وفي رواية للنسائي: "إن أبي أدركه الحج" وقولها "شيخا" منتصب على الحال وكبيرًا إذ لا تثبت صفتان، أو من الأحوال المترادفة أو المتداخلة، والمعنى أنه وجب عليه الحج بأن أسلم وهو علي هذه الصفة، وقوله "لا يثبت" وقع في رواية "لا يستطيع أن يستوي" وفي رواية "لا يستمسك" على الراحلة وفي رواية يحيى بن أبي إسحاق زيادة "وإن شددته خشيت أن أقتله" (١) وفيها دلالة علي اجتماع الأمرين، من اجتماع الأمرين: عدم ثباته وخشية الضرر عليه من شده في صحة الاستنابة عنه، ويكون الذي لا يضره الشد مثل من يقدر على محمل موطأ كالمحفة وهو يفهم من معنى الاستطاعة إلا أنه ادعى في البحر الإجماع علي أن الصحة التي يستمسك معها قاعدًا شرط الإجماع، فإن صح الإجماع فذاك، وإلا فالعمل علي ما قلنا. وقولها "أفأحج عنه؟ " أي أفيجوز لي أن أنوب عنه فأحج عنه، فالمعطوف عليه مقدر، وفي رواية "فهل نقضي عنه؟ " وفي حديث علي "هل يجزئ عنه؟ " قوله "قال نعم" الحديث فيه دلالة علي أنه يجزئ الحج عن الغير وأنه يصح الحج عن الحي إذا كان مأيوسًا منه القدرة علي الحج بنفسه مثل الشيخوخة فإنه مأيوس زوالها، وأما إذا كان عدم القدرة لأجل مرض أو جنون يرجى زوالهما فلا يصح، فعلى هذا المعضوب الأصلي والشيخ الكبير، ومن أصابه علة أيس من برئها لهم الاستنابة في الحج، فإن حج من ظن اليأس ثم زالت العلة، فالمؤيد وأبو طالب والجمهور من العلماء قالوا: يجب الإعادة لانكشاف كذب ظنه، وذهب أحمد وإسحاق والمرتضى إلى أنها لا تجب الإعادة اعتبارًا بالابتداء، ولئلا يلزمه حجتان، والجواب أن المعتبر الانتهاء وأن الحجة الأولى انكشف عدم لزومها، وقد استدل به بأنه إذا
стр. 1787
تبرع الغير بمال الحج للغير لزمه حج، فإن المرأة لم يتبين من حالها أن أباها مستطيع بالزاد والراحلة ولم يستفصلها النبي ﷺ .
ويجاب عنه بأنه لم يذكر في الحديث سوى الآخر إلا الوجوب فلم يتعرض له ولعلها قد كانت فهمت أن الحج قد وجب على أبيها بتمكنه من الزاد والراحلة بدليل أنها قالت: "إن فريضة الحج" وما ذاك إلا لعلمها بدليل الوجوب، وقد شرط فيه الاستطاعة، والفقهاء اختلفوا في المسألة إذا بذل الغير الزاد المُبْلِغ هل يجب قبوله أولًا؟ أو من الولد فقط؟ على تفصيل معروف في كتب الفقه.
وقال من أوجب قبوله من الولد: إنه لا يجب القبول من الولد أن يحج بنفسه قالوا: لأنه لا حق في بدن الولد بخلاف ما له فله فيه حق. وفي الحديث رد على من قال من الحنفية إن التحجيج عن الغير لا يسقط عنه الوجوب وإنما يستحق ثواب النفقة فقط، واتفق من أجاز الحج عن الغير في الفرض أنه لا يجزئ إلا عن موت أو عضب، وأما النفل فذهب أحمد وأبو حنيفة إلى أنه يجوز النيابة فيه عن الغير مطلقًا للتوسع في النفل، وادعى بعضهم أن هذه القصة مختصة بالخثعمية كما اختص سالم مولى أبي حذيفة بالرضاع حكاه ابن عبد البر، واحتج لذلك (١) بما رواه عبد الملك بن حبيب صاحب الواضحة بإسنادين مرسلين فزاد في الحديث "حج عنه وليس (أ) لأحد بعده" والإسنادان ضعيفان وهو معارض بأنه قد ثبت في حديث أبي رزين، وفي قصة الجهنية أيضًا، أخرجه البخاري (٢).
стр. 1788
والتعليل فيه بقوله: "اقضوا الله فالله أحق بالوفاء" وإن كان ذلك عن ميت إذ لا فرق، وبعضهم قال: الحكم خاص بالولد، ويجاب عنه بأن القياس دليل شرعي والمعنى معقول (أ) ولا سيما بعد التنبيه على العلة وكونه دَيْنًا أحق بالقضاء، وبما سيأتي من الحج عن شبرمة. وقال بعض المالكية إن الحج عن الغير لا يكون إلا بالوصية.
وقال القرطبي: وحديث الخثعمية وإن كان صحيحًا فهو مخالف لظاهر قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إلا مَا سَعَى﴾ (١) إلا أنه إنما أجابها عن قولها "أفأحج عنه" قال: "حجي عنه" لما رأى من حرصها على إيصال الخير والثواب لأبيها، انتهى.
وهو أيضًا متأيد بما رواه عبد الرزاق من حديث ابن عباس فزاد في الحديث "حج عن أبيك فإن لم يزده خيرًا لم يزده شرًّا".
وقد جزم الحفاظ بأنها زيادة شاذة (ب) (٢)، وعلى تقدير صحتها لا حجة في ذلك، وظاهر الحديث الإطلاق، وهو أنه يجزئ الحج عن المعضوب سواء كان قد استطاع قبل إصابة المانع أو بعده خلافًا للحنفية والجمهور.
ومن فوائد الحديث أن إحرام المرأة في وجهها فيجوز لها كشفه في الإحرام، وأنه يَحْسُنُ السؤال عن العلم ولو من المرأة عن الرجل، وأن المرأة تحج بغير محرم، وأن المحرم ليس من السبيل المشترط في الحج ولكنه قد تقدم أنها كانت مع أبيها، وفيه بر الوالدين والاعتناء بأمرهما، والقيام بمصالحهما من قضاء دين وخدمة ونفقة وغير ذلك من أمور الدين والدنيا،
стр. 1789
وفيه أن العُمرة غير واجبة، ولا دلالة فيه لأن ترك الذكر لا يدل على عدم الحكم.
٥٥٥ - وعنه "أن امرأة من جهينة جاءت إِلى النبي ﷺ فقالت: إِن أمي نذرت أن تحج ولم تحج حتى ماتت أفأحج عنها؟ قال نعم حجي عنها، أرأيتِ لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ اقضوا الله، فالله أحق بالوفاء" رواه البخاري (١).
قوله "إِن امرأة" قال المصنف -رحمة الله عليه-: "لم أقف على اسمها ولا على اسم أبيها، ولكنه روى ابن وهب عن عثمان بن عطاء الخراساني أن عائشة (٢) أتت النبي ﷺ فقالت إن أمي ماتت وعليها نذر أن تمشي إلى الكعبة فقال "اقضي عنها" أخرجه مسدد، وهي بالغين المعجمة (٣) والشين المعجمة (٣)، وتردد هل بتقديم الياء المثناة من تحت على الشين (٤) أو بتأخيرها، وفي رواية النسائي وابن خزيمة وأحمد من طريق موسى بن سلمة الهذلي عن ابن عباس قال: "أمرت امرأة سنان الجهني أن يسأل رسول الله ﷺ عن أمها توفيت ولم تحج "الحديث" (٥)(٦).
وهو محتمل أن المرأة المذكورة هي هذه وأن السائل هو زوجها بأمرها
стр. 1790
ونسب السؤال إليها مجازًا لما كان سؤالها أو أنها سألت بنفسها وقد حضرت مع زوجها، ولعلهما توليا السؤال جميعًا، فالنسبة إليهما حقيقة مع أنه قد وقع عند ابن ماجه عن ابن عباس عن سنان بن عبد الله الجهني أن عمته حدثته "أنها أتت النبي ﷺ فقالت: إن أمي توفيت وعليها مشى إلى الكعبة نذرًا" الحديث.
ولكنه على فرض صحته يحمل على تعدد الواقعة، وقد وقع في البخاري في باب المنذر بلفظ: "أتى رجل النبي ﷺ فقال له: إن أختي نذرت أن تحج وإنها ماتت" وهو محمول علي تعدد القصة. وقد وقع في صحيح مسلم عن بريدة "أن امرأة قالت: يا رسول الله إني تصدقت على أمي بجارية، وإنها ماتت، قال: وجب أجرك ورد عليك الميراث، قالت: إنه كان عليها صوم شهر أفأصوم عنها؟ قال: صومي عنها، قالت: إنها لم تحج أفأحج عنها؟ قال: حجي عنها" (١).
