حكاه قاضي (أ) خان وأبو بكر الداري منهم، وروي مثله عن ابن مسعود وابن عباس وعكرمة وغيرهم، وزيف المهلب هذا القول، وقال: لعل صاحبه بناه على دوران الزمان لنقصان الأهلة، وهو فاسد لأن ذلك لم يعتبر في غيره حتى تنتقل ليلة القدر عن رمضان، انتهى.
ومأخذ ابن عباس كما ثبت في "صحيح مسلم" عن أبي بن كعب أنه أراد أن لا يتكل الناس (١).
الخامس: أنها مختصة برمضان ممكنة في جميع لياليه، وهو قول ابن عمر، رواه ابن أبي شيبة بإسنادٍ صحيح عنه، وروي مرفوعًا عنه، أخرجه أبو داود (٢)، وفي شرح الهداية الجزم به عن أبي حنيفة، وقال به ابن المنذر والمحاملي وبعض الشافعية، ورجحه السبكي في شرح المنهاج، وحكاه ابن الحاجب رواية، وقال السروجي في شرح الهداية قول أبي حنيفة أنها تنتقل في جميع رمضان، وقول صاحبَيْه أنها في ليلة معينة مبهمة، وكذا قال النسفي في المنظومة:
وليلة القدر بكل الشهر ... دائرة وعيناها فادرِ
انتهى.
وهذا القول حكاه ابن العربي عن قوم وهو السادس.
السابع: أنها أول ليلة من رمضان حكي عن أبي رزين (ب) الصحابي، وروى ابن أبي عاصم من حديث أنس قال: "ليلة القدر أول ليلة من
стр. 1752
رمضان" وقال ابن أبي عاصم: "لا نعلم أحدًا قال ذلك غيره".
الثامن: أنها ليلة النصف من رمضان حكاه شيخنا سراج الدين بن الملقن في "شرح العمدة"، والذي رأيته في "المُفهِم" للقرطبي حكاية قول أنها (أ) ليلة النصف من شعبان، وكذا نقله السروجي عن صاحب "الطراز"، فإن كانا محفوظَيْن فهو القول التاسع، ثم رأيت في شرح السروجي من المحيط أنها في النصف الأخير.
العاشر: أنها ليلة سبع عشرة (ب) من رمضان، وروى ابن أبي شيبة والطبراني من حديث زيد بن أرقم قال: بلا شك ولا امتراء أنها ليلة سبع عشرة من رمضان ليلة أنزل القرآن، وأخرجه أبو داود عن ابن مسعود أيضًا (١).
الحادي عشر: أنها مبهمة في العشر الوسط حكاه النووي وعزاه الطبري لعثمان بن أبي العاص، والحسن البصري، وقال به بعض الشافعية.
الثاني عشر: أنها ليلة ثمان عشرة قرأته بخط القطب الحلبي في شرحه، وذكره ابن الجوزي في مشكِلِه.
الثالث عشر: أنها ليلة تسع عشرة، رواه عبد الرزاق عن علي (٢) وعزاه الطبري لزيد بن ثابت، ووصله الطحاوي عن ابن مسعود.
الرابع عشر: أنها أول ليلة من العشر الأخير (جـ)، وإليه مال الشافعي،
стр. 1753
وجزم به جماعة من الشافعية، ولكن قال السبكي ليس مجزومًا به عندهم لاتفاقهم على عدم حنث من علق يوم العشرين عتق عبده في ليلة القَدْر أنه لا يعتق تلك الليلة بل بانقضاء الشهر على الصحيح بناء على أنها في العشر الأخير، وقيل بانقضاء السنة بناء على أنها لا تختص بالعشر الأخير بل هي في رمضان.
الخامس عشر: مثل الذي قبله إلا أنه إن كان الشهر تامًّا فهي ليلة العشرين وإن كان ناقصًا فهي ليلة أحد وعشرين، وهكذا في جميع العشرة وهو قول ابن حزم، وزعم أنه يجمع بين الأخبار بذلك ويدل له ما رواه أحمد والطحاوي من حديث عبد الله بن أنيس قال سمعت رسول الله ﷺ يقول (أ): "التمسوها الليلة". قال: وكانت تلك الليلة ثلاث وعشرين، فقال رجل: هذه أولى ثمان تبقين (ب)، فقال: "بل أولى سبع بقين، فإنَّ هذا الشهر لا يتم" (١).
السادس عشر: إنها ليلة اثنين وعشرين، وستأتي حكايته بعد، وروى أحمد من حديث عبد الله بن أنيس أنه سأل رسول الله ﷺ عن ليلة القدر، وذلك صبيحة إحدى وعشرين، فقال: كم الليلة؟ قلت: ليلة اثنين؟ فقال (جـ): هي الليلة أو القابلة.
السابع عشر: أنها ليلة ثلاث وعشرين، رواه مسلم عن عبد الله بن أنيس مرفوعًا: "رأيت ليلة القدر ثم أنسيتها" (٢) فذلك مثل حديث أبي
стр. 1754
سعيد، لكنه قال فيه "ثلاث وعشرين" بدل "إحدى وعشرين"، وعنه قال: قلث يا رسول الله إنَّ لي بادية أكون فيها فمرني بليلة. قال: "أنزل ليلة ثلاث وعشرين". ورواه ابن إسحاق في مسنده من طريق أبي حازم عن رجل من بني بياضة له صحبة مرفوعًا، وروى عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر مرفوعًا: "من كان متحريها فليتحرها ليلة سابعه" (١) قال فكان أيوب يغتسل ليلة ثلاث وعشرين ويمس الطيب. وعن ابن جريج عن عبيد الله (أابن أبي يزيد عن ابن عباس أنه كان يوقظ أهله ليلة ثلاث وعشرين (٢).
وروى عبد الرزاق من طريق يونس بن سيف سمع ابن المسيب يقول: "استقام قول القوم على أنها ليلة ثلاث وعشرين" (٣) من طريق إبراهيم عن الأسود عن عائشة، ومن طريق مكحول أنه كان يراها ليلة ثلاث وعشرين.
الثامن عشر: أنها ليلة أربع وعشرين كما تقدم من حديث ابن عباس في هذا الباب، وروى الطيالسي من طريق أبي نضرة عن ابن مسعود مرفوعًا "ليلة القدر ليلة أربع وعشرين" وروي ذلك عن ابن مسعود والشَّعْبي والحسن وقتادة وحجتهم حديث واثلة "أن القرآن نزل لأربع وعشرين من رمضان" وروى أحمد من طريق ابن لَهيعَة عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن الصنابحي عن بلال مرفوعًا: "التمسوها ليلة القدر ليلة أربع وعشرين" وقد أخطأ ابن لهيعة في رفعه، فقد رواه عمرو (ب) بن الحارث
стр. 1755
ابن يزيد بهذا الإسناد موقوفًا بغير لفظه كما سيأتي في أواخر المغازي بلفظ: "ليلة القدر أول السبع من العشر الأواخر".
التاسع عشر: أنها ليلة خمس وعشرين، حكاه ابن العربي في العارضة، وعزاه ابن الجوزي في "المشكِل" لأبي بكرة.
العشرون: أنها ليلة ست وعشرين، وهو قول لم أره صحيحًا إلا أنَّ عياضًا قال: ما من ليلة من ليالي العشر الأخير (أ) إلا وقد قيل أنها فيه.
الحادي والعشرون: أنها ليلة سبع وعشرين، وهو الجادة من مذهب أحمد، ورواية من الفتح عن أبي حنيفة، وبه جزم أبي بن كعب، وحلف عليه، كما أخرجه مسلم (١)، وروى مسلم أيضًا من طريق أبي حازم عن أبي هريرة قال: تذاكرنا ليلة القدر فقال رسول الله ﷺ "أيكم يذكر حين طلع القمر كأنه شِقُّ جَفْنة" (٢).
قال أبو الحسين الفارسي: أي ليلة سبع وعشرين، فإن القمر يطلع فيها بتلك الصفة.
وروى الطبراني من حديث ابن مسعود سئل رسول الله ﷺ عن ليلة القدر، فقال: "أيكم يذكر ليلة الصهباوات؟ " قلت: أنا، وذلك ليلة سبع وعشرين (٣).
ورواه ابن أبي شيبة عن عمر وحذيفة وناس من الصحابة (٤).
