← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17747

البدر التمام شرح بلوغ المرام ت الزبن

الحسين بن محمد المغربي

Полный текст (4 458 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

قال الحافظ بن حجر: "أكثر متونها موضوعة" (١). وأخرج أبو جفر العقيلي عن ابن عباس مرفوعًا: "من زارني في مماتي كان كمن زارني في حياتي، ومن زارني حتى ينتهي إلى قبري كنت له يوم القيامة شهيدًا" -أو قال "شفيعًا" (٢). وأخرج في مسند الفردوس عن ابن عباس مرفوعًا "من حج إلى مكة ثم قصدني في مسجدي كتبت له حجتان مبرورتان" (٣). وأخرج ابن عساكر عن علي ﵁ قال: "من سأل لرسول الله ﷺ الدرجة والوسيلة حلت له شفاعته يوم القيامة، ومن زار قبر رسول الله ﷺ كان في جوار رسول الله ﷺ " وفي إسناده عبد الملك بن هارون بن عنترة وفيه كلام كثير (٤). وأخرج أبو داود بسند صحيح عن أبي هريرة مرفوعًا: "ما من أحد يسلِّم علي (أ) إلا ردَّ الله عليّ روحي حتى أرد ﵇" (٥) صدَّر به البيهقي باب الزيارة، وأخرجه أحمد بلفظ: "ما من مسلم يسلم علي

стр. 1997

عند قبري" (١) ويستدل بهذا الحديث على حياة الأنبياء. قال البيهقي (٢): والمعنى إلا وقد رد الله علي روحي حتى أرد عليه، وقيل هو مجاز عن السماع فكأنه قال لا أسمعه تمام السماع فعبر عنه برد الروح الذي هو ملزوم للسماع أو مجاز عن كمال السماع فعبر برد الروح عنه تقريبًا لفهم الخاطبين أن السماع إنما يكون مع رد الروح فكأنه قال: أسمعه سماعًا تامًّا محققًا وأجيبه تمام الإجابة، ولم يرد أن الروح تعود ثم تقبض، فإن ذلك لا يجوز أن يعتقده أحد، أو أن الرد معنوي لأن الروح الشريف مستغرق في شهود الحضرة العلية فهو التفات روحاني إلى دوائر البشرية ولا يلزم على هذا استغراق الزمان كله (أ) إذ لا يخلو وقت من الأوقات من صلاة عليه في أقطار الأرض، لأن أمور الآخرة لا تدرك بالعقل، وأحوال البرزخ أشبه بأحوال الآخرة، وقال بعضهم: المراد بالبرزخ الملك الموكل به. وقال ابن عماد: يحتمل أن يراد به هنا السرور مجازًا. وأخرج ابن عدي في الكامل والدارقطني في غرائب مالك من طريق النعمان بن شبل عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر: "من حج البيت ولم يزرني فقد جفاني" (٣). قال ابن عدي: لا أعلم رواه عن مالك غير النعمان ولم أر في حديثه حديثًا غريبًا قد جاوز الحد فأذكره. وقال عن عمران بن موسى أنه ثقة

стр. 1998

وعن موسى بن هارون أنه متهم، والتهمة غير مفسرة فالتوثيق أرجح. وروي عن علي مرفوعًا بسند فيه ضعف وانقطاع: "مَنْ زار قبري بعد موتي فكأنما زارني في حياتي ومَن لم يزر قبري فقد جفاني" (١)، وجاء عنه موقوفًا بسندٍ فيه ضعف "من زار قبر رسول الله ﷺ .... " الحديث فهذه الأحاديث فيها أعظم دليل على شرعية زيارته ﷺ وعلى فضليتها وأنها أنجح الوسائل إلى إدراك السعادة الأبدية والفوز بالدرجات العلية.

стр. 1999

الفصل الثاني في الخلاف في وجوب زيارته ﷺ أو ندبها فذهب بعض المالكية في القول بوجوبها، وقال غيره من المالكية: إنها من السنن الواجبة، وقالت الحنفية: إنها قريبة من الواجبات والحجة على ذلك الحديث الذي فيه ذكر "فقد جفاني" (١) والجفاء للنبي ﷺ محرم فتجب الزيارة لئلا يرتكب الوجه المحرم وقد استدل بمثل ذلك من أوجب الصلاة عليه ﷺ كلما (أ) ذكر بحديث "من الجفاء أن أُذكر عند الرجل ولم يصل علي" ونحوه من الأحاديث في ذلك المعنى، فإن جماعة من علماء المذاهب الأربعة أوجبوا الصلاة عليه كلما ذكر للحديث. والأحاديث وإنْ كان في بعضها مقال فبعضها يقوي بعضًا، وذهب الجمهور إلى أنها مندوبة غير واجبة للأحاديث الواردة في الترغيب إليها، وفضيلة (ب) من فعلها وأجابوا بأن الجفاء ليس فيه (جـ) دلالة صريحة على ترك الواجب بل يصح أن يقال على ترك المندوب إنه جفاء، كما يقال في ترك البر والصلة، ويطلق الجفاء أيضًا على غلظ الطبع والبعد عن الشيء كما في حديث: "من بدا فقد جفا" (٢) وعلى كل تقدير فهي من المقاصد المهمة والأعمال المحمودة المشكورة وإذا كان قد وردت الأحاديث في زياة القبور على جهة الإطلاق والأمر بهذا فكيف الظن بزيارة قبر سيد

стр. 2000

الخلائق الذي هو أعظم الوسائل للخلق أجمعين (١) ﷺ مع ما قد ثبت من أنه حيّ ﷺ في قبره حياة حقيقية، ولذلك أجاب ﷺ على من قال له: وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمْتَ -بفتح أوله وكسر ثانيه وسكون ثالثه، وبعده تاء الخاطب المفتوحة أَي بليت- قال: (إن الله حرَّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء" (٢) صححه ابن حبان والحاكم، وذكر له البيهقي شواهد. وأخرج ابن حبّان (أ) بإسناد جيد أنه قال لأبي الدرداء في جوابه لما قال ﷺ : "وإن أحدًا لن يصلي علي إلا عرضت على صلاته حتى يفرغ منها" فقال أبو الدرداء: وبعد الموت؟ قال "وبعد الموت، إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء" (٣). وفي رواية للطبراني: "ليس من عبد يصلي علي إلا بلغني صوته، قلنا: وبعد وفاتك؟ قال: وبعد وفاتي إن الله حرم على الأرض أن يل أجساد الأنبياء" (٤). فالأحاديث تدل على أن الإدراك بعد الموت كالإدراك قبله. وأخرج جماعة من الأئمة أنه قال ﷺ : "إنَّ لله ملكًا أعطاه أسماع الخلائق فهو قائم على قبري إذا مت، فليس أحد يصلي علي صلاة إلا

стр. 2001

قال: يا محمد صلى عليك فلان بن فلان فيصلي الرب ﵎ على ذلك الرجل بكل واحدة عشرًا" (١). وقد روي هذا بألفاظ مختلفة اللفظ متفقة المعنى، وفي سند الجميع راوٍ قال البخاري فيه: إنه لَيِّن، ووثقه (أ) ابن حبان، وراو آخر ضعفه (ب) بعضهم ولا تعارض بين تبليغ الملك وسماعه ﷺ فإنه يسمع (جـ) ويبلغه إشعارًا بمزيد الخصوصية، والاعتناء بشأنه. وقال الأستاذ أبو منصور البغدادي قال المتكلمون المحقون من أصحابنا: إن نبينا ﷺ حيّ بعد وفاته وأنه بشر بطاعات أمته وأن الأنبياء لا يبلون مع أنا نعتقد ثبوت الإدراكات كالعلم والسماع لسائر الموتى ونقطع بعود حياة كل ميت في قبره ونعيم القبر وعذابه ثابتان وهما من الأعراض المشروطة بالحياة لكنه لا يتوقف على النية، وقد صح عن ابن عباس مرفوعًا: "ما من أحد يمر بقبر أخيه المؤمن -وفي رواية بقبر الرجل- كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا عرفه ورد عليه" (٢). ولابن أبي الدنيا: "إذا مر الرجل بقبر يعرفه فسلم عليه رد ﵇ وعرفه، وإذا مَرَّ بقبر لا يعرفه ردَّ ﵇" (٣).

