فاضطرب في سماع عبد الرحمن ولكنه إذا ثبت (أ) رواية السماع حمل على أنه سمع منه بعد ذلك. فهذا الحديث يدل على تحريم الانتفاع من الميتة بالإِهاب والعصب، وهو إذا كان متأخرا فهو ناسخ للحديث الأول، وإن لم يعلم تأخره فقد عارض ووجب الترجيح، وهذا أرجح لما فيه من التاريخ، ولأن فيه حظرا (ب)، والأول مبيح، والحظر مرجح على الإِباحة. وأجيب بأنه لا يقوي على النسخ والمعارضة. أما الأول فلأن حديث الدباغ أصح فإنه مما اتفق عليه الشيخان، وروي من طرق متعددة حتى عد فيه (جـ) خمسة عشر حديثًا: عن ابن عباس حديثان، وعن أم سلمة ثلاث، وعن أنس حديثان وعن سلمة ابن المُحَبِّق وعائشة والمغيرة وأبي أمامة وابن مسعود وسفيان (د) وثابت وجابر وأثران (هـ) عن سودة وابن مسعود، ورواية التاريخ معلة، فقد رواها خالد الحذاء وخالفه شعبة، وهو أحفظ منه، وشيخهما واحد، فلا يقوي على النسخ، (وأيضًا فإن النسخ يتوقف على أن
стр. 177
يكون الناسخ آخر الأمر، ولم يدل شيء من الرواية أن حديث ابن عكيم كان آخر الأمر والتاريخ بما ذكر لا يقضي بذلك بل قد) (أ) روي عن علي ﵇ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لَا يُنْتَفَعُ (ب) مِن الميْتة بإِهَابٍ ولَا عَصَبٍ"، فلما كان من الغد خرجت أنا وهو فإذا نحن بسَخْلَةٍ مطروحة على الطريق، فقال: "ما كان على أهل هذه لو انتفعوا بإهابها؟ " فقلت: يا رسول الله أين قولك بالأمس؟ فقال: "يُنْتَفَع منها بالشَّيء". رواه في أصول الأحكام فإنه يقضي أن (جـ) الإِباحة آخر الأمر عكس ما احتج به أهل القول الآخر، فثبت عدم صحة النسخ، وأما المعارضة على فرض جهل التاريخ فهي ممنوعة (د لعدم الاستواء د) لما تقدم، وهذا على القول بأن العام المتأخر ناسخ للخاص المتقدم، وأما على القول بأن الخاص المتقدم مخصص (هـ) للعام، وإن تأخر، فالأمر ظاهر، فإنه يبني العام على الخاص على جميع (و) التقادير، فأحاديث الدباغ خاصة، وحديث ابن عكيم عام، فهو معمول به فيما لم يدبغ، فخرج (ز) عنه ما قد (ز) دبغ.
وأيضًا فقد روي عن النضر بن شميل: أن الإِهاب اسم لما لم يدبغ (١)، وبعد الدبغ يقال له: شن وقربة، والجوهري جزم به (٢)، وقال ابن شاهين (٣): لما
стр. 178
احتمل الأمرين، وجاء قوله: أيما إهاب دبغ (أفقد طهر أ) فحملناه على ما لم يدبغ جمعنا بين الحديثين.
والمذهب الثالث: يطهر بالدباغ (ب) جلد مأكول اللحم ولا يطهر غيره، وهو مذهب الأوزاعي وابن المبارك وأبي ثور وإسحاق بن راهويه، ولعل ذلك بناء على قصر العام الوارد على السبب على سببه، والسبب الشاة، فكان ذلك فيها، وقيس سائر المأكولات عليها، والصحيح خلافه.
والمذهب الرابع: يطهر الجميع بالدبغ (جـ) إلا الخنزير، وهو مذهب أبي حنيفة، وقد تقدم دليله (١).
والمذهب الخامس: يطهر الجميع، إلا أنه يطهر ظاهره دون باطنه فيستعمل في اليابسات دون المائعات ويصلي عليه (د)، ولا يصلي فيه، وهذا هو المشهور عن مالك (٢) في حكاية أصحابه عنه، (وجمع بين الأحاديث بهذا التأويل، لما تعارضت) (هـ).
والمذهب السادس: يطهر الجميع ظاهرا وباطنا وهو مذهب داود وأهل الظاهر وحكي عن أبي يوسف لعموم الحديث.
стр. 179
والمذهب السابع: ينتفع بجلود الميتة وإن لم يدبغ ظاهرا وباطنا، وهو مذهب الزهري، وحجته قوله ﷺ لما مر بشاة ميتة فقال: "هلا استمتعتم بإهابها" قالوا: إنها ميتة، قال: "إنما حرم أكلها".
أخرجه البخاري (١) من رواية الزهري عن ابن عباس وأخرج من حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس: مر النبي ﷺ بعنز ميتة فقال: "ما على أهلها لو انتفعوا بإهابها" (٢)؟ والجواب عنه بأن هذا مطلق وحديث الدباغ مقيد والواجب حمل المطلق على المقيد.
والإِهاب ككتاب يجمع على أهب بضم الهمزة والهاء بفتحهما لغتان، ويقال: طهر الشيء وطهر بفتح الهاء وضمها لغتان الفتح أفصح، ذكره النووي (٣) (أقال أصحابنا: ولا يجوز استعمال جلد الميتة قبل الدبغ في الأشياء الرطبة، ويجوز في اليابسة على كراهة. انتهى أ).
١٧ - وعن سلمة بن المُحَبِّق ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "دِباغُ جُلودِ الميتةِ طَهُورُها". صححه ابن حبان (٤).
هو أبو سنان سلمة بن المحبق، ويقال: سلمة بن ربيعة بن المحبق بضم الميم وفتح الحاء المهملة وتشديد الباء (ب) المكسورة والقاف، وأصحاب الحديث
стр. 180
يفتحون الباء، واسم المحبق، صخر بن عتبة، ويقال (أ): عتيبة بن الحارث، وعتبة بالعين المهملة المضمومة فالتاء المنقوطة اثنتين من أعلى الساكنة والباء الموحدة وعتيبة مصغرها وسلمة هذلي يعد في البصريين روى عنه ابنه سنان ولسنان صحبة (١)، روى عنه الحسن البصري وقبيصة بفتح القاف وكسر الباء الموحدة والصاد المهملة ابن حريث مصغرا وبالحاء المهملة والراء المهملة والياء المنقوطة من أسفل اثنتين والثاء المثلثة (٢).
