← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17747

البدر التمام شرح بلوغ المرام ت الزبن

الحسين بن محمد المغربي

Полный текст (4 458 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

ومن أدخل نسكًا على نسك أساء وانعقد فيرفض الدخيل ويؤديه لوقته مالك وأحد قولي الشافعي لا ينعقد الدخيل لقول علي ﵁ لأبي نضرة لما قال: "إني أهللت بالحج وإني أستطيع أن أضم إليها عمرة فأضم؟ قال: لا ولكنك إن أهللت بعمرة وأردت أن تضم إليها حجًّا ضممت" (١). قلنا: أراد أنه أساءه إذ سأله قبل العمل، قيل وهو مراد عمر بقوله متعتان كانتا على عهد رسول الله ﷺ أنا أنهى عنهما بل أعاقب على فعلهما، وقيل بل نكاح المتعة وعليه دم الرفض لما مر المؤيد والمنصور وسواء تضيق الوقت أم اتسع وقيل إن (أ) خشي فوت الحج الدخيل قدمه، قلنا لم يفصل الدليل العترة والشافعي ولا يصير قارنًا إذ لم يحرم لهما معًا الإمام يحيى وأحمد، وعن الشافعي لا ينعقد إدخال العمرة على الحج ويصح العكس لقوة الحج، عن الشافعي ينعقد ويصير قارنًا أبو حنيفة إذا أدخله قبل الطواف صار قارنًا إذ التأخير اليسير معفو عنه (ب)، قلنا: لم يُفرق ثم إن هذا مشى، انتهى. ولا يخفى عليك ما بينه وبين كلام القاضي من المخالفة (جـ في نقل الخلاف جـ) وما في كلام البحر من اضطراب في نقل الخلاف وضعف الاحتجاج بقول على وعدم صحة الجواب، والذي (د) يظهر من مجموع

стр. 1822

الأحاديث الواردة في الحج وما وقع من النبي ﷺ وأصحابه أنه لا مانع من إدخال الحج على العمرة والعمرة على الحج، وأن ذلك ليس فيه إبطال لما تقدمه بل هو تأكيد للزومه وزيادة في (أ) المحافظة على أدائه حيث لم يتَحلل من إحرامه، بل مضى فيه حتى أكمل أعمال المُدْخَل عليه، وإنما الشأن في التحلل من الحج وفسخه إلى العمرة هل كان ذلك خاصًّا بأصحاب النبي ﷺ -أو حكمه باق، فذهب الجمهور إلى أن ذلك كان خاصًّا بأصحاب النبي ﷺ واستدلوا (ب) عليه بما رواه عبد الله بن الزبير الحميدي قال حدثنا سفيان عن يحيى بن سعيد عن المرقع عن أبي ذر أنه قال: "كان فسخ الحج من رسول الله ﷺ لنا خاصة" (١). وأخرج وكيع أيضًا عنه أنه قال: "لم يكن لأحد بعدنا أن يجعل حجته عمرة إنها كانت رخصة لنا أصحاب رسول الله ﷺ " (٢). وأخرج البزار عن يزيد بن شريك "قلنا لأبي ذر: كيف تمتع رسول الله ﷺ وأنتم معه؟ قال: ما أنتم وذاك، إنما ذاك شيء رخص لنا فيه"، يعني المتعة. وأخرج أيضًا عن أبي بكر التيمي عن أبيه والحارث بن سويد قالا: قال أبو ذر: في الحج (ب) والمتعة رخصة أعطاناها رسول الله ﷺ . وأخرج أبو داود عن ابن الأسود أن أبا ذر كان يقول: من جمع ثم فسخها إلى عمرة لم يكن ذلك إلا للركب الذين كانوا مع رسول الله -

стр. 1823

صلى الله عليه وسلم - (١). وفي صحيح مسلم عن أبي ذر قال: "كانت المتعة في الحج لأصحاب محمَّد خاصة" (٢) وفي لفظ: "كانت رخصة" (٣) يعني المتعة في الحج، وفي لفظ آخر "لا تصلح المتعة إلا لنا خاصة" (٤) يعني متعة النساء ومتعة الحج، وفي لفظ آخر "إنما كانت لنا خاصة دونكم" (٥) يعني متعة الحج. وفي سنن النسائي بإسناد صحيح عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن أبي ذر في متعة الحج "ليست لكم ولستم منها بشيء، إنما كانت رخصة لنا أصحاب محمَّد" (٦). وفي سنن أبي داود والنسائي من حدثنا بلال بن الحارث قال: "قلت يا رسول الله أىا فسخ الحج إلى العمرة لنا خاصة أم للناس عامة؟ فقال رسول الله ﷺ : "بل لنا خاصة" ورواه الإِمام أحمد (٧). وفي سنن أبي داود بإسناد صحيح عن إبراهيم التيمي عن أبيه قال: سئل عثمان عن متعة الحج فقال: "كانت لنا ليست لكم" ويتأيد هذا بإنكار عمر، ومنعه مع وفور الصحابة وقرب العهد منهم للنبي ﷺ من غير ظهور خلاف عليه في عصره ويتأيد بظاهر قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ﴾ (٨) فإن الآية تقضي بوجوب تمامهما، وأنه لا يجوز الخروج من أحدهما قبل إتمامه، وقد أجاب عن جميع ذلك في الهدي

стр. 1824

النبوي (١)، ونسب جواز ذلك وبقاءه إلى علي بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص وابن عمر وابن عباس وأبي موسى وسعيد بن المسيب وجمهور التابعين، فليراجع، والله أعلم. واعلم أن العلماء اختلفوا في أفضل أنواع الحج، فقال الشافعي ومالك وكثيرون أفضلها الإفراد ثم التمتع ثم القرآن، وهو قول الهادي في الأحكام، وقال أبو حنيفة: أفضلها القرآن، وقال أحمد وآخرون -وهو مروي عن الصادق والباقر، والناصر-: إن أفضلها التمتع، وقال أبو العباس: إن القرآن أفضل لمن قد حج، والإفراد أفضل لمن لم يكن قد حج (ب). وقد اختلف العلماء في حجه ﷺ على ثلاثة أقوال بحسب مذاهبهم السابقة، وكل طائفة رجحت نوعًا واذعت أن حجة النبي ﷺ كانت كذلك، والصحيح أنه ﷺ كان أولًا مفردًا ثم أحرم بالعمرة بعد ذلك وأدخلها على الحج فصار قارنًا. وقد اختلفت روايات الصحابة في صفة حج النبي ﷺ حجة الوداع. وفي البخاري ومسلم روايات مختلفة في ذلك، وطريق الجمع أن من روى الإفراد فباعتبار أول أمره، ومن روى القرآن فباعتبار ما انتهى إليه،

стр. 1825

ومن روى التمتع فقد أراد به التمتع اللغوي، فإنه انتفع بالعمرة وارتفق بها من دون إعادة إحرام، واحتج (أ) من فضَّل الإفراد بأنه صح ذلك من حديث جابر وابن عمر وابن عباس وعائشة، وهؤلاء لهم مزية على غيرهم في معرفة ما فعله ﷺ فأما جابر فهو أحسن الصحابة سياقة لرواية حجة الوداع فإنه ذكرها من حين خرج النبي ﷺ من المدينة إلى آخرها، فهو أضبط لها، وأما ابن عمر فصح عنه أنه كان آخذًا بخطام الناقة وأنكر هو على من رجح قول أنس على قوله، فقال: "كنت تحت ناقة رسول الله ﷺ يمشي لعابها أسمعه يلبي بالحج". وأما عائشة فقربها من رسول الله ﷺ معروف، وكذلك اطلاعها لفطنتها على باطن أمره وظاهره وفعله على خلوته وعلانيته مع كثرة فقهها وعظم فطنتها، وأما ابن عباس فمحله من الفقه والعلم والدين والفهم الثاقب معروف مع كثرة بحثه وحفظه أحوال رسول الله ﷺ التي لم يحفظها غيره وأخذه إياها من كبار الصحابة، وبأنه واظب على ذلك الخلفاء الراشدون كأبي بكر وعمر وعثمان، وفعل عليّ اختلف لبيان جواز ذلك، وبأنه لا يجب فيه دم بالإجماع بخلاف ما عداه فيجب الدم للجبران، واحتج من فضل القرآن بأنه ورد أنه ﷺ قرن، ورويت في ذلك بضعة وعشرون حديثًا كلها صحيحة من سبعة عشر صحابيًّا هم: عائشة وعبد الله بن عمرو وجابر بن عبد الله وعبد الله بن عباس وعمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعثمان بن عفان بإقراره لعليٍّ وتقرير على له وعمران بن الحصين والبراء بن عازب وحفصة أم المؤمنين وأبو قتادة وابن أبي أوفى وأبو طلحة والهرماس بن زياد وأم سلمة وسعد بن أبي وقاص وأنس مع أن حديث أنس أيضًا رواه ستة عشر نفسًا من الثقات كلهم متفقون عن