стр. 2002

وقد ذكر ابن تيمية في (أ) اقتضاء الصراط المستقيم (١) أن الشهداء بل كل المؤمنين إذا زارهم المسلم وسلم عليهم عرفوا به وردوا ﵇ وصح أنه ﷺ كان يخرج إلى البقيع ويسلم عليهم ويقول: "السلام عليكم دار قوم مؤمنين" وورد النص في كتاب الله تعالى في حق الشهداء أنهم أحياء يرزقون وأن الحياة فيهم متعلقة بالجسد كما روي أنه (ب) لما حفر السيل في أُحد في قبر عبد الله بن حرام والد جابر وعمرو بن الجموح وهما من شهداء أحدٍ بعد ست وأربعين سنة (جـ فوجدا لم يتغيرا جـ) وكان أحدهما جرح فوضع يده على جرحه فدفن وهو كذلك فأمسكت يده على جرحه ثم أرسلت فرجعت كما كانت (٢)، ولما حفر معاوية العين التي استنبطها بالمدينة بعد أحد بنحو خمسين سنة، ونقل الموتى أصابت المسحاة قدم حمزة ﵁ فسال الدم عنه، والظاهر أن حياة الشهداء أقوى من حياة الأولياء. وجمهور العلماء أن حياة الشهداء حقيقية (د) للجسد، وفي قول بعض أنها للروح فقط، وفي قول أنها للجسد فقط بمعنى أنه لا يبلى ويستمر فيه أمارة الحياة من الدوام وطراوة البدن، وإذا كان هذا في آحاد المسلمين فكيف بالنبيين والمرسلين؟ وكيف سيد المرسلين - صلى الله عليه وعليهم أجمعين، وقد صح في الحديث كما رواه الحافظ المنذري: "الأنبياء

стр. 2003

أحياء في قبورهم يصلون" (١) وصححه البيهقي. وفي صحيح مسلم "مررت بموسى ليلة أُسري بي عند الكثيب الأحمر وهو قائم يصلي في قبره" (٢). وفي صحيح مسلم أيضًا: "لقد رأيتني في الحجر وقريش تسألني عن مسريا ... " الحديث وفيه: "رأيتني في جماعة من الأنبياء فإذا موسى قائم يصلي، فإذا رجل ضرب من الرجال جعد" وفيه "وإذا عيسى بن مريم قائم يصلي وأقرب الناس به (أ) شبهًا عروة بن مسعود، وإذا إبراهيم قائم يصلي أشبه الناس به صاحبكم -يعني نفسه- فحانت الصلاة فأممتهم" (٣). وفي حديث آخر أنه لقيهم ببيت المقدس (ب) وفي أخرى أنه لقيهم في جماعة من الأنبياء بالسماوات وكلمهم وكلموه (٤). قال البيهقي (٥): وكل ذلك صحيح لا يخالف بعضه فقد يرى موسى قائمًا يصلي في قبره ثم يسر بموسى وغيره إلى بيت المقدس كما أسري

стр. 2004

بنبينا فيراهم فيه ثم يعرج بهم إلى السماوات كما عرج بنبينا فيراهم فيها، كما أخبر وحلولهم في أوقات مختلفة جائز عقلًا كما ورد به (أ) خبر الصادق مع أنه يجب الإيمان بما صح عن النبي ﷺ ونعلم أنه له معنى ثابت وإن عسر على العقل تعقله (ب) ومع ثبوت ذلك في حق الأنبياء فنبينا ﷺ أولى بهذه المرتبة العلية، وقد ألَّفَ البيهقي جزءًا في إثبات حياة الأنبياء في قبورهم، واستدل بأحاديث كثيرة، وذهب بعض الأكابر من العلماء أن نبينا ﷺ امتاز بثبوت ذلك في بعض أحكام الدنيا منها أن الذي خلفه باقٍ على ما كان في حياته فكان ينفق من نصيبه ﷺ على أهله وخدمه على حسب ما كان يفعله ﷺ ، وتحريم أزواجه من بعده من ذلك، ولم يصل على جنازته بإمام لكونه هو إمام أمته وغير ذلك لا ينافي ما ذكر من حياة الأنبياء ما رواه ابن حبان في صحيحه من حديث عجوز بني إسرائيل أنها دلت موسى ﵇ على الصندوق الذي فيه عظام يوسف ﵇ فاستخرجه وحمله (جـ) معهم عند قصدهم الذهاب من مصر إلى الأرض المقدسة، أما لأنها أرادت بالعظام كل البدن لأن الجسد لما لم يشاهد فيه روح عبر عنه بالعظام الذي من شأنه عدم الإحساس وأن ذلك باعتبار ظنها أن أبدان (د) الأنبياء كأبدان غيرهم في البلاء، وكذلك قوله ﷺ "أنا أكرم على ربي أن يتركني في قبري بعد ثلاث" (١) وكذلك ما رواه ابن أبي ليلى وهو سيء

стр. 2005

الحفظ (١): "إن الأنبياء لا يتركون في قبورهم بعد أربعين ليلة ولكن يصلون بين يدي الله - تعالى - حتى ينفخ في الصور" (٢) فمعناه على ما قال البيهقي أنهم لا يتركون غير مصلين إلا هذا القدر، وبعد ذلك القدر يؤذن لهم بالصلاة بين يدي الله تعالى وهم أحياء في القبور المدة كلها. وقد روي عن سعيد بن المسيب أنه قال: "بقي ثلاثة أيام في مسجد النبي ﷺ منفرد، في أيام فتنة يزيد بن معاوية ومحاصرته لأهل المدينة فخلا المسجد عن إقامة الصلاة فيه قال ولم يكن يعلم بدخول أوقات الصلاة إلا بسماع الأذان والإقامة (أ) من داخل القبر، فإذا علم الزائر أنه ﷺ حيّ في قبره يسمع صوته وتوسله وتشفعه به وسؤاله منه أن يشفع له إلى ربه حتى يرضى عنه ويعطيه ما يحبه من خير الدنيا والآخرة سعى في تحصيل الوصول إلى ذلك الموقف الشريف بما أمكنه لينال هذه الفضائل ويدرك سنّي الرغائب والفواضل. وأما ما رواه المنهال بن عمرو قال: "كنت أنا وسعيد بن المسيب إلى جنب حجرة أم سلمة فجعل الناس يدخلون بيت رسول الله ﷺ فقال سعيد أترى هؤلاء ما أحمقهم إنهم يرون (ب) أنه في بيته قلت: أجل قال (جـ):

стр. 2006

إنه لا (أ) يبقى نبي من أُولي العزم فوق أربعين ليلة حتى يرفع والنبي ﷺ لم يبق في الأرض في أربعين ليلة حتى رفع وأنه ليس من يوم إلا ويعرض عليه أعمال أمته طرفي النهار فيعرفهم بأسمائهم ونسبهم وبذلك يشهد عليهم. ورواه عبد الرزاق بلفظ: "إن سعيد بن المسيب رأى قومًا يسلمون على النبي ﷺ فقال: ما يمكث (ب) نبي في الأرض أكثر من أربعين يومًا" (١) ثم عقبه بحديث: "مررت بموسى وهو قائم يصلي في قبره" (٢) فهم متأول بأن المراد بالرفع هو الاتصال بالملكوت الأعلى مع كونه متصلًا بالقبر، والاتصال الروحاني يخالف اتصال الأجسام وقد حصل القطع بأنه وضع ﷺ في قبره فيستصحب ذلك الوضع ويتأيد ذلك أن الاستصحاب بالأحاديث التي مرت في سماعه ورده على من سلم عليه. وقد أخرج ابن عساكر بسند جيد عن أبي الدرداء قصة نزول بلال بن رباح بداريا بعد فتح عمر بيت المقدس قال: ثم إن بلالًا رأى النبي ﷺ وهو يقول له: ما هذه الجفوة (جـ) يا بلال أما آن لك أن تزورني (د)؟ فأتيته حزينًا خائفًا (هـ) فركب راحلته وقصد المدينة، فأتى قبر رسول الله ﷺ فجعل يبكي عنده ويمرغ وجهه عليه، فأقبل الحسن والحسين ﵄ فجعل يضمهما ويقبلهما فقالا: نشتهي نسمع أذانك

