← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17747

البدر التمام شرح بلوغ المرام ت الزبن

الحسين بن محمد المغربي

Полный текст (4 458 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.

стр. 2066

هذا الوجه بما أخرجه أحمد (١) بلفظ: "إن الله حرم بيع الخنازير، وبيع الميتة، وبيع الخمر، وبيع الأصنام". قال رجل: يا رسول الله، فما ترى في بيع شحوم الميتة؛ فإنها تدهن بها السفن والجلود، ويستصبح بها. فظهر بهذا أن السؤال وقع عن بيعها. وقوله: "لما حرم عليهم شحومها". أي أكل شحومها. والقرينة على تقدير المضاف هو أنه لو حرم عليهم العين لم يكن لهم حيلة فيما صنعوا من إذابتها. وقوله: "جملوه". بفتح الجيم والميم، أي أذابوه، يقال: جمله إذا أذابه. والجميل: الشحم المذاب. وفي رواية مسلم (٢): "أجملوها". وهو بمعنى جملوها. وقوله: "ثم باعوه وأكلوا ثمنه". فيه دلالة على أن ما حرم بيعه حرم ثمنه. وفي هذا الجواب تنبيه على اعتبار القياس؛ فإنه قاس تحريم (أالتحيل في بيع أ) هذه المحرمات بتحيل اليهود في بيع الشحوم المحرمة عليهم، وأن الحيلة التي يتوصل بها إلى تحليل محرم لا تجدي ولا تدفع عن مبتغيها الإثم. وأما الزيت والسمن ونحوهما من الأدهان التي أصابتها نجاسة؛ فهل

стр. 2067

يجوز الاستصباح ونحوه من الاستعمال (أ) غير الأكل، أو في غير البدن، أو يجعل من الزيت صابونا، أو يطعم العسل المتنجس النحل، أو يطعم الميتة كلابه، أو يطعم الطعام النجس دوابه؟ فيه خلاف بين السلف. الصحيح من مذهب الشافعي جواز جميع ذلك (١)، ونقله القاضي عياض (٢) عن مالك وكثير من أصحابه، والشافعي والثوري وأبي حنيفة وأصحابه والليث. قال: وروي مثلُه عن علي وابن عمر وأبي موسى والقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله بن عمر. وأجاز أبو حنيفة وأصحابه والليث وغيرهم بيع الزيت النجس إذا بَيَّنَه. وقالت الهدوية: لا يجوز الانتفاع بشيء من ذلك إلا في الاستهلاكات. وقال به عبد الملك بن الماجشون، وأحمد بن حنبل، وأحمد بن صالح. والله أعلم. ٦١٩ - وعن ابن مسعود ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا اختلف المتبايعان [و] (ب) ليس بينهما بينة، فالقول ما يقول رب السلعة، أو يتتاركان". رواه الخمسةُ وصححه الحاكم (٣).

стр. 2068

الحديث رُوي بألفاظ مختلفة، فرواه بهذا اللفظ إلا قولَه: "أو يتتاركان". فإنه بلفظ: "أو [يترادان] (أ) ". أحمد وأبو داود والنسائي (١)، وزاد فيه ابن ماجه: "والمبيع قائم بعينه". وكذلك لأحمد (٢) في رواية: "والسلعة كما هي". وللدارقطني (٣) عن أبي وائل عن عبد الله، قال: "إذا اختلَف البيعان والمبيع مستهلَك، فالقول قول البائع". ورفع الحديث إلى النبي ﷺ . وأبو وائل هذا هو عبد الله بن بَحِير (٤) الصنعاني، بالباء الموحدة والحاء المهملة وبعدها ياء وراء، القاصُّ، شيخ لعبد الرزاق، وثقه ابن معين (٥)، وقال ابن حبان (٦): يروي العجائب التي كأنها معمولة، لا يحتج به، وما هو بعبد الله بن بَحِير بن رَيْسان (٧). ولكنه مع هذا الاختلاف لا يقبل ما تفرد به بقوله: "والمبيع مستهلَك". وهي معارضة لقوله: "أو [يترادان] (ب) ".

стр. 2069

ولأحمد عن الشافعي، والنسائي (١)، عن أبي عبيدة وأتاه رجلان تبايعا سلعة، فقال هذا: أخذتُ بكذا وكذا. وقال هذا: بعتُ بكذا وكذا. فقال أبو عبيدة: أُتي عبد الله في مثل هذا، فقال: حضرت النبي ﷺ في مثل هذا فأمر بالبائع أن يُستحلف، ثم يخيَّرُ المبتاعُ؛ إن شاء أخذ، وإن شاء ترك. وفيه انقطاع؛ لاختلافهم في سماع أبي عبيدة من أبيه عبد الله بن مسعود. وفيه أيضًا اختلاف على إسماعيل بن أمية في عبد الملك بن عمير، فقال يحيى بنُ (أ) سليم: عبد الملك بن عمير (٢). ووقع في النسائي: عبد الملك بن عبيد. ورجح هذا أحمد والبيهقي (٣)، وهو ظاهر كلام البخاري (٤)، وقد صححه ابن السكن والحاكم، ورواه الدارقطني أيضًا (٥): عبد الملك بن عبيدة، وقد رواه الشافعي (٦) في "المختصر" عن سفيان [بن عيينة عن محمد] (ب) بن عجلان عن عون بن عبد الله بن

стр. 2070

[عتبة] (أ) بن مسعود عن ابن مسعود نحوه، بلفظ: "إذا اختلف المتبايعان، فالقول قول البائع، والمبتاعُ بالخيار". وفيه انقطاع. ورواه الدارقطني (١) من طريق القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه عن جده، وفيه إسماعيل بن عياش عن موسى بن عقبة. وأخرج الطبراني في "الكبير" (٢) عن علقمة عن عبد الله مرفوعًا: "البيعان إذا اختلفا في البيع ترادا". ورواته ثقات، لكنه اختلف في عبد الرحمن بن صالح (٣) أحدِ رواته. وقد جزم الشافعي (٤) أن طرق هذا الحديث عن ابن مسعود ليس فيها شيء موصول، وذكره الدارقطني في "علله" (٥) فلم يعرِّج على هذه الطريق، وأخرجه النسائي وأبو داود والبيهقي والحاكم (٦) من طريق عبد الرحمن بن قيس بن محمد بن الأشعث عن أبيه عن جده، قال عبد الله: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا اختلف البيِّعان وليس بينهما بينة، فهو ما يقول

стр. 2071

رب السلعة أو يَتركان". وهذا لفظ النسائي، وهو (أ) أقرب إلى ما رواه المصنف هنا. والحاكم صححه من هذا الوجه وحسَّنه البيهقي، وقال ابن عبد البر (١): هو منقطع إلا أنه مشهور الأصل عند جماعة العلماء، تلقَّوه بالقبول وبنوا عليه كثيرا من فروعه. وأعله ابن حزم (٢) بالانقطاع، وتابعه عبد الحق (٣)، وأعله هو وابن القطان بالجهالة في عبد الرحمن وأبيه (ب) وجده. وأخرجه عبد الله بن أحمد في زيادات "المسند" (٤) بلفظ: "إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة ولا بينة لأحدهما تحالفا". وهي من طريق القاسم بن عبد الرحمن عن جده. ورواها الطبراني والدارمي (٥) من هذا الوجه فقال: عن القاسم عن أبيه عن ابن مسعود. وانفرد عن ابن مسعود بهذه الزيادة، وهي قوله: "والسلعة قائمة" (٦). ابن أبي ليلى، وهو محمد بن عبد الرحمن الفقيه، وهو ضعيف سيئ الحفظ (٧). وأما قوله فيه: "تحالفا". فلم يقع عند أحد منهم، وإنما عندهم:

