبر عنه النبي ﷺ أنه لم يَصُم، وإذا لم يصم شرعًا فكيف يُكْتَبُ له الثواب، وظاهر هذا أنه ذهب إلى الكراهة مطلقًا.
وقال ابن حزم (٥) أنه يحرم بهذا وبما أخرج ابن أبي شيبة (٦) بإسناد صحيح قال: "بلغ عُمَر أنَّ رجلًا يصوم الدهر فأتاه فعلاه بالدرة، وجعل يقول: "كُلْ يا دهر"، وأن عبد الرحمن بن أبي نعيم كان يصوم الدهر، فقال عمرو (جـ) بن ميمون: لو رأى هذا أصحاب محمد لرجموه (٧).
стр. 1728
وبحديث أبي موسى رفعه: "من صام الدهر ضيقت عليه جهنم وعقد بيده" أخرجه أحمد والنسائي وابن خزيمة وابن حبان (١)، ومعناه أنها تضيق عليه حصرًا له فيها لتشديده (أ) على نفسه وحمله عليها ورغبته عن سنة نبيه ﷺ واعتقاده أن غير سنته أفضل منها، وهذا يقتضي الوعيد الشديد فيكون حرامًا.
وذهب آخرون إلى جواز صيام الدهر وحملوا أحاديث النهي على من صام ذلك مع العيدين والتشريق وهو اختيار ابن المُنْذِر وروي عن عائشة نحوه، وفيه نظر فإن قول النبي ﷺ ذلك لابن عمرو على ما تدل عليه القصة ليس لأجل ما ذكر، وإنما هو لتفويت الحقوق التي ينبغي من الإنسان القيام بها المشروعة المتعلقة بالبَدَن، وبرعاية حقوق الغَيْر من الزوجة والزائر والصِّديق، والزَّجر (ب) عن التعمق في العبادة التي يخشى منها الحال المنافِي للشريعة السهلة السمحة التي تفضل الله على الأمة في شرعها برفع الحَرَج والإصْر.
وذهب الجمهور إلى استحباب صيام الدهر لمن قَويَ عليه، ولم يفوت حقًّا.
قال السبكي (٢): ويتجه التفصيل في الحق الذي قالوا وهو أنه إذا كان واجبًا حرم الصوم، وإن كان مندوبًا كره الصيام وأشار إلى هذا ابن خزيمة،
стр. 1729
وأجابوا عن حديث أبي موسى بأن معنى "ضيقت عليه": ضيقت عنه، حكاه الأثرم عن مسدد، وحكى رده عن أحمد، وقال ابن خزيمة (١): سألتُ المزني عنه فقال: يشبه أن يكون معناه ضيقت عنه فلا يدخلها، ولا يشبه أن يكون على ظاهره؛ لأن مَن ازداد (أ) لله عملًا صالحًا ازداد رفقة وكرامة، ورجح هذا التأويل الغزالي (٢)، ويجاب عنه بأنه مع النهي عنه ليس من العمل الصالح، فإن العمل الصالح ما وافق شرع، وما عداه غلو مردود ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ (٣).
واحتجوا بأن النبي ﷺ شبه صوم أيام البيض وست من شوال مع رمضان بصوم الدهر (٤)، فلولا أن صائمه يستحق الثواب لما شبه به.
وأجيب بأن ذلك على تقدير مشروعيته فقد أغنى عنه كما أغْنَت الخمس الصلوات عن الخمسين الصلاة التي قد كانت فُرِضَتْ مع أن مصليها لوجوبها لا يستحق ثوابًا بل عِقَابًا.
وقد ورد في صوم الدهر من حديث أبي هريرة: "مَنْ صام الدهر فقد وهب نفسه لله " أخرجه أبو الشيخ (٥)، والله أعلم.
فائدة: لم يذكر المصنف ﵀ في فضل صوم رجب شيئًا ولعله لضعف الأحاديث الواردة في ذلك، كما حكى السبكي في
стр. 1730
"الطبقات" (١) في ترجمة محمد بن منصور السمعاني أنه قال: "لم يَرِدْ فِي استحباب صوم رجب على التخصيص سُنَّة ثابتة، والأحاديث التي تُروى فيه واهية لا يفْرحُ بها عالم، وهذا كلام صحيح، ولكن لا يوجب التزهيد في صومه ففضل الصوم من حيث الإطلاق ثابت، وفي سنن أبي داود (٢) وغيرها في صوم الأشهر الحرم ما يكفي في قيام السُّنَّة على الترغيب في صومه"، انتهى.
وقد أخرج الطبراني (٣) عن سعيد بن أبي سعيد بن أبي راشد قال ﷺ : "رجب شهر عظيم يضاعف الله فيه الحسنات، فمن صام يومًا من رجب فكأنما صام سنة، ومَنْ صام منه سبعة أيام غلقت سبعة أبواب جهنم، ومنْ صام منه ثمانية أيام فُتِّحَتْ له ثمانية أبواب الجنة، ومَن صام عشرة لم يَسأل الله شيئًا إلا أعطاه، ومن صام منه خمسة عشر يومًا نادى منادٍ من السماء قد غُفِرَ لك ما مضى فاستأنف العمل، ومن زاد زاده الله، وفي رجب حمل الله نوحًا في السفينة فصام رجب، وأمر مَنْ معه أن يصوموا فجرت بهم السفينة ستة أشهر آخر ذلك يوم عاشوراء أهبط على الجُودِيِّ فصام نوح ومن معه والوحش شكرًا لله ، وفي يوم عاشوراء فلق الله البحر لبني إسرائيل، وفي يوم عاشوراء تاب الله على آدم وعلى مدينة يونس، وفيه ولد إبراهيم".
