عن المتكلم، وأما على رواية النسائي بإسناد صحيح لهذا الحديث أن النبي ﷺ قال: "ابدءوا بما بدأ الله به" (١) بصيغة خطاب الجماعة، فهو فعل أمر، والأصل فيه الوجوب فالأمر واضح.
وقوله "فرقي الصفا" لم فيه دلالة على شرعية ذلك، وقد قالت الهادوية إن ذلك منْدوب في حق الرجل دون المرأة.
وقال النووي (٢): قال جمهور أصحابنا هو سنة ليس بشرط ولا واجب، فلو ترك صح سعيه لكن فاتته الفضيلة، وقال أبو جعفر بن الوكيل من أصحابنا لا يصح سعيه حتى يصعد على شيء من الصفا والصواب الأول. قال أصحابنا: لكن يشترط أن لا يترك شيئًا من المسافة التي بين الصفا والمروة فيلصق عقبه بدرجات الصفا، وإذا وصل المروة ألصق أصابع رجليه بدرجها (٣)، انتهى كلامه.
ومثل هذا عند الهادوية ويرقى على الصفا حتى يرى البيت إن أمكنه ثم يقف على الصفا مستقبل (أ) الكعبة ويذكر الله -تعالى- بهذا الذكر المذكور، ويفعل الذكر والدعاء ثلاث مرات كما في الحديث، وهذا هو المشهور عند العلماء، وقال جماعة يكرر الذكر ثلاثًا والدعاء مرتين فقط، والصواب الأول، وفي قوله "بين ذلك، دلالة على أنه لا يكرر الذكر والدعاء في كل شوط لأنه لم يقل بعد كل شوط، وإنما وقع منه في الجملة، وقد صرح بهذا الإمام المهدي في الغيث.
стр. 1892
وقوله: "وهزم الأحزاب وحده" معناه وهزمهم من غير قتال من الآدميين ولا سبب من جهتهم، والمراد بالأحزاب الذين تحزبوا على رسول الله ﷺ يوم الخندق، وكان الخندق في شوال سنة أربع من الهجرة، وقيل سنة خمس، ولم يرد في الرواية بيان ما دعا به ﷺ وفيه دلالة على التوسعة في ذلك وأنه يدعو بما شاء.
قال الهادي: إنه يقرأ الحمد والمعوذتين و ﴿قل هو اللَّه أحد﴾ (١) وآية الكرسي وآخر الحشر من قوله ﴿لو أنزلنا هذا القرآن على جبل﴾ (٢) إلى آخر السورة ثم يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له نصر عبده وهزم الأحزاب وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ﷺ اللهم اغفر لي ذنوبي وتجاوز عن سيئاتي ولا تردني خائبًا يا أكرم الأكرمين واجعلني في الآخرة من الفائزين. ويقول على المروة مثل ذلك.
وقوله "حتى انصبت قدماه في بطن الوادي" قال القاضي عياض (٣): هكذا في جميع النسخ وفيه إسقاط لفظة لا بد منها وهو حتى انصبت قدماه رمل في بطن الوادي فسقط (أ) لفظة رمل، وقد ثبتت هذه اللفظة في رواية مسلم، وكذا ذكرها الحميدي في الجمع بين الصحيحين، وفي الموطأ (٤)، حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي سعى انتهى. وقد وقع في بعض نسخ صحيح مسلم مثل لفظ الموطأ (٥)، وفيه دلالة على استحباب
стр. 1893
الرمل في بطن الوادي، وهو الذي عبر عنه بعض الأئمة بما بين الميلين، وهو مستحب في كل مرة من السبعة، وعن مالك روايتان إحداهما كما ذكر، والثانية يجب عليه الإعادة.
وقوله "فعل على المروة مثل ما فعل على الصفا" فيه دلالة على استحباب الرقي والذكر والدعاء، وهو متفق عليه، وفي هذا دلالة على قول الجمهور من العلماء أنَّ من الصفا إلى المروة شوط ثم منها إليه شوط آخر، والخلاف لابن بنت الشافعي وأبي بكر الصيرفي من أصحاب الشافعي فجعلا مجموع ذلك شوطًا واحدًا.
وقوله "فلما كان يوم التروية" وهو اليوم الثامن من شهر (أ) الحجة، سمي بذلك لأنه لم يكن ماء بعرفة فكانوا يتروون فيه، وقيل إن إبراهيم ﵇ كان مترويًا في روياه في ذلك اليوم، وفيه دلالة على أنه ينبغي التقدم إلى منى قبل ذلك اليوم، وفي مسلم "فأهلوا بالحج يوم التروية" يدل أيضًا على ما ذهب إليه الشافعي أنه إن كان الحاج بمكة وأراد الإحرام أحرم يوم التروية، وقد ذكر هذا مالك أيضًا، وقال بعض السلف: لا بأس بالتقدم وهو خلاف السنة.
وقوله "وركب النبي ﷺ " إلى قوله "الفجر" فيه دلالة على سنن منها أنه يركب في حال عزمه إلى منى ولا يمشي، واختلف أيهما أفضل فالأظهر من مذهب الشافعي أن الركوب أفضل، وللشافعي قول آخر ضعيف إن المشي أفضل، وقال بعض أصحاب الشافعي الأفضل في جملة الحج الركوب إلا في مواطن المناسك وهي بمكة ومنى ومزدلفة وعرفات والتردد بينهما، وقد ورد تفضيل المشي على الركوب في جملة
стр. 1894
السفر إلى الحج.
ومنها أن يصلي بمنى هذه الصلوات الخمس.
ومنها أن يبيت بمنى هذه الليلة وهي ليلة التاسع من ذي الحجة، وهذا المبيت سنة ليس بركن ولا واجب فلو تركه فلا دم عليه.
وتوله: "حتى طلعت الشمس" فيه دلالة على أن السنة أن لا يخرجوا من منى إلا وقد طلعت الشمس، وهذا متفق عليه.
وقوله: "فأجاز" أي جاوز المزدلفة ولم يقف بها، وقوله: "حتى أتى عرفة" أي قرب من عرفة لأنه فسره بقوله "فوجد القبة قد ضربت له بنمرة فنزل بها" مع أن نمرة ليست من عرفات ودخول عرفات قبل صلاة الظهر والعصر خلاف السنة، وفي الحديث هنا حذف، ولفظ مسلم "وأمر بقبة من شعر نصبت له بنمرة" ولا تشك قريش أنه واقف عند المشعر الحرام كما كانت قريش تصنع في الجاهلية وبعده فإذا جاز كما في هذا المختصر، وفي هذا دلالة على ما (أ) هو السنة من النزول بنمرة وأن لا يدخلوا عرفات إلا بعد صلاة الظهر والعصر ويغتسلون قبل الزوال فإذا زالت الشمس سار بهم الإمام إلى مسجد إبراهيم ﷺ (ب) - وخطب (جـ) بهم خطبتين خفيفتين ويخفف الثانية جدًّا، فإذا فرغ منها صلى بهم الظهر والعصر جامعًا بينهما ندبًا فإذا فرغوا من الصلاة ساروا إلى الموقف وكانت قريش في الجاهلية تقف بالمشعر الحرام وهو الجبل بالمزدلفة يقال له قزح وقيل المشعر كالمزدلفة -وهو بفتح الميم كما جاء في القرآن وقد جاء بكسرها- كراهة من قريش أن يخرجوا من الحرم لأن المزدلفة من الحرم
стр. 1895
المحرم توقعًا منهم أن يشاركوا غيرهم في الموقف لكونهم أهل الحرم، ولذلك قال الله سبحانه: ﴿ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس﴾ (١) فظنت قريش أن النبي ﷺ لما نزل بنمرة أن يقف كما يقفون، ونمرة -بفتح النون وكسر الميم ويجوز إسكان الميم- موضع بجنب عرفات وليس من عرفات، وفي ضرب القبة دلالة على جواز الاستظلال للمحرم بقبة وغيرها، ولا خلاف في جوازه للنازل وكذا للراكب عند الأكثر، وكرهه مالك وأحمد.
وقوله: "فرحلت": بتخفيف الحاء المهملة أي جعل عليها الرحل.
وقوله "حتى أتى بطن الوادي": هو وادي عرَنَة بضم العين المهملة وفتح الراء وبعدها نون وليست عرنة من عرفات عند كافة العلماء إلا مالكًا فقال هي من عرفات.
قوله: "فخطب الناس" فيه دلالة على استحباب الخطبة للإمام بالحج يوم عرفة في هذا الموضع وهي سنة باتفاق جماهير العلماء، وخالف فيها المالكية ومذهب الشافعي أن في الحج أربع خطب مسنونة أحدها يوم السابع من ذي الحجة يخطب عند الكعبة بعد صلاة الظهر، والثانية ببطن عرفة يوم عرفات، والثالثة يوم النحر، والرابعة يوم النفر الأول، الثاني من التشويق، قال أصحاب الشافعي وكل هذه الخطب أفراد بعد صلاة الظهر إلا التي يوم عرفات فإنها خطبتان، وقبل الصلاة وبعد الزوال ويعلمهم في كل خطبة ما يحتاجون إليه في المناسك إلى الخطبة الأخرى، والله أعلم.