وبهذا يدفع اعتراض بعضهم بأن الحديث مضطرب ورد في الصيام، وورد في الحج.
وفي الحديث دلالة على أن الناذر بالحج إذا لم يكن قد حج أجزأته عن حجة الإسلام إذ لم يسألها النبي ﷺ هل قد كانت حجت أم لا؟
وقوله: "أرأيت .. " إلخ فيه دلالة علي مشروعية القياس، وضرب المثل ليكون أوقع في نفس السامع، وتشبيه ما اختلف بما اتفق عليه وأنه يستحب للمفتي التنبيه على وجه الدليل، إذا ترتب على ذلك مصلحة، وهو أطيب لنفس المستفتي وأدعى لإذعانه، وفيه أن قضاء دَيْن الميت كان معلومًا عندهم مقررًا، ولهذا حسن الإلحاق به. وقوله "أكنت قاضيته" بالضمير العائد إلى الدَّيْن، وهو في رواية الأكثر للبخاري، وفي رواية
стр. 1791
الكشميهني "قاضيه" بوزن فاعله بحذف الفعول. والحديث فيه دلالة على صحة الحج عن الميت، وأنه يجب التحجيج عنه سواء أوصى أو لم يوص، لأن الدين يجب قضاؤه مطلقًا، وكذلك سائر الحقوق المالية من كفارة أو فدية أو زكاة أو غير ذلك، وقد ذهب إلى هذا ابن عباس وزيد بن ثابت وأبو هريرة والشافعي، ويجب إخراج الأجرة من رأس المال علي هذا القول، وظاهر هذا الحديث أنه مقدم على دين الآدمي، وهو أحد أقوال الشافعي، وذهب العترة وأبو حنيفة وأصحابه ومالك إلى أنه لا يجب إلا بالوصية لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إلا مَا سَعَى﴾ (١) والجواب عن الآية الكريمة بتخصيصها بالحديث، أو أن المراد بالإنسان فيها الكافر وأنها مخصوصة بقوم موسى وإبراهيم ﵉، وقيل ليس له من طريق العدل وله من طريق الفضل، وقيل اللام بمعنى على كقوله: ﴿وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ (٢) قالوا: ولا يجزئ عنه إن (أ) لم يوص.
وقال المنصور بالله: إنه يجزئ من الولد بخصوصه لقوله ﷺ : "ألا وإنَّ وَلَد المَرْء مِن سعيه" (٣).
وقال محمد بن الحسن الشيباني: إنه لا يسقط وجوب الحج عن الميت وإن أوصى، وإنما يلحقه ثواب النفقة والحج للأجير، وهو خلاف الدليل، والله أعلم.
стр. 1792
٥٥٦ - وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : "أيما صبي حج ثم بلغ الحنث فعليه أن يحج حجة أخرى، وأيما عبد حج ثم أعتق فعليه حجة أخرى "رواه ابن أبي شيبة والبيهقي ورجاله ثقات (١)، إلا أنه اختلف في رفعه، والمحفوظ أنه موقوف.
الحديث أخرجه ابن أبي شيبة عن ابن عباس بلفظ: قال: احفظوا عني ولا تقولوا: قال ابن عباس فذكره.
وهذا ظاهره الرفع لأنه نهاهم عن نسبته إليه.
وأخرجه ابن خزيمة والإسماعيلي في مسند الأعمش، والحاكم وقال: على شرطهما، والبيهقي، وابن حزم وصححه، والخطيب في التاريخ من حديث أبي ظبيان عنه.
قال ابن حزم: والصحيح موقوف (أ).
وأخرجه ابن عدي عن شعبة، قال البيهقي (٢): مرقوعًا تفرد برفعه محمد بن المنهال، فإنه قد رواه الحارث بن شريح عن يزيد بن زريع ومحمد بن المنهال كذلك، وأيضًا فإن رواية ابن أبي شيبة هي عن أبي معاوية عن الأعمش، فقد اتفق أبو معاوية ويزيد بن زريع عن شعبة.
وأخرج الحديث أبو داود في مراسيله عن محمد بن كعب القرظي وفيه راوٍ مبهم (٣)، وفي رواية البيهقي زيادة: "فإذا حج الأعرابي فله حجة،
стр. 1793
وإذا هاجر فعليه حجة أخرى" (١).
والمراد بالأعرابي الكافر، وكان الكفر هو الغالب على الأعراب، نبه على هذا ابن الصلاح.
والحديث فيه دلالة علي أن حج الصغير لا يسقط عنه الواجب بعد بلوغه وهو قول الأكثر، وقد تقدم حكاية الخلاف فيه، وكذا العبد بعد عتقه فإنه يجب عليه إعادة الحج، ويصح منه في حال الرق وإن لم يأذن له سيده وقال داود: لا ينعقد من غير إذن.
٥٥٧ - وعنه قال سمعت رسول الله ﷺ يخطب يقول: "لا يخلون رجل بامرأة إِلا ومعها ذو محرم ولا تسافر المرأة إِلا مع ذي محرم فقام رجل فقال يا رسول الله: إن امرأتي خرجت حاجة وإِني اكتتبت في غزوة كذا وكذا قال: انطلق فحج مع امرأتك" متفق عليه واللفظ لمسلم (٢).
قوله "لا يخلون ... " إلخ فيه دلالة على تحريم الخلوة بالأجنبية وهو إجماع لكن اختلفوا هل يقوم غير المحرم مقامه في هذا بأن يكون معهما من يزيل معنى الخلوة، والظاهر أنه يقوم لأن المعنى المناسب للنهي إنما هو خشية أن يوقع بينهما الشيطان الفتنة، وقال القفال: لا بد من المَحْرم.
وقوله "ولا تسافر" إلخ ظاهر الحديث منع المرأة من السفر المطلق، وظاهره ما سمي سفرًا، وقد ورد تقييده في حديث أبي سعيد فقال مسيرة
стр. 1794
يومين (١)، وفي حديث أبي هريرة مقيدًا بمسيرة يوم وليلة (٢) فالتقييد متعارض، وقد عمل العلماء بالمطلق لتعارض التقييدان (٣)، وكان القياس الاقتصار على أقلها لأنه منطوق ونفيه من الأكثر بالمفهوم.
وقال النووي: ليس المراد من التحديد ظاهره بل كل ما سمي سفرًا فالمرأة منهية عنه إلا بالمحرم، وإنما وقع التحديد عن أمر واقع فلا يعمل بمفهومه (٤) انتهى. وقد وردت أحاديث فمنها عن أبي هريرة "لا تسافر امرأة بريدًا إلا ومعها محرم عليها" أخرجه أبو داود والحاكم والبيهقي (٥).
وعنها "لا تسافر المرأة ثلاثة أيام إلا مع ذي محرم" أخرجه أحمد والبخاري ومسلم (٦)، وأحمد وأبو داود عن ابن عمر (٧)، ومسلم والطيالسي عن أبي سعيد (٨).
وعن أبي أمامة: "لا تسافر المرأة إلا ومعها محرم ولا يدخل عليها إلا ومعها زوجها" أخرجه الدارقطني (٩).
стр. 1795
(أ) وعن جابر "لا تسافر المرأة إلا ومعها محرم ولا يدخل عليها إلا وعندها محرم، فإذا دخل أحدكم فليعلم أن الله يراه" أخرجه البيهقي في شعب الإيمان. وعن أبي هريرة "لا تسافر المرأة مسيرة ليلة إلا مع ذي محرم" أخرجه الحاكم (١).
وعن عدي بن حاتم: "لا تسافر المرأة فوق ثلاث إلا مع ذي محرم" أخرجه الطبراني (٢)، وعن أبي سعيد: "لا تسافر المرأة مسيرة يومين إلا ومعها زوجها أو ذو محرم لها".
وأخرج الطبراني عن ابن عباس: "لا تسافر المرأة ثلاثة أميال إلا مع زوج، أو مع (ب) ذي محرم" أخرجه الطبراني (٣).
والحديث عام للسفر جميعه سواء كان واجبًا عليها أو جائزًا، والعلماء فصلوا في ذلك فقالوا: إنه يجوز للمرأة السفر وحديث في الهجرة من دار الحرب وللمخافة علي نفسها ولقضاء الدَّيْن ورد الوديعة والرجوع من النشور، وهذا مجمع عليه، وكذا سفر النزهة والتجارة لا يجوز السفر إلا مع المحرم إجماعًا (٤).