стр. 2007

الذي كنت تؤذن به لرسول الله ﷺ في المسجد فعلا سطح المسجد ووقف موقفه الذي كان يقف فيه فلما قال الله أكبر ارتجت المدينة فلما قال أشهد أن لا إله إلا الله ازدادت رجتها، فلما قال أشهد أن محمدًا رسول الله ﷺ خرجن العواتق من خدورهن وقالوا بُعث رسول الله ﷺ فما رُئي يومًا أكثر باكيًا ولا باكية بالمدينة بعد رسول الله ﷺ من ذلك اليوم (١). وقال الحافظ عبد المغني إن بلالًا لم يؤذن لأحد بعد النبي ﷺ إلا مرة في قدمة قدمها للزيارة، فطلب إليه الصحابة ذلك فأذن ولم يتم الأذان، فقدوم بلال للزيارة والصحابة متوافرون بالمدينة دال على سنية الزيارة، وقد اشتهر أن عمر بن عبد العزيز (٢) كان يسير البريد من الشام يقول: سلم لي على رسول الله ﷺ ثم يرجع، وفي فتوح الشام أن عمر قال لكعب الأحبار بعد فتح بيت المقدس (٣): هل لك أن تسير معي إلى المدينة وتزور قبر النبي ﷺ ، فقال: نعم يا أمير المؤمنين (٤). ولما قدم عمر المدينة أول ما بدأ بالمسجد وسلم على رسول الله ﷺ وصح أن ابن عمر كان إذا قدم من سفرٍ أتى قبر النبي ﷺ فقال: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبتاه. وفي الموطأ (٥) أن ابن عمر كان يقف على قبر النبي ﷺ فيصلي على النبي ﷺ وعلى أبي بكر وعمر.

стр. 2008

وعن ابن (أ) القاسم والقعنبي: ويدعو لأبي بكر وعمر. وعن ابن عون: سأل رجلٌ نافعًا (ب) هل كان ابن عمر يسلم على القبر؟ قال: نعم، لقد رأيته مائة مرة أو أكثر كان يأتي القبر فيقوم عنده (جـ) فيقول: السلام على النبي ﷺ السلام على أبي بكر، السلام على أبي. وروى أبو حنيفة عن ابن عمر من قوله أنه قال: السنة أن تأتي قبر النبي ﷺ من قبل القبلة. فجعل ذلك من السنة. وروى أحمد أن أبا أيوب وَجَده مروان واضعًا وجهه على قبر رسول الله ﷺ (د وفي "الشفاء" قال بعضهم: رأيت أنس بن مالك أتى إلى قبر النبي ﷺ د) - فرفع يديه حتى ظننت أنه افتتح الصلاة فسلم على النبي ﷺ ثم انصرف. وفي البزار: خرج عمر إلى منبر رسول الله ﷺ فإذا معاذ بن جبل قائم يبكي عند قبر رسول الله ﷺ فقال: ما يبكيك يا معاذ ... الحديث. وأخرج الحافظ أبو ذر الهروي في آخر كتابه "المسند" من طريق محمد بن يوسف بن الطباخ قال حدثنا مصعب قال: قال الدراورديّ: رأيتُ جعفر بن محمد -أي الصادق ابن الباقر- جاء فسلم على رسول الله ﷺ ثم انتهى فسلم على أبي بكر وعمر فرآني كأني تعجبت أو قال: فسرني لإكذابه بذلك ما يزعمه الشيعة من بغضهم للشيخين، قال: فقال لي: والله إن هذا أدين الله به.

стр. 2009

وأخرج الدارقطني في الفضائل عن عبد الله بن جعفر أن علي بن أبي طالب ﵁ دخل المسجد فبكى حتى نظر إلى بيت فاطمة فأطال البكاء ثم انصرف إلى قبر النبي ﷺ فبكى فأطال عنده ثم قال: وعليكما السلام يا أخوي ورحمة الله وبركاته قد كنتما هاديين مهديين خرجتما من الدنيا خميصَيْن -يعني أبا بكر وعمر. وفي الشفاء (١) قال إسحاق بن إبراهيم الفقيه: ومما لم يزل من شأن من حج المرور بالمدينة والقصد إلى الصلاة في مسجد رسول الله ﷺ والتبرك برؤية روضته ومنبره وقبره ومجلسه وملامس يديه ومواطيء قدميه (أ) والعمود الذي يستند إليه وينزل جبريل بالوحي عليه (ب) ومن عَمَّره وقصده من الصحابة وأئمة المسلمين والاعتبار بذلك كله فتقرر مما ذكر من (جـ) أن زيارته ﷺ إن (د) لم تكن واجبة فهي سنة مواظب عليها، وأن ذلك مشروع للرجال والنساء كما في سائر القبور، وقبره ﷺ أولى لما له من الحق ووجوب التعظيم ولتنزل الرحمة بصلاتنا وسلامنا عليه عند قبره بحضرة الملاثكة الحافّين به والتبرك وبذكر الآخرة، وقد قال بعض الظاهرية بوجوب زيارة القبور على الإطلاق في حق الرجال، واختلفوا في حق النساء، ويستثنى من محل الخلاف النساء عند من منعهن من زيارة القبور ولعموم الوارد في زيارته ﷺ لهن، وقد أشار إليه السبكي والدعي (هـ)

стр. 2010

وهو مقتضى إطلاق الأئمة ولعموم قوله تعالى ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ ...﴾ (١) الآية وهذه المزية لا تنقطع بموته (٢) وقد ورد أنه يستغفر لأمته إذا عرضت أعمالهم عليه ولذلك استحب العلماء قراءة الآية الكريمة لمن وصل إلى قبره، والخلاف في مشروعية زيارة قبره ﷺ لابن تيمية الحنبلي رواه عنه تقي الدين السبكي (٣) من خطه وتبعه بعض من الحنابلة، واحتج على ذلك بحديث "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد .... " (٤) الحديث الصحيح، وحديث "لا تتخذوا قبري عيدًا ولا تتخذوا بيوتكم قبورًا" رواه عبد الرزاق عن الحسن بن الحسن (٤). نهى قومًا رآهم عند القبر، وروى الحديث، ولأن الأحاديث الواردة في الزيارة كلها ضعيفة. والجواب عليه بأن حديث "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة" لا بد فيه من تقدير المستثنى منه، والتقدير: لا تشد الرحال إلى مسجد لتعظيمه والصلاة فيه إلا إلى ثلاثة بدليل أنه يجب شد الرحل إلى عرفة للوقوف وإلى منى للمناسك التي فيها، وإلى مزدلفة، وكذلك يشد الرحل للجهاد وللهجرة من دار الكفر ولطلب العلم الواجب، والإجماع

стр. 2011

على جواز شد الرحل للتجارة ومطالب الدنيا المباحة والمندوبة، فزيارة قبر النبي ﷺ لطلب خير الدنيا والآخرة من جملة المقاصد وأعظمها لإدراك خير الدنيا والآخرة، وقصدها أيضًا هو قصد لمسجد المدينة فهو من أحد الثلاثة المستثناة مع أنه جاء في لفظ الحديث بإسناد حسن: "لا ينبغي للمطي أن تشد رحالها إلى مسجد تبتغي فيه الصلاة غير المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى" (١) فالزيارة وغيرها من سائر الواجبات والمندوبات التي يسافر لها خارجة عن النهي، ويحتمل الحديث أن المعنى: لا تشد الرحال إلى مسجد لابتغاء مضاعفة الصلاة فيه إلا إلى المساجد الثلاثة فلا ينبغي شد الرحل إلى مسجد آخر للصلاة فيه كمسجد قباء، ويؤخذ من هذه التأويلات ضعف ما قاله النووي في شرح مسلم (٢): "اختلف العلماء في شد الرحل لغير الثلاثة كالذهاب إلى قبور الصالحين وإلى المواضع الفاضلة، فذهب الشيخ أبو محمد الجويني إلى حرمته، وأشار عياض إلى اختياره، والصحيح عند أصحابنا أنه لا يحرم ولا يكره، قالوا: والمراد أن الفضيلة الثابتة إنما هي شد الرحل إلى هذه الثلاثة خاصة، انتهى. ووجه ضعف هذا أن الذي ذكره خارج عن النهي على التأويل المذكور، وفي "مغني (٣) " الحنابلة عن ابن عقيل أن من سار لزيارة القبور والمشاهد لا يباح له الترخص يعني في قصر الصلاة لخبر "لا تشد الرحال" يحمل على نفي الفضيلة لا على التحريم، انتهى كلامه (٤).

