← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17747

البدر التمام شرح بلوغ المرام ت الزبن

الحسين بن محمد المغربي

Полный текст (4 458 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

الوقوف بمزدلفة ركن كعرفة، وإليه ذهب إبراهيم النخعي والشعبي وعلقمة والحسن البصري والأوزاعي وحماد بن سليمان وداود الظاهري وأبو عبيد القاسم بن سلام ومحمد بن جرير وابن خزيمة وهو أحد الوجوه للشافعية، ويؤيد هذا المفهوم الزيادة في النسائي: "مَنْ أدرك جمعًا مع الإمام والناس حتى يفيضوا فقد أدرك الحج، ومن لم يدرك مع الإمام والناس فلم يدرك" (١). ولأبي يعلى: "ومن لم يدرك جمعًا فلا حج له". وقوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ (٢) وفعل النبي ﷺ الذي خرج مخرج البيان، وأجيب عن ذلك أن حديث عروة أريد به أن من فعل جميع ذلك فقد أتى بالحج التام الكامل الفضيلة، ويدل عليه حديث عبد الرحمن بن يعمر الديلمي قال: "شهدت رسول الله ﷺ وهو واقف بعرفات وأتاه ناس من أهل نجد فقالوا: يا رسول الله كيف الحج؟ قال الحج عرفة، من جاء قبل صلاة الفجر من ليلة جمع فقد تم حجه" أخرجه أحمد وأصحاب السنن وابن حبان والحاكم والدارقطني والبيهقي (٣). وفي رواية لأبي داود: "من أدرك عرفة قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك

стр. 1927

الحج". وفي رواية للدارقطني والبيهقي: "الحج عرفة الحج عرفة" فهذا صريح في المراد، وأما زيادة النسائي وأبي يعلى فهي أولًا لا تعارض لاحتمالها التأويل بأن يراد لا حج له أي كامل الفضيلة، وثانيًا أنها من رواية مطرف عن الشعبي، وقد صنف أبو جعفر العقيلي جزءًا في إنكارها، وذكر أن مطرفًا كان يهم في المتون (١)، وعن الآية الكريمة بأنها تدل على الأمر بالذكر عند المشعر على الركنية، وفعل النبي ﷺ بيان للواجب المستكمل الفضيلة، وبين بقوله ما لا يفوت الحج بفواته (وما يفوت بفواته وأما صلاة الصبح مع الإمام بمزدلفة فذهب ابن حزم إلى أنه يفوت الحج بفواته) التزامًا لما (أ) ألزمه به الطحاوي، ولم يعتبر ابن قدامة مخالفته هذه، فحكى الإجماع على الإجزاء بدونها (٢)، والله أعلم. ٥٩٤ - وعن عمر ﵁ قال: "إِن المشركين كانوا لا يفيضون حتى تطلع الشمس ويقولون أشرق ثبير، وأن النبي ﷺ خالفهم ثم أفاض قبل أن تطلع الشمس" رواه البخاري (٣). قوله "لا يفيضون" أي من جمع، وقد صرح بذلك في روايته يحيى القطان عن شعبة (٤)، وقوله "أَشْرِق": بفتح الهمزة فعل أمر من الإشراق أي ادخل في الشروق، وقد ضبطه بعضهم بكسر الهمزة على أنه ثلاثي

стр. 1928

من شرق، والمعنى على الأول ليطلع عليك (أ) الشمس. وثبير بفتح المثلثة وكسر الموحدة جبل معروف هناك على يسار الذاهب إلى منى وهو أعظم جبال مكة عرف برجل من هذيل اسمه ثبير دفن فيه، وزاد أبو الوليد عن شعبة "كيما تغير" أخرجه الإسماعيلي (١) ومثله لابن ماجه (ب) من طريق حجاج بن أرطاة عن أبي إسحاق (٢). "وتغير" من الإغارة: أي الإسراع في عدو الفرس، والمراد منه الدفع للنحر. وقوله "ثم أفاض" الإفاضة الدفعة قاله الأصمعي، ومنه أفاض القوم في الحديث إذا دفعوا فيه، وفاعل أفاض هو النبي ﷺ أتى به بيانًا لقوله "خالفهم". (جـ وفي رواية الثوري: "فخالفهم النبي ﷺ فأفاض" جـ) وفي رواية الطبري (٣) بسنده "كان المشركون لا ينفرون حتى تطلع الشمس وأن رسول الله ﷺ كره ذلك فنفر قبل طلوع الشمس" وقد تقدم في حديث مسلم بيان الوقت الذي دفع فيه ﷺ وهو قوله "حتى أسفر جدًّا"، فدفع قبل أن تطلع الشمس، وفي حديث ابن عباس عند ابن خزيمة "حين أسفر كل شيء قبل أن تطلع الشمس" ويحتمل أن يكون فاعل أفاض هو عمر، وهو بعيد.

стр. 1929

٥٩٥ - وعن ابن عباس ﵁ وأسامة بن زيد قالا: "لم يزل رسول اللَّه ﷺ يلبي حتى رمى جمرة العقبة" رواه البخاري (١). الحديث لفظ البخاري عن ابن عباس "أن أسامة كان ردف النبي ﷺ من عرفة إلى المزدلفة، ثم أردف الفضل من المزدلفة إلى منى" قال فكلاهما قال: "لم يزل النبي ﷺ يلبي حتى رمى جمرة العقبة" (١). وقد استشكل رواية أسامة فإنه سار من مزدلفة على رجليه في سُبَّاق قريش (٢)، وظاهر السياق أنه لم يحضر مع النبي ﵌، عند رمي الجمرة، ويجاب عنه بأنه يجوز أن يكون أرسل الرواية، وأنه بواسطة، ويجوز أن يكون حضر عند الرمي، ويؤيد هذا ما أخرجه مسلم من حديث أم الحصين قالت "فرأيت أسامة بن زيد وبلالا في حجة الوداع أحدهما آخذ بخطام ناقة النبي ﷺ والآخر رافع ثوبه يستره من الحر حتى رمى الجمرة" (٣) والحديث فيه دلالة على أن الحاج يستمر في التلبية حتى يرمي الجمرة، واللفظ يحتمل أنه قطع التلبية في أول حصاة، أو بعد تمام الرمي، وذهب إلى الأول الجمهور، وإلى الثاني أحمد وبعض أصحاب الشافعي، ويؤيد الأول ما في حديث ابن عباس "ويكبر مع كل حصاة" (٤) أنه قطع التلبية كما قال البيهقي، وحجة الثاني بأن رواية

стр. 1930

النسائي "فلم يزل يلبي حتى رمى، فلما رجع قطع التلبية" وما روى ابن خزيمة (١) من طريق جعفر بن محمد عن أبيه عن علي بن الحسين عن ابن عباس عن الفضل قال "أفضت مع النبي ﷺ من عرفات فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة ويكبر مع كل حصاة ثم قطع التلبية مع آخر كل حصاة" وقال ابن خزيمة: هذا حديث صحيح فإنه مفسر لما أبهم في الروايات الأُخر فإن المراد بقوله: "حتى رمى جمرة العقبة" أي أتم رميها، وقد ذهب الجمهور إلى استمرار التلبية إلى أن يرمي، ومنهم الشافعي وأبو حنيفة والثوري وأحمد وإسحاق وأتباعهم والهادوية وغيرهم، وذهب طائفة إلى أنه يقطع التلبية إذا دخل الحَرَم لكن يعاودها إذا خرج من مكة إلى عرفة، وهو مذهب ابن عمر، وذهب طائفة إلى أنه يقطعها إذا راح إلى الموقف، ورواه ابن المنذر وسعيد بن منصور بأسانيد صحيحة عن عائشة وسعد بن أبي وقاص وعلي، وبه قال مالك ورواية عن الصادق والناصر، وقيده مالك بزوال الشمس يوم عرفة، وهو قول الأوزاعي والليث وعن الحسن البصري مثله لكن قال إذا صلى الغداة يوم عرفة. وقد روى الطحاوي بإسناد صحيح عن عبد الرحمن بن يزيد قال: "حججت مع عبد الله فلما أفاض أتى جمعًا جعل (أ) يلبي فقال رجل أعرابي: هذا. فقال عبد الله: أنسي الناس أم ضلوا؟ ". وأشار الطحاوي إلى أن كل من روي عنه ترك التلبية من يوم عرفة أنه تركها للاشتغال بغيرها من الذكر لا على أنها لم تشرع، وجمع بذلك بين ما يختلف من الآثار، والله أعلم.