واختلفوا في سفر الحج الواجب فذهب الأكثر إلى أنه لا يجوز للشابة (جـ)
стр. 1796
السفر إلا مع محرم، ونقل الكرابيسي قولًا للشافعي، وصححه في المهذب (١) أنها تسافر وحدها إذا كان الطريق آمنًا، واحتج بحديث عدي بن حاتم مرفوعًا: "يوشك أن تخرج الظعينة من الحيرة تؤم البيت ... " الحديث وهو في البخاري، وتعقب بأنه يدل علي وجود ذلك لا علي جوازه، وأجيب بأنه خبر في سياق المدح ورفع منار الإسلام فيدل علي الجواز (أ)، وقول النووي إن إخبار النبي ﷺ بالأمر الذي سيقع لا يدل على جوازه صحيح، إلا أن القرينة قد تدل على تعيين الجواز أو غيره فيحمل عليه.
قال ابن دقيق العيد: قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ الآية (٢) عموم شامل للرجال والنساء، وقوله ﷺ "لا تسافر المرأة" عموم في جميع أنواع السفر، فتعارض العمومان فيرجح بينهما وقد ترجح عموم الآية بقوله ﷺ : "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله" (٣).
ويجاب بأن هذا عام في جميع المساجد فيقصر على ما لا يحتاج إلى سفر (ب)، ولكنه قد يجاب عنه بالأحاديث الواردة في خصوص نهيها عن الحج إلا مع ذي محرم فإنه مخصص لعموم الآية، ولعل ابن دقيق العيد غفل عن ذلك، والله أعلم.
وذهب القاسم -وهو قول للشافعي، نقله أبو الوليد الباجي- أن
стр. 1797
العجوز يجوز لها السفر من دون محرم، وكأنه نظر إلى المعنى فخصص به العموم، وقال أبو حنيفة -وهو قول للشافعي-: إن حكمها حكم الشابة، قال: إذ لكل ساقط لاقط (١).
وذهب المنصور بالله إلى أن المرأة ذات الحشم يجوز لها السفر وذهب الشافعي إلى أن النساء الثقات للمرأة يكن كالمحرم، وصرح به أبو الطيب الطبري قال: إذا أرادت أن تؤدي الحج فلا يجوز لها إلا مع محرم أو زوج أو نسوة ثقات، ويدل علي ذلك حج أزواج النبي ﷺ لما أذن لهن عمر في آخر حجة حجها فبعث معهن عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف (٢)، وكان عبد الرحمن بن عوف ينادي: "ألا لا يدنو أحد منهن ولا ينظر إليهن"، وهن في الهوادج على الإبل فإذا نزلن أنزلهن بصدر الشعب فلم يصعد إليهن أحد، ونزل عبد الرحمن بذنب الشعب (٣).
وفي رواية لابن سعد: "فكان عثمان يسير أمامهن، وعبد الرحمن بن عوف خلفهن".
وفي رواية له وعلى هوادجهن علي الإبل الطيالسة الخُضْر. وفي إسناده الواقدي.
وحججن بعد ذلك في ولاية معاوية، والمغيرة أمير المدينة سنة خمسين أو قبلها (٤)، وكذا في خلافة عثمان استأذنته عائشة، فقال: أنا أحج بكن،
стр. 1798
قالت: فحج بنا جميعًا إلا زينب كانت ماتت، وإلا سودة فإنها لم تخرج من بيتها بعد النبي ﷺ ، وتأولن قوله ﷺ في حجة الوداع: "هذه ثم ظهور الحصر" (١) بأنه لا واجب عليهن غيرها إلا المنع من الحج مطلقًا، وحمل ذلك على ظاهره زينب وسودة وأن المراد أن لا يخرجن من بيوتهن ويلزمن الحُصْر، وهو جمع حصير: الذي يبسط في البيوت بضم الحاء والصاد وسكن تخفيفًا، ويدل على التأويل إجماع الصحابة على جواز حجهن ولم ينكر أحد ذلك مع أن عمر قد كان سبق منه المنع ثم أذن لهن في آخر حجة حجها، ولعله كان قد ذهب إلى المنع ثم رجح عنده التأويل. قوله: "فقال رجل" قال المصنف -رحمة الله عليه (٢) -: لم أقف على اسم الرجل ولا على اسم امرأته ولا على تعيين الغزوة المذكورة، والظاهر أن ذلك كان في حجة الوداع، وقد يؤخذ منه أن الحج على التراخي لأنه اكتتب هو مع الرفقة وعزم على ترك الحج.
ويجاب أنه يجوز أن يكون قد أسقط فرضه في السنة الأولى التي حج فيها أبو بكر الصديق أو أنه قد كان تعين عليه الجهاد بتعيين النبي ﷺ أو الأمير، وهو تقدم الجهاد على الحج لذلك (أ). وقوله: "فحج مع امرأتك" قد يتمسك به من يقول: إنه يجب على الزوج الخروج مع زوجته إلى الحج إذا لم يكن لها غيره وهو قول أحمد ووجه للشافعية (ب)، وقول الأكثر بخلافه ولعلهم يحملون الأمر على الندب والقرينة على ذلك
стр. 1799
ما تقرر من قواعد الدين أنه لا يجب على أحد بذل منافع نفسه ليحصل غيره ما وجب عليه، ويستدل بهذا الحديث على أنه ليس للزوج منع امرأته من الحج، وقد أخرج الدارقطني (١) عن ابن عمر مرفوعًا (أ) في امرأة لها زوج ولها مال ولا يأذن لها في الحج ليس لها أن تنطلق إلا بإذن زوجها.
وأجيب عنه بأنه محمول على حج المتطوع عملًا بالحديثين، ونقل ابن المنذر ﵀ الإجماع على أن للرجل منع زوجته من الخروج (ب) في الأسفار كلها، وإنما اختلفوا فيما كان واجبًا.
واختلف العلماء في وجود المحرم للمرأة هل هو شرط في وجوب الحج عليها حتى لا يوصف بالوجوب ولا يجب عليها الوصية به إذا لم تجده أو هو شرط في تضيق التأدية عليها لا الوجوب فينعكس الحكم المذكور؟ فذهب أبو طالب وأحد قولي المؤيد إلى الأول قالوا: لأنها ممنوعة، فلو كان واجبًا لاجتمع في ذلك الحرمة والوجوب، فكون الشيء الواحد محلًا لهما غير جائز.
والجواب أن الجهة مختلفة فمتعلق الوجوب غير متعلق الحرمة، وهي ممنوعة من الحج شرعًا لعدم المحرم مثل منع المحدث من الصلاة والجواب الفرق بأن الحدث يمكن إزالته بخلاف المحرم، فإن ذلك واقف على وجوده واختياره وليس ذلك ممكنًا، وذهب الهادي والمؤيد إلى الثاني لتناول الأدلة للمرأة مطلقًا عن ذلك.
وفي قوله: "انطلق فحج مع امرأتك" دلالة على أنه ينبغي تقديم
стр. 1800
الأهم فالأهم فإنه لما عرض له الغزو والجهاد ورجح له الحج لأن امرأته لا يقوم غيره مقامه في السفر معها بخلاف الغزو، والله أعلم.
٥٥٨ - وعنه أن النبي ﷺ سمع رجلًا يقول: "لبيك عن شبرمة، قال: من شبرمة؟ قال: أخ وقريب لي، قال: حججت عن نفسك؟ قال: لا، قال: حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة" رواه أبو داود وابن ماجه وصححه ابن حبان، والراجح عند أحمد وقفه. الحديث في رواية الدارقطني وابن حبان والبيهقي بلفظ: "هذه عنك ثم حج عن شبرمة" (١) قال البيهقي: إسناده صحيح وليس في هذا الباب أصح منه.
وروي موقوفًا على ابن عباس ورواه غندر عن سعيد بن جبير، والذي رفعه عبده من حديث سعيد، وهو ثقة (أ) محتج به في الصحيحين، وقد تابعه على رفعه محمد بن بشر، ومحمد بن عبيد الله الأنصاري، وقال ابن معين: أثبت الناس في سعيد عبده، وكذا رجح عبد الحق وابن القطان رفعه، وقال الطحاوي الصحيح أنه موقوف.
وقال أحمد بن حنبل: رفعه خطأ، ليقال ابن المنذر، لا يثبت رفعه. ورواه سعيد بن منصور عن سفيان بن عيينة عن ابن جريج عن عطاء عن النبي ﷺ وخالفه ابن أبي ليلى، فرواه عن عطاء عن عائشة، وخالفه الحسن بن ذكوان، فرواه عن عمرو بن دينار عن عطاء عن ابن عباس، وقال الدارقطني: المرسل أصح.