стр. 2072

"والقول قول البائع، أو يترادان المبيع". الحديث فيه دلالة على أن البائع والمشتري إذا اختلفا في الثمن، أو في المبيع، أو في شرط من شروطهما، ولم يكن بينهما بينة، فالقول قول البائع، ولكنه مع اليمين كما تقرر في القواعد الشرعية، أن من كان القول قوله فعليه اليمين. وقوله: "أو يتتاركان". يعني مع تراضيهما على التتارك، وظاهره: وسواء كان المبيع مستهلكًا أو قائمًا. ولا يقال: إنه مع الاستهلاك لا يتأتى التتارك؛ لأن المعنى من التتارك أن يرجع لكل واحد ما هو له. لأنا نقول: المعنى من التتارك أن يرجع لكل واحد ما هو له، وهو إما برجوع العين، أو مثل المثلي وقيمة القيمي مع التلف. وأما رواية: "والمبيع مستهلك". فقد علمت ما فيها، ولكنه يذهب إلى العمل بظاهر الحديث أحد، بل في ذلك تفصيل في كتب الفروع. وتفصيل الاختلاف؛ وهو أن القول قول البائع في نفي إقباض المبيع، والبينة على المشتري في أنه (أ) قبضه بإذن البائع حيث كان البائع ما قد قبض الثمن، وأما إذا قد قبض الثمن فالقول قول المشتري؛ لأن له أخذه كرها، والقول للبائع في عدم قبضه للثمن إلا ثمن المسلم ففي المجلس فقط، وفي قدر الثمن وجنسه ونوعه وصفته قبل تسليم المبيع، لأن له حق الحبس، لا بعده فللمشتري. وهذا لا خلاف فيه إذا كان المبيع قد تلف أو خرج عن يد المشتري ببيع

стр. 2073

أو هبة، فإن كان باقيًّا في يد المشتري فثلاثة أقوال، فعند الهادي القول، قوله مطلقًا عند أبي العباس والفقهاء يتحالفان ويترادان المبيع، وعند المؤيد بالله إن كان الاختلاف في الجنس أو النوع أو الصفة تحالفا وترادَّا، كقول أبي العباس، وإن كان في المقدار فقولان، الأول: مثل قول الهادي، والثاني: التحالف والتراد، والخلاف في جنس الثمن ونوعه إذا لم يكن في البلاد (أ) نقد غالب، أو ادعى كل واحد غير نقد البلد، وإلا فالقول قول مدعي نقد البلد، إذ هو قرينة على صدق قوله، وأما إذا كان الاختلاف في جنس المبيع وعينه ونوعه ومكانه ولم يكن المشتري قد قبض المبيع ولا بينة لأحدهما، فإنهما يتحالفان؛ يحلف البائع: ما بعت منك كذا. ويحلف المشتري ما اشتريت منك كذا. وقيل: يحلف كل واحد منهما، يمينين: ما بعت منك كذا، والأخرى على الإثبات: لقد بعت منك كذا. وقيل: يمينًا واحدة على النفي والإثبات، فيقول: ما بعت منك كذا، ولقد بعت منك كذا. ويبطل العقد، قيل: بغير فسخ. وقيل: بفسخ الحاكم. وقيل: بفسخهما. وفي زيادة الصفة يجب على المشتري قبولها للتسامح في ذلك. والوجه في التحالف هنا أن كل واحد مدعٍ ومدعى عليه، فيجب على كل واحد اليمين لنفي ما ادعي [عليه] (ب)، وهذا مفهوم من قوله ﷺ : "البينة على المدعي واليمين على المنكر" (١).

стр. 2074

وأما إذا أقاما البينة حكم للمشتري إن أمكن عقدان، وذلك بألا يضيفا إلى وقت واحد، فيحمل على عقدين، لكنه يلزم البائع تسليم ما بين به المشتري للبينة، وهو مصادق في قدر الثمن، فأعطى ما ادعاه، وهو الذي قامت به بينة المشتري، وإن لم يمكن عقدان بطل العقد بعد التحالف بحصول الجهالة في المبيع مع تساقط البينتين، وأما إذا اختلف البيِّعان في قبضه فالقول لمنكر قبضه، إذ الأصل عدمه، وكذا منكر تسليمه كاملًا، وكذا إن قبضه من دون زيادة، وكذا [القول] (أ) لمنكر [تعيبه، إذ] (ب) الأصل عدم العيب، وكذا إن هذا المدعي عيَّب؛ ينقص القيمة، إذ الأصل عدم ذلك، وكذا في أنه من قبل القبض فيما يحتمل أنه حدث قبل القبض، فالقول لمنكر ذلك، وإما إذا كان مما يعلم أنه متقدم من عند البائع، فالقول للمشتري، وكذا في إنكار الرضا بالعيب أو ما يجري مجراه، أو أن المبيع أكثر مما أقر به البائع مع الاتفاق على الثمن، فالقول لمنكر ذلك، والقول للمسلم إليه في قيمة رأس المال إذا اختلفا بعد التلف، والله أعلم. ٦٢٠ - وعن أبي مسعود الأنصاري ﵁، أن رسول الله ﷺ نهى عن ثمن الكلب ومهر البغي وحلوان الكاهن. متفق عليه (١).

стр. 2075

الحديث فيه دلالة على تحريم ما ذكر؛ فإن النهي حقيقة في التحريم، والنهي عن ثمن الكلب عام في كل كلب، معلما كان أو غيره، مما يجوز اقتناؤه أو لا يجوز، ولا قيمة على متلفه، وبهذا قال الجمهور. وقال مالك: لا يجوز بيعه، وتجب القيمة على متلفه. وعنه كالجمهور، وعنه كقول أبي حنيفة: يجوز بيعه وتجب القيمة. وقال عطاء والنخعي: يجوز بيع كلب الصيد دون غيره. وروى أبو داود (١) من حديث ابن عباس مرفوعًا: [نهى رسول الله ﷺ عن ثمن الكلب، وقال: "إن جاء يطلب ثمن الكلب فاملأ كفه ترابا". وإسناده صحيح، وروى أيضًا (٢) بإسناد حسن عن أبي هريرة مرفوعًا] (أ): "لا يحل ثمن الكلب، ولا حلوان الكاهن". والعلة في تحريم بيعه عند الشافعي وغيره نجاسته، وهي حاصلة فيما يحرم اقتناؤه وفيما يجوز. ومن لا يقول بنجاسته؛ العلة النهي عن اتخاذه والأمر بقتله؛ ولذلك خص منه ما أذن في اتخاذه، ويدل عليه حديث جابر، قال: نهى رسول الله ﷺ عن ثمن الكلب إلا كلب صيد. أخرجه النسائي بإسناد رجاله ثقات، إلا أنه طعن في صحته (٣).