وقوله: "ثم أذن ثم أقام ... " إلخ فيه دلالة على أنه يشرع الجمع بين الظهر والعصر هناك في ذلك اليوم، وقد أجمعت الأمة عليه، واختلفوا في سببه، فقيل سبب النسك وهو مذهب أبي حنيفة وبعض أصحاب
стр. 1896
قوله: "فخطب الناس" فيه دلالة على استحباب الخطبة للإمام بالحج يوم عرفة في هذا الموضع وهي سنة باتفاق جماهير العلماء، وخالف فيها المالكية ومذهب الشافعي أن في الحج أربع خطب مسنونة أحدها يوم السابع من ذي الحجة يخطب عند الكعبة بعد صلاة الظهر، والثانية ببطن عرفة يوم عرفات، والثالثة يوم النحر، والرابعة يوم النفر الأول، الثاني من التشريق، قال أصحاب الشافعي وكل هذه الخطب أفراد بعد صلاة الظهر إلا التي يوم عرفات فإنها خطبتان، وقبل الصلاة وبعد الزوال ويعلمهم في كل خطبة ما يحتاجون إليه في المناسك إلى الخطبة الأخرى، والله أعلم.
وقوله: "ثم أذن ثم أقام ... " إلخ فيه دلالة على أنه يشرع الجمع بين الظهر والعصر هناك في ذلك اليوم، وقد أجمعت الأمة عليه، واختلفوا في سببه، فقيل سبب النسك وهو مذهب أبي حنيفة وبعض أصحاب الشافعي، وقال أكثر أصحاب الشافعي سبب السفر فمن كان حاضرًا أو مسافرًا دون مرحلتين كأهل مكة لا يجوز له الجمع كما لا يجوز له القصر، وأنَّ الجامع بين الصلاتين يصلي الأولي أولًا وأنه يؤذن للأولى، ويقيم لكل واحدة منهما ولا يفرق بينهما بنافلة.
وقوله: "ثم ركب" إلى قوله: "حتى غاب القرص" في هذه مسائل وآداب للوقوف منها: أنه إذا فرغ من الصلاتين عجل الذهاب إلى الوقف.
ومنها: أن الوقوف راكبًا أفضل (أوفيه خلاف للعلماء وللشافعية ثلاثة أقوال أصحها أ) أن الركوب واقفا أفضل، والثاني غير الراكب أفضل (ب)، والثالث هما سواء.
ومنها: أنه يستحب أن يقف عند الصخرات المذكورات، وهي صخرات
стр. 1897
مفترشات في أسفل جبل الرحمة، وهو الجبل الذي توسط أرض عرفات فهذا هو الموقف المستحب، فأما ما اشتهر من العوام من الاعتناء بصعود الجبل وتوهمهم أنه لا يصح الوقوف إلا فيه فغلط، بل الصواب جواز الوقوف في كل جزء من أرض عرفات، وأن الفضيلة موقف رسول الله ﷺ عند الصخرات فإن عجز عنه فليقرب منه بحسب الإمكان، ومنها: استحباب استقبال الكعبة في الموقف.
ومنها: أنه ينبغي أن يقف في المواقف حتى تغيب الشمس، ويتحقق كمال غروبها ثم يفيض إلى مزدلفة، فلو أفاض قبل غروب الشمس صح وقوفه، ولزمه دم عند الهادوية، وللشافعي قولان أحدهما أنه سنة، والثاني واجب وهو مبني على أنه يجب الجمع بين الليل والنهار، وأما الوقت الذي يصح الوقوف في أي جزء منه فهو ما بين زوال الشمس يوم عرفة وطلوع فجر النحر، وهذا مذهب جماهير العلماء، وقال مالك: لا يصح الوقوف إلا بدخول جزء من الليل، فإن اقتصر على الليل وحده كفاه، وإن اقتصر على النهار لم يكفه، وقال أحمد: إن وقت الوقوف من وقت طلوع فجر يوم عرفة، وأجمعوا على أن أصل الوقوف ركن لا يصح الحج إلا به.
وقوله: "حبل المشاة" روي بالحاء المهملة وإسكان الباء، وروي بالجيم وفتح الباء، والأول أشبه بالحديث، والمراد به على الأول مجتمع المشاة وحبل الرمال ما طال منه وضخم، وعلى الثاني طريقهم وحيث يسلك الرجالة.
وقوله: "حتى غاب القرص" أتى به بيانًا لقوله غربت الشمس وذهبت الصفرة لئلا يتوهم أن الغروب مراد به مجازًا مغيب معظم القرص فأزال (أ)
стр. 1898
ذلك الاحتمال بقوله "حتى غاب القرص" فلا حاجة إلى تصويب بعضهم حتى بحين فتأمل.
وقوله "شنق" أي ضمر وضيق وهو بتخفيف النون.
وقوله: "مورك رحله" المَورِك بفتح الميم وكسر الراء وكذا الموركة هو الموضع الذي يبني الراكب رحله عليه قدام واسطة الرحل إذا مل من الركوب كذا قال الجوهري عن أبي عبيدة (١)، وضبطه القاضي عياض بفتح الراء قال: وهو قطعة أدم يتورك عليها الراكب يجعل في مقدم الرجل شبه الخدة الصغيرة والغرض من هذا تهوين السير.
وفيه دلالة على أنه يستحب للراكب تهوين السير إذا كان يقتدى به المشاة، وكذا إذا كانت الراحلة فيها ضعف.
وقوله "السكينة" السكينة بالنصب أي الزموا السكينة وهي الرفق (أ) والطمأنينة، وفيه دلالة على أنه السكينة في الدفع من عرفات سنة فإذا وجد فُرجة أسرع كما ثبت في الحديث.
وقوله "كلما أتى حبلًا" الحبل هنا بالحاء المهملة المكسورة جمع حبل وهو التل اللطيف من الرمل الضخم.
وقوله: "حتى تصعد" هو بفتح التاء المثناة من فوق وضمها يقال صعد في الحبل وأُصْعِدَ ومنه قوله تعالى: ﴿إِذ تصعدون﴾ (٢)، وقوله: "حتى أتى المزدلفة" هي معروفة مأخوذة من التزلف والازدلاف وهو التقرب لأن الحُجاج إذا أفاضوا من عرفات ازدلفوا إليها أي مضوا إليها وتفرقوا
стр. 1899
منها، وقيل سميت بذلك لمجيء الناس إليها، والازدلاف الاجتماع، وقيل سميت بذلك للنزول فيها ليلًا والزلف الساعات من الليل، وتسمى المزدلفة جمعًا بفتح الجيم وإسكان اليم سميت بذلك لاجتماع الناس فيها، والمزدلفة كلها من الحرم، قال الأزرقي في "تاريخ مكة" وغيره: حد المزدلفة ما بين مأزمي عرفة ووادي محسر وليس الحدان منها ويدخل في المزدلفة جميع تلك الشعاب والجبال الداخلة في الحد المذكور. وقوله "فصلى بها ... " إلخ فيه دلالة على أن السنة للدافع من عرفات أن يؤخر المغرب والعشاء ويجمع بينهما في المزدلفة مقدمًا للمغرب، وهذا مجمع عليه، وعند الهادوية وأبي حنيفة وبعض الشافعية وأهل الكوفة أن هذا الجمع نسك فيجمعه من كان مسافرًا وغيره ولا يجوز أن يصلي قبل الوصول إلى مزدلفة فإن فعل أعاد، وبه قال مالك إلا أنه قال: إذا كان به رمد (أ) أو بدابته عذر فله أن يصليهما قبل المزدلفة بشرط أن يصلي الأولى في وقت الثانية، فإن فرّق بين الصلاتين فدم، وقال المنصور بالله: إنه إذا كان لعذر فلا دم عليه، وعند الشافعي أن الجمع إنما هو لأجل السفر فلا يجوز لمن لم يكن مسافرًا مرحلتين قاصدتين، وللشافعي قول ضعيف إنه يجوز الجمع في كل سفر، وإن كان قصيرًا قال أصحاب الشافعي ولو جمع بينهما في عرفات وقت المغرب أو في الطريق أو في موضع آخر أو صلى كل واحدة في وقتها جاز جميع ذلك لكنه خلاف الأفضل، وقال بهذا جماعات من الصحابة والتابعين وبه قال الأوزاعي وأبو يوسف وأشهب وفقهاء أصحاب الحديث (١).
وقوله "بأذان الأولى وإِقامتين" يعني يقيم لكل صلاة وبه قالت
стр. 1900
الهادوية والشافعية وأحمد بن حنبل وأبو ثور وعبد الملك الماجشون المالكي (أ) والطحاوي الحنفي، وقال مالك: يؤذن ويقيم للأولى ويؤذن ويقيم للثانية، وهو محكي عن عمر، وابن مسعود، وقال أبو حنيفة: بأذان واحد وإقامة واحدة وللشافعي وأحمد.
