لم يقم به مانع وهو الإحرام، فهو بالجواز أولى، وظاهر قوله: "يقتلن" أن ذلك مستمر فيترجح الفعل فيه على الترك، وقد وقع في رواية بلفظ: "ليس على المحرم في قتلهن جناح" (١) وفي لفظ "لا حرج على من قتلهن" (٢) كذا في البخاري، وفي لفظ عند (أ) مسلم "أمر" (٣) كذا في حديث أبي رافع عند البزار "وأمر بقتل العقرب والحية والفأرة والحدأة للمحرم" وفي لفظ عند مسلم "أذن" وفي حديث أبي هريرة عند أبي داود وغيره "خمس قتلهن حلال للمحرم" (٤) فلفظ نفي الجناح والحرج والإذن والحلال ولفظ يقتلن تدل كلها على الإباحة واستواء الفعل والترك، ولفظ "أمر" ظاهر في الوجوب، ولكنه قد يحمل على الإباحة لقرينة، والقرينة ورود الألفاظ الدالة على عدم الوجوب، وأيضًا فإن سياق القصة يدل على إباحة القتل للمحرم لا وجوبه.
وقوله "في الحرم" بفتح الحاء والراء أرض حرم مكة -شرفها الله تعالى- وجوز بعضهم ضم الحاء والراء جمع حرام كما قال الله تعالى ﴿وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ (٥) والمراد بها المواضع، يدل على أنه يجوز قتل هذه المذكورات في الحرم للمحرم، وفي الحل بالطريق الأولى، وللمحرم أيضًا لرواية: "ليس على المحرم في قتلهن جناح" وغيره وهو من كان حلالًا بالطريق الأوْلَى.
стр. 1857
وقوله "الغراب" وقع في هذه الطريق بذكر الغراب مطلقًا، وفي رواية ابن المسيب عن عائشة عند مسلم مقيدًا بالأبقع (١)، وهو الذي في ظهره أو بطنه بياض، وأخذ بهذا التقييد بعضُ أصحاب الحديث واختاره ابن خزيمة (٢) وهو القاعدة في حمل المطلق على المقيد، وقد أعل ابن بطال هذه الزيادة بأنها من رواية قتادة عن سعيد وهو مدلس، وقد شذ بذلك، وأجيب عنه: بأن الراوي عن قتادة هو شعبة، وهو لا يروي عن شيوخه المدلسين إلا ما هو مسموع لهم، وقد صرح النسائي أيضًا عن شعبة بسماع قتادة (٣)، وأما الشذوذ فهذه زيادة من الثقة الحافظ، وهي مقبولة، قال ابن قدامة: يلتحق بالأبقع ما شاركه في الإيذاء وتحريم الأكل (٤).
قال المصنف -رحمه الله تعالى-: وقد اتفق العلماء على إخراج الغراب الصغير الذي يأكل الحب، ويقال له غراب الزرع، ويقال له الزاغ، وأفتوا بجواز أكله فبقي ما عداه من الغربان ملتحقًا بالأبقع، انتهى (٥).
وعموم كلام القاسم الرسي يقضي بمثل هذا وإن كان ظاهر كلام المُؤَيَّد وأبي طالب أن غراب الزرع لا يحل أكله ومثل (أ) الأبقع العداف، قال ابن قدامة وهو غراب البين، والمعروف عند أهل اللغة أنه الأبقع، وقيل إنه سمي غراب البين لأنه بان عن نوح ﵇ لما أرسله من السفينة
стр. 1858
ليكشف خبر الأرض فلقي جيفة فوقع عليها ولم يرجع إلى نوح، وكان أهل الجاهلية يتشاءمون به، وكانوا إذا نعب مرتين قالوا آذن بشر، وإذا نعب ثلاثًا قالوا أذِنَ بخير، فأبطل الإِسلام ذلك، وكان ابن عباس إذا سمع الغراب قال: اللهم لا طير إلا طيرك ولا خير إلا خيرك ولا إله غيرك (١).
ومن أنواع الغراب الأعصم، وهو الذي في رجليه أو جناحه أو بطنه بياض أو حمرة، وحكمه حكم الأبقع، وكذا العقعق وهو قدر الحمامة على شكل الغراب، قيل يسمى بذلك لأنه يعق فراخه فيتركها بلا طعم، والعرب تتشاءم به أيضًا، ووقع في فتاوى قاضي خان الحنفي: من خرج لسفرٍ فسمع صوت العقعق فرجع كَفَرَ.
وحكمه حكم الأبقع على الصحيح، وقيل حكم غراب الزرع. وقال أحمد: إن أكل الجيف وإلا فلا بأس به (٢).
وقد روى أبو داود خلافًا عن عطاء أنه لا يحل للمحرم قتل الغراب (٣) وقال إن أذاه المحرم فعليه الجزاء.
قال الخطابي (٤): لم يتابع أحد عطاء (أ) على هذا ويحتمل أن يكون مراده غراب الزرع، وظاهر إباحة القتل له وللحداء أنهما يقتلان، وإن لم يبتدئا بالأذى، ولا فرق بين كبارهما وصغارهما. وعند المالكية اختلاف
стр. 1859
في ذلك، والمشهور عندهم لا فرق وفاقًا للجمهور.
وقوله "والحِدَأَة" بكسر الحاء المهملة وفتح الدال بعدهما همزة بعدها تاء التأنيث (أعلى وزن عنَبَة أ)، والحدا من دون تاء، وحكى صاحب المحكم المد فيه (١) من دون تأنيث، وحكى الأزهري فيها "حِدَوَة" بواو بدل الهمزة، وقد وقع في البخاري في باب بدء الخلق بلفظ "الحُدَيَّا" (٢) بضم أوله وتشديد الياء التحتانية مقصورًا، وقيل إنه سُهِّل من الهمزة ثم أدغم، وقيل هي لغة حجازية، وغيرهم يقول حدية، وهي أخسّ الطير، وهي لا تضر لكن تخطف، ومن طبعها أنها لا تخطف إلا من يمين من تخطف منه دون شماله حتى قيل إنها عسراء، وأما الحدا (٣) بفتح الحاء فهي الفأس التي لها رأسان.
وقوله "والعقرب" هو يقال للذكر والأنثى، وقد يقال عقربة وعقرباء وهي أنواع منها الجرادة والطيارة وما له ذنب كالحربة ويعقد ومنها السود والخضر، وأكثر ما يكون ضررها إذا كانت حاملة، والعقارب القاتلة تكون بموضعين: شهر زور وعسكر مكرم، وَتَقْتل بلسعها مع صغرها، وناهيك بهذا فسقًا وليس منها العقربان بل هي دوبية طويلة كثيرة القوائم، قال صاحب المحكم: ويقال إن عين العقرب في ظهرها وأنها لا تضرب ميتًا ولا نائمًا حتى يتحرك، ويقال لدغته بالغين المعجمة ولسعته بالمهملتين، وقد تقدم اختلاف الرواة في ذكر الحية (٤) بدلها ومن جمعهما، والذي يظهر
стр. 1860
أنه ﷺ نبه بإحداهما عن الأخرى عند الاقتصار، وبين حكمهما معًا حيث جمع كذا قال المصنف (١) -رحمه الله تعالى- وهذا مستقيم إذا صح تعدد القصة، وأما إذا كان ذلك في قصة واحدة فهو غير مستقيم، والذي يظهر لي أنه وقع من النبي ﷺ ذكرهما جميعًا فمن رواهما حكى القصة بعينها، ومن ذكر أحدهما فلعله اقتصر واستغنى بذكر إحداهما عن الأخرى للاتفاق في الحكم والأذى، أو لعل أحد الراويين نسى الجمع فاقتصر على ما ذكر.
قال ابن المنذر: لا نعلمهم اختلفوا في جواز قتل العقرب. وقال نافع لما قيل له: فالحية قال: أنختلف فيها (أ) (٢)؟
وفي رواية من يشك فيها.
وتعقبه ابن عبد البر بما أخرجه ابن أبي شيبة من طريق شعبة أنه سأل الحكم وحمادًا فقالا: لا يقتل المحرم الحية ولا العقرب، قال: ومن حجتهما أنهما من هوام الأرض فيلزم من أباح قتلهما مثل ذلك في سائر الهوام، وعند المالكية اختلاف في قتل صغير الحية والعقرب التي لا تتمكن من الأذى.
وقوله "والفأرة" بهمزة ساكنة، ويجوز فيها التسهيل، ولم يختلف العلماء في جواز قتلها للمحرم إلا ما حكي عن إبراهيم النخعي فإنه قال: فيها جزاء إذا قتلها المحرم، أخرجه ابن المنذر (٣)، وقال هذا خلاف السنة، وخلاف قول جميع العلماء، ونقل عن المالكية مثل ما تقدم، والفأر
стр. 1861
أنواع منه: الجُرَذ والخُلْد وفأرة الإبل وفأرة المسك والغيط، والحكم فيها واحد، وقيل في تسمية الفأر بالفويسقة لأنها قطعت حبال السفينة على نوح ﵇ (١).