وأخرج أبو محمد الحسن بن محمد الخلال في "فضائل رجب" عن أبي سعيد أنه قال ﷺ : "رجب من شهور الحُرُم، وأيامه مكتوبة على
стр. 1731
أبواب السماء السادسة، فإذا صام الرجل منه يومًا وجد صومه بتقوى الله نطق الباب ونطق اليوم وقالا: يا رب اغفر له، وإذا لم يتم صمومه بتقوى الله لم يستغفرا وقيل: خَدَعَتْك نفسك".
وأخرج أبو الفتح ابن أبي الفوارس في "أماليه" عن الحسن مرسلًا أنه قال ﷺ : "رجب شهر الله، وشعبان شهري، ورمضان شهر أمتي" (١).
وأخرج الخطيب عن أبي ذر: "مَنْ صام يومًا من (أ) رجا عدلِ صيام شهر، ومن صام منه سبعة أيام غُلِّقَتْ عنه أبواب جهنم السبعة (ب ومنْ صام منه ثمانية أيام (جـ) فتحت له أبواب الجنة الثمانية، ومن صام منه عشرة أيام بَدَّل الله سيئاته حسنات ب)، ومنْ صام منه عشرة أيام نادى منادٍ إن الله قد غفر لك ما مضى فاستأنِفْ العمل" (٢).
وأخرج أبو نعيم وابن عساكر عن ابن عمر (د أنه قال ﷺ د) "ومَنْ (هـ) صام أول يوم من رجب عدل ذلك بصيام سنة، ومن صام سبعة أيام أغلق عنه سبعة أبواب النيران، ومن صام من رجب عشرة أيام نادى منادٍ من السماء أنْ سلْ تُعْطَه".
وأخرج البيهقي عن أنس أنه قال ﷺ : "مَنْ صام يومًا من رجب
стр. 1732
كان كصيام سنة، ومَنْ صام سبعة أيام غلقت عنه سبعة أبواب جهنم ومن صام ثمانية أيام فتحت له ثمانية أبواب الجنة، ومن صام عشرة أيام لم يسأل الله شيئًا إلا أعطاه، ومن صام خمسة عشر يومًا ناد منادٍ من السماء قد غفرت لك ما سلف، فاستأنف العمل، قد بدلت سيئاتك حسنات، ومن زاد زاده الله، وفي رجب حمل نوح في السفينة فصام نوح، وأمر من معه أن يصوموا، وجَرَت بهم السفينة ستة أشهر إلى آخر ذلك لعشر خلون من المحرم".
فهذه الأحاديث بعضها يقوي بعضًا، والله أعلم.
اشتمل هذا الباب على ستة عشر حديثًا.
стр. 1733
باب الاعتكاف وقيام رمضان
الاعتكاف لغة: لزوم الشيء وحبس النفس عليه (١). وشرعًا (٢): القيام في المسجد مِنْ شَخْصٍ مخصوص على صِفَةٍ مخصوصة.
وليس بواجب إجماعًا إلا على منْ نذره، وكذا من شرع فيه فقطعه عامدًا عند قوم.
وقيام رمضان: المراد قيام لياليه مصليًا، والمراد من قيام الليل ما يحصل به مطلق القيام، وليس من شرطه استغراق جميع أوقات الليل، ولعل المراد أن يكون في أكثر الليل، وذكر النووي أن قيام رمضان يحصل بصلاة التراويح، يعني أنه يحصل بها المطلوب من القيام لا أن (أ) قيام رمضان لا يكون إلا بها.
وأغرب الكرماني فقال: اتفمْوا على أن المراد بقيام رمضان صلاة التراويح، واختلف في شرط الصوم له، وانفرد سُوَيْد بن غفلة باشتراط الطهارة له، ولا خلاف في شرعيته إلا ما روي عن مالك أنه كره الدخول فيه مخافة ألا يوفي شروطه.
٥٣٧ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من قام رمضان إِيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه" متفق عليه (٣).
стр. 1734
قوله: "من قَامَ رمضان" قد عِرفتَ معنى القيام.
وقوله: "إِيمانًا" أي تصديقًا بوعْد اللهِ بالثواب.
"واحتسابًا": أي طلبًا للأجر، أَي لا لقصدٍ آخر مِنْ رياءٍ أو غيره.
وقوله: "غفر له" ظاهره يتناول الصغائر والكبائر، وبه جزم ابن المنذر، وقال النووي (١): المعروف أنه مختص بالصغائر، وبه جزم إمام الحرمين، وعزاه عياض لأهل السنة.
قال بعضهم: ويجوز أن يخفف من الكبائر إذا لم تصادف صغيرة، وقد تقدم مثل هذا في صوم يوم عرفة مع زيادة.
وقوله: "ما تقدم من ذنبه" وعند النسائي بزيادة: "وما تأخر"، وقد أخرج هذه الزيادة جماعةٌ من حديث سفيان بن عيينة. وأخرجها أحمد من طريق أخرى، وأخرجت من طريق مالك تفرد بها بحر بن نصر عن ابن وهب عن مالك ولم يتابعه عليها أحد من أصحاب ابن وهب ولا من أصحاب مالك.
قال المصنف -رحمه الله تعالى-: "وقد ورد في غفران ما تقدم وما تأخر من الذنوب عدة أحاديث جمعتها في كتابٍ مُفْرَد" (٢).
وقد أُورد على هذا بأن غفران ما تقدم معقول، ولا يعقل غفران ما تأخر فإن المغفرة تستدعي سبق شيء.
ويُجاب عنه بأن ذلك كناية عن عدم وقوع الذنب منهم في المستقبل، وأجاب الماوردي بأنها تقع منهم الذنوب مغفورة، والله أعلم.