الحديث روي بألفاظ متعددة فلفظ ابن حبان على ما رواه المصنف -رحمه الله تعالى- في التلخيص من حديث عائشة: دباغ جلود الميتة طهورها (٣)، وفي الطبراني (٤) من حديث المغيرة بن شعبة وزيد بن ثابت وأبي أمامة وابن عمر بلفظ: جلود الميتة دباغها طهورها، وحديث ابن عمر أيضًا عند ابن شاهين (٥)، وحديث زيد بن ثابت في تاريخ (٦) نيسابور، وفي الكنى للحاكم أبي أحمد في ترجمة أبي سهيل، (ب وفي البيهقي عن هذيل بن شرحبيل عن بعض أزواج النبي ﷺ ، أم سلمة أو غيرها (٧) وفي الدارقطني (٨) ب) عن أم سلمة بلفظ: إن
стр. 181
دباغها يحل كما يحل خل الخمر، وفيه الفرج بن فضالة، وهو ضعيف (١)، وعن أنس وجابر وابن مسعود ذكرها أبو القاسم ابن منده في مستخرجه، وفي لفظ أحمد وأبي داود والنسائي والبيهقي وابن حبان عن سلمة ابن المحبق بلفظ: دباغ الأديم ذكاته، وفي لفظ: دباغها ذكاتها (أ) وفي لفظ: دباغها طهورها، وفي لفظ: ذكاتها دباغها، وفي لفظ: ذكاة الأديم دباغه (٢)، وإسناده صحيح، وإن كان أحمد أعله بعدم معرفة (٣) الجون (ب) راويه، وقد عرفه علي بن المديني وغيره.
وفي الباب أيضًا من حديث ابن عباس في مسلم (٤) بلفظ دباغه طهوره، وفيه قصة سؤال ابن وعلة لابن عباس، وفي لفظ الدارقطني (٥) وابن شاهين عن ابن عباس: دباغ كل إهاب طهوره، وفي رواية الدولابي (٦) بعد سؤال (جـ) ابن عباس عن الفراء تصنع من جلود الميتة فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ذكاة كل مسك دباغه" ورواه البزار والطبراني والبيهقي من حديث عطاء عن ابن عباس في شاة ميمونة، فقال ﷺ : "فإن دباغ الأديم طهوره" (٧)، وفيه ابن عطاء
стр. 182
عن أبيه (١)، وهو ضعيف، عند (أ) يحيى بن معين وأبي زرعة ومن حديث ابن عباس في سياق آخر عند أحمد وابن خزيمة والحاكم والبيهقي (٢)، من طريق سالم ابن أبي الجعد (ب) عن أخيه عن ابن عباس فقال: دباغه (جـ) يزيل خبثه أو نجسه أو رجسه، وإسناده صحيح، قاله الحاكم والبيهقي.
وفي (د) قوله: دباغ الأديم ذكاته ونحوه يريد أن الدباغ في التطهير بمنزلة تذكية الشاة في الإِحلال لأن (هـ) الذبح يطهرها ويحل أكلها، فهو من باب التشبيه البليغ أو (و) الاستعارة على ما اختاره المحقق سعد الدين التفتازاني (٣).
١٨ - وعن ميمونة ﵂ قالت: "مر رسول الله ﷺ بشاة يجرُّونها، فقال: لَوْ أخذتم إهَابَها، فقالوا: إنّها ميتة، فقال: يُطهِّرها الماء والقرظ*" أخرجه أبو داود والنسائي (٤).
стр. 183
هي أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث الهلالية العامرية، وأمها هند بنت عوف بن زهير من حمير، وقيل من كنانة، ويقال: إن اسمها كان برة فسماها النبي ﷺ : ميمونة، تزوجها في الجاهلية مسعود بن عمر الثقفي، وفارقها، وتزوجها أيضًا أبو رهم (أ) بن عبد العزى، وتوفي عنها فتزوجها رسول الله ﷺ في ذي القعدة سنة سبع في عمرة القضية بسَرِف على عشرة أميال من مكة، وماتت في ذلك المكان الذي تزوجها فيه بسرف سنة إحدى وستين، وقيل: إحدى وخمسين، وقيل: ثلاث وستين، وقيل: ست وستين، وقيل: غير ذلك، وصلى عليها ابن عباس، وهي أخت أم الفضل امرأة العباس وأخت أسماء بنت عميس (١)، قيل: لم يتزوج النبي ﷺ بعدها. روى عنها ابن عباس ويزيد بن الأصم وعبد الله بن شداد بن الهاد وكريب وعطاء بن يسار (٢).
الحديث رواه أيضًا مالك من حديث ميمونة، وصححه ابن السكن والحاكم (٣). وفي الباب عن ابن عباس مرفوعًا أخرجه الدارقطني: أليس في الماء والقرظ ما يطهرها (٤)؟ وأما رواية أليس في الشب والقرظ والماء ما يطهرها؟ فقال (ب) النووي في الخلاصة (٥): هو بهذا اللفظ باطل لا أصل له، وقال في شرح المهذب (٦): ذكر الشب إنما هو من كلام الشافعي. قال (جـ) الأزهري (٧): هو
стр. 184
بالباء الموحدة من الجواهر التي جعلها الله تعالى في الأبيض تشبه الزاج، وقال غيره بالمثلثة. قال الجوهري (١): نبت طيب الرائحة مر الطعم يدبغ به. قال النووي (٢) في شرح مسلم: يجوز الدباغ بكل شيء ينشف فضلات الجلد ويطيبه، ويمنع من ورود الفساد عليه كالشب والقرظ وقشور الرمان وغير ذلك من الأدوية الطاهرة، ولا يحصل بالشمس عندنا، وقال أصحاب (٣) أبي حنيفة: يحصل ولو (أ) بالتراب والرماد والملح على الأصح وبالأدوية (ب) النجسة كزرق الحمام، والشب المتنجس فيه وجهان أصحهما حصوله، ويجب غسله بعد الفراغ على أحد احتمالين، وفي الاحتياج إلى الماء وجهان (٤). قال (جـ) أصحابنا: ولا يفتقر الدباغ إلى فعل فاعل، فلو أطارت الريح جلد ميتة فوقع في مدبغة طهر وإذا (د) دبغ جاز الانتفاع به بلا خلاف، وفي بيعه قولان للشافعي أصحهما يجوز، وفي أكله ثلاثة أوجه أو أقوال أصحها: لا يجوز (هـ والثاني: يجوز هـ) والثالث: يجوز جلد المأكول لحمه دون غيره، ومع القول بأن شعر الميتة نجس فلا يطهر الشعر بالدبغ على الأصح، والأشهر من قولي الشافعي: قال أصحابنا ولا يجوز استعمال جلد الميتة قبل الدبغ في الأشياء الرطبة ويجوز في اليابسة على كراهة. انتهي.
стр. 185
١٩ - وعن أبي ثَعْلَبة الخُشَنِيّ ﵁ قال: "قلت يا رسول الله إلَّا بأرض قوم أهلِ كتاب أفناكلُ في آنيتهم؟ قال: لا تأكلوا فيها إلا أن لا تجدوا غيرها فاغسلوها وكلوا فيها" متفق عليه (١).
