← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17747

البدر التمام شرح بلوغ المرام ت الزبن

الحسين بن محمد المغربي

Полный текст (4 458 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.

стр. 1961

المؤمنين حيث أظهره على عدوه وأتم له نوره ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، فإن خيف بني كنانة هو المحل الذي تقاسم قريش وتعاهدوا على إخراج بني هاشم وبني المطلب من مكة إليه وكتبوا بينهم الصحيفة المشهورة وكتبوا أنواعًا من الباطل وقطيعة الرحم فأرسل الله -تعالى- الأرضة فأكلت كل ما فيها من كفر وقطيعة رحم وباطل وتركت ما فيه من ذكر الله -تعالى- فأخبر جبريل النبي ﷺ بذلك فأخبر به عمه أبا طالب فجاء إليهم أبو طالب فأخبرهم عن النبي ﷺ فوجدوه كما أخبر، والقصة مشهورة، ومن هذا يؤخذ الاستحباب لنزوله إذ النعمة عامة للأمة إلى يوم القيامة. ٦١٢ - وعن ابن عباس ﵁ قال: "أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إِلا أنه خفف على الحائض" متفق عليه (١). قوله "أمر" بتغيير الصيغة كذا في رواية عبد الله بن طاوس والمراد بالفاعل المحذوف هو النبي، ﷺ ، وكذا قوله "خفف على الحائض". وقد رواه سفيان أيضًا عن سليمان الأحول عن طاوس وصرح فيه بالرفع ولفظه عن ابن عباس كان الناس ينصرفون في كل وجه، فقال رسول الله ﷺ "لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت" أخرجه مسلم وأحمد (٢) وهذا يدل على وجوب طواف الوداع، وقد قال به الجمهور من السلف والخلف، وذهب إليه الهادي وأبو حنيفة والشافعي وأحمد، والخلاف في ذلك للناصر ومالك وابن المنذر، وقول للشافعي قالوا: لأنه

стр. 1962

لو كان واجبًا لما خفف عن الحائض كغيره من سائر المناسك، والجواب أن التخفيف دليل الوجوب إذ لو كان غير واجب لما أطلق عليه لفظ التخفيف، ومن ودع ثالث النحر أجزأه إجماعًا إن نفر، ومذهب الهادوية والشافعي لا يجزئ التوديع يوم النحر لقوله ﷺ "فإنه آخر نسك في الحج" ولم يكن حينئذٍ آخر نسك ويلزم على هذا أن لا يصح في ثاني النحر. وقال العثماني من أصحاب الشافعي: إنه يجزئ يوم النحر إذ هو مشروع للمفارقة وهذا قد فارق، والجواب أنه مشروع بعد استيفاء المناسك ولو بقي بعد أن طاف، واشتغل بشراء زاد أو صلاة جماعة لم يعده، وذهب عطاء إلى أنه يعيده، وقال الشافعي وأحمد إذا أقام بعده لتمريض أو نحوه أعاده، قلنا إن أقام أيامًا. وقال أبو حنيفة: لا يعيد ولو أقام شهرين ولا يلزم المعتمر لفعل علي وابن عمر وعائشة. ولأن الدليل لم يرد إلا في الحاج، وقال الثوري يجب على المعتمر وإلا لزمه دم، وكذا لا يلزم من فسد حجه إذ شرع للمفارقة وهو يجب عليه العَوْد، وكذا المكي ومن ميقاته داره إذ هو للتوديع وهما مقيمان، وكذا من أراد الإقامة بمكة. وقوله "إِلا أنه خفف على الحائض" فيه دلالة على عدم وجوبه عليها وأنه لا يجب الانتظار حتى تطهر ولا دمَ عليها إذ الظاهر أنه ساقط من أصله، وقد ذهب إلى هذا الجمهور من السلف والخلف، والخلاف مروي عن عمر وابنه وزيد بن ثابت. قال ابن المنذر: قال عامة فقهاء الأمصار: ليس على الحائض التي قد أفاضت طواف وداع روينا عن عمر بن الخطاب، وابن عمر، وزيد بن ثابت أنهم أمروها بالمقام إذا كانت حائضًا لطواف الوداع فكأنهم أوجبوه

стр. 1963

عليها بعد طواف الإفاضة إذ لو حاضت قبله لم يسقط عنها، وقد ثبت رجوع ابن عمر وزيد بن ثابت ﵄، وبقي عمر فخالفناه لثبوت حديث عائشة قالت: "حاضت صفية بنت حيي بعدما أفاضت قالت فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: أحابستنا هي؟ قلت: يا رسول الله إنها قد أفاضت وطافت بالبيت ثم حاضت بعد الإفاضة، قال: فلتنفر إذًا" (١) انتهى. وقد أخرج أبو داود أن الحارث بن عبد الله بن أوس (أ) الثقفي سأل عمر عن المرأة تطوف بالبيت يوم النحر ثم تحيض قال: "ليكن آخر عهدها بالبيت" فقال الحارث: كذلك أفتاني رسول الله ﷺ (٢). وقد أخرجه أحمد والنسائي والطحاوي (٣)، وقال الطحاوي: وحديث عائشة وحديث أم سليم، وكذا حديث ابن عباس ناسخ لهذا إن كان هذا في حجة الوداع، وقد احتج ابن عباس على زيد بن ثابت وقال: سل أم سليم وصواحبها هل أمرهن رسول الله ﷺ بذلك فسألهن، فقلن: قد أمرنا رسول الله ﷺ بذلك (٤)، وللنسائي "فرجع وهو يضحك، فقال الحديث كما حدثتني". ٦١٣ - وعن ابن الزبير ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إِلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من صلاة في مسجدي

стр. 1964

بمائة صلاة". رواه أحمد وصححه ابن حبان (١). وأخرجه بهذا اللفظ أيضًا الطيالسي وعَبْد بن حميد وابن زنجويه وابن خزيمة والطحاوي والطبراني في الكبير والبيهقي في شعب الإيمان والضياء. وقد اختلف عن ابن الزبير في رفعه ووقفه، قال ابن عبد البر (٢): ومن رفعه أحفظ. ومثله لا يقال من قبل الرأي. قال ابن حزم (٣): ورواه ابن الزبير عن عمر بن الخطاب بسند كالشمس من الصحة، ولا مخالف لهما من الصحابة فصار كالإجماع، وقد روي بألفاظ كثيرة عن جماعة من الصحابة وعددهم فيما اطلعت خمسة عشر صحابيًا وهم: أنس، وجابر، وابن عمر، وأبو هريرة، وأبو الدرداء، وأم الدرداء، وعائشة، وابن الزبير، وجبير بن مطعم، وميمونة أم المؤمنين، وسعد بن أبي وقاص، والأرقم، وأبو سعيد، وأبو ذر، وعمر بن الخطاب، والألفاظ فيها اختلاف ولنذكر الألفاظ الواردة وهي: "صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام" أخرجه الطيالسي وأحمد وابن أبي شيبة وابن منيع والروياني وابن خزيمة والطبراني في الكبير وأبو نعيم والضياء عن جبير بن مطعم (٤). وابن أبي شيبة والطيالسي وأحمد ومسلم وابن ماجه والنسائي عن