стр. 2076

ووقع في حديث ابن عمر عند ابن أبي حاتم (١) بلفظ: نهى عن ثمن الكلب، وإن كان ضاريا. يعني مما يصيد، وسنده ضعيف. قال أبو حاتم: هو [منكر] (أ). وفي رواية لأحمد (٢): نهى عن ثمن الكلب، وقال: "طعمة جاهلية". ونحوه للطبراني (٣) من حديث ميمونة بنت سعد. وقال القرطبي (٤): مشهور مذهب مالك جواز اتخاذ الكلب وكراهة بيعه، ولا يفسخ إن وقع، وكأنه لما لم يكن عنده نجسًا، وأذن في اتخاذه لمنافعه الجائزة كان حكمه حكم جميع المبيعات، لكن الشرع نهى عن بيعه تنزيهًا؛ لأنه ليس من مكارم الأخلاق. قال: وأما تسويته في النهي بينه وبين مهر البغي وحلوان الكاهن فمحمول على الكلب الذي لم يؤذن في اتخاذه، وعلى تقدير العموم في كل كلب فالنهي في هذه الثلاثة للقدر المشترك من الكراهة، أعم من التنزيه والتحريم، إذ كل منهما منهي عنه، ثم تؤخذ خصوصية كل واحد منهما من دليل آخر، فإنَّا عرفنا تحريم مهر البغي وحلوان الكاهن من الإجماع، لا من مجرد النهي، ولا يلزم من الاشتراك في العطف الاشتراك في جميع الوجوه، إذ قد يعطف الأمر على النهي، والإيجاب على النفي (٥).

стр. 2077

وقوله: ومهر البغي. بفتح الباء الموحدة، وكسر الغين المعجمة، وتشديد التحتانية. وأصل البغاء الطلب، غير أنه أكثر ما يستعمل في الفساد. والمراد بالمهر هنا هو ما تأخذه الزانية على الزنى، سماه مهرًا مجازا، وهو مجمع على تحريمه، وللفقهاء تفصيل فيه، وهو أنه إذا أعطاها ذلك بالعقد على التمكين مظهرا أو مضمرا، [أو] (أ) حصل العقد على مباح حيلةً، فإنه يصير كالغصب إلا في أربعة أحكام، وهو أنه يطب ربحه، ويبرأ من رد إليها، ولا أجرة [عليها، إذ] (ب) لم تستعمل ذلك الذي أعطيت، ولا يتضيق عليها الرد إلا بالطلب، وإن لم يكن كذلك وإنما كان مضمرًا التمكين من الزنى لزمها التصدق بذلك. وللمؤيد بالله تفصيل، وهو أنه إن غلب في ظنها أنه إنما أعطاها لأجل التمكين لزمها التصدق، وإن غلب في ظنها أنه أعطاها لغير ذلك جاز لها الأخذ، والعبرة بقصد المعطي، واستدل بهذا على أن الأَمَةَ إذا أكرهت على الزنى، فلا مهر لها. وفي وجه للشافعية أنها تستحق المهر، واختار صاحب "الهدي" (١) أنه يجب التصدق في جميع الأطراف. قال: لأن الدافع قد دفعها باختياره في مقابلة عوض لا يمكن صاحب العوض استرجاعه، فهو كسب خبيث يجب التصدق به، ولا يعان صاحب المعصية بحصول غرضه ورجوع ماله. وأطال الكلام في ذلك. وروى

стр. 2078

عن الإمام ابن تيمية التردد في أصل المسألة، والميل إلى مثل هذا، والله أعلم. وقوله: وحلوان الكماهن. والحلوان بضم المهملة مصدر: حلوته حلوانا إذا أعطته، وأصله من الحلاوة، شبه بالشيء الحلو من حيث إنه يؤخذ سهلًا بلا كلفة، وقد يطلق على مهر البنت إذا أخذه أبوها لنفسه، قالت امرأة تمدح زوجها (١): لا يَأْخُذُ الحُلْوَانَ مِنْ بَنَاتِنا وقد أجمع السلمون على تحريم حُلوان الكاهن. قال الخطابي (٢): الكاهن الذي يدعي مطالعة علم الغيب، ويخبر الناس عن الكوائن، وكان في العرب كهنة يدعون أنهم يعرفون كثيرًا من الأمور، فمنهم من كان يزعم [أن] (أ) له قرينا من الجن وتابعةً تلقي إليه الأخبار، ومنهم من كان يدعي أنه يستدرك الأمور بفهم أعطيه، وكان منهم من يسمي عرافا، وهو الذي يزعم أنه يعرف الأمور بمقدمات أسباب استدل بها على مواقعها؛ كالرجل يسرق، فيعرف أنه المظنون بالسرقة، والمرأة بالزنية فيعرف مَنْ صاحبها، ونحو ذلك، ومنهم من كان يُسمي المنجمَ كاهنا، وهو وإن لم يكن كاهنا، فحكمه حكم الكاهن. وكذلك الذي يعرف الأمور بالضرب بالحصا وغير

стр. 2079

ذلك مما يتعاناه العرافون من استطلاع الغيب، فحديث النهي يشمل هؤلاء كلهم، والنهي عن تصديقهم والرجوع إلى قولهم، ومنهم من كان يدعو الطبيب كاهنا، وربما سموه عرافا، وهو غير داخل في النهي. ٦٢١ - وعن جابر بن عبد الله ﵁، أنه كان على جمل له أعيا، فأراد أن يسيِّبه، قال: فلحقني النبي ﷺ فدعا لي (أ) وضربه، فسار سيرًا لم يسر مثله، قال: "بعنيه بوُقيَّة". قلت: لا. ثم قال: "بعنيه". فبعته بوقية، واشترطت حُمْلانه إلى أهلي، فلما بلغت أتيته بالجمل، فنقدني ثمنه، ثم رجعت، فأرسل في أثري فقال: "أتُراني ماكستك لآخذ جملك؟ خذ جملك ودراهمك، فهو لك". متفق عليه (١)، وهذا السياق لمسلم. قوله: أعيا. أي: كَلَّ عن السير. وقوله: "بعنيه بوُقيَّة". هي لغة صحيحة، وقد سبق ذلك، ويقال: أوقية. وهي أشهر. وفيه دلالة على أنه لا بأس بطلب البيع من مالك السلعة وإن لم يعرضها للبيع. وقوله: حُملانه. هو بضم الحاء المهملة، أي الحمل عليه. وقوله: "أتُراني؟ ". بصيغة المجهول، أي: تظنني.

стр. 2080

والماكسة، قال أهل اللغة (١): هي المكالمة في النقص الثمن، وأصلها النقص، ومنه مكس الظالم، وهو ما ينقصه ويأخذه من أموال الناس. وفي قوله: "بوُقيَّة" قد ورد في رواية: "بخمس أواق". وفي رواية: "بأوقيتين ودرهم أو درهمين". وفي رواية: "بأوقية ذهب". وفي بعضها: "بأربعة دنانير". وذكر البخاري اختلاف الروايات، وزاد: "بثمانمائة درهم" (٢)، وفي رواية "بعشرين دينارا" وفي رواية أحسبه: "بأربع أواق". قال البخاري: وقول الشعبي: "بوقية". أكثر. قال القاضي عياض (٣): قال أبو جعفر الداودي: [ليس لأوقية الذهب قدر معلوم] (أ)، وأوقية الفضة أربعون درهما. قال: وسبب اختلاف هذه الروايات أنهم رووا بالمعنى، وهو جائز، فالمراد وقية ذهب كما فسره في رواية سالم بن أبي الجعد عن جابر، ويحمل عليها رواية من روى: "أوقية". مطلقا، وأما من روى: "خمس أواق". فالمراد خمس أواق من الفضة، وهي بقدر قيمة أوقية الذهب في ذلك الوقت، فيكون الإخبار بأوقية الذهب عما وقع به العقد، وعن أواق الفضة عما حصل به [الإيفاء] (ب)، ولا يتغير الحكم، ويحتمل أن يكون هذا كله زيادة على الأوقية، كما قال في رواية: فما زال يزيدني. وأما رواية: "أربعة دنانير". فموافقة أيضًا؛ لأنه يحتمل أن