هو جرهم (٢) بضم الجيم وضم (أ) الهاء ابن ناشب بالنون وكسر الشين المعجمة والباء الموحدة، الخشني بضم الخاء المعجمة وفتح الشين المعجمة وبالنون، وقيل: جرثوم بضم الجيم وضم الثاء المثلثة، وقيل: ابن ناشم، وقيل ابن لاشر (ب)، وقيل: بل اسمه عمرو بن حرقوم، وقيل غير ذلك، اشتهر بكنيته، بايع النبي ﷺ بيعة الرضوان وضرب له بسهم يوم خيبر، وأرسله إلى قومه فأسلموا، نزل الشام، ومات بها سنة خمس وسبعين وقيل: مات زمن معاوية. قال ابن عبد البر: وهو الأكثر. روى عنه أبو (جـ) إدريس الخولاني وجبير بن نفير ومكحول.
الحديث فيه دلالة على نجاسة آنية أهل الكتاب وأن رطوبتهم نجسة، إذ أمر النبي ﷺ باجتنابها ثم رخص بشرط عدم وجدان الغير وغسلها (د "وهو دليل من قال (هـ) بنجاسة الكافر مطلقا، وهو مذهب الهادي والقاسم والناصر ومالك (٣) وهو موافق لظاهر (و) قوله تعالى (د) ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ (٤)
стр. 186
ومذهب الباقر (١) والمؤيد بالله وأبي حنيفة والشافعي (٢) والإِمام يحيى وجماعة (أن رطوباتهم طاهرة كغيرهم) (أ)، قالوا: لقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ (٣)، ولأن النبي ﷺ توضأ من مزادة المشركة (٤).
وعن جابر ﵁ قال: كنا نغزو مع رسول الله ﵌، فنصيب في آنية المشركين وأسقيتهم (فنستمتع بها) (ب)، ولا يعيب ذلك علينا. رواه أحمد وأبو داود (٥).
وعن أنس أن يهوديا دعا النبي ﷺ إلى خبز شعير وإهالة سَنِخَة فأجابه. رواه أحمد (٦)، الإِهالة (٧)، الودس (جـ).
وعن عمر الوضوء من جرة نصرانية (٨) (د)، قال في البحر (٩): والأولى الاستدلال بأنه لو حرمت رطوبتهم لاستفاض نقل توقيهم لقلة المسلمين حينئذ، وأكثر مستعملاتهم لا تخلو منها ملبوسا ومطعوما، والعادة في مثل ذلك تقتضي الاستفاضة. انتهى.
стр. 187
وحديث أبي ثعلبة ليس على ظاهره وإنما هو محمول على كراهة (أ) الأكل في آنيتهم، للاستقذار إذ لو كان لأجل النجاسة لم يجعله مشروطا بعدم وجدان الغير إذ الإِناء المتنجس بعد إزالة نجاسته هو وما لم يتنجس على سواء، وإنما ذلك للاستقذار فهو كالأكل في المحجمة المغسولة، وأيضًا فإن الحديث في رواية أبي داود وأحمد، واللفظ لأبي داود: أنه سأل رسول الله ﷺ قال: إنَّا نجاور أهل الكتاب، وهم يطبخون في قدورهم الخنزير، ويشربون في آنيتهم الخمر، فقال رسول الله ﵌: "إن وجدتم غيرها فكلوا فيها واشربوا" (ب)، وإن لم تجدوا غيرها فارحضوها (جـ) بالماء، وكلوا واشربوا (١)، فالأمر بالاجتناب والغسل إنما هو لما يقع فيها من النجاسة، ليس لأجل رطوبتهم، والمطلق يحمل على المقيد فبطل الاحتجاج به، وأما قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ فمعناه ذوو (د) نجس لأن معهم الشرك الذي بمنزلة النجس، ولأنهم لا يتطهرون ولا يغتسلون ولا يتجنبون النجاسات، فهي ملابسة لهم، ولذلك كان نتيجته قوله تعالى: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ (٢) أي لا يحجوا ولا يعتمروا ووجب (هـ) المصير إلى هذا للجمع بين هذه الآية وآية المائدة وهي أصرح في المقصود وأما الاحتجاج على الطهارة بحديث جابر ففيه نظر، إذ ذلك بعد الاستيلاء، وبعد الاستيلاء غير محل النزاع.
قال في المنتقى: وقد ذهب بعض أهل العلم إلى المنع من استعمال آنية الكفار
стр. 188
حتى تغسل إذا كانوا ممن لا تباح ذبيحته، وكذلك من كان من النصارى بموضع متظاهر فيه بأكل لحم الخنزير متمكنا منه، أو يذبح بالسن والظفر ونحو ذلك، وأنه لا بأس بآنية من سواهم جمعا بذلك بين الأحاديث، واستحب بعضهم غسل الكل لحديث الحسن بن علي ﵄ قال: حفظت من رسول الله ﷺ "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك". رواه أحمد والنسائي والترمذي وصححه (١). انتهى.
٢٠ - وعن عمران بن حصين ﵁ أن النبي ﷺ ، وأصحابه توضأوا من مَزَادَةِ امْرأةٍ مشركة (٢). متفق عليه في حديث طويل.
هو أبو نجيد بضم النون وكسر الجيم والياء الساكنة والدال المهمنة عمران بن حصين بن عبيد الخزاعي الكعبي، أسلم عام خيبر، وسكن البصرة إلى أن مات بها سنة اثنتين وخمسين، وقيل: سنة ثلاث، وكان من فضلاء الصحابة وفقهائهم، أسلم هو وأبوه روى عنه أبو رجاء العطاردي ومطرف بن عبد الله زرارة بن أبي أوفى" (٣).
تقدم الكلام على فقه الحديث.
٢١ - وعن أنس بن مالك ﵁ أن قدح النبي ﷺ انْكَسرَ، فاتخذ مكان الشِّعبِ سِلْسِلَةً مِن فِضَّةٍ. أخرجه البخاري (٤).
стр. 189
وحكى البيهقي (١) عن موسى بن هارون أو غيره أن الذي جعل السلسلة هو أنس لأن لفظه، فجعلت مكان الشعب سلسلة. وجزم بذلك ابن الصلاح.
وقال المصنف (٢) -رحمه الله تعالى- وفيه نظر لأن في الخبر عند البخاري عن عاصم الأحول قال: رأيت قدح رسول الله ﷺ عند أنس بن مالك، فكان قد انصدع فسلسه بفضة. قال (أ): وهو قدح جيد عريض نضار. قال أنس: لقد سقيت رسول الله ﷺ في هذا القدح أكثر من كذا وكذا، قال: وقال ابن سيرين: إنه كان فيه حلقة من حديد، فأراد أنس أن يجعل مكانها حلقة من ذهب أو فضة، فقال له أبو طلحة: لا تغيرن شيئًا صنعه رسول الله ﷺ فتركه. هذا لفظ البخاري (٣)، وهو يحتمل أن يكون الضمير في فسلسله (ب) بفضة عائد إلى النبي ﵌ (٤)، ويحتمل أن يكون عائد إلى أنس (٥) كما ذكر البيهقي، وجزم به ابن الصلاح إلا أن آخر الحديث يدل على تعين الأول فإنه لما قال له أبو طلحة: لا تغيرن شيئًا صنعه رسول الله ﷺ ، فتركه تصريح بأن القدح لم يتغير عن (جـ) موضوعه الأول الذي كان عليه مع النبي ﵌، وفي المواهب اللدنية: كان للنبي ﵌ قدح مُضَبَّبٌ بسلسلة من فضة في ثلاثة مواضع (٦) وهو يؤيد الأول.
