← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17747

البدر التمام شرح بلوغ المرام ت الزبن

الحسين بن محمد المغربي

Полный текст (4 458 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.

стр. 2031

الله وجهه - أنهم بعد دفنه ﷺ بثلاثة أيام جاءهم أعرابي فرمى نفسه على القبر وحثا من ترابه على رأسه وقال: يا رسول الله قلت فسمعنا قولك ووعيت عن الله وما وعينا عنك وكان فيما أنزل عليك ﴿ولو أنهم ....﴾ الآية وقد ظلمتُ نفسي وجئتك (أ) تستغفر لي فنودي من القبر أنه قد غفر لك (١). وجاء ذلك عن علي من طريق أخرى، ويقول بعد أن يستغفر ويجدد التوبة: ونحن وفدك يا رسول الله وزوارك جئناك لقضاء حقك والتبرك بزيارتك، والاستشفاع بك مما أثقل ظهورنا وأظلم قلوبنا فليس لنا شفيع غيرك نؤمله ولا رجاء غيرك نصله فاستغفر الله تعالى لنا، واشفع لنا إلى ربك واسأله أن يمن علينا بسائر طلباتنا ويحشرنا في زمرة عباده الصالحين والعلماء العاملين. ويكره أن يطوف بقبر النبي ﷺ بل نقل الثوري عن إطباق العلماء تحريمه لأن الطواف كالصلاة، وقد أجمعوا أنه يحرم الصلاة إلى قبره تعظيمًا له، ويكره إلصاق البطن والظهر بجدار القبر المكرم، كذا ذكره الحليمي من الشافعية (٢)، ويلحق به جدار الحاجز عليه المستور بالحرير الآن، ويكره وضع اليد على القبر ومسح جدار القبر باليد وتقبيله، والأدب أن يبعد منه لو كان حيًّا حاضرًا. وادعى النووي (ب) إطباق العلماء على ذلك، واعترض دعوى الإطباق

стр. 2032

العز بن جماعة. وقال: إنه سئل أحمد عن تقبيل القبر ومسه فقال (١): لا بأس به، ومثله عن المحب الطبري وابن أبي الصيف والإمام السبكي، وقد روي عن أبي أيوب الأنصاري تمريغ وجهه على القبر (أوهو ما أخرجه أحمد بسندٍ جيد أنه أقبل مروان يومًا فوجد رجلًا واضعًا وجهه على القبر فأخذ مروان برقبته (ب) ثم قال: هل تدري ما تصنع؟ فأقبل عليه فقال: نعم إني لم آت الحَجَر إنما جئت رسول الله ﷺ ولم آت الحجر سمعت رسول الله ﷺ يقول "لا تبكوا على (جـ) الدِّين إذا وليه أهله ولكن ابكوا (د) على الدِّين إذا وليه غير أهله" (٢) وما تقدم من زيارة بلال وتمريغ وجهه، وجاء عن فاطمة ﵂ أنها لما قبر ﷺ أخذت قبضة من تراب قبره وجعلته على عينها وبكت وأنشدت: ماذا على من شم تربة أحمد ... أن لا يشم مدى الزمان غواليا صبت عليَّ مصائب لو أنها ... صبت على الأيام عدن (هـ) لياليا وقد رد ذلك بأن قول النووي إطباق العلماء أراد من بعد عصر الصحابة يعني أنهم رأوْا ترك ذلك لمصلحة وهو سد ذريعة المفسدة التي تحصل من

стр. 2033

عامة الناس من اعتقاد تعظيم الجماد من الحجر والتراب وغير ذلك وقد يفضي إلى اعتقاد أن ذلك يضر وينفع من دون الله تعالى (١). وذكر الخطيب في تأويل ما تقدم عن بلال وغيره أنه يكون الحامل على ذلك الاستغراق في المحبة ومقصودهم إنما هو الاحترام والتعظيم، والناس تختلف مراتبهم في ذلك كما كانت تختلف في حياته فإنه كان ناس حين يرونه لا يملكون أنفسهم ويبادرون إليه وناس يكون فيهم أناة وكلهم يقصد الخير، وعلم من هذا كراهة مس مشاهد الأولياء وتقبيلها بالطريق الأولى، وكذلك يكره أيضًا الانحناء للقبر الشريف، وأقبح منه تقبيل الأرض، وحكى هذا ابن جماعة عن بعض العلماء. السادس عشر: أنه إذا فرغ من الزيارة استقبل القبلة ووقف محاذيًا لرأس القبر المكرم والأسطوانة التي هي علم على جهة الرأس الشريف فيجعلها عن يساره، وتكون الأسطوانة المقابلة له الملاصقة للمقصورة المستديرة بالحجرة الشريفة على يمينه ويستقبل القبلة ويحمد الله -تعالى- ويمجده بأبلغ (أ) ما يمكنه ثم يصلي على النبي ﷺ ثم يدعو لنفسه بما أحب من خيري الدنيا والآخرة ولوالديه ولأقاربه ولأحبائه ولمن أوصاه ولسائر المسلمين واستقبال القبلة هو الأفضل على ما ذهب إليه جمهور العلماء، وذهب مالك إلى أن الأفضل أن يستقبل الوجه الشريف في حال الدعاء، وقد سأله المنصور الدوانيقي فقال له: يا أبا عبد الله أستقبل القبلة وأدعو أم

стр. 2034

أستقبل رسول الله ﷺ ؟ فقال له مالك: ولم تصرف وجهك عنه، وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم - صلى الله على نبينا وعليه - يوم القيامة، استقبله واستشفع به فيشفعه الله تعالى قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ ...﴾ الآية (١)، ولمالك قول: إنه لا يستقبل القبر إلا للسلام دون الدعاء وجمع بين قوليه بأن الأول فيمن يعرف آداب الدعاء وشروطه والثاني في حق الجاهل لذلك (٢). السابع عشر: أنه يسن بعد إتمام الزيارة إدامة الوقوف في الروضة المشرفة ويجعل صلاته مدة إقامته فيها فهو أولى لما ورد فيها في الصحيحين عن أبي هريرة أنه قال ﷺ "ما بين منبري وقبري روضة من رياض الجنة، ومنبري على حوضي" (٢) وفي رواية "ما بين منبري وبيتي" وفي أخرى "ما بين حجرتي ومنبري" ولا منافاة لأن قبره في بيته، وبيته هو الحجرة. ومعنى الحديث كما قال مالك: إنه ينقل إلى الجنة وليس كسائر الأرض يذهب ويفني أو هي من الجنة الآن حقيقة، وإن كانت في الظاهر صفتها صفة دار الدنيا كما أن الحجر الأسود ومقام إبراهيم من الجنة، وكونه على الحوض أنه ينصب على حوضه لأن الأصل بقاء اللفظ على ظاهره. ويمسح رمانة المنبر لأنه روي أن النبي ﷺ يمسكها وأنها باقية، وأما الأكل من التمر الصيحاني في الروضة فبدعة تفعلها الشيعة ويروون في

