بالياء في: لا يرى. فالأمر واضح في ذلك، وقد قال المصنف رحمه الله تعالى (١): إن في رواية ابن أبي شيبة ما يدل على ذلك.
وأما إذا كانت الرواية بالنون في: لا نرى. كما ذكره ابن رسلان في "شرح سنن أبي داود"، فليس فيه تصريح باطلاع النبي ﷺ على ذلك، فيستقيم كلام البيهقي، إلا أنه يرد عليه ما سيأتي في حديث جابر في النكاح: كنا نعزل والوحي ينزل (٢). وأن مثل هذا له حكم المرفوع إلى النبي ﷺ ، وسيأتي تحقيق هذا المبحث. فحينئذ يتم (أ) الاحتجاج بالحديث، وأن ذلك باطلاع النبي ﷺ ، والله أعلم. والحديث قد عرفت من احتج به والجواب.
٦٢٩ - وعن جابر بن عبد الله ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ عن بيع فضل الماء. رواه مسلم (٣) وزاد في رواية: وعن بيع ضراب الجمل.
وأخرجه أصحاب "السن" من حديث إياس بن عَبْدٍ، وصححه الترمذي (٤)، وقال أبو الفتح القشيري (٥): هو على شرطهما.
стр. 2102
وأخرج الشافعي (١) عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة: "لا يمنع فضل الماء ليمنع به فضل الكلأ". زاد ابن حبان في "صحيحه" (٢): "فيهزل المال ويجوع العيال" (٢).
قال البيهقي (٣): هذا هو الصحيح بهذا اللفظ، وكذا رواه الزعفراني عن الشافعي.
قال البيهقي: وفي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: "من منع فضل الماء ليمنع به الكلأ منعه الله فضل رحمته يوم القيامة". وروي من وجه ضعيف من حديث أبي هريرة، ومن مرسل الحسن.
الحديث فيه دلالة على أنه لا يجوز بيع ما فضل من الماء عن كفاية صاحبه.
قال العلماء: وصورة ذلك أن يجتمع في أرض مباحة ماء فيسقي الأعلى، ثم يفضل عن كفايته، فليس له المنع، كذا إذا اتخذ حفرة في أرض مملوكة يجتمع فيها الماء، أو حفر بئرا فيستقي (أ) منه ويسقي أرضه فليس له منع ما فضل.
وظاهر الحديث يدل على أنه يجب عليه بذل ما فضل عن كفايته لشرب أو طهور أو سقي زرع، وسواء كان في أرض مباحة أو مملوكة، وقد ذهب
стр. 2103
إلى هذا العموم ابن القيم في "الهدي النبوي" (١)، وقال: إنه يجوز دخول الأرض المملوكة لأخذ الماء والكلأ؛ لأن له حقا في ذلك، فلا يمنعه استعمال ملك الغير. وقال (٢): إنه نص أحمد على جواز الرعي في أرض غير مباحة للراعي (أ). ومثله ذهب إليه المنصور بالله وأبو جعفر والإمام يحيى في الحطب والحشيش. ثُم قال (٢): وأيضًا فإنه لا فائدة لإذن صاحب الأرض؛ لأنه ليس له منعه من الدخول، بل يجب عليه تمكينه، فغاية ما يقدر أنه لم يأذن له، وهذا حرام عليه شرعًا، لا يحل له منعه من الدخول، فلا فائدة في توقف دخوله على الإذن، وإنما يحتاج إلى الإذن في الدخول في الدار إذا كان فيها سكن؛ لوجوب الاستئذان، وأما إذا لم يكن فيها سكن فقد قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾ (٣). وهذا من ذاك. هذا معناه.
واعلم أن من احتفر بئرا أو نهرا فهو أحق بمائه إجماعا؛ ولكنه حق لا ملك. وقد ذهب إلى هذا أبو العباس وأبو طالب والمؤيد وأبو يوسف وأحد وجهي أصحاب الشافعي ومالك ورواية عن أحمد، فعلى هذا إن له أن ينتفع به ولا يمنع الفضلة. وذهب بعض الفقهاء والإمام يحيى وأحد قولي المؤيد وأحد وجهي أصحاب الشافعي ورواية عن أحمد أنه ملك لكن عليه بذل الفضلة لغيره؛ لما أخرجه أبو داود (٤): يا نبي الله، ما الشيء الذي لا يحل
стр. 2104
منعه؟ قال: "الماء". قال: يا نبي الله، ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ قال: "الملح". قال: يا نبي الله، ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ قال: "أن تفعل الخير خير لك". وقال عمر: ابن السبيل أحق بالماء من [التانئ] (أ) عليه (١). ذكره أبو عبيد (٢).
وفي حكم الماء المعادن الجارية (٥) في الأملاك؛ كالقار والنفط والمومياء والملح، وكذا الكلأ النابت.