والحديث فيه دلالة على فضيلة قيام رمضان، وتأكد شرعيته، وهو
стр. 1735
يحصل بصلاة التراويح، فإن النبي ﷺ صلاها بهم ثلاث ليالٍ وترك في الليلة الرابعة خشية أن يفرض، كما أخرجه البخاري (١)، واستمر الأمر على ذلك في زمنه ﷺ وفي خلافة أبي بكر وصَدْرًا من خلافة عمر حتى خرج (أ) عمر إلى المسجد في ليلة فإذا الناس أوْزَاعٌ متفرقون، يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل، ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب، ثم خرج ليلة والناس يصلون بصلاة قارئهم فقال عمر: نعم البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون -يريد آخر الليل- وكان الناس يقومون أوله، أخرجه البخاري (٢).
وقد أفهم البخاري أن قيام رمضان يحصل بصلاة التراويح، وقد اختلف العلماء في أن صلاتها أفضل في البيوت أو في المسجد فجنح الجمهور إلى أن صلاتها في المسجد أفضل كما اختاره عمر لزوال العلة التي اقتضت أن لا يصلى في المسجد في أيام النبي ﷺ وهو خشية الفريضة.
وعن مالك في أحد الروايتين وأبي يوسف وبعض الشافعية الصلوات في البيوت أفضل عملًا بقوله ﷺ : "أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة" وهو حديث صحيح أخرجه مسلم (٣).
وبالغ الطحاوي فقال: إنَّ صلاة التراويح في الجماعة واجبة على الكفاية.
стр. 1736
وقال ابن بطال: قيام رمضان سنة لأن عمر إنما أخذه من فعل النبي ﷺ وإنما تركه النبي ﷺ خشية الافتراض.
وعند الشافعية في أصل المسألة ثلاثة أوجه، ثالثها: مَنْ كان يحفظ القرآن ولا يخاف من الكسل، ولا تختل الجماعة في المسجد بتخلفه وصلاته (أ) في الجماعة والبيت سواء، فمن فقد بعض ذلك فصلاته في الجماعة أفضل.
وقد اختلفت الروايات في القدر الذي كان يصلي به أُبَيُّ بن كعب، ففي الموطأ (١) أنه إحدى عشرة، ورواه سعيد بن منصور من وجه آخر وزاد فيه "وكانوا يقرؤن بالمئين ويقومون على العصا من طول القيام".
وروى محمد بن نصر المروزي أنها إحدى وعشرون، وروى مالك من طريق أخرى أنها عشرون ركعة (٢)، وهذا محمول على غير الوتر. وعن يزيد بن رُومان قال: "كان الناس يقومون في زمن عمر بثلاث وعشرين" (٣).
روى محمد بن نصر من طريق عطاء قال: "أدركتهم في رمضان يصلون عشرين ركعة وثلاث ركعات الوتر" والجمع بين هذه الروايات ممكن باختلاف الأحوال، ويحتمل أن ذلك الاختلاف بحسب تطويل القراءة وتخفيفها، فحيث تطول القراءة تقل الركعات وبالعكس، وبذلك جزم الداودي وغيره، والاختلاف فيما زاد على العشرين راجع إلى الاختلاف في الوتر، فكان تارة يوتر بواحدة وتارة يوتر بثلاث.
стр. 1737
وروى محمد بن نصر من طريق داود بن قيس قال: أدركت الناس في إمارة أبان بن عثمان وعمر بن عبد العزيز يعني بالمدينة يقومون بست وثلاثين ركعة ويوترون بثلاث.
وقال مالك: الأمر عندنا بتسع وثلاثين وبمكة بثلاث وعشرين وليس في شيء من ذلك ضيق، وعنه قال: إن أطالوا القيام وأقلوا السجود فحسن، وإن أكثروا السجود وأخفوا القراءة فحسن والأول أحب إليَّ:
وقال الترمذي: "أكثر ما قيل أنها تصلى إحدى وأربعين ركعة بركعة الوتر" (١)، كذا قال.
وقد نقل ابن عبد البر عن الأسود بن يزيد أربعين، ويوتر بسبع، وقيل ثمان وثلاثين ذكره محمد بن نصر عن ابن يونس عن مالك، وهذا يمكن رده إلى الأول بانضمام ثلاث الوتر، لكن صرح في روايته بأنه يوتر بواحدة فتكون أربعين إلا واحدة.
قال مالك: وعلى هذا العمل منذ بضع ومائة سنة، وعن مالك ستًّا وأربعين وثلاث الوتر، وهذا (أ) المشهور عنه، وقد رواه ابن وهب عن العمري عن نافع قال: لم أدرك الناس إلا وهم يصلون تسعًا وثلاثين ويوترون منها بثلاث.
وعن زرارة بن أوفى أنه كان يصلي بهم بالبصرة أربعًا وثلاثين ويوتر.
وعن سعيد بن جُبَيْر أربعًا وعشرين، وقيل ست عشرة غير الوتر، روي عن أبي محمد عن محمد بن نصر.
стр. 1738
وأخرج من طريق محمد بن إسحاق حدثني محمد بن يوسف عن جده السائب بن يزيد قال: كنا نصلي زمن عمر في رمضان ثلات عشرة.
قال ابن إسحاق: وهذا أثبت ما سمعتُ في ذلك، وهو موافق لحديث عائشة في صلاة النبي ﷺ من الليل والله أعلم.
وأما ما رواه ابن أبي شيبة من حديث ابن عباس: "كان رسول الله ﷺ يصلي في رمضان عشرين ركعة والوتر" (١) وإسناده ضعيف، وقد عارضه حديث عائشة، وهي أعرف بحال النبي ﷺ .
٥٣٨ - وعن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ إِذا دخل العَشْر -أي العشر الأخير من رمضان- شد مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله" متفق عليه (٢).
قوله: "إِذا دخل العشر" أي العشر الليالي.