стр. 2035

تسميته صيحانيا حديثًا وهو ما رواه ابن المؤيد الحموي عن جابر ﵁ قال: كنت مع النبي ﷺ يومًا في بعض حيطان المدينة ويد علي في يده فمررنا بنخل فصاح النخل هذا محمَّد رسول الله -هذا علي سيف الله فالتفت النبي ﷺ إلى علي وقال "سمه الصيحاني" ذكره ابن الجوزي في الموضوعات. وفضيلة المسجد كائنة لما كان في زمنه ﷺ ولما زيد فيه وذلك لأنه ﷺ قد اطلع على ما سيكون بعده. وقد أخبر بمضاعفة الثواب لمن صلى فيه، ويدل على ذلك أن عمر زاد فيه من جهة القبلة الرواق المتوسط بين الروضة ورواق المحراب العثماني وحده في الغرب إلى الأسطوانة السابعة من المنبر، ولم يزد شيئًا في جهة الشرق لأن الحجرة كانت هي الحدُّ في الشرق في زمنه ثم زاد عثمان في القبلة إلى موضع محرابه اليوم ولم يزد في شرقيه وزاد في غربيه قدر الأسطوانة فجدار المسجد في زمنه من جهة الغرب انتهى إلى الأسطوانة الثامنة (أ) من المنبر وما بعدها إلى الجدار أسطوانتان فقط زادهما الوليد والخامسة من المنبر هي نهاية المسجد النبوي بعد الزيادة الثانية وَحَدُّه من جهة الشام قريب من الأحجار التي عند ميزان الشمس بصحن المسجد خلف مجلس مشايخ الحرم، ويندب للزائر أن يصلي عند السواري التي كانت في زمنه ﷺ إذ لا يخلو من صلاته أو صلاة أحد من الصحابة ﵃ والذي ورد له فضل خاص هن ثمان: الأولى التي جعلت علامة لمصلى النبي ﷺ وكان الجذع الذي يخطب ﷺ أمامها كذا قال ابن زبالة ثم أسطوان ثانية صلى إليها النبي ﷺ بعد تحويل القبلة بضعة عشر يومًا وهي الثالثة من المنبر ومن القبر ومن القبلة متوسطة الروضة وتسمى أسطوانة الفرغة لما في الطبراني في "الأوسط" إن

стр. 2036

في مسجدي لبقعة قبل هذه الأسطوانة لو يعلم الناس ما صلوا إليها إلا أن تطير لهم فرغة" فكان أبو بكر وعمر وغيرهما ﵃ يصلون إليها والمهاجرون من قريش يجتمعون عندها، قيل والدعاء عندها مستجاب يليها لناحية القبر أسطوان التوبة وهي أسطوانة أبي لبابة التي ربط نفسه إليها حتى نزلت توبته وأسطوان السرير وهي اللاصقة بالشباك اليوم شرقي أسطوان التوبة كان سريره ﷺ يوضع عندها مرة، وعند أسطوان التوبة أخرى، والخامسة أسطوان علي ﵁ كان يجلس في صفحتها التي تلي القبر يحرس رسول الله ﷺ وهو خلف أسطوان التوبة من جهة الشمال، وكانت الخوخة التي يخرج منها النبي ﷺ من بيت عائشة إلى الروضة في مقابلتها وخلفها من الشمال أيضًا، والسادسة أسطوان الوفود كان ﷺ يجلس عندها لوفود العرب، السابعة أسطوان مربعة القبر ويقال لها مقام جبريل وهي في حائز الحجرة الشريفة عند منحرف صفحته الغربية للشمال وبينها وبين أسطوان الوفود الأسطوان الملاصقة لشباك الحجرة وكذا ذكر ابن عساكر في أسطوان الوفود إنك إذا عددت الأسطوان التي فيها مقام جبريل كان هي الثالثة، وليحيى وابن زبالة عن مسلم بن أبي مريم كان باب بيت فاطمة ﵂ في المربعة ولذا قال مسلم بن أبي مريم لسليمان: لا يَفتْك حظك من الصلاة إليها فإنها باب فاطمة أي وقد كان النبي ﷺ يأتيه حتى يأخذ بعضادتيه ويقول: السلام عليكم أهل البيت إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرًا. ورواه يحيى (أ) وفي رواية له "كل يوم فيقول الصلاة الصلاة .... " الحديث، وقد حرم الناس التبرك بأسطوان السرير لعلو الشباك.

стр. 2037

الثامنة أسطوان التهجد كان يصلي ﷺ إليها ومحلها الآن دعامة بها محراب مرحم (أ) قرب باب جبريل وقد روي أنه كان رسول الله ﷺ يخرج حصيرًا كل ليلة إذا انكفت الناس فيطرح وراء باب عليّ ﵁ ثم يصلي صلاة الليل فرآه رجل فصلى بصلاته ثم آخر فصلى بصلاته حتى كثروا فالتفت فإذا بهم فأمر بالحصير فطوي ثم دخل فلما أصبح جاءوه فقالوا يا رسول الله كنت تصلي بالليل فنصلي بصلاتك، فقال: "إني خشيت أن تنزل عليكم صلاة الليل ثم لا تقوون عليها" (١). قال عيسى بن عبد الله: وذلك موضع الأسطوان التي على طريق باب النبي ﷺ مما يلي باب الزوراء والزوراء بالزي الموضع المزور خلف الحجرة من حائزها وهو كشكل المثلث، وكذا روي عن محمَّد بن علي بن الحنفية أنها كانت مصلى رسول الله ﷺ من الليل. قال ابن النجار: هذه الأسطوانة وراء بيت فاطمة من جهة الشمال وفيها محراب إذا توجه المصلي إليه كانت يساره إلى باب عثمان المعروف اليوم بباب جبريل. وقال المطري: وحولها الدرابزيان أي المقصورة الدائرة على الحجرة الشريفة، وقد كتب فيها بالرخام هذا متهجد النبي ﷺ ، وبعد حصول الحريق الثاني دعامة عند بناء القبة واتخذ فيها محراب مرخمًا، وهذه الأسطوانة هي آخر الأساطين التي لها فضل خاص وإلا فجميع أساطين المسجد مشتركة في الفضل. وقد أخرج البخاري عن أنس "لقد أدركت كبار أصحاب النبي ﷺ يبتدرون السواري" (٢) قد اختصت بصلاة أكابر الصحابة عندها.