стр. 190
والحديث يدل على جواز تضبيب الإناء بالفضة، وهو مجمع على جواز ذلك، والشعب: الصدع والشق، والسلسلة مصدر بفتح الفاء: اتصال الشيء بالشئ، (وبالكسر المتخذ لذلك) (١) (أ)، والنضار بضم النون خشب للأواني ويكسر (٢)، ومنه كان منبر النبي ﵌.
(اشتمل باب الآنية على ثمانية أحاديث) (ب).
стр. 191
باب إزالة النجاسة وبيانها
٢٢ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: "سئل رسول الله ﷺ عن الخمر تُتَّخذُ خلًّا؟ قال: لا " أخرجه مسلم والترمذي (١) وقال: حسن صحيح.
الحديث يدل على أنه لا يجوز أن يتخذ الخمر خلا واتخاذها هو علاجها حتى تصير خلا، وهذا مذهب العترة ﵈ والشافعي (٢)، ولأن النبي ﷺ نهى أبا طلحة لما مسألة عن أيتام ورثوا خمرا، فقال له (أ) النبي ﵌: "أرقها"، أو قال (ب): ألا أجعلها لهم خلا؟ قال: لا، أخرجه أبو داود والترمذي (٣) فإن فعل ذلك لم تطهر، ولم تحل عند الهادي والقاسم والشافعي (٤) وأصحابه للنهي المذكور وهذا إذا كان العلاج بوضع شيء فيها (جـ)، وأما إذا كان علاجها (د) بنقلها من الظل إلى الشمس أو العكس فلأصحاب الشافعي
стр. 192
وجهان أصحهما أنها تطهر (١)، وكذا في شرح الأثمار لابن بهران، وفي شرح الفتح أن ذلك علاج فلا تطهر على المذهب، وعند المؤيد بالله (٢) أنها تطهر بالعلاج، وإن كان حراما للاستحالة، وقال أبو حنيفة (٣): بل يحل العلاج وتطهر وهو مذهب الأوزاعي والليث لقوله ﷺ في حديث أم سلمة في تطهير الدباغ لجلود الميتة إن دباغها تحل كما يحل خل الخمر رواه الدارقطني (٤).
وأجيب أولًا بضعف الحديث فإن فيه الفرج بن (٥) فضالة، وهو ضعيف، وثانيا بأنه (أ) متأول بما تخللت بنفسها من دون علاج (ب، جمعا بين الأحاديث.
قال النووي (٦) -رحمه الله تعالى- وقد أجمعوا على (جـ) أنها إذا تخللت بنفسها من دون علاج (طهرت، وقد حكى عن سحنون (٧) المالكى أنها لا تطهر، "فإن صح عنه فهو محجوج بإجماع من قبله. انتهى.
وقال الإِمام المهدي في (٨) البحر: بل كثير من أصحابنا أنها لا تطهر د)، كان تخللت بنفسها من دون علاج، ومنهم الإِمام أحمد بن سليمان، وعن مالك في تخليل الخمر ثلاث روايات أصحها عنه: أن التخليل حرام فلو خللها عصى
стр. 193
وطهرت، والثانية: حرام ولا تطهر، والثالثة: حلال وتطهر (١).
٢٣ - وعنه ﵁ قال: لما كان يوم خيبر أمر رسول الله ﷺ أبا طلحة فنادى: إن الله ورسوله يَنْهيَانِكُم عن لحوم الحُمُرِ فإنَّها رِجْسٌ متفق عليه (٢).
وحديث أنس في البخاري: أن رسول الله ﷺ جاءه جاءٍ فقال: أُكِلت الحمر، ثم جاءه جاءٍ فقال: أُكِلت الحمر، ثم جاءه جاءٍ فقال: أُفنِيت الحمر فأمر مناديا فنادى في الناس: إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية فإنها رجس فأُكفِئَت القدور وإنها لتفور باللحم (٣).
وعن ابن عمر مثله (٤) وعن علي قال: نهى النبي ﷺ عن المتعة عام خيبر، وعن لحوم الحمر الإِنسية (٥).
وعن جابر بن عبد الله ﵁ نهى النبي ﷺ عام خيبر عن لحوم الحمر (أورخص في لحوم الخيل (٦).
وعن ابن أو أوفى والبراء قالا: نهى النبي ﷺ عن لحوم الحمر أ) (٧).
стр. 194
وعن أبي ثعلبة قال: حرم رسول الله ﷺ لحوم حمر (أ) الأهلية (١)، أخرجها (ب) البخاري، وأخرج الترمذي (٢) عن أبي هريرة والعرباض بن سارية وأبو داود والنسائي عن خالد بن الوليد وعمرو بن شعيب عن أبيه بن جدة (٣) وأبو داود والبيهقي من حديث المقدام بن معد يكرب مثله (٤) ورواه الدارمي من طريق مجاهد عن ابن عباس قال: نهى رسول الله ﷺ يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية (٥)، وفي رواية لمسلم (٦) قال:. هريقوها واكسروها، فقال رجل: يا رسول الله لو نهريقها ونغسلها، قال: أو ذاك، وفي رواية (٧) لمسلم: ينهيانكم عن لحوم الحمر فإنها رجس أو نجس فأكفئت القدور بما فيها.
والحديث يدل على تحريمها وقد اختلف العلماء في المسألة، فقال الجماهير من الصحابة والتابعين ومن بعدهم تحريم لحومها لهذه الأحاديث الصحيحة الصريحة، وقال ابن عباس: ليست بحرام.
وفي الصحيحين (٨) من رواية الشعبي عن ابن عباس: لا أدري أنهي عنها من أجل أنها كانت حمولة الناس أو حرمة.
стр. 195
وفي البخاري عن عمرو بن دينار: قلت لجابر بن زيد: يزعمون أن رسول الله ﷺ عن لحوم الحمر الأهلية، فقال: قد كان يقول ذلك الحكم بن عمرو الغفاري عندنا بالبصرة. ولكن أبي ذلك البحر (١).