وكره أحمد إجارة أرض النهر والبئر كان كانتا مملوكتين، قال: لأن ذلك حيلة إلى بيع الماء الذي فيه، وهذه إنما هي تحسين في اللفظ. وكذا من أقام على معدن فأخذ منه حاجته لم يجز له بيع باقيه بعد نزعه عنه، وكذلك من سبق إلى الجلوس في رحبة أو طريق واسعة فهو أحق بها ما دام جالسًا، فإذا استغنى عنها وأجر مقعده لم يجز له ذلك، وكذلك الأرض المباحة إذا كان فيها عشب أو كلأ فسبق بدوابه إليها فهو أحق برعيه ما دامت دوابه فيها، فإذا خرج منها وأراد بيعه منع منه.
وأما الماء المحرز في الآنية والظروف فهو مخصص من ذلك بالقياس على الحطب، وقد قال ﷺ : "لأن يأخذ أحدكم حبلا فيأخذ حزمة من حطب
стр. 2105
فيبيع، فيكف الله بها وجهه، خير له من أنه يسأل الناس أُعطِي أو مُنع" (١).
فالصحيح جواز بيعه، وأنه لا يجب بذله إلا لمضطر.
وكذلك بيع البئر والعين أنفسهما فإنه جائز؛ لقوله ﷺ : "من يشتري بئر رُومةُ يوسع بها على المسلمين وله (أ) الجنة؟ ". أو كما قال. فاشتراها عثمان من يهودي وسبَّلها للمسلمين، وكان اليهودي يبيع ماءها، واشترى نصفها باثني عشر ألفا، ثم قال اليهودي: اختر؛ إما أن تأخذها يومًا واخذها يومًا، وإما أن تنصب لك عليها دلوا وأنصب عليها دلوا. فاختار يومًا ويومًا، فكان الناس يستَقون منها يوم عثمان لليومين، فقال اليهودي: أفسدت علي بئري، فاشتر باقيها. فاشتراه بثمانية آلاف (٢). فدلّ على صحة بيع البئر، وجواز تسبيلها ولو كان المسبل مشاعًا، وصحة بيع ما يغترف منها، وجواز قسمة الماء بالمهايأة (٣)، وعلى كون المالك أحق بمائها، وجواز قسمة ما فيه حق وليس بمملوك، ولا ينقض ما مر من أنه يجوز الدخول إلى الملك لأخذ الماء والكلأ؛ لأن هذا كان في صدر الإسلام قبل ضعف شوكة اليهود في المدينة، والنبي ﷺ صالحهم في مبادئ الأمر على ما في أيديهم، ثم استقرت الأحكام وجرت على الموافق
стр. 2106
والمعاند (١)، ولله الحمد والمنة.
وحمل الخطابي النهي على التنزيه، ولكنه لا دليل على ذلك (٢)، والظاهر التحريم.
وقوله: وعن ضراب الجمل. معناه: نهى عن أجرة ضراب الجمل.
وهو عَسْبُ الفعل، بفتح العين المهملة وإسكان السين المهملة، وهو مذكور بهذا اللفظ في حديث آخر (٣).
وقد اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في أجرة الفعل وغيره من الدواب للضرب؛ فذهب العترة والشافعي وأبو حنيفة وأبو ثور وآخرون إلى أن استئجاره لذلك باطل، والأجرة حرام، ولا يستحق مالكه عوضًا، وإذا فعل المستأجر لا يلزمه شيء من الأجرة. قالوا: وعلة النهي أنه غرر ومجهول وغير مقدور على تسليمه. وقال جماعة من الصحابة والتابعين ومالك وآخرون: إن ذلك جائز إلا أنه يستأجره للضراب مدة معلومة، أو تكون الضربات معلومة؛ لأن الحاجة تدعو إليه، وهي منفعة مقصودة. وحملوا النهي على التنزيه والحث على مكارم الأخلاق، كما وقع النهي عن إجارة الأرض للزرع لهذه العلة. ولكنه خلف الظاهر من غير دليل. والله أعلم.
٦٣٠ - وعن ابن عمر ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ عن
стр. 2107
عَسْب الفحل. رواه البخاري (١).
٦٣١ - وعنه، أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع حبَل الحبَلة، وكان بيعًا يبتاعه (أ) أهل الجاهلية؛ كان الرجل يبتاع الجزور إلى أن تُنتَج الناقة ثم تُنتَج التي في بطنها. معلَّق عليه واللفظ للبخاري (٢).
٦٣٢ - وعنه، أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الولاء وعن هبته. متفق عليه (٣).