قوله "أن يصلي كل واحدة بإِقامة من دون أذان" وهو محكي عن القاسم بن محمد وسالم بن عبد الله، وقال الثوري: يصليهما بإقامة واحدة، وهو محكي أيضًا عن ابن عمر.
وقوله "ولم يسبح بينهما" معناه لم يفصل بينهما بنافلة، والنافلة تسمى سبحة لاشتمالها على التسبيح، ويؤخذ منه أن الأفضل الموالاة بين الصلاتين المجموعتين، واختلفوا هل الموالاة شرط للجمع أم لا؟ فقالت الهادوية إنه يصح التنفل بين الصلاتين المجموعتين، وهو الصحيح عند الشافعية إلا أن الأفضل أن لا يفصل بينهما بالنافلة، وقال المؤيد بالله: إنه إذا فصل بالنافلة وجب إعادة الأذان للثانية وبه قال بعض الشافعية، قال النووي (١): أما إذا جمع بينهما في وقت الأولى فالموالاة شرط بلا خلاف.
وقوله "ثم اضطجع رسول اللَّه ﷺ ... " إلخ فيه دلالة على شرعية المبيت بمزدلفة ليلة النحر بعد الدفع من عرفات وأن ذلك نسك، وهو مجمع عليه، واختلف العلماء هل واجب أو ركن أو سنة، وذهب الهادوية إلى أنه واجب لكن يلزم لتركه دم، ومثله عن أحمد والشافعي على الصحيح من أقواله، والثاني أنه سنة لا إثم في تركه ولا يجب فيه دم بل يستحب، ومثله عن مالك، وقال جماعة من أصحاب الشافعي إنه
стр. 1901
ركن لا يصح الحج إلا به كالوقوف بعرفات، ومن القائلين بذلك ابن بنت الشافعي وأبو بكر بن محمد بن إسحاق بن خزيمة، وقال به من التابعين علقمة والأسود والشعبي والنخعي والحسن البصري، ولا بد، يبيت أكثر الليل عند الهادوية، وعند الشافعية في أقل المجزئ من المبيت ثلاثة أقوال الصحيح منها ساعة في النصف الثاني من الليل، والثاني ساعة في النصف الثاني أو بعد طلوع الفجر قبل طلوع الشمس، والثالث معظم الليل.
وقوله "وصلى الفجر حين تبين له الصبح" فيه دلالة على أنه يشرع المبالغة في تقديم صلاة الصبح في هذا الموضع على غيره من سائر الأيام تأسيًا برسول الله ﷺ ولأن وظائف هذا اليوم كثيرة فسنَّ المبالغة بالتبكير بالصبح ليتسع الوقت للوظائف الثانية في هذا اليوم.
وقوله "بأذان وإقامة" فيه دلالة على شرط الأذان والإقامة في صلاة المسافر.
وقوله "حتى أتى المشعر الحرام" بفتح اليم وحكى الجوهري (١) الكسر وبها قرأ أبو السماك.
والحرام: قال النووي في الدقائق: الحرام معناه المحرم لأنه من الحرم لا من الحل ويسمى مشعر لما فيه من الشعائر يعني من معالم الدِّين، وكل علامات الحج مشاعر، والمراد به هنا جبل معروف في مزدلفة يقال له قُزَح بضم القاف وفتح الزاي وبحاء مهملة، وهو غير منصرف لأنه معدول به عن قازح وهو الجبل المعروف بمزدلفة يقف الحجيج (أ) عليه لدعاء بعد
стр. 1902
الصبح يوم النحر، قال الأزرقي: وعلى (أ) قزح أسطوانة مدورة تدويرها أربعة وعشرون ذراعًا، وطولها في السماء اثنا عشر ذراعًا وفيها خمس وعشرون درجة، وهي على خشبة مرتفعة كان يوقد عليها في خلافة هارون الرشيد بالشمع ليلة المزدلفة ويجتمعون عليها، وقال بهذا جماهير الفقهاء، وقال جماهير المفسرين وأهل السير والحديث: المشعر الحرام جميع المزدلفة. ولكن الحديث هنا صريح في الأول (١).
وقوله "فاستقبل القبلة" يعني الكعبة فيه دليل على استحباب استقبال القبلة في الوقوف كما ذهب إليه الشافعية وجماعة من الحنفية وابن الحاج المالكي.
وقوله "فدفع قبل أن تطلع الشمس" فيه دلالة على أن الوقوف بالمشعر الحرام بعد الفجر مشروع.
واختلف العلماء في وقت الدفع منه، فقالت الهادوية: يمر به قبل الشروق، وقال ابن مسعود وابن عمر وأبو حنيفة والشافعي وجماهير العلماء: لا يزال واقفًا فيه يدعو ويذكر حتى يُسْفِرَ الصبح جدًّا كما في الحديث، وقال مالك: يدفع قبل الإسفار.
وقوله "أسفر جدًّا": الضمير في أسفر يعود إلى الفجر، وجدًّا بكسر الجيم صفة لمصدر محذوف أي إسفارًا جدًا أي بليغًا.
وقوله "بطن مُحَسِّر" بضم الميم وفتح الحاء وكسر السين المهملة المشددة سمي بذلك لأن أصحاب الفيل لما أتوا بالفيل حسر فيه أي أعيي، ومنه قوله تعالى: ﴿خاسئا وهو حسير﴾ (٢).
стр. 1903
وقوله "فحرك قليلًا": فيه دلالة على أن التحريك في ذلك سنة، والمشروع في ذلك قدر رمية حجر ذكره الإمام المهدي في الغيث، وذكره النووي عن الشافعية في شرح مسلم (١).
وقوله "ثم سلك الطريق الوسطى" فيه دلالة على أن سلوك هذه الطريق في الرجوع من عرفات سنة، وهو غير الطريق الذي ذهب فيه إلى عرفات، وهذا معنى قولهم: يذهب إلى عرفات في طريق طب ويرجع في طريق المأزمين ليخالف الطريقين كما فعل رسول الله ﷺ في دخول مكة حين دخلها من الثنية العليا وخرج من الثنية السفلى، وكذا في العيد، وحول الرداء في الاستسقاء.
وقوله "يخرج على الجمرة الكبرى": هي جمرة العقبة، وهي الجمرة التي عند الشجرة، وفيه دلالة على أن الحاج إذا دفع من مزدلفة ووصل منى فأول ما يبدأ به هو رمي جمرة العقبة ولا يفعل شيئًا قبل رميها ويكون ذلك قبل نزوله.
وقوله "سبع حصيات": فيه دلالة على شرعية الرمي بهذا القدر وأنه لا بد أن يكون ذلك بالحصى فلا يجزئ إلقاء الحَجَر الكبير الذي لا يسمى إلقاؤه رميًا، ويندب أن يكون كحصى الخذف وهو قدر حبة الباقلاء، ولا يجزئ بما ليس بحجر كالزرنيخ والكحل والذهب والفضة وغير ذلك خلافًا لأبي حنيفة فجوزه بما كان من أجزاء الأرض والمرجع في جميع ذلك إلى قوله "خذوا عني مناسككم" فما فعله النبي ﷺ في أعمال الحج فالظاهر وجوبه ما لم تقم فيه قرينة على خلاف ذلك، وفيه دلالة على تفريق الحصى وترتيبها، فإن رمى بهن دفعة واحدة أجزأه عن واحدة فقط.
стр. 1904
وقوله "يكبر مع كل حصاة" فيه دلالة على شرعية التكبير، ويدل على أن الرمي بالحصى مرتب.
وقوله "من بطن الوادي" يدل على أن السنة أن يقف للرمي في بطن الوادي بحيث تكون منى وعرفة والمزدلفة عن يمينه، ومكة عن يساره، وهذا هو الصحيح، وقبل يقف مستقبل القبلة وكيفما رماها أجزأه حيث يسمى رميًا بما يسمى حجرًا، والرمي مشروع إجماعًا في يوم النحر لجمرة العقبة فقط، وهو نُسُكٌ بالإجماع، ولا يفوت الحج بفواته ويلزم دم، وقال مالك: يفسد حجه ويلزم لنقص أربع أحجار فما دون ذلك صَدقَة عن كل حجر ويلزم دم لتفريقها.
وقوله "ثم انصرف إِلى المنحر" يدل على أن المنحر موضع مخصوص من منى وجميع منى موضع للنحر كما قال ﷺ وفي مسلم (١) "أنه نحر ثلاثًا وستين بدنة بيده ثم أعطى عليًّا فنحر ما غبر أي ما بقي- وأشركه في هديه، وكان جميع هديه مائة بدنة، فالذي أتى به من المدينة معه ثلاثًا وستين بدنة، وأتى عليّ بباقي (أ) المائة من اليمن" كما جاء في رواية الترمذي، وفيه دلالة على أنه يشرع تكثير الهدي وأنه (ب) ينحر جميعه في يوم النحر ولا يؤخر إلى سائر أيام النحر منه شيء، وظاهر قوله "وأشركه في هديه" أنه قد كان الهدي معينًا للنبي ﷺ ثم أشرك عليًّا بعد ذلك، قال القاضي عياض: وعندي أنه لم يكن شريكًا حقيقة بل أعطاه قدرًا يذبحه، انتهى (٢).