стр. 1965

ابن عمر (١). وأحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن حبان عن أبي هريرة (٢). وابن أبي شيبة ومسلم والنسائي عن ابن عباس عن ميمونة أم المؤمنين (٣). وأحمد وأبو يعلى والضياء عن سعد بن أبي وقاص (٤). والشيرازي في "الألقاب" عن عبد الرحمن بن عوف. وابن أبي شيبة عن عائشة (٥). وأحمد وأبو عوانة والطبراني في الكبير والحاكم والبارودي وابن قانع والضياء عن يحيى بن عيزار عن عثمان بن الأرقم الأرقمي عن عمه عبد الله بن عثمان، وعن أهل بيته عن جده عثمان بن الأرقم عن الأرقم

стр. 1966

"صلاة في مسجدي هذا تعدل ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام فهو أفضل" (١). أخرجه البيهقي وابن زنجويه عن ابن عمر: "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه". أخرجه أحمد وابن ماجه والطحاوي والشاشي وابن زنجويه والضياء عن جابر: "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام، فإني آخر الأنبياء، إن (أ) مسجدي آخر المساجد" (٢). أخرجه مسلم والنسائي عن أبي هريرة "صلاة في هذا المسجد أفضل من مائة صلاة في غيره إلا المسجد الحرام" (٣). أخرجه أبو يعلى والطحاوي وابن حبان والضياء عن أبي سعيد: "صلاة في مسجدي تزيد على سواه من المساجد ألف صلاة غير المسجد الحرام". أخرجه الطبراني في الكبير عن جبير بن مطعم "صلاة في مسجدي هذا أفضل من أربع صلوات في بيت المقدس ولنعم المصلى، وليوشكن أن يكون للرجل (ب) مثل بسط فرشه من الأرض حيث يرى منه بيت المقدس

стр. 1967

خير له من الدنيا جميعًا" (١). أخرجه الحاكم عن أبي ذر: "صلاة في مسجد المدينة أفضل من ألف صلاة فيما سواه" (٢). الطحاوي عن عمر. "صلاة في مسجدي أفضل من أربع صلوات في بيت المقدس، ولنعم المصلى في أرض المحشر والمنشر، وليأتين على الناس زمان ولقيد سوط الرجل حيث يرى منه بيت المقدس خير له من الدنيا جميعًا" أخرجه البيهقي في شعب الإيمان عن أبي ذر (٣). "صلاة في المسجد الحرام مائة ألف صلاة، وصلاة في مسجدي ألف صلاة وصلاة في بيت المقدس خمسمائة صلاة" أخرجه البيهقي في شعب الإيمان، والخطيب في المتفق والمفترق عن جابر (٤)، وفيه إبراهيم بن أبي حية واهٍ. وأخرج حديث أبي الدرداء أحمد والطبراني في الكبير بسند حسن. وحديث أم الدرداء أخرجه ابن عساكر في الإيجاز. ولفظ حديث أبي الدرداء "الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، والصلاة في مسجدي بألف صلاة، والصلاة في بيت المقدس بخمسمائة صلاة" (٥). وحديث أنس لفظه: "صلاة الرجل في بيته بصلاة، وصلاته في

стр. 1968

مسجد القبائل بخمس وعشرين صلاة، وصلاة في المسجد الذي يجمع فيه بخمسمائة صلاة، وصلاته في المسجد الأقصى خمسة آلاف صلاة، وصلاته في مسجدي هذا بخمسين ألف صلاة، وصلاته في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة" أخرجه ابن ماجه وابن زنجويه وابن عدي وابن عساكر، وإسناده ضعيف (١). وهذه الأحاديث وإن كان في بعضها ضعف، ولكنها يقوي بعضها بعضًا، دالة بمجموعها على قدر مشترك، وهي أفضلية المساجد الثلاثة على غيرها من مساجد الأرض وتفاضلها فيما بينها، وأكثر هذه الألفاظ المتقدمة تدل على أفضلية مكة، فإن الظاهر أن أفضلية المسجد لأفضلية المحل (٢). قال القاضي عياض -رحمه الله تعالى (٣) -: إن موضع قبره ﷺ أفضل بقاع الأرض، وإن مكة والمدينة أفضل بقاع أرض. واختلفوا في أفضلهما ما عدا موضع قبره ﷺ فقال أهل مكة والكوفة والشافعي وابن وهب وابن حبيب المالكيان إن مكة أفضل، ويحتج على ذلك بحديث عبد الله بن عدي بن الحمراء أنه سمع النبي ﷺ وهو واقف على راحلته بمكة يقول: "والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله (أ)، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت" رواه الترمذي

стр. 1969

والنسائي (١). قال الترمذي: وهو حديث حسن صحيح. وذهب عمر وبعض الصحابة ومالك وأكثر المدنيين إلى أن المدينة أفضل، وقد تقدم في هذا بحث في آخر الاعتكاف. واعلم أنه قد قيل في قوله في تفضيل مسجد النبي ﷺ على غيره من المساجد إن المساجد المراد بها المعهودة، وهي مساجد الأنبياء كما نقله الطبري عن أبي حاتم، فالألف واللام لمعهود، ويدل على قصد العهد ما وقع في حديث الأرقم لما ودع النبي ﷺ وقال إنه يريد بيت المقدس، فأجاب عليه بأن (أ) الصلاة في مسجده تزيد على غيره بألف (٢) فدل على أنه ﷺ قصد بالغير بيت القدس، فعلى هذا فالعدد المذكور في زيادة الصلاة في مسجده إنما هو بالنظر إلى القدر الذي فضل به صلاة بيت المقدس مثلًا، وقد ذكر في ذلك ألفاظ مختلفة إن الصلاة في بيت المقدس بخمسمائة، وإن الصلاة فيه بألف، وإن الصلاة فيه بخمسة آلاف ولا منافاة في العدد القليل والكثير إذ الواجب اطراح مفهوم العدد والعمل بالمصرح به (ب)، فيتعين الأكثر، فحيئنذٍ الصلاة في مسجد المدينة تزيد على الصلاة في بيت المقدس بألف صلاة وهي في بيت المقدس بخمسة آلاف فتكون الصلاة في مسجد المدينة بخمسين ألفًا يعني

стр. 1970

إذا كانت في بيت المقدس بخمسمائة لا (أ) إذا كانت في بيت المقدس بخمسة آلاف، والصلاة في المسجد الحرام تزيد عليه بمائة صلاة فتكون بخمسمائة ألف ألف صلاة، والفضيلة متناولة للمسجد الكائن في زمنه ﷺ بلا شك. قال النووي (١): ويقتصر عليه دون ما زيد فيه فلا يكون له ذلك الحكم قال لقوله "في مسجدي" بالإضافة وهي للعهد إلا أنه قد يقال فائدة الإضافة الدلالة على اختصاصه دون غيره من سائر المساجد التي في المدينة لا للاحتراز عما زيد فيه، وقد سئل مالك عن ذلك فيما قاله ابن نافع صاحبه فقال: بل هو يعني المسجد الذي جاء فيه الخبر على ما هو عليه الآن لأن (ب) النبي ﷺ أخبر بما يكون بعده، وزويت له الأرض فأري مشارقها ومغاربها، وتحدّث بما يكون بعده، ولولا هذا لما استخار الخلفاء الراشدون أن يزيدوا فيه بحضرة الصحابة، ولم ينكر عليهم منكر، انتهى (٢). ويشهد له ما رواه ابن أبي شيبة ويحيى والديلمي في مسند الفردوس عن أبي هريرة مرفوعًا "لو مد هذا المسجد إلى صنعاء كان مسجدي" زاد ابن أبي شيبة ويحيى، وكان أبو هريرة يقول "لو مد هذا المسجد إلى باب داري ما عَدوت أن أصلى فيه"، وفي سنده عبد الله بن سعيد المقبري وهو واهٍ (٣). وليحيى: حدثنا هارون بن موسى الفروي عن عمر بن أبي بكر