стр. 1931

٥٩٦ - وعن عبد الله بن مسعود ﵁ "أنه جعل البيت عن يساره، ومنى عن يمينه، ورمى الجمرة بسبع حصيات، وقال: هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة" متفق عليه (١). في الحديث دلالة على أن هذه الكيفية مشروعة في رمي العقبة كما وقع في الرواية، وأن ابن مسعود استبطن الوادي، وأجاب على من قال إن أناسًا يرمونها من فوقها بقوله "هذا مقام الذي. . . ." إلخ، وقام الإجماع على أن هذه الكيفية غير واجبة، وأن مخالفتها جائزة، وإنما هذا يستحب أن يقف تحت الجمرة في بطن الوادي (أ) ويجعل مكة عن يساره، ومنى عن يمينه، ويستقبل العقبة ويرميها (ب) بالحصى السبع، وهذا قول جمهور العلماء، وقال بعض أصحاب الشافعي إنه يستحب أن يقف مستقبل الكعبة، وتكون الجمرة عن يمينه، وأما سائر الجِمَار فمن فوقها اتفاقا وخص عبد الله سورة البقرة بالذكر لكون أكثر أعمال الحج مذكورة فيها ولأنها اشتملت على أكثر أحكام (جـ) الديانات والمعاملات، ولذلك كان مَنْ حفظ الزهراوين (٢) في السلف عظم قدره وارتفعت مرتبته، وفي إضافة السورة إلى البقرة دلالة على أنه لا كراهة في ذلك، وقد رد إبراهيم النخعي بذلك على الحَجَّاج لما ذكر له أن الحجاج قال على المنبر السورة التي تذكر

стр. 1932

فيها البقرة، والسورة التي يذكر فيها آل عمران، والسورة التي يذكر فيها النساء فسب الحجاج (١) وذكر قول ابن مسعود (٢). فائدة: جمرة العقبة هي الجمرة الكبرى وهي حد لمنى وليست منها بل هي من مكة وهي التي بايع النبي ﷺ الأنصار عندها على الهجرة. والجمرة اسم لمجتمع (أ) الحصى سميت بذلك لاجتماع الناس بها، يقال: اجتمر بنو فلان إذا اجتمعوا، وقيل إن العرب تسمى الحصباء الصفا وجمارًا فسميت بذلك تسمية للشيء باسم حاله وقيل لأن آدم أو إبراهيم ﵉ لما عرض إبليس له فحصبه جمرتين يديه أي أسرع فسميت بذلك. ٥٩٧ - وعن جابر ﵁ قال: "رَمَى رسولُ الله ﷺ الجمرة يوم النحر ضحى، وأما بعد ذلك فإِذا زالت الشمس" رواه مسلم (٣). الحديث وصله مسلم وابن خزيمة وابن حبان، وذكره البخاري تعليقًا بلفظ وقال جابر: "رمى النبي ﷺ يوم النحر ضحى، ورمى بعد ذلك بعد الزوال" (٤).

стр. 1933

وروى الدارمي موصولًا بلفظ التعليق لكن قال: "وبعد ذلك عند زوال الشمس" (١). ورواه إسحاق بن راهويه في مسنده موصولا أيضًا. والحديث فيه دلالة على وقت الرمي، وقد تقدم الكلام في جمرة العقبة. وقوله: "فإِذا زالت الشمس" فيه دلالة على أن وقت الرمي في الأيام الثلاثة بعد الزوال، وهو مذهب الهادوية ومالك والشافعية وأحمد وجماهير العلماء، وذهب الناصر إلى أنه يجوز الرمي من بعد الفجر، وذهب الهادوية وأبو حنيفة وإسحاق إلى أنه يجوز في اليوم الثالث الرمي بعد الفجر وحجتهم قوله ﷺ لأغيلمة بني عبد المطلب "لا ترموا حتى تصبحوا" فدل بعموم على أنه يصح الرمي من الإصباح، ويجاب عن ذلك بأنه ورد في رمي جمرة العقبة في يوم النحر (٢)، وأما سائر الأيام ففعله ﷺ مبين أن وقته من بعد الزوال وقد قال "خذوا عني مناسككم". ٥٩٨ - وعن ابن عمر ﵁ "أنه كان يرمي الجمرة الدنيا مع حَصَيَات يكبر على إثر كل حصاة ثم يتقدم ثم يسهل فيقوم فيستقبل القبلة فيقوم طويلًا ويدعو ويرفع يديه ثم يرمي الوسطى ثم يأخذ ذات الشمال فيُسْهِل ويقوم مستقبل القبلة ثم يدعو فيرفع يديه ويقوم طويلًا ثم يرمي جمرة ذات العقبة من بطن الوادي فلا يقف عندها ثم ينصرف فيقول: هكذا رأيتُ رسول الله ﷺ يفعله" رواه البخاري (٣).

стр. 1934

قوله "الدنيا" بضم الدال وبكسرها أي القريبة إلى جهة مسجد الخيف وهي أول الجمرات التي يرمي من يأتي النحر. وقوله "ثم يسهل" بضم الياء وسكون المهملة أي يقصد السهل من الأرض، وهو المكان الذي لا ارتفاع فيه. وقوله "ثم يأخذ ذات الشمال" أي يمشي إلى جهة شماله أي ليقف داعيًا في مكان لا يصيبه الرمي. وقوله "جمرة ذات العقبة" أي الجمرة ذات العقبة، والحديث فيه ذِكْر رمي الجمرات الثلاث بسبع حصيات، وأنه يشرع التكبير عند كل حصاة، ولا يلزم في تركه شيء إلا ما روي عن الثوري فقال يطعم وإن جبره بدم فأحب إلي. وعلى أنه يستقبل القبلة بعد الرمي ويقوم طويلًا، وقد وقع تفسيره في حديث ابن عمر عند ابن أبي شيبة (١) بإسناد صحيح أن ابن عمر كان يقوم عند الجمرتين مقدار ما يقرأ سورة البقرة وأنه يرفع يديه عند الدعاء. قال ابن قدامة (٢): ولا نعلم في ذلك خلافًا إلا ما روي عن مالك من ترك رفع اليدين عند الدعاء بعد رمي الجمار، وحكى ذلك ابن القاسم عن مالك كذا قاله ابن المنذر. وقال ابن المنير: لو كان الرفع هنا سنة ثابتة ما خفي عن أهل المدينة. وأجيب عنه بأن ذلك ما خفي عليهم وأن الزهري عالم المدينة والشام روى ذلك عن سالم أحد الفقهاء في المدينة، ورواه سالم عن عالم أهل المدينة من الصحابة في زمانه، وهو ابن عمر، وأنه لا يقف ولا يدعو بعد

стр. 1935

رمي الجمرة الثالثة. فائدة: روى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح "أن ابن عمر ﵁ كان يمشي إلى الجمار مقبلًا ومدبرا". وعن جابر أنه كان لا يركب إلا من ضرورة، والنبي ﷺ رمى جمرة العقبة في يوم النحر راكبًا (١) وسائر الجمرات في الأيام الأُخر رماها راجلًا، ولعله فعل ذلك اليوم لما كان في أثناء إفاضته من مزدلفة وقصد انتهائه إلى محل النحر، والله أعلم. ٥٩٩ - وعنه أن رسول الله ﷺ قال: "اللهم ارحم المحلقين، قالوا: والمقصرين يا رسول الله، قال في الثالثة: والمقصرين" متفق عليه (٢) الحديث. واختلفت الروايات في وروده هل في حجة الوداع أو في عمرة الحديبية. قال ابن عبد البر (٣): وقع ذلك يوم الحديبية حين صد عن البيت، وهذا محفوظ مشهور. وأخرج من حديث أبي سعيد بلفظ سمعت رسول الله ﷺ يستغفر لأهل الحديبية للمحلقين ثلاثًا وللمقصرين مرة (٤). ومن حديث ابن عباس بلفظ: "حلق رجالٌ يوم الحديبية، وقصر