стр. 2012

ويجاب عنه بما تقدم أن ذلك خارج عن محل النهي فبطل الاحتجاج بالحديث، وأما حديث "لا تتخذوا قبري عيدًا" (١) فقال الحافظ المنذري يحتمل أن يكون حثًّا على كثرة الزيارة وأن لا يهمل حتى لا يزار إلا في بعض الأوقات كالعيد، ويؤيده قوله "لا تجعلوا بيوتكم قبورًا" أي لا تتركوا الصلاة فيها. قال السبكي: ويحتمل أن يكون المراد لا تتخذوا له (أ) وقتًا مخصوصًا لا تكون الزيارة إلا فيه أو لا تتخذوه كالعيد في العكوف عليه وإظهار الزينة والاجتماع للهو وغيره كما يُفعل في الأعياد بل لا يُؤتى إلا للزيارة، والدعاء والصلاة والسلام، ثم ينصرف عنه، ويدل على التأويل أن ابن الحسن لم يرد منع الزيارة ما رواه القاضي إسماعيل عن سهل بن أبي سهيل قال: جئت أسلم على النبي ﷺ وحسن بن حسن يتعشى فقال: هلم إلى العشاء، فقلت: لا أريده، فقال: ما لي رأيتك واقفًا قلت: وقفت أسلم على النبي ﷺ قال: إذا دخلت فسلم عليه ... وذكر الحديث. وفي رواية للقاضي إسماعيل أن رجلًا كان يأتي كل غداة فيزور قبر

стр. 2013

النبي ﷺ ويصلي إليه ويصنع من ذلك ما انتهره عليه علي بن الحسين فقال له: ما يحملك على هذا؟ فقال: أحب التسليم على النبي ﷺ فقال له علي: أخبرني أبي .... وذكر الحديث، فالرواية تدل على أن الرجل لم يقف على حد الزيارة، قد روى يحيى بن الحسن (أ) أن علي بن الحسين كان إذا جاء يسلم على النبي ﷺ وقف عند الأسطوانة التي تلي الروضة ثم يسلّم ثم يقول: ها هنا رأس النبي ﷺ قال المطري: وهو موقف السلف قبل إدخال الحجرة في المسجد. وقد روي عن مالك (١) أنه كره زيارة قبر (ب) النبي ﷺ وهو متأول بأنه إنما كره إطلاق لفظ الزيارة لأن الزيارة من شاء فعلها ومن شاء تركها، وزيارة قبر النبي ﷺ واجبة، كذا قال عبد الحق (٢)، وقال يعني من السنن الواجبة، وقيل إنما قال مالك ذلك قطعًا للذريعة، وقيل لأن الوصول إليه ليس ليصله أو لينفعه كما هو مفهوم الزيارة، وإنما ذلك رغبة في الثواب فالنفع للزائر لا للمزور متبين بما ذكرنا بطلان ما احتج به ابن تيمية ومن تبعه، وترجح ما ذهب إليه الجمهور من السلف والخلف على مشروعية الزيارة وسنيتها، وأنها من أفضل القرب والمستحبات، بل تقرب من مرتبة الواجبات فإن المسلمين من جميع أقطار الأرض لم يزل من

стр. 2014

شأن (أ) من حَجَّ منهم المرور بالمدينة والقصد إلى الصلاة في مسجد النبي ﷺ والتسليم عليه والتبرك برؤية روضته ومنبره وقبره ومجلسه ومواطئ قدميه من زمان الصحابة إلى الآن ويعدون ذلك من أفضل الأعمال وأنجح مساعي الخيرات والسعادات الدينية والدنيوية، وقد مضى شطر صالح في ذلك (١). وقالت الحنفية زيارته ﷺ من أفضل المندوبات والمستحبات بل تقرب من درج الواجبات فذلك إجماع يفيد القطع بالمشروعية، والأحاديث الواردة متضافرة يقوي بعضها بعضًا وأسانيد أكثرها صحيحة أو حسنة فالأدلة من الكتاب والإجماع تؤيد السنة الواردة في ذلك وما تخيله بعض المحرومين أن السفر للزيارة والقصد إليها قد يفضي إلى أن يعتقد بعض الجهلة أن غير الله يضر وينفع فيسوّي في التعظيم بين البارئ وغير ذلك، وقد أشير إلى التحرز من هذا في حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ في مرضه الذي لم يقم منه: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" (٢) لولا ذلك لأبرز قبره غير أنه خَشِي أو خُشِي أن يتخذ مسجدًا أخرجه البخاري وقال العلماء: إنما نهى رسول الله ﷺ عن اتخاذ قبره وقبر غيره مسجدًا خوفًا من المبالغة في تعظيمه والافتتان به فربما أدى ذلك إلى الكفر كما جرى لكثير من الأمم الخالية ولما احتاجت الصحابة

стр. 2015

والتابعون إلى الزيادة في مسجد رسول الله ﷺ حين كثر المسلمون وامتدت الزيادة إلى أنْ دخلت بيوت أمهات المؤمنين فيه ومنها حجرة عائشة مدفن رسول الله ﷺ وصاحبيه أبو بكر وعمر بنوا على القبر حيطانًا مربعة مستديرة حوله لئلا يظهر في المسجد فيصلي فيه العوام فيؤدي إلى المحذور ثم بنوا جدارًا من ركني القبر الشماليين حرفوهما حتى التقيا أدركي الجدار حتى لا يمكن أحد من استقبال القبر فذلك الذي تخيله غير واقع، فإن الزائر للنبي ﷺ إنما يقصد بذلك التقرب إلى الله - والتوسل بالنبي ﷺ ليحصل مطلبه من الله لا من النبي ﷺ فلا تسوية في التعظيم بين الله - سبحانه - وبين النبي ﷺ ومن سوى في التعظيم كان المحذور لازمًا له بعينه ولا يمنع غيره لأجله، وهذا القول الوسط الذي لا إفراط فيه ولا تفريط (١).

стр. 2016

الفصل الثالث في اختلاف السلف والخلف في الأفضل من البداية بمكة أم بالمدينة لمن يريد الزيارة فظاهر كلام جماعة من الشافعية ومنهم النووي أنه يبدأ بالحج ثم بالزيارة، وذهب إلى هذا الإِمام أبو حنيفة. ﵀. وروي عن أحمد بن حنبل أنه لما سئل عن ذلك ذكر بإسناده عن عطاء ومجاهد والنخعي أنك إذا أردت مكة فلا تبدأ بالمدينة واجعل كل شيء لمكة تبعًا. وذهب علقمة والأسود وعمرو بن ميمون من التابعين إلى تقديم الزيارة على الحج. والأولى أنه إذا كان الوقت متسعًا فالأولى تقديم الزيارة إذا أطاقها لتحصيل هذه الفضيلة فإنه قد يحج ويعوقه عن الزيارة عائق وليكون وسيلة إلى قبول حجه وتوفيقه للإتيان به على أكمل وجوه الكمال والسداد، ومن خشي فوت الحج قدم الحج، وقد أشار إلى مثل هذا في كلام أحمد بن حنبل (١)، وكذا الإِمام تقي الدين السبكي، وذكر بعض العلماء فائدة حسنة وهو أن الحكمة في دفنه ﷺ في المدينة ولم يدفن في مكة مع أنه ورد في الحديث أن كل أحد يدفن في الطينة التي خلق منها ورواية: "خلق من طينة الكعبة" وهي لئلا تكون زيارته تابعة لقصد الحج فتكون متبوعة للحج، فكان دفنه في المدينة لتكون زيارته مقصودة في نفسها مستقلة مفردة بالتعظيم الذي يستحقه على قدره وكرمه على ربه مع أنه قد ذكر صاحب عوارت المعارف، وتبعه جماعة من حفاظ المحدثين والفقهاء المحققين أن الطوفان لما علا الكعبة موج منها ما

стр. 2017

رَبَا على وجه الماء من أصلها إلى أن وصل به إلى محل قبره الشريف، فهو ﷺ مدفون في ترب الكعبة، وكانت الحكمة في ذلك هي ما ذكر من إفراده بالقصد والعناية، ويؤيد هذا ما روي أن سليمان - صلى الله على نبينا وعليه- زار محل قبر نبينا محمَّد ﷺ وأخبر أنه سيقبر فيه، وترك هناك أربعمائة من أحبار بني إسرائيل ينتظرون بعثته وهجرته إليهم، ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (١).