стр. 1971

الموصلي عن ثقات من علمائه مرفوعًا: "هذا مسجدي، وما زيد فيه فهو منه، ولو بلغ مسجدي صنعاء كان مسجدي" وهو معضل. وله ولابن أبي شيبة عن ابن أبي عمرة قال "زاد عمر بن الخطاب في المسجد من شاميه ثم قال: لو زدنا فيه حتى يبلغ به الجبانة كان مسجد رسول الله ﷺ ". وزاد يحيى: "وخبأه الله بعامر" وفيه عبد العزيز بن عمران المدني متروك (١). ولهما عن ابن أبي ذئب -وهو محمد بن عبد الرحمن الفقيه المشهور- قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: "لو مُدَّ مسجد النبي ﷺ إلى ذي الحليفة لكان هو منه" وهو معضل أيضًا، لكن ينجبر ذلك بما أشار إليه مالك، وقد سلم النووي عموم المضاعفة لما زيد في المسجد الحرام. قال الشيخ تقي الدين بن تيمية: وهو الذي يدل عليه كلام المتقدمين وعملهم وكان الأمر عليه في زمن عمر وعثمان فزادا في قبلة المسجد وكان مقامهما في الصلوات والصف الأول الذي هو أفضل ما يقام به في الزيادة قال: وما بلغني عن أحد من السلف خلاف هذا، وما علمت سلفًا (أ) لمن خالف من المتأخرين، ونقل البرهان ابن فرحون أنه لم يخالف في ذلك إلا النووي وأن المحب الطبري (ب في الأحكام ب) نقل رجوعه عن

стр. 1972

ذلك. وفيه نظر فقد نقل ابن الجوزي الخلاف في ذلك عن ابن عقيل الحنبلي، والذي في الأحكام للطبري في بيان أن المضاعفة تعم ما زيد في المسجد النبوي بعد ذكر بعض الأخبار والآثار السابقة، وقد يتوهم بعض من لم يبلغه ذلك قصر الفضيلة على الموجود في زمنه ﵁، وقد وقع ذلك لبعض أئمة العصر فلما رويت له ما سبق جنح إليه وتلقاه بالقبول. انتهى. قال (أ) النووي (١): والمضاعفة المذكورة تعم الفرض والنفل خلافًا للطحاوي وغيره من المالكية، ولا ينافي ذلك تفضيل للنفل بالبيت لحديث "أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة" إذ غايته أن للمفضول مزية هي المضاعفة ليست للفاضل، ومزية الفاضل أرجح منها كما قاله الزركشي وغيره، وقال المصنف -رحمه الله تعالى (٢): يمكن إبقاء حديث "أفضل صلاة المرء" على عمومه فتكون النافلة في بيته بالمدينة أو مكة تضاعف على صلاتها في البيت بغيرهما، وكذا في المسجدين وإن كانت في البيوت أفضل مطلقًا والتضعيف المذكور يرجع إلى الثواب لا إلى (ب) الإجزاء عما في الذمة من المقضيات إجماعًا خلاف ما يوهمه قول النقاش: "حسبت الصلاة بالمسجد الحرام فبلغت صلاة واحد به عُمِّر (جـ) خمس وخمسين سنة وستة أشهر وعشرين ليلة" انتهى (د).

стр. 1973

والمراد بالمسجد الحرام الكعبة فقط عند العمراني وجماعة إلا أن المرجح خلافه، ويدل للأول ما تقدم أن الألف واللام للمساجد المعهودة وهي مساجد الأنبياء وقرن الكعبة بالمسجد النبوي في الحديث، ورواية النسائي وغيره للحديث: "إلا مسجد الكعبة" بدل المسجد الحرام، ورواية يحيى إلا الكعبة. وقال الإمام الهدي في "البحر": ولو قيل إنه المسجد لصح إن لم (أ) يمنع منه إجماع مع أنه لا إجماع إذ قد ذكره في الكشاف والحاكم صاحب التفسير المسمى بالتهذيب، وفي الصحيحين أيضًا أنه قال ﷺ "بينا أنا في المسجد الحرام في الحِجْر بين النائم واليقظان أتاني جبريل بالبراق" (١) ففيه دلالة على أن المسجد الحرام هو محل الصلاة حول الكعبة، أو (ب) المراد به الحَرَم المحرم كما تقدم في حديث: "لا تشد الرحال ... " الحديث، ثم إن هذا التضعيف لا يختص بالصلاة كما صرح بمثله في مكة قال في "الإحياء" (٢): "والأعمال في المدينة تتضاعف" وذكر حديث "صلاة في مسجدي بألف صلاة فيما سواه" ثم قال: "فكذلك كل عمل بالمدينة بألف". وصرح به أيضًا أبو سليمان داود الشاذلي من المالكية، ويشهد له ما

стр. 1974

روى البيهقي (أ) عن جابر مرفوعًا: "الصلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، والجمعة في مسجدي هذا أفضل من ألف جمعة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وشهر رمضان في مسجدي هذا أفضل مِنْ ألف شهر رمضان فيما سواه إلا السجد الحرام" (ب)، وعن ابن عمر نحوه. وللطبراني في الكبير عن بلال بن الحارث (١) مرفوعًا: "رمضان بالمدينة خير من ألف رمضان فيما سواها من البلدان، وجمعة بالمدينة خير من ألف جمعة فيما سواها من البلدان" وهو في (جـ) شرف المصطفى ﵇، ولابن الجوزي عن ابن عمر إلا أنه قال: "كصيام ألف شهر" وقال "كألف صلاة فيما سواها" وضعف هذه الأحاديث ينجبر بالقياس على الصلاة. وذكر المصنف -رحمه الله تعالى- هذا الحديث في هذا الباب لدلالته على فضيلة مكة المشرفة التي هي محل (د) لمناسك الج، وإن كان الأنسب ذكر مثل هذا في كتاب الصلاة. واشتمل هذا الباب (هـ) على سبعة وثلاثين حديثًا.