стр. 1826

أنس (١) أن لفظ النبي ﷺ كان إهلالًا بحجة وعمرة معًا، وهم الحسن البصري وأبو قلابة وحميد بن هلال وحميد بن عبد الرحمن الطويل وقتادة ويحيى بن سعيد الأنصاري وثابت البناني ومحمد وبكر بن عبد الله المُزَني وعبد العزيز بن صهيب وسليمان التيمي ويحيى بن أبي إسحاق وزيد بن أسلم ومصعب بن سليم (أ) وأبو قدامة عاصم بن حسين وأبو قزعة وهو سويد بن حجر الباهلي (٢). واحتج من قال بأفضلية التمتع أن النبي ﷺ حج تمتعًا، وروايات التمتع هي روايات القرآن، فإن التمتع الذي وقع من النبي ﷺ هو القرآن كما عرفت، وأما التمتع الذي هو النوع الثالث فهو وقع من أصحاب النبي ﷺ بأمره لهم واستحسانه لذلك، وقوله "لو استقبلت من أمري ما استدبرت ... " الحديث فإن اختياره ﷺ ذلك لهم يدل على أفضليته وقد ينقضي عن ذلك بأنه لا شك أنه أفضل في حقهم، ووقوعه بحكمه في حقهم لا يحصل مِن فعل من بعدهم، وهو أنه لإظهار مخالفة ما كان ارتسم في النفوس من أن العمرة لا يجوز التلبس بها في أشهر الحج وإن ذلك من أفجر الفجور، ولذلك عظم على أصحابه ﷺ حين أمرهم بالحل كله، والأحكام شرعت لمصالح العباد، وهذه مصلحة مناسبة للتشديد في الأمر به، فإن ذلك من التشريع الذي يجب تبليغه إلى العباد، فكان في حقهم أفضل، وأما في حق غيرهم فلا، وأقول والله أعلم: الذي يترجح اختيار أفضليته هو القرآن فإن القرآن قد اشتمل على مقاصد معتبرة منها تأكد الإحرام من حيث إنه علقه بسنتين موجبتين للفضل والثواب.

стр. 1827

ومنها موافقة ما انتهى إليه حال النبي ﷺ وأمر به من الجمع بينهما. ومنها إظهار مخالفة المشركين المحرمين للعمرة في أشهر الحج. ومنها قبول التيسير الذي أراده الله لأمته ﷺ في الشريعة من حيث إنه قام بإحرامَيْن دفعة واحدة من دون تكرار إحرام. ومنها التزام النسك الذي فيه التقرب بنحر دمه وإظهار شعار البيت الحرام بالهدي والقلائد وإنالة المساكين من لحمه وغير ذلك. ومنها: العمل بتمام ما أحرم به من الحج والعمرة والمطابقة لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ فإن ظاهر الآية قاضٍ بأنهم متلبسون بهما دفعة واحدة وإتمامهما معًا أن يكون التحلل منهما تحللًا واحدًا، وهذا ظاهر في حق القارن ولا ريب في شرعية الثلاثة الأنواع وحصول الامتثال بأنها فعل، والله أعلم. خاتمة: اشتمل هذا الباب على حديث واحد، ولعل المصنف رحمه الله تعالى خص هذا الباب بهذا الحديث لما كان جامعًا للثلاثة الأنواع، والله أعلم.

стр. 1828

باب الإحرام وما يتعلق به الإحرام الدخول في أحد النسكين والتشاغل بأعمالهما بالنية. ٥٦٣ - عن ابن عمر ﵄ قال: "ما أهل رسول الله ﷺ إِلا من عند المسجد" متفق عليه (١). قال ابن عمر: هذا رد على من قال إنه ﷺ أهل (أ) من البيداء، فقال ابن عمر بيداؤكم هذه الذي يكذبون على رسول الله ﷺ فيها، ما أهل رسول الله ﷺ الحديث (٢). والمراد بالمسجد مسجد ذي الحليفة، وفي رواية أخرى "إلا من عند الشجرة حين قام به بعيره" (٣)، والبيداء التي أنكر ابن عمر هي الشرف التي قدام ذي الحليفة إلى جهة مكة، وهي تقرب من ذي الحليفة، سميت بيداء لأنه ليس فيها بناء ولا أثر، وكل مفازة تسمى بيداء، والشجرة المذكورة كانت عند المسجد، والتكذيب المذكور هنا مراد به الإخبار بالشيء على خلاف ما هو عليه في الواقع، وإن لم يتعمد، وفي الرواية الأخرى عند مسلم أنه ﷺ "ركع بذي الحليفة ركعتين ثم حين (ب) استوت به الناقة قائمة عند مسجد ذي الحليفة أهل".

стр. 1829

والحديث فيه دلالة على أن ميقات أهل المدينة من عند مسجد ذي الحليفة، ولا يجوز لهم تأخير الميقات إلى البيداء، ولهذا قال جميع العلماء، ويدل على أن الإحرام من الميقات أفضل من أن يحرم من دويرة أهله. لأنه ﷺ ترك الإحرام من مسجده مع كمال شرفه، والظاهر أن اختياره لذلك لكونه أفضل لا لبيان الجواز, لأنه قد كان بين المياقيت، وقد روى ابن عباس أنه أهل ﷺ بعد أن ركب راحلته واستوت به على البيداء، وأنكر هذا ابن عمر على ابن عباس (١). ولكنه يزول الإشكال ويجمع بين الروايات المختلفة بما أخرجه أبو داود والحاكم من طريق سعيد ابن جبير (٢) "قلت لابن عباس: عجبت لاختلاف أصحاب رسول الله ﷺ في إهلاله" فذكر الحديث وفيه "فلما صلى في مسجد ذي الحليفة ركعتين أوجب من مجلسه فأهل بالحج حين فرغ منهما فسمع قوم فحفظوه ثم ركب فلما استقلت (أ) به راحلته أهل وأدرك ذلك منه قوم لم يشهدوه في المرة الأولى فسمعوه حين ذاك فقالوا: إنما أهل حين استقلت به راحلته ثم مضى، فلما علا شرف البيداء أهل وأدرك ذلك قوم لم يشهدوه، فنقل كل ما سمع، وإنما كان إهلاله في مصلاه وايم الله، ثم أهل ثانيًا وثالثًا". وأخرجه الحاكم من وجه آخر عن عطاء عن ابن عباس نحوه، فعلى هذا إن إنكار ابن عمر على من خص الإهلال بالقيام على شرف البيداء، والله أعلم. ٥٦٤ - وعن خلاد بن السائب عن أبيه أن رسول الله ﷺ

стр. 1830

قال: "أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال" رواه الخمسة وصححه الترمذي وابن حبان (١). هو خلاد (٢) بفتح الخاء المعجمة وتشديد اللام، روى عن أبيه السائب. قال ابن عبد البر: "مختلف في صحبته، وفي حديثه في رفع الصوت بالتلبية اختلافا كثيرًا، وروى عنه عطاء بن يسار: "من أخاف المدينة أخافه الله" (٣) مختلف فيه، فمنهم من يقول فيه السائب بن خلاد" (٤). وأخرج الحديث أحمد ومالك في "الموطأ"، والشافعي عن مالك والحاكم والبيهقي، وقد رواه بعضهم عن خلاد بن السائب عن زيد بن خالد ولا يصح، وقال البيهقي أيضًا: "الأول هو الصحيح" (٥)، وأما ابن حبان فصححهما وتبعه الحاكم وزاد رواية ثالثة من طريق المطلب بن عبد الله بن حنطب عن أبي هريرة. وروى أحمد من حديث ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: "إن جبريل أتاني فأمرني أن أعلن التلبية" (٦). وترجم البخاري رفع الصوت بالإهلال وأورد فيه حديث أنس (٧):