وعن مالك ثلاث روايات أشهرها أنها مكروهة (أ) كراهة تنزيه شديدة، والثاني حرام، والثالث مباحة (ب)، وحجته عموم قوله تعالى: ﴿قل لا أجد﴾ الآية (٢) وابن عباس تلاها جوابا عمن مسألة عن تحريمها، أخرجه البخاري (٣)، وأيضًا فإن أبا داود (٤) أخرج عن غالب بن الحر قال: أصابتنا سنة فلم يكن في مالي شيء أطعم أهلي إلا شيء من حمر، وقد كان رسول الله ﷺ حرم لحوم الحمر الأهلية، فأتيت النبي ﷺ ، فقلت يا رسول الله أصابتنا السنة، ولم يكن في مالي ما أطعم أهلي إلا سمان حمر، وإنك حرمت لحوم (جـ) الحمر الأهلية، فقال: "أطعم أهلك من سمين حمرك، فإنما حرمتها من أجل جوال القرية"، يعني بالجوال التي تأكل الجلة، وهي العذرة. وأجيب بأن الآية مخصصة بالأحاديث الصحيحة المتقدمة.
وهذا الحديث مضطرب مختلف الإِسناد شديد الاختلاف وإن صح حمل على الأكل منها في حال الاضطرار. والله أعلم.
وفي قوله: اكسروها، وقال رجل: أو نغسلها: هذا صريح في نجاستها
стр. 196
وتحريمها (أوقوله في الرواية الأخرى: فإنها رجس أو نجس صريح أيضًا ويدل على غسل ما أصابته النجاسة أ)، ولا يجب التسبيع إذ أطلق الغسل. وقال أحمد في أشهر الروايتين عنه: إنه يجب التسبيع (١)، وفي الأمر بكسرها يحتمل أنه كان بوحي أو باجتهاد ثم نسخ، وتعين الغسل، ولا يجوز الكسر إذ هو إضاعة مال.
وفيه دلالة على أنه إذا غسل الإناء فلا بأس باستعماله، والله أعلم.
والإنسية بسكون النون مع فتح الهمزة وكسرها والإنْسي: الأنِسُ من كل شيء.
وقوله: ينهيانكم، يرد عليه كيف جمع في الضمير مع نهيه ﷺ لثابت بن قيس في قوله: ومن يعصهما (٢) إلا أن تكون هذه حكاية لقول النبي ﷺ لا من قول أبي طلحة وذلك غير ممتنع منه إنما يمتنع وقوع ذلك من غيره، وقد ورد أيضًا في البخاري من أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما (٣) وذكر معنى هذا الزركشي (ب) في شرح البخاري. (وسيأتي تمام الكلام عليه في كتاب البيوع إن شاء الله تعالى) (جـ).
٢٤ - وعن عمرو بن خارجة ﵁ قال: "خطَبنا رسول الله ﷺ بمنًى، وهو على راحِلَتِه، ولُعابُها يسيلُ على كتفي" أخرجه أحمد والترمذي. وصححه (٤).
стр. 197
هو عمرو بن خارجة بن المنتفق (١) بضم الميم والنون الساكنة والتاء فوقها نقطان المفتوحة وكسر الفاء وبعدها قاف، الأنصاري حليف أبي سفيان، عداده في أهل الشام، روى عنه عبد الرحمن بن غنم بفتح الغين المعجمة وسكون النون، وشَهر بن حَوْشَب بفتح الشين المعجمة وسكون الهاء حوشب بفتح الحاء المهملة وسكون الواو بالشين المعجمة والباء الموحدة.
والحديث يدل على أن لعاب ما يؤكل لحمه طاهر والظاهر أنه إجماع (٢) واللعاب بضم أوله ما سال من الفم.
٢٥ - وعن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ ويغسل المنيَّ، ثم يخرج إلى الصلاة في ذلك الثوب، وأنا أنظر إلى أثر الغسْلِ فيه". متفق عليه (٣).
ولمسلم: "لقد كُنت أفرُكُه من ثوب رسول الله ﷺ فركًا فيصلي فيه" (٤) وفي لفظ له: "لقد (أ) كنت أحُكُّه يابِسًا بظُفْرِي من ثوبه" (٥).
стр. 198
أخرجه البخاري من خمس طرق من حديث سليمان بن يسار عن عائشة بألفاظ مختلفة، وفي جميعها أنها كانت تغسل المني من ثوب رسول الله ﷺ وفي بعضها (١): وأثر الغسل في ثوبه بقع الماء. وفي أخرى (٢) فيخرج إلى الصلاة، كان بقع الماء في ثوبه. وفي أخرى (٣): وأثر الغسل فيه بقع الماء. وفي أخرى (٤) أنها كانت تغسل المني من ثوب رسول الله ﷺ ، ثم أراه فيه بقعة أو بقعا والظاهر عود الضمير إلى المنى، وجعله البخاري في باب إذا غسل الجنابة ولم يذهب أثرها (٥)، ولم يذكر البخاري الفرك في شيء من المرفوع وإنما جعله ترجمة باب، وقال البزار في حديث البخاري: إن مداره على سليمان بن يسار وهو لم يسمع من عائشة وقد سبقه إلى ذلك الشافعي في الأم (٦) حكاه عن غيره، وزاد (أ) أن عمرو بن ميمون الراوي عن سليمان بن يسار غلط في رفعه، وإنما (ب) هو من فتوى سليمان انتهى.
وقد تبين من تصحيح البخاري وموافقة مسلم له على تصحيحه صحة سماع سليمان منها، وأن رفعه صحيح، وليس بين فتواه وروايته تنافٍ (٧).
وروى البيهقي والدارقطني وابن خزيمة وابن الجوزي (٨) من حديث محارب بن دثار عن عائشة قالت: "ربما حتته من ثوب رسول الله ﷺ وهو يصلي" لفظ
стр. 199
الدارقطني، ولفظ ابن خزيمة: أنها كانت تحت المني من ثوب رسول الله ﷺ وهو يصلي (١)، ورواه ابن حبان أيضًا ولابن حبان من حديث الأسود بن يزيد عن عائشة قالت: لقد رأيتني أفرك المني من ثوب رسول الله ﷺ ، وهو يصلي (٢)، ورجاله رجال الصحيح.