стр. 1975

باب الفوَات والإحصَار ٦١٤ - عن ابن عباس ﵁ قال: "قد أُحْصِرَ رسول الله ﷺ فحلق وجامع نساءه ونحر هديه حتى اعتمر عامًا قابلًا" رواه البخاري (١). الحديث قاله ابن عباس جوابًا، وقد أخرج ابن السكن (أ) في كتاب "الصحابة" (٢) قال حدثني هارون بن عيسى الصنعاني عن محمد بن إسحاق أحد شيوخ مسلم ثنا يحيى بن صالح ثنا معاوية بن سلام عن يحيى بن أبي كثير قال: سألت عكرمة فقال: قال عبد الله بن رافع مولى أم سلمة: أنا سألت الحجاج بن عمرو الأنصاري عن مَنْ حبس وهو محرم فقال: قال رسول الله ﷺ : "منْ عرج أو كسر أو حبس فلينحر مثلها، وهو في حل" قال فحدث به أبا هريرة فقال: صدق، وحدثته (ب) ابن عباس فقال: "قد أحصر رسول الله ﷺ " الحديث المذكور هنا، ولم يذكر البخاري القصة لأن هذا الزائد ليس على شرطه لأنه قد اختلف في حديث الحجاج بن عمرو على يحيى بن أبي كثير عن عكرمة مع كون عبد الله بن رافع ليس من شرط البخاري. وأخرجه أصحاب السنن وابن خزيمة والدارقطني والحاكم من طرق عن

стр. 1976

الحجاج (١). ووقع في رواية يحيى القطان وغيره في سياقه سمعت الحجاج، وأخرجه أبو داود والترمذي من طريق معمر عن يحيى وغيره في سياقه سمعت الحجاج. وأخرجه أبو داود عن عكرمة عن عبد الله بن رافع عن الحجاج. قال الترمذي: "وتابع معمرًا على زيادة عبد الله بن رافع معاوية بن سلام، سمعتُ محمدًا -يعني البخاري- يقول: رواية معمر ومعاوية أصح" (٢) انتهى. وما تركه البخاري ليس بعيدًا من الصحة فإنه إن كان عكرمة سمعه من الحجاج بن عمرو فذاك وإلا فالواسطة بينهما -وهو عبد الله بن رافع- ثقة، وإن كان البخاري لم يخرج له. وهذا الحديث يدل على شرعية التحلل عند الإحصار وإهداء الهدي كما فعل النبي ﷺ . واعلم أن العلماء اختلفوا في تفسير الإحصار في اللغة، فالمشهور عن أكثر أهل اللغة منهم الأخفش والكسائي والفراء وأبو عبيدة وأبو عبيد وابن السكيت وثعلب وغيرهم أن الإحصار يكون بالمرض والخوف والعجز ونحوها، وأما بالعدو فهو الحصر قال الله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا

стр. 1977

فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (١)، وقال ابن ميادة: وما هجر ليلى أن تكون تباعدت ... عليك ولا أن أحصرتك شُغُول (أ) ويقال حصر إذا حبسه عدو عن المضي أو سجن، ومنه قيل للمَحْبَس الحصير والملك الحصير لأنه محجوب هذا هو الأكثر في كلامهم وقال بعضهم: أحصر وأحصر بمعنى واحد وهو المنع في كل شيء مثل صده وأصده، وحكاه الزمخشري عن الفراء وأبي عمرو (ب) الشيباني، واختلفت أيضًا أقوال الصحابة. فقال كثير منهم: الإحصار من كل حابس يحبس الحاج من عدو ومرض وغير ذلك حتى أفتى ابن مسعود رجلًا لُدِغَ بأنه محصر، أخرجه ابن جريج بإسنادٍ صحيح عنه. وأخرج عبد بن حميد عنه، وعلقه البخاري في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ قال: "الإحصار من كل شيء يَحْبسه" (٢) قال المصنف (٣) -رحمه الله تعالى- وكذا رويناه في تفسير الثوري رواية أبي حذيفة عنه. وأخرج ابن المنذر (٤) عن ابن عباس نحوه ولفظه: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ قال: "من أحرم بحج أو عمرة ثم حُبس عن البيت بمرض يجهد أو عدو يحبسه فعليه ذبح ما استيسر من الهدي، فإنْ كانت حجة الإسلام فعليه قضاؤها، وإن كانت حجة بعد الفريضة فلا قضاء عليه". وقال آخرون:

стр. 1978

لا حصر إلا بالعدو، وصح ذلك عن ابن عباس: لا حصر إلا من حبسه عدو. (أوروى مالك في الموطأ أ) والشافعي عنه عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه قال: من حبس دون البيت بالمرض فإنه لا يحل حتى يطوف بالبيت (١). وروى مالك عن أبي أيوب عن رجل من أهل البصرة قال: "خرجتُ إلى مكة حتى إذا كنت بالطريق كُسِرَتْ فخذي فأرسلت إلى مكة وبها عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر والناس فلم يرخص لي (ب) أحد في أن أحل فأقمت على ذلك أليمًا (٢) تسعة أشهر ثم حللت بعمرة" (٣). وأخرجه ابن جرير من طرق وسمى الرجل يزيد بن عبد الله بن الشخير. واختلف العلماء أيضًا في ذلك، فذهب العترة وأبو حنيفة وأصحابه والنخعي وغيرهم من الكوفيين إلى أن الحصر يكون بالكسر والمرض والخوف، وهو منصوص عليه في الحديث المذكور، ويدل عليه عموم قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ ...﴾ (٤) فإن الآية الكريمة وإن وردت في سبب خاص وهو إحصار النبي ﷺ وكان ذلك بحصر العدو في عمرة الحديبية ولكنه لا يقصر العموم على سببه، ويقاس على ما نص عليه غير ذلك من سائر الأعذار المانعة، وذلك مثل اعتداد المرأة وانقطاعها عن المحرم، ومنع الزوج والسيد للمرأة والعبد حيث لهما المنع، وذهب مالك والشافعي

стр. 1979

وأحمد إلى أنه يوقف على الحال الذي وقع للنبيِّ ﷺ ونزلت الآية الكريمة فيه. قال الشافعي: جعل على الناس إتمام الحج والعمرة، وجعل التحلل للمحصر رخصة، وكانت الآية في شأن العدو، فلم نعد بالرخصة موضعها ولكن ظاهرة قولهم في العدو أنه يعم الكافر والبَاغي فقد تجاوزوا الحكم عن الكافر إلى الباغي، واقتصر ابن عباس على العدو الكافر وقوفًا على الواقع، وفي المسألة قول ثالث حكاه ابن جرير (أ) وغيره، وهو أنه لا حصر بعد النبي ﷺ وروى الموطأ عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه: "المحرم لا يحل حتى يطوف" أخرجه في باب ما يفعل من أحصر بغير عدو (١). وأخرج ابن جرير عن عائشة (٢) نحوه بإسناد صحيح، وعن ابن عباس (٣) بإسناد ضعيف. وروي ذلك عن عبد الله بن الزبير، وذهب مالك إلى أن الإحصار إنما يكون عن الحج بخلاف العمرة، لأن لها وقتًا لا يفوت والحج يفوت بفوات وقته. واحتج له إسماعيل القاضي بما أخرجه بإسناد صحيح عن أبي قلابة قال: "خرجت معتمرًا فوقعت عن راحلتي فانكَسَرتُ فأرسلت إلى ابن عباس وابن عمر ﵄ فقالا: ليس لها وقت كالحج يكون على إحرامه حتى يصل البيت". والجواب النص في العمرة واعتباره أولى من التعليل، ولذلك أن ابن