وقوله: "أي العشر الأخير" ليس هو من لفظ الحديث في رواية عائشة، ولكنه وقع في حديث على عند ابن أبي شيبة والبيهقي من طريق عاصم بن ضمرة عنه (٣).
وقوله: "شد مئزره" أي اعتزل النساء كناية عن ذلك، وبهذا جزم عبد الرزاق (٤) عن الثوري، واستُشْهِدَ بقول الشاعر:
قومٌ إذا حاربوا شدوا مآزرهم ... عن النساء ولو باتت بأطهار
стр. 1739
وذكره ابن أبي شيبة عن أبي بكر بن عياش نحوه (١).
وقال الخطابي (٢): يحتمل أنه أراد به الجدَّ في العبادة كما يقال شددت لهذا الأمر مئزري أي: شمرت له، ويحتمل أنه يراد مجموع الأمرين فيكون المعنى أنه شد مئزره حقيقة فلم يحله واعتزل النساء وشمر للعبادة.
قال المصنف ﵀ (٣): وقد وقع في رواية عاصم بن ضمرة في حديث علي شد مئزره واعتزل النساء فعطفه بالواو وأصله المغايرة.
وقوله: "وأحيا ليله" أوقع الإحياء على الليل مجازًا عقليًّا لكونه زمانًا لإحياء نفسه فيه؛ لأن اليقظة نقيض النوم، والنوم أخو الموت، أو الإحياء استعارة، وهو أنه شبه استيقاظه في أوقات الليل بالإحياء، والمراد مِنْ أحيا الليل الشهر، وهو محتمل هل يراد أحيا الليل كله، وقد روي من حديث عائشة من وجه فيه ضعف بلفظ: "وأحيا الليل كله".
وفي مسند أحمد من وجه آخر عنها قالت: "كان النبي ﷺ يخلط العشرين بصلاة ونوم، فإذا كان العشرون شمر وشد المئزر" (٤).
وخرج الحافظ أبو نعيم بإسناد فيه ضعف عن أنس: "كان النبي ﷺ إذا شهد رمضان قام ونام فإذا أربعًا وعشرين لم يذق غمضًا" (٥).
ويحتمل أن يراد بإحياء الليل إحياء غالبه. وقد روى بعض المتقدمين من بني هاشم ظنه الراوي أبا جعفر محمد بن علي أنه فسر ذلك بإحياء نصف الليل، ويؤيده رواية سلمة عن عائشة: "ما أعلمه ﷺ قام ليلة
стр. 1740
حتى الصباح".
وقوله: "أيقظ أهله" أي للصلاة، وفي حديث زينب بنت أم سلمة عند الترمذي: "لم يكن النبي ﷺ إذا بقي من رمضان عشرة أيام يدع أحدكم من أهله يطق القيام إلا أقامه".
قال القرطبي: ذهب بعضهم إلى أنَّ اعتزاله النساء كان بالاعتكاف وفيه نظر، لقوله "وأيقظ أهله" فإنه يشعر بأنه كان معهن في البيت، فلو كان معتكفًا لكان في المسجد ولم يكن معه أحد، وفيه نظر، فإنه يحتمل أنه كان يوقظهم وهو في محله أو يوقظهم عند دخوله لحاجة أو يأمر من يوقظهم.
٥٣٩ - وعنها ﵂ "أن النبي ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله ثم اعتكف أزواجه من بعده" متفق عليه (١).
الحديث فيه دلالة على أن الاعتكاف سنة مؤكدة مواظب عليها، فإن كان مع الفعل المضارع يدل على الاستمرار.
قال أبو داود عن أحمد: لا أعلم عن أحد من العلماء خلافًا أنه مسنون (٢).
وأما قول ابن نافع عن مالك: فكرتُ في الاعتكاف وترك الصحابة له مع شدة اتباعهم للأمر فوقع في نفسي أنه كالوصال، وأراهم تركوه لشدته ولم يبلغني عن أحد من السلف أنه اعتكف إلا عن أبي بكر بن عبد الرحمن، انتهى.
стр. 1741
وكأنه أراد صفة مخصوصة، وإلا فقد روي عن جماعة من الصحابة.
قال ابن العربي: هو سنة مؤكدة، وكذا قال ابن بطال. واعتكاف أزواج النبي ﷺ من بعده فيه دلالة على أنه لم ينسخ، وعلى أنه ليس من الخصائص، وفيه دلالة على أن اعتكاف المرأة في المسجد غير مكروه، وقد أطلق الشافعي القول بكراهته في المسجد الذي تصلي فيه الجماعة، وقال ابن عبد البر: لولا أن ابن عيينة زاد في روايته "أن أزواج النبي ﷺ استأذنه في الاعتكاف" لقطعت بأن اعتكاف المرأة في مسجد الجماعة غير جائز.
وفي رواية للحنفية أنها لا تعتكف إلا في مسجد دارها، وفي رواية أن لها الاعتكاف في المسجد مع زوجها.
٥٤٠ - وعنها قالت: "كان النبي ﷺ إِذا أراد أن يعتكف صلى الفجر ثم دخل معتكفه" متفق عليه (١).
في الحديث دلالة على أن أول الوقت الذي يدخل فيه المعتكف بعد صلاة الصبح، وهو قول الأوزاعي والليث والثوري وقال غيرهم إنه يدخل المسجد قبل طلوع الفجر إذا كان معتكفًا النهار، فإذا كان معتكفًا من الليل فيدخل قبل غروب الشمس، وأولوا الحديث بأنه طلع الفجر وهو ﷺ في المسجد، ولكن إنما تخلى بنفسه في المكان الذي أعده لنفسه بعد صلاة الصبح؛ لأنه ﷺ كان يضرب له خباء في المسجد ينفرد فيه بنفسه (٢)، والله أعلم.