قوله: نهى عن بيع حبل الحبلة. إلى آخره. هو بفتح الحاء المهملة والباء الموحدة فيهما، وهو مصدر حَبِلت تَحْبَل حَبَلا، والحبلة جمع حابل؛ مثل ظلمة وظالم، وكتبة وكاتب. وحابل بغير تاء، ويقال: حابلة بالتاء. والتاء فيه للمبالغة أو للإشعار بالأنوثة، وقد ورد نادرًا حابلة. وحَبَلة في أصله مصدر سمي به المحبول، وأكثر استعمال الحبل في الآدميات. قال أبو عبيد (٤): ولم يرد في غير الآدميات إلا في هذا الحديث. وأثبت صاحب "المحكم" (٥) ذلك في غير هذا الحديث.
стр. 2108
وقوله: وكان بيعًا. إلخ، وقع هذا التفسير في "الموطأ" (١) متصلا بالحديث. قال الإسماعيلي (٢): وهو مدرج. يعني من كلام نافع، ومثله ذكر الخطب في "المدرج" (٣)، وذكره البخاري (٤) في ذكر أيام الجاهلية، وساقه بالتفسير المذكور عن ابن عمر، فأفهم أنه من تفسير ابن عمر، وجزم بذلك ابن عبد البر (٥).
وهذه الرواية فيها إنتاج ولد الناقة. ووقع في رواية [عبيد الله] (أ) بن عمر حمل ولد الناقة من دون اشتراط الإنتاج (٦). وفي رواية جويرية: أن تُنتج الناقة ما في بطنها من دون أن يكون نتاجها قد حمَل أو أُنتِج (٧). وبظاهر هذه الرواية قال سعيد بن المسيب فيما رواه عنه مالك (٨).
وعلى هذه الروايات اختلف العلماء في هذا المنهي عنه هل هو حيث يؤجل بثمن الجزور إلى أن يحصل النتاج المذكور أو أنه يبيع منه النتاج؟ وذهب إلى الأول مالك والشافعي وجماعة (٩)، وعلة النهي هو جهالة
стр. 2109
الأجل، وذهب إلى الثاني (أ) أبو عبيد (١). وأحمد وإسحاق وابن حبيب المالكي وأكثر أهل اللغة (٢)، وبه جزم الترمذي (٣). وعلة النهي هو كونه بيع معدوم ومجهول وغير مقدور على تسليمه، وهو داخل في بيع الغرر، وقد أشار إلى هذا البخاري، حيث صدر الباب ببيع الغرر، وأشار إلى التفسير الأول، [وذكر] (ب) الحديث في باب السَّلم، ورجح الأول لكونه موافقًا للحديث، وإن كان كلام أهل اللغة موافقًا للثاني، [لكن قد روى الإمام أحمد (٤) من طريق ابن إسحاق عن نافع عن ابن عمر ما يوافق الثاني] (جـ) ولفظه: نهى رسول الله ﷺ عن بيع الغرر، قال: إن أهل الجاهلية كانوا يتبايعون ذلك البيع، يبتاع الرجل بالشارف حبل الحبلة، فنهوا عن ذلك.
فكان محصل الخلاف: هل المراد البيع إلى أجل أو بيع الجنين؟ وعلى الأول، هل المراد بالأجل ولادة الأم أو وزيادة ولدها؟
وعلى الثاني، هل المراد بيع الجنين الأول أو جنين الجنين؟ فصارت أربعة أقوال.
стр. 2110
وحكى صاحب "المحكم" (١) عن ابن كيسان أن المراد بالحبلة الكرمة، وأن المراد النهي عن بيع ثمر العنب قبل أن يصلح، كما نهى عن بيع ثمر النخلة قبل أن تُزْهِي. وعلى هذا فالحَبْلة بسكون الباء الموحدة، والروايات بالتحريك، لكنه قد حكي في الحبلة بمعنى الكرمة أيضًا فتح الباء، ولم ينفرد ابن كيسان بذلك، فقد حكاه ابن السكيت في كتاب "الألفاظ" (٢)، ونقله القرطبي في "المفهِم" (٢) عن أبي العباس المبرد.
والجزور: بفتح الجيم وضم الزاي: البعير ذكرا كان أو أنثى، وهو مؤنث، وإن أطلق على مذكر تقول: هذه الجزور.
وتُنْتَج: بضم أوله وفتح ثالثه؛ أي تلد ولدًا. والناقة: فاعل، وهذا الفعل وقع في لغة العرب على صيغة المجهول.
وقوله: نهى عن بيع الولاء وعن هبته. فيه دلالة على عدم صحته وهبته وتحريم ذلك؛ وذلك لأن الولاء حق يثبت بوصف وهو الإعتاق ولا يُنقل عن مستحقه؛ ولذلك شبهه النبي ﷺ بالنسب وقال: "هو لحُمة كلحمة النسب" (٣). وقد قال بهذا جماهير العلماء من السلف والخلف رحمهم الله تعالى، وأجاز بعض السلف نقله، ولعله لم يبلغهم الحديث. كذا قال النووي في "شرح مسلم" (٤).
٦٣٣ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ
стр. 2111
عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر. رواه مسلم (١).