стр. 1905
وأقول إنه لا مانع أن يكون النبي ﷺ قد نوى التقرب بذلك جميعه ثم خص عليًّا بالمشاركة في ثواب ذلك، ويكون ذلك خاصًّا به ﷺ تكرمة لعلي ﵁، وفي تمام الرواية في مسلم "ثم أمر من كل بدنة ببَضْعَة" بفتح الباء لا غير وهي قطعة من اللحم فجعلت في قدر وطبخت وأكل من لحمها وشرب من مرقها، وهذه سنة أجمع العلماء على أن المهدي والمضحي لهما الأكل من الأضحية والهدي وأن الأكل ليس بواجب.
وقوله "فأفاض إِلى البيت وصلى بمكة الظهر" في الكلام تقدير، وتقديره فأفاض إلى البيت وطاف بالبيت فحذف ذكر الطواف لدلالة الكلام، والطواف هذا هو طواف الإفاضة وهو طواف الزيارة، وهو ركن من أركان الحج بإجماع المسلمين ووقت أدائه من فجر النحر إلى آخر أيام التشريق، وعند الشافعية من نصف ليلة النحر وأفضله بعد رمي الجمرة وذبح الهدي والحلق، ويندب في ضحوة يوم النحر ويكره تأخيره إلا لعذر ولا يحرم تأخيره عن أيام التشريق ولو تطاولت المدة ولكن النساء لا تحل إلا بعده، واتفق العلماء على أنه لا يشرع فيه الرمل، إلا إذا ترك الرَّمَلَ في طواف القدوم، فأحد قولي الشافعي أنه يشرع له الرمل، ويقع عنه طواف القدوم إذا أخر إلى يوم النحر، وكذا طواف الوداع عند الهادوية والحنفية ونص عليه الشافعي واتفق عليه أصحابه، وقال أبو حنيفة وأكثر العلماء: لا يجزئ عنه طواف بنية غيره، وفي ركوب النبي ﷺ في الدفع إلى مزدلفة ومنها إلى منى ومنها إلى مكة دلالة على استحبابه في هذه المواطن، وبعض أصحاب الشافعي قال المشي أفضل فيها.
وقوله "فصلى الظهر بمكة" فيه دلالة على أنه ﷺ صلى بمكة، وفي رواية ابن عمر عند مسلم أيضًا "إنه أفاض يوم النحر فصلى الظهر
стр. 1906
بمنى" (١) ووجه الجمع أنه ﷺ طاف للإفاضة قبل الزوال ثم صلى الظهر بمكة في أول وقتها ثم رجع إلى منى فصلى بها الظهر مرة أخرى بأصحابه حين سألوه ذلك فيكون متنفلًا بالظهر الثانية التي بمنى، وقد ثبت مثل هذا في صلاة أخرى في الصحيحَيْن فكانت له صلاتان ولهم صلاة واحدة، وقد ورد عن عائشة ﵂ وغيرها أنه أخر الزيارة يوم النحر إلى الليل، وهو محمول على أنه عاد للزيارة مع نسائه لا لأجل الإفاضة، والله أعلم.
٥٧٨ - وعن خزيمة بن ثابت أن النبي ﷺ "كان إِذا فرغ من تلبيته في حج أو عمرة، سأل اللَّه رضوانه والجنة واستعاذ برحمته من النار" رواه الشافعي بإسنادٍ ضعيف (٢).
الحديث أخرجه الشافعي، وفي إسناده صالح بن محمد بن زائدة، أبو واقد الليثي، وهو مدني ضعيف (٣)، وروى عنه إبراهيم بن أبي يحيى (٤)، وفيه مقال، ولكنه لم ينفرد به بل تابعه عليه عبد الله بن عبد الله الأموي أخرجه البيهقي والدارقطني.
стр. 1907
في الحديث دلالة على استحباب الدعاء، وأفضل الدعاء ما دل عليه الحديث، والله أعلم.
٥٧٩ - وعن جابر ﵁ قال: قال ﷺ : "نحرتُ ها هنا ومنى كلها منحر، فانحروا في رحالكم، ووقفت هاهنا وعرفة كلها موقف، ووقفت هاهنا وجمع كلها موقف" رواه مسلم (١).
قوله "نحرت ... " إلى آخره في هذه الألفاظ بيان رفقه ﵌ وشفقته بأمته في توسعة الأمر عليهم وعدم التضييق والتحرج عليهم فبين لهم المحل الأفضل وهو الموضع الذي نسك فيه، وأنه غير متضيق عليهم الاقتفاء به في ذلك، بل يجزئهم أن ينسكوا فيه وفي غيره مما شمله الاسم، ومنى حدها من وادي محسر إلى العقبة، فأي جزء منها وقع فيه النحر أجزأ، ومنى هي محل لجميع النسك المشروع في الحج وهو دم القران والتمتع والإحصار والإفساد والتطوع بالهدي، وهو مكان اختياري لهذه الدماء، وأما ما لزم المعتمر فمحله مكة، وأما سائر الدماء من الجزاءات ونحوها فمكانها الحرم المحرم ولكنه لا يختصُّ بمنى إلا إذا كان النحر في أيام التشريق، وأما إذا أخر عن أيام التشريق فالحرم جميعه صالح لذلك، وإذا نحر في غير منى أجزأ ولزمه دم، وقال الشافعي وأصحابه: يجوز نحر الهدي ودماء الجنايات في جميع الحرم لكن الأفضل في حق الحاج النحر بمنى، وأفضل موضع النحر بمنى موضع نحر رسول الله ﷺ وما قاربه.
قال ابن التين: منحر النبي ﷺ عند الجمرة الأولى التي تلي مسجد منى، والمنحر فيه فضيلة عن غيره، ولذلك كان ابن عمر يسابق إليه، وأخذ ابن التين تعيين هذا المكان من أثرٍ ذكره الفاكهي من طريق ابن
стр. 1908
جرير عن طاوس: "كان منحر النبي ﷺ بمنى ... " إلخ.
والأفضل في حق المعتمر أن ينحر في المروة لأنها موضع تحلل الحاج، والرحال جمع رحل والمراد به المنزل، قال أهل اللغة: رحل الرجل: منزله سواء كان من حجرٍ أو مدر أو شعر أو وبر.
وقوله "وعرفة كلها موقف" وحدها مما خرج عن وادي عرفة إلى الجبال المقابلة مما يلي بساتين بني عامر، هكذا نص عليه الشافعي وجميع أصحابه، ونقل الأزرقي عن ابن عباس أنه قال: "حد عرفات من الجبل المشرف على بطن عرنة إلى جبال عرفات إلى وَصِيق" بفتح الواو وكسر الصاد المهملة وآخره قاف إلى منتهى وَصِيق. وقال الزمخشري: الوصيق جبل لكنانة وهذيل ووادي عرفة. وقيل غير هذا مما هو مقارب وقد تقدم حد جمع.
٥٨٠ - وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ "لما جاء إِلى مكة دخلها من أعلاها وخرج من أسفلها" متفق عليه (١).
كان هذا منه ﷺ في عام الفتح، وأعلاها موضع يقال له كَدَاء بفتح الكاف والمد لا يصرف، وهذه الثنية هي التي نزل منها إلى المعلى مقبرة أهل مكة، وهي التي يقال لها الحَجُون بفتح الحاء المهملة وضم الجيم. وكانت صعبة المرتقى فسهلها معاوية ثم عبد الملك ثم المهدي على ما ذكره الأذرعي ثم سهل منها موضع في سنة إحدى عشرة وثمانمائة، ثم سهلت كلها في زمن سلطان مصر اللك المؤيد في حدود العشرين وثمانمائة، وكل عقبة في جبل أو طريق عال يسمى ثنية، وأسفلها هي
стр. 1909
الثنية السفلى تسمى كدى بضم الكاف والقصر وهي عند باب الشبيكة بقرب شعب الشاميين من ناحية قيقعان، واختص بدخوله في ذلك الوقت لما روي أنه قال أبو سفيان: "لا أسلم حتى أرى الخيل من كداء، فقال له العباس: ما هذا؟ قال: شيء طلع بقلبي وإن الله لا يطلع الخيل هناك أبدًا، قال العباس فذكرت أبا سفيان بذلك لما دخل" (١). والبيهقي من حديث ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : كيف قال حسان؟ فأنشده:
عدمت بنيتي إن لم تروها (أ) ... تنثر القنع مطلعها كداء
فتبسم وقال: ادخلوها من حيث قال حسان (٢).
قال النووي: واختلف في المعنى الذي لأجله خالف ﷺ بين طريقيه، فذكر الأقوال التي مرت في المخالفة في يوم العيد عند خروجه وعوده من الصلاة، والأولى أنه لما دخل ﵇ في يوم الفتح استمر الحكم فيه، واستحب ذلك لمن كان على طريقه كالمدني والشامي، ومن لم يكن كذلك كاليمني فيتسحب له أن يستدير ويفعل ذلك.
وقال بعض الشافعية: إنما فعله النبي ﷺ لأنه كان على طريقه فلا يستحب لمن لا يكون كذلك (٣)، والله أعلم.