стр. 2018

الفصل الرابع في آداب الزيارة وما ينبغي للزائر أن يعمله في طريقه الأول: أن ينوي بزيارته للنبي ﷺ (١) - التقرب إلى الله بسيره للوصول إلى مسجده ﷺ للصلاة فيه والدعاء والتسليم على رسول الله ﷺ وأن يكثر في طريقه من الصلاة والسلام عليه (أوإذا قرب من المدينة ازداد من الصلاة والسلام عليه أ) ﷺ ويسأل الله أن ينفعه بزيارته وأن يتقبلها منه، فإن بإكثار الصلاة عليه (ب) نيل السعادات الدينية والدنيوية وتمام ما قصده من الأعمال. وقد أخرج الترمذي وصححه الحاكم عن أبي بن كعب ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ إذا ذهب ثلثا الليل قام فقال يأيها الناس اذكروا الله جاء الموت بما فيه، قال فقلت: يا رسول الله إني أكثر الصلاة عليك فكم أجعل لك من صلاتي؟ قال: ما شئت، قلت: الربع؟ قال: ما شئت وإن زدت فهو خير لك، قلت: فالنصف؟ قال: ما شئت وإن زدت فهو خير لك، قلت: فالثلثين؟ قال: ما شئت وإن زدت فهو خير لك، قلت: أجعل لك صلاتي كلها؟ قال: إذًا تكفى همك وغفر لك ذنبك" (٢).

стр. 2019

وفي رواية عن أحمد وابن أبي عاصم وابن أبي شيبة قال رجل يا رسول الله أرأيت إن جعلت صلاتي كلها عليك؟ قال: "إذًا يكفيك الله تعالى ما أهمك من دنياك وآخرتك" (١). فالزائر له مهمات دينية ودنيوية، ومن المهمات وصوله إلى الحضرة الشريفة لأداء ما قصده، فالصلاة على النبي ﷺ سبب في تيسرها له، ولا بأس إذا وصل إلى الجبل الذي يسمى مفرجًا أن يصعده ليشاهد المدينة ولكن يجتنب ما يفعله كثير من العامة من التسابق المفرط الذي يؤدي إلى ضرب الدواب وإعيائها فيما لا تستطيعه من السير. الثاني: أن يعرس بالبطحاء الذي بذي الحليفة ويصلي بها بإسنانه ﷺ ، قال السبكي وينبغي أن تكون سنة، وعن مالك ومن تبعه من أهل المدينة أن ذلك واجب، ويتأول ذلك بالاستحباب المؤكد، وقال ابن فرحون: إن كان الوقت مما يصلى فيه صلى ركعتين، وإن كان مما لا يصلى فيه أقام فيه حتى يصلي فيه، فإن ذلك من السنة، وذلك لأن ابن عمر قال: "كان رسول الله ﷺ إذا صدر من الحج أو العمرة أناخ بالبطحاء الذي بذي الحليفة يصلي بها" (٢) قال نافع وكان ابن عمر يفعل ذلك. الثالث: الاغتسال لدخول المدينة وقد ذكرته الهادوية والمالكية والحنابلة والحنفية، وإذا فات عليه احتمل أن له أن يفعله بعد الدخول ويحتمل عدمه، والأرجح الأول وقد صرحت به الحنفية. الرابع: أن يلبس أنظف ثيابه ويحتمل أن تكون كالعيد فيلبس الأحسن، ويحتمل أن يلبس الأنظف منها الأبيض لأن التواضع عند دخولها هو

стр. 2020

الأولى، وقد ذكر بعضهم أنه يلبس الأبيض لدخول كل مسجد، وقد جاء في حديث قيس بن عاصم أنه لما وفد مع قومه أسرعوا إلى الدخول، وثبت هو حتى أزال مهنته وأنار شعره ولبس ثيابه وجاءه على تؤدة ووقار فرضي له وأثنى عليه بقوله ﷺ : "إن فيه لخصلتين يحبهما الله الحلم والأناة" (١). الخامس: التطيب بعد إزالة الروائح الكريهة وحلق الأبط والعانة وقص الأظفار وغير ذلك مما يحسن به حال الزائر ويكره أن يتشبه بالمحرم بل وإذا اعتقد شرعية ذلك عذر وزجر. السادس: النزول عن راحلته عند مشاهدة المدينة أو حرمها، صرح به المالكية، والمستند ذلك ما روي أن عبد القيس لما زار النبي ﷺ نزلوا عن رواحلهم ولم ينكر عليهم وتعظيم حرمته وحرمة المقدس (أ) باق بعد وفاته كما في حال حياته، وإذا وصل حرم المدينة قال اللهم هذا حرم رسولك ﷺ الذي حرمته على لسانه ودعاك أن تجعل فيه من الخير والبركة مثلي ما هو (ب) في البيت الحرام فحرمني على النار وأمني من عذابك يوم تبعث عبادك وارزقني من بركاته ما رزقته أولياءك وأهل طاعتك ووفقني لحسن الأدب وفعل الخيرات وترك المنكرات. وقد ذكر هذا جماعة من العلماء وإن لم يصح فيه شيء. السابع: إذا دخل المدينة ينبغي له أن لا يركب من حسن دخوله المدينة إلى خروجه منها، وقد روي عن مالك ﵀ أنه ما ركب بالمدينة دابة

стр. 2021

وكان يقول: أستحي من الله أن أطأ تربة فيها رسول الله ﷺ بحافر دابة، وروي أن أبا الفضل الجوهري لما ورد المدينة زائرًا وقرب من بيوتها ترجل ومشى تأكيدًا منشدًا: ولما رأينا رسم مَنْ لم يدع لنا ... فؤادًا لعرفان الرسوم ولا لبا نزلنا على الأكوار نمشي كرامة ... لما بان عنه أن يلم به ركبا وحكي عن بعض المريدين أنه لما أشرف على مدينة الرسول ﷺ أنشأ متمثلًا: رفع الحجاب لنا فلاح لناظري ... قمر تقطع دونه الأوهام وإذا المطي بنا بلغن محمدًا ... فظهورهن على الرحال حرام قربننا من خير من وطئ الثرى ... فلها علينا حرمة وذمام وما أحسن ما قاله القاضي في الشفاء: "وجدير لمواطن عمرت بالوحي والتنزيل وتردد بها جبرائيل وميكائيل وعرجت منها الملائكة والروح وضجت عرصاتها بالتقديس والتسبيح واشتملت تربتها على جسد سيد البشر، وانتشر عنها من دين الله وسنة رسوله ما انتشر مدارس آيات ومساجد وصلوات ومشاهد الفضل والخيرات، ومعاهد البراهين والمعجزات ومناسك الدين ومشاعر المسلمين، ومواقف سيد المرسلين ومتبوأ خاتم النبيين حيث انفجرت النبوة وأين فاض عبابها، وموطن مهبط الرسالة، وأول أرض مس جلد المصطفى ترابها أن تعظم عرصاتها وتتنسم نفحاتها وتقبل ربوعها وجدرانها": يا دار خير المرسلين ومَنْ به ... هدي الأنام وخص بالآيات عندي لأجلك لوعة وصبابة ... وتشوق متوقد الجمرات وعلي عهد إنْ ملأت محاجري ... من تلكم الجدران والعرصات