стр. 1831

"صلى النبي ﷺ الظهر بالدينة والعصر بذي الحليفة وسمعتهم يصرخون بهما جميعًا". وروى ابن أبي شيبة من طريق المطلب بن عبد الله بن حنطب قال: "كان أصحاب رسول الله ﷺ يرفعون أصواتهم بالتلبية حتى تبح أصواتهم". الحديث فيه دلالة على استحباب رفع الصوت بالتلبية، وقد ذهب إلى هذا الجمهور، واختلفت الرواة عن مالك فقال ابن القاسم عنه: لا يرفع صوته بالتلبية إلا عند المسجد الحرام ومسجد منى، وقال في الموطأ: "لا يرفع صوته بالتلبية في مسجد الجماعات" (١). ولم يستثن شيئًا، ووجه الاستثناء أن المسجد الحرام جعل للحاج والمعتمر وغيرهما، وكان الملبي إنما يقصد إليه فكان ذلك وجه الخصوصية وكذلك مسجد منى. ٥٦٥ - وعن زيد بن ثابت "أن النبي ﷺ تجرد لإهلاله واغتسل" رواه الترمذي وحسنه (٢). الحديث ضعفه العقيلي وأخرجه الدارقطني والبيهقي والطبراني. وروى الحاكم والبيهقي من طريق يعقوب بن عطاء عن أبيه عن ابن عباس قال: "اغتسل رسول الله ﷺ ثم لبس ثيابه فلما أتى ذا الحليفة صلى ركعتين ثم قعد على بعيره فلما استوى به على البيداء أحرم

стр. 1832

بالحج" (١) ويعقوب ضعيف (٢). والحديث فيه دلالة على شرعية الغسل قبل الإحرام، وذهب الأكثر إلى أنه مندوب وليس بواجب، وذهب الناصر إلى وجوبه، وتردد كلام مالك والنصري في وجوبه أريد به، وهو مشروع للتنظيف لا للتطهير، ولذلك شرع في حق الحائض والنفساء كما سيأتي في حق أسماء بنت عميس. ٥٦٦ - وعن ابن عمر ﵄: "أن رسول الله ﷺ سئل ما يلبس المحرم من الثياب؟ قال: لا تلبسوا القمص ولا العمائم ولا السراويلات ولا البرانس ولا الخفاف إِلا أحد لا يجد نعلين فليلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين، ولا تلبسوا شيئًا من الثياب مسه الزعفران ولا الورس" متفق عليه (٣) واللفظ لمسلم. الحديث ذكر في الجواب ما يترك المحرم والسؤال عن ملبوس المحرم، وهذا من الأسلوب الحكيم، وهو تلقي السائل بغير ما يترقب للتنبيه على أنه الأولى من أن يسأل عنه، وذلك لأن ملبوس المحرم تقرر جوازه بالإباحة الأصلية، وإنما الكلام فيما حصره الشرع، وأخرجه عن الإباحة، ولأنه أيضًا غير منحصر، فإنه يجوز له أن يلبس أي شيء كان على أي هيئة ما عدا ما ذكر، فذكر في الجواب الممنوع منه لانحصاره، وأطلق ما عداه لبقائه على حكم الإباحة، والرواية المذكورة هي المشهورة، وقد رواه أبو عوانة من

стр. 1833

طريق ابن جريج عن نافع بلفظ: "ما يترك المحرم" وهي شاذة والاختلاف فيها على ابن جريج لا على نافع ورواه سالم عن ابن عمر بلفظ: "أن رجلًا قال يا رسول الله ما يجتنب المحرم من الثياب" أخرجه أحمد (١)، وابن خزيمة وأبو عوانة في صحيحهما من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عنه. وأخرج أحمد عن ابن عيينة عن الزهري فقال مرة: "ما يترك"، وقال مرة: "ما يلبس" (٢). قوله "المحرم" أجمعوا على أن المراد هنا الرجل ولا تلحق به المرأة في ذلك، والمراد بالقميص هو ما أحاط بالبدن، والقميص ما كان عن تفصيل وتقطيع، ويلحق به ما أحاط بالبدن وإن لم يكن كذلك، وذلك مثل الجراب (أ) وما ألصق بالنسج أو بالتلبيد، وكذا العمامة ما كان على الرأس فيلحق بالعمامة غيرها مما يغطي الرأس. قال الخطابي: ذكر العمامة والبرانس معًا ليدل على أنه لا يجوز تغطية الرأس لا بالمعتاد ولا بالنادر كالبرنس، وهو كل ثوب رأسه منه ملتزق به من دراعة أو جبة أو غيره كذا في النهاية. وقال الجوهري: هي قلنسوة طويلة كان الناس يلبسونها في صدر الإِسلام، وهو من البِرْنس (٣) بكسر الباء وهو القطن، والنون زائدة وقيل إنه غير عربي، والمراد باللبس ها هنا المعتاد في كل شيء مما ذكر، فلو ارتدي

стр. 1834

بالقميص لم يمنع منه لأن اللبس المعتاد في القميص غير الارتداء. واختلف الفقهاء في القباء إذا لبس من غير إدخال اليدين في الكمين، ومن أوجب الفدية جعل ذلك من المعتاد أحيانًا، واكتفى في التحريم فيه بذلك ولا يضر الانغماس في الماء وكذا مباشرة المحمل بالرأس (أ) وكذا ستر الرأس باليد، وكذا وضع الرأس عند النوم لأنه لا يسمى لابسًا، وفي كتب المفرعين على أصل الهادي تفصيل في ذلك، وفي قوله "وكذا السراويلات" (ب) المراد به ما يغطي بعض البدن، وقوله "ولا الخفاف" وكذا يلحق به الجورب، والخف ما كان إلى نصف الساق، والجورب ما كان إلى فوق الركبة. وقوله "إِلا أحد" قد استعمل أحد هنا في الإثبات وحقه أن يستعمل في النفي إلا أنه قد جاء ذلك ولكنه بشرط أن يكون بعده نفي، وقوله "لا يجد نعلين". والمراد بها النعل العربية، "وليقطعهما أسفل من الكعبين" المراد من هذا كشف الكعبين، والكعبان هما العظمان الناتئان عند مفصل الساق والقدم، ويؤيده ما روى ابن أبي شيبة عن جرير عن هشام بن عروة عن أبيه قال: "إذا اضطر المحرم إلى الخفين خرق ظهورهما وترك فيهما قدر ما تستمسك رجلاه". فهذا القدر يدل على أن القطع من تحت الكعب الأعلى، إذ لو كان من تحت كعب (جـ) الشراك لم يبق ما تستمسك معه الرِّجْل. وقد ذهب إلى هذا محمَّد بن الحسن ومن تبعه من الحنفية وهو كذلك في كتب

стр. 1835

الهادوية مصرح به على أصل الهادي، وأن الكتب المراد هنا العظم الذي في وسط القدم تحت معقد الشراك، وقيل إن ذلك لا يعرف عند أهل اللغة، وقد ضعفت الرواية عن محمَّد بن الحسن، ونسب الراوي إلى الوهم، مع أن ابن بطال نقل عن أبي حنيفة أن الكتب هو الشاخص في ظهر القدم، ونقل عن الأصمعي أن الكتب عظم مستدير تحت عظم الساق حيث مفصل الساق والقدم، وجمهور أهل اللغة على أن في كل قدم كعبين مع أنه قد روي ابن المنذر في الأوسط وأبو عوانة في صحيحه بسند على شرط الصحيح عن ابن عمر: "أن رجلًا نادى النبي ﷺ فقال: ما يجتنب المحرم من الثياب؟ فقال: لا يلبس السراويل" إلى أن قال: "وليحرم أحدكم في إزار ورداء ونعلين، فإن لم يجد نعلين فليلبس خفين (أ) وليقطعهما حتى يكونا إلى الكعبين". فإذا حمل الكعبان في هذا الحديث على كعب الشراك، (وفي الحديث الأول على الكعب الناشز أمكن الجمع بينهما بأن القطع يكون تحت الكعب الناشز إلى كعب الشراك). والحديث فيه دلالة على وجوب القطع، وهو قول الجمهور خلافًا لأحمد وعطاء فقالوا: يلبسه من دون قطع. واحتجا بحديث ابن عباس: "ومن لم يجد نعلين فليلبس خفين" (١) ويجاب عنه بأن هذا مطلق، وهو مقيد بحديث ابن عمر (٢)، وأجاب الحنابلة بأن حديث ابن عباس ناسخ، وقد روى الدارقطني عن عمرو بن دينار (٣) , وقد روى الحديثين وقال:

стр. 1836

انظروا أي الحديثين قبل، ثم حكى الدارقطني عن أبي بكر النيسابوري أنه قال: حديث ابن عمر قبل؛ لأنه كان بالمدينة قبل الإحرام، وحديث ابن عباس بعرفات. وأجاب الشافعي عن هذا في الأم فقال: كلاهما صادق حافظ وزيادة ابن عمر لا تخالف ابن عباس لاحتمال أن تكون غربت عنه أوشك أو قالها ولم ينقلها عنه بعض رواته (١)، انتهى وقال ابن الجوزي (٢) بالترجيح بين الحديثين فقال حديث ابن عمر اختلف في وقفه ورفعه، وحديث ابن عباس لم يختلف في رفعه، انتهى. ورد عليه بأن حديث ابن عمر لم يختلف عليه فيه في الأمر بالقطع إلا في رواية شاذة وحديث ابن عباس اختلف في رفعه ووقفه فرواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن سعيد بن جبير عن ابن عباس موقوفًا، ولا يرتاب أحد من المحدثين أن حديث ابن عمر أصح من حديث ابن عباس لأن حديث ابن عمر جاء بإسناد وصف بكونه أصح الأسانيد (أ) واتفق عليه عن ابن عمر غير واحد من الحفاظ منهم نافع وسالم بخلاف حديث ابن عباس فلم يأت مرفوعًا إلا من رواية جابر بن زيد عنه حتى قال الأصيلي (٣): إنه شيخٌ بصريّ لا يُعرف، كذا قال، وهو معروف موصوف عند الأئمة بالفقه، واحتج عطاء بأن القطع فساد، والله لا يحب الفساد، ويجاب عنه بأن ذلك لتحصيل عبادة فلا فساد فيه. وأقول إنه يتنزل الخلاف في ذلك على الخلاف في بناء العام على الخاص، فعلى أصل الشافعي ومن تبعه في بناء العام على الخاص مطلقًا، وكذا المطلق والقيد، العمل ها هنا على القيد، وهو الأمر بالقطع، وعلى

стр. 1837

قول غيره من أن العام المتأخر ناسخ، وكذا المطلق يحتاج إلى النظر في أيهما المتقدم، ومع جهل التاريخ يحتاج إلى الترجيح وقد عرفت أن خبر ابن عباس متأخر فيلزم العمل به وأنه يجوز اللبس من دون قطع، وكذا في حديث ابن عباس: "من لم يجد إزارًا ووجد سراويل فليلبسها" (١). ومذهب أحمد في الخفين والسراويل جميعًا، وهذا في حق الرجل لا المرأة، ثم اختلف العلماء في لابس الخفين لعدم النعلين هل عليه فدية أم لا؟ فقال مالك والشافعي ومن وافقهما: لا شيء عليه؛ لأنه لو وجب فدية لبينها ﷺ وقال أبو حنيفة وأصحابه: عليه الفدية كما إذا احتاج إلى حلق الرأس فحلقه، وكذا عند الهادوية إلا أن ظاهر عباراتهم أنه يجب عليه القطع حتى لا يكون محيطًا بالرجل ويصير مثل النعل، وإذا بلغ إلى هذا القدر فلا دم عندهم، وإلا وجب الدم، ويكرر بتكرر النزع له من القدم. وقوله "ولا تلبسوا شيئًا من الثياب مسه الزعفران والورس" قيل عدل عن طريقة ما تقدم ليشير إلى اشتراك الرجال والنساء في ذلك وهو بعيد، بل الظاهر إنما هو الإشارة إلى أن ما مسه الورس والزعفران لا يجوز لبسه سواء كان مما يعتاد لبسه أو لا، والورس (٢) بفتح الواو وسكون الراء بعدها مهملة نبت أصفر طيب الرائحة يصبغ به، وقال ابن العربي: ليس هو بطيب ولكن شبه الطيب إلا أنه نبه به على أنه يجب اجتناب الطيب وما أشبهه مما هو طيب الرائحة ويدل ذلك على تحريم لبس ما صبغ به سواء كان الصبغ في جميع الملبوس أو بعضه، وسواء بقي له أثر الرائحة أو لا، وقال مالك في الموطأ: يكره لبس المصبوغات لأنها تنقض، وظاهر هذا

стр. 1838

إنما هو لأجل الزينة وإن لم يكن ثم رائحة. وقال الشافعي: إذا أصاب الثوب بحيث لو أصابه الماء لم تفح له رائحة جالسة لبسه. فجعل العلة في ذلك الرائحة، ويحتج بحديث ابن عباس أخرجه البخاري قال: "انطلق النبي ﷺ من المدينة بعد ما ترجل وادهن ولبس إزاره ورداءه هو وأصحابه فلم ينه عن شيء من الأردية والأزر تلبس إلا المزعفرة التي (أ) تردع على الجلد" (١) والردع بالراء المهملة والعين المهملة أيضًا هو أثر (ب) الطيب الذي يلزق. يظهر أن العلة هو الطيب كالزينة، وبقول الشافعي قال الجمهور مع أنه قد روي في حديث ابن عمر ما يدل على ذلك وهو في رواية أبي معاوية عن عبيد الله بن عمر عن نافع في هذا الحديث زيادة: "إلا أن يكون غسيلا" أخرجه يحيى بن عبد الحميد الحماني في "مسنده" (٢) عنه، وقد روى الطحاوي أن يحيى بن معين أنكره على الحماني فقال له عبد الرحمن بن صالح الأزدي قد كتبته عن أبي معاوية وقام في الحال، فأخرج له أصله فكتبه عنه يحيى بن معين، انتهى (٣). وهي رواية شاذة لأن أبا معاوية وإن كان متقنًا لكن في حديثه عن غير الأعمش مقال، قال أحمد: أبو معاوية مضطرب الحديث في عبيد الله، ولم يجيء بهذه الرواية غيره، انتهى. والحماني ضعيف، وعبد الرحمن الذي تابعه فيه مقال، واستنبطت الشافعية من ذلك منع أكل الطعام الذي فيه الزعفران، وعن المالكية

стр. 1839

خلاف في ذلك، وقالت الحنفية: لا يحرم لأن المراد من اللبس إنما هو التطيب، والآكل لا يعد متطيبًا، وفي البحر ما لفظه: ومن المحظورات التطيب إجماعًا لقوله ﷺ : "ما مسه ورس ... " الخبر. ولبس المبخر والمطيب والجلوس عليه لا بحائل مانع عن وصول الطيب جسمه إذ هو كالتطيب، فإن انقطع ريح الطيب فالمكث حتى لا (أ) يظهر بحال لي يضر التماسه إذ المحرم الريح، ولا يجوز الاحتقان بالطيب ولا جعله في مأكول أو مشروب ما لم يستحل. أبو حنيفة: لا فدية إذ استحال بالطبخ، قلنا العبرة بالريح أحد أقوال الشافعي، وبالجرم، ولا وجه له. مسألة: وما يتخذ منه الذرور كالصندل والمسك يحرم التماسه إجماعًا. إذ نص على الورس والزعفران، وهذه أبلغ، وما لا يتخذ منه ولا ينبت الطيب كالخزامي والمرزنجوش والنرجس لم يحرم الهادي وأبو حنيفة والشافعي، وكذا الفواكه كالتفاح، ابن عمر والهادوية والشافعي وما ينبت ولا ذرور منه كالريحان والمنثور حرم شمه إذ هو طيب، عثمان والناصر وأبو حنيفة يجوز إذ لا ذرور منه كالعرار، قلنا اتخذ للطيب فهو كالورد، ومذهب الهادوية والإمام يحيى: لكن لا فدية لشبهه بالفاكهة، أحد قولي الشافعي تجب، وفي البنفسج قولان: يحرم، إذ هو طيب أحد قولي الشافعي لا إذ يجفف للدواء، قلنا: اتخذ منه الذرور فأشبه الورد، الإِمام يحيى ومذهب الهادوية وأبو حنيفة، وأما الحناء فطيب فلا يشم ولا يختضب به لقوله ﷺ : ("الحناء طيب ... " الخبر، فمن فعل فذا. الشافعي: ليس بطيب إذ اختضبت به (ب) أزواجه ﷺ محرمات (١)،

стр. 1840

قلنا بعد التحلل بالرمي، سلمنا فلم يؤثر تقريره إياهن فلا حجة فيه. مسألة: ولا فدية ولا إثم على مَنْ اتجر في الطيب أو حمل مسكًا في قارورة مختومة أو نافحة لا مكشوفة أو في طرف ثوبه أو عمامته فيلزم وله التماس الركن مطيبًا والدنو من الكعبة حال تجميرها إذ لم يلتمس الطيب بل غيره، والنهي متعلق بالالتماس. مسألة: وله لبس المصبوغ إلا بالعصفر والفوه ونحوهما إذ هو طيب. هذه عبارته، وقد صوب عليه، وله لبس المصبوغ إلا ما هو طيب كالمورس والمزعفر. ثم قال أبو طالب: ولا فدية في المعصفر إذ ليس بطيب، أبو حنيفة: إن نقض لزمت إذ يشبه المورس (أ). الشافعي: يجوز لبسه إذ ليس بطيب، الإِمام يحيى: يكره فقط إذ رخص للمحرمات في لبسه. مسألة: أبو العباس والمرتضى والحسن بن صالح وله الادهان بما لا طيب فيه إذا ادهن ﷺ بغير معْتٍ. أبو حنيفة: فيه ترطيب للجسم وجمال فيفدي، أبو يوسف ومحمد: أو صدقة إن لم يطيب، الشافعي: إن دهن الوجه والرأس فدى إذ هو كالغطاء وفي غيرهما لا شيء، الثوري: إن كان مطبوخًا فدى أو بالطبخ يزول الريح (ب) الكريهة. لنا ما مر، وله الاكتحال بما لا زينة فيه كالصبر لرواية عثمان عنه ﷺ ، وفعل ابن عمر، لا ما فيه زينة كالأسود إلا لعذر، الإِمام يحيى فيفدي وفيه نظر، انتهى. وجه النظر أن الكحل الذي لا طيب فيه لا يوجب الفدية. قال العلماء:

стр. 1841

والحكمة في تحريم اللباس المذكور على المحرم ولباسه الإزار والرداء أن يبعد عن الترفه ويتصف بصفة الخاشع الذليل، وليتذكر أنه محرم في كل وقت فيكون أقرب إلى كثرة أذكاره وأبلغ في مراقبته وصيانته واقتناعه عن ارتكاب المحظورات، وليتذكر به الموت ولباس الأكفان وليتذكر البعث يوم القيامة حفاة عراة مهطعين إلى الداعي، والحكمة في تحريم الطيب والنساء أن يبعد عن الترفه وزينة الدنيا والتلذذ، ويتجمع همه لمقاصد الآخرة، والله سبحانه أعلم. ٥٦٧ - وعن عائشة ﵂ قالت: "كنت أطيب النبي ﷺ لإِحرامه قبل أن يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت" متفق عليه (١). قولها "كنت أطيب" وقع في رواية عروة عنها التصريح بأن ذلك في حجة الوداع. أخرجه البخاري في باب اللباس، وهذا يقتضي أنه وقع مرة واحدة فكان في مثل هذا الموقع لا يدل على التكرار، وتعقب بأن المدعى تكراره هو الطيب لا الإحرام، ولا مانع من تكرر (أ) الطيب وهو بعيد. وقال النووي: المختار أنها لا تقتضي تكرارًا ولا استمرارًا، وكذا قال الفخر الرازي، وقال ابن الحاجب: إنها تقتضي التكرار، وقال جماعة من المحققين إنها تقتضي التكرار ظاهرًا وقد تدل قرينة على عدمه فاستعمل هنا مجازًا في عدم التكرار دلالة على كثرة ما فعلت من الطيب حتى صار كأنه أشبه من طيب مرة بعد أخرى لما رأت من استحبابه لذلك، مع أنها

стр. 1842

قد سقطت في طريق سفيان بن عيينة عن عبد الرحمن بن القاسم شيخ مالك ووقعت بلفظ: "طيبت رسول الله ﷺ " (١). وقولها "لإِحرامه قبل أن يحرم" هذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم "لحُرْمِه" (٢) بضم الحاء وكسرها بمعنى إحرامه، فيه دلالة على استحباب التطيب عند إرادة الإحرام وجواز استدامته بعد الإحرام وأنه لا يضر بقاء لونه ورائحته وإنما يحرم ابتداؤه في الإحرام، وقد ذهب إلى هذا خلائق من الصحابة والتابعين وجماهير الفقهاء والمحدثين، فمن الصحابة: سعد بن أبي وقاص وابن عباس وابن الزبير وعائشة وأم حبيبة، والحنفية والشافعية إلا محمَّد بن الحسن والثوري وأحمد وداود وغيرهم، وذهب جماعة إلى منع ذلك منهم: الزهري وابن عمر ومالك ومحمد بن الحسن والهادي والقاسم والناصر والمؤيد وبعض أصحاب الشافعي، وتأولوا حديث عائشة بأنه اغتسل قبل إحرامه فأحرم ولم يبق فيه أثر الطيب، واحتجوا على ذلك بأنه قد وقع في رواية أخرجها البخاري في الغسل: "ثم طاف على نسائه ثم أصبح محرمًا" (٣)، فإن المراد بالطواف الجماع، وكان من عادته أن يغتسل عند كل واحدة، ومن ضرورة ذلك أن (أ) لا يبقي للطيب أثر، وهو مردود فإنه قد وقع في لفظ النسائي: "حين أراد أن يحرم" (٤) ولمسلم نحوه (٥)، وفي رواية للبخاري في تمام الرواية: "ثم أصبح محرمًا ينضح

стр. 1843

طيبًا" (١) روي بالحاء المهملة والخاء المعجمة، والمعنى متقارب، وبالحاء المهملة أبلغ، وفي رواية عند مسلم: "إذا أراد أن يحرم يتطيب بأطيب ما يجد ثم أراه في رأسه ولحيته بعد ذلك" (٢)، وللنسائي وابن حبان: "رأيت الطيب في مفرقه بعد ثلاث وهو محرم" (٣) وقول بعضهم إنه بقي الأثر من غير رائحة مردود بقوله: "ينضح طيبًا" مع أنه في حديث عائشة: "كنا ننضح وجوهنا بالطيب المسك قبل أن نحرم فنعرق فيسيل على وجوهنا ونحن مع رسول الله ﷺ فلا ينهانا" ولا يُقَالُ هذا خاص بالنساء، لأن الرجال والنساء في الطيب سواء بالإجماع، ورواية (أ) الأوزاعي عن عائشة: "بطيب لا يشبه طيبكم" يراد به المبالغة في قوة رائحته لا (ب) أنه لا رائحة له، تدل عليه سائر الروايات عنها، والتصريح بأنه مسك، وقد وقع في لفظ متفق عليه: "بأطيب ما أجد" وللطحاوي من حديثها "بالغالية". ويجمع بين الروايات بأن الغالية للدهن والطيب. ولعلها كررت ذلك ففعلت بالغالية للادهان ثم بعد ذلك بالمسك ونحوه، أو أنها جمعت ذلك وكان طيبًا ودهنًا. وقال المهلب: إن هذا من خصائص النبي ﷺ لأن الطيب من

стр. 1844

دواعي النكاح فنهى الناس عنه فكان هو أملك الناس لإربه ففعله، ورجحه ابن العربي لكثرة ما ثبت له من الخصائص في النكاح، وقال المهلب: وجه الخصوصية لمباشرته الملائكة لأجل الوحي. ويرد عليه بأن الخصوصية لا تثبت إلا بدليل، وقد عرفت حديث عائشة، فهو أيضًا نافٍ للخصوصية. وأخرج سعيد بن منصور بإسناد صحيح عنها أيضًا (أ) قالت: "طيبت أبي لإحرامه بالمسك حين أحرم" (١). وبعض المالكية اعتذر بأن عمل أهل المدينة على منع المحرم الطيب ولو ببقاء الأثر من قبل الإحرام، ورد عليه بما رواه النسائي من طريق أبي بكر ابن عبد الرحمن بن الحارث وسالم وعبد الله ابنا عبد الله وأبي بكر بن هشام أَنَّ سليمان بن عبد الملك لما حج جمع ناسًا من أهل العلم منهم القاسم بن محمَّد وخارجة بن زيد وسالم وعبد الله ابنا عبد الله بن عمر، وعمر بن عبد العزيز وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث فسألهم عن الطيب قبل الإفاضة فكلهم أمره به، فهؤلاء فقهاء أهل المدينة من التابعين فقد اتفقوا على ذلك، فكيف يدعى مع ذلك العمل على خلافه؟ وقولها: "ولحله قبل أن يطوف بالبيت" المراد لحله الإحلال الكامل الذي يحل به كل محظور وهو طواف الزيارة، وقد كان حل بعض الإحلال وهو بالرمي الذي يحل به الطيب وغيره، ولا يمنع بعده إلا من النساء وظاهر هذه العبارة أنه قد كان فعل الرمي والحلق وبقي الطواف وهذا متفق عليه سواء كان الحلق نسكًا أو تحليل محظور، وإنما الخلاف لو قدم الحلق قبل

стр. 1845

أن يرمي، فظاهر قول المؤيد بالله أنه قد حل به ويحل بعده الطيب (أ) وإن لم يرم، وهو يقول: إن الحلق نسك ويحل عنده بأنهما فعل. وذكر المصنف (١) -رحمه الله تعالى- في فتح الباري عن الجمهور وهو الصحيح عن مذهب الشافعية أنه لا يحل الطيب إلا بعد مجموع الرمي والحلق بناء على أنهما نسك. وقال النووي في شرح المهذب: المذهب أن الشافعي يقول إن الحلق ليس بنسك، وقال عن ابن المنذر: إنه لم يقل به إلا الشافعي، وهو مروي عن الهادي والقاسم، ورواية عن أحمد أيضًا. ٥٦٨ - وعن عثمان بن عفان ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا ينكح المحرم ولا يُنكح ولا يخطب" رواه مسلم (٢). قوله "لا ينكح" يعني هو في نفسه، "ولا ينكح" أي ينكح. غيره بأن يعقد له. الحديث فيه دلالة على تحريم ذلك على المحرم، والمراد به العقد، وقد ذهب إلى هذا الجمهور من العلماء ومنهم مالك والشافعي وأحمد وقالوا إنه لا يصح من المحرم أن يعقد لنفسه وأن يعقد لغيره، وقال أبو حنيفة والكوفيون إنه يصح من المحرم أن يعقد، قالوا: لقصة نكاحه ﷺ