وقوله "والكلب العقور" المراد به كما هو الظاهر هو الكلب المعروف، والأنثى منه كلبة، وجمعه أكلب وكلاب، وقد تقدم فيه الكلام باعتبار نجاسته، وتقييده بالعقور يدل بمفهوم الصفة أنه لا يقتل غير العقور، وقد اختلف العلماء في غير العقور مما لم يبح (أ) اقتناؤه، فصرح بتحريم قتله القاضي حسين والماوردي وكذا الإِمام المهدي على ما يفهمه كلامه في البحر من اختياره للقول بأن الأمر بقتلها على الإطلاق منسوخ، ووقع في الأم للشافعي جواز قتلها واختلف كلام النووي في ذلك فقال في شرح المهذب في البيع لا خلاف بين أصحابنا في أنه محترم لا يجوز قتله، وقال في الغصب إنه غير محترم، وقال في الحج يكره قتله كراهة تنزيه.
وقال الرافعي بهذا الأخير، وقال جمع من العلماء: إن المراد بالكلب العقور هنا غير الكلب المعروف فروى سعيد بن منصور عن أبي هريرة أنه قال: الكلب العقور الأسد (٢)، وعن سفيان عن زيد بن أسلم أنهم سألوه عن الكلب العقور فقال: وأي كلب أعقر من الحية (٣)، وقال سفيان: المراد بالكلب العقور هنا الذئب خاصة، وقال مالك في الوطأ (٤): "كل ما عقر الناس وعدا عليهم وأخافهم مثل الأسد والنمر والفهد والذئب فهو
стр. 1862
الكلب العقور".
وكذا نقل أبو عبيد عن سفيان، وهو قول الجمهور، واحتج أبو عبيد لذلك بقوله ﷺ "اللهم سلط عليه كلبًا من كلابك" فقتله الأسد، وهو حديث حسن أخرجه الحاكم من طريق أبي نوفل بن أبي عقرب عن أبيه، وبقوله تعالى: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ (١) فاشتقها من اسم الكلب مع أنه شامل لجميع جوارح الصيد.
واعلم أنه قد استدل بهذا الحديث على أنه يقتل من لجأ إلى الحرم بعد قتله لغيره أو نحوه على ما هو مذهب الشافعي، وعلل ذلك بأن إباحة قتل هذه الأشياء في الحرم معلل بالعدوان فيعم الحكم لعموم العلة والقاتل عدوانًا فاسق بعدوانه فيقتل بل هو أولى لأنه مكلف وهذه الفواسق فسقها طبعي ولا تكليف عليها، والمكلف إذا ارتكب الفسق هاتك لحرمة نفسه، فهو أولى بإقامة مقتضى الفسق عليه، وسَوَّى الشافعي في ذلك من ارتكب ما يوجب القتل أو نحوه في الحرم أو كان لاجئًا إليه بعد أن ارتكب في غيره، وذهب أبو حنيفة وغيره إلى التفصيل وهو أنه إن كان الذي يقام هو القتل أو غيره، فإن كان القتل فإنه لا يقام عليه في الحرم بل يضيق عليه ولا يطعم حتى يخرج ثم يقام عليه خارجه، وما كان دون النفس أقيم عليه في الحرم مطلقًا، وذهبت الهادوية بل حكاه علي بن العباس (أ) عن أهل البيت الجميع وهو أنه إن لجأ إلى الحرم بعد أن ارتكب في خارجه ما يوجب حدًّا أو نحوه ترك ولا يطعم حتى يخرج، وإن ارتكب في داخل الحرم ما يوجب ذلك أخرج من الحرم وأقيم عليه خارجه، ولا فرق بين
стр. 1863
النفس وغيرها، وهو مروي عن ابن عباس وعطاء والشعبي وحجتهم عموم قوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ (١) والقياس الذي عُلِّل به مذهب الشافعي غير صحيح فإن الكلب العقور ونحوه من الخمس طبعه الأذى فلم يحرمه الحرم ليدفع أذاه عن أهله، وأما الأذى فالأصل فيه الحرمة، وحرمته عظيمة وإنما أبيح لعارض فأشبه الصائل من الحيوانات المباحة من المأكولات، فإن الحرم يعصمها، وأيضًا فإن حاجة أهل الحرم إلى قتل الكلب العقور ونحوه كحاجة أهل الحل سواء، فلو أعاذها المحرم لعظم الضرر عليهم بها وأيضًا فإن العائذ بالحرم الملتجئ إليه مُعَظّم لحرمته مستشعر بها النجاة، وهو بمنزلة التائب المتنصل المستجير برب البيت المتعلق بأستاره فلا يقاس عليه من ارتكب فيه المحظور فإنه منتهك لحرمته مُقْدِم على الجناية فيه يحتاج إلى إقامة الحدود عليه وإلا عم الفساد وعظم الشر في حرم الله سبحانه، فإن أهل الحرم كغيرهم في الحاجة إلى صيانة نفوسهم وأموالهم وأعراضهم فلو لم يشرع إقامة الحدود عليهم لتعطلت حدود الله، وعم الضرر للحرم وغيره.
٥٧٢ - وعن ابن عباس ﵁ "أن النبي ﷺ احتجم وهو محرم" متفق عليه (٢).
الحديث فيه دلالة على جواز الحجامة للمحرم، وقد أجمع العلماء على جوازها في الرأس وغيره إذا كان له عذر في ذلك، وإن قطع الشعر حينئذ لكن عليه الفدية لقلع الشعر، فإن (أ) لم يقطع فلا فدية، وهذا
стр. 1864
الحديث محمول على أن النبي ﷺ كان له عذر في الحجامة، أما إذا أراد المحرم الحجامة لغير حاجة فإدن تضمنت قطع شعر فهي حرام لتحريم قطع الشعر، وإن لم تتضمن ذلك فإن كانت في موضع لا شعر فيه فهي جائزة عند الجمهور ولا فدية فيها، وعن ابن عمر ومالك كراهتها، وعن الحسن البصري فيها الفدية، وقال الداودي إذا أمكن مسك المحاجم بغير حلق لم يجز الحَلْق، وكان احتجامه ﷺ في حجة الوداع كما جزم به الحازمي وغيره بموضع يسمى "لَحْي جمل" بفتح اللام وحكي كسرها، وبفتح الجيم والميم، ويروى بلحيي بالتثنية بين المدينة ومكة، قال البكري في معجمه (١) هي بئر جمل التي ورد ذكرها في حديث أبي جهم في التيمم، وقال غيره: هي عَقَبة الجحفة على سبعة أميال من السقياء.
في وسط رأسه أي متوسطة وهي ما فوق اليَافوخ فيما بين أعلى القرنين. قال الليث: كانت هذه الحجامة في فأس الرأس.
٥٧٣ - وعن كعب بن عجرة ﵁ قال: "حملت إِلى رسول الله ﷺ والقمل يتناثر على وجهي، فقال: ما كنت أرى الوجعَ بلغ بك ما أرى، تجد شاة؟ قال: لا. قال: فصم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع" متفق عليه (٢).
هو أبو محمَّد: كعب بن عُجرة بضم العين المهملة وسكون الجيم وبالراء ابن أمية البلوي بفتح الباء الموحدة والسلام حليف بني سالم بن عوف
стр. 1865
الأنصاري، وقيل حليف بني عمرو بن عوف، قال الواقدي: ليس حليفًا للأنصار، ولكنه من أنفسهم نزل الكوفة ومات بالمدينة سنة إحدي وخمسين، وقيل سنة اثنتين، وقيل ثلاث، وهو ابن خمس وسبعين، وقيل ابن تسع وسبعين (١).
روى عنه ابن عباس وابن عمر وجابر وابن عمرو، وابن سلمة وسليمان بن يسار.
قوله "حملت" كذا وقع في رواية عبد الله بن معقل، وفي رواية للبخاري "مر رسول الله ﷺ بالحديبية ورأسي يتهافت قملًا، فقال: أتؤذيك هوامك؟ قلتُ: نعم. قال: فاحلق رأسك ... " الحديث، وفيه فقال: فيّ نَزَلَت هذه الآية ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ ...﴾ الآية (٢) زاد في رواية أبي الزبير عن مجاهد عند الطبراني أنه لقيه وهو عند الشجرة وهو محرم، وفي رواية معمر عن مجاهد ذكرها البخاري في المغازي "أتى عليّ النبي ﷺ وأنا أوقد تحت برمة والقمل يتناثر على رأسي" زاد في رواية ابن عون عن مجاهد أخرجه البخاري في الكفارات فقال: "ادن فدنوت، فقال: أتؤذيك؟ " (٣) وفي رواية عن مجاهد فيه "كنا مع رسول الله ﷺ بالحديبية، ونحن محرمون وقد حصرنا المشركون، وكانت لي وفرة فجعلت الهوام تساقط على رأسي، فقال: أتؤذيك هوام رأسك؟ قلت: نعم. فأنزلت هذه الآية" (٤)، وفي رواية أبي وائل عن كعب: "أحرمت فكثر قمل رأسي فبلغ ذلك للنبي -
стр. 1866
صلى الله عليه وسلم - فأتاني أطبخ قدرًا لأصحابي" (١)، وفي رواية ابن أبي نجيح عن مجاهد أخرجها البخاري "رآه وإنه ليسقط القمل على وجهه، فقال: أتؤذيك هوامك؟ قال: نعم. فأمره أن يحلق وهم بالحديبية ولم يبين لهم أنهم يحلون وهو على طمع أن يدخلوا مكة فأنزل الله الفدية" (٢).