стр. 2038

الفصل الخامس في زيارة مَنْ في المدينة فيندب له أن يخرج كل يوم إلى البقيع لا سيما يوم الجمعة، والأولى أن يكون ذلك بعد السلام على رسول الله ﷺ وعلى صاحبيه، فإذا انتهى إلى البقيع قال: السلام عليكم دار قوم مؤمنين -وهو بتقدير مضاف محذوف أي أهل دار أو سكان أو يجوز بالدار عن أهلها إطلاقًا لاسم المحل على الحال والمراد الأرواح- وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد، اللهم اغفر لنا ولهم ثم يسلم على من في قبة العباس (١) وفيها العباس وفاطمة بنت رسول الله ﷺ على ما هو المشهور أنها بجنب العباس والحسن بن علي وزين العابدين ومحمد بن على الباقر وجعفر الصادق فيسلم على كل واحد منهم ثم سيدنا إبراهيم ابن رسول الله ﷺ وعنده جماعة من الصحابة ثم أمهات المؤمنين وكلهن في البقيع إلا خديجة فبمكة وميمونة بسَرَف، ويزور قبر مالك بن أنس وشيخه نافع وقبر صفية عمة رسول الله ﷺ ويأتي قبر عثمان بن عفان ويزوره ثم مشهد إسماعيل بن جعفر الصادق وهو بركن سور المدينة من داخله، ومالك بن سنان والد أبي سعيد الخدري وهو ملصق إلى السور غربي المدينة ثم مشهد الإِمام محمَّد بن عبد الله النفس الزكية وهو خارج السور شرقي المدينة بشرقي سلع ثم يأتي أُحُد لزيارة الشهداء فيبدأ بزيارة حمزة عم رسول الله ﷺ سيد الشهداء ثم يزور الشهداء ويقصد إلى

стр. 2039

جبل أحد فإنه الجبل الذي قال فيه ﷺ "أحد نحبه ويحبنا" (١) ويقصد زيارتهم يوم الخميس لأن الموتى يزداد علمهم ومعرفتهم للزائر في يوم الجمعة ويومًا قبله ويومًا بعده، ويندب التبكير ليعود لصلاة الظهر، ويندب أن يخرج إلى قباء يوم السبت متطهرًا من حين خروجه إلى مسجد قباء ناويًا التقرب بزيارته والصلاة فيه للحديث الصحيح "صلاة في مسجد قباء كعمرة" (٢). وأخرج الشيخان: "كان ﷺ يأتي مسجد قباء راكبًا وماشيًا فيصلي فيه ركعتين" (٣). وقد جاء في الحديث الصحيح "أنه ﷺ كان يأتيه في كل سبت، وكان يأتي إلى أحد في كل خميس" (٤) وكان الحكمة في ذلك أنه لما كان قصد الموتى يوم الخميس ويوم الجمعة لزيادة شعورهم، فبقي السبت لزيارة قباء وأهله ويؤخذ من قصد النبي ﷺ أنه يشد الرجل إليه، وكان حقه أن يذكر مع المساجد الثلاثة، ولعل الحكمة في عدم ذكره أن القاصد إليه قاصد إلى المدينة، وكان مسجد المدينة هو الأفضل فاستغنى بذكر الأفضل وهو مسجد المدينة فإنه المسجد الذي أسس على التقوى كما قال ﷺ "هو مسجدكم هذا" (٥) يشير إلى مسجد المدينة ويأتي الآبار التي بالمدينة وهي مشهورة لأهل المدينة، وعدَّ النووي (٦) سبعًا وهي التي كان النبي ﷺ يتوضأ منها أو يغتسل، وذكر غيره أنها سبع عشرة

стр. 2040

ولعل النووي أراد المشتهر (أ) منها، ويندب له أيضًا أن يأتي المساجد التي بالمدينة وهي نحو ثلاثين موضعًا وسوى علمت عينه أو جهته (١) وقد كان ابن عمر ﵄ يتحرى الصلاة والنزول والمرور حيث حل ﷺ ونزل (٢). وما جاء عن عمر أنه رأى الناس في الرجوع من الحج ابتدروا مسجدًا فقال: ما هذا؟ فقالوا: مسجد صلى فيه رسول الله ﷺ فقال: هكذا هكذا (ب) أهل الكتاب قبلكم اتخذوا آثار الأنبياء تبعًا، من عرضت له منكم الصلاة فليصل فيه، ومن لم تعرض له فليمض (٣). وروي مثل هذا عن مالك ولكنه محمول على سد الذرائع خشية أن يتخذ ذلك العامة تشريعًا (٤).

стр. 2041

وقد قال القاضي عياض في "الشفا": ومن إعظامه ﷺ وإكبَاره إعظام مشاهده (أ) وأمكنته ومعاهده وما لمسه ﷺ بيده أو عرف به؛ انتهى.

стр. 2042

الفصل السادس إذا أراد السفر من المدينة المشرفة فينبغي أن يغتسل للوداع ثم يأتي إلى مسجد النبي ﷺ فيسلم كما فعل في وصوله ثم يصلي ركعتين لتوديع المسجد المكرم ويدعو ويصلي على النبي ﷺ ويتضرع إلى الله -تعالى- في قبول زيارته (١) ثم يقول السلام عليك يا رسول الله سلام مودِع لا قالٍ ولا مالٍ ولا سائم للمقام عندك ولا مستبدل بك سواك، فإن أنْصرِف فلا عن ملالة بل باقٍ على ولاية لك مني ومحبة صادقة من قلبي وإيمان بك وتصديق (أ) لك فيما أخبرت به عن ربك وعن علم حقيقي بنبوتك ورسالتك ومعرفة يقينية أنك قد بلغت الرسالة وأديت الأمانة واجتهدت في النصيحة ونصحت الأمة، فجزاك الله عنا أفضل الجزاء، وألحقنا بك من الصالحين وكافأك عنا أفضل ما كافأ نبيًّا عن أمته ورسول عمن أرسل إليه، ونسأل الله تعالى أن لا يجعله آخر العهد من زيارتك يا رسول الله ومن حضور مشاهدك ومواقفك والتوسل بك إلى الله ربنا وربك وبعترتك الطاهرين وصحابتك الأبرار الصادقين، ونسأل الله تعالى خير مسئول وأكرم مأمول أن يتقبل (ب) جوارنا ويزكي أعمالنا ويغفر ذنوبنا ويدخلنا يوم القيامة في شفاعتك ويحشرنا في زمرتك ويوردنا حوضك ويسقينا بكأسك ويجعل مأوانا الجنة ولا يردنا خائبين ولا مقبوحين وأن يقبلنا مفلحين منجحين قد استجاب دعاءنا وغفر ذنوبنا وزكى أعمالنا وقبل

стр. 2043

جوارنا ربنا وشكر سعينا وردنا بأفضل ما ينقلب به وافد وخير ما يرجع به زائر وأكرم ما يؤوب به راجع وأكثر ما ينصرف به داع إنك قريب مجيب سميع الدعاء لطيف لما تشاء، اللهم صل على محمَّد (أوعلى آل محمَّد أ) عدد ما خلقت وزنة ما خلقت ولا حول ولا قوة إلا بالله (ب العلي العظيم ب) وحسبنا الله ونعم الوكيل. ثم ينصرف تلقاء وجهه ولا يمشي القهقرى، ولا يحمل شيئًا مما عمل من تراب حرم المدينة ومن أحجاره إلى خارج حرمها ولو إلى حرم مكة كما لا يخرج شيئًا من حرم مكة إلى خارجه، ولا بأس بإهداء ماء آبار المدينة. وذكر شهاب الدين بن حجر الهيثمي (جـ) أنه يحرم قال ويجب على من أخرج شيئًا من تراب حرام (د) المدينة أو أحجارها إرجاعه.