стр. 1846

لميمونة بنت الحارث كما في رواية ابن عباس (١) أنه نكحها وهو محرم في عام القضية فإنه ﷺ خرج من المدينة في شهر القعدة سنة سبع، وبعث جعفر بن أبي طالب بين يديه إلى ميمونة بنت الحارث ليخطبها له فجعلت أمرها إلى العباس وكانت أختها أم الفضل تحته، وأراد رسول الله ﷺ أن يبني بها بمكة بعد عام أعمال العمرة بعد أن مضت الثلاثة الأيام التي وقع الصلح على إقامته فيها، فمنعه المشركون من ذلك، فخرج رسول الله ﷺ من مكة حتى نزل بطن سَرِف -بفتح السين المهملة وكسر الراء المهملة- فأقام بها، وخلف أبا رافع ليحمل ميمونة إليه حين يمسي، وأقام حتى قدمت ميمونة ومن معها وقد لقوا أذى وعناء من سفهاء مكة وصبيانها فبنى بها ثم أدلج وسار حتى قدم المدينة. وأجاب الجمهور عن ذلك بأجوبة أصحها: أن النبي ﷺ إنما تزوجها حلالًا، هكذا رواه الصحابة. قال القاضي عياض (٢) وغيره: لم يرو أنه تزوجها محرمًا إلا ابن عباس وحده، حتى قال سعيد بن المسيب ذهل ابن عباس وإن كانت خالته، ما تزوجها رسول الله ﷺ إلا بعد ما حل. ذكره البخاري (٣)، وكذا روى يزيد بن الأصم عن ميمونة نفسها، وكذا أبو رافع مع أنه السفير بينهما، أو أنه تزوجها في الحرم وهو حلال، أو أنه تزوجها في شهر الحرام وهي لغة شائعة معروفة، كما قال الشاعر: قتلوا ابن عفان الخليفة محرمًا ... ورعًا فلم أر مثله مقتولًا

стр. 1847

أي في حرم المدينة، أو في الشهر الحرام، أو أنه كان خاصًّا في حقه أن يتزوج وهو محرم، وهو جواب جماعة من الصحابة، وأصح الوجهَيْن عند أصحاب الشافعي. وإن فرض وقوع ذلك وهو محرم، فقد تعارض القول والفعل، والقول أرجح عند التعارض، ولا يصح أن يحمل على الوطء إذ عطف قوله "ولا ينكح" يبعده عن ذلك، وقوله "ولا ينكح" يعني لا يزوج غيره بولاية ولا وكالة. قال العلماء: سببه أنه لما منع من مدة الإحرام من العقد لنفسه صار كالمرأة فلا يعقد لنفسه ولا لغيره، وظاهر هذا العموم أنه لا فرق بين أن يزوج بولاية خاصة كالأب وغيره أو بولاية عامة كالسلطان والقاضي ونائبه، وهذا هو الصحيح عند الهادوية والشافعية، وقال بعض أصحاب الشافعي والإمام يحيى: يجوز أن يزوج المحرم بالولاية العامة لأنها يستفاد بها ما لا يستفاد بالخاصة، قالوا كما يجوز للمسلم بالولاية العامة أن يزوج الذمية دون الخاصة، وقد وافقهم في المقيس عليه أبو العباس على أصل الهادي، فلو زوج المحرم أو تزوج كان العقد باطلًا، إن كان على خلاف مذهبه، وكان عالمًا بالتحريم، وإن كان جاهلًا كان فاسدًا (١)، ولذلك أحكام مفصلة في فروع الفقه، وقوله "ولا يخطب" النهي للتنزيه لا للتحريم، والظاهر أنه إجماع وكذا تكره الشهادة على عقد النكاح. وقال بعض أصحاب الشافعي: لا ينعقد النكاح بشهادة المحرم لأن الشاهد ركن في عقد النكاح كالولي، والصحيح الذي عليه الجمهور انعقاده إذ لا دليل على ذلك (٢)، والله أعلم. ٥٦٩ - وعن أبي قتادة الأنصاري في قصة صيد الحمار الوحشي وهو

стр. 1848

غير مُحْرم قال: فقال رسول الله ﷺ لأصحابه وكانوا محرمِين: "هل منكم (أ) أحدٌ أمره أو أشار إِليه بشيء؟ قالوا: لا، قال فكلوا ما بقى من لحمه" متفق عليه (١). قوله "وهو غير محرم" يقال كيف جاز له عدم الإحرام، وقد جاوز الميقات؟ وأجيب عنه بأن المواقيت لم تكن وقتت، وقيل: لأن النبي ﷺ بعث أبا قتادة ورفقته لكشف عدو لهم بجهة الساحل، وقيل: إنه خرج (ب) معهم ولكنه لم ينو حجًّا ولا عمرة، وهو بعيد، وقيل: لأنه لم يكن خرج مع النبي ﷺ من المدينة بل بعثه أهل الدينة بعد ذلك إلى النبي ﷺ ليعلمه أن بعض العرب يقصدون الإغارة على المدينة (٢)، وقوله "هل منكم أحد ... " إلخ. فيه دلالة على أنه يجوز للمحرم أن يأكل من لحم الصيد إذا لم يكن من المحرم إعانة على قتله، وهذا مذهب الشافعي وأحمد ومالك وداود، والحديث صريح في ذلك، وذهب الهادوية وغيرهم إلى أنه يحرم على المحرم أكل لحم (جـ) الصيد، وإن لم يكن منه إعانة، وقد حكاه القاضي عياض عن علي وابن عمر وابن عباس ﵃ قالوا لقوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ (٣) والمراد بالصيد المصيد. وأجاب الأولون عن ذلك بأن (د) المراد بالصيد الاصطياد، والحديث

стр. 1849

مبين لهذا المراد، وفي سنن أبي داود والترمذي والنسائي عن جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: "صيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه أو يصاد لكم" (١) وهذا يدل دلالة صريحة على صحة التأويل، ونص في المذهب واستقوى الإِمام المهدي في البحر ما ذهب إليه الشافعي وشرطه بصحة الحديث، وألحق الشافعي بذلك (أ) في التحريم ما صيد لأجله ويحتج له بحديث جابر المذكور، وقال أبو حنيفة: لا يحرم عليه ما صيد له بغير إعانة منه، وقول عمر ابن الخطاب والزبير بن العوام أنه يجوز أكله للمحرم على الإطلاق إذا كان الصائد حلالًا، ولم يذكر المصنف (٢) -رحمه الله تعالى- هنا الرواية التي فيها قول النبي ﷺ : "هل معكم من لحمه شيء" وفي رواية أخرى: "هل معكم منه شيء؟ قالوا معنا رجله، فأخذها رسول الله ﷺ وأكلها", لأنه لم يتفق عليها الشيخان، واقتصر على القدر الذي وقع عليه الاتفاق، والله أعلم. ٥٧٠ - وعن الصعب بن جثامة الليثي ﵁: "أنه أهدى لرسول الله ﷺ حمارًا وحشيًّا وهو بالأبواء أو بوَدّان فرده عليه، وقال: إِنا لم نرده عليك إِلا أنا حرم" متفق عليه (٣). الصعب بالصاد والعين المهملتين ابن جثامة بفتح الجيم والثاء المثلثة،

стр. 1850

كان ينزل ودان والأبواء من أرض الحجاز، حديثه في الحجازيين (١). روى عنه عبد الله بن عباس وشريح بن عبيد الله الحضرمي، مات في خلافة أبي بكر الصديق. قوله "أهدى لرسول الله ﷺ حمارًا وحشيًّا" (٢)، وفي رواية: "حمار وحشٍ يقطر دمًا" (٣)، وفي رواية: "من لحم حمار وحشٍ" (٤)، وفي رواية "عجز حمار وحش" (٥) وفي رواية "عضوًا من لحم صيد" (٦) هذه روايات مسلم، وترجم له البخاري باب إذا أهدى للمحرم حمارًا وحشيًّا لم يقبل (٧)، وروايات مسلم صريحة في أنه مذبوح، وأنه أهدي بعض لحم صيد لأكله. وقوله "فرده عليه وقال: إِنا لم نرده" قال القاضي عياض (٨): رواه المحدثون بفتح الدال، وأنكره محققو شيوخنا أهل العربية، وقالوا هذا غلط وصوابه بضم الدال، ووجدته بخط بعض الأشياخ بضم الدال، وهو الصواب في تحريك الساكنين عند سيبويه فيما كان بعده ضمير الغائب الموصول بالواو على الأفصح، وتحريك الساكن بالكسر في مثله لغة ضعيفة، حكاها الأخفش عن بني عقيل، وغلط ثعلب في جواب الفتح، وأما إذا اتصل به ضمير المؤنث في نحو ردها فالفتح لازم بالاتفاق.