стр. 1801
قال المصنف (١) -رحمه الله تعالى-: هو كما قال لكن يقوى المرفوع لأنه عن غير رجاله، وقد رواه الإسماعيلي في معجمه من طريق أخرى عن أبي الزبير عن جابر، وفي إسنادها من يحتاج إلى النظر في حاله، ويلخص من هذا صحة الحديث، وتوقف بعضهم عن تصحيحه من حيث إنه رواه قتادة عن عَزْرَة عن سعيد بن جبير، ولم يصرح بسماعه من عَزْرة، وهو مدلس (٢)، وعَزْرة هذا هو ابن عبد الرحمن كوفي، ويقال ابن يحيى، وثقه يحيى بن معين وعلي بن المديني وغيرهما، وروى له مسلم (٣).
وقال الشافعي: حدثنا سفيان عن أيوب عن أبي قلابة قال سمع ابن عباس رجلًا يلبي عن شبرمة ... الحديث.
قال ابن المغلس: أبو قلابة لم يسمع من ابن عباس (٤).
واستبعد صاحب الإمام تعدد القصة مع أن السياق واحد، وزعم ابن باطيش أن اسم الملبي نبيشة، وهو وهم، فإن اسم الملبي عنه فيما زعم الحسن بن عمارة، وخالفه الناس فيه فقالوا: إنه شبرمة، وقد قيل: إن الحسن بن عمارة رجع عن ذلك، وقد بينه الدارقطني (٥) في السنن.
الحديث فيه دلالة علي أنه لا يصح أن يحج عن غيره من لم يحج عن نفسه إذ أمره له ﷺ أن يجعلها عن نفسه بعد أن قد كان لبى عن
стр. 1802
شبرمة دليل على أن النية لا تنعقد لأنه لو كان ينعقد لوجب عليه المضي فيه، وظاهر الحديث أنه لا يصح مطلقًا سواء كان يجب عليه الحج للاستطاعة أولًا وإن كان قد يقال: إنه قد صار بعد وصوله في حكم المستطيع، وقد ذهب إلى هذا الناصر والشافعي إلا أن الشافعي يقول: إذا حج عن غيره انقلب الحج عن نفسه كذا ذكره ابن رشد، وذهب الهادي والقاسم إلى أنه إن كان واجبًا عليه الحج لم يصح منه الإحرام عن غيره وإن كان غير واجب صح منه لحديث ابن عباس أن النبي ﷺ سمع رجلًا يلبي بالحج عن نبيشة، بنون مضمومة ثم باء موحدة مفتوحة ثم مثناة من تحت ساكنة ثم شين معجمة ثم هاء تأنيث فقال: "أيها الملبي عن نبيشة أحججت عن نفسك؟ قال: لا، قال: فهذه عن نبيشة وحج عن نفسك" (١) رواه في الشفا.
ففي هذا دلالة على أنه يصح أن يحج عن غيره قبل أن يحج عن نفسه، (أولكن الاحتجاج بهذا لا يتم على التفصيل إذ ظاهره الصحة مطلقًا فإن أمره له أن يحج عن نفسه بعده دلالة على أنه فهم منه وجوبه عليه، وهذا مذهب أبي حنيفة وأصحابه، ولكنه يجاب على هذا بأن حديث شبرمة أصح فقد عرفت طرقه.
وهذا الحديث رواه الدارقطني موافقًا لحديث شبرمة أ) كما عرفت فهو مضطرب مع أنه غير مشهور فالرجوع إلى حديث شبرمة أولى.
٥٥٩ - وعنه قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: "إِن الله كتب عليكم الحج، فقام الأقرع بن حابس فقال: أفي كل عام يا رسول الله؟ قال: لو قلتها لوجبت، الحج مرة فما زاد فهو تطوع" رواه الخمسة غير
стр. 1803
الترمذي (١)، وأصله في مسلم من حديث أبي هريرة (٢).
رواه أحمد بهذا اللفظ وزيادة بعد قوله: "لوجبت ولو وجبت لم تعموا بها" ولفظ مسلم: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: "يأيها الناس قد فرض الله الج فحجوا، فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثًا، فقال: لو قلت: نعم لوجبت ولما استطعتم ثم قال: ذرونى ما تركتكم ... " الحديث. ورواه النسائي ولفظه: "ولو وجبت ما قمتم بها" (٣).
وله شاهد من حديث أنس في ابن ماجه ولفظه قال: قال رسول الله ﷺ : "كُتب عليكم الحج، فقيل: يا رسول الله في كل عام؟ فقال: لو قلت: نعم لوجبت، ولو وجبت لم تقوموا بها ولو لم تقوموا بها عذبتم" ورجاله ثقات (٤). وروى الحاكم والترمذي له شاهدًا من حديث علي وسنده منقطع ولفظه قال: "لما نزلت هذه الآية ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ قالوا: يا رسول الله أفي كل عام؟ فسكت، ثم قالوا أفي كل عام؟ قال: لا ولو قلت نعم لوجبت" (٥).
قوله: "أفي (أ) كل عام" معناه أيتكرر وجوبه على المكلف في كل عام، وقوله: "لوجبت" قد يستدل به على أنه يجوز التفويض للنبي -
стр. 1804
- ﷺ في شرع الأحكام (*)، وقد ذهب إليه ابن السمعاني، وهو أحد قولي الشافعي، قالوا: وهو مختص بالنبي ﷺ وقال الإمام يحيى: إنه يجوز للنبي وللمجتهد دون غيرهما، وتوقف في وقوعه وذهب موسى بن عمران من المعتزلة إلى جوازه، ووقوعه مطلقًا في حق النبي وغيره وظاهره ولو غير مجتهد، وذهب الجمهور من متأخري الحنفية والشافعية وغيرهم إلى جوازه عقلًا ولكنه لم يقع، وتردد الشافعي فقيل في الجواز وقيل في الوقوع، والذي عليه الجمهور من العلماء أنه لا يجوز من الله أن يفوض إلى أحد شرع الأحكام كيف يشاء بما اتفق، قالوا: لأن الأحكام الشرعية إنما شرعت لمصالح العباد ولا يستمد من أحد اختيار الصلاح، وإدراكه علي جهة الاتفاق، وتأولوا ما أوهم ذلك مثل هذا الحديث، ومثل قوله "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك" (١) ومثل قوله تعالى: ﴿إلا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ (٢) ومثل قوله في حديث العباس "إلا الإذخر" فقال: "إلا الإذخر" (٣) فإن ذلك متأول، فمثل الآية محمول على الاجتهاد بدليل ظني، ومثل "إلا الإذخر" قاله العباس وقد كان فهم التخصيص فقرره النبي ﷺ ومثل حديث السواك والحج أنه قد كان خير ﷺ بين أن يأمر بالسواك، وأن لا يأمر وبين أن يوجب الحج، في كل عام أولًا أو أنه أراد أنه يقول ذلك بوحي (أ) لأنه لا ينطق عن الهوى، والله أعلم.
خاتمة: اشتمل هذا الباب على أحد عشر حديثًا.
стр. 1805
باب المواقيت
٥٦٠ - عن ابن عباس ﵁ "أَن النبي ﷺ وَقْتَ لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قَرْن المنازل، ولأهل اليمن يَلَمْلَم، هن لهن ولمن أتى عليهن من غيرهن ممن أراد الحج والعُمرة، ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ حتى أهل مكة من مكة" متفق عليه (١).
قوله: "وَقْتَ" أي: حَدَّ، وأصل التوقيت أن يجعل للشيء وقت يختص به، وهو بيان مقدار المدة، يقال: وَقْتَ الشيء يوقِّته بالتشديد، ووقته بالتخفيف يقته إذا بين مدته ثم اتسع فيه فقيل للموضع ميقات، وقال ابن دقيق العيد: التوقيت تعليق الحكم بالوَقْت ثم استعمل للتحديد في الشيء مطلقًا لأن التوقيت تحديد بالوقت، فصار التحديد من لوازم التوقيت، فأطلق عليه توقيت.
وقوله هاهنا "وقت" يحتمل أن يراد به التحديد أي حد هذه المواضع للإحرام، ويحتمل أن يراد بذلك تعليق الإحرام بوقت الوصول إلى هذه المواضع بشرط إرادة الحج أو العمرة.
وقال القاضي عياض: وقت أي حدد، وقد يكون بمعنى أوجب، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ (٢) انتهى. ويؤيد هذا أن في بعض ألفاظ الحديث فرض بدل وقَّت.
وقوله "لأهل المدينة" أي مدينة النبي ﷺ .