стр. 2081

تكون أوقية الذهب حينئذ وزن أربعة دنانير، وأما رواية "أوقيتين". فيحتمل أن إحداهما وقع بها البيع والأخرى زيادة، كما قال: وزادني أوقية. والحديث فيه دلالة على أنه يصح البيع للدابة واستثناء الركوب. وقد ذهب إلى هذا الجمهور مطلقا، واحتج به أحمد ومن وافقه في جواز بيع الدابة ويشترط البائع لنفسه الركوب. وقال مالك: يجوز ذلك إذا كان مسافة الركوب قريبة، وحدُّه ثلاثة أيام. وحمل هذا الحديث على هذا. وقال الشافعي وأبو حنيفة وآخرون: لا يجوز ذلك، سواء قلت المسافة أو كثرت، ولا ينعقد البيع. واحتجوا بالحديث الآتي في بيع الثُّنْيا (١)، وبالحديث الآتي في النهي عن بيع وشرط (٢)، وأجابوا عن حديث جابر هذا بأنها [قضية] (أ) عين تتطرق إليها الاحتمالات، قالوا: ولأن النبي ﷺ أراد أن يعطيه الثمن ولم يرد حقيقة البيع. قالوا: ويحتمل أن يكون الشرط ليس في نفس العقد، وإنما يضر الشرط إذا كان في نفس العقد، فلعل الشرط كان سابقًا فلم يؤثر، ثم تبرع النبي ﷺ بإركابه. ويمكن الجواب بأن حديث النهي عن بيع الثُّنْيا ليس مطلقا، وتمامه: "إلا أن تُعْلم". ومفهومه صحة الثنيا المعلومة، وهو المدعَى. وأما حديث النهي عن بيع وشرط ففيه مقال، مع إمكان تأويله بالشرط المجهول، أو ما يتضمن رفع المقصود بالبيع، والقرينة على التأويل هذا،

стр. 2082

والجمع ما أمكن هو الواجب. وأما كونها قضية عين مع ظهور الأمر فيها فهو غير قادح، وقولهم: أراد أن يعطه الثمن. إلى آخره. يرده قوله: "أتُراني ماكستك؟ ". فإنه يدل على وقوع صورة البيع، وإن كان المقصود هو إعطاء الثمن، ولكنه قد أفاد الطلوب؛ لوقوع صورة البيع. وقولهم: إن الشرط ليس في نفس العقد. ظاهره أن الشرط متواطأ عليه عند العقد، والمتواطأ عليه في حكم المقرون بالعقد، فالأولى ما ذهب إليه الجمهور من صحة مثل هذا الشرط، وكذا كل شرط يصح إفراده بالعقد؛ كإيصال المبيع إلى المنزل، وخياطة الثوب، وسكنى الدار. وقد روي عن عثمان (أ) أنه باع دارًا واستثنى سكونها شهرًا، ولم ينكر عليه. كذا رواه في "الشفا"، والله أعلم. وفي الحديث فوائد: أحدها: هذه المعجزة الظاهرة لرسول الله ﷺ في انبعاث جمل جابر وإسراعه بعد إعيائه. الثانية: جواز طلب البيع ممن لم يعرض سلعته للبيع. الثالثة: جواز المماكسة في البيع. وفي تمام القصة فوائد غير هذه. ٦٢٢ - وعنه، قال: أعتق رجل منَّا عبدًا له عن [دبر] (ب)، لم يكن له مال غيره، فدعا به النبي ﷺ فباعه. متفق عليه (١).

стр. 2083

وسيأتي الكلام على هذا الحديث في باب المدبر والمكاتب وأم الولد في آخر الكتاب (١). وفيه دلالة على صحة بيع المدبر، وسيأتي الخلاف في جواز بيعه مستوفًى إن شاء الله تعالى. ٦٢٣ - وعن ميمونة زوج النبي ﷺ أن فأرة وقعت في سمن فماتت فيه، فسئل النبي ﷺ عنها، فقال: "ألقوها وما حولها وكلوه". رواه البخاري، وزاد أحمد والنسائيِ (٢): في سمن جامد. الحديث فيه دلالة على أن الميتة نجس، وأنه ينجس [بملاقاتها] (أ) ما كان رطبا، ولذلك أمر بإلقائها وما حولها. والمراد بـ "ما حولها" ما لاصق الميتة، والقصة يتأتى (ب) وقوعها فيما لا يكون صليب الجمود؛ لأنه (جـ) لا يضر ملاقاة النجس لما كان جامدا إلا [أن] (د) تتخلله رطوبة، وإنما يكون كذلك فيما كان فيه انعقاد يتخلل أجزاءه رطوبة ينغمس فيه ما وقع فيه، وما كان مائعا لا يتأتى فيه فصل ما حول النجاسة وتمييزها عن سائر أجزائه. وفي الأمر بإلقائه دلالة على أنه لا يجوز أكل الدهن المتنجس ولا

стр. 2084

الانتفاع به في شيء، إذ لو جاز الانتفاع به لما أمر بإلقائه، وفي ذلك تفويت مال، وقد تقدم الخلاف في الانتفاع به في غير بدن الآدمي. وقوله: وزاد أحمد. الزيادة قد وقع معناها في حديث أبي هريرة [الآتي] (أ). ٦٢٤ - وعن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا وقعت الفأرة في السمن، فإن كان جامدًا فألقوها وما حولها، وإن كان مائعًا فلا تقربوه". رواه (ب أحمد وب) أبو داود (١)، وقد حكم عليه البخاري وأبو حاتم بالوهم (٢). الحديث أخرجه أبو داود من حديث عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة باللفظ المذكور هنا. قال أبو داود: قال الحسن: قال عبد الرزاق: ربما حدث به معمر عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن ميمونة. فهذا اللفظ فيه دلالة على أنه حفظ عن معمر الوجهين وأنه لم يَهِمْ، وكذا أخرجه ابن حبان في "صحيحه" (٣)، فيندفع ما حكم به البخاري عليه من الوهم؛ لأنه إنما حكم بخطئه بناء على

стр. 2085

عدم اتفاق روايته من الوجهين، ورأى أنه ثابت من حديث ميمونة: فحكم بالوهم علي الطريقة المروية عن أبي هريرة. قال الترمذي (١): سمعت البخاري يقوال: التفصيل في حديث أبي هريرة خطأ، والصواب أنه في حديث ميمونة. وفيه اختلاف آخر، فرواه يحيى بن أيوب عن ابن جريج عن الزهري عن سالم عن أبيه (٢)، وتابعه عبد الجبار الأيلي عن الزهري (٣). قال الدارقطني (٤): وخالفهما أصحاب الزهري، فرووه عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس، وهو الصحيح. وقد أنكر جماعة فيه التفصيل اعتمادا على عدم وروده في طريق مالك ومن تبعه، لكن ذكر الدارقطني (٥) في "العلل" أن يحيى القطان رواه عن مالك، وكذلك النسائي (٦) رواه من طريق عبد الرحمن عن مالك مقيدا بالجامد، وأنه أمر أن تُقوَّر وما حولها فيُرمى به. وكذا ذكر البيهقي (٧) من طريق حجاج بن منهال عن ابن [عيينة] (أ) مقيدا بالجامد، وكذا أخرجه

стр. 2086

إسحاق بن راهويه (١) في "مسنده" عن ابن عيينة، ووهم مَن غلَّطه فيه ونسبه إلى التغير في آخر عمره، وقد تابعه أبو داود الطالسي في "مسنده" (٢) عن ابن عيينة. والله أعلم. واعلم أن هذا الاختلاف إنما هو لتصحيح اللفظ الوارد، وأما الحكم فهو ثابت، فإن طرحها وما حولها والانتفاع بالباقي لا يكون إلا في الجامد، ويفهم منه أن الذائب يلقى جميعه؛ إذ العلة إنما هي المباشرة، (أولا اختصاص أ) في الذائب بالمباشرة وتمييز البعض عن البعض. والله أعلم. ٦٢٥ - وعن أبي الزبير، قال: سألت جابرًا عن ثمن السنور والكلب، فقال: زجر النبي ﷺ عن ذلك. رواه مسلم والنسائي (٣)، وزاد: إلا كلب صيد. هو أبو الزبير محمد بن مسلم المكي، تابعي روى عن جابر بن عبد الله كثيرا.