стр. 1851

وقوله "إِلا أنا حُرُم" هو بفتح الهمزة في "أنا حرم" وحرم بضم الحاء والراء أي: محرمون. والحديث فيه دلاله على أن المحرم لا يحل له أكل الصيد، وظاهره مطلقًا لأنه علله بكونه محرمًا، وأجاب عنه من جوز ذلك -كما تقدم- بأنه صاده لأجل النبي ﷺ لحديث جابر، وفي ذلك جمع بين الأحاديث، وفي الحديث دلالة على أنه ينبغي قبول الهدية وإبانة المانع من قبولها إذا كان تطيبًا لقلب المهدي. واعلم أنه وقع الخلاف في الروايات كما عرفت في كون المُهْدَي لحمًا أو حمارًا حيًّا، وفي تعيين ذلك اللحم حتى قال البيهقي (١) في رواية: "عجز حمار، وهو بالجحفة فأكل منه": "هذا إسناد صحيح فإن كان محفوظًا فكأنه رد الحي وقبل اللحم"، وقال الشافعي (٢): فإن كان الصعب أهدى للنبي ﷺ الحمار حيًّا فليس للمحرم ذبح حمار وحشي، وإن كان أهدى لحم الحمار فقد يحتمل أن يكون علم أنه صيد له فرده عليه وإيضاحه في حديث جابر وحديث مالك: "أنه أهدى له حمارًا" أثبت من حديث: "أنه أهدى له من لحم حمار" وقد اعترض ابن القيم على رواية: "فأكل منه" وهي شاذة منكرة، واستقوى رواية من روى: "لحما" لأن راويها حقق بقوله: "يقطر دمًا" ولأنها لا تنافي رواية من روى: "حمارًا" لأنه قد سمى الجُزء باسم الكل وهو شائع في اللغة، ولأن الروايات اتفقت على أنه بعض من أبعاض الحمار، وإنما وقع الاختلاف في ذلك البعض ولا تناقض بينهما، فإنه يمكن أن يكون المهدي الشق الذي فيه العجز الذي فيه رجل مع أنه قد رجع ابن عُيينة عن

стр. 1852

قوله: "حمار" إلى قوله: "لحم حمار" وثبت عليه إلى أن مات ثم اعلم أن قصة أبي قتادة كانت في عام الحديبية سنة ست، وقصة الصعب قد ذكر غير واحد أنها كانت في حجة الوداع منهم المحب الطبري في كتاب "حجة الوداع" له وغيره، وهذا محل نظر، والله أعلم. وكذا في قصة الظبي الحاقف وحمار الفهري هل كان في حجة الوداع؟ (أ) أو في بعض عمره، وقد وهم الطبري فجعل قصة أبي قتادة في حجة الوداع (أ). وقد وقع التصريح في الصحيحَيْن من حديث عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه قال: "انطلقنا مع النبي ﷺ عام الحديبية (١) فأحرم أصحابه ولم أحرم" فذكر قصة الحمار الوحشي، والله أعلم. ٥٧١ - وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "خمس من الدواب كلهن فواسق يُقْتَلْنَ في الحرم: الغراب والحِدَأة والعقرب والفأرة والكلب العقور" متفق عليه (٢). قوله "خمس" وقع في هذه الرواية ذكر الخمس، وفي رواية للبخاري عن ابن عمر قال حدثتني إحدى نسوة النبي ﷺ : "أنه كان يأمر بقتل الكلب" فذكر الخمس هذه وزاد: "الحية"، وزاد: "في الصلاة (٣) أيضًا"، ذكر ذلك في كتاب الصلاة، وفي بعض طرق حديث

стр. 1853

عائشة بلفظ: "أربع" أخرجها مسلم (١)، وأسقط العقرب، وفي بعضه الطرق بلفظ: "ست" أخرجها أبو عوانة في المستخرج فزاد: "الحية" (٢) ووقع في حديث أبي سعيد عند أبي داود بزيادة "السبع العادي" (٣) فصارت سبعًا، وفي حديث أبي هريرة عند ابن خُزَيمة وابن المنذر بزيادة ذكر الذئب والنمر (٤) على الخمس الشهورة فيكون تسعًا إلَّا أنّ ابن خزيمة أفاد عن الذهلي أن ذكر الذئب والنمر من تفسير الكلب العقور، ووقع ذكر الذئب أيضًا في حديث مرسل أخرجه ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور وأبو داود (٥) من طريق سعيد بن المسيب عن النبي ﷺ قال: "يقتل المحرم الحية والذئب" (٦) ورجاله ثقات. وأخرج أحمد عن ابن عمر: "أمر رسول الله ﷺ بقتل الذئب للمحرم" (٧) وفيه حجاج بن أرطأة (٨)، وهو ضعيف وخالفه مسعر عن وبرة فرواه موقوفًا أخرجه ابن أبي شيبة (٩)، فهذا ما ورد في الأحاديث المرفوعة

стр. 1854

زيادة على الخمس المشهورة (أ) [فذكْر الخمس يدل بمفهوم العدد أن غيرهن لا يقتل في الحرم، ولكنه إذا وجد ما هو أقوي منه عمل به، وترك العمل بالمفهوم، والأقوى هو ما زيد على ذلك في رواية "ست" ونحوها] (أ). والدوابّ بتشديد الباء الموحدة جمع دابة وهو ما دبَّ من الحيوان (١)، وظاهر هذا أن الطائر يطلق عليه اسم الدابة لذكره الغراب والحدأة، وهو مطابق لعموم قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا﴾ الآية (٣)، وفي حديث أبي هريرة عند مسلم في صفة بدء الخلق: "وخلق الدواب يوم الخميس" (٤) ولم يفرد الطير بذكر، وبعضهم أخرج من لفظ الدابة الطير لقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ الآية (٥)، وقد اختص في العرف العام، فأطلق الدابة على ذات القوائم الأربع، وقد يخصها بعض أهل العرف (ب) بالحمار، ومنهم من يخصها بالفرس. وفائدة ذلك تظهر في الحلف. وقوله: "كلهن فواسق"، وفي رواية: "كلهن فاسق" فالإفراد باعتبار لفظ كل والجمع باعتبار المعنى. والفسق في اللغة بمعنى الخروج،

стр. 1855

ومنه فسقت الرطبة إذا خرجت عن قشرها وقوله تعالى: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّه﴾ (١) أي خرج، وسمي العاصي فاسقًا لخروجه عن طاعة ربه فهو خروج مخصوص، وزعم ابن الأعرابي أنه لا يعرف في كلام الجاهلية ولا شعرهم فاسق بالمعنى الشرعي، ووصفت الدواب المذكورة بالفسق، قيل لخروجها عن حكم غيرها من الحيوان في تحريم القتل، وقيل في حكم أكله لقوله تعالى: ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ (٣) وقيل لخروجها عن حكم غيرها بالإيذاء والإفساد وعدم الانتفاع، ومن ثم اختلف العلماء، فمن قال بالأول ألحق بالخمس كل ما جاز قتله للحلال وفي الحل، ومن قال بالثاني ألحق ما لا يؤكل إلا ما نهي عن قتله، ومن قال بالثالث خص الإلحاق بما حصل منه الإفساد والإيذاء، وهذا أرجح، يؤيده ما وقع في حديث أبي سعيد عند ابن ماجه: "قيل له لم قيل للفأرة فويسقة؟ فقال: لأن النبي ﷺ استيقظ بها وقد أخذت الفتيلة لتحرق بها البيت" (٤) ففيه إشارة إلى أن وجه التسمية هو إيذاؤها وفعلها شبه فعل الفساق. وقوله: "يقتلن في الحرم" ويعلم من ذلك جواز القتل في الحل بالطريق الأولي، وقد وقع ذلك مصرحًا به عند مسلم بلفظ: "يقتلن في الحل والحرام (أ) " (٥) ويعرف حكم الحلال بكونه