وأخرجه الطبراني عن مجاهد بهذه الزيادة (٣)، ولأحمد وسعيد بن منصور في رواية أبي قلابة: "قملتُ حتى ظننت أن كل شعرة من رأسي فيها القمل من أصلها إلى فرعها" (٤) زاد سعيد: "وكنت حسن الشعر"، وفي رواية أبي وائل عن كعب عند الطبراني: "فحك رأسي بإصبعه فانتثر منه القمل" (٥) وقد رويت القصة بألفاظ غير (أ) هذه المذكورات والمعنى متقارب إلا أنه يحتاج إلى الجمع بين قوله "مر به" و "حملت إليه" و "استدعاه إليه فخاطبه" وهو أنه مر به أولًا فرآه على تلك الصفة فاستدعاه بعد ذلك، وحمل إليه لمرضه، وقد كان به بعض جلد يمكنه أن يباشر الإيقاد على القدر وإن لم يقدر على المسير فوقع جميع ما ذكر، ولكن الرواة نقل كل واحد من القصة ما ضبط حفظه أي محل الفائدة من الحكم.
وقوله "ما كنت أُرى الوجع بلغ بك ما أَرَى" الأول بضم الهمزة أي
стр. 1867
أظن، والثاني بفتح الهمزة بمعنى الرؤية التي هي بمعنى البصر، وقد وقع "الجهد" محل الوجع وهو شك من الراوي.
وقوله "تجد شاة" إلى آخره ظاهره أنه يجب أن يقدم أولًا النسيكة على النوعين الآخرين إذا وجدها، وظاهر الآية الكريمة وسائر روايات الحديث أنه مخير في الثلاث جميعًا، ولذلك قال البخاري في أول باب الكفارات: "خير النبي ﷺ كعبًا في الفدية، ويذكر أن ابن عباس وعطاء وعكرمة قالوا: ما كان في القرآن فيه أو فصاحبه بالخيار" (١).
وقد (أ) أخرج أبو داود ومن طريق الشعبي عن ابن (ب) أبي ليلى عن كعب بن عجرة أن النبي ﷺ قال: "إن شئت فانسك نسيكة، وإن شئت فصم ثلاثة أيام، وإن شئت فأطعم ... " الحديث (٢)، وفي رواية الموطأ "أي ذلك فعلت أجزأ" (٣) والظاهر أنه مجمع على التخيير.
وقوله "نصف صاع" اتفق العلماء على القول بظاهر هذا الحديث إلا ما يروى عن أبي حنيفة والثوري أنها نصف صاع من حنطة أو صاع من غيرها، وعن أحمد رواية أنه لكل مسكين مُدّ حنطة أو نصف صاع من غيره.
وعن الحسن البصري وبعض السلف أنه يجب إطعام عشرة مساكين أو صوم عشرة أيام، وهذا ضعيف متأيد للسنة النبوية.
стр. 1868
واعلم أن الآية الكريمة وقصة كعب أصل قوي في أنَّ المحرم إذا اضطر إلى ارتكاب محظور كالحلق واللباس ونحوه جاز له ذلك مع الفدية، وخص أهل الظاهر الفدية بشعر الرأس، والله أعلم.
٥٧٤ - وعن أبي هريرة ﵁ قال (أ): لما فتح الله -تعالى- على رسول الله ﷺ قام رسول الله ﷺ في الناس فحمد الله، وأثنى عليه ثم قال: "إِن اللَّه حبس عن مكة الفيل وسلط عليها رسوله والمؤمنين، وإِنها لم تحل لأحد كان قبلي وإنما أحلت لي ساعة من نهار، وإِنها لا تحل لأحد بعدي، فلا ينفر صيدها، ولا يختلى شوكها، ولا تحل ساقطتها إِلا لمنشد، ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين، فقال العباس: إِلا الإِذخر يا رسول اللَّه فإِنا نجعله في قبورنا وبيوتنا، فقال: إِلا الإِذخر" متفق عليه (١).
قوله "لما فتح اللَّه ... " إلخ أراد به فتح مكة، فإن القيام المذكور كان بعد دخول مكة في اليوم الثاني.
وقوله: "فحمد اللَّه" فيه دلالة على أنه يشرع عند الابتداء في الكلام المهم الذي له خطر أنه يبتدئ بحمد الله والثناء عليه.
وحبس الفيل عن مكة إشارة إلى ما كان معلومًا عندهم من قصة الفيل وأصحابه الذين ذكرهم الله سبحانه في سورة الفيل.
وقوله "وسلط عليها رسوله والمؤمنين" فيه دلالة على ما ذهب إليه الجمهور من أن مكة فتحت عنوة وأن أهلها أُخذوا بالقهر والغلبة، وإنما
стр. 1869
مَنَّ عليهم رسول الله ﷺ بأن صانهم من القَتْل والسبي للذراري والنساء واغتنام الأموال، وكانوا طلقاء للنبي (أ) ﷺ تكرمة له، وفضلًا له على قرابته وعشيرته، وهذه الألفاظ التي هي قوله "سلط" وقوله "أحلت لي ساعة من نهار" وقوله "لم تحل لأحد بعدي" يدل دلالة صريحة على ذلك، وأيضًا ما وقع في سياق قصة دخوله مكة في قوله "من دخل داره فهو آمن" وقَتْل خالد بن الوليد لجماعة ولم ينكر عليه، وأمره بقتل ابن خطل ومقيس بن صبابة وغيرهما.
وقوله "فإِنْ أحد ترخص لقتال رسول اللَّه ﷺ فقولوا إن اللَّه أذن لرسوله ولم يأذن لكم".
وقوله لأبي هريرة: "اهتف لي بالأنصار" (١) فهتف بهم فجاءوا فأطافوا برسول الله ﷺ فقال: "ترون (ب) إلى أوباش قريش وأتباعهم، ثم قال بيده أحدهما (جـ) على الأخرى: احصدوهم حصدًا حتى توافوني بالصفا حتى قال أبو سفيان: يا رسول الله أبيحت خضراء قريش لا قريش بعد اليوم، فقال رسول الله ﷺ : "من أغلق بابه فهو آمِن" وهذا لا يكون مع الصلح، والخلاف في ذلك للشافعي فإنه قال: فُتحتْ صلحًا، واستضعف هذا الغزالي فقال: هذا مذهبه وحجته على ذلك أنه ﷺ لم يقسمها على الغانمين كما قسم خبير وكما قسم سائر الغنائم، وأن أبا سفيان هو الذي صالح لأهل مكة، وذلك لأنه لما استأمن لهم أمنهم النبي ﷺ فكان ذلك عقد صلح، وأجيب عن ذلك بأنه لو كان ذلك عقد
стр. 1870
صلح لم يقيد التأمين بدخول دار أبي سفيان وإغلاق من أراد الكف عن المنابذة داره عليه، فلما قصد التأمين دل على أن ما عدا باقٍ على المنابذة والمحاربة، واحتج أيضًا بقوله تعالى: ﴿ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿وأخرى لم تقدروا عليها﴾ (٣) وهي غنائم مكة، والآيات غير ظاهرة فيما (أ) ادعاه، وقال الماوردي: أسفلها دخله خالد عنوة وأعلاها دخله الزبير صلحًا، ودخل النبي ﷺ من جهينة فصار حكم جهينة المغلب، وقوله" وإنها لا تحل لأحد بعدي" فيه دلالة على أنه لا (ب) يجوز القتال في الحرم.
قال الإمام أبو الحسن الماوردي البصري صاحب الحاوي من أصحاب الشافعي في كتابه "الأحكام السلطانية": من خصائص الحرم أن لا يحارب أهله، وإن بغوا على أهل العدل فقد قال بعض الفقهاء ما قال.
وقال جمهور الفقهاء: يقاتلون على بغيهم إذا لم يمكن ردهم عن البغي إلا بالقتال، لأن قتال البغاة من حقوق الله -تعالى- التي لا يجوز إضاعتها فحفظها في الحرم أولى من إضاعتها هذا كلامه، وما نقله عن جمهور الفقهاء هو ما نص عليه الشافعي في كتاب "اختلاف الحديث" من كتب الأم، ونص عليه الشافعي أيضًا في آخر كتابه المسمى بسير
стр. 1871
الواقدي من كتب الأم، وقال القفال المروزي من أصحاب الشافعي في كتابه شرح التلخيص في أول كتاب النكاح في ذكر الخصائص: لا يجوز القتال بمكة حتى قال: لو تحصن جماعة من الكفار فيها لم يجز لنا قتالهم فيها.
قال النووي: وهذا الذي قاله غلط نبهت عليه حتى لا يغتر به، انتهى (١).
وقد ذكر الإمام المهدي عن الهادوية مثل ما قاله الشافعي أنه يجوز للإمام أن يقاتل الكفار في الحرم ويدخل إليه بغير إحرام.