الحديث يدل على وقوع الغسل أو الحت أو الفرك للمني، وهل ذلك على سبيل الوجوب أو على جهة الندب؟ لم يصرح في الحديث بشيء من ذلك، واختلف العلماء في مني الآدمي، فمذهب (أ) العترة ﵈ وأبي حنيفة وأصحابه ومالك ورواية عن أحمد (٣) أنه نجس، ودليلهم على ذلك روايات الغسل وحديث عمار: "إنما تغسل ثوبك من الغائط والبول والمني والدم والقيء" (٤)، وتأخير عمر الصلاة عن أول وقتها حتى وجد الماء وغسل ثوبه من الاحتلام (٥)، وقياسا على سائر الفضلات المستقذرة من البول والغائط، لانصبابها الجميع إلى مقر، وانحلالها عن الغذاء، ولأن الأحداث الموجبة للطهارة (ب) نجسة، المني منها،
стр. 200
ولأنه يجري مجرى البول، فتعين لغسله الماء عند العترة ومالك، كغيره من النجاسات، وقول حديث الفرك بأنه مع مخالطة الماء، وحت عائشة له من ثوب النبي ﷺ لعله لم يشعر به أو لأن منيه طاهر وهو من الخصائص، وعند أبي حنيفة يغسل بالماء الرطب، ويحت اليابس منه عملا بالحديثين كما في ذلك النقل (أ) من النجاسة (١)، ومذهب الشافعي (٢) وأصحاب الحديث، وهو رواية عن علي ﵇ وسعد بن أبي وقاص وابن عمر وعائشة وداود وأحمد (٣) في أصح الروايتين عنه أنه طاهر ودليله على ذلك حديث ابن عباس قال: سئل رسول الله ﷺ عن المني يصيب الثوب، قال (ب) "إنما هو بمنزلة المخاط والبزاق والبصاق"، وقال: "إنما يكفيك أن تمسحه بخرقة أو إذخرة" أخرجه الدارقطني والبيهقي (٤) من طريق إسحاق الأزرق، ورواه الطحاوي (٥) من حديث خبيب بن أبي عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أيضًا، ورواه البيهقي من طريق عطاء عن ابن عباس
стр. 201
موقوفًا. قال البيهقي: الموقوف هو الصحيح، فتشبيهه بالخاط والبزاق دليل الطهارة كما أنهما طاهران، وأما الأمر بمسحه بالخرقة أو الإِذخرة فيحتمل أن ذلك لأجل إزالة الدرن المستكره بقاؤه في ثوب الصلاة، وقد يعارض بأن حديث الغسل والفرك أصح وأشهر، ولأنهما من (أ) رواية الصحيحين وهما أرجح: (وفي رواية ابن خزيمة (١) عن عائشة كان (ب) يسلت المنى من ثوبه بعرق الإذخر، ثم يصلي فيه) (جـ)، ويجاب عن ذلك بأنه لم يكن فيهما أمر من النبي ﷺ لها بذلك وإنما ذلك حكاية فعل منها أو من النبي ﷺ ، وهذا قول صريح في الطهارة ويرد ذلك بأنه قد ورد الأمر في رواية أنه قال لعائشة في المني: "اغسليه رطبا وافركيه يابسا" (٢)، ويجاب عنه بأن ابن الجوزي قال في التحقيق: هذا الحديث لا يعرف بهذا السياق (٣) وإنما نقل إنها هي (د) كانت تفعل ذلك كما تقدم.
قال المصنف -رحمه الله تعالى-: أما الحت فقد ورد الأمر به في رواية صحيحة لما أجنب ضيف كان عند عائشة فغسل الثوب من الجنابة، فقالت عائشة ﵂: كان رسول الله ﷺ يأمرنا بحته (٤). وأما حديث عمار فقد قيل عليه: إنه تفرد به ثابت بن حماد (٥) عن علي بن زيد بن
стр. 202
جدعان (١)، وثابت ضعفه البزاز في مسنده وابن عدي في الكامل والدارقطني والبيهقي والعقيلي في الضعفاء وأبو نعيم في المعرفة (٢) إلا أبا يعلى فإنه أورد الحديث ولم يضعفه (٣) واتهمه الأزدي بالوضع، وقال هبة الله الطبري: أجمعوا على ترك حديثه، وقال البزار (٤): لا يعلم لثابت إلا هذا الحديث، وقال الطبراني: تفرد به ثابت بن حماد، ولا يروى عن عمار إلا بهذا (أ) الإِسناد، وقال البيهقي (٥): هذا حديث باطل، إنما رواه ثابت بن حماد، وهو متهم.
قال المصنف (٦) ﵀: ورواه البزار والطبراني من طريق إبراهيم بن زكريا العجلي عن حماد بن سلمة عن علي بن زيد، لكن إبراهيم ضعيف، وقد غلط فيه إنما يرويه ثابت بن حماد.
وأما غسل عمر فليس بحجة، لأن للاجتهاد في مثل هذا الحكم مسرحا، فلا يكون توقيفا.
وأما القياس على سائر المستقذرات، فلا قياس مع النص.
وأما تأويل الفرك بأنه مع الماء (٧)، فهو خلاف الظاهر، وكون النبي ﷺ لم يشعر به حتى دخل في الصلاة فهو بعيد.
стр. 203
وأما كونه من الخصائص، فهو قريب إلا أنه يبعده أنه عن جماع وقد اختلط بمني المرأة، فلم يستقم كونه منه وحده حتى يكون من الخصائص، وقد أجيب عنه بأنه يجوز أن يكون عن احتلام، وهو جائز عليه ﷺ ، ولا نسلم أنه إنما يكون من تلعب الشيطان، وقد أجير منه فإنه قد يكون من فيضان الشهوة واستحكامها، أو أنه قد وقع منه (أ) مقدمات جماع، فسقط من المني شيء على الثوب، ويرد على من عدا أبي حنيفة تعارض حديث الفرك وحديث الغسل، ويجاب على (ب) أصل من قال بنجاسته بأن الغسل مع الرطوبة كاف، وأما إذا كان يابسا فالفرك لتزول العين ثم الغسل قياسا على سائر النجاسات ولم يكن في الحديث حصر على الفرك حتى يدفع القياس.
وأما على من قال بطهارته فيقول: الغسل للندب لأجل التنظيف وليس للوجوب واستدل بعض الشافعية على (طهارة) (جـ) رطوبة فرج المرأة بالفرك.
قال: ومن قال إن المني لا يسلم من المذي فيتنجس به لم يصب، لأن الشهوة إذا اشتدت خرج النبي دون المذي والبول كحالة الاحتلام (١)، وحكي عن بعض الشافعية أنه قال بنجاسة مني المرأة دون الرجل، وبعضهم بأن المجتمع من المرأة والرجل نجس، وهو قول شاذ وعلى القول بطهارته في حل أكله وجهان (٢)،
стр. 204
أحدهما لا يحل لأنه مستقذر فهو داخل في جملة الخبائث المحرمة والثاني أنه يحل، وهو ضعيف، وأما مني سائر الحيوانات غير الآدمي فالكلب والخنزير والمتولد من أحدهما نجس بلا خلاف، وما عداها (أ) فعند الشافعي ثلاثة أوجه، أصحها أنها كلها طاهرة من مأكول اللحم وغيره، والثاني نجسة، والثالث (ب) من مأكول اللحم طاهر وغيره نجس (١).
٢٦ - وعن أبي السمح ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يُغسلُ من بول الجارية، ويُرش من بول الغلام" أخرجه أبو داود والنسائي وصححه الحاكم (٢).
هو إياد خادم النبي ﷺ بكسر الهمزة وتخفيف الياء تحتها نقطتان، روى عنه محل بضم الميم وكسر الحاء المهملة وتشديد اللام، يقال: إنه ضل ولا يدرى أين مات (٣).