стр. 1980

عمر صرح (أ) بقياس الحج على العمرة وقال: "إنما أمرهما واحد فأحرم بالحج" (١) لما خاف أن يصد عن البيت وهو قياس ينفي الفارق من أقوى الأقيسة، ولعله يذهب إلى أن العموم يقصر على سببه فلم يحتج بقوله: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ ...﴾ (٢)، وقوله "فحلق وجامع" إلخ ظاهره أنه قدم الحلق والجماع على نحر الهدي باعتبار التقديم في الذكر مع أن الأمر ليس كذلك فإنه ﷺ نحر قبل أن يحلق كما أخرج البخاري من حديث الحديبية "فخرج فنحر بدنة، ودعا حالقه فحلق" ومن حديث ابن عمر "فنحر بدنة وحلق رأسه" ولكن العطف بالواو لا يدل على الترتيب، وإذا حلق قبل أن ينحر فعليه دم. وقد أخرج ذلك ابن أبي شيبة عن علقمة قال إبراهيم النخعي: وحدثني سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵁ مثله. وظاهر القصة أن الهدي واجب، وهو ظاهر الآية الكريمة، وهو قول الأكثر، وذهب مالك إلى أنه لا هدي عليه وقاسه على الخروج من الصوم للعذر. والجواب: أنه لا قياس مع ظهور الحجة من الحديث فإن في القصة أنه قال لأصحابه "قوموا فانحروا ثم احلقوا" فذكر فيه الحكم والسبب، فالسبب الحصر والحكم النحر فاقتضى الظاهر تعلق الحكم بذلك السبب، وكذا الآية الكريمة وهي: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (٢). وقوله: "حتى اعتمر قابلًا" فيه دلالة على أنه يجب قضاء ما تحلل

стр. 1981

عنه وهو في الفرض إجماع، وأما النفل فذهب العترة وأبو حنيفة وأصحابه إلى أنه يجب عليه القضاء، وقد أخرج الواقدي في المغازي من طريق الزهري ومن طريق أبي معشر وغيرهما قالوا: "أمر رسول الله ﷺ أصحابه ﵃ أن يعتمروا ولم يتخلف منهم إلا من قتل بخيبر أو مات، وخرج معه جماعة معتمرون ممن لم يشهد الحديبية فكانت عدتهم ألفين". وذهب ابن عباس وابن عمر وهو مذهب الشافعي ومالك وأحمد إلى أنه لا يلزم القضاء في النفل. وأخرج ابن جريج عن ابن عباس: فإن كانت حجة الإسلام فعليه قضاؤها وإن كانت غير الفريضة فلا قضاء عليه. وأخرج مالك بلاغًا (١) أن رسول الله ﷺ حل هو وأصحابه بالحديبية فنحروا الهدي وحلقوا رءوسهم وحلوا من كل شيء قبل أن يطوفوا بالبيت وقبل أن يصل إليه الهدي. ثم لم يعلم أن رسول الله ﷺ أمر أحدًا من أصحابه ولا من كان معه أن يقضوا شيئًا ولا أن يعودوا لشيءٍ. وقال الشافعي في الأم (٢) فحيثما أحصر ذبح وحل ولا قضاء عليه من قبل إن الله تعالى لم يذكر قضاء ثم قال: لأنا علمنا في متواطئ أحاديثهم أنه كان معه في عام الحديبية رجال معروفون ثم اعتمر عمرة القضية فخلف بعضهم بالمدينة من غير ضرورة في نفس ولا مال، ولو لزمهم القضاء لأمرهم بأن لا يتخلفوا عنه (٣) وقال في موضع، آخر:

стр. 1982

إنما سميت عمرة القضاء والقضية (١) للمقاضاة التي وقعت بين النبي ﷺ وبين قريش لا على أنه واجب قضاء تلك العمرة (٢). ويمكن الجمع بين ما أخرجه الواقدي وبين هذا أن الأمر كان على سبيل الاستحباب لأن الشافعي جازم بأن جماعة تخلفوا لغير عذر وترجيح رواية الشافعيِّ بأن جماعة معروفين تخلفوا في المدينة لأنه مثبت وقد روى الواقدي أيضًا من حديث ابن عمر قال: "لم تكن هذه العمرة قضاء ولكن كان شرطًا على قريش أن يعتمر الناس من قابل في الشهر الذي صدهها المشركون فيه. واعلم أنه اختلف العلماء في محل نحر الهدي للمحصر، فقال الجمهور: يذبح المحصر الهدي حيث يحل سواء كان في الحل أو في الحرم. وذهب أبو حنيفة وهو مذهب الهادي وغيره من أهل البيت أنه لا ينحره (أ) إلا في الحرم، وفصل آخرون وهو مذهب ابن عباس وهو إنه إن كان يستطيع أن يبعث به إلى الحرم وجب عليه ولم يحل حتى ينحره في محله، وإن كان لا يستطيع أن يبعث به نحره في محل الإحصار وسبب اختلافهم في هذا الحكم اختلافهم في المحل الذي نحر فيه ﷺ في الحديبية، وكان عطاء يقول: لم ينحر يوم الحديبية إلا في الحرم، ووافقه ابن إسحاق. وقال غيره من أهل المغازي إنما نحر في الحلِّ، والحديبية طرف الحرم هي على تسعة أميال من مكة. وروى يعقوب بن سفيان من طريق مجمع بن يعقوب عن أبيه قال:

стр. 1983

"لما حُبس رسول الله ﷺ وأصحابه نحروا بالحديبية وحلقوا وبعث الله ريحًا فحملت شعورهم فألقتها في الحرم". وقال ابن عبد البر في الاستذكار: فهذا يدل على أنهم حلقوا في الحل، ولكنه لا يدل على المقصود فإنه يجوز أن يكونوا أرسلوا بالهدي إلى الحرم ونحر فيه وحلقوا في الحل. وقد أخرج النسائي من حديث ناجية عن أبيه جندب الأسلمي قلت: يا رسول الله ابعث معي بالهدي حتى أنحره بالحرم ففعل. إلا أنه لا يدل على الوجوب. وظاهر القصة أن أكثرهم نحر في مكانه، وكانوا في الحل، وذلك دال على الجواز، واحتج الشافعي على أنه كان النحر في الحل بقوله تعالى: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ (١) وقد أخبر الله سبحانه - أنهم صدوهم عنه، والمحل عند أهل العلم الحرم. واختلف العلماء أيضًا في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (٢) فعند أبي حنيفة أن محله هو الحرم وأن المعنى حتى يعلموا أن الهدي المبعوث إلى الحرم بلغ إليه وذبح، وغيره على معنى حتى يصل هديكم محلًا يحل ذبحه فيه وهو مكان الحبس، فالآية الكريمة محتملة، ولكنه إذا ثبت أن النبي ﷺ أو أحدًا من أصحابه مع علمه بذلك أو أمره كما تقدم في قوله "قوموا فانحروا" نحر في الحل، فالمختار قول الجمهور، والله أعلم.