стр. 1936

آخرون، فقال رسول الله ﷺ : رحم الله المحلقين. . . ." الحديث (١) انتهى. وحديث أبي سعيد أخرجه الطحاوي من طريق الأوزاعي وأحمد وابن أبي شيبة وأبو داود الطيالسي وزاد فيه أبو داود (أ): "أن الصحابة حلقوا يوم الحديبية إلا عثمان وأبا قتادة". وورد أيضًا في أن ذلك كان في حجة الوداع من حديث أبي مريم السلولي عند أحمد وابن أبي شيبة (٢)، ومن حديث أم الحصين عند مسلم (٣) ومن حديث ابن الأسود الثقفي عند أحمد وابن أبي شيبة، ومن حديث أم عمارة عند الحارث، والأحاديث التي فيها تعيين حجة الوداع هي أكثر عددًا وأصح إسنادًا (٤). قال النووي (٥): وهو الصحيح المشهور، وجزم بأن ذلك كان في الحديبية إمام الحرمين في "النهاية". وقال عياض: كان في الموضعَيْن. قال النووي: ولا يبعد أن يكون في الموضعين، وكذا قال ابن دقيق العيد (٦). قال المصنف -رحمه الله تعالى-: وهذا هو المتعين لفظًا في الروايات بذلك إلا أن السبب فيهما مختلف فالذي في الحديبية بسبب توقف من توقف من الصحابة عن الإحلال لما دخل عليهم من الحُزْن لكونهم منعوا

стр. 1937

من الوصول إلى البيت مع اقتدارهم في أنفسهم على ذلك فخالفهم النبي ﷺ وصالح قريشًا على أن يرجع من العام القابل، والقصة مشهورة فلما أمرهم النبي ﷺ بالإحلال توقفوا، وأشارَتْ أم سلمة أن يحل هو ﷺ قبلهم ففعل فتابعوه فحلق بعضهم، وقصر بعض، وكان من بادر إلى الحلق أسرع إلى الامتثال ممن اقتصر على التقصير، وقد بُيِّن هذا السبب في آخر حديث ابن عباس عند ابن ماجه وغيره أنهم قالوا: "يا رسول الله ما بال المحلقين ظاهرت لهم بالترحم، قال: لأنهم لم يشكوا" (١)، وأما في حجة الوداع فلأنه ﷺ أمر من لم يسق الهدي بالإحلال، وقد كان شق على جماعة من الصحابة ففعل بعضٌ التقصير لأنه أخف، فهو كذلك لم يخلص الامتثال، بل بقي معه شك، وفعل بعض الحلق لمبادرته إلى إخلاص الامتثال، واستحق تأكيد الدعاء له لأنه أبين في الامتثال، كذا قاله ابن الأثير في "النهاية" وغيره (٢). وقال الخطابي وغيره: إن عادة العرب أن توفر الشعر لكونه من الزينة عندهم، وكان الحلق قليلًا، وربما كانوا يرونه من الشهرة ومن زي الأعاجم، فلذلك كرهوا الحلق واقتصروا على التقصير. والحديث فيه دلالة على شرعية الحلق والتقصير، وأن الحلق أرجح وهو مجمع عليه إلا ما روي عن الحسن البصري أن الحلق يتعين في أول حجة، حكاه ابن المنذر بصيغة التمريض، وقد ثبت عن الحسن خلافه. وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن في الذي لم يحج قط إن شاء حلق وإن شاء قصر. وروى ابن أبي شيبة عن إبراهيم النخعي، قال: "إذا حج الرجل أول

стр. 1938

حجة حلق، وإن حج أخرى فإن شاء حَلَقَ وإن شاء قصر" ثم روي عنه أنه قال "كانوا يحبون، يحلقوا في أول حجة وأول عمرة" انتهى. وهذا يدل على أن ذلك للاستحباب لا للزوم، وهما جائزان، ولو في حق من لبد شعره، وإن كان للشافعي قول موافق للحنفية أنه يتعين الحلق على مَنْ لبد شعره أو كان شعره خفيفًا لا يمكن تقصيره أو لم يكن له شعر فيمر المواسي على رأسه والواجب في حلق رأسه هو أن يعمه جميعه عند الهادي وغيره، وهو مذهب مالك وأحمد وهو الذي تقتضيه الصنعة، واستحبه الكوفيون والشافعي، ويجزئ البعض عندهم واختلفوا فيه، فعند الحنفية الربع إلا أبا يوسف فقال النصف، وقال الشافعي: أقل ما يجب حلق ثلاث شعرات، وفي وجه لبعض أصحابه شعرة واحدة، والتقصير كالحلق في هذا التفصيل، ويكون التقصير قدر أنملة كذا في كتب الهادوية وفي شرح النووي لمسلم، ويستحب أن لا ينقص عن (أ) قدر الأنملة، وإن اقتصر على دونها أجزأ، وهذا في حق الرجال، وأما النساء فالمشروع في حقهن التقصير إجماعًا، وفي حديث لابن عباس عند أبي داود بلفظ: "ليس على النساء حلق، وإنما على النساء التقصير" (١) وسيأتي مرتبًا، وللترمذي من حديث علي "نهى أن تحلق المرأة رأسها" (٢). وقال جمهور الشافعية: لو حلقت أجزأها ويكره. وقال القاضيان أبو الطيب وحسين: لا يجوز، وهذا في حق الحاج أو المعتمر غير متمتع، وأما المتمتع فالنبي ﷺ خيرهم بين الحلق والتقصير، وظاهره أنهما سواء في حقهم، وعند الهادوية أن الأفضل

стр. 1939

التقصير في حقه ليمكنه الحلق للحج. وقوله "قال في الثالثة: والمقصرين": في معظم الروايات عن مالك ذكر إعادة المحلقين مرتَين، وعطف المقصرين عليهم في المرة الثالثة، وانفرد يحيى بن بكير من رواة الموطأ بإعادة ذلك ثلاث مرات، نبه عليه ابن عبد البر في التقصي وأغفله في التمهيد (١)، بل قال إنهم لم يختلفوا على مالك، ورواه الليث "رحم الله المحلقين" مرة أو مرتين عن نافع، ورواه عن عبيد الله العمري مصغرًا، قال في الرابعة: "والمقصرين". وأخرج أحمد عن نافع بلفظ "اللهم اغفر للمحلقين، قالوا وللمقصرين حتى قالها ثلاثًا أو أربعًا ثم قال (أ): والمقصرين" (٢). والجمع بين الروايات أن من قال في الثالثة أراد بها بالنظر إلى ما وقع من السائلين، ومن قال في الرابعة فبالنظر إلى أن قوله: "وللمقصرين" معطوف على مقدر، والمعنى: اغفر للمحلقين والمقصرين، فهو مذكور تقدير أربعًا، وإن لم يذكر فيه اللفظ إلا ثلاث مرات، ورواية الجزم مقدمة على رواية الشك، وإعادة الذكر ثلاث مرات معمول بها ولا يعارضها رواية الذكر مرتين لأن في تلك زيادة، وهي معمول بها، والله أعلم. تنبيه: يفهم من دعائه ﷺ للمحلقين أنه فعل في نفسه ذلك إذ لا يبالغ في الحث على ذلك ويتركه. وقد أخرج ابن عباس عن معاوية قال: "قَصرتُ عن رسول الله ﷺ بمشقص" زاد في رواية مسلم: "وهو على المروة" (٣) وزاد في رواية

стр. 1940

النسائي أن ابن عباس احتج بذلك عن معاوية لما نهى عن متعة الحج، ثم ذكر ما فعل بالنبي ﷺ ، فقال ابن عباس: هذا على معاوية أن ينهى الناس عن المتعة، وقد تمتع رسول الله ﷺ (١)، وفي معناه لأحمد من وجه آخر (٢)، وهذا يدل أنه وقع منه في حجة الوداع، ووقع عند أحمد من طريق أخرى عن عطاء أن معاوية حدث أنه أخذ من أطراف شعر رسول الله ﷺ في أيام العشر بمشقص وهو محرم (٣). وقد أنكر النووي (٤) على من يقول إن ذلك في حجة الوداع قال لأنه قد ثبت أنه كان قارنا، وثبت أنه حلق بمنى، وفرق أبو طلحة شعره بين الناس فلا يصح أن يكون ذلك في حجة الوداع، وفي عمرة القضاء لم يكن معاوية مسلما لأنه أسلم عام الفتح إلا أن ابن عساكر أخرج في تاريخ دمشق في ترجمة معاوية أنه أسلم زمن الحديبية والقضية وأنه كان يخفي إسلامه خوفا من أبويه، وكان النبي ﷺ لما دخل في عمرة القضية بمكة خرج أكثر أهلها عنها حتى لا ينظرونه وأصحابه يطوفون بالبيت، فلعل معاوية كان ممن تخلف بمكة لسبب اقتضاه، وقول سعد: فعلنا العمرة وهذا -يعني معاوية- كافر بالعرش بضم العين والراء المهملتين يعني بيوت مكة (٥) باعتبار ظاهر حال معاوية (*)، وجوز بعضهم أن يكون ذلك في عمرة الجعرانة، ولكنه يرد عليه أن النبي ﷺ ركب من الجعرانة بعد أن أحرم بعمرة، ولم يستصحب