стр. 2022

لأعفرن مصون شيبي بينها ... من كثرة التقبيل والرشفات لولا العوادي والأعادي زرتها ... أبدًا ولو سحبًا على الوجنات لكن سأهدي من حفيل تحيتي ... لقطين تلك الدار والحجرات أذكى من المسك المفتق نفحه ... تغشاه بالآصال والبكرات وتخصه بزواكي الصلوات ... ونوامي التسليم والبركات (١) الثامن: أن يقول عند دخوله المدينة: بسم الله ما شاء الله لا قوة إلا بالله، رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق، واجعل لي من لدنك سلطانًا نصيرًا، حسبي الله، آمنت بالله، توكلت على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله، اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك وبحق ممشاي هذا إليك فإني لم أخرج بطرًا ولا أشرًا ولا رياء ولا سمعة، خرجت اتقاء سخطك، وابتغاء مرضاتك، أسألك أن تنقذني من النار، وأن تغفر لي ذنوبي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. التاسع: ينبغي له أن يستحضر بقلبه شرف المدينة واختصاصها برسول الله ﷺ وأنه الذي أظهره كما أظهر إبراهيم حرمة مكة، وأنها أفضل الأرض مطلقًا عند مالك وجماعة من أهل العلم أو بعد مكة عند أكثر العلماء، وأن الذي شرفت به هو خير الخلائق أجمعين ويستشعر تعظيم المدينة من حين دخوله إلى أن يخرج كأنه يرى النبي ﷺ . العاشر: أن يتصدق بما أمكنه من الرزق الحلال عملًا بقوله تعالى ﴿إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ﴾ (٢) الآية وهو ﷺ حيّ، وينبغي أن يخص بالصدقة من كان مستوطنًا للمدينة لما لهم من شرف حق الجوار إذا لم يكن غيرهم

стр. 2023

أحوج منهم. الحادي عشر: أن لا يعرج على غير المسجد الشريف وأن يدخله مغتسلًا متطيبًا، والمرأة تؤخر زيارتها إلى الليل، ويستحضر عند رؤية المسجد جلالته لجلالة مشرفه بالعمارة والصلاة فيه وعبادته فيه ونزول الوحي عليه فيه وملازمته للجلوس فيه وتعليمه شرائع الإِسلام والاعتكاف فيه وتأديب أصحابه فيه وهدايتهم وتربيتهم بآداب السنة والكتاب الظاهرة والباطنة واستفادتهم للعلوم التي لا حد لها ولا غاية، ويجدد التوبة والاستغفار من الذنوب والتخلص مما عليه من المظالم والحقوق، ويفرغ قلبه من أمور الدنيا وما لا تعلق له بالزيارة حتى يصلح قلبه للاستمداد منه ﷺ فيتفرغ من ذلك بقدر وسعه وإمكانه، ويستشفع ببركة زيارة رسول الله ﷺ بإمداد الله له وتوفيقه للاستقامة على التوبة ويستحضر في قلبه كونه ﷺ حيًّا في قبره، وأن الوصول إليه كالوصول إليه في حياته، وأنه يسمع سلامه ويجيب عليه، ويعرفه بعينه وما هو عليه من الاستقامة والمخالفة (١)، وأنه الوسيلة وباب الله الذي لا يدخل إليه من غيره كما قال بعض العارفين: وأنت باب الله أي امرئ ... أتاه من غيرك لا يدخل

стр. 2024

ويطهر نفسه من الحقد والكِبْر ويلزم التواضع والأدب مع النبي ﷺ في جميع الأحوال ومتى أراد المسجد قدم رجله اليمنى ويقول: أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم، بسم الله والحمد لله ولا حول ولا قوة إلا بالله، اللهم صل على محمَّد وآل محمَّد وصحبه وسلم، اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك رب وفقني وسددني وأصلحني وأعني على ما يرضيك عني ومنّ علي بحسن الأدب في هذه الحضرة الشريفة، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، وإذا خرج قدم رجله اليسرى وقال هذا إلا أنه يقول: وافتح لي أبواب فضلك. وقد ورد في هذا الذكر أحاديث صحيحة، وذكر الرحمة في الدخول لأن المساجد محال رحمة الله تعالى لعباده رحمة مخصوصة (أ) تناسب قصدهم (ب) وعبادتهم فطلبت، وذكر في الخروج الفضل لأن الخروج إلى محل الاكتساب والأسباب التي تجلب بها الأرزاق والغنى عن الناس، وهذا مظهر من مظاهر الفضل التي تفضل الله بها على عباده كما قال الله تعالى: ﴿فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ (١) وقد جاء بسند حسن غير متصل "أنه ﷺ كان إذا دخل المسجد صلى على محمَّد وسلم ثم قال: اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك، وإذا (جـ) خرج صلى على محمَّد وسلم ثم قال: اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي

стр. 2025

أبواب فضلك" (١) وغير هذا، وقد تقدم في باب المساجد، وجاء في رواية: "إذا دخل أحدكم المسجد فليسلم على النبي ﷺ وليقل اللهم اعصمني من الشيطان" (٢)، قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ويرد عليه بأن فيه علة خفيت على الحاكم، لكنه حسن بشواهده. وورد حديث أيضًا في أنه يقول: السلام عليك أيها النبي الكريم ورحمة الله وبركاته، وهذا يشرع لكل داخل إلى المسجد المعظم وإنْ كان من أهل المدينة. قال الجمال الطبري: ينبغي للزائر أن يدخل من باب جبريل لأنه كان يدخل منه. وقد ورد في حديث نزوله بالخروج على بني قريظة وهو راكب على فرس أبلق وعلى رأسه اللامة حتى وقف بباب الجنائز وهو الباب المسمى بباب جبريل، وتسميته بباب جبريل متواتر عند أهل المدينة تناقله الخلف عن السلف (٣). وأن يقصد الروضة المقدسة، وإن دخل من باب جبريل قصدها من خلف الحجرة الشريفة مع ملازمته الهيبة والوقار وملابسة الخشية والانكسار والخضوع والافتقار ثم يبدأ بتحية المسجد ركعتين خفيفتين قيل: يقرأ في الأولى "الكافرون" وفي الأخرى "الإخلاص" ويصلي في مصلى النبي ﷺ ، وهو الآن محراب الشافعية (٤) لكن فيه انحراف عنه فيتحرى الطرف

стр. 2026

الغربي من ذلك المحل بحيث يصير ذلك المحراب عن يمينه، فهذا هو محل موقفه الشريف، فإن لم يتيسر له مما قرب إليه مما يلي المنبر، وقد ورد في تقديم التحية على الزيارة ما رواه مالك عن جابر ﵁ (أ) - قال: قدمت من سفرٍ فجئت رسول الله ﷺ وهو بفناء المسجد فقال: "أدخلت المسجد فصليت فيه؟ فقلت: لا. فقال: فاذهب فادخل المسجد صل فيه ثم ائت فسلم علي" (١). وإذا صلى المكتوبة قامت مقام التحية، ويسن له بعد الفراغ من التحية أن يشكر الله تعالى على هذه النعمة العظيمة ثم يسأله إتمام ما قصده وقبول زيارته، وله أن يسجد سجدة الشكر على مقتضى مذهب الهادوية والحنفية، وذكره الجمال الطبري من الشافعية، ومقتضى مذهب الشافعية أن سجود الشكر إنما يكون عند مفاجأة نعمة لا تحتسب فلا يسجد بل صرح بعض الشافعية بأنها تحرم لأن التقرب إلى الله بالسجود بلا سبب محرم. الثاني عشر: أن يقصد إلى القبر الشريف، قال بعضهم: والأولى أن يأتيه من جهة أرجل الصحابة ﵃ لأنه أبلغ في الأدب من الإتيان من جهة رأسه المكرم. وقد تقدم عن زين العابدين أنه كان يأتي من قبل الرأس ويستدير القبلة ويستقبل الوجه الشريف، وهذا مذهب الجمهور، وقال بعض ونقل عن أبي حنيفة أن الأفضل استقبال الكعبة، وروي أيضًا عن أبي حنيفة مثل الجمهور. وقد روى ابن الهُمَام في مسنده عن ابن عمر أنه قال: "من السنة استقبال القبر المكرم وجعل الظهر إلى القبلة".