стр. 1856

لم يقم به مانع وهو الإحرام، فهو بالجواز أولى، وظاهر قوله: "يقتلن" أن ذلك مستمر فيترجح الفعل فيه على الترك، وقد وقع في رواية بلفظ: "ليس على المحرم في قتلهن جناح" (١) وفي لفظ "لا حرج على من قتلهن" (٢) كذا في البخاري، وفي لفظ عند (أ) مسلم "أمر" (٣) كذا في حديث أبي رافع عند البزار "وأمر بقتل العقرب والحية والفأرة والحدأة للمحرم" وفي لفظ عند مسلم "أذن" وفي حديث أبي هريرة عند أبي داود وغيره "خمس قتلهن حلال للمحرم" (٤) فلفظ نفي الجناح والحرج والإذن والحلال ولفظ يقتلن تدل كلها على الإباحة واستواء الفعل والترك، ولفظ "أمر" ظاهر في الوجوب، ولكنه قد يحمل على الإباحة لقرينة، والقرينة ورود الألفاظ الدالة على عدم الوجوب، وأيضًا فإن سياق القصة يدل على إباحة القتل للمحرم لا وجوبه. وقوله "في الحرم" بفتح الحاء والراء أرض حرم مكة -شرفها الله تعالى- وجوز بعضهم ضم الحاء والراء جمع حرام كما قال الله تعالى ﴿وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ (٥) والمراد بها المواضع، يدل على أنه يجوز قتل هذه المذكورات في الحرم للمحرم، وفي الحل بالطريق الأولى، وللمحرم أيضًا لرواية: "ليس على المحرم في قتلهن جناح" وغيره وهو من كان حلالًا بالطريق الأوْلَى.

стр. 1857

وقوله "الغراب" وقع في هذه الطريق بذكر الغراب مطلقًا، وفي رواية ابن المسيب عن عائشة عند مسلم مقيدًا بالأبقع (١)، وهو الذي في ظهره أو بطنه بياض، وأخذ بهذا التقييد بعضُ أصحاب الحديث واختاره ابن خزيمة (٢) وهو القاعدة في حمل المطلق على المقيد، وقد أعل ابن بطال هذه الزيادة بأنها من رواية قتادة عن سعيد وهو مدلس، وقد شذ بذلك، وأجيب عنه: بأن الراوي عن قتادة هو شعبة، وهو لا يروي عن شيوخه المدلسين إلا ما هو مسموع لهم، وقد صرح النسائي أيضًا عن شعبة بسماع قتادة (٣)، وأما الشذوذ فهذه زيادة من الثقة الحافظ، وهي مقبولة، قال ابن قدامة: يلتحق بالأبقع ما شاركه في الإيذاء وتحريم الأكل (٤). قال المصنف -رحمه الله تعالى-: وقد اتفق العلماء على إخراج الغراب الصغير الذي يأكل الحب، ويقال له غراب الزرع، ويقال له الزاغ، وأفتوا بجواز أكله فبقي ما عداه من الغربان ملتحقًا بالأبقع، انتهى (٥). وعموم كلام القاسم الرسي يقضي بمثل هذا وإن كان ظاهر كلام المُؤَيَّد وأبي طالب أن غراب الزرع لا يحل أكله ومثل (أ) الأبقع العداف، قال ابن قدامة وهو غراب البين، والمعروف عند أهل اللغة أنه الأبقع، وقيل إنه سمي غراب البين لأنه بان عن نوح ﵇ لما أرسله من السفينة

стр. 1858

ليكشف خبر الأرض فلقي جيفة فوقع عليها ولم يرجع إلى نوح، وكان أهل الجاهلية يتشاءمون به، وكانوا إذا نعب مرتين قالوا آذن بشر، وإذا نعب ثلاثًا قالوا أذِنَ بخير، فأبطل الإِسلام ذلك، وكان ابن عباس إذا سمع الغراب قال: اللهم لا طير إلا طيرك ولا خير إلا خيرك ولا إله غيرك (١). ومن أنواع الغراب الأعصم، وهو الذي في رجليه أو جناحه أو بطنه بياض أو حمرة، وحكمه حكم الأبقع، وكذا العقعق وهو قدر الحمامة على شكل الغراب، قيل يسمى بذلك لأنه يعق فراخه فيتركها بلا طعم، والعرب تتشاءم به أيضًا، ووقع في فتاوى قاضي خان الحنفي: من خرج لسفرٍ فسمع صوت العقعق فرجع كَفَرَ. وحكمه حكم الأبقع على الصحيح، وقيل حكم غراب الزرع. وقال أحمد: إن أكل الجيف وإلا فلا بأس به (٢). وقد روى أبو داود خلافًا عن عطاء أنه لا يحل للمحرم قتل الغراب (٣) وقال إن أذاه المحرم فعليه الجزاء. قال الخطابي (٤): لم يتابع أحد عطاء (أ) على هذا ويحتمل أن يكون مراده غراب الزرع، وظاهر إباحة القتل له وللحداء أنهما يقتلان، وإن لم يبتدئا بالأذى، ولا فرق بين كبارهما وصغارهما. وعند المالكية اختلاف

стр. 1859

في ذلك، والمشهور عندهم لا فرق وفاقًا للجمهور. وقوله "والحِدَأَة" بكسر الحاء المهملة وفتح الدال بعدهما همزة بعدها تاء التأنيث (أعلى وزن عنَبَة أ)، والحدا من دون تاء، وحكى صاحب المحكم المد فيه (١) من دون تأنيث، وحكى الأزهري فيها "حِدَوَة" بواو بدل الهمزة، وقد وقع في البخاري في باب بدء الخلق بلفظ "الحُدَيَّا" (٢) بضم أوله وتشديد الياء التحتانية مقصورًا، وقيل إنه سُهِّل من الهمزة ثم أدغم، وقيل هي لغة حجازية، وغيرهم يقول حدية، وهي أخسّ الطير، وهي لا تضر لكن تخطف، ومن طبعها أنها لا تخطف إلا من يمين من تخطف منه دون شماله حتى قيل إنها عسراء، وأما الحدا (٣) بفتح الحاء فهي الفأس التي لها رأسان. وقوله "والعقرب" هو يقال للذكر والأنثى، وقد يقال عقربة وعقرباء وهي أنواع منها الجرادة والطيارة وما له ذنب كالحربة ويعقد ومنها السود والخضر، وأكثر ما يكون ضررها إذا كانت حاملة، والعقارب القاتلة تكون بموضعين: شهر زور وعسكر مكرم، وَتَقْتل بلسعها مع صغرها، وناهيك بهذا فسقًا وليس منها العقربان بل هي دوبية طويلة كثيرة القوائم، قال صاحب المحكم: ويقال إن عين العقرب في ظهرها وأنها لا تضرب ميتًا ولا نائمًا حتى يتحرك، ويقال لدغته بالغين المعجمة ولسعته بالمهملتين، وقد تقدم اختلاف الرواة في ذكر الحية (٤) بدلها ومن جمعهما، والذي يظهر

стр. 1860

أنه ﷺ نبه بإحداهما عن الأخرى عند الاقتصار، وبين حكمهما معًا حيث جمع كذا قال المصنف (١) -رحمه الله تعالى- وهذا مستقيم إذا صح تعدد القصة، وأما إذا كان ذلك في قصة واحدة فهو غير مستقيم، والذي يظهر لي أنه وقع من النبي ﷺ ذكرهما جميعًا فمن رواهما حكى القصة بعينها، ومن ذكر أحدهما فلعله اقتصر واستغنى بذكر إحداهما عن الأخرى للاتفاق في الحكم والأذى، أو لعل أحد الراويين نسى الجمع فاقتصر على ما ذكر. قال ابن المنذر: لا نعلمهم اختلفوا في جواز قتل العقرب. وقال نافع لما قيل له: فالحية قال: أنختلف فيها (أ) (٢)؟ وفي رواية من يشك فيها. وتعقبه ابن عبد البر بما أخرجه ابن أبي شيبة من طريق شعبة أنه سأل الحكم وحمادًا فقالا: لا يقتل المحرم الحية ولا العقرب، قال: ومن حجتهما أنهما من هوام الأرض فيلزم من أباح قتلهما مثل ذلك في سائر الهوام، وعند المالكية اختلاف في قتل صغير الحية والعقرب التي لا تتمكن من الأذى. وقوله "والفأرة" بهمزة ساكنة، ويجوز فيها التسهيل، ولم يختلف العلماء في جواز قتلها للمحرم إلا ما حكي عن إبراهيم النخعي فإنه قال: فيها جزاء إذا قتلها المحرم، أخرجه ابن المنذر (٣)، وقال هذا خلاف السنة، وخلاف قول جميع العلماء، ونقل عن المالكية مثل ما تقدم، والفأر
следующие страницы →