стр. 1742
٥٤١ - وعنها قالت: "كان رسول الله ﷺ ليدخل عليَّ رأسه، وهو في المسجد فأُرَجِّلُه، وكان لا يدخل البيت إِلا لحاجة إِذا كان معتكفًا" متفق عليه، واللفظ للبخاري (١).
الحديث فيه دلالة على أن المعتكف لا يخرج من المسجد بجميع بدنه، وأن خروج بعض البدن لا يضر، وعلى أنه شرع للمعتكف النظافة ويلحق به التطيب والغسل والحلق والتزين، وعلى أن الفعل اليسير من الأفعال الخاصة بالإنسان يجوز فعلها وهو في المسجد، وعلى أنه يجوز للرجل استخدام امرأته برضاها، وقولها "إلا لحاجة" يدل على أنه لا يجوز للمعتكف الخروج من المسجد إلا للأمر الضروري الذي لا يخلو الإنسان عنه، وفي رواية مسلم "إلا لحاجة الإنسان" (٢) وفسرها الزهري بالبول والغائط، وقد اتفقوا على استثنائهما واختلفوا في غيرهما من الحاجات كالأكل والشرب، ولو خرج لهما فتوضأ خارج المسجد لم يبطل، ويلتحق بهما القيء والفصد لمن (أ) احتاج إليه، والله أعلم.
٥٤٢ - وعنها قالت: "السنة على المعتكف ألا يعود مريضًا، ولا يشهد جنازة، ولا يمس امرأة، ولا يباشرها، ولا يخرج لحاجة إِلا لما لا بد منه، ولا اعتكاف إِلا بصوم، ولا اعتكاف إِلا في مسجد جامع" رواه أبو داود (٣)، ولا بأس برجاله إلا أن الراجع وقف آخره.
الحديث أخرجه أبو داود من طريق عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري
стр. 1743
عن عائشة، قال أبو داود: "غير عبد الرحمن لا يقول فيه السنة" (١).
وجزم الدارقطني بأن القدر الذي من حديث عائشة قولها "لا يخرج" وما عداه ممن دونها (٢).
الحديث فيه دلالة على أنه لا يجوز للمعتكف الخروج لشيء مما ذكر وهو متأيد بالحديث الأول المتفق عليه.
وروي عن علي ﵁ والنخعي والحسن البصري: إن شهد المعتكف جنازة أو عاد مريضًا أو خرج للجمعة بطل اعتكافه، وبه قال الكوفيون، وابن المنذر في الجمعة، وقال الشافعي وإسحاق: إن شرط شيئًا من ذلك في ابتداء الاعتكاف لم يبطل اعتكافه بفعله، وهو رواية عن أحمد، وذهبت الهادوية إلى أن له الخروج لقضاء حوائجه وعيادة الريض وحضور الجنازة وغير ذلك في الأقل من وسط النهار قياسًا على السوم فإنه إذا سام في أكثر الحول كان له حكم الكل، كذلك هنا، ولما روي عن على أنه قال: "من اعتكف فلا يرفث ولا يسامه (أ) وليشهد الجمعة والجنازة ويوصي أهله إذا كانت له حاجة وهو قائم ولا يجلس" ذكره عبد الرزاق، قالوا: ولا يقعد إن كفي القيام، ويفعل المعتاد ويرجع من غير مسجد فورًا، وهو قياس منهم على الحاجة المذكورة في الحديث، والفارق موجود بالبقاء على ما روت عائشة أولى، وفي قولها "ولا اعتكاف إلا بصوم" فيه دلالة على أن الاعتكاف شرطه الصوم، وقد ذهب إليه العترة جميعًا وابن عباس وابن عمر ومالك والنخعي والثوري وأبو حنيفة محتجين
стр. 1744
بهذا، وبقياس العكس أيضًا كما حققه أبو الحسين، قالوا لأن الصوم يجب بالنذر به إذا نذر بالاعتكاف صائما وجب إجماعًا فيجب بغير نذر قياسًا على الصلاة فإنها تجب بالنذر إذا قال: لله علي أن أعتكف مصليًا فلا تجب بغير نذر (أ).
وذهب الشافعي وموافقوه من أصحابه وغيرهم إلى أن الصوم ليس بشرط لصحة الاعتكاف، بل يصح اعتكاف المفطر، ويصح اعتكاف ساعة واحدة، ولحظة واحدة.
وضابطه مكث يزيد على طمأنينة الركوع أدنى زيادة، ووجه عند أصحاب الشافعي أنه يصح اعتكاف المار في المسجد من غير لبث، والمشهور الأول، فينبغي لكل جالس في المسجد لانتظار صلاة أو شغل آخر من آخرةٍ أو دنيا أن (ب) ينوي الاعتكاف فيحسب له ويثاب عليه ما لم يخرج من المسجد، فإذا خرج ثم دخل جدد نية أخرى، وليس للاعتكاف ذكر مخصوص ولا فعل آخر سوى اللبث في المسجد بنية الاعتكاف، ولو تكلم بكلام دنيا أو عمل صنعة من خياطة أو غيرها لم يبطل اعتكافه عند الجمهور، وذهب ابن (جـ) القاسم أنه (د) يختص بالصلاة وذكر الله -تعالى- وقراءة القرآن لا غير ذلك من أعمال البر والقرب.
وذهب ابن وهب إلى أنه يختص بجميع أعمال البر المختصة بالآخرة، واحتج الشافعي بالحديث الآتي وباعتكافه ﷺ في العشر الأول من
стр. 1745
شوال (١) مع أن أولها يوم العيد يحرم صومه، وبحديث عمر قال: "يا رسول الله: إني نذرت أن أعتكف ليلة في الجاهلية، فقال: أوف بنذرك" رواه البخاري ومسلم (٢).