стр. 1806
"ذا الحليفة" بالمهملة والفاء مصغرًا: مكان معروف بينه وبين مكة مائتا ميل غير ميلين قاله ابنُ حزم (١).
وقال غيره: بينهما عشر مراحل، وقال النووي (٢): بينها وبين المدينة ستة أميال، ووهم (٣) من قال بينهما ميل واحد وهو ابن الصباغ، وبها مسجد معروف بمسجد الشجرة خراب وفيها بئر يقال له بئر علي.
"والجُحْفة" بضم الجيم وسكون الحاء المهملة وهي قرية خربة بينها وبين مكة خمس مراحل أو ست (٤).
وقال النووي في شرح المهذب بينهما ثلاث مراحل، وفيه نظر. وفي القاموس: "كانت الجحفة قرية جامعة على اثنين وثمانين ميلًا من مكة" (٥).
قال في النهاية: وبها (أ) غدير خم، وهي شديدة الوخم.
قال الأصمعي: لم يولد فيها أحد فعاش إلى أن يبلغ إلا أن يحول عنها، وتسمى مَهْيَعة بوزن عَلْقمة كذا في حديث ابن عمر (٦)، وقيل بوزن لطيفة وسميت الجحفة لأن السيل أجحف بها.
قال ابن الكلبي (٧): كان العماليق يسكنون يثرب فوقع بينهم وبين بني
стр. 1807
عبيل -بفتح المهملة وكسر الموحدة، وهم أخوة عاد- حرب فأخرجوهم من يثرب فنزلوا مهيعة فجاء سيل فاجتحفهم: أي استأصلهم فسميت الجُحفة، والمكان الذي يحرم منه المصريون الآن "رَابِغ" بوزن فاعل براء وموحدة وغين معجمة قريب من الجحفة.
واختصت الجحفة بالحمى فلا ينزلها أحد إلا حُمَّ لدعاء النبي ﷺ بنقل حمى يثرب إليها (١).
"ولأهل نجد قرن المنازل" نجد: هو اسم لكل مكان مرتفع في الأصل وهو علم لعشرة مواضع (٢)، والمراد منها هنا (أ) التي أعلاها تهامة واليمن وأسفلها الشام والعراق، والمنازل جمع منزل والمركب الإضافي هو اسم المكان، ويقال له قرن أيضًا بلا إضافة، وهو بفتح القاف وسكون الراء بعدها نون، وضبط صاحب الصحاح بفتح الراء وغلطوه، وبالغ النووي (٣) فحكى الاتفاق على تخطئته في ذلك، لكن حكى عياض (٤) عن تعليق الفاسي أن من قاله بالإسكان أراد الجبل، ومن قاله بالفتح أراد الطريق والجبل المذكور بينه وبين مكة من جهة المشرق مرحلتين (ب) وحكى (جـ) الروياني عن بعض قدماء الشافعية أنه المكان الذي يقال له قرن الثعالب، أضيف إليها لكثرة ما تأوي إليه (د) من الثعالب، ووقع في حديث عائشة
стр. 1808
قوله ﷺ : "فلم أستفق إِلا وأنا بقرن الثعالب" الحديث ذكره ابن إسحاق في السيرة.
ووقع في مرسل عطاء عند الشافعي "فلأهل نجد ولمن سلك نجدًا من أهل اليمن وغيرهم قرن المنازل".
ووقع في عبارة القاضي حسين (١) في سياقه لحديث ابن عباس هذا: "ولأهل نجد اليمن ونجد الحجاز قرن" وهذا لا يوجد في شيء من طرق حديث ابن عباس، وإنما يوجد ذلك من مرسل عطاء، وهو المعتمد فإن لأهل اليمن إذا قصدوا مكة طريقين أحدهما طريق أهل الجبال وهم يصلون إلى قرن أو يحاذونه فهو ميقاتهم كما هو ميقات أهل المشرق، والأخرى (أ) طريق تهامة فيمرون بيلملم أو يحاذونه، وهو ميقاتهم لا يشاركهم فيه إلا من أتى عليه من غيرهم، "ولأهل اليمن يلملم" بفتح التحتانية واللام وسكون الميم بعدها لام مفتوحة ثم ميم وهو (ب) على مرحلتين من مكة بينهما ثلاثون ميلًا، ويقال لها "ألملم" بالهمزة وهو الأصل، والياء بدل منها. وحكى ابن السيد فيها يرمرم (جـ) براءين بدل اللام. وتقرر من هذا أن أبعد المياقيت (د) من مكة ذو الحليفة ميقات أهل المدينة، فقيل الحكمة في ذلك أن يعظم أجورهم، وقيل رفقًا بأهل الآفاق لأن المدينة أقرب الآفاق إلى مكة، والله أعلم.
وقوله: "هن لهن" الضمير الأول عائد إلى المواقيت (هـ) والضمير
стр. 1809
الثاني للبلدان (أ) المذكورة، وأصل هذا الضمير لجماعة المؤنث ممن يعقل واستعمل في غير العاقل حملًا له على النساء بجامع نقصان العقل، ووقع في بعض روايات الصحيحين: "هن لهم"، وكذا رواه أبو داود وغيره (١)، وكذا رواه مسلم من رواية ابن أبي شيبة (٢)، ووقع في رواية للبخاري: "هن لأهلهن" (٣).
والحديث فيه دلالة على أنَّ الإحرام (ب) من المياقيت المذكورة يتعين على من ضربت له إذا قصد لحج (جـ) أو عمرة أن يحرم منهن، ولا يجوز له المجاوزة ويدخل في ذلك من كان ساكنًا في المياقيت المذكورة.
وقوله: "ولمن أتى عليهن من غيرهن" يعني أن من وصل إلى هذه المياقيت وإن لم يكن من أهل الآفاق المذكورة فعليه الإحرام (من ذلك المحل، ويدخل في ذلك ما إذا ورد (د) الشامي مثلًا إلى ذي الحليفة فإنه يجب عليه الإحرام) منها، ولا يترك الإحرام حتى يصل الجُحْفَة، فإن أخر أساء ولزمه دم، وهذا عند الجمهور، وادعى النووي في شرح المهذب وشرح مسلم الاتفاق علي ذلك (٤)، ولعله أراد في مذهب الشافعي، وإلا فالمعروف عند المالكية أن الشامي مثلًا إذا جاوز ذا الحليفة بغير إحرام إلى
стр. 1810
ميقاته الأصلي، وهو الجحفة جاز له ذلك، وإن كان الأفضل خلافه، وبه قال الحنفية وأبو ثور وابن المنذر من الشافعية، والحديث محتمل؛ فإن قوله "هن لهن" ظاهره العموم لمن كان من أهل تلك الأقطار سواء وَرَدَ على ميقاته، أو ورد على ميقات آخر فإن (أ) له العدول إلى ميقاته كمسألة الشامي إذا ورد على ذي الحليفة مثلًا، وظاهره أنه لا يلزمه الإحرام من ذي الحليفة وأنه يحرم من الجحفة وعموم قوله: "ولمن أتى عليهن من غير أهلهن" يدل على أنه يتعين على الشامي أَنْ (ب) يُحرم من ذي الحليفة في المسألة المذكورة كما هو مذهب الجمهور.
وقوله: "فمن أراد الحج والعمرة" يؤخذ منه أن من سافر غير قاصد للنسك فجاوز الميقات، ثم بدا له بعد ذلك النسك أنه يحرم من حيث قصد ولا يجب عليه الرجوع إلى الميقات، ويدل على جواز دخول مكة بغير إحرام.
وقوله: "فمن كان دون ذلك" أي بين الميقات ومكة.
وقوله: "فمن حيث أنشأ" أي فميقاته من حيث أنشأ الإحرام أو السفر من مكانه إلى مكة، وهذا مُتَّفَق عليه إلا ما روي عن مجاهد فإنه قال: ميقات هؤلاء نفس مكة، واستدل به ابن حزم (١) على أنه من ليس له ميقات فميقاته من حيث أنشأ، ولا دلالة فيه لأنه يختص بمن كان بين الميقات ومكة.
وقوله: "حتى أهل مكة من مكة" يعني فيحرمون للحج من مكة،
стр. 1811
وكذا من سائر الحرم المحرم، وأما إذا خرج المكي إلى الحِلّ (أ) وأحرم منه فقال الإمام يحيى: إنه يلزمه دم، والأولى التفصيل، وهو أنه إن عاد إلى مكة فلا دم عليه، وإن سار إلى الجبل ولم يَجُزْ مكة لزم (ب) دم، وأما المعتمر فيجب عليه أن يخرج إلى أدنى الحل.