стр. 1941

أحدًا معه إلا بعض أصحابه المهاجرين فقدم مكة وطاف وسعى وحلق ورجع إلى الجعرانة فأصبح بها كما ثبت فخفيت على كثير من الناس، كذا أخرجه الترمذي (١)، وغيره، ولم يعدوا معاوية فيمن كان صحبه حينئذٍ، ولا كان معاوية ممن تخلف عنه بمكة في غزوة حنين، وأعطاه النبي ﷺ مثل ما أعطى أباه من الغنيمة من جملة المؤلفة. وأخرج الحاكم في "الإكليل" في آخر قصة غزوة حنين "أن الذي حلق رأسه ﷺ في عمرته التي اعتمر من الجعرانة أبو هند عبد بني بياضة". ولكنه يمكن الجمع بأن معاوية لحق وحضر بالمروة وقصر للنبي ﷺ قبل أن يحضر الحلاق ثم حضر الحلاق فحلق، وبهذا يتقرب الجمع بين الروايات إلا أنه يبعد عنه رواية "أنه كان في العشر" إلا أنها شاذة، وقد قال قيس بن سعد (٢) عقيبها: والناس ينكرونها، وبعضهم تأول أصل الرواية، وقال: معنى "قصرت عن رسول الله" أي قصرت شعري عن أمر رسول الله، وبعضهم قال: إنه قصر بقية شعر لم يكن الحلاق أزاله، وهو أيضًا بعيد. والمشقص بكسر الميم وسكون المعجمة وفتح القاف وآخره صاد وهو نصل عريض يزجى به الوحش، وقال صاحب المحكم: هو الطويل من النصال، وليس بعريض، وكذا قال أبو عبيد، والله أعلم. ٦٠٠ - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ "أن رسول اللَّه ﷺ وقف في حجة الوداع فجعلوا يسألونه، فقال رجل: لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح، قال: "اذبح ولا حرج"، وجاء آخر

стр. 1942

فقال: لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي، قال: "ارم ولا حرج"، فما سُئِلَ يومئذٍ عن شيء قُدِّم ولا أُخِّر إِلا قال: "افعل ولا حرج" متفق عليه (١). قوله "وقف" كان ذلك يوم النحر بعد الزوال وهو على راحلته يخطب عند الجمرة، والخطبة هذه هي الخطبة الثالثة التي شرعت لتعليم بقية المناسك، ولم يكن ذلك عند رميه ﷺ لأنه رمى في أول اليوم، ولعل بعد أن رجع من مكة إلى منى. وقوله "فقال رجل" قال المصنف (٢) ﵀: لم أقف على اسمه بعد البحث الشديد ولا على اسم أحد ممن سأل في هذه القصة، وقد وقع حديث أسامة بن شريك عند الطحاوي وغيره "كان الأعراب يسألونه" فكان هذا هو السبب في عدم ضبط أسمائهم. وقوله "لم أشعر" أي لم أفطن، يقال شعرت بالشيء شعورًا إذا فطنت له، وقيل الشعور بمعنى العلم، ولم يذكر في هذه الرواية متعلق الشعور، وفي لفظ مسلم "لم أشعر أن الرمي قبل النحر" (٣)، وفي هذه الرواية السؤال عن شيئين معينين، وقد ورد في مجموع الروايات في ذلك السؤال عن أربعة أشياء: الحلق قبل الذبح، والحلق قبل الرمي، والنحر قبل الرمي، والإفاضة قبل الرمي، يعني النزول إلى مكة لطواف الإفاضة،

стр. 1943

ففي حديث ابن عباس عند البخاري ذكر الثلاثة المغايرة للحلق قبل الرمي، وعند الدارقطني من حديث ابن عباس السؤال عن الحلق قبل الرمي أيضًا (١)، وكذا في حديث جابر، وكذا في حديث أبي سعيد عند الطحاوي (٢)، وفي حديث علي عند أحمد السؤال عن الإفاضة قبل الحلق (٣)، وفي حديثه عند الطحاوي السؤال عن الرمي والإفاضة معًا قبل الحلق، وفي حديث جابر عند البخاري معلقًا -ووصله ابن حبان وغيره- السؤال عن الإفاضة قبل الذبح (٤)، وفي حديث أسامة بن شريك عند أبي داود السؤال عن السعي قبل الطواف (٥). وقوله "اذبح ولا حرج": أي لا ضيق عليك في ذلك، وذلك أنه لما تقرر عندهم أن وظائف يوم النحر بالاتفاق أربعة أشياء: رمي جمرة العقبة، ثم نحر الهدي أو ذبحه، ثم الحلق أو التقصير، ثم طواف الإفاضة، فمن فعل هذه المرتبة فقد أتى بالمشروع على صفته، وهذا مجمع عليه إلا أن بعض المالكية استثنى القارن، فقال: لا يحلق حتى يطوف لأن عليه إحرام عمرة، والمعتمر يتأخر الحلق معه عن الطواف، وهو مردود عليه بالإجماع (٦). والحديث يدل على أنه تسوغ المخالفة بالتقديم والتأخير، وأن الحج لا ينقص ولا يختل بذلك، واختلفوا في لزوم الدم عند المخالفة، فقال

стр. 1944

القرطبي: روي عن ابن عباس -ولم يثبت- أن من قدم شيئًا على شيء فعليه دم، وبلزوم الدم قال سعيد بن جبير وقتادة والحسن والنخعي وأصحاب الرأي. انتهى (١). وفي نسبة ذلك إلى النخعي وأصحاب الرأي نظر فإنهم يقولون بذلك على الإطلاق، وإنما ذلك من تقديم الحلق على الرمي، وهو قول أيضًا للشافعي وللهادي والقاسم بناء منهم على أن الحلق تحليل محظور غير نسك، قالوا: لأنه يحرم بالإحرام فلا يجعل ما يحرم به نسكًا كالطيب، وعلى أصلهم هذا لا يجوز فعله قبل الرمي. والحديث يدل على خلاف ذلك؛ ولعلهم يتأولون الحديث في حق الناسي والجاهل، وفي اللفظ ما يدل على ذلك بقوله: لم أشعر. ويلزم دم في تقديم الحلق على الذبح عند أبي حنيفة في حق المتمتع والقارن، وعند أحمد في حق العامد لا الناسي والجاهل، وذهب جمهور السلف والعلماء وفقهاء أصحاب الحديث إلى الجواز وعدم وجوب الدم لقوله للسائل: "لا حرج"، فهو ظاهر في رفع الإثم والفدية معا، وقال الطحاوي: ظاهر الحديث يدل (أ) على التوسعة في تقديم بعض هذه الأشياء على بعض، قال: إلا أنه يحتمل أن يكون قوله: "لا حرج" أي لا إثم في ذلك الفعل، وهو كذلك لمن كان ناسيًا أو جاهلًا، وأما من تعمد المخالفة فتجب عليه الفدية. وأجيب بأن وجوب الفدية تحتاج إلى دليل، ولبين ذلك النبي ﷺ إذ ذلك وقت الحاجة؛ ولأنه لو كان الترتيب معتبرًا لأمر النبي ﷺ بالإعادة، لا سيما والوقت باقٍ كما أن من تركه في أول وقته عامدًا أو