والليل ليس محلًا للصوم، وقد تأول ذلك الأولون بأن حديث ابن عباس ليس على المعتكف صوم بمعنى أنه لا يجب عليه لعدم وجوب الاعتكاف عليه بخلاف ما إذا وجب عليه الاعتكاف فيجب عليه الصوم جمعًا بين الأدلة كذا حرره الإمام المهدي في البحر، وهو ضعيف يرده تمام الحديث "إلا أن يفرضه على نفسه" فمفهومه أن المعتكف يتم اعتكافه من دون صوم إلا أن يفرض الصوم على نفسه فيجب عليه، وهو مجمع على ذلك، ومفهوم الاستثناء منزل منزلة المنطوق، أو منطوق على الخلاف في ذلك واعتكافه في العشر الأول يحتمل المجاز، باعتبار أنه صام الحادي عشر تمامها ولم يصم يوم العيد، ولم يعتكف فيه، وهو قريب إذ لم ينقل أنه ﷺ صام يوم العيد أو اعتكف فيه، وترك الخروج للعيد، وحديث عمر أنه نذر باعتكاف ليلة يحتمل أنه أراد اليوم مجازًا مع أنه قد ورد في رواية شعبة عند مسلم يومًا بدل ليلة.
وجمع ابن حبان وغيره بين الروايتين بأنه نذر اعتكاف يوم وليلة، فمن أطلق ليلة أراد بيومها.
وقد ورد الأمر بالصوم في رواية عمرو بن دينار عن ابن عمر صريحًا لكن إسناده ضعيف، وقد زاد فيها أن النبي ﷺ قال له: "اعتكف
стр. 1746
وصم" أخرجه أبو داود والنسائي (١) من طريق عبد الله بن بديل، وهو ضعيف (٢). وذكر ابن عدي والدارقطني (٣) أنه تفرد بذلك عن عمرو بن دينار إلا أنه يرد هذا ما في البخاري من رواية سلمان (أ) بن بلال أن عمر اعتكف ليلة (٤) فدل على أنه لم يزد على نذره شيئًا، وسيأتي حديث عمر في آخر باب النذر إن شاء الله تعالى.
وقوله: "ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع" فيه دلالة على اشتراط المسجد الجامع.
واعلم أن العلماء اتفقوا على مشروطية المسجد للاعتكاف إلا محمد بن عمر بن لبابة المالكي فأجازه في غير مسجد، وأجاز الحنفية للمرأة أن تعتكف في مسجد بيتها، وهو المكان المعد للصملاة، وفيه قول قديم للشافعي، وفي وجه لأصحابه (ب)، وللمالكية يجوز للرجال والنساء لأن التطوع في البيوت أفضل، وذهب أبو حنيفة وأحمد إلى اختصاصه بالمساجد التي تقام فيها الصلوات، وخصه أبو يوسف بالواجب منه، وأما النفل ففي كل مسجد.
وقال الجمهور بعمومه في كل مسجد إلا لمن تلزمه الجمعة فاستحب له الشافعي الجامع، وشرطه مالك لأن الاعتكاف عندهما ينقطع بالجمعة،
стр. 1747
ويجب بالشروع عند مالك، وخصه طائفة من السلف كالزهري بالجامع مطلقًا (١)، وأومأ إليه الشافعي في القديم، وخصه حذيفة بن اليمان بالمساجد الثلاثة (٢).
وعن عطاء بمسجدي مكة والمدينة (٣)، وابن المسيب بمسجد المدينة (٤)، واتفقوا على أنه لا حَدَّ لأكثره، واختلفوا في أقله فمن شرط فيه الصيام قال أقله يوم ومنهم من قال يصح مع شرط الصيام في دون اليوم حكاه ابن قدامة.
وعن مالك يشترط عشرة أيام، وعنه يومان أو يوم.
ومن لم يشرط الصوم قالوا: أقله ما ينطلق عليه اسم لبث (أ) ولا يشترط القعود، وقيل يكفي المرور مع النية كوقوف عرفة. وروى عبد الرزاق عن يعلى بن أمية الصحابي: "إني لأمكث في المسجد الساعة، وما أمكث إلا معتكفًا" (٥).
واتفقوا على فساده بالجماع حتى قال الحسن والزهري: من جامع فيه لزمته الكفارة (٦)، وعن مجاهد يتصدق بدينارين، واختلفوا في غير الجماع ففي المباشرة أقوال، ثالثها إن أنزل بطل، وإلا فلا.
стр. 1748
٥٤٣ - وعن ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ قال: "ليس على المعتكف صيام إِلا أن يجعله على نفسه" رواه الدارقطني والحاكم (١) والراجح وقفه أيضًا.
تقدم الكلام عليه في الحديث الأول.
٥٤٤ - وعن ابن عمر ﵁ "أن رجالًا من أصحاب النبي ﷺ أروا ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر، فقال رسول الله ﷺ : أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر، فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر" متفق عليه (٢).
قوله: "أن رجالًا" قال المصنف -رحمه الله تعالى (٣) -: لم أقف على تسمية أحد من هؤلاء، وأُروا بضم أوله على البناء للمجهول أي قيل لهم في المنام، والسبع الأواخر المراد به أواخر الشهر كما هو الظاهر، وقيل المراد به السبع التي أولها الثاني والعشرون وآخرها ليلة الثامن والعشرون (أ)، فعلى الأول لا تدخل فيه ليلة إحدى وعشرين ولا ليلة ثلاث وعشرين، وعلى الثاني تدخل ليلة ثاني وعشرين ولا تدخل ليلة التاسع والعشرين.