ولكن ظاهر الحديث مثل قول القفال أنه لا يجوز لغير النبي ﷺ أن يدخل الحرم للقتال.
وفي قوله "فإن ترخص أحد لقتال رسول الله ﷺ فقولوا إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لك" ما يمنع أن يقاس عليه ﷺ وتنبيه بأن ذلك من خصائصه مثل نكاح التسع وغيرها، وأما جواب عمرو بن سعيد على أبي شريح العدوي لما حدثه بهذا الحديث قصدًا منه أن يكف عن بَعْث البعوث إلى مكة لقتال ابن الزبير، فقال عمرو بن سعيد: أنا أعلم بذلك منك يا أبا شريح إن الحرم لا يعيذ عاصيًا ولا فارًّا بخربة أي مأمنه فهذه منابذة منه للسنة النبوية غير راجع إلى ورع يذوده عن العصبية ولم يسند ذلك إلى النبي ﷺ ولا مفهوم آية قرآنية.
وقوله "فلا ينفر صيدها" التنفير هو الإزعاج والتنحية من موضعه وإذا حرم التنفير فبالأولى الإتلاف، ويلزم في غيره فدية صدقة بمقدار التنفير أقلها كف من الطعام، وأكثرها نصف صاع، وعن الهادي إذا حمله إلى
стр. 1872
بلده لزمه مدان من الطعام.
وقوله "ولا يختلى شوكها" أي لا يؤخذ ويقطع، وذكر الشوك دليل على أن غيره مما لا يؤْذي بالأولى، ولكنه يخصص بالمؤذي، فيجوز قطعه قياسًا على ما تقدم من حل قتل الخمس في الحرم بجامع الإيذاء، وفي رواية "لا يعضد شوكها" والعضد القطع، وفي رواية "لا يختلى خلاها" والخَلَى بفتح الخاء مقصور هو: الرطب من الكلأ والحشيش والحشيش اسم لليابس منه، والكلأ بالهمزة يقع على الرطب واليابس، وعد ابن مكي وغيره من لحن العوام إطلاقهم الحشيش على الرطب، بل هو مختص باليابس، واتفق العلماء على تحريم قطع أشجارها التي لم ينبتها الآدميون في العادة، وعلى تحريم قطع خلاها، واختلفوا فيما ينبته الآدميون، واختلفوا في ضمان الشجر إذا قطع فذهب الهادي وغيره من أهل البيت وأبو حنيفة والشافعي إلى أنه يلزم فيه القيمة، وقدر الشافعي في الشجرة العظيمة بقرة وفيما دونها شاة، ويجوز عند الشافعي ومن وافقه رعي البهائم في كلأ الحرم، وذهب الهادوية وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد ومحمد إلى أنه لا يجوز.
وقوله "ولا يحل ساقطها إِلا لمنشد" المراد بالساقط اللقطة وهو مصرح به في روايات، والمنشد هو المعرف بها، والإنشاد رفع الصوت، يقال للمعرف منشد ويقال لطالبها ناشد، والمعنى أنه لا يحل الالتقاط إلا لمن يعرف بها أبدًا ولا يتملكها، وبهذا قال الشافعي وعبد الرحمن بن مهدي وأبو عبيد وغيرهم، وهذا خاص بلقطة مكة، وأما غيرها فيجوز أن يلتقطها بنية التملك بعد التعريف بها سنة عند الشافعي، ويجوزأن يحفظها لصاحبها، ولا يجب عنده التعريف إلا إذا قصد التملك، وذهب مالك إلى أنه يجوز أن يتملكها بعد التعريف بها سنة في مكة كغيرها في
стр. 1873
أنه لا يجوز الالتقاط إلا لقصد التعريف بها، ويجب التعريف سَنة ثم يجوز صرفها إذا أيس من مالكها في فقير أو مصلحة، وتأولوا هذا الحديث بأنها لا تحل اللقطة قبل الإنشاد وخص الحرم بالذكر لكثرة الضوال فيه، كذا قال الإمام المهدي في البحر، والتأويل خلاف الظاهر.
وقوله "مَنْ قتل له قتيل فهو بخير النظرين" وهما إما أن يأخذ الدية أو يقتل القاتل، فالخيار لوليّ الدم حينئذ، وهذا مذهب الهادوية، وقول للمؤيد والشافعي، وبه قال سعيد بن المسيب وابن سيرين وأحمد وإسحاق وأبو ثور.
وقال أبو حنيفة ومالك وأحد قولي المؤيد وقول للشافعي أنه ليس لولي الدم إلا الاقتصاص أو العفو، وأما الدية فلا تجب إلا برضى الجاني، وهو خلاف نص الحديث.
وفائدة الخلاف أنه إذا عفا ولي الدم عن القود فلا تسقط الدية على الأول وتسقط على الثاني، وهذا في القتل عمدًا.
وقوله "إِلا الإِذخر" يجوز فيه الرفع والنصب، أما الرفع فعلى البدل مما قبله والنصب على الاستثناء، وقال ابن مالك: المختار فيه النصب لكون الاستثناء وقع متراخيًا عن المستثنى منه فبعدت المشاكلة بالبدلية، ولكون الاستثناء أيضًا عرض في آخر الكلام، ولم يكن مقصودًا.
والإِذخر (أ) نبت معروف عند أهل مكة طيب الرائحة وهو بكسر الهمزة والخاء المعجمة، ينبت في السهل والجبل، وفي المغرب صنف منه كذا (ب) قال ابن البيطار (١).
стр. 1874
وقوله "نجعله في قبورنا" المراد أنه تسد به خلل الحجار التي تجعل على اللحد، وفي البيوت كذلك يجعل فيما بين الخشب على السقوف، وفي رواية "لقيننا" والقين هو الحداد و (أ) الصائغ، والمعنى أنهم يحتاجون إليه للإيقاد به، وفي رواية: "لصاغتنا وقبورنا" (١)، ووقع في مرسل مجاهد عند عمرو بن أبي شيبة (٢) بالجمع بين الثلاثة (٣)، ووقع عنده أيضًا، فقال العباس: "يا رسول الله إن أهل مكة لا صبر لهم عن الإذخر لقينهم وبيوتهم" ووقوع ذلك من العباس يحتمل أنه على جهة الشفاعة، ويحتمل أنه اجتهاد منه لما علم أن العموم غالبه التخصيص فكأنه قل هذا مما تدعو إليه الحاجة ولا يكاد يستغنى عنه، والشريعة عهد فيها التيسير وعدم الحرج (ب)، فإذا قيس على ما خصص من عموم للحاجة إليه فله مساغ شرعي، فقدر ذلك النبي ﷺ واستثناه (جـ) وقد يحتج بهذا على أن الاستثناء لا يشترط فيه اتصاله بالمستثنى منه، وأن النبي ﷺ مفوض إليه في الأحكام.
ويجاب عن الأول بأنه متصل وأن كلام العباس وقع في أثناء كلامه ﷺ بمقدار تنفس ويذكر لما يستثنى، وهو لا يعدُّ متراخيًا، وعن الثاني بأن ذلك عن وحي وليس من لازم الوحي أن يتراخي وقتا ممتدًا بل قد يكون ذلك بإلقائه في روعه ﷺ -أو إلهام أو سماع من ملك أو
стр. 1875
نحو ذلك من مراتب الوحي أو اجتهاد منه ﷺ وافق اجتهاد العباس، واجتهاده حق، وله الاجتهاد كما هو الصحيح ولا يقر على خطأ، والله أعلم.
٥٧٥ - وعن عبد الله بن زيد بن عاصم ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إِن إبراهيم حَرَّمَ مكة ودعا لأهلها، وإِني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم وإِني دعوت في صاعها ومدها مثل ما دعا إِبراهيم لأهل مكة" متفق عليه (١).
قوله "إِن إِبراهيم حرم مكة" هكذا في هذه الرواية، وفي رواية ابن عباس "إن الله حرم مكة" والجمع بين الروايتين أن التحريم من الله -تعالى- قضى به وأظهر حرمته على لسان إبراهيم ﵇ أو أن إبراهيم حرمه بأمر الله -تعالى- فصح نسبة التحريم إلى الله وإلى إبراهيم جميعًا، ووقع في رواية ابن عباس: "لم يحرمها الناس" (٢) والمعنى أن تحريمها شرع من الله -تعالى- لا لمجرد اختيار الناس وتعظيمهم لما لا يستحق التعظيم رجوعًا إلى الهوى كما فعلوا في كثير من الحجارة التي عبدوها من دون الله -سبحانه-، وقيل إن المعنى أن حرمتها مستمرة من أول الخلق ليست مما اختصت به شريعة النبي ﷺ وقيل المعنى من تحريم إبراهيم أنه سأل الله -تعالى- تحريمها، فكان تحريمها بدعوته، ولذلك أضيف إليه، والمراد بالتحريم هو تأمين أهلها من أن يقاتلوا، وتأمين من استعاذ بها كما قال تعالى: ﴿ومن دخله كان آمنًا﴾ (٣) وقوله تعالى: ﴿أو لم يروا أنا جعلنا حرمًا آمنًا﴾ (٤).