стр. 1945

ناسيًا وجب عليه الفعل، وتأويلهم لقوله "لا حرج" أي لا إثم دون الفدية فيلزم لو كان صحيحًا للزم الفدية في الجميع ولا يقولون به. قوله "فما سئل عن شيء. . . ." إلخ: رواية عند (أ) مسلم وأحمد "فما سمعته سئل يومئذٍ عن أمر مما ينسى (١) المرء ويجهل من تقديم بعض الأمور قبل بعض، وأشباهها إلا قال: "افعلوا ذلك ولا حرج"، احتج بهذا وبقوله "لم أَشْعُر" من قال: إن الرخصة تختص بمن نسي أو جهل لا بمن تعمد. قال الأثرم عن أحمد: إن كان جاهلًا أو ناسيًا فلا شيء عليه، وإن كان عالمًا فلا لقوله في الحديث: "لم أشعر". وأجاب بعض الشافعية بأن الترتيب لو كان واجبًا لما سقط بالسهو كالترتيب بين السعي والطواف بأنه لو سعى قبل أن يطوف وجب إعادة السعي، وحديث أسامة الذي مر متأول بأنه السعي بعد طواف القدوم قبل طواف الإفاضة مع أنه لم يقل بظاهره إلا عطاء فقال: لو لم يطف للقدوم ولا لغيره وقدم السعي قبل طواف الإفاضة أجزأه. أخرجه عبد الرزاق عن ابن جريج عنه، واستقوى ابن دقيق العيد قول أحمد، وقال: تختص الرخصة بما ذكر في السؤال، وتبقى حالة العمد على أصل وجوب الإتباع في الحج، وأيضًا فالحكم إذا رتب على وصفٍ يمكن أن يكون معتبرًا لم يجز اطراحه، وعدم الشعور وصف مناسب لعدم المؤاخذة، وقد علق به الحُكْم فلا يمكن اطراحه بإلحاق العمدية إذ لا تساويه، وما وقع في كلام الراوي من قوله: "فما سئل عن شيء. . . ." إلخ لا عموم فيه إذ الظاهر أن الشيء مقيد بالقرينة،

стр. 1946

وهي الأمور التي لم يشعر بها. واعلم أنه اختلف في الحلق هل هو نسك أو تحليل محظور، فذهب إلى الأول الناصر والمؤيد وأبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه، والحجة على ذلك قوله تعالى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ﴾ (١) قالوا: لأن الآية واردة مورد الثناء على الفاعلين لذلك فاستحقوا على ذلك الثواب فدل على أنه نسك فلو كان استباحة محظور لكان مباحًا لا يستحقون عليه الثواب، ولأن النبي ﷺ دعا للمحلقين ثلاثًا وللمقصرين مرة. تقدم. وحجة الثاني هو أن الحلق إنما حُرِّم بالإحرام فلا يكون نسكًا كالطيب، وفرعوا الخلاف في لزوم الدم على هذا، فعلى الأول إذا فعل قبل الرمي لا دم عليه، وعلى الثاني يلزم الدم، وقد يقال عليه هذا غير لازم إذ يجوز أن يكون نسكا مترتبًا فعله على فعل الرمي كالسعي المترتب على طواف (أ) القدوم مع أن مالكًا مصرح بأنه نسك ويوجب الدم على من قدمه على الرمي، والله أعلم. ٦٠١ - وعن المسور بن مخرمة ﵁ "أن رسول اللَّه ﷺ نحر قبل أن يحلق، وأمر أصحابه بذلك". رواه البخاري (٢). هو أبو عبد الرحمن المسور بن مخرمة الزهري القرشي، وهو ابن أخت عبد الرحمن بن عوف، ولد بمكة بعد الهجرة بسنتين، وقدم به المدينة في ذي الحجة سنة ثمان، وهو أصغر من ابن الزبير بأربعة أشهر، وقُبض النبي ﷺ وهو ابن ثماني سنين، وسمع منه وحفظ عنه، وحدث عن

стр. 1947

عمر، وعبد الرحمن بن عوف، وكان فقيهًا من أهل الفضل والدِّين، ولم يزل بالمدينة إلى أن قتل عثمان، وانتقل إلى مكة فلم يزل بها حتى مات معاوية، وكره بيعة يزيد فلم يزل مقيمًا بها إلى أن نفذ يزيد عسكره وحاصر مكة وبها ابن الزبير فأصاب المِسْوَر حجر من حجار المنجنيق وهو يصلي في الحجر فقتله، وذلك في (أ) مستهل ربيع الأول سنة أربع وستين (١). روى عنه عروة بن الزبير وعلي بن الحسين زين العابدين وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة وأبو أمامة سهل بن حنيف وابن أبي مليكة، والمسور بكسر الميم وسكون المهملة وفتح الواو، ومخرمة بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح الراء. والحديث فيه دلالة على تقديم النحر قبل الحلق، وهذا الواقع من النبي ﷺ لما أحصر في عمرة الحديبية فتحلل ﷺ بالذبح، وبَوَّب البخاري على هذا باب النحر قبل الحلق في الحصر، وقد أشار البخاري إلى أن هذا الترتيب مختص بالحصر على جهة الوجوب ولم يتعرض لما يلزم من قدم الحلق على النحر. وقد أخرج ابن أبي شيبة عن علقمة أنه يلزم الدم في ذلك ومثله عن ابن عباس، وأما غير المحصر فقد تقدم الكلام عليه، وظاهر فعل النبي ﷺ وأمره بذلك وجوب الهدي على المحصر وهو المطابق لقوله تعالى ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (٢). ٦٠٢ - وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله

стр. 1948

- ﷺ : "إِذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم الطيب وكلُّ شيء إِلا النساء" رواه أحمد وأبو داود (١) بإسنادٍ ضعيف. لفظ أحمد وأبي داود: "إذا رمى أحدكم جمرة العقبة فقد حل له كل شيء إلا النساء". وفي رواية لأحمد "إذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم الطيب والثياب وكل شيء إلا النساء". وفي رواية للدارقطني: "إذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم كل شيء إلا النساء" (٢) ومداره على الحجاج بن أرطاة، وهو ضعيف ومدلس، وقال أحمد: كان من الحفاظ، وقال أبو حاتم: صدوق مدلس (٣)، وقال البيهقي (٤): إنه من تخليطاته، قال البيهقي (٥): وقد روى هذا في حديث لأم سلمة مع زيادة لم يقل بها أحد من الفقهاء وهو "إذا رميتم الجمرة ونحرتم الهدي إن كان لكم فقد حللتم من كل شيء حرمتم منه إلا النساء حتى تطوفوا بالبيت، فإذا أمسيتم ولم تفيضوا صرتم حرمًا كما كنتم أول مرة حتى تفيضوا البيت". وذكر ابن حزم أن هذا مذهب عروة بن الزبير. والحديث فيه دلالة على حصول التحلل بالرمي والحلق، وأنه لا بد من مجموع الأمرين، والظاهر أنه مجمع على الرمي وحده وعلى الخلاف في الحلق وحده، وأنه لا قائل بمجموع الأمرين فتحمل الرواية بالجمع مع

стр. 1949

ضعفها أن هذا هو الأحسن أن يفعل الحلق بعد الرمي وإن لم يكن لازمًا. وقوله "فقد حل لكم الطيب": هذا هو قول الأكثر، والخلاف في ذلك لمالك فقال لا يحل الطيب. وهو مردود عليه بهذا وغيره كما ثبت في حديث عائشة من (أ) أنها طيبت النبي ﷺ بعد الرمي قبل الطواف (١)، وذهب الليث إلى أنه لا يحل الصيد إلا بعد طواف الإفاضة، وهو كذلك مردود عليه بالحديث، ولا خلاف أن الوطء لا يحل ما لم يوجد التحلل الثاني، لكن المستحب ألا يطأ حتى يرمي أيام التشريق. قال الرافعي: وفي عقد النكاح والمباشرة فيما دون الفرج كالقبلة والملامسة وقتل الصيد قولان أحدهما أنها تحل، أما في غير الصيد فلأنهما محظوران للإحرام لا تفسدانه فأشبها الحلق والقلم، وأما في الصيد فلأنه لم يستثن في الحديث إلا النساء، والثاني: لا يحل أما في غير الصيد فلتعلقهما بالنساء، وأما في الصيد فلقوله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ (٢) والإحرام باقٍ. ٦٠٣ - وعن ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ قال: "ليس على النساء حلق وإِنما يُقَصّرنَ" (٣) رواه أبو داود بإسناد حسن، وقوى الإسناد أبو حاتم في "العلل" (٤) والبخاري في "التاريخ" (٥)،