стр. 1749
ويرجح الوجه الأول حديث ابن عمر: "التمسوها في العشر الأواخر، فإن ضعف أحدكم أو عجز فلا يغلبن علي السبع البواقي" أخرجه مسلم (١)، وقد أخرجه البخاري في باب التعبير بلفظ "أن ناسًا (أأُروا ليلة القدر في التسع الأواخر، وأن ناسًا أ) أروا أنها في العشر الأواخر" (٢)، وفي رواية أحمد بلفظ "رأى رجل أن ليلة القدر ليلة سبع وعشرين أو كذا وكذا، فقال النبي ﷺ : "التمسوها في العشر البواقي في الوتر منها" (٣)، ورواه أحمد من حديث علي مرفوعًا: "إن غلبتم فلا تغلبوا في السبع البواقي" (٤).
ويجمع بين الروايات بأن العشر للاحتياط فيها، والتسع (ب) كذلك والسبع لأن ذلك من المظنة، وهو أقصى ما يظن فيه الإدراك.
وقوله "أرى" بفتحتين أي أعلم، و "رؤياكم" جاء بإفرادها والمراد الجنس الصادق على ما فوق الواحد، وقوله: "تواطأت" أي توافقت وزنًا ومعنى، وقال ابن التين: روي بغير همز، والصواب الهمز، وأصله أن يطأ الرجل برجله مكان وطء صاحبه.
والحديث فيه دلالة على الحث على قيام رمضان لا سيما ما ذكر من الأواخر، وفيه دلالة على عِظَم قدر الرؤيا وجواز الاستناد إليها في الاستدلال على الأمور الوجودية بشرط أن لا يخالف القواعد الشرعية.
стр. 1750
٥٤٥ - وعن معاوية بن أبي سفيان عن النبي ﷺ قال في ليلة القدر: "ليلة سبع وعشرين" رواه أبو داود (١)، والراجح وقفه.
وقد اختلف في تعيينها على أربعين قولًا أوردتها في "فتح الباري". الحديث فيه دلالة على تعين ليلة القدر، والأقوال التي أوردها المصنف -رحمة الله تعالى عليه- في فتح الباري (٢) هي:
القول الأول: أنها رفعت أصلًا ورأسًا حكاه المتولى في التتمة عن الروافض، والفاكهاني في شرح العمدة عن الحنفية، وكأنه خطأ منه، والذي حكاه السروجي أنه قول الشيعة، وقد روى عبد الرزاق عن الحجاج إنكارها.
الثاني: أنها خاصة بسنَةٍ واحدة وقعت في زمن رسول الله، ﷺ ، حكاه الفاكهاني أيضًا.
الثالث: أنها خاصة بهذه الأمة ولم تكن في الأمم قبلهم، جزم به ابن حبيب وغيره من المالكية، وعمدتهم قول مالك في الموطأ (٣).
بلغني أن رسول الله ﷺ تقال أعمار أمته عن أعمار الأمم الماضية فأعطاه الله ليلة القدر، وهذا محتمل للتأويل فلا يدفع ما ورد صريحًا في حديث أبي ذر عند النسائي (٤) قال: قلت: "يا رسول الله أتكون مع الأنبياء فإذا ماتوا رفعت قال: بل هي باقية".
الرابع: أنها ممكنة في جميع السنة، وهو قول مشهور عن الحنفية
стр. 1751
حكاه قاضي (أ) خان وأبو بكر الداري منهم، وروي مثله عن ابن مسعود وابن عباس وعكرمة وغيرهم، وزيف المهلب هذا القول، وقال: لعل صاحبه بناه على دوران الزمان لنقصان الأهلة، وهو فاسد لأن ذلك لم يعتبر في غيره حتى تنتقل ليلة القدر عن رمضان، انتهى.
ومأخذ ابن عباس كما ثبت في "صحيح مسلم" عن أبي بن كعب أنه أراد أن لا يتكل الناس (١).
الخامس: أنها مختصة برمضان ممكنة في جميع لياليه، وهو قول ابن عمر، رواه ابن أبي شيبة بإسنادٍ صحيح عنه، وروي مرفوعًا عنه، أخرجه أبو داود (٢)، وفي شرح الهداية الجزم به عن أبي حنيفة، وقال به ابن المنذر والمحاملي وبعض الشافعية، ورجحه السبكي في شرح المنهاج، وحكاه ابن الحاجب رواية، وقال السروجي في شرح الهداية قول أبي حنيفة أنها تنتقل في جميع رمضان، وقول صاحبَيْه أنها في ليلة معينة مبهمة، وكذا قال النسفي في المنظومة:
وليلة القدر بكل الشهر ... دائرة وعيناها فادرِ
انتهى.
وهذا القول حكاه ابن العربي عن قوم وهو السادس.
السابع: أنها أول ليلة من رمضان حكي عن أبي رزين (ب) الصحابي، وروى ابن أبي عاصم من حديث أنس قال: "ليلة القدر أول ليلة من
стр. 1752
رمضان" وقال ابن أبي عاصم: "لا نعلم أحدًا قال ذلك غيره".
الثامن: أنها ليلة النصف من رمضان حكاه شيخنا سراج الدين بن الملقن في "شرح العمدة"، والذي رأيته في "المُفهِم" للقرطبي حكاية قول أنها (أ) ليلة النصف من شعبان، وكذا نقله السروجي عن صاحب "الطراز"، فإن كانا محفوظَيْن فهو القول التاسع، ثم رأيت في شرح السروجي من المحيط أنها في النصف الأخير.
العاشر: أنها ليلة سبع عشرة (ب) من رمضان، وروى ابن أبي شيبة والطبراني من حديث زيد بن أرقم قال: بلا شك ولا امتراء أنها ليلة سبع عشرة من رمضان ليلة أنزل القرآن، وأخرجه أبو داود عن ابن مسعود أيضًا (١).