قال المحب الطبري (١): لا أعلم أحدًا جعل مكة ميقاتًا للعمرة. واختلف في القارن فقالت الهادوية: إنه لا يصح من أهل مكة القران. وذهب الجمهور إلى أنه يصح منه القِرَان ويحرم من مكة.
وقال ابن الماجشون: يجب عليه الخروج إلى أدنى الحل؟
ووجهه أنه متضمن للعمرة، وإحرامها من الحل، ولا يندرج أعمالها في أعمال الحج عند من يقول به إلا فيما كان محلهما متفقًا، والإحرام محله مختلف.
وأجيب عن هذا أن المقصود من الخروج إلى الحل إنما هو لأجل الورود علي البيت من الحل والحاج هو كذلك يرد عليه إذا أتى من الجبل، وفيه نظر.
واختلف العلماء فيمن جاوز الميقات بغير إحرام مريدًا للنسك فقال الجمهور: يأثم ويلزم دم. فأما لزوم الدم فبدليل غير هذا وأما الإثم فلترك الواجب، ولو عاد إلى الميقات قبل أن يحرم سقط عنه الدم قال به الجمهور، والهادوية يزيدون على ذلك أنه يلزمه أيضًا إذا عاد من الحرم،
стр. 1812
وقال أبو حنيفة: يسقط عنه بشرط أن يعود ملبيًا، وذهب أحمد إلى أنه لا يسقط الدم (أ) والأفضل في كل (ب) ميقات أن يحرم من طرفه الأبعد إلى مكة فلو أحرم من طرفه الأقرب جاز.
فائدة: حكى الأثرم عن أحمد أنه سئل أي سَنَة وقت النبي ﷺ المواقيت؟ فقال: عام حج.
وفي حديث ابن عمر أخرجه البخاري في باب العلم بلفظ: "أن رجلًا قام في المسجد فقال يا رسول الله: من أين تأمرنا أن نهل؟ " (١).
٥٦١ - وعن عائشة ﵂ "أن النبي ﷺ وقت لأهل العراق ذات عرق" رواه أبو داود والنسائي (٢) وأصله عند مسلم من حديث جابر إلا أن راويه شك في رفعه (٣)، وللبخاري "أن عمر هو الذي وقت ذات عرق" (٤).
وعند أحمد وأبي داود والترمذي عن ابن عباس ﵁ "أن النبي ﷺ وقت لأهل المشرق العقيق" (٥).
حديث عائشة تفرد به المعافي بن عمران عن أفلح عن القاسم عنها.
стр. 1813
وقوله في حديث مسلم إلا أن راويه شك في رفعه لأنه قال أبو الزبير سمعت جابرًا ثم وقف عن رفع الحديث إلى النبي ﷺ ، وقال: أُرَاه -بضم الهمزة، أي أظنه رفع الحديث وفي لفظ آخر: أحسبه رفع إلى النبي ﷺ وهذه العبارة لا يصير بها الحديث مرفوعًا لأنه لم يجزم برفعه.
وفي الباب عن الحارث بن عمرو السهمي أخرجه أبو داود (١)، وعن أنس رواه الطحاوي في "أحكام القرآن"، وعن ابن عباس رواه ابن عبد البر في "تمهيده"، وعن عبد الله بن عمرو رواه أحمد وفيه الحجاج بن أرطاة (٢).
وحديث ابن عباس حسنه الترمذي وقال النووي: ليس كما قال، ففي إسناده يزيد بن أبي زياد، وهو ضعيف باتفاق المحدثين (٣)، انتهى.
نسب إليه الذهبي في "الميزان" (٤) سوء الحفظ، وحديثه مخرج في السنن الأربع، وأخرجه مسلم مقرونا، قال شعبة فيها: لا أبالي إذا كتبت عن يزيد أن لا أكتب عن أحد، وهو من الشيعة.
وفي الحديث علة أخرى وهو أن يزيد بن أبي زياد (أ) رواه عن محمد بن علي عن (ب) عبد الله بن عباس، وقد قال مسلم في "الكنى": محمد لا يُعلم له سماع من جده عبد الله. قال ابنُ خزيمة: "رويت في ذات
стр. 1814
عرق أخبار لا يثبت شيءٌ منها عند أهل الحديث" (١). وقال (أ) ابن المنذر: لم نجد في ذات عرق حديثًا ثابتا. انتهى، لكن الحديث بمجموع الطرق تقوى، وقد يُعل بما (ب) في البخاري من حديث ابن عمر أنه لما فتح هذان المصران -يعني الكوفة والبصرة- أتوا عمر فقالوا: يا أمير المؤمنين إن النبي ﷺ حَدَّ لأهل نجد قرنا وهو (جـ) جور عن طريقنا -يعني مائلا منحرفًا عنها-، وإنا إن أردناه يشق علينا. قال: فانظروا حذوها من طريقكم. فحدَّ لهم ذات عرق. فهذا يدل أن النبي ﷺ لم يؤقَتُها، وقد يُجَاب عنه بأنه لعل عمر لم يبلغه توقيت النبي ﷺ .
قال ابن عبد البر: وأما إعلال مَنْ أعله بأنها لم تكن فُتِحَتْ يومئذ فهي غفلة لأن النبي ﷺ وقت المواقيت لأهل النواحي قبل الفتوح لكونه (د) علم أنها ستفتح فلا فرق حينئذ بين أهل الشام والعراق، وبهذا أجاب الماوردي وآخرون. وقد يُقَال إن (هـ) العراق لم تكن طريقة جميع ناس مسلمون بخلاف سائر الأماكن فقد كان فيها مسلمون فَوَقَّتَ لهم وبهذا يتأول قول ابن عمر.
والحديث فيه دلالة على أن ذات عرق -بكسر العين المهملة وسكون الراء بعدها قاف ميقات لمن أتى من ناحية العراق بينه وبين مكة مرحلتان. والمسافة اثنان وأربعون ميلا سمي المحل بذلك لأن فيه عرقا وهو الجبل
стр. 1815
الصغير وهي أرض سبخة تنبت الطرفاء. فاصلة بين نجد وتهامة وهي محاذية لقرن المنازل ولذلك حدها عمر.
والعقيق المذكور في حديث ابن عباس هو وادٍ يَدفق ماؤه في غوري تهامة (١). قال الأزهري: هو حدا ذات عرق، وفيه دلالة على أنه ميقات أهل العراق. وقد جمع بينه وبين الحديث الأول بأن ذات عرق ميقات للوجوب والعقيق للاستحباب لأنه أبعد من ذات عرق، أو أن العقيق ميقات لبعض العراقيين وهو أهل المدائن، والآخر ميقات لأهل البصرة، ووقع ذلك في حديث لأنس (أ) وإسناده ضعيف، أو أن (ب) ذات عرق كانت أولًا في موضع العقيق الآن ثم حولت وقربت إلى مكة (جـ)، فعلى هذا فذات عرق والعقيق شيء واحد ويتعين الإحرام من العقيق ولم يَقُلْ به أحد وإنما قالوا: يستحب احتياطا، وحكى ابن المنذر عن الحسن بن صالح أنه كان يحرم من "الربذة" وهو قول القاسم بن عبد الرحمن وخصيف الجريري. قال ابن المنذر: وهو أشبه في النظر إنْ كان ذات عرق غير منصوصة وذلك أنها تحاذي ذات الحليفة وذات عرق بعدها، والحكم في مَنْ ليس له ميقات أن يحرم من أول ميقات يحاذيه لكن لما سَنَّ عمر ذات عرق وتبعه جمع من الصحابة واستمر عليه العمل فكان أولى بالاتباع، ويستدل به على أن مَنْ حاذى ميقاتا من هذه المياقيت من غير أهل النواحي الموقت لها أن يحرم من المحل الموازي للميقات الذي هو أقرب إليه، والمقصود
стр. 1816
بالقرب هو قرب المسافة بالنسبة إلى الطريق التي هو فيها فإذا كان أحد الميقاتَيْن عن يساره والآخر عن يمينه وبين الطريق التي سلكها وبين التي عن (أ) يساره مثلًا ستة أميال والذي عن يمينه عشرة أميال مثلًا فإنه يحرم إذا حاذى الذي عن يساره، ولعل ذات عرق بالنسبة إلى قرن، وبالنسبة إلى ذي (ب) الحليفة كذلك، وقد اعتبر عمر محاذاة قرن (١)، فهذه المياقيت محيطة بالحرم فلا بد لمن سلك طريقًا إلى الحرم أن يمر بها أو يحاذيها فبطل قول من قال إن من ليس له ميقات ولا يحاذي ميقاتًا هل يحرم من مقدار أبعد المواقيت أو أقربها ثم حكى فيه خلافًا، وحكى النووي في شرح المهذب أنه يلزمه أن يحرم على مقدار مرحلتيْنَ اعتبارًا (جـ) بفعل عمر في ذات عرق، وقد عرفت الجواب عنه، وهذه الصورة إنما هي حيث تجهل المحاذاة فلعل القائلين بالمرحلتين اخذُوا بالأقل لأن ما زاد عليه مشكوك فيه لكن مقتضى الأخذ بالاحتياط أن يعتبر الأكثر الأبعد، ويحتمل أن يفرق بين من عن يمين الكعبة وبين من عن شمالها، لأن المواقيت التي عن يمينها أقرب من التي عن شمالها، فيتعين علي صاحب اليمين الأقرب علي صاحب الشمال الأبعد، ثم إن مشروعية المحاذاة مختصة بمن ليس أمامه ميقات مُعَيْن، فأما من له ميقات معين كالمصري مثلًا إذا حاذى ذا الحليفة فليس عليه الإحرام منها، بل له التأخير حتى يأتي الجحفة.