стр. 2044

الفصل السابع في عقد الإجارة على زيارة النبي ﷺ فظاهر مذهب الهادوية (١) وغيرهم من الأئمة صحة عقد الإجارة لأن (أ) ذلك عمل مقدور معلوم وهو الوصول إلى حضرة النبي ﷺ والتسليم عليه، ويستحق المسمى من الأجرة إذا زار وفعل ما أمر به وإن عين له الزمان تعين عليه فإذا استؤجر للحج والزيارة فإن فعلهما استحق الأجرة المسماة، وإن حج ولم يزر سقط عليه من الأجرة بقدر مسافة طريق الزيارة من مكة، وإن لم يعين له الزمان فله أن يزور في أي وقت شاء، وله أن يستنيب إذا شرط أو كان له عذر، وقد ذكر مثل هذا في تهذيب الطالب لعبد الحق وصححه السبكي وقال: والذي ذكره أصحابنا أن الاستئجار على الزيارة لا يصح لأنه عمل غير مضبوط ولا مقدر بشرع (ب) والجعالة إذا وقعت (جـ) على نفس الوقوف لم تصح أيضًا لأن ذلك مما لا يصح فيه النيابة عن الغير، وإن وقعت على الدعاء عند القبر الشريف كانت صحيحة لأن الدعاء مما يصح النيابة فيه والجهل بالدعاء لا يبطلها، قاله الماوردي. وبقي قسم ثالث لم يذكره وهو إبلاغ السلام ولا شك في جواز الإجارة والجعالة عليه، وفي التنبيه للديمي (د) أن الاستئجار للزيارة فيه ثلاثة

стр. 2045

أوجه أصحها فيما قاله ابن سراقة الجواز واختاره الأصبحي صاحب المفتاح. والثاني المنع وبه قطع الماوردي. والثالث وبه قال الإِمام الحكمي واختاره الأصبحي صاحب المغني على أنه يبني على ما إذا حلف لا أكلم فلانًا. فكاتبه أو راسله، والصحيح عدم الحنث فلا يصح الاستئجار، وإن قلنا يحنث صح. قال السيد نور الدين بن علي السمهودي: والبناء ضعيف إذ الملحوظ في الأيمان العرف، وأما الزيارة وإبلاغ السلام فقربة مقصودة. والحق صحة الاستئجار للسلام على النبي ﷺ والدعاء عنده، انتهى. وأما النذر بالزيارة للنبي ﷺ فعلى ما تقدم من الإشارة إلى أنها واجبة، فالنذر لازم عند الجميع، وعلى القول بأنها سنة فعلى ما ذهب إليه الهادوية، وذكره الأزرقي لمذهب الهادي وهو قول أبي حنيفة وأصحابه أنه لا يجب الوفاء إلا بما جنسه واجب والزيارة جنسها ليس بواجب فلا يلزم الوفاء بالنذر، وعلى ما ذهب إليه القاسم الراسي وصاحب الوافي ومالك والشافعي وهو ظاهر قول المؤيد بالله أنه يجب الوفاء بما جنسه قربة وإن كان غير واجب، والزيارة جنسها قربة فيجب الوفاء بها. قال القاضي ابن كج من أصحاب الشافعي: إذا نذر أن يزور النبي ﷺ فعندي أنه يلزمه الوفاء وجها واحدا وإذا نذر أن يزور غيره فيه وجهان، والقطع في زيارة النبي ﷺ بالوجوب هو الحق لأنها قربة مقصودة للأدلة الخاصة، وقد وجب من جنس ذلك الهجرة إليه في حياته ﷺ كما قيل بوجوب جنس الاعتكاف كوجوب الوقوف بعرفة، وإنما كان في زيارة غير النبي ﷺ وجهان لأن جنس الزيارة ليس بقربة محضة فإنها قد تكون مباحة كزيارة آحاد الناس الأحياء فاحتمل عدم اللزوم، واحتمل اللزوم لأن زيارة القبور قربة عن نفسها مرغب فيها.

стр. 2046

وبهذا تم الكلام في منسك الزيارة والحمد لله رب العالمين وتم بها الجزء الأول ويتلوه الجزء الثاني من كتاب البيع، وصلى الله على سيدنا محمَّد وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحابته الأخيار الراشدين كما ذكره الذاكرون وكلما غفل عن ذكره الغافلون (أ). آخر الجزء الخامس، ويتلوه إِن شاء الله الجزء السادس وأوله: كتاب البيوع والحمد لله رب العالمين

стр. 2047

البدر التمام شرح بلوغ المرام للإمام القاضي الحسين بن محمد المغربي (١٠٤٨ هـ - ١١١٩ هـ) تحقيق علي بن عبد الله الزبن عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية قدم له فضيلة الشيخ صالح بن محمد اللحيدان رئيس مجلس القضاء الأعلى الجزء السادس

стр. 2048

البدر التمام شرح بلوغ المرام

стр. 2049

حقوق الطبع محفوظة الطبعة الأولى ١٤٢٨ - هـ-٢٠٠٧ م

стр. 2050

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كتابُ البيوعِ البيوع جمعُ بيعٍ، جُمع دلالةً على اختلاف أنواعه، و (أالبيع والشراء أ) يُطلق أحدهما على ما يُطلق عليه الآخر. قال الأزهري (١): تقول العرب: بعت. بمعنى (ب) ما كنت ملكته. (جـ وبعت جـ) بمعنى اشتريت. قال: وكذلك شريت بالمعنيين. قال: وكل واحد بيِّع وبائع؛ لأنَّ الثمن والمثمن كل واحد منهما مَبيع. وكذا قال ابن قتيبةَ (٢)، تقول: بعت الشيءَ بمعنى بعته، وبمعنى (أاشتريته. وشريت أ) الشيء. بمعنى شريته، بمعنى بعته. وكذا قاله آخرون من أهل اللغة. يقال: بعته أبيعه فهو مبيع ومبيوع. قال الجوهري (٣): كما تقول: مَخيط ومَخيوط. حُذف من مبيع واوُ مفعول؛ لأنها زائدة. وقال الأخفش: المحذوفُ عينُ الكلمة. قال [المازني] (د): كلاهما حسنٌ، وقول الأخفش