стр. 1876
وقوله "وإني حرمت المدينة" فيه التأويل كما تقدم، والأظهر هنا أن تحريمها كان سبب دعائه ﷺ لها ولأهلها وكونه فيهم حيًّا وميتًا، وفيه دلالة على أن المدينة لها حرم كمكة في تحريم الاصطياد وقطع النبات الأخضر وغير ذلك، وقد اختلف العلماء في ذلك، فذهب الهادي والشافعي وغيرهم إلى أن للمدينة حرمًا كحرم مكة في جميع ما ذكر، وذهب أبو حنيفة وزيد بن علي والناصر إلى أن حرم المدينة مخالف حرم مكة في الأحكام، وتسميته حرمًا مجاز، ويرد عليهم بقوله في حديث أنس "لا يقطع شجرها، ولا يحدث فيها حدث" وفي رواية عند مسلم "لا يقطع عضاهها، ولا يصاد صيدها" فإن هذا صريح في المذهب الأول، واختلفت الأحاديث في تحديده ففي حديث أنس عند البخاري "المدينة حرم من كذا إلى كذا" (١)، وفي حديث أبي هريرة عنده أيضًا قال: "حرم ما بين لابتي المدينة على لساني "قال: "وأتى النبي ﷺ بني حارثة وقال: أراكم يا بني حارثة قد خرجتم من الحرم ثم التفت فقال: بل أنتم فيه" (٢)، وفي حديث علي ﵁ عنده "حرم ما بين عائر إلى كذا" (٣) وفي رواية عند مسلم " من عير إلى ثور" (٤)، وفي رواية "ما بين مأزميها" (٥) أي جبليها، وفي رواية: "ما بين حرتيها وحمامها" وحمام المدينة ثلاثة أجبل مما يلي حرتها الغربية والحرتين المراد بهما الغربية والشرقية والمدينة بينهما، وهو حد للحرم مِن المشرق والمغرب وما بين جبليها بيان لحده من الجنوب والشمال، وللمدينة أيضًا حرة من
стр. 1877
القبلة وحرة من الشام لكنهما يرجعان إلى الشرقية والغربية ويتصلان بهما.
وفي رواية عند أبي داود "حمى رسول الله ﷺ كل ناحية من
المدينة بريدًا بريدًا لا يخبط شجرة ولا يعضد إلا ما يساق بها لجمل" (١)،
وفي حديث عبد الله بن سلام عند أحمد والطبراني: "ما بين عير إلى
أحد" (٢) فادعى بعض الحنفية أن الحديث مضطرب، وأجيب عنه بأن
الجمع بين هذه الروايات ممكن فلا ترد الأحاديث الصحيحة مع أنه لو
تعذر الجمع أمكن الترجيح ولا شك أن ما بين لابتيها أرجح لتوارد الرواة
عليها، ورواية "جبليها" لا تنافيها ويكون عند كل لابة جبل، أو (أ)
لابتيها من جهة الجنوب والشمال، وجبليها من جهة المشرق والمغرب
وتسمية الجبلين في رواية أخرى لا يضر، وأما رواية مأزميها فهي في بعض
طرق حديث أبي سعيد، والمأزم بالكسر للزاي المضيق (ب) بين الجبلين، وقد تطلق على الجبل نفسه، وأما حديث أبي داود فيحتمل أنه تحديد للحمى لا للحرم (جـ)، واحتج الطحاوي للحنفية بحديث أنس في قصة أبي عُمير (٣) ما فعل النغير قال: لو كان صيدها حرامًا ما جاز حبس الطير، وأجاب الجمهور بأن ذلك يحتمل أن يكون من صيد الحل، فأدخل الحرم، ولكن الحنفي لا يوافقهم على ذلك فإن عنده إذا دخل الصيد من الحل
стр. 1878
إلى الحرم كان له حكم الحرم، واحتج بعضهم بأن النبي ﷺ قطع النخل لبناء المسجد (١)، ولو كان قطع شجرها حرامًا ما فعله، وأجيب بأن ذلك كان في أول الهجرة وهو واضح، وحديث تحريم المدينة كان بعد رجوعه ﷺ من خيبر ذكره البخاري عن أنس في الجهاد، وأيضًا فإن أبا حنيفة يجيز قطع ما كان ينبته الناس في العادة وإنما يحرم عنده ما ينبت بطبعه، وقال الطحاوي: يحتمل أن تحريم شجر المدينة وصيدها كان لأجل أن الهجرة كانت، إليها وكان بقاء الشجر والصيد مما يزيد في زينتها ويدعو إلى الرغبة فيها فلما انقطعت الهجرة زال ذلك، وأجيب عنه بأن هذا مجرد احتمال لا يثبت به النسخ مع أنه ثبت على الإفتاء بتحريمها سعد بن أبي وقاص وزيد بن ثابت وأبو سعيد وغيرهم كما أخرجه مسلم (٢)، وعلى القول بثبوت حرمها فمن فعل شيئًا من قتل الصيدأو قطع الشجر أثم ولا جزاء عليه في روايه أحمد وهو المشهور من قول مالك والشافعي والجمهور، وقال ابن أبي ذئب وابن أبي ليلى وهو قول للشافعي في القديم، ومذهب الهادوية واختاره ابن المنذر وابن نافع صاحب مالك، وقال القاضي عبد الوهاب: إنه الأقيس أن فيه الجزاء والفدية كما في حرم مكة، وهو قول قديم للشافعي أن الجزاء في ذلك سلب الفاعل لحديث سعد بن أبي وقاص في ذلك صححه مسلم (٣) وأنه كسلب القاتل لا خمس فيه.
قال القاضي: لم يقل بهذا بعد الصحابة إلا الشافعي، وادعى بعض
стр. 1879
الحنفية الإجماع على ترك الأخذ بحديث السلب، ثم استدل بذلك على نسخ تحريم المدينة، ودعوى الإجماع مردودة، والسلب قيل هو كسلب القتيل من الكفار فيدخل فيه فرسه وسلاحه ونفقته، وقال بعضهم: المراد بالسلب الثياب فقط.
واعلم أنه قد استَشْكل رواية من عير إلى ثور جماعة حتى قال مصعب الزبيري: ليس بالمدينة عير ولا ثور، وأثبت غيره "عيرًا" ووافقه على إنكار ثور.
قال أبو عبيد: هذه رواية أهل العراق، وأما أهل المدينة فلا يعرفون جبلًا عندهم يُقال له ثور، وإنما ثور بمكة (أ) ويرى أن أصل الحديث ما بين عير إلى أحُد.
وقال القاضي عياض غير معروف.
وأنشد أبو عبيد البكري قول الأحوص اليمني:
فقلت لعمرٍو تلك يا عمرو ناره ... تشب قفا عير فهل أنت ناظر
وقال ابن السيد (ب): الملقب بعير جبل بقرب المدينة معروف وقد تأول من أنكر عيرًا وثورًا بالمدينة بأن المراد في الحديث مقدار ما بين عير وثور من مكة أو يسمى الجبلين بالمدينة اللذين ما بينهما مثل ما بين عير وثور بمكة بالاسمين وكأنه قال: أحرم من المدينة مثل تحريم ما بين عير وثور بمكة على حذف المضاف ووصف المصدر.
وقال النووي: يحتمل أن يكون ثور كان اسم جبل هناك إما أحد وإما
стр. 1880
غيره (١).
وقال المحب الطبري في "الإحكام" بعد حكاية كلام أبي عبيد ومن تبعه: قد أخبرني الثقة العالم أبو محمد عبد السلام البصري أن حذاء أحد عن يساره جانحًا إلى ورائه جبلًا صغيرًا يقال له ثور وأخبر أنه تكرر سؤاله عند الطوائف من العرب العارفين بتلك الأرض وما فيها من الجبال، كل أخبر أن ذلك الجبل اسمه ثور وتواردوا على ذلك فعلمنا أن ذلك في الحديث صحيح وإن عدم علم أكابر العلماء لعدم شهرته وعدم بحثهم عنه، قال: وهذه فائدة جليلة انتهى (٢).
قال المصنف (٣) -رحمة الله عليه-: وقرأت بخط شيخ شيوخنا القطب الحلبي في شرحه: حكى لنا شيخنا الإمام أبو محمد عبد السلام بن مزروع البصري أنه خرج رسولًا إلى العراق فلما رجع إلى المدينة كان معه دليل فكان يذكر له الأماكن والجبال، قال فلما وصلنا إلى أحد إذ بقربه جبل صغير فسألته عنه فقال هذا يسمى ثورًا (أ)، قال: فعلمت صحة الرواية فكان هذا مبتدأ سؤاله، وذكر شيخنا أبو بكر بن حسين المراغي نزيل المدينة في مختصره لأخبار المدينة أن خلف أهل المدينة ينقلون عن سلفهم أن خلف أحد من جهة الشمال جبلًا صغيرًا مدورًا يسمى ثورًا قال: وقد تحققته بالمشاهدة، انتهى (٤).