стр. 1984

(أفائدة: من سنن الهدي أن ينحر قيامًا لقوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ (١) وسيأتي في الذبائح زيادة بحث إن شاء الله تعالى أ). ٦١٥ - وعن عائشة ﵂ قالت: "دخل النبي ﷺ على ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب فقالت: يا رسول الله إِني أريد الحج وأنا شاكية، فقال النبي ﷺ حجي واشترطي أن محلي حيث حبستني" متفق عليه (٢). فيه دلالة على أن المحرم إذا اشترط في إحرامه ثم عرض له المرض أن له أن يتحلل، وقد ذهب إلى هذا عمر بن الخطاب وعلي وابن مسعود وآخرون من الصحابة ﵃ وجماعة من التابعين، وأحمد وإسحاق وأبو ثور، وهو الصحيح من مذهب الشافعي. وقال مالك وأبو حنيفة وبعض التابعين، وهو مذهب الهادي وغيره من الأئمة أنه لا يصح الاشتراط، وحملوا الحديث على أنها قصة غير مخصوصة، أو أنه كان واجبًا ثم نسخ. وقد روي النسخ عن ابن عباس، لكن في إسناده الحسن بن عمارة، وهو متروك (٣)، إلا أن منْ قال إن عذر الإحصار يدخل فيه المرض فنقول إنه يكون محصرًا ويجب عليه التحلل بالهدي عند تعذر الوصول بالمرض، ولكن الظاهر خلافه، والقاضي عياض (٤) أشار إلى تضعيف الحديث فإنه

стр. 1985

قال: قال الأصيلي: لا يثبت في الاشتراط إسناد صحيح، قال: قال النسائي: لا أعلم أسنده عن الزهري غير معمر. وهذا غلط فاحش فإن الحديث في الصحيحين وسنن أبي داود والترمذي والنسائي وسائر كتب الحديث المعتمدة من طرق متعددة بأسانيد كثيرة عن جماعة من الصحابة، ويدل على أنه إن لم يشترط في إحرامه فليس له أن يتحلل، وهو يقوي قول من يقول إنه لا يصير محصرًا بالمرض، ولذا احتاج إلى اشتراط فقد جعل -سبحانه- المخرج للعبد على أي الوجهَيْن. وضُبَاعة بضم الضاد المعجمة ثم باء موحدة مخففة -وهي بنت الزبير بن عبد المطلب عم النبي ﷺ وقول صاحب الوسيط إنها ضباعة الأسلمية غلط، والصواب الهاشمية (١). ٦١٦ - وعن عكرمة عن الحجاج بن عمرو الأنصاري قال: قال رسول الله ﷺ : "من كسر أو عرج فقد حل وعليه الحج من قابل" قال عكرمة: فسألت ابن عباس ﵁ وأبا هريرة عن ذلك فقالا: صدق. رواه الخمسة وحسنه الترمذي (٢). هو الحجاج بن عمرو بن غَزِيَّة، بفتح الغين المعجمة وكسر الزاي وتشديد الياء تحتها نقطتان، الأنصاري المازني منسوب إلى جده مازن بن النجار يعد في أهل المدينة، حديثه عند الحجازيين قال البخاري: له صحبة، روى عن النبي ﷺ حديثين أحدهما هذا "من كسر ... "

стр. 1986

الحديث، والآخر "كان النبي ﷺ يتهجد من الليل بعد نومه". روى عنه كثير بن عباس وعكرمة مولى ابن عباس وعبد اللَّه بن رافع، وهو الذي ضرب مروان يوم الدار فأسقط وحمله أبو حفصة مولاه وهو لا يعقل. قال ابن عبد البر: عن علي بن المديني قال الحجاج بن عمرو (أ) المازني: له صحبة قال: هو الذي روى عنه ضمرة بن زيد عن زيد بن ثابت في العزل، قال: على ويقال: الحجاج بن أبي الحجاج وهو الحجاج بن عمرو المازني الأنصاري (١). الحديث تقدم الكلام عليه وعلى ما يتضمنه من الفقه. قوله: "عَرِجَ" يقال: عرج في مشيه عرجًا من باب تعب إذا كان من عله لازمة (ب)، وعرج فهو أعرج والأنثى عرجاء، وإن كان من علة غير لازمة بل من شيءٍ أصابه حتى غمز في مشيه قيل عرج يعرج من باب قتل فهو عارج كذا في المصباح. وقوله: "فقد حل" وورد في هذه الرواية مطلقًا عن التقييد بنحر الهدي، وقد تقدم ذكر ذلك في قوله "فلينحر مثلها". وقوله: "وعليه الحج من قابل" يفهم من إطلاقه أنه يجب قضاء ما فات ولو كان فعلًا وإن كان التقييد ممكنًا جمعا: بينه وبين ما تقدم من أنه ﷺ لم يأمر بالقضاء للعمرة ولا فرق بينها وبين الحج، فالجمع بينهما ينفي الفارق، والله أعلم. واعلم أن المصنف -رحمه الله تعالى- لم يذكر ما يتعلق بفوات

стр. 1987

الحج من دون إحصار، وقد أخرج مالك والشافعي والبيهقي ورجال إسناده ثقات من حديث سليمان بن يسار "أن أبا أيوب خرج حاجًّا حتى إذا كان بالنازية من طريق مكة ضلت راحلته فقدم على عمر يوم النحر فذكر ذلك له فقال: "اصنع كما تصنع يوم النحر ثم قد حللت فإذا أدركت الحج قابلًا فاحجج واهد ما تيسر من الهدي" (١). لكن صورته منقطع لأن سليمان وإن أدرك أبا أيوب لكن لم يدرك من القصة ولم ينقل أن أبا أيوب أخبره بها لكنه على مذهب ابن عبد البر موصول والنازية بنون وزاي موضع بين الروحاء والصغرى. وروى أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود: سألت عمر عمن فاته الحج قال: يهل بعمرة وعليه الحج من قابل، ثم لقيت زيد بن ثابت فقال مثله. أخرجه البيهقي (٢). وأخرج أيضًا من طريق أيوب عن سعيد بن جبير عن الحارث بن عبد الله ابن أبي ربيعة قال: سمعت عمر وجاءه رجل في أوسط أيام التشريق وقد فاته الحج فقال له عمر: طُف بالبيت وبين الصفا والمروة، وعليك الحج من قابل (٣). وقد اختلف الفقهاء في حكم من فاته الحج فذهب الهادي وغيره أنه يتحلل بعمرةٍ بالإحرام الأول، وقال أبو يوسف الحنفي: إنه يستأنف لها إحرامًا، وهو يفهم من قول عمر: "يهل بعمرة وعليه الحج من قابل". قال الإمام المهدي في البحر ردًّا عليه لنا قوله ﷺ "فليجعلها عمرة"

стр. 1988

ولم يأمر بالاستئناف، وهو يفهم من قول عمر: "طف بالبيت وبين الصفا والمروة". وذهبت العترة إلى أنه يجب عليه دم لفوات الحج، وذهب الحنفية والشافعية إلى أنه لا دم عليه إذ شرع للتحلل وقد تحلل بعمرة. قال الإمام المهدي في الرد عليهم لنا قوله ﷺ "من لم يدرك الحج فعليه دم وليجعلها عمرة" (١). اشتمل هذا الباب على ثلاثة أحاديث (أ). ونذكر بعد كتاب الحج خاتمة في ذكر زيارة النبي ﷺ وإن لم يذكر ذلك المصنف رحمه الله تعالى، والكلام على ذلك في سبعة فصول.