٥٨١ - وعن ابن عمر ﵁ "أنه كان لا يقدم مكة إِلا بات بذي طوى حتى يصبح ويغتسل، ويذكر ذلك عن النبي ﷺ "
стр. 1910
متفق عليه (١).
ذو طوى: بفتح الطاء المهملة وضمها وكسرها، والفتح اشتهر وأفصح ويصرف ولا يصرف موضع معروف بقرب مكة وهو بين الثنية العليا التي يصعد إليها من الوادي المعروف بالزاهر، وبين الثنية السفلى التي ينحدر منها إلى المقابر، وهو المحصب.
وقال المحب الطبري: هو موضع عند باب مكة يعرفه أهل مكة، وقد ترك الناس هذه السنة وأماتوها والخير في اتباعه ﷺ والاقتداء بأفعاله.
والمبيت به حتى يصبح فيه دلالة على استحباب ذلك لمن كان على طريقه وأنه يستحب دخول مكة نهارًا، وهو قول الأكثر، وقال جماعة من السلف وبعض الشافعية الليل والنهار سواء، والنبي ﷺ دخل مكة ليلًا في عمرة الجعرانة.
وقوله "ويغتسل" فيه دلالة على استحباب الغسل لدخول مكة، وقوله "ويذكر ذلك عن النبي ﷺ " مشعر برفعه فله حكم المرفوع.
٥٨٢ - وعن ابن عباس ﵁ "أنه كان يُقبِّل الحجر الأسود ويسجد عليه" رواه الحاكم مرفوعًا والبيهقي موقوفًا، ورواه الشافعي أيضًا موقوفًا (٢)، ورواه البيهقي أيضًا والحاكم مرفوعًا قال: "رأيت رسول الله ﷺ " الحديث (٣).
ورواه أبو داود والطيالسي والدارمي وابن خزيمة وأبو بكر البزار وأبو علي
стр. 1911
ابن السكن والبيهقي من حديث جعفر بن عبد الله، واختلف فيه، فقال ابن السكن رجل من بني حميد من قريش، وقال البزار: مخزومي، وقال الحاكم: هو ابن الحكم، ثم قال الحاكم: "ثم قال رأيت خالك ابن عباس يقبله ويسجد عليه، وقال ابن عباس: رأيت عمر بن الخطاب يقبله ويسجد عليه ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ فعل هذا" هذا لفظ الحاكم.
قال المصنف ﵀: وَهِمَ في قوله: إن جعفر بن عبد الله هو ابن الحكم فقد نص العقيليّ على أنه غيره، وقال في هذا: في حديثه وهم واضطراب. والحديث فيه دلالة على شرعية تقبيل الحجر الأسود والسجود عليه، وسيأتي الكلام على حديث عمر قريبًا.
٥٨٣ - وعنه قال: "أمرهم النبي ﷺ أن يرملوا ثلاثة أشواط ويمشوا ما بين الركنين" متفق عليه (١).
الرمل بفتح الراء والميم والخبب بمعنى واحد وهو إسراع المشي مع تقارب الخطى، وهو يستحب في الطواف الثلاثة من السبع ولا يسن إلا في طواف بعده سعي، وهو طواف العمرة وطواف القدوم وإذا لم يُرِد السعي بعد طواف القدوم ففيه قولان عند الشافعية أحدهما يشرع الرمل وهو الأصح والثاني لا يشرع.
وقوله "ثلاثة أشواط" بفتح الهمزة والشين المعجمة جمع شوط بفتح المعجمة، والمراد به الطوفة الواحدة، وفي هذا الإطلاق دلالة على أنه لا يكره إطلاق الشوط عليه، وقد كره (أ) الشافعي ومجاهد إطلاق الشوط
стр. 1912
والدورة عليه، وقالا: يقال له: طَوْفَة، وفي هذا دلالة على أن المشروع إنما هو في الثلاثة الأول فلو ترك فيها لم يفعل ذلك في الأخيرة ولا دم (أ) عليه عند الهادوية والشافعية، وقال بعض المالكية: عليه دم.
وقوله "وأن يمشوا ما بين الركنين، فعل ذلك النبي ﷺ في عمرة القضاء، وأمر به أصحابه لما كان في المسلمين من الضعف" كما قال ابن عباس إنه قدم رسول الله ﷺ وأصحابه، فقال المشركون إنه يقدم عليكم قوم قد وهنتهم حمى يثرب، فأمرهم النبي ﷺ أن يرملوا الأشواط الثلاثة، وأن يمشوا ما بين الركنَيْن اليمانيين ويرملوا ما بين الركنين الشاميين لأن المشركين كانوا بإزاء تلك الناحية فإذا مروا بالركنين اليمانيين مشوا على هيئتهم ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم، وقد ذهب إلى العمل بهذا ابن الصباغ فقال: إن الرمل لا يكون إلا فيما بين الركنين، وأجاب الجمهور القائلون بأن الرمل من الحَجَر إلى الحَجَرِ بأن ذلك إنما كان في عمرة القضاء، وقد ذكر بسببه وهو الإبقاء عليهم، وأما في حجه ﷺ فإنه رمل من الحَجَر إلى الحَجَر (١)، وكان متأخرًا فيكون ناسخًا ووجب الأخذ به.
٥٨٤ - وعنه قال: "لم أر رسول اللَّه ﷺ يستلم من البيت غير الركنين اليمانيين" رواه مسلم.
قوله "يستلم": أي يمسح عليهما من السلام بمعنى التحية، شبه المسح عليهما بالمسح لليد عند الملاقاة لأجل التحية لكون الماسح عليهما
стр. 1913
كالقادم المسَلِّم على البيت.
وقوله "الركنين اليمانيين" المراد بهما الحجر الأسود والرُّكْن اليماني أطلق عليهما ذلك تغليبًا، ويقال للركنين الآخرين الشاميين، وقد يقال لركن الحجر الأسود، والركن الذي يليه من ناحية الباب العراقيان، ويقال للركن اليماني والذي يلي الحجر من ظهر الكعبة الغربيان واليمانيان بتخفيف الياء، وهي اللغة الفصيحة المشهورة.
تنبيه: يمان مخفف يمني بتعويض الألف من إحدى ياءي النسب فبقيت الياء الأخرى مخففة، وحكى سيبويه والجوهري وغيرهما التشديد أيضًا بياء على زيادة الألف وبياء النسب بحالها، وفي هذا دلالة على استحباب استلام الركنين المذكورين واختصا بذلك لكونهما على قواعد إبراهيم ﷺ وزاد الحجر الأسود بالتقبيل لفضيلة الحجر دون الركنين الشاميين، وقد أجمعت الأمة على استحباب استلامهما، واتفق الجمهور على أنه لا يمسح الركنان الشاميان، وقد ذهب إلى استحباب استلامهما الحسنان ابنا علي ﵄ وابن الزبير وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك وعروة بن الزبير وأبو الشعثاء جابر بن زيد.
وأخرج أحمد وابن مهدي والحاكم من طريق عبد الله بن عثمان بن خثيم عن أبي الطفيل قال: كنت مع ابن عباس ومعاوية، فكان معاوية لم يمر بركن إلا استلمه فقال ابن عباس: "إن رسول الله ﷺ لم يستلم إلا الحَجَر واليماني" فقال معاوية: ليس شيء من البيت مهجورًا.
وأخرج مسلم المرفوع من وجه آخر عن ابن عباس (١)، وروى أحمد أيضًا من طريق شعبة عن قتادة عن أبي الطفيل قال: "حج معاوية وابن
стр. 1914
عباس، فجعل ابن عباس يستلم الأركان كلها، فقال معاوية: إنما استلم رسول الله ﷺ هذين الركنين اليمانيين فقال ابن عباس: ليس من أركانه شيء مهجور" قال عبد الله بن أحمد في العلل سألت أبي عنه فقال: قبله شعبة، وقد كان شعبة يقول: الناس يخالفونني في هذا ولكني سمعته من قتادة هكذا انتهى.
وقد رواه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة على الصواب أخرجه أحمد أيضًا، وكذا أخرجه من طريق مجاهد عن ابن عباس نحوه، وروى الشافعي من طريق محمد بن كعب القرظي أن ابن عباس (أ) قال: " ﴿لقد كان لكم في رسول اللَّه أسوة حسنة﴾ (١) ولفظ رواية مجاهد المذكورة عن ابن عباس "أنه طاف مع معاوية فقال: ليس شيء من البيت مهجورًا، فقال ابن عباس: ﴿لقد كان لكم في رسول اللَّه أسوة حسنة﴾، فقال معاوية: صدقت".