стр. 1756
وفي الباب عن ابن عمر عند مسلم "رأى رجل ليلة القدر ليلة سبع وعشرين" (١).
ولأحمد من حديثه كل مرفوعًا "ليلة القدر ليلة سبع وعشرين" (٢).
ولابن المنذر"من كان متحريها فليتحرها ليلة سبع وعشرين". وعن جابر بن سمرة نحوه، أخرجه الطبراني في الأوسط، وعن معاوية نحوه (٣)، أخرجه أبو داود، وحكاه صاحب الحلية من الشافعية عن أكثر العلماء، وقد تقدم استنباط ابن عباس عند عمر فيه وموافقته له، وزعم ابن قدامة أن ابن عباس استنبط ذلك من عدد كلمات السورة وقد وافق أن قوله ﴿فِيهَا﴾ (٤) هي سابع كلمة بعد العشرين، وهذا نقله ابن حزم عن بعض المالكية وبالغ في إنكاره.
ونقله ابن عطية في تفسيره وقال: إنه من ملح التفاسير وليس من سنن العلم، واستنبط بعضهم ذلك من جهة أخرى فقال: ليلة القدر تسعة أحرف، وقد أعيدت في السورة ثلاث مرات وذلك سبع وعشرون. وقال صاحب الكافي من الحنفية وكذا المحيط من قال لزوجته أنت طالق ليلة القدر طلقت ليلة سبع وعشرين لأن العامة تعتقد أنها ليلة القدر (٥).
الثالث والعشرون: أنها ليلة تسع وعشرين حكاه ابن العربي.
стр. 1757
الرابع والعشرون: أنها ليلة الثلاثين حكاه عياض والسروجي في شرح الهداية، ورواه محمد بن نصر والطبري عن معاوية وأحمد من طريق أبي سلمة عن أبي هريرة.
الخامس والعشرون: أنها في أوقات العَشْر الأخيرة، وعليه يدل حديث عائشة وغيرها في هذا الباب، وهو أرجح الأقوال وصار إليه أبو ثور والمُزَني وابن خزيمة وجماعة من علماء المذهب.
السادس والعشرون: مثله بزيادة الليلة الأخيرة، رواه الترمذي من حديث أبي بكرة وأحمد من حديث عبادة بن الصامت.
السابع والعشرون: ينتقل في العشر الأخيرة كلها، قاله أبو قلابة، ونص عليه مالك والثوري وأحمد وإسحاق، وزعم الماوردي أنه متفق عليه، وكأنه (أ) أخذه من حديث ابن عباس أن الصحابة اتفقوا على أنها في العشر الأخير وحديث أبي سعيد أن جبريل ﵇ قال للنبي ﷺ لما اعتكف العشر الأوسط "إن الذي تطلب أمامك" وتقدم ذكر اعتكافه ﷺ العشر الأخير في طلب ليلة القدر، واعتكاف أزواجه بعده، والاجتهاد فيه كما في الباب الذي بعده.
واختلف القائلون فمنهم من قال هي فيه محتملة على حد سواء، نقله الرافعيُّ عن مالك، وضعفه ابن الحاجب، ومنهم من قال بعض لياليه أرجى من بعض، فقال الشافعي أرجاه ليلة إحدى وعشرين وهو القول الثامن والعشرون، وقيل أرجاه ليلة ثلاث وعشرين وهو القول التاسع والعشرون، وقيل أرجاه ليلة سبع وعشرين، وهو القول الثلاثون.
الحادي والثلاثون: أنها تنتقل في جميع السبع، وقد تقدم المراد منه
стр. 1758
في حديث ابن عمر هل المراد الليالي السبع من آخر الشهر أواخر سبعة تعد من الشهر، ويخرج من ذلك [وهو] (أ) القول الثاني والثلاثون.
الثالث والثلاثون: أنها تنتقل في النصف الأخير، ذكره صاحب المحيط عن أبي يوسف ومحمد، وحكاه إمام الحرمين عن صاحب التقريب.
الرابع والثلاثون: أنها ليلة ست عشرة أو سبع عشرة، رواه الحارث ابن أبي أسامة من حديث عبد الله بن الزبير.
الخامس والثلاثون: أنها ليلة سبع عشرة أو تسع عشرة، أو إحدى وعشرين، رواه سعيد بن منصور من حديث أنس بإسناد ضعيف (١).
السابع والثلاثون: أنها أول ليلة أو تاسع ليلة أو سابع عشرة [أو إحدى وعشرين أو آخر ليلة. رواه ابن مردويه في تفسيره عن أنس بإسناد ضعيف.
القول الثامن والثلاثون: أنها ليلة تسع عشرة أو إحدى عشرة أو] (ب) ثلاث وعشرون، رواه أبو داود (٢) من حديث ابن مسعود بإسناد فيه مقال، وعبد الرزاق من حديث علي (جـ) بسندٍ منقطع (٣)، وسعيد بن
стр. 1759
منصور من حديث عائشة بسندٍ منقطع أيضًا (أ).
التاسع والثلاثون: ليلة ثلاث وعشرين أو سبع وعشرين وهو مأخوذ من حديث ابن عباس في الباب حيث قال: سبع يبقين أو سبع (ب) يمضين، ولأحمد من حديث النعمان بن بشير سابعة تمضي أو سابعة تبقى، قال النعمان: فنحن نقول ليلة سبع وعشرين، وأنتم تقولون ليلة ثلاث وعشرين.
الأربعون: ليلة إحدى وعشرين أو ثلاث وعشرين أو خمس وعشرين كما سيأتي في الباب الذي بعده من حديث عبادة بن الصامت، ولأبي داود من حديث بلفظ "تاسعة تبقى سابعة تبقى خامسة تبقى" (١) قال مالك في المدونة في قوله "تاسعة تبقى" ليلة إحدى وعشرين إلى آخره.
الحادي والأربعون: أنها منحصرة في السبع الأواخر من رمضان لحديث ابن عمر في الباب الذي قبله.
الثاني والأربعون: أنها ليلة اثنتين وعشرين أو ثلاث وعشرين لحديث عبد الله وابن أنيس عند أحمد (٢).
الثالث والأربعون: أنها في أشفاع العشر الوسط والعشر الأخير، قرأته بخط مغلطاي.
الرابع والأربعون: أنها ليلة الثالثة من العشر الأخير، أو الخامسة منه، رواه أحمد من حديث معاذ بن جبل، والفرق بينه وبين ما تقدم أن الثالثة
стр. 1760
تحتمل ثلاث وعشرين، وتحتمل ليلة سبعة وعشرين، وبهذا يتغاير هذا القول فيما مضى.
الخامس والأربعون: أنها في سبع أو ثمان من أول النصف الثاني روى الطحاوي من طريق عطية بن عبد الله بن أنيس عن أبيه أنه سأل النبي ﷺ عن ليلة القدر، فقال: "تحروها في النصف الأخير" ثم عاد فسأله فقال: "إلى ثلاث وعشرين" قال: فكان عبد الله يُحيي ليلة ست عشرة إلى ليلة ثلاث وعشرين ثم يقصر، وجميع هذه الأقوال التي حكيناها من الثالث متفقة على إمكان حصولها والحث على التماسها.
وقال ابن العربي: الصحيح أنها لا تعلم، وهذا يصلح أن يكون قولًا آخر وأنكر هذا النووي، وقال قد تضافرت الأحاديث بإمكان العلم بها، وأخبر به جماعة من الصالحين فلا معنى لإنكار ذلك، ونقل الطحاوي عن أبي يوسف قولًا جوز منه أنه يرى أنها ليلة أربع وعشرين أو سبع وعشرين، فإن ثبت ذلك فهو قول آخر، وهذا آخر ما وقفت عليه من الأقوال، وبعضها يمكن رده إلى بعض، وإن كان ظاهرها التغاير، وأرجحها كلها أنها في وتر العشر الأخير، وأنها تنتقل كما يفهم من أحاديث هذا الباب، وأرجاها أوتار، الوتر عند الشافعية إحدى وعشرين أو ثلاث وعشرين على ما في حديثي أبي سعيد وعبد الله بن أنيس، وأرجاها عند الجمهور ليلة سبع وعشرين وقد تقدمت أدلة ذلك. انتهى ما ذكره المصنف ﵀ بحروفه وقد استكملته لجمعه لهذه الفوائد التي تعسر الاطلاع عليها.