стр. 1989

الفصل الأول فيما ورد فيها مما يدل على شرعيتها وفضلها من الكتاب والسنة والإِجماع والقياس. أما الكتاب فقوله تعالى ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ (١) وهو ﷺ حيّ بعد موته كحياته قبل الموت، فالمجيء إليه ﷺ بعد موته للزيارة كقصده في حياته (٢)، وقوله تعالى ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ (٣) والهجرة إلى الرسول ﷺ في حال حياته هي الوصول إلى حضرته المشرفة، كذلك الوصول إلى حضرته المشرفة بعد الموت فهو حيّ كما ثبت (٤). وأما السنة فستأتي الأحاديث. وأما القياس فإنه قد ثبت بالأحاديث الصحيحة شرعية زيارة القبور بصيغة الأمر المحتمل للوجوب أو الندب، فقبر نبينا محمد ﷺ أولى أن يزار فهو داخل إما بشمول النص أو القياس على غيره من القبور، وثبت من

стр. 1990

فعله أنه كان يزور أهل البقيع وشهداء أحد، وشرعية زيارة القبور مجمع عليها، وما روي عن الشعبي والنخعي من كراهة الزيارة شاذ مع أنه يمكن التأويل بأن ذلك لم يكن له (أ) عرض صحيح من الاعتبار والترحم على الميت والدعاء له. وأما إجماع المسلمين فقد نقله جماعة من الأئمة الذين عليهم المدار والمعول، والخلاف إنما هو في كونها واجبة أو مندوبة، وسيأتي ذكر ذلك. والأحاديث الواردة في فضيلة الزيارة كثيرة، روى (ب) الدارقطني في السنن وغيرها والبيهقي من طريق موسى بن هلال العيدي عن عبيد الله مصغرًا، العمري عن نافع، عن ابن عمر قال: قال ﷺ : "من زار قبري وجبت له شفاعتي" (١). وفي تاريخ ابن عساكر وكامل ابن عدي (٢) أنه عن عبد الله، مكبرًا، إلا أن الاختلاف في عبد الله لا يضر، لأن المصغر وإن كان أوثق فالمكبر أيضًا روى له مسلم وإن كان مقرونًا بغيره، وروى أبو حاتم عن أحمد بن حنبل أنه كان يحسن الثناء عليه، وقال يحيى بن معين: ليس به بأس يكتب حديثه، وقال: إنه في نافع صالح (٣).

стр. 1991

وموسى بن هلال: قال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به، وقد روى عنه ستة منهم الإمام أحمد ولم يكن يروي إلا عن ثقة فلا يضره قول أبي حاتم إنه مجهول (١)، وقول العقيلي إنه لا يتابع عليه يرد (أ) عليه بأن مسلمًا الجهني قد تابعه عليه، وصحح الحديث ابن السكن وعبد الحق في الأحكام الوسطى "والصغرى" وسكت عليه مع كونه التزم في كتابه أن لا يذكر إلا الصحيح فثبت حينئذٍ أن الحديث يعمل به ولا يضر الاختلاف (٢) في اسم الراوي فإنه من لم ثقة إلى ثقة مع أنه قال السبكي (٣): إن موسى بن هلال روى الحديث عنهما جميعًا فلا اضطراب رأسًا. وقوله "وجبت له شفاعتي" المراد بالوجوب هو اللزوم بحكم الوعد الصادق، والمراد بالشفاعة ها هنا هي شفاعة خاصة غير الشفاعة العامة للأمة، فالمراد أنه يخص بشيء من الشفاعة تشريفًا له، أو المراد التبشير له بأنه يموت على الإسلام قطعًا، وقد جاء في رواية البزار بلفظ: "حلت له شفاعتي" من طريق عبد الرحمن بن زيد عن أبيه عن ابن عمر، وعبد الرحمن هذا قال

стр. 1992

ابن عدي (١): إنه ممن احتمله الناس وإنه ممن (أ) يكتب حديثه، وصح الحاكم له حديثًا في التوسل. وأخرج الطبراني في الكبير والأوسط والدارقطني في أماليه وأبو بكر بن المقري في معجمه من طريق مسلمة بن سالم الجهني حدثني عبيد الله بن عمر عن نافع عن سالم عن ابن عمر مرفوعًا "من جاءني زائرًا لا تعمله حاجة إلا زيارتي كان حقًّا علي أن أكون له شفيعًا يوم القيامة" (٢). وفي معجم ابن المقري بالسند المذكور مرفوعًا: "من جاءني زائرًا كان حقًّا على الله أن أكون له شفيعًا يوم القيامة" (٣) وذكره ابن السكن في صحيحه في ثواب من زار قبر النبي ﷺ وهو مبني على أن (ب) من جاءني زائرًا لما قبل الموت وما بعد الموت (جـ). وأخرج الدارقطني والطبراني عن ابن عمر مرفوعًا: "من حج فزار

стр. 1993

قبري بعد وفاتي كان كمن زارني في حياتي" (١)، وفي إسناده حفص بن أبي داود القاري، وحفص هذا وثقه (أ) أحمد في أرجح الروايتين عنه، وضعفه جماعة (٢). وقد رواه الطبراني من طريق عائشة بنت يونس امرأة الليث (٣) فهذا السند يجبر توهين الأول، ورواه بعض الحفاظ المعاصرين لابن منده (ب) من طريق حفص بلفظ: "من حج فزارني في مسجدي بعد وفاتي كمن زارنِي في حياتي"، وذكره ابن الجوزي في "مثير الغرام الساكن" بلفظ: "مَنْ حج فزار قبري بعد موتي كان كمن زارني في حياتي وصحبني". قال ابن عساكر: تفرد بلفظ "صحبني" الحسن بن الطيب (٤) وهي

стр. 1994

زيادة منكرة، وتعقبه السبكي (١) وقال: لم ينفرد ابن الطيب فقد رواه ابن عدي في كامله (٢) من طريق الحسن بن سفيان بدل ابن الطيب، ولا يلزم منه أن يكون له حكم (أ) الصحبة من كل وجه لوجود الأحاديث الدالة على مزية الصحابي. وأخرج الدارقطني في "العلل" عن ابن عمر مرفوعًا "من زارني إلى المدينة كنت له شفيعًا وشهيدًا" (٣). وأخرج أبو داود الطيالسي عن عمر مرفوعًا: "مَنْ زار قبري أو قال - من زارني كنت له شفيعًا وشهيدًا، ومن مات في أحد الحرمين بعثه الله تعالى من الآمنين يوم القيامة" (٤) وفي إسناده سوار، قد روى عنه شعبة فدل على ثقته، ورجل منهم من آل عمر عن عمر، وهو من طبقة التابعين الأولين يعتقد فيه الإبهام. وأخرجه العقيلي بلفظ: "من زارني متعمدًا كان في جواري يوم القيامة، ومن مات .... " الحديث وزاد هارون بن قزعة بعد قوله: "يوم القيامة" "ومن سكن المدينة وصبر على لأوائها كنت له شفيعًا أو شهيدًا يوم القيامة" (٥). وهارون ذكره ابن حبان في الثقات (٦).

стр. 1995

وأخرج أبو الفتح الأزدي عن علقمة بن عبد الله مرفوعًا: "من حج حجة الإسلام، وزار قبري وغزا غروة وصلى في بيت المقدس لم يسأله الله تعالى فيما افترضه عليه" (١). وأخرج أبو الفتح عن أبي هريرة مرفوعًا: "من زارني بعد موتي فكأنما زارني وأنا حيّ، ومن زارني كنت له شهيدًا وشفيعًا يوم القيامة" (٢). وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن أنس مرفوعًا: "من زارني بالمدينة كنت له شفيعًا وشهيدًا يوم القيامة" (٣)، ولفظ البيهقي: "من مات في أحد الحرمين بعث في (أ) الآمنين يوم القياسة، ومن زارني محتسبًا إلى المدينة كان في جواري يوم القيامة" وفي إسناده سليمان بن يزيد ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال أبو حاتم: منكر الحديث ليس بقوي (٤). وأخرج ابن النجار عن أنس مرفوعًا "من زارني ميتًا فكأنما زارني حيًّا، ومن زار قبري وجبت له شفاعتي يوم القيامة، وما من أحد من أمتي له سمة ثم لم يزرني فليس له عذر" وفي إسناده سمعان بن (ب) المهدي، قال الذهبي: "سمعان بن مهدي عن أنس لا يكاد يعرف ألصقت به نسخه مكذوبة" (٥).