وأخرج الأزرقي في تاريخ مكة أن ابن الزبير لما فرغ من بناء البيت استلم الأركان الأربعة فلم يزل البيت على بناء ابن الزبير إذا طاف الطائف استلم الأركان كلها، وإن إبراهيم وإسماعيل لما فرغا من بناء البيت طافا به سبعًا يستلمان الأركان كلها، وقد أخرج البخاري في كتاب الطهارة من حديث ابن عمر أنه قال له عُبَيد بن جريج: "رأيتك تصنع أربعًا لم أر أحدًا من أصحابك يصنعها فذكر منها: رأيتك لا تمس من الأركان إلا اليمانيين ... " الحديث (٢)، ففيه دلالة على أن غيره من الصحابة والتابعين
стр. 1915
لا يقتصرون عليهما، وقال بعض أهل العلم: اختصاص الركنين مبين بالسنة، ويقاس عليهما الركنان الآخران، وأجاب الشافعي عن قول من قال ليس شيء من البيت مهجورًا بأنا لم ندعهما هجرًا لهما ولكن نتبع السنة فعلًا وتركًا.
وقال القاضي أبو الطيب: أجمعت أئمة الأمصار والفقهاء على أنهما لا يستلمان قال: وإنما كان فيهما خلاف لبعض الصحابة والتابعين وانقرض الخلاف، انتهى.
وكلام الهادوية (١) ظاهره استلام الأركان الأربعة، والله أعلم.
٥٨٥ - وعن عمر ﵁ "أنه قبل الحَجَر وقال: إِني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول اللَّه ﷺ يقبلك ما قبلتك" متفق عليه (٢).
قوله "قبَّل الحجر" التقبيل هو بالفم، فيه دلالة على شرعية التقبيل للحجر، وقد تقدم، والتقبيل هو بعد استلام الحجر، وبعد التقبيل السجود عليه بالجبهة، وهذا هو مذهب الجمهور من العلماء، وحكاه ابن المنذر عن عمر بن الخطاب وابن عباس وطاوس والشافعي وأحمد، وذكره الإمام المهدي في البحر ولم ينسبه إلى أحد، وانفرد مالك من العلماء فقال: السجود عليه بدعة، واعترف القاضي عياض بشذوذ مالك في ذلك، وهذا القول من عمر ﵁ إرشاد للناس وزجر عن الاعتقاد في الأحجار ونسبة النفع والضر إليها كما كانت الجاهلية في عبادة الأصنام وتعظيمها ورجاء منفعتها وخوف الضر بالتقصير في تعظيمها، فبين أن
стр. 1916
الحجر الأسود باعتباره في ذاته لا قدرة له على نفع ولا ضر وأنه حجر مخلوق كباقي المخلوقات التي لا تضر ولا تنفع وأنه لو لم يرد تعظيمها في الشرع لما عظمت بالنظر إليها في ذاتها، وأشاع عمر هذا في الموسم ليشتهر ذلك في البلدان ويحفظه عنه أهل الموسم المختلفو الأوطان، والله أعلم.
فائدة: استنبط بعضهم من مشروعية تقبيل الحجر جواز تقبيل كل من يستحق التعظيم من آدمي أو غيره، وقد نقل عن الإمام أحمد أنه سئل عن تقبيل منبر النبي ﷺ وتقبيل قبره فلم ير به بأسًا، واستبعد بعض أتباعه صحة ذلك، ونقل عن ابن أبي الضيف اليماني أحد علماء مكة من الشافعية جواز تقبيل المصحف وأجزاء الحديث وقبور الصالحين، والله أعلم (١).
٥٨٦ - وعن أبي الطُّفَيْلِ قال: "رأيت رسول اللَّه ﷺ يطوف بالبيت ويستلم الركن بمحْجن معه، ويُقَبِّل المحجن" رواه مسلم (٢).
هو عامر بن واثلة الليثي (٣)، واثِلَة بالثاء المثلثة المكسورة ويقال الكناني ويقال اسمه عمرو، وغلبت عليه كنيته، أدرك من حياة النبي ﷺ ثمان سنين، ومات سنة مائة واثنتين بمكة، وقيل: سنة مائة وقيل عشر ومائة، وقال العامري: وهو الصحيح، وقال الذهبي: سنة مائة وواحدة، وهو آخر من مات من الصحابة في جميع الأرض، روى عنه الزهري وأبو الزبير وجابر بن زيد (٤).
стр. 1917
قوله "يطوف بالبيت" في مسلم زيادة "راكبًا على بعير" (١). وقوله "ويستلم الركن" الاستلام هنا إما من السلام بفتح السين بمعنى التحية، قاله الأزهري، أو من السِّلام بكسر السين أي الحجارة، والمعنى أنه يرمي بعصاه إلى الركن حتى يصيبه، كذا قيل وهو بعبيد، والمحجن بكسر الميم وسكون الحاء المهملة وفتح الجيم بعدها نون هو عصا محنية الرأس، والحجن الاعوجاج وبذلك سمي الحجون.
وقوله "ويقبل المحجن" وهذا مثل ما ورد في تقبيل اليد إذا استلم بها الركن كما في حديث ابن عمر، أخرجه البخاري.
وأخرج سعيد بن منصور من طريق عطاء قال: "رأيت أبا سعيد وأبا هريرة وابن عمر وجابر إذا استلموا الحجر قبلوا أيديهم، قيل: وابن عباس؟ قال: وابن عباس أحسبه".
وبهذا قال الجمهور إن السنة أن يستلم الركن ويقبل يده، فإن لم يستطع أن يستلمه تناوله بشيء في يده وقبل ذلك الشيء فإن لم يستطع أشار إليه واكتفى بذلك، وعن مالك في رواية لا يقبل يده، وكذا قال القاسم، وفي رواية عند المالكية يضع يده على فيه من غير تقبيل.
فائدة: ورد في الذكر عند الطواف حديث عبد الله بن السائب مرفوعًا أنه كان يقول في ابتداء الطواف "بسم الله والله أكبر، اللهم إيمانًا بك وتصديقًا بكتابك ووفاء بعهدك واتباعًا لسنة نبيك محمد" رواه الرافعي، وذكره صاحب المهذب من حديث جابر وبيض له المنذري والنووي وخرجه ابن عساكر من طريق ابن ناجية بسند له ضعيف، ورواه الشافعي عن ابن أبي نجيح قال: أُخبرت أن بعض أصحاب رسول الله ﷺ قال:
стр. 1918
يا رسول الله كيف نقول إذا استلمنا؟ قال: "قولوا بسم الله والله أكبر إيمانًا بالله وتصديقًا لما جاء به محمد" وهو في الأم عن سعيد بن سالم عن ابن جريج.
وروى الطبراني والبيهقي في الأوسط والدعاء (أ)، عن الحارث الأعور عن علي ﵁ أنه كان إذا مر بالحجر الأسود فرأى (ب) عليه زحامًا استقبله وكبر ثم قال: اللهم إيمانًا بك وتصديقًا بكتابك، واتباعا لسنة نبيك، وبين الركن اليماني والحجر الأسود.
أخرج أبو داود وأحمد من حديث عبد الله بن السائب أنه سمع النبي ﷺ يقول: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (١) وصححه ابن حبان والحاكم (٢)، وقال الرافعي: إنه إذا انتهى إلى العوالي يقول: "اللهم إني أعوذ بك من الشك والشرك والنفاق والشقاق وسوء الأخلاق" ولم يذكر له مستندًا.
وأخرجه البزار من حديث أبي هريرة مرفوعًا لكن لم يقيده بما عند الركن ولا عند الطواف.
وأخرج ابن ماجه والحاكم من حديث ابن عباس "أن النبي ﷺ كان يدعو بهذا الدعاء بين الركنين: اللهم قنعني بما رزقتني وبارك لي فيه، واخلف علي كل غائبة لي بخير" (٣).
стр. 1919
ولابن ماجه عن أبي هريرة: "من طاف بالبيت سبعًا فلم يتكلم إلا سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله، محت عنه عشر سيئات وكتب له عشر حسنات، ورفعت له عشر درجات" (١) وإسناده ضعيف.
وله عن أبي هريرة "إن الله وكّل بالحجر سبعين ملكًا، فمن قال اللهم إني أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار قالوا آمين".
قال الرافعي: ولا بأس بقراءة القرآن في الطواف بل هي أفضل من الدعاء الذي لم يؤثر، ومثله ذكر الإمام المهدي في البحر والدعاء المسنون أفضل منها تأسيًا برسول الله ﷺ ، والله أعلم.
٥٨٧ - وعن يعلى بن أمية قال: "طاف النبي ﷺ مضطبعًا ببرد أخضر" رواه الخمسة إلا النسائي وصححه الترمذي (٢).
هو أبو صفوان، ويقال أبو خلف، ويقال أبو خالد وهو الأكثر يعلى بن أمية بضم الهمزة وفتح الميم وتشديد الياء تحتها نقطتان، اسم أمه، ابن أبي عبيدة التميمي الحنظلي حليف قريش، وهو يعلى بن منية أيضًا بضم الميم وسكون النون وفتح الياء، وأمية هي أمه وقيل أم أبيه، وبها يعرف، وهي جدة الزبير بن العوام لأمه، وهي أخت عتبة بن غزوان، وقيل عمته، وفي الاستيعاب (٣) أن أمية اسم أبيه، ومنية اسم أبيه، فينسب تارة إلى أبيه وتارة
стр. 1920
إلى أمه، أسلم يعلى يوم الفتح وشهد حُنَينًا والطائف وتبوك، وكان عاملًا لعمر على نجران، وهو معدود في أهل الحجاز، قتل بصفين مع علي بن أبي طالب، كذا قال ابن الأثير (١)، وقال الذهبي: كان واليًا لعثمان على اليمن، فلما قتل (أ) أقبل من اليمن، وخرج مع أهل الجمل وأعانهم بأموال جليلة فلما هزموا (ب) هرب ثم أقبل على شأنه إلى قريب الستين فما أدري توفي قبل معاوية أو بعده (٢) انتهى.