قال العلماء: والحكمة في إخفاء ليلة القدر ليحصل الاجتهاد بخلاف ما لو عينت لها ليلة لاقتصر عليها، وقد تقدم مثل ذلك في ساعة الجمعة، والله أعلم.
стр. 1761
٥٤٦ - وعن عائشة ﵂ قالت: قلت يا رسول الله أرأيت إِن علمت أي ليلة القدر ما أقول فيها؟ قال: "قولي اللهم إِنك عفو تحب العفو فاعف عني" رواه الخمسة غير أبي داود وصححه الترمذي والحاكم (١).
الحديث فيه دلالة على أن ليلة القدر يمكن معرفتها في وقتها، وقد قيل إن المطلع عليها يرى كل شيء ساجد، أو قيل الأنوار في كل مكان ساطعة حتى في المواضع المظلمة، وقيل يسمع كلامًا أو خطابًا من الملائكة، وقيل علامتها استجابة دعاء من وقعت له، وقال الطبري: ذلك غير لازم، وأنها قد تحصل ولا يرى شيء ولا يسمع، واختلفوا هل يحصل الثواب المرتب عليها لمن اتفق له أنه قامها وإن لم يظهر له شيء أو توقف ذلك على كشفها؟ ذهب إلى الأول المهلب والطبري وابن العربي وجماعة، وإلى الثاني ذهب الأكثرون، ويدل له ما وقع عند مسلم (٢) في حديث أبي هريرة بلفظ: "من يَقُم ليلة القدر فيوافقها. . . .".
وفي حديث عبادة: "من قامها إيمانًا واحتسابًا ثم وقعت له".
قال النووي: معنى يوافقها يعلم أنها ليلة القدر، ويحتمل أن يكون المراد يوافقها في نفس الأمر وإن لم يعلم ذلك.
وفي حديث زر بن حبيش عن ابن مسعود ﵁ قال: "من يَقُم الحول يُصِب ليلة القدر" (٣) وهو محتمل للقولين أيضًا، ورجح
стр. 1762
المصنف -رحمه الله تعالى- أن المعنى من الموافقة هو مصادفتها في نفس الأمر وإن لم يعلم بذلك. قال: ولا أنكر حصول الثواب الجزيل لمن قام لابتغاء ليلة القدر، وإن لم يوفق له، وإنما الكلام على حصول الثواب المعين الموعود به، وفرعوا على القول بأنها تعلم أنها تكشف لواحد ولا تكشف لآخر، ولو كانا معًا في بيت واحد، ويجوز أن يختص الله بالكرامة من يشاء من عباده، ولا يلزم أيضًا أن يكون من رأى الأمر الخارق أعظم كرامة ممن لم يره، فإن العبرة بالاستقامة، وصورة الكرامة قد تكون فتنة لمن لا يكون أهلًا للكرامة، والنبي ﷺ لم يحصر العلامة ولم ينف الكرامة، وقد كانت العلامة في السنة التي حكاها أبو سعيد بنزول المطر (١)، ونحق نرى كثيرًا من السنين ينقضي رمضان من دون مطر.
وروي عن أبي الحسن الجزولي المغربي أنه اعتبر ليلة القدر فلم تفته في طول عمره، وأنها تكون دائمًا ليلة الأحد، فإن كان أول الشهر ليلة الأحد كانت ليلة تسع وعشرين.
وقال بعض من تأخر عنه أنها تكون دائمًا ليلة الجمعة، وذكر مثل قول أبي الحسن، وكلاهما لا أصل له، والله أعلم.
٥٤٧ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تُشد الرحال إِلا إِلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى" متفق عليه (٢).
стр. 1763
قوله "لا تُشد" بضم أوله، ولا للنفي، والمراد به النهي مجازًا للمبالغة في النهي كأنه قال: لا يستقيم أن يقصد بالزيارة إلا هذه البقاع لاختصاصها بما اختصت به، والرحال جمع رحل وهو للبعير كالسرج للفرس، وكنى به عن السفر لكونه لازمه في الأغلب، وفي بعض الألفاظ: "إنما يسافَر .... " (١) والاستثناء مفرغ بقدر عام مدلول عليه لخصوصه بقرينة الاستثناء، والمعنى لا تشد إلى مسجد إلا متقرب فيه للعبادة، والحرام يعني المحرم، كالكتاب بمعنى المكتوب، وهو صفة للمسجد وهو مجرور على البدلية، والمراد بالمسجد الحرام، ويؤيده قوله: "مسجدي هذا" حيث عينه وأراد به موضع الصلاة المعروف بنسبته إليه، وأطلق على الحرام اسم المسجد دلالة على أنه جميعه محل العبادة والتقرب، ويدل على هذا ما رواه أبو داود الطيالسي من طريق عطاء أنه قيل له هذا الفضل في المسجد وحده أو في الحرم؟ قال: بل في الحرم لأنه كله مسجد، وسيأتي استيفاء الخلاف فيه في آخر الحج في حديث "صلاة في مسجدي والمسجد الأقصى" المراد بيت المقدس، وسمي الأقصى لبعده عن المسجد الحرام في المسافة، وقيل في الزمان.
وقال الزمخشري: سمي الأقصى لأنه لم يكن حينئذٍ وراءه مسجد، وقيل لبعده عن الأقذار والخبث وقيل هو أقصى بالنسبة إلى مسجد المدينة لأنه بعيد من مكة، وبيت المقدس أبعد منه ولبيت المقدس عدة أسماء تقرب من العشرين منها: إيلياء بالمد والقصر، وبحذف الياء الأولى وعن ابن عباس إدخال الألف واللام على هذا الثالث، وبيت المقدس بسكون القاف وبفتحها مع التشديد، والقُدس بغير ميم مع ضم القاف وسكون الدال وبضمها، وشلم بالمعجمة وتشديد اللام، وبالمهملة، وشلام
стр. 1764
بمعجمة، وسَلِم بفتح المهملة وكسر اللام الخفيفة، وأوْرِي سلم بسكون الواو وكسر الراء بعدها تحتانية ساكنة، وأوري سلم، وكورة وبيت أيل، وصهيون، ومصروث آخره مثلثة، وكورشيلا وبابوش بموحدتين ومعجمة (١).
والحديث فيه دلالة على فضيلة هذه المساجد ومزيتها على غيرها لكونها مساجد الأنبياء، ولأن (أ) الكعبة قبلة الناس وإليها الحاج، وبيت المقدس كان قبلة الأمم السالفة، ومسجد المدينة أسس على التقوى.
وظاهر الحديث أنه يحرم قصد ما عدا الثلاثة بالسفر لقصد التقرب كزيارة الصالحين أحياء وأمواتًا، والمواضع الفاضلة لقصد التبرك بها والصلاة فيها، وقد ذهب إلى هذا الشيخ أبو محمد الجويني، وأشار القاضي حسين إلى اختياره، وبه قال عياض وطائفة، ويدل عليه ما رواه أصحاب السنن من إنكار أبي نضرة الغفاري على أبي هريرة من خروجه إلى الطور، وقال: لو أدركتك قبل أن تخرج ما خرجت، واستدل بهذا الحديث، ووافقه أبو هريرة، وذهب الجمهور إلى أن ذلك مُحَرَّم، قالوا: والحديث مؤول بمعنى أنه لا ينبغي شد الرحال إلا إليها لكمال فضل ذلك بخلاف غيرها فإنه لا يساويها في الفضيلة، وحق العاقل أن يختار ما هو الأفضل، ويتأيد هذا التأويل بما رواه أحمد من طريق شهر بن حوشب قال: سمعت أبا سعيد وذكرت عنده الصلاة في الطور قال: قال رسول الله ﷺ : "لا ينبغي للمطيِّ أن تشد رحاله إلى مسجد يبتغي فيه الصلاة غير المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي" (٢).
وشهر حسن الحديث وإن كان فيه بعض الضعف، وقد تؤول بقصدها
стр. 1765
للاعتكاف فيها حكاه الخطابي عن بعض السلف، وهو مروي عن حذيفة بن اليمان، أن الاعتكاف يختص بالمساجد الثلاثة، وعطاء خص الاعتكاف بمسجدي مكة والمدينة، وابن المسيب بمسجد المدينة.