стр. 1950

وأَعله ابن القطان ورد عليه ابن المراق فأصاب. والمراد أنه لا يستحب في حقهن ذلك، وأن الأفضل هو التقصير فإن فعلت الحلق أجزأ. ٦٠٤ - وعن ابن عمر ﵁ "أن العباس بن عبد المطلب استأذن رسول اللَّه ﷺ أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته فأذن له" متفق عليه (١). الحديث فيه دلالة على أن المبيت بمنى من واجبات الحج، وأن الترخيص إنما وقع للعباس لأجل العذر المذكور، فإذا لم يوجد العذر فلا رخصة في ذلك، وهذا مذهب الجمهور، وفي قول للشافعي ورواية عن أحمد، وهو مذهب الحنفية، أنه سنة فلا يجب دم بتركه، وعلى الأول يجب الدم، وهذا الإذن للعباس ﵁ قال بعضهم: يختص به ولا يتعدى الحكم إلى غيره، وقيل يدخل معه آله، وقيل فريقه وهم بنو هاشم، وقيل كل من احتاج إلى السقاية فله ذلك ثم قيل أيضًا: يختص الحكم بسقاية العباس حتى لو علمت سقاية لغيره لم يرخص لصاحبها في المبيت لأجلها، ومنهم من عمه وهو (أ) الصحيح في الموضعين، والعلة في ذلك إعداد الماء للشاربين، وهل يختص ذلك بالماء أو يلتحق به ما في معناه من الأكل وغيره؟ جزم الشافعي وغيره بإلحاق مَنْ له مال يخاف (ب) ضياعه أو أمر يخاف فوته أو مرض يحتاج إلى من يقوم به ومثله

стр. 1951

ذكر الإمام يحيى والأمير الحسين في "الشفا": أن ذلك يدخل فيه من اشتغل بمصلحة عامة للمسلمين أو أمر يختص به، والجمهور قالوا يلحق بأهل السقاية رعاة الإبل خاصة، وسيأتي الكلام عليه، وظاهر الحديث أنه لا يجب الدم مع هذا العذر إذ لو وجب لبين، ولم يؤخر البيان عن وقت الحاجة. وفي الحديث دلالة على شرعية استئذان الكبراء والأمراء فيما يطرأ من الأحكام والمصالح، والمراد بأيام منى ليلة الحادي عشر والليلتين بعده، والله أعلم. فائدة: كانت السقاية من ماء زمزم يغترفونه (أ) بالليل ويجعلونه في الحياض مسبلًا للشاربين وغيرهم يجعلون بينه الزبيب ليتطيب به الماء، وكانت السقاية للعباس في الجاهلية، وأقرها النبي ﷺ له، وأخرج مسلم "أنه قدم النبي ﷺ على راحلته وخلفه أسامة، فاستسقى فأتيناه بإناء من نبيذ فشرب وسقى فضله أسامة، وقال: أحسنتم وأجملتم (١)، هكذا فاصنعوا فهي حق لآل العباس ﵁". ٦٠٥ - وعن عاصم بن عدي ﵁ أن رسول الله ﷺ "رخص لرعاة الإبل في البيتوتة عن منى يرمون يوم النحر ثم يرمون ليومين ثم يرمون يوم النفر" رواه الخمسة وصححه الترمذي وابن حبان (٢).

стр. 1952

الحديث رواه أيضًا مالك والشافعي عنه وأحمد والحاكم كلهم من حديث أبي البداح عن عاصم ابنه، أو عن عدي أبيه على اختلاف في ذلك، وأبو البداح ذكره ابن حبان في التابعين قال: وقد يقال إن له صحبة، وفي القلب منه شيء لكثرة الاختلاف في إسناده، وفي الباب عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده "أن رسول الله ﷺ رخص للرعاء أن يرموا بالليل وأية ساعة شاءوا من النهار" رواه الدارقطني (١) وإسناده ضعيف. وعن ابن عمر رواه البزار بإسناد حسن والحاكم والبيهقي (٢). وفيه دلالة على الترخيص لرعاة الإبل في البيتوتة، وفي تقديم الرمي عن وقته للعذر. ٦٠٦ - وعن أبي بكر ﵁ قال: "خطبنا رسول اللَّه ﷺ يوم النحر" الحديث متفق عليه (٣). في الحديث دلالة على شرعية الخطبة يوم النحر -وقد تقدم ذلك ولفظه ﷺ : "أتدرون أي يوم هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: أليس يوم النحر؟ قلنا: بلى قال: أي شهر هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه

стр. 1953

بغير اسمه، قال: أليس ذو الحجة؟ قلنا: بلى، قال: أي بلد هذا؟ قلنا الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أن سيسميه بغير اسمه، قال: أليست بالبلد الحرام؟ قلنا: بلى قال: فإن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا إلى يوم تلقون ربكم، ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم، قال: اللهم فاشهد، فليبلغ الشاهد الغائب، فرب مبلغ أوعى من سامع، فلا ترجعوا بعدي كُفَّارًا يضرب بعضكم رقاب بعض" أخرجه البخاري. وأخرج نحوه من حديث ابن عباس (١)، ومن حديث ابن عمر مصرح (٢) بذكر يوم النحر إلا في لفظ لابن عمر فقال: "أيام منى". وأخرج أحمد (٣) من طريق أبي حمزة الرقاشي عن عمه قال "كنت آخذًا بزمام ناقة رسول الله ﷺ في أوسط أيام التشريق إذ ورد عنه الناس. . . ." فذكر نحو حديث أبي بكرة. وقوله "أوسط أيام التشريق" تدل على وقوع ذلك في اليوم الثاني أو الثالث، والجمع بين الروايتين بأنه تكرر ذلك منه ﷺ في اليومين. وفي قوله "خطبنا": دلالة على أنها خطبة مشروعة، وفي ذلك الرد على من قال ليست بخطبة مشروعة، وإنما هي من الوصايا العامة لا على (أ) أنها مشروعة في الحج كما قالت (ب) المالكية والحنفية إن خطب الحج ثلاث سابع ذي الحجة، ويوم عرفة بها، وثاني يوم النحر بمنى،

стр. 1954

وخالفهم الشافعي فزاد الرابعة يوم النحر، وقال: الخطبة ليست في ثاني وإنما هي في ثالثه لأنه أول النفر. وقال الطحاوي: إنه لم يبين ﷺ في يوم (أ) النحر شيئًا مما يتعلق بالحج، وإنما ذكر فيها وصية عامة فعرفنا أنها لم يقصد لأجل الحج، وأجيب بأن النبي ﷺ نبه في الخطبة المذكورة على تعظيم يوم النحر، وعلى تعظيم شهر ذي الحجة وعلى تعظيم البلد الحرام، وقد جزم الصحابة بتسميتها خطبة مع أن النبي ﷺ ذكر الوصية العامة في خطبة يوم عرفة، وفي خطبة ثاني النحر كما في رواية ابن ماجه في خطبة عرفة من حديث ابن مسعود (١)، وعند أحمد من حديث نبيط بن شريط مع أنه قال في خطبة يوم النحر: "خذوا عني مناسككم" (٢) والله أعلم. ٦٠٧ - وعن سراء بنت نبهان قالت: "خطبنا رسول اللَّه ﷺ يوم الرُّؤوس، فقال: أليس هذا أوسط أيام التشريق" الحديث رواه أبو داود (٣) بإسناد حسن. سراء بفتح السين وتشديد الراء والمد، ونبهان بفتح النون وسكون الباء الموحدة، روى عنها ربيعة بن عبد الرحمن الغنوي. الحديث فيه دلالة على شرعية الخطبة في اليوم الثاني من أيام النحر، وهي الخطبة الرابعة كما تقدم، وقوله "يوم الرؤوس" المراد به ثاني النحر بالاتفاق.