стр. 2087

النهي عن ثمن الكلب متفق عليه من حديث أبي مسعود، وأخرج مسلم هذا من حديث جابر ورافع بن خديج (١)، وزاد النسائي استثناء كلب الصيد. ثم قال: هذا منكر. وروى الترمذي (٢) من وجه آخر عن أبي هريرة (١) استثناء كلب الصيد. لكنه من رواية أبي المُهَزِّم عنه، وهو ضعيف (٣). وقد تقدم الكلام في ثمن الكلب مستوفى في حديث أبي مسعود. والحديث فيه دلالة على النهي عن ثمن السنور، وظاهر النهي التحريم، لا سيما وقد قرنه بثمن الكلب. وقد ذهب إلى هذا أبو هريرة وطاوس ومجاهد وجابر بن زيد، كما حكى ابن المنذر (٤). وقالوا: لا يجوز بيعه. محتجين بالحديث. وظاهره سواء كان له نفع أو لا، وذهب جمهور أهل العلم إلى أنه يجوز بيعه ويحل ثمنه إذا كان له نفع ولكنه يكره، وحملوا النهي على التنزيه، وكان النهي عن ذلك ليعتاد الناس هبته وإعارته والسماحة به كما هو الغالب. وما ذكر الخطابي (٥) وابن عبد البر (٦) أن الحديث ضعيف، فهو مردود؛

стр. 2088

فإن الحديث كما عرفت أخرجه مسلم وغيره. وقول ابن عبد البر: لم يروه عن أبي الزبير غير حماد بن سلمة (١). مردود، لأن مسلما قد رواه في "صحيحه" من رواية معقل بن [عبيد] (أ) الله (٢) عن أبي الزبير، فهذان ثقتان روياه عن أبي الزبير، وهو ثقة أيضًا، والله أعلم. ٦٢٦ - وعن عائشة ﵂ قالت: جاءتني بريرة فقالت: كاتبت أهلي على تسع أواق في كل عام أوقية فأعينيني (أ). فقلت: إن أحب أهلك أن أعدّها لهم ويكون ولاؤك لي فعلت. فذهبت بريرة إلى أهلها فقالت لهم، فأبوا عليها. فجاءت من عندهم ورسول الله ﷺ جالس، فقالت: إني قد عرضت ذلك عليهم فأبوا إلا أن يكون الولاء لهم. فسمع النبي ﷺ ، فأخبرت عائشة النبي ﷺ ، فقال: "خذيها واشترطي لهم الولاء، فإنما الولاء لمن أعتق". ففعلت عائشة، ثم قام رسول الله ﷺ في الناس فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "أما بعد، فما بال رجال يشترطون شروطا ليست في كتاب الله تعالى؟! ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط، قضاء الله أحق، وشرط الله أوثق، وإنما الولاء لمن أعتق". متفق عليه واللفظ للبخاري (٣). وعند

стр. 2089

مسلم: قال: "اشتريها وأعتقيها، واشترطي لهم الولاء". قوله: جاءتني بريرة. هي بفتح الباء الموحدة وراءين مهملتين بينهما ياء مثناة من أسفل، مولاة لعائشة، قيل: إنها نَبَطيَّة. بفتح النون والباء الموحدة. وقيل: قِبْطيَّة. بكسر القاف وسكون الموحدة. وقيل: إن اسم أبيها صفوان، وإن له صحبة. واختلف في مواليها؛ ففي رواية أسامة عن عائشة أنها كانت لناس من الأنصار (١). وكذا عند النسائي (٢) من رواية سماك، ووقع في بعض الشروح أنها لآل أبي لهب، وهو وهم من قائله، انتقل [وهمه من] (أ) أيمن. وقيل: لآل بني هلال. أخرجه الترمذي (٣) من رواية جرير. ويمكن الجمع. وكانت تخدم عائشة قبل أن تعتق، وعاشت إلى خلافة معاوية، و [تفرست] (ب) في عبد الملك بن مروان أنه يلي الخلافة وبشرته بذلك، وروى هو ذلك عنها (٤). روت عنها عائشة وابن عباس وعروة بن الزبير. قوله: كاتبت. على وزن فاعلت، من المكاتبة، وهي العقد بين السيد

стр. 2090

وعبده، وهي مأخوذة من الكَتْبِ بمعنى الجمع والضم، لضم نجوم الكتابة بعضها إلى بعض، أو من الكتب الذي هو الخط، لضم الحروف بعضها إلى بعض، أو مأخوذة من الكتب الذي هو بمعنى الإلزام، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ (١). لما كان العقد لازما بين السيد والعبد، وكأن السيد ألزم نفسه عتق العبد عند الأداء، والعبد ألزم نفسه الأداء للمال الذي يكاتب عليه. وقوله: في كل عام أوقية. فيه دلالة على شرعية التنجيم في الكتابة، وأنه في بعض روايات مسلم أن عائشة ﵂ قالت للنبي ﷺ : إن بريرة قالت: إن أهلها كاتبوها على تسع أواقي في تسع سنين؛ كلَّ سنة أوقية. ولكنه لا يدل على تحتم التنجيم. وقد ذهب الشافعي والهادي وأبو طالب وأبو العباس إلى أن التأجيل والتنجيم شرط في الكتابة، وأن أقله نجمان. قال الفقيه علي الوشلي: ولو في ساعتين. وقال الفقيه حسن النحوي: بل كأقل أجل السلم وهو ثلاثة أيام. واستقواه الإمام المهدي في "البحر"، واحتج على التنجيم بقول علي ﵁: الكتابة علي نجمين (٢). وبفعل عثمان ﵁، فإنه غضب على مملوكه فقال: لأكاتبنك على نجمين (٣). وذهب مالك وأحمد والجمهور أنه يجوز عقد الكتابة على نجم واحد، قالوا: لقوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ (٤). ولم يفصل.