خاتمة: اشتمل هذا الباب على ثلاثة أحاديث.
стр. 1817
باب وجوه الإحرام وصفته
الوجوه جمع وجه، والمراد به: الأنواع التي يتعلق بها الإحرام، وهو الحج أو العمرة أو مجموعهما وصفته عطف تفسيري للوجوه، والمراد بصفة الإحرام هو أن الإحرام إذا تعلق بنوع فله صفة يتميز بها عن تعلقه بنوع آخر.
٥٦٢ - عن عائشة ﵂ قالت: "خرجنا مع رسول الله ﷺ عام حجة الوداع فمنا من أهل بعمرة، ومنا من أهل بحج وعمرة، ومنا من أهل بحج، وأهل رسول الله ﷺ بالحج، فأما من أهل بعمرة فحل وأما من أهل بحج أو (أ) جمع الحج والعمرة فلم يحل حتى كان يوم النحر" متفق عليه (١).
قولها: "خرجنا ... " كان خروجه ﷺ من المدينة نهارًا بعد الظهر لخمس بقين من ذي القعدة بعد أن صلى الظهر بها أربعًا وخطبهم خطبة علمهم فيها الإحرام وواجباته وسننه، قال ابن حزم، وكان يوم الخميس، والظاهر أنه يوم السبت، وقولها "عام حجة الوداع" سميت بذلك لأن النبي ﷺ ودع الناس فيها، ولم يحج بعد الهجرة غيرها، وكانت سنة عشر من الهجرة، وقولها "من أهل بعمرة" الإهلال في اللغة (٢): رفع الصوت، ومنه استهل المولود أي صاح، ومنه قوله تعالى
стр. 1818
﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ (١) أي رفع الصوت عند ذبحه بغير ذكر الله، ويسمى الهلال هلالًا لرفعهم الصوت عند رؤيته، قال العلماء: والإهلال في اللغة رفع الصوت بالتلبية عند الدخول في الإحرام، ولعل هذا في عرف اللغة، والمعنى الأول في أصلها، وقولها: "فمنا من أهل بعمرة" تريد أنه وقع من مجموع القاصدين مع النبي ﷺ هذه الأنواع المذكورة، فلا يعارضها الروايات الأخر عنها، فإنه قد روى مسلم (٢) من حديثها "خرجنا لا نرى إلا الحج" وفي رواية القاسم عنها قالت: لبينا بالحج، وفي رواية "له خرجنا مهلين بالحج"، وفي رواية: "لا نذكر إلا الحج"، وفي رواية الأسود (٣) عنها: "نلبي لا نذكر حجا ولا عمرة" (٤) لأن ذلك باعتبار اختلاف الناس فيما أحرموا به، وإنْ كانت في نفسها قاصدة للحج، وكذلك قولها "نلبي لا نذكر حجا ولا عمرة" فلعلها قصدت أنهم لم يلتزموا ذكر ما علق به التلبية، وإن كانت المقاصد متنوعة، وقد تذكر في بعض الأحوال وهذا وجه للجمع، وقد قال القاضي عياض (٥): اختلف العلماء في الكلام على حديث عائشة ﵂ فقال مالك: ليس العمل على حديث عروة عن عائشة عندنا قديمًا ولا حديثًا، وقال بعضهم يترجح أنها كانت محرمة بحج لأنها رواية عمرة (١) والأسود والقاسم وغلطوا عروة في روايته، قولها "ولم أهل إلا
стр. 1819
بعمرة" وإن كان يحتمل أنها في آخر الأمر حين أمرت برفض العمرة لم تكن محرمة إلا بعمرة ثم أحرمت بالحج من بعد لأنها قد كانت فسخت الحج إلى العمرة فصارت منفردة بالعمرة ثم لما تعذر عليها تمام العمرة بسبب الحيض رفضتها وأحرمت بالحج وحدها، وهذا وجه صحيح للجمع بين الروايات أولى من تغليط البعض، وأحمد بن حنبل قال في حديث عروة: هو خطأ.
وقولها: "وأما من أهل بحج ... " إلخ يدل بظاهره على أن أصحاب النبي ﷺ استمروا على الإحرام بالحج وأنهم لم يفسخوه إلى العمرة، وهذا خلاف ما اشتهر في الأحاديث الصحيحة المخرجة في الصحيحين وغيرهما من أنه ﷺ "أمر من لم يكن معه هدي بفسخه إلى العمرة" وقد بلغ عدة من روى ذلك من الصحابة أربعة عشر منهم (١) عائشة وحفصة وعلي بن أبي طالب وفاطمة بنت النبي ﷺ وأسماء بنت أبي بكر وجابر بن عبد الله وأبو سعيد الخدري والبَرَاء بن عازب وأنس بن مالك وعبد الله بن عمر وأبو موسى الأشعري وعبد الله بن عباس وبشر بن معبد الجهني وسراقة بن مالك المدلجي، ولعل هذه الرواية مقيدة بمن كان معه هدي وأحرم بحج مفرد كما في حق كثير من الصحابة، أو كان معه هدي وأحرم بحج وعمرة كما وقع من النبي ﷺ في الوادي المبارك لما أمر بهما وكان معه هدي فلا مخالفة على هذا بين الروايات، ودل هذا على أنه يجوز إفراد الإحرام بالعمرة وإفراد الحج والقران بينهما، وهو كذلك فإن أنواع الحج ثلاثة: إفراد، وقران، وتمتع، والظاهر أنه ما وقع من أحد إفراد الإحرام بالعمرة في الابتداء، فيحمل قولها "من أهل
стр. 1820
بعمرة" على الإهلال بها متقدمة على الحج فيتم (أ) حينئذٍ، ذكر أنواع الحج الثلاثة.
والإفراد هو أن يحرم بالحج وحده، والقران أن يقرن في إحرامه بتعليقه بالحج والعمرة، والتمتع أن يهل بالعمرة متمتعًا بها إلى الحج ويحج في تلك السنة، وتفاصيل هذه الأنواع مستوفاة في كتب الفروع من الفقه، ولو أحرم بالحج ثم أحرم بالعمرة (ب) فقولان للشافعي أصحهما لا يصح إحرامه بالعمرة، والثاني يصح ويصير قارنًا بشرط أن يكون قبل الشروع من التحلل في الحج، وقيل قبل الوقوف بعرفات، وقيل قبل طواف القدوم أو غيره، قال القاضي جوز (جـ) إدخال العمرة على الحج أصحاب (د) الرأي وهو قول للشافعي لما ثبت أنه فعله ﷺ عند أن أتاه آتٍ من ربه في الوادي المبارك وأمره أن يصلي فيه ويقول: عمرة في حجة (١) ومنعه آخرون وجعلوا هذا خاصًّا بالنبي ﷺ لضرورة الاعتمار في أشهر الحج، ولو أحرم بالعمرة أولًا ثم أدخل عليها الحج، فقال القاضي (٢): اتفق جمهور العلماء على جواز ذلك وشذ بعض الناس فقال: لا يدخل إحرام على إحرام كما لا تدخل صلاة على صلاة، هذا كلامه، وظاهر كلام النووي (٣) أن ذلك موافق كلام الشافعي وأصحابه، وفي البحر للإمام المهدي ما لفظه مسألة الهادي والناصر وأبي حنيفة وقول للشافعي.
стр. 1821
ومن أدخل نسكًا على نسك أساء وانعقد فيرفض الدخيل ويؤديه لوقته مالك وأحد قولي الشافعي لا ينعقد الدخيل لقول علي ﵁ لأبي نضرة لما قال: "إني أهللت بالحج وإني أستطيع أن أضم إليها عمرة فأضم؟ قال: لا ولكنك إن أهللت بعمرة وأردت أن تضم إليها حجًّا ضممت" (١).