стр. 2027

وقد نقل الطبري عن السلف أنهم كانوا قبل إدخال الحجر في المسجد يقفون في الروضة مستقبلين الرأس الشريف، وكانوا يقفون على باب البيت يسلمون، أي لتعذر استقبال الوجه الشريف، ثم لما أدخلت حُجَر أزواجه في المسجد اتسع أمام الوجه الكريم فوقفوا فيه مستقبلين له مستدبرين القبلة (١)، وكما في حق الخطيب، ثم يقف وهو مستشعر للهيبة والإجلال فارغ القلب من علائق الدنيا مستحضرًا بقلبه جلالة موقفه ومنزلة من هو بحضرته، وأنه حي في قبره، ناظرًا إليه، وأنه ربما أطلعه الله على ما في قلبه. قال الكرمانيّ الحنفي: ويضع يمينه على شماله كما في الصلاة ويبعد عن القبر الشريف بنحو أربعة أذرع، ذكره النووي في الإيضاح (٢)، قال النووي: وهو الذي أطبق عليه العلماء. وفي كتب غيره من الشافعية ويقرب الزائر من القبر كقربه منه حيا، وهو يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال، وذكر ابن عبد السلام أنه يكون بمقدار ثلاثة أذرع، وعن جماعة من المالكية الأفضل القرب، وهذا أدخل الآن إلى داخل الحجرة، وأما من زار من خلف الشباك الحديد (أالذي وضع أ) محيطًا فهو قد زاد على ذلك، والزيارة من داخل الحجرة إذا أمكن لأن ذلك موقف السلف، ويندب له أن ينظر إلى أسفل ما يستقبله من جدار (ب) القبر، وأن يغض

стр. 2028

طرفه عما أحدث به من الزينة. الثالث عشر: أنه يندب له أن يقول وهو مستقبل القبر الشريف: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا نبي الله، السلام عليك يا خير خلق الله، السلام عليك يا خيرة الله، السلام عليك يا حبيب الله، السلام عليك يا نبي الرحمة، السلام عليك يا هادي الأمة، السلام عليك يا بشير يا نذير يا ظهير يا ظاهر، السلام عليك يا ماحي يا عاقب يا رؤوف يا رحيم يا حاشر، السلام عليك يا رسول رب العالمين، السلام عليك يا سيد المرسلين وخاتم النبين، السلام عليك يا خير الخلائق أجمعين، السلام عليك يا قائد الغر المحجلين، السلام عليك وعلى آلك وأهل بيتك، وأزواجك وأصحابك أجمعين، السلام عليك وعلى سائر الأنبياء وجميع عباد الله الصالحين، جزاك الله يا رسول الله عنا أفضل ما جزى نبيا ورسولا عن أمته، وصلى الله تعالى عليك كما ذكرك ذاكر وغفل عن ذكرك غافل أفضل وأكمل وأطيب وأطهر وأزكى وأنمى ما صلى على أحدٍ من الخلق أجمعين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شرك له وأشهد أَنك عبده ورسوله وخيرته من خلقه، وأشهد أنك قد بلغت الرسالة وأديت الأمانة ونصحت الأمة وجاهدت في الله حق جهاده اللهم آته الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته، وآته نهاية ما ينبغي أن يسأله السائلون، اللهم صل على محمَّد عبدك ورسولك النبي الأمي وعلى آل محمَّد وأزواجه أمهات المؤمنين وذريته وأهل بيته كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم (١)، وبارك على محمَّد وعلى آل محمَّد وأزواجه وذريته (أوأهل بيته أ) كما باركت على إبراهيم وعلى آل

стр. 2029

إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد كما يليق بعظيم شرفه وكماله ورضاك عنه وكما تحب وترضى له دائمًا أبدًا عدد معلوماتك ومداد كلماتك ورضى نفسك وزنة عرشك أفضل صلاة (أ) وأكملها وأتمها كما ذكرك الذاكرون وغفل عن ذكرك الغافلون وسلم تسليمًا كذلك وعلينا معهم، وإذا عجز عن هذا اقتصر على بعضه، وأقله السلام عليك يا رسول الله - صلى الله عليك وسلم. واختلف حال السلف في التطويل والتقصير فروى ابن عساكر عن ابن عمر التقصير وكذلك ما مر عن الحسن بن الحسن، وذهب النووي (١) وجماعة من العلماء إلى أن التطويل أفضل، والأولى أنه ما دام الزائر مستحضرًا للهيبة والإجلال صادق الاستمداد فالتطويل أولى، ومتى فقد ذلك فالإسراع أولى. الرابع عشر: إذا وصاه أحد بالسلام على رسول الله ﷺ أن يقول: السلام عليك يا رسول الله من فلان بن فلان أو نحو ذلك، وحيث كان الموصي قد قبل من الموصى له ذلك التبليغ وجب الإبلاغ لأن ذلك من تحمل الأمانة، وكذلك في حق الحي، وعلى المبلغ إليه الرد ورسول الله ﷺ هو سامع يرد السلام على من سلم عليه، وهذا ذكره جماعة من الشافعية في تبليغ السلام إلى الحي، وكذلك يقال في حق النبي ﷺ فهو حيّ. الخامس عشر: يتأكد على الزائر إذا فرغ من السلام على رسول الله ﷺ أن يتأخر إلى جهة يمينه قدر ذراع فيسلم على أبي بكر الصديق، ويقول: السلام عليك يا أبا بكر صفيّ رسول الله ﷺ وثانيه في الغار،

стр. 2030

جزاك الله تعالى عن أمة محمَّد ﷺ خيرًا؛ لأن رأسه عند منكب رسول الله ﷺ ، ثم يتأخر كذلك عن يمينه قدر ذراع للسلام على عمر لأن رأسه عند منكب أبي بكر ﵄ فيقول: السلام عليك يا عمر الذي أعز الله -تعالى- بك الإِسلام، جزاك الله تعالى عن أمة نبيه ﷺ خيرًا، ثم إذا فرغ من السلام على الشيخَيْن رجع إلى موقفه الأول قبالة وجه رسول الله ﷺ ويتوسل به في حق نفسه، ويستشفع به إلى ربه، وقد استحسن العلماء من (١) جميع المذاهب أن يقول ما روي عن سفيان بن عيينة قال: كنتُ جالسًا عند قبر النبي ﷺ فجاء أعرابي فقال: السلام عليك يا رسول الله، سمعت الله تعالى يقول -وفي رواية يا خير الرسل- أن الله أنزل عليك كتابًا صادقًا قال فيه ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ (٢) وقد جئتك مستغفرًا بك من ذنوبي ثم بكى وأنشأ يقول: يا خير من دفنت في الترب أعظمه ... فطاب من طيبهن القاع والأكم نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه ... فيه العفاف وفيه الجود والكرم قال: ثم استغفر وانصرف فحملتني عيني فرأيت النبي ﷺ في النوم فقال: يا سفيان الحق الأعرابي فبشره بأن الله تعالى قد غفر له فخرجت خلفه فلم أجده. وروى بعض الحفاظ عن أبي سعيد السمعاني أنه روى عن علي - كرم

стр. 2031

الله وجهه - أنهم بعد دفنه ﷺ بثلاثة أيام جاءهم أعرابي فرمى نفسه على القبر وحثا من ترابه على رأسه وقال: يا رسول الله قلت فسمعنا قولك ووعيت عن الله وما وعينا عنك وكان فيما أنزل عليك ﴿ولو أنهم ....﴾ الآية وقد ظلمتُ نفسي وجئتك (أ) تستغفر لي فنودي من القبر أنه قد غفر لك (١). وجاء ذلك عن علي من طريق أخرى، ويقول بعد أن يستغفر ويجدد التوبة: ونحن وفدك يا رسول الله وزوارك جئناك لقضاء حقك والتبرك بزيارتك، والاستشفاع بك مما أثقل ظهورنا وأظلم قلوبنا فليس لنا شفيع غيرك نؤمله ولا رجاء غيرك نصله فاستغفر الله تعالى لنا، واشفع لنا إلى ربك واسأله أن يمن علينا بسائر طلباتنا ويحشرنا في زمرة عباده الصالحين والعلماء العاملين. ويكره أن يطوف بقبر النبي ﷺ بل نقل الثوري عن إطباق العلماء تحريمه لأن الطواف كالصلاة، وقد أجمعوا أنه يحرم الصلاة إلى قبره تعظيمًا له، ويكره إلصاق البطن والظهر بجدار القبر المكرم، كذا ذكره الحليمي من الشافعية (٢)، ويلحق به جدار الحاجز عليه المستور بالحرير الآن، ويكره وضع اليد على القبر ومسح جدار القبر باليد وتقبيله، والأدب أن يبعد منه لو كان حيًّا حاضرًا. وادعى النووي (ب) إطباق العلماء على ذلك، واعترض دعوى الإطباق