стр. 2051

أقيسُ. والابتياع الاشتراء، وتبايعا وبايعته. ويقال: [استبعته] (أ). أي: سألته البيع. و: أبعت الشيء. عرضته للبيع، وبيع الشيء بكسر الباء وضمها، وبُوع لغة. وكذا القول في قيل وكيل (١). وأجمع المسلمون على جواز البيع، والحكمة تقتضيه (٢)؛ وذلك أن الله تعالى حكم ببقاء العالم إلى يوم القيامة، وبقاء النَّفس إلى أجلها إنَّما يقوم بما تقوم به مصالح المعيشة، وإنَّما يُتمكن من ذلك بالمال، فشرَع الله تعالى سبب اكتسابه، وهو التجارة عن تراضٍ. ولذلك إن جماعة من المصنفين ذكروا البيع بعد العبادات، كما فعل المصنف، وأخَّرُوا النكاحَ؛ لأنَّ احتياج النَّاس إلى البيع أَعَمُّ من احتياجهم إلى النكاح، لأنَّه يَعُم الصغيرَ والكبيرَ والذكرَ والأنثى، والبقاءُ بالبيع أقوى من البقاء بالنكاح؛ لأنَّ به تقوم المعيشة التي هي قوام الأجسام (٣). وبعض المصنفين قدَّم النكاح على البيع، كصاحب "الهداية" من الحنفية، وكتب الهدوية كـ: "اللمع" و "التذكرة" و "الأزهار" وغيرها؛

стр. 2052

لأنَّ النكاح عبادة، بل هو أفضل من الاشتغال بنفل العبادة، لأنَّه سبب إلى التوحيد بواسطة الولد الموحِّدِ، ولأن فيه قمعَ النفس من دواعي الفساد، والتسببَ إلى ما به [إرادة] (أ) الله ، من كثرة هذا النوع الآدمي الذي عليه مدار الأحكام الشرعيّة والمعارف الإلهية والعبادة البدنية، وكان في نفس فعل النكاح ثوابُ قضاء الشهوة من الجانبين، فهو وإن لم يكن واجبًا كان مندوبًا، والإباحة فيه قليلة أو غير موجودة. والبيع في اللغة هو تمليك مال بمال، وكذا في الشرع، لكن زِيدَ فيه قَيْدُ التراضي؛ لما في التغالب من الفساد، والله لا يحب الفساد. وقيل (ب) في حَدِّه شرعًا: هو إيجابٌ وقَبُولٌ في مالَينْ ليس فيهما معنى التبرع. فيخرج من هذا المعاطاةُ. وقيل (جـ): هو مبادلةُ مالٍ بمالٍ لا على وجه التبرع. فيدخل فيه المعاطاة. وقيل: هو العقد الواقع بين جائزي التصرف المتناول لما يصح تملُّكُه بثمن معلوم، مع تعرِّيه عن سائر وجوه الفساد، بلفظين ماضيين، أو ما في حكمهما، كإشارة الأخرس، والكتابة، وكما يعتاد النَّاس في المحقر. وهذا الحدُّ أَشْمَلُ.

стр. 2053

واعلم أنه ذُكر في حده الإيجاب والقبول، ولابد أن يكونا (أ) على صيغة الجزم لفظًا، وذلك أن الله قال: ﴿إلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُم﴾ (١). وقال النبي ﷺ : "إنما البيعُ عن تَرَاضٍ". أخرجه ابن حبان وابن ماجه (٢). والرضا أمر خفي لا يُطَّلَعُ عليه، فوجب أن يُناط الحكم بسبب ظاهر يَدُلُّ عليه، وهو الصيغة، ولكنه استثني من ذلك المحقر؛ لجري عادة المسلمين بالدخول فيه من دون لفظ. وقد ذهب إلى ذلك الهدوية، وخُرِّج لابن سُريج من الشافعية، واختاره ابن الصباغ والمتولي والبغوي (٣)، وادعى في "شرح القدوري" للحنفية الإجماع على كفاية التعاطي في المحقر، وعند الشافعية لا بد من اللفظين فيه كغيره. والمحقر، قال علي خليل (٤) وأبو مضر: هو ما دون ربع لم المثقال. وقال القاضي زيد: قدر قيراط المثقال فما دون. وقال الدميري في "النجم الوهاج": مَثَّلُوا المحقَّرات بالمشابهة من البقول والرطلِ الخبزِ (ب)، ومنهم من مثَّلها بما دون نصاب السرقة، والأشبه اتِّباعُ العرف. انتهى.

стр. 2054

وقال في "الأثمار" (١): المحقَّر وما في حكمه. وأراد بما في حكمه المنقول الذي جرت العادة بعدم (أ) اللفظ فيه. وأما المعاطاة في (ب) غير المحقر، فمذهب الهدوية والشافعية أنها ليست بيعًا (٢)، وعند الهدوية لا تُوجب المِلْكَ، بل تكون إباحةً، وهو وجهٌ للشافعية، ووجه آخر أنه كالمقبوض بعقد فاسد فيجب رده أو بدله إن تلف، ولكل منهما الفسخ، ومذهب المؤيد والخراسانيين من الحنفية أنه ينعقد البيع بالمعاطاة، وهو استحسان، والقياس ألا ينعقد، ولكنه لا يملك فيها إلا بالقبض عند المؤيد. واختلفت الحنفية أيضًا في المعاطاة، في أنه هل يشترط فيها الإعطاء من الجانبين، أو الإعطاء من أحد الجانبين يكفي؟ فأشار محمد بن الحسن في "الجامع الصغير" إلى أن تسليم البيع يكفي (٣)، كذا في "النهاية". واعلم أنه يُحتاج إلى معرفة سبب البيع وحكمه وشروطه وركنه وأنواعه. أما سببُه: فتعلق البقاء المقدور بتعاطيه، لأن الله تعالى حكم ببقاء العالم

стр. 2055

إلى يوم القيامة، وبقاء النفس يحتاج إلى المعاوضة كما تقدم. وأما حُكْمُه: فالمِلْك، وهو عبارة عن القدرة على التصرفات في المحلِّ شرعًا. وأما شروطُه: فأنواع؛ منها في العاقد، وهو أن يكون عاقلا أو (أ) مُميِّزا. ومنها في الآلة، وهو أن يكون بلفظ الماضي. ومنها في المحل، وهو أن يكون مالًا متقومًا، وأن يكون مقدور التسليم. ومنها التراضي. ومنها شرط النفاذ، وهو المِلْك والولاية (١). وأما ركنُه: فهو الإيجاب والقبول. وأما أنواعُه: فثمانية؛ بيع العين بالنقود، كالثوب بالدراهم، وبيع المقايضة (ب)؛ وهو بيع العين بالعين، كالثوب بالعبد والدار بالثوب، وبيع النقد، بالنقد حاضرين أو أحدهما، أو في الذمة وهو الصرف، وبيع الدين بالعين وهو السلم، وبيع المساومة وهو الذي لا يلتفت فيه إلى الثمن السابق، وبيع المرابحة، وبيع التولية، وبيع المواضعة وهو ضد المرابحة؛ حيث يضع من رأس المال شيئًا (٢). باب شروطه وما نهي عنه منه الشروط جمع شرط، والشرط في اللغة العلامة، وفي اصطلاح الفقهاء