روى عنه ابنه صفوان وعبد الله بن الديلمي وعطاء ومجاهد (٣) وعكرمة. قوله "مضطبعًا" الاضطباع هو أن يجعلوا أرديتهم تحت آباطهم ثم يقدمونها على عواتقهم اليسرى، وقد ورد أيضًا من حديث ابن عباس في عمرة الجعرانة، أخرجه أبو داود (٤).
٥٨٨ - وعن أنس ﵁ قال: "كان يهل منا المهل فلا ينكر عليه، ويكبر منا المكبر فلا ينكر عليه" متفق عليه (٥).
ورد هذا في صفة غدوهم من منى إلى عرفات، وفي رواية لمسلم بلفظ: "منا الملبي ومنا المكبر" (٦)، وفيه دلالة على استحبابها في الذهاب
стр. 1921
من منى إلى عرفة يوم عرفة، والتلبية أفضل، وفيه رد على مَنْ قال بقطع التلبية بعد صبح يوم عرفة، والله أعلم.
٥٨٩ - وعن ابن عباس ﵁ قال: "بعثني رسول اللَّه ﷺ في الثَّقَل أو قال في الضَّعَفة من جمع بليل" الحديث متفق عليه (١).
ورواه الشافعي واللفظ له، ومن طريقه البيهقي، ورواه النسائي بلفظ: "أرسلني رسول الله ﷺ مع ضعفة أهله، فصلينا الصبح بمنى ورمينا الجمرة" (٢).
وقوله "في الثقل" هو بفتح الثاء المثلثة والقاف وهو المتاع ونحوه، والضعفة المراد بهم النساء ومن يتصل بهن من الصبيان.
والحديث فيه دلالة على أنه يجوز الدفع من مزدلفة قبل طلوع الفجر للنساء ومن أشبههن في الضعف، والله أعلم.
٥٩٠ - وعن عائشة ﵂ قالت: "استأذنت سودة رسول اللَّه ﷺ ليلة المزدلفة أن تدفع قبله، وكانت ثبطة -يعني ثقيلة- فأذن لها" متفق عليه (٣).
قوله "أن تدفع قبله" فيه دلالة على جواز الدفع من مزدلفة قبل الفجر ولكن ذلك للعذر كما قال "وكانت ثبطة" والثبطة بفتح الثاء المثلثة
стр. 1922
وكسر الباء الموحدة أي ثقيلة الحركة بطيئة من التثبط وهو التعوق.
وقد اختلف العلماء في قدر المبيت بمزدلفة وفي حكمه، أما حكمه فذهب الأكثر وهو الصحيح من مذهب الشافعي قال به فقهاء الكوفة وأصحاب الحديث إنه واجب من تركه لزمه دم، وذهب جماعة وهو قول للشافعي إنه سنة إن تركه فاتته الفضيلة ولا إثم عليه ولا دم ولا غيره، وذهب الحسن البصري والنخعي إلى أنه لا يصح الحج إلا به، وقال به أبو عبد الرحمن ابن بنت الشافعي وأبو بكر ابن خزيمة، وحكي عن عطاء والأوزاعي أن المبيت بمزدلفة لا واجب ولا سنة ولا فضيلة بل هو منزل كسائر المنازل إن شاء نزله وإن شاء تركه ولا فضيلة فيه، وهو قول باطل، وأما قدره فذهب الهادوية إلى أنه أكثر الليل وهو أحد أقوال مالك والشافعي، والثاني جميع الليل، والثالث أقل زمانه، والصحيح من مذهب الشافعي أنه ساعة في النصف الثاني من الليل وفي قول له ساعة من النصف الثاني أو بعده إلى طلوع الشمس.
٥٩١ - وعن ابن عباس ﵁ قال: قال لنا رسول الله ﷺ : "لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس" رواه الخمسة إلا النسائي (١)، وفيه انقطاع.
الحديث رواه أيضًا أحمد وصححه الترمذي، وفيه دلالة على أن رمي الجمرة لا يكون إلا بعد طلوع الشمس، ولو أبيح لهم التقدم في الدفع من مزدلفة ووصلوا إلى منى قبل الفجر، وسيأتي الكلام على المسألة في الحديث الآتي قريبًا.
стр. 1923
٥٩٢ - وعن عائشة ﵂ قالت: "أرسل رسول اللَّه ﷺ بأم سلمة ليلة النحر فرمت الجمرة قبل الفجر، ثم مضت فأفاضت" رواه أبو داود وإسناده على شرط مسلم (١) الحديث أنكره أحمد وغيره وقد ورد في معناه ما أخرجه الخلال قال: أنبا علي بن حرب ثنا هارون بن عمران عن سليمان بن أبي داود عن هشام بن عروة عن أبيه قال أخبرتني أم سلمة قالت: "قدمني رسول الله ﷺ فيمن قدم من أهله ليلة المزدلفة قالت: فرميت بليل ثم مضيت إلى مكة فصليت بها الصبح ثم رجعت إلى منى" وفيه سليمان بن أبي داود الدمشقي الخولاني، ويقال ابن داود، قال أبو زرعة عن أحمد رجل من الجزيرة ليس بشيء، وقال عثمان بن سعيد: ضعيف (٢).
وقد أخرج الدارقطني وغيره عنها "أن رسول الله ﷺ أمر نساءه أن يخرجن من جمع ليلة جمع ويرمين الجمرة ثم تصبح في منازلنا، فكانت تصنع ذلك حتى ماتت" وفي إسناده محمد بن حميد أحد رواته كذبه غير واحد، ويرده أيضًا حديثهما في الصحيحين: "وددت أني كنت استأذنت رسول الله ﷺ كما استأذنته سودة" (٣).
وقد ورد في حق حبيبة "أن رسول الله ﷺ بعث بها من جمع
стр. 1924
بليل" أخرجه مسلم (١)، ولعلها كانت من الضعفة كما في حديث ابن عباس، يتقرر من مجموع هذه الروايات أن أم سلمة وسودة وأم حبيبة وعائشة -كما (أ) في الرواية المذكورة- رمين قبل الفجر، وفي هذا دلالة على جواز الدفع والرمي قبل الفجر وهو معارض لحديث ابن عباس وقد يجاب عنه بأن جواز الرمي قبل الفجر، إنما كان للعذر، وهو جائز، وفي حديث ابن عباس لما لم يكن له عذر في ذلك أمرنا بالانتظار إلى بعد طلوع الشمس أو أن ذلك مندوب، فأمره بالندب، وحينئذ فلا تعارض بين الأحاديث، وفي المسألة أربعة مذاهب، ذهب الشافعي وأحمد إلى جواز الرمي من بعد نصف الليل للقادر والعاجز، والثاني لا يجوز إلا بعد الفجر مطلقًا، وهو قول أبي حنيفة، والثالث قول الهادوية إنه لا يجوز للقادر إلا بعد طلوع الفجر وللمرأة والعاجز والخائف، ومن له عذر من بعد نصف الليل، والقول الرابع للنخعي والثوري إنه من بعد طلوع الشمس للقادر، وكأن الأرجح هذا القول إذ هو المنصوص في حديث ابن عباس، ولا حجة لمن حَدَّ أوله بنصف الليل، فإن الحجة حديث أسماء بنت أبي بكر كما في البخاري (٢)، وهي أن يغيب مغيب القمر، وهو يكون عند أول الثلث الأخير، ويستدل بهذا على سقوط الوقوف بالمشعر الحرام على من أجيز له الدفع من نصف الليل ولا دم عليهم.
٥٩٣ - وعن عروة بن مضرس قال: قال رسول الله ﷺ : "من شهد صلاتنا هذه -يعني بالمزدلفة- فوقف معنا حتى ندفع، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلا أو نهارًا فقد تم حجه وقضى تفثه" رواه الخمسة
стр. 1925
وصححه الترمذي وابن خزيمة (١). هو عروة بن مضرس بضم الميم وتشديد الراء وكسرها، وبالصاد المعجمة والسين المهملة الطائي، شهد مع النبي ﷺ حجة الوداع، عداده في الكوفيين.
روى عنه ابنه أبو بكر والشعبي.
والحديث صححه أيضًا الحاكم والدارقطني وابن حبان، وهو مروي بألفاظ مختلفة.
وقوله "من شهد صلاتنا": المراد بها هنا صلاة الفجر في المزدلفة.
وقوله "ووقف معنا حتى يدفع": يعني وقف في مزدلفة، وقوله "ووقف بعرفة ليلًا أو نهارًا": فيه دلالة على أنه يجزئ الوقوف بعرفة في أي وقت كان إذا كان في يوم عرفة من بعد الزوال أو في ليلة عيد الأضحى.