стр. 2091

وأجيب بأن ذلك مطلق، والآثار عن الصحابة في حكم المرفوعة مبينة لما لم يذكر في الآية. ولا بد في الأجل أن يكون معلومًا حذرًا من الجهالة، كسائر العقود. وقوله: فأعينيني. بصيغة الأمر للمؤنث من الإعانة، كذا لأكثر رواة البخاري، وفي رواية الكشميهني (١): فأعيتني. بصيغة الخبر من الإعياء، والضمير للأواق، وهو متجه المعنى، أي أعجزتني عن تحصيلها. وفي هذه القصة دلالة على أنه يجوز بيع المكاتب عند تعسر الإيفاء لمال الكتابة إلى من يعتقه برضاه، وظاهر القصة أنها لم تكن قد سلمت شيئًا، والحكم مع تسليم البعض كذلك، إلا أن فيه خلافا؛ فقد روي عن علي ﵁ أنه يعتق إذا قد سلم نصف مال الكتابة ويطالب بالباقي (٢). وفي رواية عنه أنه يعتق بقدر ما أدى من مال الكتابة (٣). وروي عن شريح أنه يعتق إذا قد أدى شيئًا. وفي رواية عنه: الثلث (٤). وقد اختلف العلماء في بيع المكاتب على ثلاثة أقوال، فذهب طائفة من العلماء إلى جواز بيعه، منهم عطاء (٥) والنخعي وأحمد ومالك في رواية عنه، وفي رواية أنه يعتق بالأداء إلى المشتري، فإن عجز استرقه. وحجتهم ظاهر

стр. 2092

قوله ﷺ : "المكاتب رق ما بقي عليه درهم" (١). وذهب ابن مسعود وربيعة وأبو حنيفة والشافعي وبعض المالكية ومالك في رواية عنه إلى أنه لا يجوز بيعه، قالوا: لأنه قد خرج عن ملك السيد، بدليل تحريم الوطء والاستخدام، وكبيع ما قد بيع. وظاهر خلافهم عدم الجواز مطلقا، سواء فسخ عقد الكتابة أو لم يفسخ، والظاهر من استدلالهم وتأويلهم خبر بريرة بأن ذلك بعد الفسخ، وأن مع الفسخ يتفقون على جواز البيع. وذهب الهادي وأبو طالب وغيرهما إلى أنه يجوز بيعه برضاه إلى من يعتقه وإن لم يفسخ، واحتجوا بما وقع في حديث بريرة، فإن البيع كان إلى من يعتق، وظاهره أنه من دون فسخ. وقد أجيب عنه بأنه يحتمل أن ذلك ليس شراء للرقبة، وإنما هو من شراء الكتابة ويدل عليه ما وقع في رواية: فإن أحبوا أن أقضي عنكِ كتابتكِ ويكون ولاؤك لي. فإنه يشعر بأن المشترى هو الكتابة لا الرقبة، وأنه من باب قضاء الكتابة خاصة، ولكنه يضعفهما ما وقع في رواية: "ابتاعي". وأنه هل قال بذلك قائل معين: إنه يصح شراء الكتابة نفسها أو يؤدي مال الكتابة ويكون الولاء للمؤدي؟ والظاهر أنه لم يقل به أحد. وفي الحديث دلالة على أن شرط البائع لهذا الأمر، وكذا ما أشبهه من الشروط، وهو ما لا يكسب البيع ولا الثمن جهالة ولا يرفع موجب العقد، لا يفسد العقد، بل يلغو الشرط ويصح العقد. وسيأتي الكلام في الشروط.

стр. 2093

وقوله: "خذيها". ظاهر في أن الشراء لنفس الرقبة، وأن ذلك صحيح. وقوله: "واشترطي لهم الولاء". ثبتت هذه اللفظة في رواية هشام بن عروة عن أبيه، وانفرد بها دون غيره، ولكنه ثَبَتٌ حافظ مقبول ما تفرد به. واختلف العلماء في تأويل هذا، فقال الشافعي والمزني (أ): معناه: اشترطي عليهم الولاء. واللام بمعنى "على". وقد ورد مثل هذا كثيرا مثل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ (١). وقوله: ﴿وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ (٢). وقوله: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ﴾ (٣). وقد ضعف هذا بأنه لو كان كذلك لم ينكر عليهم ﷺ اشتراط الولاء. وقد يجاب عنه بأن النبي ﷺ إنما أنكر ما أرادوا اشتراطه في أول الأمر. وقيل: معناه: أظهري لهم حكم الولاء. وقيل: أراد بذلك الزجر والتوبيخ لهم؛ لأنه ﷺ كان بين لهم حكم الولاء، وأن هذا الشرط لا يحل، فلما ظهر منهم المخالفة قال لعائشة ذلك. ومعناه: لا تبالي، لأن اشتراطهم مخالفة للحق وتعنت وتماد في الباطل، فلا يكون ذلك للإهانة، بل مثل قوله: ﴿كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا﴾ (٤). والمقصود من ذلك الإهانة وعدم المبالاة بالاشتراط، وأن وجوده وعدمه سواء. وقيل: إن اشتراط الولاء مأذون فيه في هذه القصة بخصوصها، والغرض من الإذن فيه هو القصد إلى بيان إبطاله، مثل ما وقع منه ﷺ الإذن بالإحرام بالحج أولًا،

стр. 2094

ثم أمرهم بفسخه إلى العمرة لبيان حكم العمرة؛ ليكون ذلك أثبت في بيان الحكم. وقد أشكل على كثير من العلماء صدور مثل (أ) هذا من النبي ﷺ وإباحته لعائشة، وفي ذلك بحسب ظاهره خداع وغرر للبائع من حيث إنه معتقد عند صدور البيع أنه بقي له بعض النافع، وانكشف الأمر على خلاف ذلك، حتي إنه روي عن يحيى بن أكثم (١) إنكار هذا اللفظ الذي فيه اشتراط الولاء، وقد روي عن الشافعي قريب منه، ولكنه بعد تحقق الوجوه في التأويل التي مرت ينزاح الإشكال بالكلية من دون ورود في بعضها، وفي بعضها يرد، وبتحقيق الجواب يذهب الإشكال. وقوله: "شروطا ليست في كتاب الله". يحتمل أن يريد بكتاب الله حكم الله، ويراد بذلك نفي كونها في كتاب الله بواسطة أو بغير واسطة، فإن الشريعة كلها في كتاب الله؛ إما بغير واسطة كالمنصوص في القرآن، وإما بواسطة كقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ (٢). وقوله: "قضاء الله أحق". أي بالاتباع من الشروط المخالفة لحكم الشرع. "وشرط الله أوثق". أي باتباع حدوده. وقوله: "وإنما الولاء لمن أعتق". "إنما" للحصر، بدليل أنها وقعت ردًّا لمن أراد أن يكون له الولاء من دون إعتاق، فلو لم تكن للحصر لما حصل

стр. 2095

الزجر للمذكورين ومنعهم عما أرادوه. فائدة: ذكر ابن أبي شيبة (١) في "الأوائل" بسند صحيح أن بريرة أول مكاتب في الإسلام. ويرد عليه مكاتبة سلمان، فإنها قبل ذلك. ويجمع بينهما بأنها أول في النساء، وسلمان في الرجال. وقيل: إن أول مكاتب أبو أمية عبد عُمر (٢). وكانت مكاتبة بريرة في السنة التاسعة أو العاشرة؛ لأن في القصة شفاعة العباس لمغيث، وهو إنما سكن المدينة بعد رجوعهم من الطائف، وكان ذلك في أواخر سنة ثمان (٣)، ويؤيد ذلك قول ابن عباس أنه رأي مغيثا في سكك المدينة ودموعه تسيل على لحيته (٤). ٦٢٧ - وعن ابن عمر ﵁ قال: نهى عمر عن بيع أمهات الأولاد، فقال: لا تباع ولا توهب ولا تورث، ليستمتع بها ما بدا له، فإذا مات فهي حرة. رواه مالك والشافعي والبيهقي (٥)، وقال: رفعه بعض الرواة فوهم. وأخرجه الدارقطني مرفوعًا وموقوفًا (٦)، وقال: الصحيح وقفه على ابن عمر عن عمر. وكذا قال عبد الحق (٧). قال صاحب "الإلمام": المعروف فيه