بيع الحصاة اختلف فيه فقيل: هو أن يقول: ارم بهذه الحصاة، فعلى أي ثوب وقعت فهو لك بدرهم. وقيل: هو أن يبيعه من أرضه قدر ما انتهت إليه رمية الحصاة. وقيل: هو أن يقبض على كف من حصى ويقول: لي بعدد ما خرج في القبضة من الشيء المبيع. أو يبيعه سلعة ويقبض على كف من حصى ويقول: لي بكل حصاة درهم. وقيل: أن يمسك أحدهما حصاة بيده ويقول: أي وقت سقطت الحصاة فقد وجب البيع. وقيل: هو أن يعترض القطيع من الغنم فيأخذ حصاة ويقول: أي شاة أصبتها (أ) فهي لك بكذا. وهذه الصور كلها متضمنة للغرر، لما في الثمن أو المبيع من الجهالة، ولفظ الغرر يشملها، وإنما أفردت لكونها كانت يبتاعها أهل الجاهلية، فجاء (ب) الإسلام بالنهي عنها، وأضيف البيع إلى الحصاة للملابسة لما كانت الحصاة تعتبر فيه.
وقوله: وعن بيع الغرر. الغرر. بفتح الغين المعجمة والراء المهملة المكررة؛ فَعَل، وهو إما بمعنى مغرور به فيكون بمعنى اسم المفعول، وإضافة المصدر إليه من إضافته إلى المفعول، أو هو في معناه المصدري، وتكون إضافة
стр. 2112
البيع إليه للملابسة، ويكون المعنى البيع الذي صحبه الغرر، ومعناه: الجذاع الذي هو مظنة ألا يرضى به عند تحققه أحد التبايعين لمنافاته لغرضه، فيكون من الأكل للمال بالباطل غير داخل في قوله تعالى: ﴿إلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (١). وهو أن يكون إما لعدم القدرة على تسليمه، كبيع العبد الآبق والفرس النافر والطير في الهواء، أو لكونه معدومًا أو مجهولًا، أو لا يتم ملك البائع له كالسمك في الماء الكثير، واللبن في الضرع، وبيع الحمل في البطن، وكذا بيع ثوب من ثياب أو شاة من شياه غير مخير فيه مدة معلومة، فإن هذا فيه غرر غير محتاج إلى ارتكابه، وقد يحتمل بعض الغرر ويصح البيع معه إذا دعت إليه الحاجة؛ كالجهل بأساس الدار، وكما إذا باع الشاة الحامل والتي في ضرعها لبن فإنه يصح البيع، أو كان الغرر حقيرا، وذلك كبيع الجبة المحشوة وإن لم ير حشوها، فإن ذلك مجمع عليه، وكذا على جواز إجارة الدار والدابة والثوب ونحو ذلك شهرًا، مع أن الشهر قد يكون ثلاثين يومًا، وقد يكون تسعة وعشرين، وعلى دخول الحمام بالأجرة مع اختلاف الناس في استعمالهم الماء وفي قدر مكثهم، وعلى جواز الشرب من السقاء بالعوض مع الجهالة، واختلاف عادة الشاربين، وعكس هذا أجمعوا على بطلان بيع الأجنة في البطون والطير في الهواء، قال العلماء: مدار البطلان على الغرر، وصح فيما ذكرنا مع وجود الغرر لكون الحاجة تدعو إليه ولا يمكن الاحتراز عنه، أو كان الغربيّ حقيرًا لقيام الإجماع على الاغتفار فيما ذكر، ووقع الخلاف في [بيع] (أ) العين
стр. 2113
الغائبة؛ فمن جوزه فبناه على أن الغرر مغتفر حقير (أ) كالمعدوم، ومن منع منه فبناه على اعتبار ما فيه من الغرر وأنه غير حقير مغتفر، وكذا في بيع الكامن الذي يدل فرعه عليه كالجزر والبصل والثوم ونحو ذلك مما كان الكامن هو المقصود بالبيع، حيث قد بلغ حد الانتفاع به، فهي معلومة بالعادة يعرفها أهل الخبرة بها، ففيها غرر يسير وهو محتاج إلى البيع لانتفاع الناس بذلك.
وقد ذهب إلى جواز بيع ذلك أبو يوسف ومحمد وصححه القاضي زيد للهدوية، وقال الناصر ومالك: إنه يجوز إذا قد ظهرت أوراقه، إذ هو علامة صلاحه للانتفاع به. وقال الإمام المهدي: إن ذلك لا يصح على ظاهر مذهب الهدوية سواء ظهرت أوراقه أم لا؛ لما فيه من الغرر والجهالة، فهو مثل بيع الحوت في الماء. ويجاب عنه بأن ذلك مغتفر وهو لا يزيد على ما في بيع الجوز واللوز والفستق والبيض من الغرر، وقد اغتفر ذلك. والله أعلم.