وقوله: "فقد تم حجه" هذا جزاء الشرط "وقضى تفثه" والتفث هو إذهاب الشَّعَث، قاله النضر بن شميل (٢)، وقيل هو المناسك، ومفهوم الجملة الشرطية، ومن لم يقع منه ما ذكر فلم يتم حجه، فأما الوقوف بعرفة فمجمع عليه، وأما الوقوف بالمزدلفة فذهب الجمهور إلى أن الحج يتم (أ) بدونه، وأنه يجب في فواته دم، وذهب ابن عباس وابن الزبير إلى أن
стр. 1926
الوقوف بمزدلفة ركن كعرفة، وإليه ذهب إبراهيم النخعي والشعبي وعلقمة والحسن البصري والأوزاعي وحماد بن سليمان وداود الظاهري وأبو عبيد القاسم بن سلام ومحمد بن جرير وابن خزيمة وهو أحد الوجوه للشافعية، ويؤيد هذا المفهوم الزيادة في النسائي: "مَنْ أدرك جمعًا مع الإمام والناس حتى يفيضوا فقد أدرك الحج، ومن لم يدرك مع الإمام والناس فلم يدرك" (١).
ولأبي يعلى: "ومن لم يدرك جمعًا فلا حج له".
وقوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ (٢) وفعل النبي ﷺ الذي خرج مخرج البيان، وأجيب عن ذلك أن حديث عروة أريد به أن من فعل جميع ذلك فقد أتى بالحج التام الكامل الفضيلة، ويدل عليه حديث عبد الرحمن بن يعمر الديلمي قال: "شهدت رسول الله ﷺ وهو واقف بعرفات وأتاه ناس من أهل نجد فقالوا: يا رسول الله كيف الحج؟ قال الحج عرفة، من جاء قبل صلاة الفجر من ليلة جمع فقد تم حجه" أخرجه أحمد وأصحاب السنن وابن حبان والحاكم والدارقطني والبيهقي (٣).
وفي رواية لأبي داود: "من أدرك عرفة قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك
стр. 1927
الحج".
وفي رواية للدارقطني والبيهقي: "الحج عرفة الحج عرفة" فهذا صريح في المراد، وأما زيادة النسائي وأبي يعلى فهي أولًا لا تعارض لاحتمالها التأويل بأن يراد لا حج له أي كامل الفضيلة، وثانيًا أنها من رواية مطرف عن الشعبي، وقد صنف أبو جعفر العقيلي جزءًا في إنكارها، وذكر أن مطرفًا كان يهم في المتون (١)، وعن الآية الكريمة بأنها تدل على الأمر بالذكر عند المشعر على الركنية، وفعل النبي ﷺ بيان للواجب المستكمل الفضيلة، وبين بقوله ما لا يفوت الحج بفواته (وما يفوت بفواته وأما صلاة الصبح مع الإمام بمزدلفة فذهب ابن حزم إلى أنه يفوت الحج بفواته) التزامًا لما (أ) ألزمه به الطحاوي، ولم يعتبر ابن قدامة مخالفته هذه، فحكى الإجماع على الإجزاء بدونها (٢)، والله أعلم.
٥٩٤ - وعن عمر ﵁ قال: "إِن المشركين كانوا لا يفيضون حتى تطلع الشمس ويقولون أشرق ثبير، وأن النبي ﷺ خالفهم ثم أفاض قبل أن تطلع الشمس" رواه البخاري (٣).
قوله "لا يفيضون" أي من جمع، وقد صرح بذلك في روايته يحيى القطان عن شعبة (٤)، وقوله "أَشْرِق": بفتح الهمزة فعل أمر من الإشراق أي ادخل في الشروق، وقد ضبطه بعضهم بكسر الهمزة على أنه ثلاثي
стр. 1928
من شرق، والمعنى على الأول ليطلع عليك (أ) الشمس.
وثبير بفتح المثلثة وكسر الموحدة جبل معروف هناك على يسار الذاهب إلى منى وهو أعظم جبال مكة عرف برجل من هذيل اسمه ثبير دفن فيه، وزاد أبو الوليد عن شعبة "كيما تغير" أخرجه الإسماعيلي (١) ومثله لابن ماجه (ب) من طريق حجاج بن أرطاة عن أبي إسحاق (٢).
"وتغير" من الإغارة: أي الإسراع في عدو الفرس، والمراد منه الدفع للنحر.
وقوله "ثم أفاض" الإفاضة الدفعة قاله الأصمعي، ومنه أفاض القوم في الحديث إذا دفعوا فيه، وفاعل أفاض هو النبي ﷺ أتى به بيانًا لقوله "خالفهم".
(جـ وفي رواية الثوري: "فخالفهم النبي ﷺ فأفاض" جـ) وفي رواية الطبري (٣) بسنده "كان المشركون لا ينفرون حتى تطلع الشمس وأن رسول الله ﷺ كره ذلك فنفر قبل طلوع الشمس" وقد تقدم في حديث مسلم بيان الوقت الذي دفع فيه ﷺ وهو قوله "حتى أسفر جدًّا"، فدفع قبل أن تطلع الشمس، وفي حديث ابن عباس عند ابن خزيمة "حين أسفر كل شيء قبل أن تطلع الشمس" ويحتمل أن يكون فاعل أفاض هو عمر، وهو بعيد.
стр. 1929
٥٩٥ - وعن ابن عباس ﵁ وأسامة بن زيد قالا: "لم يزل رسول اللَّه ﷺ يلبي حتى رمى جمرة العقبة" رواه البخاري (١).
الحديث لفظ البخاري عن ابن عباس "أن أسامة كان ردف النبي ﷺ من عرفة إلى المزدلفة، ثم أردف الفضل من المزدلفة إلى منى" قال فكلاهما قال: "لم يزل النبي ﷺ يلبي حتى رمى جمرة العقبة" (١).
وقد استشكل رواية أسامة فإنه سار من مزدلفة على رجليه في سُبَّاق قريش (٢)، وظاهر السياق أنه لم يحضر مع النبي ﵌، عند رمي الجمرة، ويجاب عنه بأنه يجوز أن يكون أرسل الرواية، وأنه بواسطة، ويجوز أن يكون حضر عند الرمي، ويؤيد هذا ما أخرجه مسلم من حديث أم الحصين قالت "فرأيت أسامة بن زيد وبلالا في حجة الوداع أحدهما آخذ بخطام ناقة النبي ﷺ والآخر رافع ثوبه يستره من الحر حتى رمى الجمرة" (٣) والحديث فيه دلالة على أن الحاج يستمر في التلبية حتى يرمي الجمرة، واللفظ يحتمل أنه قطع التلبية في أول حصاة، أو بعد تمام الرمي، وذهب إلى الأول الجمهور، وإلى الثاني أحمد وبعض أصحاب الشافعي، ويؤيد الأول ما في حديث ابن عباس "ويكبر مع كل حصاة" (٤) أنه قطع التلبية كما قال البيهقي، وحجة الثاني بأن رواية
стр. 1930
النسائي "فلم يزل يلبي حتى رمى، فلما رجع قطع التلبية" وما روى ابن خزيمة (١) من طريق جعفر بن محمد عن أبيه عن علي بن الحسين عن ابن عباس عن الفضل قال "أفضت مع النبي ﷺ من عرفات فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة ويكبر مع كل حصاة ثم قطع التلبية مع آخر كل حصاة" وقال ابن خزيمة: هذا حديث صحيح فإنه مفسر لما أبهم في الروايات الأُخر فإن المراد بقوله: "حتى رمى جمرة العقبة" أي أتم رميها، وقد ذهب الجمهور إلى استمرار التلبية إلى أن يرمي، ومنهم الشافعي وأبو حنيفة والثوري وأحمد وإسحاق وأتباعهم والهادوية وغيرهم، وذهب طائفة إلى أنه يقطع التلبية إذا دخل الحَرَم لكن يعاودها إذا خرج من مكة إلى عرفة، وهو مذهب ابن عمر، وذهب طائفة إلى أنه يقطعها إذا راح إلى الموقف، ورواه ابن المنذر وسعيد بن منصور بأسانيد صحيحة عن عائشة وسعد بن أبي وقاص وعلي، وبه قال مالك ورواية عن الصادق والناصر، وقيده مالك بزوال الشمس يوم عرفة، وهو قول الأوزاعي والليث وعن الحسن البصري مثله لكن قال إذا صلى الغداة يوم عرفة.
وقد روى الطحاوي بإسناد صحيح عن عبد الرحمن بن يزيد قال: "حججت مع عبد الله فلما أفاض أتى جمعًا جعل (أ) يلبي فقال رجل أعرابي: هذا. فقال عبد الله: أنسي الناس أم ضلوا؟ ".
وأشار الطحاوي إلى أن كل من روي عنه ترك التلبية من يوم عرفة أنه تركها للاشتغال بغيرها من الذكر لا على أنها لم تشرع، وجمع بذلك بين ما يختلف من الآثار، والله أعلم.