стр. 2096

الوقف، والذي رفعه ثقة. قيل: ولا يصح مسندًا. وقد أخرج ابن ماجه (١) من حديث ابن عباس بلفظ: ذكرت أم إبراهيم عند رسول الله ﷺ فقال: "أعتقها ولدها". وفي إسناده حسين بن عبد الله (٢)، وهو ضعيف جدا. قال البيهقي (٣): وروي عن ابن عباس من قوله. وأخرج البيهقي (٤) من حديث ابن لهيعة عن عبيد الله بن أبي جعفر أن رسول الله ﷺ قال لأم إبراهيم: "أعتقك ولدك". وهو معضل. وقال ابن حزم (٥): صح هذا بسندٍ رواته ثقات عن ابن عباس. ثم ذكره من طريق قاسم بن أصبغ عن محمد بن مصعب عن عبيد الله بن عمرو، وهو الرتي، عن عبد الكريم الجزري عن عكرمة عن ابن عباس. وتعقبه ابن القطان بأن قوله: عن محمد بن مصعب. خطأ، وإنما هو عن محمد -وهو ابن وضَّاح- عن مصعب -وهو ابن سعيد المصيصي- وفيه ضعف. وقد أخرج أحمد وابن ماجه والدارقطني والحاكم -وقال: صحيح الإسناد- والبيهقي عن ابن عباس مرفوعًا: "أيّما أمة ولدت من سيدها فهي حرة عن دُبُر منه" (٦). وفي إسناده الحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس الهاشمي، قال في

стр. 2097

"الكاشف" (١): ضعفوه. وقد روى عنه ابن المبارك وغيره من الأئمة. وفي رواية للدارقطني والبيهقي (٢) من حديث ابن عباس أيضًا: "أم الولد حرة وإن كان سقطًا". وإسناده ضعيف. والصحيح أنه من قول ابن عمر. وأخرج الحاكم (٣) وابن عساكر وابن المنذر عن بريدة قال: كنت جَالسا عند عمر إذ سمع صائحةً فقال: يا يَرْفأ، انظر ما هذا الصوت. فنظر ثم جاء، فقال: جارية من قريش تُباع أمها. فقال عمر: ادع لي المهاجرين والأنصار. فلم يمكث ساعة حتى امتلأت الدار والحجرة، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فهل تعلمون كان فيما جاء به محمد ﷺ القطيعة؟ قالوا: لا. قال: فإنها قد أصبحت فيكم فاشية. ثم قرأ ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ (٤). ثم قال: وأي قطيعة أقطع من أن تُباع أم امرئ فيكم وقد أوسع الله لكم! قالوا: فاصنع ما لدا لك. فكتب إلى الآفاق ألا تباع أمُّ حرٍّ؛ فإنها قطيعة، وإنه لا يحل. وهذه الآثار والحديث فيه دلالة على أن الأمة إذا ولدت من سيدها حرُم بيعها، وقد ذهب إلى هذا الأكثر من الأمة. وسواء كان الذي يريد بيعها سيدها أو وارثه، وسواء كان الولد باقيا أو غير باق. وذهب الناصر والإمامية وبشر المَرِيسِي وداود الظاهري إلى جواز بيعها.

стр. 2098

قال الصادق والباقر والإمامية: إلا أن يموت سيدها ولها منه ولد باق فإنها تَعتِق. وإن لم يكن لها ولد باق، فقال الناصر: إنه يملكها أولاد سيدها من غيرها. وفي رواية: أنها تَعتِق حيث له ولد من غيرها. قالوا: لا سيأتي من حديث جابر (١)؛ ولأن عليا ﵁ رجع عن تحريم بيعها. فقد أخرج عبد الرزاق (٢) عن معمر عن أيوب عن ابن سيرين عن عَبيدة السلماني المرادي: سمعتُ عليا يقول: اجتمع رأي ورأي عمر في أمهات الأولاد ألا يبعن، ثم رأيت بعدُ أن يبعن. قال عبيدة: فقلت له: فرأيك ورأي عمر في الجماعة أحبُّ إلي من رأيك وحدك في الفُرْقَةِ. وهذا الإسناد معدود في أصح الأسانيد، ورواه البيهقي (٣) من طريق أيوب. وقال ابن أبي شيبة (٤): حدثنا أبو خالد الأحمر عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي عن عَبيدة عن علي قال: [استشارني] (أ) عمر في بيع أمهات الأولاد، فرأيت أنا وهو أنها إذا ولدت عَتَقَتْ، فعمل به عمر حياته، وعثمان حياته، فلما وليت رأيت أن أرقهن. قال الشعبي: فحدثني ابن سيرين أنه قال لعَبيدة: فما ترى أنت؟ قال: رأي علي وعمر في الجماعة أحب إلي من قول عليٍّ حين أدركه الاختلاف.

стр. 2099

والجواب عن ذلك أن حديث جابر يحتمل أنه كان في أول الأمر، وأن ما ذُكر ناسخ، وأيضًا فإنه راجع إلى التقرير، وما ذُكر قولٌ، وعند التعارض القول أرجح، وأما رجوع علي فظاهره أنه رجوعٌ عن اجتهاد إلى اجتهاد، وهو معارض باجتهاد عمر وموافقة الصحابة له لما قال ذلك في محضر من الصحابة. مع أنه قد صرح القاسم بن إبراهيم في رواية "الجامع" أن من أدرك من أهله يكونوا يثبتون رواية بيع أمهات الأولاد عن علي. وروي في "الجامع" أن عليا ﵁ أوصى لأمهات أولاده في مرضه. قال محمد بن منصور المرادي: وهذا يدل على أنهن يَعتِقن بعد موته. وقال ابن قدامة في "الكافي" (١): إن عليا لم يرجع رجوعًا صريحًا، إنما قال لعَبيدة وشريح: اقضوا كما كنتم تقضون؛ فإني أكره الاختلاف (٢). وهذا واضح في أنه لم يرجع عن اجتهاده، وإنما أذن لهم أن يقضوا باجتهادهم الموافق لرأي من تقدم. قال ابن قدامة (١): وقد روى صالح عن أحمد (أ) أنه قال: أكره بيعهن، وقد باع علي بن أبي طالب. قال أبو الخطاب: فظاهر هذا أنه يصح مع الكراهة. فعرفت أنه لا حجة في ذلك لا سيما مع هذا التردد، والجزم بالقول الأول. وقد ادعى الإجماع على المنع من بيعهن جماعة من المتأخرين، وأفرد الحافظ ابن

стр. 2100

كثير الكلام على هذه المسألة في جزء مفرد، قال: وتلخص لي عن الشافعي نفسه فيها أربعة أقوال، وفي المسألة من حيث هي ثمانية أقوال. والله أعلم. ٦٢٨ - وعن جابر ﵁ قال: كنا نبيع سراريَّنا أمهات الأولاد والنبي ﷺ حيٌّ لا يرى (أ) بذلك بأسًا. رواه النسائي، وابن ماجه، والحاكم، وصححه ابن حبان (١). وأخرجه أحمد، والشافعي، والبيهقي، وأبو داود، والحاكم (٢)، وزاد: في زمن أبي بكر. وفيه: فلما كان عمر نهانا فانتهينا. ورواه الحاكم (٣) من حديث أبي سعيد وإسناده ضعيف. قال البيهقي: ليس في شيء من الطرق أنه اطلع على ذلك وأقرهم عليه ﷺ . والجواب أن الرواية المذكورة تدل على اطلاعه عليه وتقريرهم، فإن قوله: حيٌّ لا يرى بذلك بأسًا. فيه دلالة على ذلك. فإنه إذا كان الرواية