стр. 2056

هو ما يلزم من عدمه عدم حكم أو سبب، سواء كان معلقا بكلمة شرط أو لا (١). وفي اصطلاح علماء العربية يطلق على تعليق جملة بأخرى، وعلى أداة التعليق، وعلى المعلق عليه بتقدير حصوله، والمراد هنا هو ما يلزم من عدمه عدم الحكم. والمذكور في هذا الكتاب من شروطه [هو] (أ) ما أشير إليه في حديث جابر (٢) من الشرط اللازم، وفي حديث بريرة (٣) من الشرط المنهي عنه الذي ليس في كتاب الله، وغيره مما أشير إليه في أثناء الأحاديث، واستيفاء شروط البيع مستوفاة في كتب الفروع. واختلف في ذلك عبارة الكتب، فمنهم من جعل الإيجاب والقبول شرطًا، كالإمام المهدي في "الأزهار" (٤)، وكصاحب "المنهاج" (٥)، ومنهم من جعل ذلك ركنًا كالغزالي (٦). وقوله: وما نهي عنه منه. يحتمل أن يريد بذلك ما نهي عنه من البيوع، وقد ذكر جملة من المنهيات في الكتاب، ويحتمل أن يريد ما نهي عنه من

стр. 2057

الشروط، وقد عرفت ذلك. وأفرد الضمير المذكور في الوجهين في قوله: عنه. اعتبارًا بلفظ "ما"، وفي قوله: منه. الضمير عائد إلى مفرد البيوع، أو إلى مفرد الشروط المتقدم معنًى. ٦١٧ - عن رفاعة بن رافع ﵁، أن النبي ﷺ سئل: أي الكسب أطيب؟ قال: "عمل الرجل بيده، وكل بيع مبرور". رواه البزار وصححه الحاكم (١). هو (أ) أبو معاذ رفاعة بن رافع الزرقي الأنصاري (٢)، شهد بدرًا، وشهد أبوه العَقَبتَيْن الأولى والثانية، وكان من الستة، وهو أحد النقباء الاثني عشر، وأحد السبعين، وهو ومعاذ بن عفراء (٣) أول أنصاريين أسلما من الخزرج، وكان أول من قدم المدينة بسورة "يوسف". قيل: إنه هاجر إلى النبي ﷺ إلى مكة. واستشهد يوم أحد، ولم يحفظ عنه رواية سوى ما ثبت في "صحيح البخاري" (٤) أنه كان يقول لابنه رفاعة: ما يسرني أني شهدت بدرًا بالعقبة. وظاهر هذا أنه لم يشهد بدرًا. وأما رفاعة فشهد المشاهد كلها،

стр. 2058

وشهد مع علي الجملَ وصفِّين. روى عن رفاعة ابناه عبيد ومعاذ، وابن [أخيه] (أ) يحيى بن خلَّاد (١)، وله في "صحيح البخاري" ثلاثة أحاديث، وخرج عنه أهل "السنن" سوى ابن ماجه، توفي أول زمن معاوية. وهذا الحديث رواه المصنف في "التلخيص" (٢) عن رافع بن خديج، وكذا صاحب "مشكاة المصابيح" (٣) أخرجه عن أحمد (٤)، عن رافع بن خديج، وكذا السيوطي في "الجامع الكبير" (٥) ذكره في مسند رافع بن خديج. والله أعلم أيها أصح. ويحتمل أن المراد برفاعة هذا هو رفاعة بن رافع بن خديج، ولكنه سقط من لفظ المصنف: عن أبيه، أن النبي ﷺ . قال في "التلخيص": الحاكم من حديث المسعودي، عن وائل بن (ب) داود، عن عباية (جـ) بن رافع بن خديج، عن أبيه، قال؛ قيل: يا رسول الله، أي المكاسب أطيب؟ فذكره. ورواه الطبراني من هذا الوجه، إلا أنه قال: عن جده. وهو صواب؛

стр. 2059

فإنه عباية بن رفاعة بن رافع بن خديج. وقول الحاكم: عن أبيه. فيه تجوُّز، وقد اختُلف فيه على وائل بن داود، فقال شريك: عنه، عن جُميع بن عمير، عن خاله أبي بُردة. وقال الثوري: عنه، عن سعيد بن عمير، عن عمه. رواهما الحاكم أيضًا. وأخرج البزار الأولَ، لكن قال: عن عمه. قال: وقد ذكر (أابن معين أ) أن عم سعيد بن عمير البراءُ بن عازب. قال (ب): وإذا اختلف الثوري وشريك فالحكم للثوري. قال المصنف ﵀ (١): وقوله: جُميع بن عمير. وهم، وإنما هو سعيد، والمحفوظ رواية من رواه عن الثوري عن وائل عن سعيد مرسلًا. قاله البيهقي، وقاله قبله البخاري. وقال ابن أبي حاتم في "العلل": المرسل أشبهُ، وفيه على المسعودي اختلاف آخر. أخرجه البزار من طريق إسماعيل بن [عمر] (جـ) عنه عن وائل، عن عبيد بن رفاعة، عن أبيه، والظاهر أنه من تخليط المسعودي (٢)، [فإن] (د) إسماعيل أخذ عنه بعد الاختلاط.

стр. 2060

والحديث فيه دلالة على الحث على كسب الحلال، وأن أطيب الحلال ما عمله المرء بيده وكدح فيه. وفي قوله: "كل بيع مبرور". دلالة على فضيلة التجارة، وأنها مساوية لما كسبه بيده وعمله. والمبرور يحتمل أنه ما خلص عن اليمين الفاجرة التي تُنَفَّق بها السلعة، وعن الغش في المعاملة. وفي بعض الشروح (١) أنه المقبول في الشرع، بألا يكون فاسدا. وهذا بناءً على أنه لا يجوز الدخول في العقد الفاسد. والله أعلم. وقد اختلف العلماء في أفضل المكاسب، فقال الماوردي (٢): أصول المكاسب الزراعة والتجارة والصنعة. والأشبه بمذهب الشافعي أن أطيبها التجارة. قال: والأرجح عندي أن أطيبها الزراعة؛ لأنها أقرب إلى التوكل. وتعقبه النووي بما أخرجه البخاري (٣) من حديث المقدام، عن النبي ﷺ قال: "ما أكل أحد طعاما قطُّ خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده". وأن الصواب أن أطيب الكسب ما كان بعمل اليد. قال: فإن كان زرَّاعًا فهو أطيب المكاسب؛ لما يشتمل عليه من كونه عمل اليد، ولما فيه من التوكل، ولما فيه من النفع العام للآدمي وللدواب. قال المصنف رحمه الله تعالى (٤): وفوق ذلك ما يكتسب من أموال