واعلم أنه قد قيل أن البخاري أبهم اسم الجبل عمدًا لما وقع عنده أن
стр. 1881
التسمية وَهْم، قال صاحب المشارق والمطالع: أكثر رواة البخاري بتسمية "عير" وأما " ثور" فمنهم من كنى عنه بكذا ومنهم من ترك فكأنه بياضًا والأولى أن البخاري ما أبهم إلا حكاية لما وقع في الرواية وإلا فقد سماه في موضع.
وقوله "وإني دعوت ... " إلى آخره في مسلم مصرح بالدعاء وهو "اللهم بارك لهم في مكيالهم، وبارك لهم في صاعهم، وبارك لهم في مدهم" (١). قال القاضي عياض (٢): يحتمل الدعاء بالبركة هنا أن تكون دينية وهي ما تتعلق به المقادير من حقوق الله -تعالى- في الزكوات والكفارات فيكون بمعنى الثبات والبقاء لها كبقاء الحكم بها ببقاء الشريعة وثباتها، ويحتمل أن يكون دنيوية بمعنى تكثير ما كيل بهذه الأكيال حتى يكفي منه ما لا يكفي من غيره في غير المدينة، أو ترجع البركة إلى التصرف بها في التجارة وأرباحها أو إلى كثرة ما يكال بها من غلاتها وثمارها، أو تكون الزيادة فيما يكال بها لاتساع عيشهم وكثرته بعد ضيقهم لما فتح الله عليهم ووسع من فضله لهم وملكهم من بلاد الخصب والريف بالشام والعراق ومصر وغيرها حتى كثر الحَمْل إلى المدينة واتسع عيشهم حتى صارت هذه البركة في الكيل نفسه فزاد مدُّهم، انتهى.
والظاهر هو الاحتمال الثاني، والظاهر منه هو الأول من الاحتمالات.
فائدة: المدينة عَلَمٌ بالغلبة للبلد التي هاجر إليها النبي ﷺ ودفن بها فإذا أطلق تبادر إلى الفهم أنها المراد من غير قرينة بخلاف غيرها فلا بد من قرينة تعين المراد وكان اسمها قبل ذلك يثرب قال تعالى: ﴿وإِذ قالت
стр. 1882
طائفة منهم يا أهل يثرب﴾ (١) ويثرب اسم لموضع منها سميت به كلها، قيل سميت بيثوب من ولد إرم بن سام بن نوح لأنه أول من نزلها، حكاه أبو عبيد البكري، وقيل غير ذلك، ثم سماها النبي ﷺ طيبة (٢) وطابة (٣)، وكان سكانها العماليق، ثم نزلها طائفة من بني إسرائيل، قيل أرسلهم موسى ﵇ كما أخرجه الزبير بن بكار في أخبار المدينة بسند ضعيف، ثم نزلها الأوس والخزرج لما تفرق أهل سبأ بسبب سيل العرم، والله أعلم.
٥٧٦ - وعن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "المدينة حرام ما بين عير إِلى ثور" رواه مسلم (٤).
تقدم الكلام على هذا، والله أعلم.
خاتمة: اشتمل هذا الباب على أربعة عشر حديثًا.
стр. 1883
باب صفة الحج ودخول مكة
أراد بصفة الحج بيان المناسك والإتيان بها مرتبة وكيفية وقوعها وذكر حديث جابر، وهو وافٍ بجميع ذلك يشتمل على جمل من الفوائد ونفائس من الفرائد، وهو من أفراد مسلم لم يروه البخاري في صحيحه، لرواه أبو داود.
قال القاضي عياض: قد تكلم الناس على ما فيه من الفقه وأكثروا وصنف فيه أبو بكر بن المنذر جزءًا كبيرًا، وخرج فيه من الفقه مائة ونيفًا وخمسين نوعًا، ولو تقصي لزاد على هذا العدد (١).
٥٧٧ - وعن جابر بن عبد الله ﵁ أن رسول الله- ﷺ حج فخرجنا معه حتى أتينا ذا الحليفة فولدت أسماء بنت عميس فقال: "اغتسلي واستذفري (أ) (٢) بثوب وأحرمي، وصلى رسول اللَّه ﷺ في المسجد ثم ركب القصواء حتى إِذا استوت به على البيداء أَهَلَّ بالتوحيد: لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إِن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك حتى إِذا أتينا البيت استلم الركن فَرَمَلَ ثلاثًا ومشى أربعًا ثم أتى مقام (٣) إِبراهيم فصلى ثم رجع إِلى الركن فاستلمه ثم خرج من الباب إِلى الصفا، فلما دنا من الصفا قرأ ﴿إِن الصفا والمروة من شعائر اللَّه﴾ (٤) أبدأ بما بدأ اللَّه به، فرقي
стр. 1884
الصفا حتى رأى البيت فاستقبل القبلة فوحد اللَّه وكبره وقال: لا إِله إِلا اللَّه وحده لا شريك له، له اللك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا إِله إِلا الله أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده، ثم دعا بين ذلك ثلات مرات، ثم نزل إلى المروة حتى إِذ انصبت (أ) قدماه في بطن الوادي رمل حتى إِذا صعدنا مشى حتى أتى المروة ففعل على المروة كما فعل على الصفا ... "، فذكر الحديث وفيه: فلما كان يوم التروية توجهوا إِلى منى، وركب النبي ﷺ وصلى بها الظهر والعصر والغرب والعشاء والفجر ثم مكث قليلًا حتى طلعت الشمس فأجاز حتى أتى عرفة فوجد القُبَّة قد ضربت له بنمرة فنزل بها حتى إِذا زالت الشمس أمر بالقصواء فرحلت وأتى بطن الوادي فخطب الناس ثم أذن ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر ولم يُصَلِّ بينهما شيئًا ثم ركب حتى أتى الوقف فجعل بطن ناقته القصواء إِلى الصخرات وجعل جبل الشاة بين يديه، واستقبل القبلة فلم يزل واقفًا حتى غربت الشمس، وذهبت الصفرة قليلًا حتى غاب القرص ودفع، وقد شنق للقصواء الزمام حتى إِن رأسها ليصيب مورك رحله ويقول بيده اليمنى: يا أيها الناس السكينة فلما أتى جبلًا أرخى لها قليلًا حتى تصعد حتى أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإِقامتين ولم يسبح بينهما شيئًا ثم اضطجع حتى طلع الفجر فصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإِقامة، ثم ركب حتى أتى الشعر الحرام فاستقبل القبلة فدعا وكبر وهلل، فلم يزل واقفًا حتى أسفر جدًّا فدفع قبل أن تطلع الشمس حتى أتى بطن محسر فحرك قليلًا ثم سَلَكَ الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى، حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة
стр. 1885
فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة منها مثل حصى الخذف رمى من بطن الوادي ثم انصرف إِلى المنحر فنحر ثم ركب رسول اللَّه ﷺ فأفاض إِلى البيت فصلى بمكة الظهر". رواه مسلم مطولًا (١).
قوله: "إِن رسول اللَّه ﷺ حج" وقع هذا المعنى ما في صحيح مسلم، ولفظه أنه (أ) لما سأله علي بن الحسين فقال: أخبرني عن حجة رسول الله ﷺ -بكسر الحاء وفتحها، والمراد حجة الوداع فقال: إن رسول الله ﷺ مكث تسع سنين لم يحج، يعني مكث بالمدينة بعد الهجرة- ثم أذن الناس في العاشرة، معناه أعلمهم بذلك وأشاعه ليتأهبوا للحج معه ويتعلموا المناسك والأحكام ويشاهدوا أفعاله وأقواله، ويوصيهم ليبلغ الشاهد الغائب وتشيع دعوة الإسلام، ويبلغ الرسالة القريب والبعيد كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله ﷺ .
وقوله "اغتسلي" فيه دلالة على شرعية الغسل للنفساء وكذلك الحائض وفي حق غيرهما بالأولى.
وقوله "واستذفري بثوب" الاستذفار هو: أن تشد المرأة في وسطها شيئًا وتأخذ خرقة عريضة تجعلها على محل الدم أتشد طرفيها من قدَّامها ومن ورائها إلى ذلك المشدود، وهو تشبيه بثفر الدابة بفتح الفاء والمثلثة وهو: ما يكون تحت ذنبها يغطي حياها ويشتمل أن يكون من الثفر بسكون الفاء وهو الفرج واستعير لغيره لملازمته له، والأول أظهر لقوله في بعض الروايات "تلجمي بثوب".
стр. 1886
وقوله: "وأحرمي" فيه دلالة على صحة إحرام النفساء وكذلك الحائض وهو مجمع عليه.
وقوله "وصلى رسول اللَّه ﷺ في المسجد" في رواية مسلم "أنه صلى ركعتين" والظاهر أنهما نافلة، وعن الحسن البصري أن الأفضل أن تكون بعد صلاة فرض قال: لأنه قد روي أن الركعتين كانتا صلاة الصبح.
وقوله: "ثم ركب القصواء" بفتح القاف والمد، قال القاضي عياض: وقد وقع القصوى بضم القاف والقصر، قال: وهو خطأ ثم قال ابن قتيبة: كانت للنبي ﷺ نوق: القصواء والجدعاء والعضباء.