٦٣٤ - وعنه أن رسول الله ﷺ قال: "من اشترى طعامًا فلا يبعه حتى يكتاله". رواه مسلم (١).
وفي لفظ من حديث أبي هريرة أخرجه مسلم وأحمد (٢) قال: نهى رسول الله ﷺ أن يُشترى الطعام ثم يباع حتى يُستوفى. وأخرج مسلم وأحمد (٣) من حديث جابر: قال رسول الله ﷺ : "إذا ابتعت طعامًا فلا
стр. 2114
تبعه حتى تستوفيه".
وأخرج أحمد (١) من حديث حكيم بن حزام قال: قلت: يا رسول الله، إني أشتري بيوعا، فما يحل لي منها وما يحرم علي؟ قال: "إذا اشتريت شيئًا فلا تبعه حتى تقبضه".
وأخرج الدارقطني وأبو داود من حديث زيد بن ثابت (٢) أن النبي ﷺ نهى أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم. وسيأتي قريبًا في حديث ابن عمر (٣).
وأخرج السبعة إلا الترمذي وابن ماجه (٤) من حديث ابن عمر قال: كانوا يبتاعون الطعام جزافا في أعلى السوق فنهاهم رسول الله ﷺ أن يبيعوه حتي ينقلوه. وفي لفظ في "الصحيحين" (٥): حتى يحولوه. وللسبعة إلا الترمذي (٦): "من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يقبضه". ولأحمد (٧): "من اشترى طعاما بكيل أو وزن فلا يبعه حتى يقبضه". ولأبي داود والنسائي (٨):
стр. 2115
نهي أن يبيع أحد طعامًا اشتراه بكيل حتى يستوفيه. وعن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يستوفيه". قال ابن عباس: ولا أحسب كل شيء إلا مثله. أخرجه السبعة إلا الترمذي (١).
الحديث فيه دلالة على أن الطعام ليس لمشتريه أن يبيعه حتى يكتاله، والمراد منه قبضه، تدل عليه رواية: "يستوفيه". إلا أنه لما كان الأغلب في الطعام أن يكون قبضه بالكيل، ذكر لفظ الكيل في الاستيفاء، وقد اعتبر خصوصية هذا الحكم بالطعام ابن المنذر فقال: إن هذا الحكم يختص بالطعام لا غيره من سائر المبيعات. محتجًّا باتفاقهم على أن من شرى عبدًا فأعتقه قبل قبضه أن العتق صحيح، قال: والبيع كذلك. وهو مردود عليه بحديث حكيم بن حزام، فإنه عام للطعام وغيره، وأيضًا فالعلة المعتبرة مُعدية إلى الغير، وذهب مالك إلى أن الطعام إذا شُري جزافًا جاز بيعه قبل قبضه، وبه قال الأوزاعي وإسحاق، واحتج لهم (أ) بأن الجزاف يُرى فتكفي فيه التخلية، والاستيفاء إنما يكون في مكيل أو موزون. وقد روى أحمد مرة حديث ابن عمر مرفوعًا: "من اشترى طعامًا بكيل أو وزن فلا يبعه حتي يقبضه". ويجاب عنه: بحديث حكيم، وحديث زيد بن ثابت،
стр. 2116
وحديث ابن عمر الذي أخرجه السبعة.
وذهب ابن عباس والعترة والشافعي ومحمد إلى أنه لا يجوز البيع للمشتري قبل القبض مطلقًا، وهو الذي استنبطه ابن عباس وقال: لا أحسب كل شيء إلا مثله. وأخرج البخاري (١) عن طاوس: قلت لابن عباس: كيف ذاك؟ قال: ذاك دراهم بدراهم والطعام مُرْجأ. معناه: أنه استفهم عن سبب هذا النهي فأجابه ابن عباس بأنه إذا باعه المشتري قبل القبض وتأخر المبيع في يد البائع، فكأنه باع دراهم بدراهم، ويبين ذلك ما وقع في رواية سفيان عن ابن طاوس عند مسلم (٢) قال طاوس: قلت لابن عباس: لم؟ قال: ألا تراهم يبتاعون بالذهب [والطعام] (أ) مُرْجَأ. أي فإذا اشترى طعامًا بمائة دينار مثلًا ودفعها للبائع ولم يقبض منه الطعام ثم باع الطعام لآخر بمائة وعشرين دينارًا، هذا كلامه فأفهم أن ذلك من باب الربا، وأنه كأن الدراهم هي التي بيعت متفاضلة، وحينئذ فالحكم عام في كل مبيع لوجود العلة المُعَدّية.
وخص أبو حنيفة هذا الحكم بما كان ينقل، وأما غير المنقول فيحل بيعه قبل القبض، محتجًّا بحديث زيد بن ثابت فإن ذلك في المنقول (ب).
وأجيب إما بعموم حديث حكيم بن حزام، أو بالقياس؛ لوجود العلّة.