стр. 2061

الكفار بالجهاد، وهو مكسب النبي ﷺ ، وهو أشرف المكاسب؛ لما فيه من إعلاء كلمة الله وحده. انتهى. وهو داخل في كسب اليد. ٦١٨ - وعن جابر بن عبد الله ﵁، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول عام الفتح، وهو بمكة: "إن الله ورسوله حرم بيع الحمر والميتة والحنزير والأصنام". فقيل: يا رسول الله، أرأيت شحوم الميتة، فإنها تطلى بها السفن، وتدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس؟ فقال: "لا، هو حرام". قال رسول الله ﷺ عند ذلك: "قاتل الله اليهود؛ إن الله تعالى لما حرم عليهم شحومها جَمَلوه ثم باعوه، فأكلوا ثمنه". متفق عليه (١). قوله: "إن الله ورسوله حرَّم". وقع هكذا في "الصحيحين" بإفراد ضمير "حرَّم"، وكان الأصل "حَرَّما". قال القرطبي (٢): إنه ﷺ تأدب فلم يجمع بينه وبين اسم الله في ضمير الاثنين. ولكنه جاء في بعض طرقه، في "الصحيح": "إن الله حرم". ليس فيه ذكر رسوله. وفي رواية لابن مردويه (٣) من وجه آخر عن الليث: "إن الله ورسوله حرما". وقد وقع مثل هذا في حديث أنس في النهي عن أكل الحمر الأهلية: "إن الله ورسوله ينهيانكم" (٤). ووقع في رواية النسائي (٥) في هذا الحديث: "ينهاكم". وقد

стр. 2062

يجاب عنه بأن الجمع بين الضميرين إنما نُهي عنه غيرُ النبي ﷺ ، لما فيه من شائبة عدم رعاية التعطم، وأما في حقه ﷺ فهو في أعلى مراتب المعرفة لجلال الله تعالى وتعظيمه، فلا يتوهم (أ) السامع مثل ذلك في حقه. ووقع الإفراد في هذا الحديث لما كان أمر النبي ﷺ ناشئا عن أمر الله تعالى، أو أنه حذف الخبر الأول لدلالة الثاني عليه، والتقدير: إن الله حرم، وإن رسوله حرم. كقوله (١): نحن بما عندنا وأنت بما عنـ ... ـدك راضٍ والرأي مُخْتَلِف وفي الحديث دلالة على تحريم بيع ما ذكر، وهو مجمع على تحريم بيع الثلاثة. والعلة في التحريم هو (ب) النجاسة، فيتعدى الحكم إلى كل نجاسة، وكذا المتنجس المائع، إلا أن أبا حنيفة قال (٢): يجوز للمسلم أن يوكل الذمي ببيع الخمر. وقال هو والناصر: إنه يجوز بيع الأزبال، سواء كانت مما يؤكل لحمه أم لا. وذهب بعض المالكية إلى جواز ذلك للمشتري دون البائع؛ لاحتياج المشتري دونه. ويدخل في الميتة جثة الكافر إذا قتله المسلمون، كما بذل المشركون يوم

стр. 2063

الخندق عشرة آلاف درهم للنبي ﷺ في جثة نوفل بن عبد الله، فلم يأخذها، ودفعه إليهم بغير عوض (١). قال القاضي (٢): تضمن هذا الحديث أن ما لا يحل أكله والانتفاع به لا يجوز بيعه ولا يحل أكل ثمنه، كما في الشحوم المذكورة في الحديث. ورخص بعض العلماء في القليل من شعر الخنزير. حكاه ابن المنذر (٣) عن الأوزاعي وبعض المالكية وأبي يوسف. فعلى هذا فيجوز بيعه. واستثنى بعض العلماء من الميتة ما لا تَحُلُّه الحياة، كالشعر والصوف والوبر، فإنه طاهر (أ)، فيجوز بيعه. وهو قول أكثر المالكية والحنفية والهدوية إلا أن الهدوية قالوا (٤): من غير نجس الذات، وهو الكلب والخنزير والكافر، فأما هذه فهو نجس. واستثنى بعضهم مع هذه العظم والسن والقرن والظلف (٥). وقال

стр. 2064

بنجاسة الشعور، الحسن والليث والأوزاعي، ولكنها تطهر عندهم بالغسل، فكأنها متنجسة عندهم بما (أ) يتعلق بها من رطوبات الميتة، لا نجسة العين، [نحو] (ب) قول ابن القاسم في عظم الفيل: إنه يطهر إذا سُلِقَ بالماء. والمشهور عن مالك أن الخنزير طاهر (١). فعلى هذا ليس العلة في منع البيع هو النجاسة، بل هو أنه ليس لهذه المذكورات منفعة مباحة مقصودة، أو المبالغة في التنفير عنها. وقد روي قول شاذ أنه يجوز بيع الخمر ويجوز بيع العنقود المستحيلِ باطنُه خمرًا (٢). والعلة في تحريم بيع الأصنام كونها ليس لها منفعة مباحة، وإن كانت بحيث إن كسرت ينتفع برضاضها، ففي صحة بيعها خلاف مشهور للشافعية (٣)؛ منهم من منعه لظاهر النهي وإطلاقه، ومنهم من جوزه اعتمادًا على الانتفاع برضاضه، وتأول الحديث على ما لا ينتفع برضاضه، أو على كراهة التنزيه في الأصنام، وهو قوي حيث بيع بعد تكسيره. وقوله: فقيل: يا رسول الله. قال المصنف ﵀ (٤): لم أقف على تسمية القائل. وفي رواية للبخاري: فقال رجل.

стр. 2065

وقوله: أرأيت شحوم الميتة. إلخ، معناه: فهل يحل بيعها لما ذكر من المنافع؟ فإنها مقتضية لصحة البيع. وقوله: "هو حرام". أي البيع. كذا فسره بعض العلماء، كالشافعي ومن تبعه. ومنهم من حمل قوله: "هو حرام". على الانتفاع، أي يحرم الانتفاع بها، وهو قول أكثر العلماء، فلا ينتفع من الميتة بشيء إلا ما خُصَّ به بدليل، كالجلد المدبوغ عند من قال به. وذهب الشافعي وأصحابه (١) إلى أنه يجوز الانتفاع بشحوم الميتة في طلاء السفن وفي الاستصباح بها وغير ذلك مما ليس بأكل ولا في بدن الآدمي. وبهذا قال عطاء بن أبي رباح ومحمد بن جرير. واستدل الخطابي (٢) على جواز الانتفاع بإجماعهم على أن من ماتت له دابة ساغ له إطعامها الكلاب (٣)، فكذلك يسوغ دهن السفينة بشحم الميتة، ولا فرق. وقال الإمام يحيى: يجوز إطعام الكلاب وتمكينها من الميتة. وقواه الإمام المهدي. وأجازت الهدوية الانتفاع بالنجاسة في الاستهلاكات، ومثلوها بتسجير التنور ونحوه. وقال الإمام شرف الدين: من ذلك الاستصباح بالدهن المتنجس، وهذا مبني على القول الأول، وهو أن الضمير عائد إلى البيع دون الانتفاع. ويتأيد