стр. 2101

بالياء في: لا يرى. فالأمر واضح في ذلك، وقد قال المصنف رحمه الله تعالى (١): إن في رواية ابن أبي شيبة ما يدل على ذلك. وأما إذا كانت الرواية بالنون في: لا نرى. كما ذكره ابن رسلان في "شرح سنن أبي داود"، فليس فيه تصريح باطلاع النبي ﷺ على ذلك، فيستقيم كلام البيهقي، إلا أنه يرد عليه ما سيأتي في حديث جابر في النكاح: كنا نعزل والوحي ينزل (٢). وأن مثل هذا له حكم المرفوع إلى النبي ﷺ ، وسيأتي تحقيق هذا المبحث. فحينئذ يتم (أ) الاحتجاج بالحديث، وأن ذلك باطلاع النبي ﷺ ، والله أعلم. والحديث قد عرفت من احتج به والجواب. ٦٢٩ - وعن جابر بن عبد الله ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ عن بيع فضل الماء. رواه مسلم (٣) وزاد في رواية: وعن بيع ضراب الجمل. وأخرجه أصحاب "السن" من حديث إياس بن عَبْدٍ، وصححه الترمذي (٤)، وقال أبو الفتح القشيري (٥): هو على شرطهما.

стр. 2102

وأخرج الشافعي (١) عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة: "لا يمنع فضل الماء ليمنع به فضل الكلأ". زاد ابن حبان في "صحيحه" (٢): "فيهزل المال ويجوع العيال" (٢). قال البيهقي (٣): هذا هو الصحيح بهذا اللفظ، وكذا رواه الزعفراني عن الشافعي. قال البيهقي: وفي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: "من منع فضل الماء ليمنع به الكلأ منعه الله فضل رحمته يوم القيامة". وروي من وجه ضعيف من حديث أبي هريرة، ومن مرسل الحسن. الحديث فيه دلالة على أنه لا يجوز بيع ما فضل من الماء عن كفاية صاحبه. قال العلماء: وصورة ذلك أن يجتمع في أرض مباحة ماء فيسقي الأعلى، ثم يفضل عن كفايته، فليس له المنع، كذا إذا اتخذ حفرة في أرض مملوكة يجتمع فيها الماء، أو حفر بئرا فيستقي (أ) منه ويسقي أرضه فليس له منع ما فضل. وظاهر الحديث يدل على أنه يجب عليه بذل ما فضل عن كفايته لشرب أو طهور أو سقي زرع، وسواء كان في أرض مباحة أو مملوكة، وقد ذهب

стр. 2103

إلى هذا العموم ابن القيم في "الهدي النبوي" (١)، وقال: إنه يجوز دخول الأرض المملوكة لأخذ الماء والكلأ؛ لأن له حقا في ذلك، فلا يمنعه استعمال ملك الغير. وقال (٢): إنه نص أحمد على جواز الرعي في أرض غير مباحة للراعي (أ). ومثله ذهب إليه المنصور بالله وأبو جعفر والإمام يحيى في الحطب والحشيش. ثُم قال (٢): وأيضًا فإنه لا فائدة لإذن صاحب الأرض؛ لأنه ليس له منعه من الدخول، بل يجب عليه تمكينه، فغاية ما يقدر أنه لم يأذن له، وهذا حرام عليه شرعًا، لا يحل له منعه من الدخول، فلا فائدة في توقف دخوله على الإذن، وإنما يحتاج إلى الإذن في الدخول في الدار إذا كان فيها سكن؛ لوجوب الاستئذان، وأما إذا لم يكن فيها سكن فقد قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾ (٣). وهذا من ذاك. هذا معناه. واعلم أن من احتفر بئرا أو نهرا فهو أحق بمائه إجماعا؛ ولكنه حق لا ملك. وقد ذهب إلى هذا أبو العباس وأبو طالب والمؤيد وأبو يوسف وأحد وجهي أصحاب الشافعي ومالك ورواية عن أحمد، فعلى هذا إن له أن ينتفع به ولا يمنع الفضلة. وذهب بعض الفقهاء والإمام يحيى وأحد قولي المؤيد وأحد وجهي أصحاب الشافعي ورواية عن أحمد أنه ملك لكن عليه بذل الفضلة لغيره؛ لما أخرجه أبو داود (٤): يا نبي الله، ما الشيء الذي لا يحل

стр. 2104

منعه؟ قال: "الماء". قال: يا نبي الله، ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ قال: "الملح". قال: يا نبي الله، ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ قال: "أن تفعل الخير خير لك". وقال عمر: ابن السبيل أحق بالماء من [التانئ] (أ) عليه (١). ذكره أبو عبيد (٢). وفي حكم الماء المعادن الجارية (٥) في الأملاك؛ كالقار والنفط والمومياء والملح، وكذا الكلأ النابت. وكره أحمد إجارة أرض النهر والبئر كان كانتا مملوكتين، قال: لأن ذلك حيلة إلى بيع الماء الذي فيه، وهذه إنما هي تحسين في اللفظ. وكذا من أقام على معدن فأخذ منه حاجته لم يجز له بيع باقيه بعد نزعه عنه، وكذلك من سبق إلى الجلوس في رحبة أو طريق واسعة فهو أحق بها ما دام جالسًا، فإذا استغنى عنها وأجر مقعده لم يجز له ذلك، وكذلك الأرض المباحة إذا كان فيها عشب أو كلأ فسبق بدوابه إليها فهو أحق برعيه ما دامت دوابه فيها، فإذا خرج منها وأراد بيعه منع منه. وأما الماء المحرز في الآنية والظروف فهو مخصص من ذلك بالقياس على الحطب، وقد قال ﷺ : "لأن يأخذ أحدكم حبلا فيأخذ حزمة من حطب

стр. 2105

فيبيع، فيكف الله بها وجهه، خير له من أنه يسأل الناس أُعطِي أو مُنع" (١). فالصحيح جواز بيعه، وأنه لا يجب بذله إلا لمضطر. وكذلك بيع البئر والعين أنفسهما فإنه جائز؛ لقوله ﷺ : "من يشتري بئر رُومةُ يوسع بها على المسلمين وله (أ) الجنة؟ ". أو كما قال. فاشتراها عثمان من يهودي وسبَّلها للمسلمين، وكان اليهودي يبيع ماءها، واشترى نصفها باثني عشر ألفا، ثم قال اليهودي: اختر؛ إما أن تأخذها يومًا واخذها يومًا، وإما أن تنصب لك عليها دلوا وأنصب عليها دلوا. فاختار يومًا ويومًا، فكان الناس يستَقون منها يوم عثمان لليومين، فقال اليهودي: أفسدت علي بئري، فاشتر باقيها. فاشتراه بثمانية آلاف (٢). فدلّ على صحة بيع البئر، وجواز تسبيلها ولو كان المسبل مشاعًا، وصحة بيع ما يغترف منها، وجواز قسمة الماء بالمهايأة (٣)، وعلى كون المالك أحق بمائها، وجواز قسمة ما فيه حق وليس بمملوك، ولا ينقض ما مر من أنه يجوز الدخول إلى الملك لأخذ الماء والكلأ؛ لأن هذا كان في صدر الإسلام قبل ضعف شوكة اليهود في المدينة، والنبي ﷺ صالحهم في مبادئ الأمر على ما في أيديهم، ثم استقرت الأحكام وجرت على الموافق
следующие страницы →