стр. 1955

وقوله " أوسط أيام التشريق" أي أفضل أيام التشريق، ويحتمل أن يكون المراد أنه متوسط فيها، فيدل ذلك على أن يوم النحر منها، ولفظ حديثها قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أتدرون أي يوم هذا؟ -قالت وهو اليوم الذي تدعون يوم الرُّؤوس- قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: هذا أوسط (أ) أيام التشريق (١) أتدرون أي بلد هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: هذا المشعر الحرام، ثم قال: إني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد هذا، ألا وإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا حتى تلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، ألا فليبلغ أدناكم أقصاكم، ألا هل بلغت" فلما قدمنا المدينة لم يلبث إلا قليلًا حتى مات ﷺ . ٦٠٨ - وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال لها: "طوافك بالبيت وبين الصفا والمروة يكفيك لحجك وعمرتك" رواه مسلم (٢). الحديث فيه دلالة على أن القارن يكفيه طواف واحد وسعي واحد للحج والعمرة، وهذا ذهب إليه الشافعي وأصحابه ومالك وأحمد وإسحاق وداود، وهو محكي عن ابن عمر وجابر وعائشة، وذهب أبو حنيفة وأصحابه وزيد بن علي والهادي والناصر، وهو محكي عن علي ﵁ ورواه عن فعل (ب) النبي، ﷺ ، وعن ابن مسعود والشعبي

стр. 1956

والنخعي إلى أنه لا بد من طوافين وسعيين قالوا لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (١) وأجيب عن ذلك بأنه لا دلالة في الآية على ذلك إذ التمام حاصل، وإن كفى لهما طواف واحد، والأحاديث متضافرة على نحو حديث عائشة من رواية ابن عمر وجابر وغيرهما. واعلم أنه يرد على هذا الحديث المعارضة بما روي من حديثها أن النبي ﷺ أعمرها من التنعيم، وأمر أخاها عبد الرحمن أن يردفها وانتظرها بالمحصب، قالت (أ): ينصرف الناس بحجة وعمرة وأنا أنصرف بحجة (٢). والجواب عن ذلك بما ثبت من مجموع روايات في الصحيحين أن عائشة ﵂ كانت من جملة من أحرم بالحج أولًا ثم أُمِرَتْ بنسخ الحج إلى العمرة ثم تعذر عليها التحلل بأعمال العمرة لما نفست فأمرها النبي ﷺ أن ترفض العمرة وتغسل رأسها وتحرم بالحج، ثم لما طهرت بعرفات أتمت الحج وطافت وسعت فقال لها النبي ﷺ بذلك، وأنه يكفيها الطواف والسعي للحج والعمرة، وذلك لأن العمرة لما أحرمت بالحج قبل التحلل من العمرة فصدق عليها أنها أولًا متمتعة عند أن (ب) فسخت الحج وأحرمت بالعمرة كما فعل غيرها من أزواج النبي ﷺ وسائر أصحابه، فلما تعذر التحلل منها وأحرمت بالحج صارت قارنة فكفاها الطواف والسعي.

стр. 1957

وقولها "أينصرف الناس بحج وعمرة" أرادت بذلك أينصرفون بحج مفرد وعمرة منفردة، وهي لم تفردهما فأمرها بإفراد العمرة من التنعيم ليكون لها ما لغيرها. وقولها "أينصرف الناس" ولم تقل أتنصرف أنت دليل على أنها قد وافقته في القرآن بينهما، وفاتها ما فعل الناس، وقد تبين لها أن ما فعله الناس أفضل في حقهم لموافقتهم لما أمر به النبي ﷺ من التحلل بالعمرة مفردة، فحصل بما قلناه الجمع بين الروايات التي ظاهرها الاختلاف (١)، وكان حيضها يوم السبت عاشر ذي الحجة، وهو يوم النحر، وهذا قول محمد بن حزم، وأخرج مسلم عنها (٢) أن حيضها كان بسرف قبل دخولهم مكة، وبين سرف ومكة قيل ستة أميال، وقيل سبعة، وقيل تسعة، وقيل عشرة، وقيل اثنا عشر ميلًا، وفي رواية أبي الزبير عن جابر عند مسلم أن دخول النبي ﷺ عليها وشكواها ذلك له كان يوم التروية (٣)، ووقع عند مسلم من طريق مجاهد عن عائشة أن طهرها كان بعرفة (٤)، وفي رواية القاسم عنها طهرت صبيحة ليلة عرفة، وأنها تطهرت بمنى (٥) واتفقت الروايات كلها على أنها طافت طواف الإفاضة يوم النحر ويرد على هذا أن النبي ﷺ أمر الناس بأن يرفضوا الحج إلى العمرة بمكة، وقد روى عنها القاسم وعمرة والأسود (٦) أنهم لم يكونوا يعرفون غير الحج عند من أهلوا من الميقات حتى أمرهم النبي ﷺ بالتحلل، وهذا

стр. 1958

حيضها كان بسرف (١)، وأجيب عن ذلك بأنه روى عروة وجابر وطاوس ومجاهد عنها (٢) أنها كانت محرمة بعمرة عند إن حاضت، ورواته هو الأرجح من حيث إن فيهم جابرًا، وهو حاضر وقت ذلك، والجواب أنه لا مخالفة حينئذ بين الروايات، فإن النبي ﷺ كان خيرهم وهم بسرف بين البقاء على الحج وفسخه إلى العمرة، ثم أمرهم أمرًا جازمًا بعد دخوله إلى مكة بعائشة لشدة فهمها لما قصده النبي ﷺ وإدراكها لجودة فطنتها ونور بصيرتها ما ينتهى إليه الأمر من العزيمة بذلك سارعت برفض الحج والإحرام بالعمرة وهي بسرف ظاهرًا وعزمت على الطواف والسعي ثم حصل معها المانع من التحلل وخشيت فوات الحج فأمرها برفض العمرة أي تأخير أعمالها عن أعمال الحج، والإحرام بالحج، وبهذا التأويل يندفع الإشكال وتلتئم الأحاديث التي ظاهرها الاختلاف، وفي هذه القصة دلالة على أن المتمتعة والقارنة إذا رفضتا العمرة التي بعد الحج فهما باقيتان على حكمهما، وأن ذلك تأخير لا رفض في الحقيقة، وظاهر قصة عائشة أنه لا يجب الدم إذ لم يذكر في شيء من الروايات أنه أمرها بالدم، والله أعلم. ٦٠٩ - وعن ابن عباس ﵁ "أن النبي ﷺ لم يرمل في السبع التي أفاض فيه" رواه الخمسة إلا الترمذي وصححه الحاكم (٣).

стр. 1959

وفي معناه حديث ابن عمر في الصحيحين "رأيت رسول الله ﷺ إذا طاف في الحج والعمرة أول ما قدم فإنه يسعى ثلاثة أشواط بالبيت ويمشي أربعًا" (١). والحديث فيه دلالة على أنه لا يشرع الرمل في طواف الزيارة، وهو مذهب الجمهور، وفي أحد قولي الشافعي أنه إذا لم يرمل في طواف القدوم أو لم يضطبع فيه فعل ذلك في طواف الإفاضة، والجواب أنه لا دليل على ذلك فيقتصر على الدليل، والسُّبُع بضمتين والإسكان تخفيف جزء من سبعة أجزاء والجمع أَسْبَاع، وفيه لغة ثالثة سَبِيع مثل كريم كذا في المصباح. ٦١٠ - وعن أنس ﵁ "أن النبي ﷺ صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء ورقد رقدة بالمحصب ثم ركب إِلى البيت فطاف به" رواه البخاري (٢). الحديث فيه دلالة على أنه يشرع فعل الصلوات المذكورة والنزول بالمحصب والمحصب بحاء وصاد مهملتين ثم باء موحدة هو: الأبطح، وهو ما انبطح من الوادي واتسع، وهو خيف بني كنانة، وأصل الخيف ما انحدر عن الجبل وارتفع عن المسيل، وحده ما بين الجبلين إلى المقبرة، والنبي ﷺ رمى الجمار في يوم النفر بعد الزوال، وأخر صلاة الظهر حتى وصل المحل المذكور فصلى فيه، واختلف في التحصيب هل هو مستحب فعله النبي ﷺ لأجل ذلك، أو هو غير مستحب وفعله النبي

стр. 1960

- ﷺ اتفاقًا أو لغرض آخر غير الاستحباب فذهب إلى أنه سنة ابن عمر قال نافع: "وقد حصب رسول الله ﷺ والخلفاء بعده، وأراد (أ) ابن عمر التأسي بالنبي ﷺ في جميع أفعاله، وهذا من جملتها، وذهب ابن عباس وعائشة إلى أنه ليس من المناسك المستحبة، ولعلهما أرادا أنه ليس من المناسك التي تلزم في تركها لازم لا أنه لا يقتدي بالنبي ﷺ في ذلك، وإن كان ظاهر كلام ابن عباس في قوله "ليس التحصيب بشيء إنما هو منزل نزله رسول الله ﷺ " (١)، وقول عائشة "والله ما نزلها إلا من أجلي" (٢) إن ذلك ليس بمستحب، وإنما هو من ضروريات الجبلة التي لا يتأسى فيها، ولكنه يرد عليهما اعتياد الخلفاء لذلك (٣)، فإنه لولا فهم الشرعية لما واظبوا على ذلك، ولأبانوا للناس أنه ليس بمشروع، وذهب مالك والشافعي والجمهور إلى استحبابه، وأنه لا شيء على تركه إجماعًا، والله أعلم. ٦١١ - وعن عائشة ﵂ "أنها لم تكن تفعل ذلك -أي النزول بالأبطح- وتقول: إنما نزل رسول الله ﷺ لأنه كان منزلًا أسمح لخروجه" رواه مسلم (٤). قولها "أسمح" أي أسهل لخروجه من مكة راجعًا إلى المدينة وقيل إن الحكمة في نزوله ﷺ إظهار لشكر نعمة الله -تعالى- عليه، وعلى