стр. 2117
قال القرطبيُّ: وهذه الأحاديث حجة على عثمان حيث أجاز بيع كل شيء قبل قبضه. ونسب في "البحر" الخلاف هذا إلى عثمان البتي.
فائدة: أخرج الدارقطني من حديث جابر (١): نهى رسول الله ﷺ عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان؛ صالح البائع وصاع المشتري. ونحوه للبزار (٢) من حديث أبي هريرة بإسناد حسن. فهو يدل على أنه إذا اشترى الشيء مكايلة وقبضه ثم باعه لم يجز تسليمه بالكيل الأول حتى يكيله علي من اشتراه ثانيا. وبذلك قال الجمهور، وقال عطاء (٣): يجوز بيعه بالكيل الأول مطلقًا. وقيل: إن باعه بنقد جاز بالكيل الأول، وإن باعه بنسيئة لم يجز بالأول. والأحاديث المذكورة ترد عليهما، وكأن العلة في ذلك هي لما يجوز من النقص في ذلك؛ فإعادة الكيل لإذهاب الخداع.
وفي حديث ابن عمر: كانوا يبتاعون الطعام جزافا. هو مثلث الجيم والكسر أفصح، يدل على جواز بيع الصبرة جزافًا سواء علم البائع قدرها أم لم يعلم، إلا أنه يثبت الخيار للمشتري عند الهدوية إذا علم قدرها البائع دون المشتري، وعن مالك لا يصح فيما علم قدرها البائع فقط.
قال ابن قدامة (٤): يجوز بيع الصبرة جزافًا، لا نعلم فيه خلافًا إذا جهل البائع والمشتري قدرها، فإن اشتراها جزافا، ففي بيعها قبل نقلها روايتان عن
стр. 2118
أحمد، ونقلُها قبضُها. انتهى.
٦٣٥ - وعنه قال: نهى رسول الله ﷺ عن بيعتين في بيعة. رواه أحمد والنسائي وصححه والترمذي وابن ماجه (١). ولأبي داود (٢): "من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا".
وأخرجه الشافعي (٣)، وهو في بلاغات مالك (٤). قال الترمذي: حسن صحيح، وفي الباب عن ابن عمر وابن عمرو وابن مسعود.
وحديث ابن مسعود رواه أحمد (٥) من طريق عبد الرحمن ابنه عنه بلفظ: نهى عن صفقتين في صفقة.
وحديث ابن عمر رواه ابن عبد البر (٦) من طريق ابن أبي خيثمة عن يحيى بن معين عن هشيم [عن] (أ) يونس بن عبيد عن نافع عن ابن عمر مثله.
وحديث ابن عمرو رواه الدارقطني (٧) في أثناء حديث.
стр. 2119
قال سماك في تفسيره: هو الرجل يبيع البيع فيقول: هو بنساء بكذا، وهو بنقد بكذا. رواه أحمد (١).
وقد يفسر بأن يقول: بعتك عبدي بعشرة على أن تبيعني جاريتك بكذا.
وعلة النهي على الأول، عدم استقرار الثمن ولزوم الربا على قول من يمنع بيع الشيء بأكثر من سعر يومه لأجل النّسَاء. وعلى (أ) الثاني، لتعليقه بشرط مستقبل يجوز وقوعه وعدم وقوعه، فلم يستقر الملك.
وقوله: "فله أوكسهما أو الربا". يعني أنه إذا فعل ذلك فهو لا يخلو عن أحد النقصين؛ إما الأوكس الذي هو الأقل، أو الربا (ب في ذلك ب). وهذا مما يؤيد التفسير الأول.
٦٣٦ - وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم يضمن، ولا بيع ما ليس عندك". رواه الخمسة وصححه الترمذي وابن خزيمة والحاكم، وأخرجه في "علوم الحديث" من رواية أبي حنيفة عن عمرٍو المذكور بلفظ: نهى عن بيع وشرط. ومن هذا [الوجه] (جـ) أخرجه
стр. 2120
الطبراني في "الأوسط"، وهو غريب (١).
حديث: نهى عن بيع وشرط. بيض له الرافعي في "التذنيب" واستغربه النووي (٢)، وقد رواه ابن حزم في "المحلى" والخطابي في "العالم" (٣) والطبراني في "الأوسط" و "الحاكم" في "علوم الحديث" من طريق محمد بن سليمان الذهلي، عن عبد الوارث بن (أ) سعيد، عن أبي حنيفة، عن عمرو بن شعيب في قصة طويلة مشهورة.
قال المصنف (٤) رحمه الله تعالى: ورويناه في الجزء الثالث من مشيخة بغداد للدمياطي، ونقل فيه عن ابن أبي الفوارس أنه قال: حديث غريب. انتهى.