قال أبو عبيد: العضباء اسم لناقة النبي ﷺ ولم تسم بذلك لشيء أصابها.
قال القاضي: وقد ذكر في غير مسلم، أنه خطب على ناقته الجدعاء، وفي حديث آخر "على ناقة خرماء" وفي آخر "على ناقة مخضرمة" وفي حديث آخر: "كانت له ناقة لا تسبق" (١) وفي آخر تسمى العضباء (٢)، وهذا كله يدل على أنها ناقة واحدة لأنها في قصة واحدة إلا أن في مسلم في باب النذر، أن القصواء غير العضباء.
قال الحربي: العضب والجدع والخرم والقصوى والخضرمة في الأذن.
قال ابن الأعرابي: القصواء التي قطع طرف أذنها، والجدع أكثر منه.
وقال الأصمعي في القصواء مثله، قال: وكل قطع في الأذن جدع وإن جاوز الربع فهي عضباء، والخضرم مقطوع الأذنين فإن اصطلمتا فهي صلماء.
стр. 1887
وقال أبو عبيد: القصواء المقطوعة الأذن عرضًا، والخضرمة المستأصلة والعضباء المقطوعة النصف فما فوقها.
وقال الخليل: المخضرمة مقطوعة الواحدة، والعضباء مشقوقة الأذن.
قال الحربي: فالحديث (أ) يدل على (ب) أن العضباء اسم لها وإن كانت عضباء الأذن فقد حصل اسمها، هذا آخر كلام القاضي (١)، وقد قال محمد بن إبراهيم التيمي الشافعي وغيره أن العضباء والقصوى والجدعاء اسم لناقة واحدة كانت لرسول الله ﷺ وقوله: "أهَلَّ بالتوحيد" يعني أنه أفرد التلبية لله وحده بقوله: لا شريك له يقول لبيك إلى آخره تفسير لقوله بالتوحيد، وفيه إشارة إلى أن الجاهلية كانت تشرك في تلبيتها غير الله -تعالى- كانت تقول: لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك.
ولبيك، مصدر مثنى مضاف إلى المفعول لبيان الملبي حذف فعله وجوبًا والمراد من التلبية التكثير، والمراد منها تلبية كثيرة متتالية مرة بعد أخرى، وفيه دلالة على شرعية التلبية، وهو مجمع عليه ثم اختلفوا في حكمها، فأكثر أهل البيت وأبو حنيفة أن الإحرام لا ينعقد إلا بالنية مقارنة للتلبية، أو تقليد الهدي، وقال المؤيد بالله والشافعي وآخرون: هي سنة ينعقد الحج بالنية من دون ما ذكر، وقال بعض أصحاب الشافعي: هي واجبة لا يصح الحج إلا بها، وقال مالك: ليست بواجبة لكن لو تركها لزم دم، قال أبو حنيفة: ويقوم غيرها من ألفاظ الذكر مقامها كما قال في تكبيرة الإحرام،
стр. 1888
ويستحب رفع الصوت بها في حق الرجل وتكرارها لا سيما عند تغاير الأحوال كإقبال الليل والنهار والصعود والهبوط ونحو ذلك، ولا يلبى في الطواف والسعي لأن لهما أذكارًا مخصوصة، ويكررها في كل كرة ثلاث مرات ويواليها ولا يقطعها بكلام، ويكره رد السلام عليه، فإن سلم عليه رد باللفظ، ويندب بعد التلبية الصلاة على النبي ﷺ ويسأل الله -تعالى- لنفسه ولمن أحبه ولسائر المسلمين الرضوان والجنة، والاستعاذة من النار، وإذا رأى شيئًا يعجبه قال: لبيك إنَّ العيش عيش الآخرة ولا يقطعها إلا عند رمي الجمرة، أو عند طواف الزيارة إذا قدمه على الرمي، والمعتمر عند الطواف.
وقوله: "إِن الحمد والنعمة" يجوز في إنَّ فتح الهمزة وكسرها، والمعنى واحد وهو التعليل، قال أكثر العلماء يستحب الاقتصار على تلبية النبي ﷺ وبه قال مالك والشافعي، وقد روي عن عمر أنه كان يزيد: "لبيك ذا النعماء والفضل الحَسَن، لبيك مرهونًا منك مرغوبًا إليك".
وعن ابن عمر: "لبيك وسعديك والخير بيديك والرغباء إليك والعمل" (١).
وعن أنس: "لبيك حقًّا حقًّا تعبدًا ورقًا" (٢).
وقوله: "حتى أتينا البيت" (فيه دلالة على أن السنة للحجاج أن يدخلوا مكة قبل الوقوف بعرفات ليطوفوا للقدوم وغير ذلك.
وقوله: "حتى أتينا البيت معه استلم الركن فرمل ثلاثًا ومشى أربعًا" فيه دلالة على أن الحاج إذا دخل مكة فالمشروع له أن يطوف
стр. 1889
طواف القدوم قبل صعود الجبل، وهو مجمع عليه، وأن يرمل في الثلاثة الأشواط الأُوَل، ويمشي على عادته في الأربعة الأخيرة، والرَّمَل هو إسراع المشي مع تقارب الخطى وهو الخبب، ولا يشرع الرمل إلا في طواف واحد في حج أو عمرة أما إذا طاف في غير حج أو عمرة فلا يشرع.
وقوله "استلم الركن فيه" دلالة على أنه يشرع استلام الركن قبل الطواف.
وقوله "ثم أتى مقام إِبراهيم فصلى" في مسلم زيادة: "فقرأ ﴿واتخذوا من مقام إِبراهيم مصلى﴾ (١) فجعل المقام بينه وبين البيت فصلى" فيه دلالة على شرعية الصلاة خلف مقام إبراهيم، وقد أجمع العلماء على أنه ينبغي لكل طائف إذا فرغ من طوافه أن يصلي خلف المقام ركعتي الطواف، واختلفوا هل هما واجبتان أم سنتان؟ فمذهب الهادوية أنهما واجبتان، وكونهما خلف مقام إبراهيم نَدْبًا، وإذا تركهما حتى مات لزم دم، ووافق مالك على الوجوب، وقال: يجب أن يكون خلف مقام إبراهيم، وعند الشافعية ثلاثة أقوال أصحها أنهما سنة، الثاني أنهما واجبتان، والثالث إن كان طوافًا واجبًا فواجبتان وإلا فسنتان، قال النووي (٢): والسنة أن يصليهما خلف المقام فإن لم يفعل ففي الحجر، وإلا ففي المسجد، وإلا ففي مكة، وسائر الحرم ولو صلاهما في وطنه أو غيره من أقاصي الأرض جاز وفاته الفضيلة، ولو أراد أن يطوف طوافات استحب أن يصلي عقيب كل طواف ركعتَيْن، ولو أراد أن يؤخر الصلاة عن الطوافات جاز ذلك، وهو خلاف الأولى.
وقد قال بهذا المسور بن مخرمة وعائشة وعطاء وطاوس وسعيد بن جبير
стр. 1890
وأحمد وإسحاق وأبو يوسف، وكره ذلك ابن عمر والحسن البصري والزهري ومالك والثوري وأبو حنيفة وأبو ثور ومحمد بن الحسن وابن المنذر، ونقله القاضي عن جمهور الفقهاء (١)، وورد في القراءة في الركعتين في الأولى: ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ (٢)، وفي الثانية: ﴿قل هو اللَّه أحد﴾ (٣)، وقد أخرجه مسلم (٤) عن محمد بن علي عن أبيه عن رواية جابر عن قراءة النبي ﷺ ، وأخرجه أيضًا البيهقي بإسناد صحيح كذلك (٥).
وقعوله: "ثم رجع إِلى الركن فاستلمْه" فيه دلالة على استحباب العود لاستلام الركن في طواف القدوم، وقد قال بهذا الشافعي وغيره واتفقوا على أن استلام الركن ليس بواجب ولو تركه لم يلزم دم.
وقوله "ثم خرج من الباب إِلى الصفا ... " إلى آخره فيه دلالة على أنه يشترط في السعي أن يبدأ من الصفا، وبه قال الهادي والشافعي ومالك والجمهور، وذلك لأنه لما فعل ذلك ثم قرأ الآية الكريمة، وبين ﷺ أن فعله ذلك امتثال لما في الآية الكريمة، وقد قدم الصفا على المروة، ففعل موافقة لما في القرآن فدل على أن ذلك هو المشروع، وقد قال: "خذوا عني مناسككم" (٦).
والأصل إنما فعله مبين لما شرع الله -سبحانه- فلا يعدل عنه إلا لدليل، ولم يوجد خلاف ذلك، وهذا على رواية مسلم "أبدًا" حكاية
стр. 1891
عن المتكلم، وأما على رواية النسائي بإسناد صحيح لهذا الحديث أن النبي ﷺ قال: "ابدءوا بما بدأ الله به" (١) بصيغة خطاب الجماعة، فهو فعل أمر، والأصل فيه الوجوب فالأمر واضح.
وقوله "فرقي الصفا" لم فيه دلالة على شرعية ذلك، وقد قالت الهادوية إن ذلك منْدوب في حق الرجل دون المرأة.