стр. 1961

المؤمنين حيث أظهره على عدوه وأتم له نوره ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، فإن خيف بني كنانة هو المحل الذي تقاسم قريش وتعاهدوا على إخراج بني هاشم وبني المطلب من مكة إليه وكتبوا بينهم الصحيفة المشهورة وكتبوا أنواعًا من الباطل وقطيعة الرحم فأرسل الله -تعالى- الأرضة فأكلت كل ما فيها من كفر وقطيعة رحم وباطل وتركت ما فيه من ذكر الله -تعالى- فأخبر جبريل النبي ﷺ بذلك فأخبر به عمه أبا طالب فجاء إليهم أبو طالب فأخبرهم عن النبي ﷺ فوجدوه كما أخبر، والقصة مشهورة، ومن هذا يؤخذ الاستحباب لنزوله إذ النعمة عامة للأمة إلى يوم القيامة. ٦١٢ - وعن ابن عباس ﵁ قال: "أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إِلا أنه خفف على الحائض" متفق عليه (١). قوله "أمر" بتغيير الصيغة كذا في رواية عبد الله بن طاوس والمراد بالفاعل المحذوف هو النبي، ﷺ ، وكذا قوله "خفف على الحائض". وقد رواه سفيان أيضًا عن سليمان الأحول عن طاوس وصرح فيه بالرفع ولفظه عن ابن عباس كان الناس ينصرفون في كل وجه، فقال رسول الله ﷺ "لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت" أخرجه مسلم وأحمد (٢) وهذا يدل على وجوب طواف الوداع، وقد قال به الجمهور من السلف والخلف، وذهب إليه الهادي وأبو حنيفة والشافعي وأحمد، والخلاف في ذلك للناصر ومالك وابن المنذر، وقول للشافعي قالوا: لأنه

стр. 1962

لو كان واجبًا لما خفف عن الحائض كغيره من سائر المناسك، والجواب أن التخفيف دليل الوجوب إذ لو كان غير واجب لما أطلق عليه لفظ التخفيف، ومن ودع ثالث النحر أجزأه إجماعًا إن نفر، ومذهب الهادوية والشافعي لا يجزئ التوديع يوم النحر لقوله ﷺ "فإنه آخر نسك في الحج" ولم يكن حينئذٍ آخر نسك ويلزم على هذا أن لا يصح في ثاني النحر. وقال العثماني من أصحاب الشافعي: إنه يجزئ يوم النحر إذ هو مشروع للمفارقة وهذا قد فارق، والجواب أنه مشروع بعد استيفاء المناسك ولو بقي بعد أن طاف، واشتغل بشراء زاد أو صلاة جماعة لم يعده، وذهب عطاء إلى أنه يعيده، وقال الشافعي وأحمد إذا أقام بعده لتمريض أو نحوه أعاده، قلنا إن أقام أيامًا. وقال أبو حنيفة: لا يعيد ولو أقام شهرين ولا يلزم المعتمر لفعل علي وابن عمر وعائشة. ولأن الدليل لم يرد إلا في الحاج، وقال الثوري يجب على المعتمر وإلا لزمه دم، وكذا لا يلزم من فسد حجه إذ شرع للمفارقة وهو يجب عليه العَوْد، وكذا المكي ومن ميقاته داره إذ هو للتوديع وهما مقيمان، وكذا من أراد الإقامة بمكة. وقوله "إِلا أنه خفف على الحائض" فيه دلالة على عدم وجوبه عليها وأنه لا يجب الانتظار حتى تطهر ولا دمَ عليها إذ الظاهر أنه ساقط من أصله، وقد ذهب إلى هذا الجمهور من السلف والخلف، والخلاف مروي عن عمر وابنه وزيد بن ثابت. قال ابن المنذر: قال عامة فقهاء الأمصار: ليس على الحائض التي قد أفاضت طواف وداع روينا عن عمر بن الخطاب، وابن عمر، وزيد بن ثابت أنهم أمروها بالمقام إذا كانت حائضًا لطواف الوداع فكأنهم أوجبوه

стр. 1963

عليها بعد طواف الإفاضة إذ لو حاضت قبله لم يسقط عنها، وقد ثبت رجوع ابن عمر وزيد بن ثابت ﵄، وبقي عمر فخالفناه لثبوت حديث عائشة قالت: "حاضت صفية بنت حيي بعدما أفاضت قالت فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: أحابستنا هي؟ قلت: يا رسول الله إنها قد أفاضت وطافت بالبيت ثم حاضت بعد الإفاضة، قال: فلتنفر إذًا" (١) انتهى. وقد أخرج أبو داود أن الحارث بن عبد الله بن أوس (أ) الثقفي سأل عمر عن المرأة تطوف بالبيت يوم النحر ثم تحيض قال: "ليكن آخر عهدها بالبيت" فقال الحارث: كذلك أفتاني رسول الله ﷺ (٢). وقد أخرجه أحمد والنسائي والطحاوي (٣)، وقال الطحاوي: وحديث عائشة وحديث أم سليم، وكذا حديث ابن عباس ناسخ لهذا إن كان هذا في حجة الوداع، وقد احتج ابن عباس على زيد بن ثابت وقال: سل أم سليم وصواحبها هل أمرهن رسول الله ﷺ بذلك فسألهن، فقلن: قد أمرنا رسول الله ﷺ بذلك (٤)، وللنسائي "فرجع وهو يضحك، فقال الحديث كما حدثتني". ٦١٣ - وعن ابن الزبير ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إِلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من صلاة في مسجدي

стр. 1964

بمائة صلاة". رواه أحمد وصححه ابن حبان (١). وأخرجه بهذا اللفظ أيضًا الطيالسي وعَبْد بن حميد وابن زنجويه وابن خزيمة والطحاوي والطبراني في الكبير والبيهقي في شعب الإيمان والضياء. وقد اختلف عن ابن الزبير في رفعه ووقفه، قال ابن عبد البر (٢): ومن رفعه أحفظ. ومثله لا يقال من قبل الرأي. قال ابن حزم (٣): ورواه ابن الزبير عن عمر بن الخطاب بسند كالشمس من الصحة، ولا مخالف لهما من الصحابة فصار كالإجماع، وقد روي بألفاظ كثيرة عن جماعة من الصحابة وعددهم فيما اطلعت خمسة عشر صحابيًا وهم: أنس، وجابر، وابن عمر، وأبو هريرة، وأبو الدرداء، وأم الدرداء، وعائشة، وابن الزبير، وجبير بن مطعم، وميمونة أم المؤمنين، وسعد بن أبي وقاص، والأرقم، وأبو سعيد، وأبو ذر، وعمر بن الخطاب، والألفاظ فيها اختلاف ولنذكر الألفاظ الواردة وهي: "صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام" أخرجه الطيالسي وأحمد وابن أبي شيبة وابن منيع والروياني وابن خزيمة والطبراني في الكبير وأبو نعيم والضياء عن جبير بن مطعم (٤). وابن أبي شيبة والطيالسي وأحمد ومسلم وابن ماجه والنسائي عن

стр. 1965

ابن عمر (١). وأحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن حبان عن أبي هريرة (٢). وابن أبي شيبة ومسلم والنسائي عن ابن عباس عن ميمونة أم المؤمنين (٣). وأحمد وأبو يعلى والضياء عن سعد بن أبي وقاص (٤). والشيرازي في "الألقاب" عن عبد الرحمن بن عوف. وابن أبي شيبة عن عائشة (٥). وأحمد وأبو عوانة والطبراني في الكبير والحاكم والبارودي وابن قانع والضياء عن يحيى بن عيزار عن عثمان بن الأرقم الأرقمي عن عمه عبد الله بن عثمان، وعن أهل بيته عن جده عثمان بن الأرقم عن الأرقم
следующие страницы →