стр. 1996

قال الحافظ بن حجر: "أكثر متونها موضوعة" (١). وأخرج أبو جفر العقيلي عن ابن عباس مرفوعًا: "من زارني في مماتي كان كمن زارني في حياتي، ومن زارني حتى ينتهي إلى قبري كنت له يوم القيامة شهيدًا" -أو قال "شفيعًا" (٢). وأخرج في مسند الفردوس عن ابن عباس مرفوعًا "من حج إلى مكة ثم قصدني في مسجدي كتبت له حجتان مبرورتان" (٣). وأخرج ابن عساكر عن علي ﵁ قال: "من سأل لرسول الله ﷺ الدرجة والوسيلة حلت له شفاعته يوم القيامة، ومن زار قبر رسول الله ﷺ كان في جوار رسول الله ﷺ " وفي إسناده عبد الملك بن هارون بن عنترة وفيه كلام كثير (٤). وأخرج أبو داود بسند صحيح عن أبي هريرة مرفوعًا: "ما من أحد يسلِّم علي (أ) إلا ردَّ الله عليّ روحي حتى أرد ﵇" (٥) صدَّر به البيهقي باب الزيارة، وأخرجه أحمد بلفظ: "ما من مسلم يسلم علي

стр. 1997

عند قبري" (١) ويستدل بهذا الحديث على حياة الأنبياء. قال البيهقي (٢): والمعنى إلا وقد رد الله علي روحي حتى أرد عليه، وقيل هو مجاز عن السماع فكأنه قال لا أسمعه تمام السماع فعبر عنه برد الروح الذي هو ملزوم للسماع أو مجاز عن كمال السماع فعبر برد الروح عنه تقريبًا لفهم الخاطبين أن السماع إنما يكون مع رد الروح فكأنه قال: أسمعه سماعًا تامًّا محققًا وأجيبه تمام الإجابة، ولم يرد أن الروح تعود ثم تقبض، فإن ذلك لا يجوز أن يعتقده أحد، أو أن الرد معنوي لأن الروح الشريف مستغرق في شهود الحضرة العلية فهو التفات روحاني إلى دوائر البشرية ولا يلزم على هذا استغراق الزمان كله (أ) إذ لا يخلو وقت من الأوقات من صلاة عليه في أقطار الأرض، لأن أمور الآخرة لا تدرك بالعقل، وأحوال البرزخ أشبه بأحوال الآخرة، وقال بعضهم: المراد بالبرزخ الملك الموكل به. وقال ابن عماد: يحتمل أن يراد به هنا السرور مجازًا. وأخرج ابن عدي في الكامل والدارقطني في غرائب مالك من طريق النعمان بن شبل عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر: "من حج البيت ولم يزرني فقد جفاني" (٣). قال ابن عدي: لا أعلم رواه عن مالك غير النعمان ولم أر في حديثه حديثًا غريبًا قد جاوز الحد فأذكره. وقال عن عمران بن موسى أنه ثقة

стр. 1998

وعن موسى بن هارون أنه متهم، والتهمة غير مفسرة فالتوثيق أرجح. وروي عن علي مرفوعًا بسند فيه ضعف وانقطاع: "مَنْ زار قبري بعد موتي فكأنما زارني في حياتي ومَن لم يزر قبري فقد جفاني" (١)، وجاء عنه موقوفًا بسندٍ فيه ضعف "من زار قبر رسول الله ﷺ .... " الحديث فهذه الأحاديث فيها أعظم دليل على شرعية زيارته ﷺ وعلى فضليتها وأنها أنجح الوسائل إلى إدراك السعادة الأبدية والفوز بالدرجات العلية.

стр. 1999

الفصل الثاني في الخلاف في وجوب زيارته ﷺ أو ندبها فذهب بعض المالكية في القول بوجوبها، وقال غيره من المالكية: إنها من السنن الواجبة، وقالت الحنفية: إنها قريبة من الواجبات والحجة على ذلك الحديث الذي فيه ذكر "فقد جفاني" (١) والجفاء للنبي ﷺ محرم فتجب الزيارة لئلا يرتكب الوجه المحرم وقد استدل بمثل ذلك من أوجب الصلاة عليه ﷺ كلما (أ) ذكر بحديث "من الجفاء أن أُذكر عند الرجل ولم يصل علي" ونحوه من الأحاديث في ذلك المعنى، فإن جماعة من علماء المذاهب الأربعة أوجبوا الصلاة عليه كلما ذكر للحديث. والأحاديث وإنْ كان في بعضها مقال فبعضها يقوي بعضًا، وذهب الجمهور إلى أنها مندوبة غير واجبة للأحاديث الواردة في الترغيب إليها، وفضيلة (ب) من فعلها وأجابوا بأن الجفاء ليس فيه (جـ) دلالة صريحة على ترك الواجب بل يصح أن يقال على ترك المندوب إنه جفاء، كما يقال في ترك البر والصلة، ويطلق الجفاء أيضًا على غلظ الطبع والبعد عن الشيء كما في حديث: "من بدا فقد جفا" (٢) وعلى كل تقدير فهي من المقاصد المهمة والأعمال المحمودة المشكورة وإذا كان قد وردت الأحاديث في زياة القبور على جهة الإطلاق والأمر بهذا فكيف الظن بزيارة قبر سيد

стр. 2000

الخلائق الذي هو أعظم الوسائل للخلق أجمعين (١) ﷺ مع ما قد ثبت من أنه حيّ ﷺ في قبره حياة حقيقية، ولذلك أجاب ﷺ على من قال له: وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمْتَ -بفتح أوله وكسر ثانيه وسكون ثالثه، وبعده تاء الخاطب المفتوحة أَي بليت- قال: (إن الله حرَّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء" (٢) صححه ابن حبان والحاكم، وذكر له البيهقي شواهد. وأخرج ابن حبّان (أ) بإسناد جيد أنه قال لأبي الدرداء في جوابه لما قال ﷺ : "وإن أحدًا لن يصلي علي إلا عرضت على صلاته حتى يفرغ منها" فقال أبو الدرداء: وبعد الموت؟ قال "وبعد الموت، إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء" (٣). وفي رواية للطبراني: "ليس من عبد يصلي علي إلا بلغني صوته، قلنا: وبعد وفاتك؟ قال: وبعد وفاتي إن الله حرم على الأرض أن يل أجساد الأنبياء" (٤). فالأحاديث تدل على أن الإدراك بعد الموت كالإدراك قبله. وأخرج جماعة من الأئمة أنه قال ﷺ : "إنَّ لله ملكًا أعطاه أسماع الخلائق فهو قائم على قبري إذا مت، فليس أحد يصلي علي صلاة إلا
следующие страницы →