стр. 2066

هذا الوجه بما أخرجه أحمد (١) بلفظ: "إن الله حرم بيع الخنازير، وبيع الميتة، وبيع الخمر، وبيع الأصنام". قال رجل: يا رسول الله، فما ترى في بيع شحوم الميتة؛ فإنها تدهن بها السفن والجلود، ويستصبح بها. فظهر بهذا أن السؤال وقع عن بيعها. وقوله: "لما حرم عليهم شحومها". أي أكل شحومها. والقرينة على تقدير المضاف هو أنه لو حرم عليهم العين لم يكن لهم حيلة فيما صنعوا من إذابتها. وقوله: "جملوه". بفتح الجيم والميم، أي أذابوه، يقال: جمله إذا أذابه. والجميل: الشحم المذاب. وفي رواية مسلم (٢): "أجملوها". وهو بمعنى جملوها. وقوله: "ثم باعوه وأكلوا ثمنه". فيه دلالة على أن ما حرم بيعه حرم ثمنه. وفي هذا الجواب تنبيه على اعتبار القياس؛ فإنه قاس تحريم (أالتحيل في بيع أ) هذه المحرمات بتحيل اليهود في بيع الشحوم المحرمة عليهم، وأن الحيلة التي يتوصل بها إلى تحليل محرم لا تجدي ولا تدفع عن مبتغيها الإثم. وأما الزيت والسمن ونحوهما من الأدهان التي أصابتها نجاسة؛ فهل

стр. 2067

يجوز الاستصباح ونحوه من الاستعمال (أ) غير الأكل، أو في غير البدن، أو يجعل من الزيت صابونا، أو يطعم العسل المتنجس النحل، أو يطعم الميتة كلابه، أو يطعم الطعام النجس دوابه؟ فيه خلاف بين السلف. الصحيح من مذهب الشافعي جواز جميع ذلك (١)، ونقله القاضي عياض (٢) عن مالك وكثير من أصحابه، والشافعي والثوري وأبي حنيفة وأصحابه والليث. قال: وروي مثلُه عن علي وابن عمر وأبي موسى والقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله بن عمر. وأجاز أبو حنيفة وأصحابه والليث وغيرهم بيع الزيت النجس إذا بَيَّنَه. وقالت الهدوية: لا يجوز الانتفاع بشيء من ذلك إلا في الاستهلاكات. وقال به عبد الملك بن الماجشون، وأحمد بن حنبل، وأحمد بن صالح. والله أعلم. ٦١٩ - وعن ابن مسعود ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا اختلف المتبايعان [و] (ب) ليس بينهما بينة، فالقول ما يقول رب السلعة، أو يتتاركان". رواه الخمسةُ وصححه الحاكم (٣).

стр. 2068

الحديث رُوي بألفاظ مختلفة، فرواه بهذا اللفظ إلا قولَه: "أو يتتاركان". فإنه بلفظ: "أو [يترادان] (أ) ". أحمد وأبو داود والنسائي (١)، وزاد فيه ابن ماجه: "والمبيع قائم بعينه". وكذلك لأحمد (٢) في رواية: "والسلعة كما هي". وللدارقطني (٣) عن أبي وائل عن عبد الله، قال: "إذا اختلَف البيعان والمبيع مستهلَك، فالقول قول البائع". ورفع الحديث إلى النبي ﷺ . وأبو وائل هذا هو عبد الله بن بَحِير (٤) الصنعاني، بالباء الموحدة والحاء المهملة وبعدها ياء وراء، القاصُّ، شيخ لعبد الرزاق، وثقه ابن معين (٥)، وقال ابن حبان (٦): يروي العجائب التي كأنها معمولة، لا يحتج به، وما هو بعبد الله بن بَحِير بن رَيْسان (٧). ولكنه مع هذا الاختلاف لا يقبل ما تفرد به بقوله: "والمبيع مستهلَك". وهي معارضة لقوله: "أو [يترادان] (ب) ".

стр. 2069

ولأحمد عن الشافعي، والنسائي (١)، عن أبي عبيدة وأتاه رجلان تبايعا سلعة، فقال هذا: أخذتُ بكذا وكذا. وقال هذا: بعتُ بكذا وكذا. فقال أبو عبيدة: أُتي عبد الله في مثل هذا، فقال: حضرت النبي ﷺ في مثل هذا فأمر بالبائع أن يُستحلف، ثم يخيَّرُ المبتاعُ؛ إن شاء أخذ، وإن شاء ترك. وفيه انقطاع؛ لاختلافهم في سماع أبي عبيدة من أبيه عبد الله بن مسعود. وفيه أيضًا اختلاف على إسماعيل بن أمية في عبد الملك بن عمير، فقال يحيى بنُ (أ) سليم: عبد الملك بن عمير (٢). ووقع في النسائي: عبد الملك بن عبيد. ورجح هذا أحمد والبيهقي (٣)، وهو ظاهر كلام البخاري (٤)، وقد صححه ابن السكن والحاكم، ورواه الدارقطني أيضًا (٥): عبد الملك بن عبيدة، وقد رواه الشافعي (٦) في "المختصر" عن سفيان [بن عيينة عن محمد] (ب) بن عجلان عن عون بن عبد الله بن

стр. 2070

[عتبة] (أ) بن مسعود عن ابن مسعود نحوه، بلفظ: "إذا اختلف المتبايعان، فالقول قول البائع، والمبتاعُ بالخيار". وفيه انقطاع. ورواه الدارقطني (١) من طريق القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه عن جده، وفيه إسماعيل بن عياش عن موسى بن عقبة. وأخرج الطبراني في "الكبير" (٢) عن علقمة عن عبد الله مرفوعًا: "البيعان إذا اختلفا في البيع ترادا". ورواته ثقات، لكنه اختلف في عبد الرحمن بن صالح (٣) أحدِ رواته. وقد جزم الشافعي (٤) أن طرق هذا الحديث عن ابن مسعود ليس فيها شيء موصول، وذكره الدارقطني في "علله" (٥) فلم يعرِّج على هذه الطريق، وأخرجه النسائي وأبو داود والبيهقي والحاكم (٦) من طريق عبد الرحمن بن قيس بن محمد بن الأشعث عن أبيه عن جده، قال عبد الله: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا اختلف البيِّعان وليس بينهما بينة، فهو ما يقول
следующие страницы →