والقصة هي: قال عبد الوارث: دخلت الكوفة فوجدت ثلاثة من فقهائها وهم؛ أبو حنيفة، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة، فسألت أبا حنيفة عن بيع وشرط فقال: يبطلان. ثم سألت ابن أبي ليلى عن ذلك فقال: يصح العقد ويبطل الشرط. ثم سألت ابن شُبرمة فقال: يصحان. فعدت إلى أبي
стр. 2121
حنيفة فأخبرته بما قالا فقال: لا علم لي بما قالا، ولكنه نهى رسول الله ﷺ عن بيع وشرط. ثم دخلت على ابن أبي ليلى فأخبرته بما قالا فقال: لا علم لي بما قالا، ولكنه أجاز العقد وأبطل الشرط في خبر بَريرة (١). ثم دخلت على ابن شبرمة فأخبرته بما قالا فقال: لا علم لي بما قالا، ولكنه ﷺ اشترى من جابر بعيرًا واشترط ظهره إلى المدينة (٢)، فصح البيع والشرط. وفي رواية ابن حزم: قدمت مكة. ومثله رواه الخطابي وفيها: قلت: يا سبحان الله! ثلاثة من فقهاء العراق اختلفوا في مسألة واحدة.
قوله: "لا يحل سلف وبيع". هو حيث يريد الشخص أن يشتري سلعة بأكثر من ثمنها لأجل النَّساء وعنده أن ذلك لا يجوز، فيحتال بأن يستقرض الثمن من البائع ليعجله إليه حيلة، وكلتا الصورتين محرم والعقد فيهما فاسد.
وقوله: "ولا شرطان في بيع". اختلف في تفسير ذلك؛ فقال أبو حنيفة وزيد بن علي: هو أن يقول: بعت هذا نقدا بكذا، وبكذا نسيئة. وقال أبو العباس: هو أن يشترط البائع ألا يبيع المشتري السلعة ولا يهبها. وقيل: هو أن يقول: بعتك هذه السلعة بكذا على أن تبيعني السلعة الفلانية بكذا. كذا ذكره الإمام المهدي في "الغيث"، والأول أقرب إلى لفظ الحديث.
وقوله: "ولا ربح ما لم يضمن". قيل معناه: ما لم يملك. وذلك هو الغصب، فإنه غير ملك للغاصب، فإذا باعه وربح في ثمنه لم يحل له الربح، ووجب عليه التصدق به، نص عليه الهادي في "الأحكام"، وقال المؤيد: إنه
стр. 2122
يحل له الربح؛ لقوله ﷺ : "الخراج بالضمان" (١). وقواه الإمام يحيى.
وقيل: معناه: ما لم يقبض. لأن السلعة المشتراة قبل قبضها هي ليست في ضمان المشتري إذا تلفت، بل تكون في ضمان البائع، بمعنى أنها تتلف من ماله، وتسمية ذلك غير مضمون مجاز.
وقوله: "ولا بيع ما ليس عندك". قد فسر أيضًا بالغصب؛ لأنه لما كان الغاصب مأمورا بتفريغ ساحته وتبرئة ذمته من الغصب فهو ليس عنده، وقد فسر أيضًا [بالبيع] (أ) قبل القبض. وكلاهما محتملان.
وفي حديث حكيم بن حزام في رواية أبي داود والنسائي (٢) أنه قال: قلت: يا رسول الله، يأتيني الرجل فيريد مني البيع ليس عندي، فأبتاع له من السوق؟ قال: "لا تبع ما ليس عندك". ما يدل على أن المقصود به النهي عن بيع الشيء قبل أن يملكه وإن كان في نيته تملكه لأجل تسليمه إلى المشتري، وهو الأولى، والله أعلم.
٦٣٧ - وعنه قال: نهى رسول الله ﷺ عن بيع العُرْبان. رواه مالك قال: بلغني عن عمرو بن شعيب به (٣).
وأخرجه أبو داود وابن ماجه (٤)، وفي إسناده راو لم يسم، وسمي في رواية لابن ماجه ضعيفة عبد الله بن عامر الأسلمي (٥). وقيل: هو ابن
стр. 2123
لهيعة (١). وهما ضعيفان.
ورواه الدارقطني والخطيب (٢) في "الرواية عن مالك" من طريق الهيثم بن اليمان عنه عن عمرو بن الحارث عن عمرو بن شعيب، وعمرو بن الحارث ثقة (٣)، والهيثم ضعفه الأزدي (٤)، وقال أبو حاتم (٥): صدوق. وذكر الدارقطني أنه تفرد بقوله: عن عمرو بن الحارث.
قال ابن عدي (٦): إنه يقال: إن مالكا سمع هذا الحديث من ابن لهيعة. ورواه البيهقي (٧) من طريق عاصم [بن] (أ) عبد العزيز عن (ب) الحارث [بن] (جـ) عبد الرحمن عن عمرو بن شعيب، وقال عبد الرزاق في "مصنفه" (٨): أخبرنا الأسلمي عن زيد بن أسلم سئل رسول الله ﷺ عن العربان في البيع فأحله.