стр. 205
الحديث وأخرجه أيضًا البزار وابن ماجه وابن خزيمة من حديث أبي السمح قال: كنت أخدم رسول الله ﷺ فأتي بحسن أو حسين فبال على صدره فجئت أغسله، فقال: "يغسل .. " الحديث. قال البزار وأبو زرعَة: ليس لأبي السمح غيره، ولا أعرف اسمه. وقال البخاري: حديث حسن، ورواه أحمد وأبو داود وابن خزيمة وابن ماجه والحاكم من حديث لبابة بنت الحارث (١) قالت: كان الحسين، وذكرت القصة وقال في آخره: إنما يغسل في بول الأنثى، وينضح من بول الذكر. ورواه الحاكم والطبراني (٢) من حديثهما (١) مطولا، وروى أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان والحاكم من حديث علي ابن أبي طالب (٣) ﵁ (ب) - قال رسول الله ﷺ في بول الرضيع: "ينضح بول الغلام، ويغسل بول الجارية".
قال قتادة (٤) راويه (جـ): هذا ما لم يطعما، فإذا طعما غسلا، لفظ الترمذي وقال (٥): حسن، رفعه هشام، ووقفه سعيد.
قال المصنف -رحمه الله تعالى-: وإسناده صحيح إلا أنه اختلف في رفعه ووقفه و (د) في وصله وإرساله، وقد رجح البخاري صحته وكذا الدارقطني وقال
стр. 206
البزار: تفرد برفعه معاذ بن هشام عن أبيه (١).
وفي الباب غير ذلك من حديث عمرو بن شعيب (٢) وآثار عن أم سلمة (٣) وعن أنس (٤) وعن امرأة من أهل البيت. قال حسين (أ) بن علي أو ابن حسين بن علي ﵉: حدثتنا امرأة من أهلنا رواه أحمد بن منيع في مسنده وعن ابن عمر وابن عباس وفي أحاديث أكثر هؤلاء أن صاحب القصة حسن أو حسين وفي حديث عائشة وفي رواية الدارقطني أن ابن الزبير بال على رسول الله ﷺ .. الحديث (٥)(٦) وفي البخاري: أتى بصبي إلى رسول الله ﷺ ، فبال على ثوبه، فدعا بماء فنضحه، ولم يغسله (٧). وفي الطبراني من حديث الحسن البصري عن أمه أن الحسن أو الحسين بال على بطن رسول الله ﷺ .. الحديث (٨)، وفي المصنف وصحيح ابن حبان عن ابن شهاب مضت السنة أن يرش بؤل من لم يأكل الطعام من الصبيان (٩).
وروى الدارقطني من حديث عكرمة عن ابن عباس قال: أصاب ثوب النبي ﷺ
стр. 207
أو جلده بول صبي، وهو صغير، فصب عليه من الماء بقدر ما كان البول. وإسناده ضعيف (١).
الحديث فيه دلالة على التفرقة بين بول الصبي وبول (أ) الصبية، وأنه يجب فيهما استعمال الماء، وإنما التفرقة في كيفية الاستعمال وهو يدل على نجاسته مطلقا، (ب (وقد اختلف العلماء في النجاسة وفي حكم التطهير، أما النجاسة فمذهب العترة والجمهور من العلماء أنه نجس مطلقا) (ب) (جـ)، قال داود الظاهري بطهارة (د) بول الصبي) (هـ)، وقال الطحاوي: قال قوم بطهارة بول الصبي قبل الطعام (٢) وكذا جزم به (و) ابن عبد البر (٣) وابن بطال ومن تبعهما عن الشافعية وأحمد وغيرهما ولم تعرف ذلك الشافعية ولا الحنابلة. قال النووي (٤): هذه حكاية باطلة انتهى.
стр. 208
وأما التفرقة في التطهير بينهما فقالت العترة وأبو حنيفة، وهو المشهور عن مالك (١) وأهل الكوفة هما على سواء فيغسلان جميعا، قال الإِمام المهدي في البحر بحديث عمار فإنه أطلق (أ) البول وقياس على سائر النجاسات، والرش هو غسل خفيف، قال: وأما حديث النضح فلم (ب) يصح قلت: الرش انتهى إلى النضح فإن الرش هو تنقيط الماء فانتهى إلى النضح فلا تخالف بين الروايتين. ثم قال الإمام: قلت وفيه نظر، إذ ظاهر الخبر الفرق ولكن يقال: لا يبنى العام على الخاص إلا حيث قارن أو تأخر ومع اللبس الترجيح، وخبر عمار أرجح لظهوره، هذا كلامه في البحر (٢)، (وهذا مبني علي أن العام المتأخر ناسخ للخاص المتقدم كما ذهب إليه جماعة من قدماء أهل البيت والحنفية (٣)، وأما على ما ذهب إليه المتأخرون من الأئمة والشافعي وغيرهم (جـ) من المحققين (د) أن الخاص المتقدم يخصص العام المتأخر فلا يستقيم فتأمل (٤)) (هـ) وقالت الشافعية (٥) في أصح وجوه ثلاثة: إنه يكتفى في بول الصبيّ بالنضح دون الصبية، وهو قول علي بن أبي طالب ﵁ وعطاء والحسن والزهري وأحمد وإسحاق وابن وهب وغيرهم، ورواه الوليد بن مسلم عن مالك، وقال أصحابه: هي رواية شاذة.
стр. 209
٢٧ - وعن أسماء بنت أبي بكر ﵄ "أن النبي ﷺ قال في دم الحَيض يصيب الثوب: "تحُتُّه ثم تقْرُصُه بالماء، ثم تنْضَجُهُ، ثم تصلي فيه" متفق عليه (١).
هي أسماء بنت أبي بكر الصديق وتسمى ذات النطاقين، لأنها شقت نطاقها ليلة خرج النبي ﷺ مهاجرا (٢)، فجعلت واحدا شدادا لسفرته، والآخر عصابا لقربته، وقيل: جعلت النصف الثاني نطاقا لها، وهي أم عبد الله بن الزبير ابن العوام أسلمت بمكة قديما، قيل: أسلمت بعد سبعة عضر إنسانا، وبايعت النبي ﷺ ، وتزوجها الزبير بمكة، ثم طلقها بالمدينة، ويقال إن ابنها عبد الله وقف يوما بالباب فلما جاءه الزبير ليدخل البيت منعه فسأله عن ذلك فقال: ما أدعك تدخل حتى تطلق أمي، فامتنع عليه وأبي إلا طلاقها، فسأله عن السبب فقال: مثلي لا يكون له أم، توطأ، أو كما قال، فطلقها الزبير (٣)، وبقيت عند ابنها إلى أن قتل، وهي أكبر من عائشة بعشر سنين، وماتت بعد أن قتل ابنها بعشرة أيام، وقيل: بعشرين يوما وقيل: ببضع وعشرين يوما بعد ما أنزل ابنها من الخشبة، ولها مائة سنة، وذلك سنة ثلاث وسبعين بمكة، ولم يقع لها سن ولم ينكر من
стр. 210
عقلها شيء، وكانت قد أضرت، روى عنها ابنها عبد الله وعروة وعبد الله بن عباس وغيرهم (١).