واختلف العلماء فيمن نذر بإتيان هذه المساجد، فذهب إلى لزوم النذر مالك وأحمد والشافعي في البويطي، واختاره أبو (أ) إسحاق المروزي، واختاره الإمام يحيى، وقال أبو حنيفة: لا يجب مطلقًا، وقال الشافعي في الأم: يجب في المسجد الحرام بخلاف المسجدين الآخرين لتعلق النسك به، فله أصله في الوجوب، وهو مذهب الهادوية، واستدل به على أنه لا يلزم بالنذر إلى غيرها من المساجد شيء وهو قول الأكثر، وروي عن الليث أنه قال: يجب الوفاء بالنذر، وعن الحنابلة يلزم كفارة يمين، ولا ينعقد النذر، وعن المالكية رواية إن تعلقت به عبادة تختص به كرباط لزم، وإلا فلا، وذكر عن محمد بن مسلمة المالكي أنه يلزم في مسجد قباء لأن النبي ﷺ كان يأتيه كل سبت (١).
تتمة: الحديث فيه دلالة على تفاضل الثلاثة مساجد، وأن مسجد مكة أفضل من مسجد المدينة، وهذا يتأيد بحديث ابن الزبير، أخرجه أحمد وصححه ابن حبان من طريق عطاء قال: قال رسول الله ﷺ : "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة في هذا".
وفي رواية ابن حبان: "أفضل من مائة صلاة في مسجد المدينة".
стр. 1766
قال ابن عبد البر: اختلف على ابن الزبير في رفعه ووقفه، ورفعه أحفظ، وعند الطبراني والبزار من حديث أبي الدرداء وقفه: "الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، والصلاة في مسجدي بألف صلاة، والصلاة في بيت المقدس بخمسمائة صلاة" قال البزار: وإسناده حسن، قال ابن عبد البر: وزعم بعض أصحابنا أن الصلاة في مسجد المدينة أفضل من الصلاة في مسجد مكة بمائة صلاة، واحتج برواية سليمان بن عتيق عن ابن الزبير عن عمر قال: "صلاة في المسجد الحرام خيرٌ من مائة صلاة فيما سواه" وتعقب بأن المحفوظ بهذا الإسناد إنما هو بلفظ: "صلاة في المسجد الحرام أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا مسجد الرسول، فإنما فضله عليه بمائة صلاة".
ورواه عبد الرزاق عن ابن جريج قال أخبرني سليمان بن عتيق وعطاء عن ابن الزبير أنهما سمعاه يقول: "صلاة في المسجد الحرام خير من مائة صلاة فيه" ويشىير إلى مسجد المدينة. وللنسائي عن ابن عمر مثل هذا وفي آخره "إلا المسجد الحرام فالصلاة فيه أفضل منه بمائة صلاة".
وقد استدل بهذا على أن مكة أفضل من المدينة لأن الأمكنة تشرف بفضل العبادة فيها على غيرها مما تكون العبادة فيه على وجه، وهو قول الجمهور، وحكى عن مالك وبه قال ابن وهب ومطرف بن حبيب أصحابه، لكن المشهور عن مالك وأكثر أصحابه تفضيل المدينة، واستدلوا بقوله ﷺ : "ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة" (١) مع
стр. 1767
قوله: "موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها"، ويرد هذا حديث عبد الله بن عدي بن الحمراء قال: "رأيت رسول الله ﷺ واقفًا على الحزورة فقال: والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أخرجت منك لما خرجت" وهو حديث حسن أخرجه أصحاب السنن وصححه الترمذي وابن خزيمة (أ) وابن حبان وغيرهم.
قال ابن عبد البر: هذا نص في محل الخلاف فلا ينبغي العدول عنه، واستثنى القاضي عياض البقعة التي فيها رسول الله ﷺ فحكمها الاتفاق على أنها أفضل البقاع، قال بعضهم بسبب فضل البقعة التي ضمت أعضاءه الشريفة أنه روي أن المرء يدفن في البقعة التي أخذ منها ترابه عندما يخلق، رواه ابن عبد البر في أواخر تمهيده من طريق عطاء الخراساني موقوفًا، وقد روى الزبير بن بكار "أن جبريل أخذ التراب الذي منه خلق النبي ﷺ من تراب الكعبة".
стр. 1768
كتاب الحج
باب فضله وبيان (أ) مَنْ فرض عليه
الحج في اللغة: القصد (ب) وقال الخليل: كثرة القصد إلى معظم، وفي الشرع القصد إلى بيت الله الحرام لأعمال (جـ) مخصوصة.
وهو بفتح المهملة وكسرها لغتان، ونقل الطبري أن الكسر لغة أهل نجد، والفتح لغيرهم، ونقل عن حسين الجعفي أن الفتح الاسم، والكسر المصدر، وعن غيره عكسه. ووجوب الحج معلوم من الدين ضرورة، وقام الإجماع على أنه لا يتكرر، واختلفوا في كونه على الفور أو التراخي، وهو مشهور.
وقيل إن ابتداء شرعيته كان قبل الهجرة، وهو قول شاذ، وقيل بعدها، والجمهور على أنه في سنة ست، ونزل فيها قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (١) ويكون المراد بقوله: ﴿أَتِمُّوا﴾ يعني أقيموا، وقد قرأ علقمة ومسروق وإبراهيم النخعي بلفظ: "وأقيموا" أخرجه الطبري بأسانيد صحيحة عنهم، وقيل المراد بالإتمام الإكمال بعد الشروع، وهذا يقتضي تقدم فرضيته، وفي كلام الواقدي ما يدل على أنه متقدم على سنة خمس أو فيها، وذكر ابن القيم في "الهدي" أنه فُرض سنة تسع أو عشر قال: وأما قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ فإنها وإن نزلت سنة ست عام الحديبية فليس فيها فرضية الحج، فإنما فيها الأمر بإتمامه،
стр. 1769
وإتمام العمرة بعد الشروع فيها ذلك لا يقتضي وجوب الابتداء، قال: لأن صدر سورة آل عمران نزل عام الوفود وفيه قدم وفد نجران على رسول الله ﷺ وصالحهم على أداء الجزية، والجزية إنما نزلَتْ عام تبوك سنة تسع، وفيها نزلت صدر آل عمران، وناظر أهل الكتاب ودعاهم إلى المباهلة، ويدل عليه أن أهل مكة وجدوا في نفوسهم بما فاتهم من التجارة من المشركين لما أنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (١) فأعاضهم الله من ذلك بالجزية، ونزول هذه الآيات والمناداة بها إنما كانت في سنة تسع، وبعث الصديق يؤذن بذلك في مكة في مواسم الحج، وأردفه بعلي ﵁ وقد قال به غير واحد من السلف، انتهى كلامه.
٥٤٨ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "العمرة إِلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إِلا الجنة" متفق عليه (٢).
قوله "العمرة إِلى العمرة" العمرة في اللغة: الزيارة، وقيل القصد، وفي الشرع: هي إحرام وطواف وسعي وحلق أو تقصير، وسميت بذلك لأنه يزار البيت الحرام، أو يقصد، أو لكونها تقع في العمر مرة، أو لكونها في مكان عامر، وفي قوله: "العمرة إلى العمرة" دلالة على أنه لا كراهة في تكرار الاعتمار بل إنه يستحب ذلك خلافًا للمالكية، فإنهم قالوا يكره في السنة أكثر من عمرة واحدة، وبعضهم قال في الشهر، واستدل له بأنه ﷺ لم يفعلها إلا من سنة إلى سنة، وأفعاله عندهم
стр. 1770
تحمل على الوجوب أو الندب، وقد أجيب عنه بأنه عرف من فعله ﷺ أنه كان يترك الشيء وهو يستحب فعله لدفع المشقة عن أمته، وقد ندب إلى ذلك بلفظه، وظاهر الحديث عموم الأوقات لشرعيتها في جميع الأوقات، وقد ذهب إلى هذا الجمهور منهم الشافعي في غير من هو متلبس بالحج، وذهب الهادي إلى كراهتها في أيام التشريق لأمر علي ﵁ لمن أحرم بها في أيام التشريق برفضها قال الإمام المهدي، والأصح لمذهب الهادوية أنها تكره في يوم النحر وأيام التشريق، وزاد أبو حنيفة يوم عرفة معها لقول عائشة: "إلا يوم عرفة" وهو توقيف، ورد عليه أبو يوسف بأن يوم عرفة لا يبطل فيه شيء من أعمال الحج فلا يكره فيه. ونقل الأثرم عن أحمد إذا اعتمر فلا بد أن يحلق أو يقصر، فلا يعتمر بعد ذلك إلى عشرة أيام ليمكن حلق الرأس فيها.