قلنا: أراد أنه أساءه إذ سأله قبل العمل، قيل وهو مراد عمر بقوله متعتان كانتا على عهد رسول الله ﷺ أنا أنهى عنهما بل أعاقب على فعلهما، وقيل بل نكاح المتعة وعليه دم الرفض لما مر المؤيد والمنصور وسواء تضيق الوقت أم اتسع وقيل إن (أ) خشي فوت الحج الدخيل قدمه، قلنا لم يفصل الدليل العترة والشافعي ولا يصير قارنًا إذ لم يحرم لهما معًا الإمام يحيى وأحمد، وعن الشافعي لا ينعقد إدخال العمرة على الحج ويصح العكس لقوة الحج، عن الشافعي ينعقد ويصير قارنًا أبو حنيفة إذا أدخله قبل الطواف صار قارنًا إذ التأخير اليسير معفو عنه (ب)، قلنا: لم يُفرق ثم إن هذا مشى، انتهى.
ولا يخفى عليك ما بينه وبين كلام القاضي من المخالفة (جـ في نقل الخلاف جـ) وما في كلام البحر من اضطراب في نقل الخلاف وضعف الاحتجاج بقول على وعدم صحة الجواب، والذي (د) يظهر من مجموع
стр. 1822
الأحاديث الواردة في الحج وما وقع من النبي ﷺ وأصحابه أنه لا مانع من إدخال الحج على العمرة والعمرة على الحج، وأن ذلك ليس فيه إبطال لما تقدمه بل هو تأكيد للزومه وزيادة في (أ) المحافظة على أدائه حيث لم يتَحلل من إحرامه، بل مضى فيه حتى أكمل أعمال المُدْخَل عليه، وإنما الشأن في التحلل من الحج وفسخه إلى العمرة هل كان ذلك خاصًّا بأصحاب النبي ﷺ -أو حكمه باق، فذهب الجمهور إلى أن ذلك كان خاصًّا بأصحاب النبي ﷺ واستدلوا (ب) عليه بما رواه عبد الله بن الزبير الحميدي قال حدثنا سفيان عن يحيى بن سعيد عن المرقع عن أبي ذر أنه قال: "كان فسخ الحج من رسول الله ﷺ لنا خاصة" (١).
وأخرج وكيع أيضًا عنه أنه قال: "لم يكن لأحد بعدنا أن يجعل حجته عمرة إنها كانت رخصة لنا أصحاب رسول الله ﷺ " (٢).
وأخرج البزار عن يزيد بن شريك "قلنا لأبي ذر: كيف تمتع رسول الله ﷺ وأنتم معه؟ قال: ما أنتم وذاك، إنما ذاك شيء رخص لنا فيه"، يعني المتعة.
وأخرج أيضًا عن أبي بكر التيمي عن أبيه والحارث بن سويد قالا: قال أبو ذر: في الحج (ب) والمتعة رخصة أعطاناها رسول الله ﷺ .
وأخرج أبو داود عن ابن الأسود أن أبا ذر كان يقول: من جمع ثم فسخها إلى عمرة لم يكن ذلك إلا للركب الذين كانوا مع رسول الله -
стр. 1823
صلى الله عليه وسلم - (١).
وفي صحيح مسلم عن أبي ذر قال: "كانت المتعة في الحج لأصحاب محمَّد خاصة" (٢) وفي لفظ: "كانت رخصة" (٣) يعني المتعة في الحج، وفي لفظ آخر "لا تصلح المتعة إلا لنا خاصة" (٤) يعني متعة النساء ومتعة الحج، وفي لفظ آخر "إنما كانت لنا خاصة دونكم" (٥) يعني متعة الحج. وفي سنن النسائي بإسناد صحيح عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن أبي ذر في متعة الحج "ليست لكم ولستم منها بشيء، إنما كانت رخصة لنا أصحاب محمَّد" (٦).
وفي سنن أبي داود والنسائي من حدثنا بلال بن الحارث قال: "قلت يا رسول الله أىا فسخ الحج إلى العمرة لنا خاصة أم للناس عامة؟ فقال رسول الله ﷺ : "بل لنا خاصة" ورواه الإِمام أحمد (٧).
وفي سنن أبي داود بإسناد صحيح عن إبراهيم التيمي عن أبيه قال: سئل عثمان عن متعة الحج فقال: "كانت لنا ليست لكم" ويتأيد هذا بإنكار عمر، ومنعه مع وفور الصحابة وقرب العهد منهم للنبي ﷺ من غير ظهور خلاف عليه في عصره ويتأيد بظاهر قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ﴾ (٨) فإن الآية تقضي بوجوب تمامهما، وأنه لا يجوز الخروج من أحدهما قبل إتمامه، وقد أجاب عن جميع ذلك في الهدي
стр. 1824
النبوي (١)، ونسب جواز ذلك وبقاءه إلى علي بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص وابن عمر وابن عباس وأبي موسى وسعيد بن المسيب وجمهور التابعين، فليراجع، والله أعلم.
واعلم أن العلماء اختلفوا في أفضل أنواع الحج، فقال الشافعي ومالك وكثيرون أفضلها الإفراد ثم التمتع ثم القرآن، وهو قول الهادي في الأحكام، وقال أبو حنيفة: أفضلها القرآن، وقال أحمد وآخرون -وهو مروي عن الصادق والباقر، والناصر-: إن أفضلها التمتع، وقال أبو العباس: إن القرآن أفضل لمن قد حج، والإفراد أفضل لمن لم يكن قد حج (ب).
وقد اختلف العلماء في حجه ﷺ على ثلاثة أقوال بحسب مذاهبهم السابقة، وكل طائفة رجحت نوعًا واذعت أن حجة النبي ﷺ كانت كذلك، والصحيح أنه ﷺ كان أولًا مفردًا ثم أحرم بالعمرة بعد ذلك وأدخلها على الحج فصار قارنًا.
وقد اختلفت روايات الصحابة في صفة حج النبي ﷺ حجة الوداع.
وفي البخاري ومسلم روايات مختلفة في ذلك، وطريق الجمع أن من روى الإفراد فباعتبار أول أمره، ومن روى القرآن فباعتبار ما انتهى إليه،
стр. 1825
ومن روى التمتع فقد أراد به التمتع اللغوي، فإنه انتفع بالعمرة وارتفق بها من دون إعادة إحرام، واحتج (أ) من فضَّل الإفراد بأنه صح ذلك من حديث جابر وابن عمر وابن عباس وعائشة، وهؤلاء لهم مزية على غيرهم في معرفة ما فعله ﷺ فأما جابر فهو أحسن الصحابة سياقة لرواية حجة الوداع فإنه ذكرها من حين خرج النبي ﷺ من المدينة إلى آخرها، فهو أضبط لها، وأما ابن عمر فصح عنه أنه كان آخذًا بخطام الناقة وأنكر هو على من رجح قول أنس على قوله، فقال: "كنت تحت ناقة رسول الله ﷺ يمشي لعابها أسمعه يلبي بالحج".
وأما عائشة فقربها من رسول الله ﷺ معروف، وكذلك اطلاعها لفطنتها على باطن أمره وظاهره وفعله على خلوته وعلانيته مع كثرة فقهها وعظم فطنتها، وأما ابن عباس فمحله من الفقه والعلم والدين والفهم الثاقب معروف مع كثرة بحثه وحفظه أحوال رسول الله ﷺ التي لم يحفظها غيره وأخذه إياها من كبار الصحابة، وبأنه واظب على ذلك الخلفاء الراشدون كأبي بكر وعمر وعثمان، وفعل عليّ اختلف لبيان جواز ذلك، وبأنه لا يجب فيه دم بالإجماع بخلاف ما عداه فيجب الدم للجبران، واحتج من فضل القرآن بأنه ورد أنه ﷺ قرن، ورويت في ذلك بضعة وعشرون حديثًا كلها صحيحة من سبعة عشر صحابيًّا هم: عائشة وعبد الله بن عمرو وجابر بن عبد الله وعبد الله بن عباس وعمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعثمان بن عفان بإقراره لعليٍّ وتقرير على له وعمران بن الحصين والبراء بن عازب وحفصة أم المؤمنين وأبو قتادة وابن أبي أوفى وأبو طلحة والهرماس بن زياد وأم سلمة وسعد بن أبي وقاص وأنس مع أن حديث أنس أيضًا رواه ستة عشر نفسًا من الثقات كلهم متفقون عن