стр. 2032

العز بن جماعة. وقال: إنه سئل أحمد عن تقبيل القبر ومسه فقال (١): لا بأس به، ومثله عن المحب الطبري وابن أبي الصيف والإمام السبكي، وقد روي عن أبي أيوب الأنصاري تمريغ وجهه على القبر (أوهو ما أخرجه أحمد بسندٍ جيد أنه أقبل مروان يومًا فوجد رجلًا واضعًا وجهه على القبر فأخذ مروان برقبته (ب) ثم قال: هل تدري ما تصنع؟ فأقبل عليه فقال: نعم إني لم آت الحَجَر إنما جئت رسول الله ﷺ ولم آت الحجر سمعت رسول الله ﷺ يقول "لا تبكوا على (جـ) الدِّين إذا وليه أهله ولكن ابكوا (د) على الدِّين إذا وليه غير أهله" (٢) وما تقدم من زيارة بلال وتمريغ وجهه، وجاء عن فاطمة ﵂ أنها لما قبر ﷺ أخذت قبضة من تراب قبره وجعلته على عينها وبكت وأنشدت: ماذا على من شم تربة أحمد ... أن لا يشم مدى الزمان غواليا صبت عليَّ مصائب لو أنها ... صبت على الأيام عدن (هـ) لياليا وقد رد ذلك بأن قول النووي إطباق العلماء أراد من بعد عصر الصحابة يعني أنهم رأوْا ترك ذلك لمصلحة وهو سد ذريعة المفسدة التي تحصل من

стр. 2033

عامة الناس من اعتقاد تعظيم الجماد من الحجر والتراب وغير ذلك وقد يفضي إلى اعتقاد أن ذلك يضر وينفع من دون الله تعالى (١). وذكر الخطيب في تأويل ما تقدم عن بلال وغيره أنه يكون الحامل على ذلك الاستغراق في المحبة ومقصودهم إنما هو الاحترام والتعظيم، والناس تختلف مراتبهم في ذلك كما كانت تختلف في حياته فإنه كان ناس حين يرونه لا يملكون أنفسهم ويبادرون إليه وناس يكون فيهم أناة وكلهم يقصد الخير، وعلم من هذا كراهة مس مشاهد الأولياء وتقبيلها بالطريق الأولى، وكذلك يكره أيضًا الانحناء للقبر الشريف، وأقبح منه تقبيل الأرض، وحكى هذا ابن جماعة عن بعض العلماء. السادس عشر: أنه إذا فرغ من الزيارة استقبل القبلة ووقف محاذيًا لرأس القبر المكرم والأسطوانة التي هي علم على جهة الرأس الشريف فيجعلها عن يساره، وتكون الأسطوانة المقابلة له الملاصقة للمقصورة المستديرة بالحجرة الشريفة على يمينه ويستقبل القبلة ويحمد الله -تعالى- ويمجده بأبلغ (أ) ما يمكنه ثم يصلي على النبي ﷺ ثم يدعو لنفسه بما أحب من خيري الدنيا والآخرة ولوالديه ولأقاربه ولأحبائه ولمن أوصاه ولسائر المسلمين واستقبال القبلة هو الأفضل على ما ذهب إليه جمهور العلماء، وذهب مالك إلى أن الأفضل أن يستقبل الوجه الشريف في حال الدعاء، وقد سأله المنصور الدوانيقي فقال له: يا أبا عبد الله أستقبل القبلة وأدعو أم

стр. 2034

أستقبل رسول الله ﷺ ؟ فقال له مالك: ولم تصرف وجهك عنه، وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم - صلى الله على نبينا وعليه - يوم القيامة، استقبله واستشفع به فيشفعه الله تعالى قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ ...﴾ الآية (١)، ولمالك قول: إنه لا يستقبل القبر إلا للسلام دون الدعاء وجمع بين قوليه بأن الأول فيمن يعرف آداب الدعاء وشروطه والثاني في حق الجاهل لذلك (٢). السابع عشر: أنه يسن بعد إتمام الزيارة إدامة الوقوف في الروضة المشرفة ويجعل صلاته مدة إقامته فيها فهو أولى لما ورد فيها في الصحيحين عن أبي هريرة أنه قال ﷺ "ما بين منبري وقبري روضة من رياض الجنة، ومنبري على حوضي" (٢) وفي رواية "ما بين منبري وبيتي" وفي أخرى "ما بين حجرتي ومنبري" ولا منافاة لأن قبره في بيته، وبيته هو الحجرة. ومعنى الحديث كما قال مالك: إنه ينقل إلى الجنة وليس كسائر الأرض يذهب ويفني أو هي من الجنة الآن حقيقة، وإن كانت في الظاهر صفتها صفة دار الدنيا كما أن الحجر الأسود ومقام إبراهيم من الجنة، وكونه على الحوض أنه ينصب على حوضه لأن الأصل بقاء اللفظ على ظاهره. ويمسح رمانة المنبر لأنه روي أن النبي ﷺ يمسكها وأنها باقية، وأما الأكل من التمر الصيحاني في الروضة فبدعة تفعلها الشيعة ويروون في

стр. 2035

تسميته صيحانيا حديثًا وهو ما رواه ابن المؤيد الحموي عن جابر ﵁ قال: كنت مع النبي ﷺ يومًا في بعض حيطان المدينة ويد علي في يده فمررنا بنخل فصاح النخل هذا محمَّد رسول الله -هذا علي سيف الله فالتفت النبي ﷺ إلى علي وقال "سمه الصيحاني" ذكره ابن الجوزي في الموضوعات. وفضيلة المسجد كائنة لما كان في زمنه ﷺ ولما زيد فيه وذلك لأنه ﷺ قد اطلع على ما سيكون بعده. وقد أخبر بمضاعفة الثواب لمن صلى فيه، ويدل على ذلك أن عمر زاد فيه من جهة القبلة الرواق المتوسط بين الروضة ورواق المحراب العثماني وحده في الغرب إلى الأسطوانة السابعة من المنبر، ولم يزد شيئًا في جهة الشرق لأن الحجرة كانت هي الحدُّ في الشرق في زمنه ثم زاد عثمان في القبلة إلى موضع محرابه اليوم ولم يزد في شرقيه وزاد في غربيه قدر الأسطوانة فجدار المسجد في زمنه من جهة الغرب انتهى إلى الأسطوانة الثامنة (أ) من المنبر وما بعدها إلى الجدار أسطوانتان فقط زادهما الوليد والخامسة من المنبر هي نهاية المسجد النبوي بعد الزيادة الثانية وَحَدُّه من جهة الشام قريب من الأحجار التي عند ميزان الشمس بصحن المسجد خلف مجلس مشايخ الحرم، ويندب للزائر أن يصلي عند السواري التي كانت في زمنه ﷺ إذ لا يخلو من صلاته أو صلاة أحد من الصحابة ﵃ والذي ورد له فضل خاص هن ثمان: الأولى التي جعلت علامة لمصلى النبي ﷺ وكان الجذع الذي يخطب ﷺ أمامها كذا قال ابن زبالة ثم أسطوان ثانية صلى إليها النبي ﷺ بعد تحويل القبلة بضعة عشر يومًا وهي الثالثة من المنبر ومن القبر ومن القبلة متوسطة الروضة وتسمى أسطوانة الفرغة لما في الطبراني في "الأوسط" إن
следующие страницы →