قال ابن قدامة (١): هذا يدل على كراهة الاعتمار عنده دون عشرة أيام، والظاهر ما ذهب إليه الشافعي وفي (أ) قوله: "كفارة لما بينهما" دليل على فضيلة الاعتمار، أنها مكفرة للسيئات.
ما قال (ب) ابن عبد البر: والمراد تكفير الصغائر دون الكبائر، قال: وذهب بعض العلماء من عصرنا إلى تعميم ذلك، ثم بالغ في الإنكار عليه، وقد تقدم نظير ذلك في الصيام.
وقوله: "الحج المبرور" اختلف في تفسيره، فقال ابن خالويه: هو المقبول، وقال غيره: الذي لا يخالطه شيء من الإثم، ورجحه النووي (٢)،
стр. 1771
وقيل إنه الذي تظهر ثمرته على صاحبه بأن يكون حاله بعد خيرًا من حاله قبله.
ولأحمد والحاكم من حديث جابر. قالوا (أ): يا رسول الله: ما بر الحج؟ قال: "إطعام الطعام وإفشاء السلام" (١).
وفي إسناده ضعف، فلو ثبت لكان هو المتعين دون غيره.
٥٤٩ - وعن عائشة ﵂ قالت: "قلت: يا رسول اللَّه على النساء جهاد؟ قال: نعم عليهن جهاد لا قتال فيه الحج
стр. 1772
والعمرة" رواه أحمد وابن ماجه (١) واللفظ له، وإسناده صحيح، وأصله في الصحيح الذي في صحيح البخاري بلفظ أنها قالت: "يا رسول الله نرى الجهاد أفضل العمل (أ) فلا نجاهد قال: لكن أفضل الجهاد حج مبرور" (٢).
الحديث فيه دلالة على فضيلة الحج والعمرة وأنهما في حق المرأة يجبران ما فاتها من فضيلة الغزو.
٥٥٠ - وعن جابر بن عبد الله ﵁ قال: "أتى النبي ﷺ أعرابي، فقال: يا رسول الله أخبرني عن العمرة أواجبة هي؟ فقال: لا، وأن تعتمر خير لك" رواه أحمد والترمذي والراجح وقفه، وأخرجه ابن عدي من وجه آخر ضعيف (٣).
في إسناد الحديث الحجاج بن أرطاة، وهو ضعيف (٤)، قال البيهقي (٥): "المحفوظ عن جابر موقوفًا" وقال: "وروي عن جابر مرفوعًا بخلاف
стр. 1773
ذلك" يعني حديث ابن لهيعة عن جابر، وابن لهيعة ضعيف، والترمذي حسن الحديث في جميع الروايات عنه إلا في رواية الكروخي فقط فإن فيها "حسن صحيح"، وفي تصحيحه نظر من أجل الحجاج فإن الأكثر على تضعيفه، والاتفاق على تدليسه، وقال النووي: ينبغي ألا يغتر بكلام الترمذي في تصحيحه، فقد اتفق جمع من الحفاظ كزائدة وابن المبارك وابن مهدي ويحيى القطان، ويحيى بن معين وأحمد بن حنبل وغيرهم على تضعيفه، وقد نقل الترمذي (١) عن الشافعي أنه قال: "ليس في العمرة شيء ثابت بأنها تطوع"، وأفرط ابن حزم فقال: إنه مكذوب باطل (٢).
وأخرجه البيهقي (٣) من طريق أخرى وفيها عبيد الله بن أبي الزبير، وقد تفرد به، وطريق ابن عدي فيها أبو عصمة، وأبو عصمة كذبوه (٤). وفي الباب عن أبي صالح الحنفي أن رسول الله ﷺ قال: "الحج جهاد والعمرة تطوع" أخرجه الشافعي وأخرجه الدارقطني وابن حزم والبيهقي (٥)، وإسناده ضعيف (أورواه ابن ماجه من حديث طلحة وإسناده ضعيفًا أ)، والبيهقي (٦) من حديث ابن عباس ولا يصح من ذلك شيء.
والحديث متأيد أيضًا بما أخرجه الطبراني عن أبي أمامة مرفوعًا "من
стр. 1774
مشى إلى صلاة مكتوبة فأجره كحجة، ومن مشى إلى صلاة تطوع فأجره كعمرة" (١).
الحديث فيه دلالة على أن العمرة غير واجبة وأنها سنة، وقد ذهب إلى هذا القاسم وزيد بن علي وأبو حنيفة وأصحابه، وهو المشهور عن المالكية، وغير المشهور عن الشافعي، إلا أن أبا حنيفة يقول: هي تطوع، وبه قال داود.
٥٥١ - وعن جابر ﵁ مرفوعًا: "الحج والعمرة فريضتان". الحديث لم يذكر المصنف -رحمه الله تعالى- من أخرجه، وهو من رواية ابن عدي والبيهقي من حديث ابن لهيعة عن عطاء عن جابر (٢)، وقال ابن عدي: هو غير محفوظ عن عطاء، وأخرجه الدارقطني من حديث زيد بن ثابت بزيادة: "لا يضرك بأيهما بدأت" (٣) وفي إسناده إسماعيل بن مسلم المكي وهو ضعيف (٤)، وهو عن ابن سيرين عن زيد وهو منقطع.
وأخرجه البيهقي من طريق ابن سيرين عن زيد مرفوعًا، وإسناده أصح، وصححه الحاكم (٥).
وفي الباب حديث عائشة المتقدم في حق النساء.
стр. 1775
وأخرج الترمذي من حديث أبي رزين العقيلي: "احجج عن أبيك واعتمر" (١).
وفي حديث عمر في سؤال جبريل عن الإيمان "وأن تحج وتعتمر" (٢).
والحديث فيه دلالة على وجوب العمرة، وقد ذهب إلى هذا ابن عمر رواه عنه البخاري تعليقًا (٣) قال: "ليس أحد إلا وعليه حجة وعمرة".
وأخرجه موصولًا عنه ابن خزيمة والدارقطني والحاكم أن ابن عمر كان يقول: "ليس من خلق الله أحد إلا وعليه حجة وعمرة واجبتان من استطاع إليه سبيلًا، فمن زاد شيئًا فهو خير وتطوع".
وقال سعيد بن أبي عروبة في المناسك (٤) عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال: "الحج والعمرة فريضتان".
وعلق البخاري (٥) أيضًا عن ابن عباس "إنها لقرينتها في كتاب الله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ " (٦).
ووصله الشافعي وسعيد بن منصور، والحاكم (٧) أخرج عنه أيضًا: "الحج والعمرة فريضتان" بإسناد ضعيف، وأنث الضمير في قوله: "إنها لقرينتها" لما كان الحج فريضة فاعتبر ذلك.
стр. 1776
وصرح بالوجوب البخاري (١) فبوب على ذلك، وبالوجوب قال الشافعي وأحمد وأبو ثور وأبو عبيد والثوري والأوزاعي.
وروي في "الجامع الكافي" القول بوجوب العمرة عن علي وعمر وعائشة وعلي بن الحسين وسعيد بن جبير ومجاهد وعطاء وطاوس والحسن وابن سيرين. وروي عن علي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾ (٢): إتمامهما إفرادهما مؤتنفتان من أهلك.
وروي عن محمد بن منصور أن في كتاب عمرو بن حزم العمرة هي الحج الأصغر. وأجيب عن ذلك من لم يقل بالوجوب بقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ (٣) وبما تقدم من حديث جابر فإنه صريح في عدم الوجوب وبأن قوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾ لا يفهم الوجوب لأن الإتمام متفق على وجوبه بعد الإحرام بالعمرة وإن كانت تطوعًا وبقوله ﷺ في قصة حجته: "دخلت العمرة في الحج" على أحد التأويلات فإنه قيل في معناه أنها دخلت في الحج بمعنى أن أعمال الحج مغنية عنها، وتأويل ما يدل على الوجوب بأنه للمبالغة في شرعيتها حتى كأنها واجبة بجامع تأكيد المحافظة على فعلها، والتأويل ممكن بخلاف ما تقدم من التصريح بعدم الوجوب فإن تأويل ذلك غير ممكن.