وقال النووي (٢): قال جمهور أصحابنا هو سنة ليس بشرط ولا واجب، فلو ترك صح سعيه لكن فاتته الفضيلة، وقال أبو جعفر بن الوكيل من أصحابنا لا يصح سعيه حتى يصعد على شيء من الصفا والصواب الأول. قال أصحابنا: لكن يشترط أن لا يترك شيئًا من المسافة التي بين الصفا والمروة فيلصق عقبه بدرجات الصفا، وإذا وصل المروة ألصق أصابع رجليه بدرجها (٣)، انتهى كلامه.
ومثل هذا عند الهادوية ويرقى على الصفا حتى يرى البيت إن أمكنه ثم يقف على الصفا مستقبل (أ) الكعبة ويذكر الله -تعالى- بهذا الذكر المذكور، ويفعل الذكر والدعاء ثلاث مرات كما في الحديث، وهذا هو المشهور عند العلماء، وقال جماعة يكرر الذكر ثلاثًا والدعاء مرتين فقط، والصواب الأول، وفي قوله "بين ذلك، دلالة على أنه لا يكرر الذكر والدعاء في كل شوط لأنه لم يقل بعد كل شوط، وإنما وقع منه في الجملة، وقد صرح بهذا الإمام المهدي في الغيث.
стр. 1892
وقوله: "وهزم الأحزاب وحده" معناه وهزمهم من غير قتال من الآدميين ولا سبب من جهتهم، والمراد بالأحزاب الذين تحزبوا على رسول الله ﷺ يوم الخندق، وكان الخندق في شوال سنة أربع من الهجرة، وقيل سنة خمس، ولم يرد في الرواية بيان ما دعا به ﷺ وفيه دلالة على التوسعة في ذلك وأنه يدعو بما شاء.
قال الهادي: إنه يقرأ الحمد والمعوذتين و ﴿قل هو اللَّه أحد﴾ (١) وآية الكرسي وآخر الحشر من قوله ﴿لو أنزلنا هذا القرآن على جبل﴾ (٢) إلى آخر السورة ثم يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له نصر عبده وهزم الأحزاب وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ﷺ اللهم اغفر لي ذنوبي وتجاوز عن سيئاتي ولا تردني خائبًا يا أكرم الأكرمين واجعلني في الآخرة من الفائزين. ويقول على المروة مثل ذلك.
وقوله "حتى انصبت قدماه في بطن الوادي" قال القاضي عياض (٣): هكذا في جميع النسخ وفيه إسقاط لفظة لا بد منها وهو حتى انصبت قدماه رمل في بطن الوادي فسقط (أ) لفظة رمل، وقد ثبتت هذه اللفظة في رواية مسلم، وكذا ذكرها الحميدي في الجمع بين الصحيحين، وفي الموطأ (٤)، حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي سعى انتهى. وقد وقع في بعض نسخ صحيح مسلم مثل لفظ الموطأ (٥)، وفيه دلالة على استحباب
стр. 1893
الرمل في بطن الوادي، وهو الذي عبر عنه بعض الأئمة بما بين الميلين، وهو مستحب في كل مرة من السبعة، وعن مالك روايتان إحداهما كما ذكر، والثانية يجب عليه الإعادة.
وقوله "فعل على المروة مثل ما فعل على الصفا" فيه دلالة على استحباب الرقي والذكر والدعاء، وهو متفق عليه، وفي هذا دلالة على قول الجمهور من العلماء أنَّ من الصفا إلى المروة شوط ثم منها إليه شوط آخر، والخلاف لابن بنت الشافعي وأبي بكر الصيرفي من أصحاب الشافعي فجعلا مجموع ذلك شوطًا واحدًا.
وقوله "فلما كان يوم التروية" وهو اليوم الثامن من شهر (أ) الحجة، سمي بذلك لأنه لم يكن ماء بعرفة فكانوا يتروون فيه، وقيل إن إبراهيم ﵇ كان مترويًا في روياه في ذلك اليوم، وفيه دلالة على أنه ينبغي التقدم إلى منى قبل ذلك اليوم، وفي مسلم "فأهلوا بالحج يوم التروية" يدل أيضًا على ما ذهب إليه الشافعي أنه إن كان الحاج بمكة وأراد الإحرام أحرم يوم التروية، وقد ذكر هذا مالك أيضًا، وقال بعض السلف: لا بأس بالتقدم وهو خلاف السنة.
وقوله "وركب النبي ﷺ " إلى قوله "الفجر" فيه دلالة على سنن منها أنه يركب في حال عزمه إلى منى ولا يمشي، واختلف أيهما أفضل فالأظهر من مذهب الشافعي أن الركوب أفضل، وللشافعي قول آخر ضعيف إن المشي أفضل، وقال بعض أصحاب الشافعي الأفضل في جملة الحج الركوب إلا في مواطن المناسك وهي بمكة ومنى ومزدلفة وعرفات والتردد بينهما، وقد ورد تفضيل المشي على الركوب في جملة
стр. 1894
السفر إلى الحج.
ومنها أن يصلي بمنى هذه الصلوات الخمس.
ومنها أن يبيت بمنى هذه الليلة وهي ليلة التاسع من ذي الحجة، وهذا المبيت سنة ليس بركن ولا واجب فلو تركه فلا دم عليه.
وتوله: "حتى طلعت الشمس" فيه دلالة على أن السنة أن لا يخرجوا من منى إلا وقد طلعت الشمس، وهذا متفق عليه.
وقوله: "فأجاز" أي جاوز المزدلفة ولم يقف بها، وقوله: "حتى أتى عرفة" أي قرب من عرفة لأنه فسره بقوله "فوجد القبة قد ضربت له بنمرة فنزل بها" مع أن نمرة ليست من عرفات ودخول عرفات قبل صلاة الظهر والعصر خلاف السنة، وفي الحديث هنا حذف، ولفظ مسلم "وأمر بقبة من شعر نصبت له بنمرة" ولا تشك قريش أنه واقف عند المشعر الحرام كما كانت قريش تصنع في الجاهلية وبعده فإذا جاز كما في هذا المختصر، وفي هذا دلالة على ما (أ) هو السنة من النزول بنمرة وأن لا يدخلوا عرفات إلا بعد صلاة الظهر والعصر ويغتسلون قبل الزوال فإذا زالت الشمس سار بهم الإمام إلى مسجد إبراهيم ﷺ (ب) - وخطب (جـ) بهم خطبتين خفيفتين ويخفف الثانية جدًّا، فإذا فرغ منها صلى بهم الظهر والعصر جامعًا بينهما ندبًا فإذا فرغوا من الصلاة ساروا إلى الموقف وكانت قريش في الجاهلية تقف بالمشعر الحرام وهو الجبل بالمزدلفة يقال له قزح وقيل المشعر كالمزدلفة -وهو بفتح الميم كما جاء في القرآن وقد جاء بكسرها- كراهة من قريش أن يخرجوا من الحرم لأن المزدلفة من الحرم
стр. 1895
المحرم توقعًا منهم أن يشاركوا غيرهم في الموقف لكونهم أهل الحرم، ولذلك قال الله سبحانه: ﴿ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس﴾ (١) فظنت قريش أن النبي ﷺ لما نزل بنمرة أن يقف كما يقفون، ونمرة -بفتح النون وكسر الميم ويجوز إسكان الميم- موضع بجنب عرفات وليس من عرفات، وفي ضرب القبة دلالة على جواز الاستظلال للمحرم بقبة وغيرها، ولا خلاف في جوازه للنازل وكذا للراكب عند الأكثر، وكرهه مالك وأحمد.
وقوله: "فرحلت": بتخفيف الحاء المهملة أي جعل عليها الرحل.
وقوله "حتى أتى بطن الوادي": هو وادي عرَنَة بضم العين المهملة وفتح الراء وبعدها نون وليست عرنة من عرفات عند كافة العلماء إلا مالكًا فقال هي من عرفات.
قوله: "فخطب الناس" فيه دلالة على استحباب الخطبة للإمام بالحج يوم عرفة في هذا الموضع وهي سنة باتفاق جماهير العلماء، وخالف فيها المالكية ومذهب الشافعي أن في الحج أربع خطب مسنونة أحدها يوم السابع من ذي الحجة يخطب عند الكعبة بعد صلاة الظهر، والثانية ببطن عرفة يوم عرفات، والثالثة يوم النحر، والرابعة يوم النفر الأول، الثاني من التشويق، قال أصحاب الشافعي وكل هذه الخطب أفراد بعد صلاة الظهر إلا التي يوم عرفات فإنها خطبتان، وقبل الصلاة وبعد الزوال ويعلمهم في كل خطبة ما يحتاجون إليه في المناسك إلى الخطبة الأخرى، والله أعلم.
وقوله: "ثم أذن ثم أقام ... " إلخ فيه دلالة على أنه يشرع الجمع بين الظهر والعصر هناك في ذلك اليوم، وقد أجمعت الأمة عليه، واختلفوا في سببه، فقيل سبب النسك وهو مذهب أبي حنيفة وبعض أصحاب