الحديث في الصحيحين أن أسماء قالت: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ الخ .. وظاهر اللفظ أن السائل غيرها، وأخرج الشافعي (٢) عن أسماء قالت: سألت النبي ﷺ . وقال النووي (٣): إن هذا الإسناد الذي فيه تعيين أن السائلة أسماء ضعيف وقد تبع ابن الصلاح وجماعة، وليس كذلك بل هو إسناد صحيح (٤) ولا يبعد أن يبهم الراوي اسم نفسه، وذكر الشيخ تقي الدين في الإمام (٥) من رواية محمد بن إسحاق بن يسار أن أسماء قالت: سمعت رسول الله ﷺ ، وسألته امرأة عن دم الحيض يصيب ثوبها، فقال: "اغسليه".
ورواه ابن ماجه بلفظ "اقرضيه واغسليه وصلي فيه" (٦) .. ولابن أبي شيبة (٧) اقْرِصيه بالماء واغْسلِيه وصلِّي فيه".
وروى أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان من حديث أم قيس بنت محصن أنها سألت رسول الله ﷺ عن دم الحيضة (أ) يصيب الثوب،
стр. 211
فقال: "حُكِّيه بصلعٍ، واغسليه بماء وسِدْرٍ" (١) وقال ابن القطان: إسناده في غاية الصحة، ولا أعلم له علة (٢).
وقوله: (أبصلع بفتح الصاد المهملة وإسكان اللام ثم عين مهملة وهو الحجر، ووقع أ) في بعض المواضع بكسر الضاد المعجمة وفتح اللام. قال ابن دقيق العيد: ولعله وهم (٣) (ب) وقوله:. تحته بالفتح وضم المهملة وتشديد المثناة الفوقانية أي تحكه، وكذا رواه ابن خزيمة والمراد بذلك إزالة عينه، وقوله: ثم تقرصه، بالفتح وِإسكان القاف وضم الراء والصاد المهملتين (جـ)، كذا في رواية الشيخين، وحكى القاضي عياض وغيره (٤) فيه الضم وفتح القاف وتشديد الراء المكسورة أي تدلك موضغ الدم بأطراف أصابعها ليتحلل بذلك ويخرج ما تشربه (د) الثوب منه، وقوله: (هـ) وتنضحه، بفتح الضاد المعجمة أي تغسله. قال الخطابي (٥).
стр. 212
وقال القرطبي: المراد به الرش لأن غسل الدم استفيد من قوله: تقرصه بالماء وأما النضح فهو لما شكت فيه من الثوب (١)، وعلى هذا فالضمير في قوله: تنضحه للثوب، ويلزم تفكيك الضمائر فالأولى الأول.
والحديث فيه دلالة على أن النجاسات إنما تزال بالماء دون غيره من المائعات، لأن جميع النجاسات بمثابة الدم ولا فرق بينه وبينها إجماعا، ولا يقال: هو مفهوم لقب لا يعمل به عند اكثر، لأنا نقول لما ذكر في بيان حكم وقوع الدم في الثوب، واقتصر عليه دل على أنه لا غيره، إذ لو كان غيره لوجب البيان، ولكنه ورد في حديث عائشة: ما كان لإِحدانا إلا ثوب واحد تحيض فيه، فإذا أصابه شيء من دم الحيض قالت بريقها، فمضغته بظفرها (٢)، ولأبي داود: (بلته) (أ) بريقها. فلو كان الريق لا يطهر لزاد النجاسة، ولعله يقال: هذا لا يعارض فإنه موقوف وذلك مرفوع والمرفوع أحق بالاعتبار.
٢٨ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قالت خولة: يا رسول الله، فإن لم يذهب الدم؟ قال "يكْفِيكِ الماءُ، ولا يَضُرُّكِ أثرهُ"، أخرجه الترمذي وسنده ضعيف (٣).
وأخرج أحمد وأبو داود في (ب) طريق ابن الأعرابي والبيهقي (٤) عن خولة بنت
стр. 213
يسار قالت: سألت النبي ﷺ عن دم الحيض، فقال: "اغسليه"، فقلت: اغسله فيبقى أثره، فقال: ﷺ : "الماء يكفيك ولا يضرك أثره" وفيه ابن لَهِيعَة" (١).
قال إبراهيم الحربي (أ): لم يسمع بخولة (ب) بنت يسار إلا في هذا الحديث، ورواه الطبراني (٢) في الكبير من حديث خولة بنت حكيم، وإسناده أضعف من الأول، وأخرج الدارمي (٣) موقوفا على (جـ) عائشة أنها قالت: "إذا غسلت المرأة الدم فلم يذهب، فلتغيره بصفرة أو زعفران، ورواه أبو داود (٤) بلفظ: قلت لعائشة في دم الحيض يصيب الثوب قالت: تغسله فإن لم يذهب أثره فلتغيره بشيء من صفرة (د).
والحديث يدل على (هـ) أنه يكفي في إزالة النجاسة الماء، ولا يجب استعمال شيء آخر من الحواد وهو مذهب المؤيد بالله وأبي طالب (٥) والناصر والمنصور
стр. 214
وأكثر أصحاب أبي حنيفة وأكثر أصحاب الشافعي، وذهب الهادي والشافعي إلى وجوب استعمال الحاد الذي يعتاد فعله في البلد وميلها (أ)، قال في البحر (١): لقولة ﷺ "ثم اقْرُصِيه"، وقوله: "أمطْهُ عَنْك باذخِرة"، ولمطابقته المقصود من الطهارة، وهو أن يكون المصلي على أكمل هيئة وأحسن زينة. اهـ، وقد عرفت أن ما ذكر لا يفيد المطلوب فإن القرص إنما هو فركه بالأصابع، والإِماطة بالإِذخرة إنما هو دليل لمن (ب) قال: المني طاهر فإنه اكتفى بإماطته من دون غسل فالقول الأول أظهر، واتفقوا على أنه يعفى عما بقي بعد استعمال الحاد، وأن أثر (جـ) المتنجس لا يجب استعمال الحاد له، وأن التغيير (د) للأثر بالصفرة إنما هو ندب إلا عند داود فيجب لظاهر أمر عائشة.
(اشتمل باب إزالة النجاسة على سبعة أحاديث) (هـ).
стр. 215
باب الوضوء
٢٩ - عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لولا أن أشُقَّ على أمتي لأمرتهم بالسِّواك مع كِّل وضوء" أخرجه مالك وأحمد والنسائي وصححه ابن خزيمة وذكره البخاري تعليقا (١).
الحديث متفق عليه من حديث أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، رواه البخاري من حديث مالك (٢)، ومسلم من حديث ابن عيينة (٣) وهذا لفظه، كلاهما عنه. قال ابن مندة: وإسناده مجمع على صحته، وقال النووي: غلط بعض الكبار فزعم أن البخاري لم يخرجه (٤)، وهو في الموطأ موقوف على أبي هريرة (٥)، ورفعه (أ) عن مالك الشافعي.
وفي الباب عن زيد بن خالد رواه الترمذي وأبو داود (٦)، وعن علي (٧) رواه