٥٥٢ - وعن أنس ﵁ قال: "قيل يا رسول الله: ما السبيل؟ قال: الزاد والراحلة" رواه الدارقطني وصححه الحاكم (٤)،
стр. 1777
والراجح إرساله، وأخرجه الترمذي من حديث ابن عمر أيضًا (١)، وفي إسناده ضعف. الحديث أخرجه الدارقطني والحاكم والبيهقي من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس عن النبي ﷺ في تفسير قوله تعالى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (٢) قال البيهقي: الصواب عن قتادة عن الحسن مرسلًا وسنده إلى الحسن صحيح، ولا أرى الموصول إلا وهمًا (٣). وقد رواه الحاكم (٤) من حديث حماد (أ) بن سلمة عن قتادة عن أنس أيضًا، إلا أن الراوي عن حماد هو أبو قتادة عبد الله بن واقد الحراني، وثقه أحمد، وقال أبو حاتم: هو منكر الحديث (٥).
ورواه الشافعي والترمذي وابن ماجه والدارقطني من حديث ابن عمر، وقال الترمذي: حسن، وفي إسناده إبراهيم بن يزيد الخوزيِّ قال فيه أحمد والنسائي: متروك الحديث (٦).
стр. 1778
ورواه ابن ماجه والدارقطني (١) من حديث [ابن] (أ) عباس، وسنده ضعيف أيضًا ورواه ابن المنذر من قول ابن عباس، ورواه الدارقطني من حديث جابر ومن حديث علي بن أبي طالب، ومن حديث ابن مسعود ومن حديث عائشة ومن حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وطرقها كلها ضعيفة (٢).
وقال أبو بكر ابن المنذر (٣): لا يثبت الحديث في ذلك مسندًا، والصحيح من الروايات رواية الحسن المرسلة.
الحديث فيه دلالة على أن الاستطاعة التي شرطها الله في وجوب الحج هي الزاد والراحلة، وأن من عدمهما أو أحدهما فلا حج عليه، وقد ذهب إلى هذا أكثر (ب) الأمة، فالزاد شرط مطلقًا والراحلة لمن داره على مسافة، وذهب ابن الزبير وطاوس وعكرمة (جـ) وعطاء ومالك بن أنس إلى أن الاستطاعة الصحة لا غير، لقوله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ (٤) فإنه فسر الزاد بالتقوى.
قال مالك: ومن عادته السؤال لزمه الحج ويسأل.
وأجيب بأن ذلك غير مراد بالآية بدليل سبب نزول الآية، والحديث
стр. 1779
المفسر للاستطاعة فإنه يدل على حقيقة الزاد، وهو وإن كان ضعيفًا ولكنه متأيد بكثرة الطرق، وفرع على ذلك الفقهاء في القدر الذي يحصل به الاستطاعة فقالوا: هو كفاية فاضلة عن كفاية العول حتى يرجع لقوله ﷺ : "كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يعول" أخرجه أبو داود (١)، وعن الثياب والمنزل والخادم لمن يعتاده للحاجة كما يستثنى للدَّيْن، قال أبو طالب: ويكفي الكسب في الأوب لا في الذهاب خشية الانقطاع ولأداء العول لذلك، والعروض كالنقد، ولا يعتبر أن يبقى له بعد الأوب شيء، وقال أبو يوسف بل كفاية سنة، وأجيب بأنه لا دليل على ذلك.
وقال الإمام يحيى والطبري وابن سريج: لا يلزم مع صنعة أو بضاعة تفيد كفايته ومن يمون لإضراره.
وقال أبو حنيفة وأكثر أصحاب الشافعي أنه يلزم بيع ذلك لأنه مستطيع ويجب قَبُول الزاد من الولد إذ لا مِنَّةَ لقوله ﷺ : "أنت ومالك لأبيك" (٢) لا من غيره للمنة.
وقال الناصر والشافعي والوافي يجب قبوله من غيره أيضًا، والإمام وغيره سواء في ذلك ولو من واجب، ولا يجب القرض والتأخر فإن استقرض أو نحوه ملك ولزمه ويصح الحج، ولو كان المال حرامًا ويأثم. وقال أحمد: لا يجزئ واستدل بأنه تغاير جهة الطاعة والمعصية، فلا مانع، والله أعلم.
٥٥٣ - وعن ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ لقي ركبانا بالروحاء فقال: "مَن القوم؟ قالوا: المسلمون، فقالوا: من أنت؟
стр. 1780
قال: رسول الله ﷺ فرَفعتْ إِليه امرأة صبيًّا فقالت: ألهذا حج؟ قال: نعم ولكِ أجر" رواه مسلم (١)، الحديث لم يخرجه البخاري لأنه ليس على شرطه، ولهذا إنه ترجم الباب بحج الصبي، وأورد فيه ما لم يكن صريحًا في المقصود (٢).
والروحاء اسم محل بينه وبين المدينة ستة وثلاثون ميلًا (٣).
قال القاضي عياض (٤): يحتمل أن يكون هذا اللقاء في الليل، ولذلك أنهم لم يعرفوا النبي ﷺ ويحتمل أن يكون نهارًا لكنهم لم يروه ﷺ قبل ذلك لعدم هجرتهم فأسلموا في بلدانهم ولم يهاجروا قبل ذلك.
الحديث فيه دلالة على صحة حج الصبي وأنه منعقد ثابت وظاهره (أ) سواء كان الصبي ممن يميز النية أولًا حيث فعل عنه وليه ما يفعل الحاج، وقد ذهب إلى هذا الجمهور من العلماء منهم الشافعي ومالك، والحديث صريح فيه، وذهب (ب) الهادوية وأبو حنيفة إلى أنه لا تنعقد نية الصغير لا في الحج ولا في غيره من سائر العبادات، وإنما أمره بذلك تعويد وتمرس فقط فلا يلزمه شيء من محظورات الإحرام.
قال الطحاوي (٥): ولا حجة في حديث ابن عباس لأنه قال: أيما غلام حج به أهله ثم بلغ فعليه حجة أخرى ثم ساقه بإسناد صحيح. والجواب
стр. 1781
عنه بأن هذا إنما يدل على أنه لا يسقط به حجة الإسلام الواجبة عليه بعد بلوغه لا على أنه لا يصح منه إذا فعله تطوعًا كما هو المدعى.
قال القاضي: أجمعوا على أنه لا يجزئه إذا بلغ عن فريضة الإسلام إلا فرقة شذت فقالت تجزئه لقوله: "نعم"، وظاهره استقامة كون حج الصغير حجًّا مطلقًا، والحج إذا أطلق تبادر منه إسقاط الواجب، ولكن العلماء ذهبوا إلى خلافه، ولعل مستندهم حديث ابن عباس وسيأتي.
وقد ذهب طائفة من أهل البدع إلى منع الصغير من الحج، قال النووي (١): وهو مردود لا يلتفت إليه لفعل النبي ﷺ وأصحابه وإجماع الأمة على خلافه، قال النووي (٢): والولي الذي يحرم عن الصبي إذا كان غير مميز هو ولي ماله وهو أبوه وجده والوصي أو المنصوب من جهة الإمام أو الحاكم، وأما الأم فلا يصح إحرامها عنه إلا أن تكون وصية أو قيمة من جهة القاضي، وقيل إنه يصح إحرامها وإحرام العصبة وإن لم يكن لهم ولاية المال، وإن كان مميزًا أذن له الولي، فإن أحرم بغير إذن الولي، أو أحرم الولي عنه لم ينعقد علي الأصح، وصفه إحرام الولي عن غير المميز أن يقول بقلبه جعلته محرمًا، انتهى. وعلى مقتضى قواعد الهادوية كذلك أنه يأمره بالإحرام ولي ماله لأنه من باب الأمر تعويد، وهو إلى ولي ماله، وهذا في المميز، وأما غير المميز فلا، إذ لا فائدة في التعويد (أ) في حقه، ولكن يرد عليهم هذا الحديث، فإن ظاهر الرفع من المرأة إنما هو في حق الصغير الذي في المهد، والأم لها ولاية الحضانة لا ولاية المال (ب)، والرجوع إلى السنة أولى من التقييد بالعلل، وفي قوله "ولك أجر" يعني
стр. 1782
أنها تستحق الثواب بسبب حملها له وتجنيبها إياه ما يجتنب المحرم، وفعله ما يفعل المحرم، والله أعلم.