الحادي عشر: أنها مبهمة في العشر الوسط حكاه النووي وعزاه الطبري لعثمان بن أبي العاص، والحسن البصري، وقال به بعض الشافعية.
الثاني عشر: أنها ليلة ثمان عشرة قرأته بخط القطب الحلبي في شرحه، وذكره ابن الجوزي في مشكِلِه.
الثالث عشر: أنها ليلة تسع عشرة، رواه عبد الرزاق عن علي (٢) وعزاه الطبري لزيد بن ثابت، ووصله الطحاوي عن ابن مسعود.
الرابع عشر: أنها أول ليلة من العشر الأخير (جـ)، وإليه مال الشافعي،
стр. 1753
وجزم به جماعة من الشافعية، ولكن قال السبكي ليس مجزومًا به عندهم لاتفاقهم على عدم حنث من علق يوم العشرين عتق عبده في ليلة القَدْر أنه لا يعتق تلك الليلة بل بانقضاء الشهر على الصحيح بناء على أنها في العشر الأخير، وقيل بانقضاء السنة بناء على أنها لا تختص بالعشر الأخير بل هي في رمضان.
الخامس عشر: مثل الذي قبله إلا أنه إن كان الشهر تامًّا فهي ليلة العشرين وإن كان ناقصًا فهي ليلة أحد وعشرين، وهكذا في جميع العشرة وهو قول ابن حزم، وزعم أنه يجمع بين الأخبار بذلك ويدل له ما رواه أحمد والطحاوي من حديث عبد الله بن أنيس قال سمعت رسول الله ﷺ يقول (أ): "التمسوها الليلة". قال: وكانت تلك الليلة ثلاث وعشرين، فقال رجل: هذه أولى ثمان تبقين (ب)، فقال: "بل أولى سبع بقين، فإنَّ هذا الشهر لا يتم" (١).
السادس عشر: إنها ليلة اثنين وعشرين، وستأتي حكايته بعد، وروى أحمد من حديث عبد الله بن أنيس أنه سأل رسول الله ﷺ عن ليلة القدر، وذلك صبيحة إحدى وعشرين، فقال: كم الليلة؟ قلت: ليلة اثنين؟ فقال (جـ): هي الليلة أو القابلة.
السابع عشر: أنها ليلة ثلاث وعشرين، رواه مسلم عن عبد الله بن أنيس مرفوعًا: "رأيت ليلة القدر ثم أنسيتها" (٢) فذلك مثل حديث أبي
стр. 1754
سعيد، لكنه قال فيه "ثلاث وعشرين" بدل "إحدى وعشرين"، وعنه قال: قلث يا رسول الله إنَّ لي بادية أكون فيها فمرني بليلة. قال: "أنزل ليلة ثلاث وعشرين". ورواه ابن إسحاق في مسنده من طريق أبي حازم عن رجل من بني بياضة له صحبة مرفوعًا، وروى عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر مرفوعًا: "من كان متحريها فليتحرها ليلة سابعه" (١) قال فكان أيوب يغتسل ليلة ثلاث وعشرين ويمس الطيب. وعن ابن جريج عن عبيد الله (أابن أبي يزيد عن ابن عباس أنه كان يوقظ أهله ليلة ثلاث وعشرين (٢).
وروى عبد الرزاق من طريق يونس بن سيف سمع ابن المسيب يقول: "استقام قول القوم على أنها ليلة ثلاث وعشرين" (٣) من طريق إبراهيم عن الأسود عن عائشة، ومن طريق مكحول أنه كان يراها ليلة ثلاث وعشرين.
الثامن عشر: أنها ليلة أربع وعشرين كما تقدم من حديث ابن عباس في هذا الباب، وروى الطيالسي من طريق أبي نضرة عن ابن مسعود مرفوعًا "ليلة القدر ليلة أربع وعشرين" وروي ذلك عن ابن مسعود والشَّعْبي والحسن وقتادة وحجتهم حديث واثلة "أن القرآن نزل لأربع وعشرين من رمضان" وروى أحمد من طريق ابن لَهيعَة عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن الصنابحي عن بلال مرفوعًا: "التمسوها ليلة القدر ليلة أربع وعشرين" وقد أخطأ ابن لهيعة في رفعه، فقد رواه عمرو (ب) بن الحارث
стр. 1755
ابن يزيد بهذا الإسناد موقوفًا بغير لفظه كما سيأتي في أواخر المغازي بلفظ: "ليلة القدر أول السبع من العشر الأواخر".
التاسع عشر: أنها ليلة خمس وعشرين، حكاه ابن العربي في العارضة، وعزاه ابن الجوزي في "المشكِل" لأبي بكرة.
العشرون: أنها ليلة ست وعشرين، وهو قول لم أره صحيحًا إلا أنَّ عياضًا قال: ما من ليلة من ليالي العشر الأخير (أ) إلا وقد قيل أنها فيه.
الحادي والعشرون: أنها ليلة سبع وعشرين، وهو الجادة من مذهب أحمد، ورواية من الفتح عن أبي حنيفة، وبه جزم أبي بن كعب، وحلف عليه، كما أخرجه مسلم (١)، وروى مسلم أيضًا من طريق أبي حازم عن أبي هريرة قال: تذاكرنا ليلة القدر فقال رسول الله ﷺ "أيكم يذكر حين طلع القمر كأنه شِقُّ جَفْنة" (٢).
قال أبو الحسين الفارسي: أي ليلة سبع وعشرين، فإن القمر يطلع فيها بتلك الصفة.
وروى الطبراني من حديث ابن مسعود سئل رسول الله ﷺ عن ليلة القدر، فقال: "أيكم يذكر ليلة الصهباوات؟ " قلت: أنا، وذلك ليلة سبع وعشرين (٣).
ورواه ابن أبي شيبة عن عمر وحذيفة وناس من الصحابة (٤).