٥٥٤ - وعنه -كان الفضل بن العباس ﵁ رديف رسول الله ﷺ "فجاءت امرأة من خثعم، فجعل الفضل ينظر إِليها وتنظر إِليه، وجعل النبي ﷺ يصرف وجه الفضل إِلى الشق الآخر، فقالت: يا رسول الله: إِن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخًا كبيرًا لا يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: نعم، وذلك في حجة الوداع "متفق عليه واللفظ للبخاري (١).
الحديث رواه البخاري عن الفضل بن عباس من رواية أخيه عنه (٢)، ومن رواية عبد الله بن العباس من دون توسط الفضل (٣).
قال البخاري: "وأصح شيء فيه رواية ابن عباس عن الفضل، ويحتمل أن يكون ابن عباس سمعه من الفضل ومن غيره ثم رواه بغير واسطة" (٤).
ولعله أشار بقوله ومن غيره إلى ما وقع عند أبن ماجه من طريق محمد بن كريب عن أبيه عن ابن عباس قال: أخبرني حصين بن عوف الخثعمي قال: "قلتُ: يا رسول الله إن أبي أدركه الحج ولا يستطيع أن يحج ... " الحديث (٥) وإنما رجح البخاري الرواية عن الفضل لأنه كان ردف النبي
стр. 1783
- ﷺ حينئذٍ، وكان ابن عباس قد تقدم من مزدلفة إلى منى مع الضعفة، وهذا بناء على أنه كانت القصة في النزول إلى منى إلى حضور جمرة العقبة، مع أنه يحتمل أن تكون القصة بعد الرمي، وأن ابن عباس شهد ذلك ويدل عليه ما وقع عند أحمد وابنه عبد الله والترمذي والطبراني (١) من حديث علي وابن العباس أيضًا كان شاهدًا، ولفظ أحمد عن علي قال: "وقف رسول الله ﷺ بعرفة، فقال: هذه عرفة، وهو الموقف" فذكر الحديث، وفيه "ثم أتى الجمرة فرماها ثم أتى المنحر فقال: هذا المنحر وكل منى منحر واستفتته، وفي رواية عبد الله "ثم جاءته جارية شابة من خثعم فقالت: إن (أ) أبي شيخ كبير قد أدركته فضيلة الله في الحج أفيجزئ أن أحج عنه؟ قال: "حجي عن أبيك"، ولوى عنق الفضل فقال العباس: يا رسول الله لويت عنق ابن عمك، قال: "رأيتُ شابًّا وشابة فلم آمن عليهما الشيطان".
وظاهر هذا أن العباس كان حاضرًا لذلك فلا مانع أن يكون ابنه عبد الله أيضًا كان معه، وهذا الحديث أثبتت الرواة عن ابن شهاب عن سليمان بن يسار أن السائل كان امرأة، وأنها سألت عن أبيها، وخالفه يحيى بن أبي (ب) إسحاق عن سليمان بن يسار، فاتفق الرواة عنه على أن السائل رجل، ثم اختلفوا عليه في إسناده ومتنه (٢).
стр. 1784
وقد أخرج ابن ماجه (١) من حديث كريب عن ابن عباس عن حصين الخثعمي كما تقدم، وأخرج الطبراني أيضًا من طريق عبد الله بن شداد عن الفضل أن رجلًا قال "يا رسول الله إن أبي شيخ كبير ... " الحديث.
وأخرَج ابن خزيمة من مرسل الحسن قال: بلغني أن رسول الله ﷺ أتاه رجل فقال: "إن أبي شيخ كبير أدرك الإسلام لم يحج ... " الحديث ثم ساقه من طريق عوف عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال مثله إلا أنه قال: "وإن السائل سأل عن أمه" (٢).
وجمع المصنف (٣) -رحمه الله تعالى- بين الطرق هذه وقال: يجوز أن يكون السائل رجلًا وأنه كان معه ابنته فسألته أيضًا، والمسئول عنه أبو الرجل وأمه جميعًا، وينصر ذلك ما رواه أبو يعلى بإسناد قوي من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵁ عن الفضل بن عباس قال: "كنت ردف النبي ﷺ وأعرابي معه بنت له حسناء فجعل الأعرابي يعرضها لرسول الله ﷺ رجاء أن يتزوجها، وجعلت ألتفت إليها، ويأخذ النبي ﷺ برأسي فيلويه (أ) وكان يلبي حتى رمى الجمرة. تقول الشابة: "إن أبي" أرادت جدها لأن أباها كان معها فكأنه أمرها أن تسأل النبي ﷺ ليسمع كلامها ويراها رجاء أن يتزوجها، فلما لم يرضها سأل أبوها عن أبيه.
ولا مانع أن يسأل أيضًا عن أمه، ويحصل من هذه الروايات أن اسم
стр. 1785
الرجل حصين بن عوف الخثعمي، وأما ما وقع في رواية ابن أبي الغوث "كان مع أبيه حصين" فإسناده ضعيف، ولعله زيد في الرواية لفظ ابن وكان العباس عن أبي الغوث حصين، ويحتمل أنَّ الغوث كان مع أبيه حصين فسأل كما سأل أبوه وأخته.
وقد أخرج ابن خزيمة في صحيحه هذه المسألة من شخص آخر وهو أبو رَزِين بفتح الراء وكسر الزاي -العقيلي مصغرًا، واسمه لقيط بن عامر أنه قال: يا رسول الله إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة قال: "حج عن أبيك واعتمر" (١).
وهذه قصة أخر [ى] (أ) ومن أراد الجمع بينها وبين مسألة الخثعمي بالاتحاد فقد أبعد.
وفي إرداف النبي ﷺ الفضل دلالة على جواز الارتداف وعلى تواضع النبي ﷺ وشفقته على قرابته، وفي صرف وجه الفضل عن النظر إلى المرأة دلالة على أنه ينبغي منع النفس عن باعث الشهوة التي تفضي إلى ما لا يجوز، وفيه دلالة على جواز النظر إلى وجه المرأة إلا عند خشية الفتنة (٢)، وأنه يجوز الجمع بين الرجال والنساء في المواقف العامة التي يؤمن معها المعصية وسماع صوتها للأجانب عند الضرورة: كالاستفتاء عن العلم، والترافع في الحكم والمعاملة.
وقولها "إن فريضة الله على عباده" في رواية بحذف "على عباده"
стр. 1786
وفي رواية للنسائي: "إن أبي أدركه الحج" وقولها "شيخا" منتصب على الحال وكبيرًا إذ لا تثبت صفتان، أو من الأحوال المترادفة أو المتداخلة، والمعنى أنه وجب عليه الحج بأن أسلم وهو علي هذه الصفة، وقوله "لا يثبت" وقع في رواية "لا يستطيع أن يستوي" وفي رواية "لا يستمسك" على الراحلة وفي رواية يحيى بن أبي إسحاق زيادة "وإن شددته خشيت أن أقتله" (١) وفيها دلالة علي اجتماع الأمرين، من اجتماع الأمرين: عدم ثباته وخشية الضرر عليه من شده في صحة الاستنابة عنه، ويكون الذي لا يضره الشد مثل من يقدر على محمل موطأ كالمحفة وهو يفهم من معنى الاستطاعة إلا أنه ادعى في البحر الإجماع علي أن الصحة التي يستمسك معها قاعدًا شرط الإجماع، فإن صح الإجماع فذاك، وإلا فالعمل علي ما قلنا. وقولها "أفأحج عنه؟ " أي أفيجوز لي أن أنوب عنه فأحج عنه، فالمعطوف عليه مقدر، وفي رواية "فهل نقضي عنه؟ " وفي حديث علي "هل يجزئ عنه؟ " قوله "قال نعم" الحديث فيه دلالة علي أنه يجزئ الحج عن الغير وأنه يصح الحج عن الحي إذا كان مأيوسًا منه القدرة علي الحج بنفسه مثل الشيخوخة فإنه مأيوس زوالها، وأما إذا كان عدم القدرة لأجل مرض أو جنون يرجى زوالهما فلا يصح، فعلى هذا المعضوب الأصلي والشيخ الكبير، ومن أصابه علة أيس من برئها لهم الاستنابة في الحج، فإن حج من ظن اليأس ثم زالت العلة، فالمؤيد وأبو طالب والجمهور من العلماء قالوا: يجب الإعادة لانكشاف كذب ظنه، وذهب أحمد وإسحاق والمرتضى إلى أنها لا تجب الإعادة اعتبارًا بالابتداء، ولئلا يلزمه حجتان، والجواب أن المعتبر الانتهاء وأن الحجة الأولى انكشف عدم لزومها، وقد استدل به بأنه إذا
стр. 1787
تبرع الغير بمال الحج للغير لزمه حج، فإن المرأة لم يتبين من حالها أن أباها مستطيع بالزاد والراحلة ولم يستفصلها النبي ﷺ .
ويجاب عنه بأنه لم يذكر في الحديث سوى الآخر إلا الوجوب فلم يتعرض له ولعلها قد كانت فهمت أن الحج قد وجب على أبيها بتمكنه من الزاد والراحلة بدليل أنها قالت: "إن فريضة الحج" وما ذاك إلا لعلمها بدليل الوجوب، وقد شرط فيه الاستطاعة، والفقهاء اختلفوا في المسألة إذا بذل الغير الزاد المُبْلِغ هل يجب قبوله أولًا؟ أو من الولد فقط؟ على تفصيل معروف في كتب الفقه.
وقال من أوجب قبوله من الولد: إنه لا يجب القبول من الولد أن يحج بنفسه قالوا: لأنه لا حق في بدن الولد بخلاف ما له فله فيه حق. وفي الحديث رد على من قال من الحنفية إن التحجيج عن الغير لا يسقط عنه الوجوب وإنما يستحق ثواب النفقة فقط، واتفق من أجاز الحج عن الغير في الفرض أنه لا يجزئ إلا عن موت أو عضب، وأما النفل فذهب أحمد وأبو حنيفة إلى أنه يجوز النيابة فيه عن الغير مطلقًا للتوسع في النفل، وادعى بعضهم أن هذه القصة مختصة بالخثعمية كما اختص سالم مولى أبي حذيفة بالرضاع حكاه ابن عبد البر، واحتج لذلك (١) بما رواه عبد الملك بن حبيب صاحب الواضحة بإسنادين مرسلين فزاد في الحديث "حج عنه وليس (أ) لأحد بعده" والإسنادان ضعيفان وهو معارض بأنه قد ثبت في حديث أبي رزين، وفي قصة الجهنية أيضًا، أخرجه البخاري (٢).
стр. 1788
والتعليل فيه بقوله: "اقضوا الله فالله أحق بالوفاء" وإن كان ذلك عن ميت إذ لا فرق، وبعضهم قال: الحكم خاص بالولد، ويجاب عنه بأن القياس دليل شرعي والمعنى معقول (أ) ولا سيما بعد التنبيه على العلة وكونه دَيْنًا أحق بالقضاء، وبما سيأتي من الحج عن شبرمة. وقال بعض المالكية إن الحج عن الغير لا يكون إلا بالوصية.
وقال القرطبي: وحديث الخثعمية وإن كان صحيحًا فهو مخالف لظاهر قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إلا مَا سَعَى﴾ (١) إلا أنه إنما أجابها عن قولها "أفأحج عنه" قال: "حجي عنه" لما رأى من حرصها على إيصال الخير والثواب لأبيها، انتهى.
وهو أيضًا متأيد بما رواه عبد الرزاق من حديث ابن عباس فزاد في الحديث "حج عن أبيك فإن لم يزده خيرًا لم يزده شرًّا".
وقد جزم الحفاظ بأنها زيادة شاذة (ب) (٢)، وعلى تقدير صحتها لا حجة في ذلك، وظاهر الحديث الإطلاق، وهو أنه يجزئ الحج عن المعضوب سواء كان قد استطاع قبل إصابة المانع أو بعده خلافًا للحنفية والجمهور.
ومن فوائد الحديث أن إحرام المرأة في وجهها فيجوز لها كشفه في الإحرام، وأنه يَحْسُنُ السؤال عن العلم ولو من المرأة عن الرجل، وأن المرأة تحج بغير محرم، وأن المحرم ليس من السبيل المشترط في الحج ولكنه قد تقدم أنها كانت مع أبيها، وفيه بر الوالدين والاعتناء بأمرهما، والقيام بمصالحهما من قضاء دين وخدمة ونفقة وغير ذلك من أمور الدين والدنيا،
стр. 1789
وفيه أن العُمرة غير واجبة، ولا دلالة فيه لأن ترك الذكر لا يدل على عدم الحكم.
٥٥٥ - وعنه "أن امرأة من جهينة جاءت إِلى النبي ﷺ فقالت: إِن أمي نذرت أن تحج ولم تحج حتى ماتت أفأحج عنها؟ قال نعم حجي عنها، أرأيتِ لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ اقضوا الله، فالله أحق بالوفاء" رواه البخاري (١).
قوله "إِن امرأة" قال المصنف -رحمة الله عليه-: "لم أقف على اسمها ولا على اسم أبيها، ولكنه روى ابن وهب عن عثمان بن عطاء الخراساني أن عائشة (٢) أتت النبي ﷺ فقالت إن أمي ماتت وعليها نذر أن تمشي إلى الكعبة فقال "اقضي عنها" أخرجه مسدد، وهي بالغين المعجمة (٣) والشين المعجمة (٣)، وتردد هل بتقديم الياء المثناة من تحت على الشين (٤) أو بتأخيرها، وفي رواية النسائي وابن خزيمة وأحمد من طريق موسى بن سلمة الهذلي عن ابن عباس قال: "أمرت امرأة سنان الجهني أن يسأل رسول الله ﷺ عن أمها توفيت ولم تحج "الحديث" (٥)(٦).
وهو محتمل أن المرأة المذكورة هي هذه وأن السائل هو زوجها بأمرها
стр. 1790
ونسب السؤال إليها مجازًا لما كان سؤالها أو أنها سألت بنفسها وقد حضرت مع زوجها، ولعلهما توليا السؤال جميعًا، فالنسبة إليهما حقيقة مع أنه قد وقع عند ابن ماجه عن ابن عباس عن سنان بن عبد الله الجهني أن عمته حدثته "أنها أتت النبي ﷺ فقالت: إن أمي توفيت وعليها مشى إلى الكعبة نذرًا" الحديث.
ولكنه على فرض صحته يحمل على تعدد الواقعة، وقد وقع في البخاري في باب المنذر بلفظ: "أتى رجل النبي ﷺ فقال له: إن أختي نذرت أن تحج وإنها ماتت" وهو محمول علي تعدد القصة. وقد وقع في صحيح مسلم عن بريدة "أن امرأة قالت: يا رسول الله إني تصدقت على أمي بجارية، وإنها ماتت، قال: وجب أجرك ورد عليك الميراث، قالت: إنه كان عليها صوم شهر أفأصوم عنها؟ قال: صومي عنها، قالت: إنها لم تحج أفأحج عنها؟ قال: حجي عنها" (١).
وبهذا يدفع اعتراض بعضهم بأن الحديث مضطرب ورد في الصيام، وورد في الحج.
وفي الحديث دلالة على أن الناذر بالحج إذا لم يكن قد حج أجزأته عن حجة الإسلام إذ لم يسألها النبي ﷺ هل قد كانت حجت أم لا؟
وقوله: "أرأيت .. " إلخ فيه دلالة علي مشروعية القياس، وضرب المثل ليكون أوقع في نفس السامع، وتشبيه ما اختلف بما اتفق عليه وأنه يستحب للمفتي التنبيه على وجه الدليل، إذا ترتب على ذلك مصلحة، وهو أطيب لنفس المستفتي وأدعى لإذعانه، وفيه أن قضاء دَيْن الميت كان معلومًا عندهم مقررًا، ولهذا حسن الإلحاق به. وقوله "أكنت قاضيته" بالضمير العائد إلى الدَّيْن، وهو في رواية الأكثر للبخاري، وفي رواية