قوله: عن بيع العُرْبان. هو بضم المهملة، ويقال: أربان. بالهمزة،
стр. 2124
ويقال: عربون. وذكر مالك في تفسيره هو أن يشتري الرجل العبد أو الأمة أو يكتري ثم يقول الذي اشترى أو اكترى: أعطيك دينارًا أو درهمًا على أني إن أخذت السلعة فهو من ثمن السلعة وإلا فهو لك. وكذلك فسره عبد الرزاق عن الأسلمي عن زيد بن أسلم.
قد اختلف الناس في جواز هذا البيع؛ فأبطله مالك والشافعي لهذا النهي، ولما فيه من الشرط الفاسد والغرر ودخوله في أكل المال بالباطل، وأبطله أصحاب الرأي لذلك، وقد روي عن ابن عمر أنه أجاز هذا البيع (١)، وروي عن عمر ﵁ (٢)، ومال أحمد إلى القول بإجازته وقال: أي شيء أقدر أن أقول وهذا عمر؟ يعني أنه أجازه. والله أعلم.
٦٣٨ - وعن ابن عمر ﵁ قال: ابتعت زيتًا في السوق، فلما استوجبته لقيني رجل فأعطاني به ربحًا حسنًا، فأردت أن أضرب على يد الرجل، فأخذ رجل من خلفي بذراعي فالتفت فإذا زيد بن ثابت، فقال: لا تبعه حيث ابتعته حتى تحوزه إلى رحلِك؛ فإن رسول الله ﷺ نهى أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم. رواه أحمد وأبو داود واللفظ له، وصححه ابن حبان والحاكم (٣).
الحديث فيه دلالة على أنه لا يصح من المشتري أن يبيع ما اشتراه قبل أن يحوزه إلى رحله، والظاهر أن المراد به القبض، ولكنه عبّر عنه بما ذكر لما كان
стр. 2125
غالب قبض المشتري هو الحيازة إلى المكان الذي يختص به، وأما نقله من مكان إلى مكان لا يختص به فعند الجمهور أن ذلك قبض، والخلاف للشافعي في ذلك مع تفصيل، وذلك أنه إذا كان مما يتناول باليد كالدراهم والدنانير والثوب فقبضه بالنقل، وما ينقل في العادة كالأخشاب والحبوب والحيوان فقبضه بالنقل إلى مكان لا اختصاص للبائع فيه. وفي قولٍ أنه يكفي فيه التخلية، وما كان لا ينقل كالعقار والثمر على الشجر فقبضه بالتخلية، والظاهر معه.
وقوله: فلما استوجبته. في رواية لأبي داود: فلما استوفيته. المراد منه العقد، وظاهر اللفظ أنه قبضه ولم يكن قد حازه إلى رحله كما يدل عليه قوله: نهى أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم. والله أعلم.
٦٣٩ - وعنه قال: قلت: يا رسول الله، إني أبيع الإبل بالبقيع فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير، آخذ هذا من هذه وأعطي هذه من هذا. فقال رسول الله ﷺ : "لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تفترقا وبينكما شيء". رواه الخمسة وصححه الحاكم (١).
الحديث لفظ أبي داود، وغيره بلفظ: فقال: "لا بأس به بالقيمة". وفي رواية: "لا بأس إذا تفرقتما وليس بينكما شيء". وفي
стр. 2126
لفظ [للنسائي (١)] (أ): "ما لم يفرق بينكما شيء".
قال الترمذي والبيهقي (٢): لم يرفعه غير سماك بن حرب عن سعيد بن جبير عن ابن عمر. وعلق الشافعي في "سنن حرملة" القول به على صحته، وروى البيهقي (٣) من طريق أبي داود الطالسي قال: سئل شعبة عن حديث سماك هذا، فقال شعبة: أيوب عن نافع عن ابن عمر. ولم يرفعه. وحدثنا قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن ابن عمر. ولم يرفعه. وحدثنا يحيى بن أبي إسحاق، عن سالم، عن ابن عمر. ولم يرفعه، ورفعه لنا سماك (٤). انتهى.
وقوله: بالبقيع. بالباء الموحدة كما وقع عند البيهقي (٥): في بقيع الغرقد. قال النووي (٦): ولم يكن كثرت إذ ذاك فيه القبور. وقال ابن باطيش: لم أر مَنْ ضبطه، والظاهر أنه بالنون.
الحديث فيه دلالة على أنه يجوز أن يقضي عن الذهب الفضة، وعن الفضة ذهبًا؛ لأن ابن عمر كان يبيع بالدنانير، فيلزم المشتري في ذمته له دنانير وهي الثمن، ثم يقبض (ب) عنها دراهم وبالعكس، وهذا مصرح به في
стр. 2127
رواية أبي داود وتبويب "باب اقتضاء الذهب من الورق". ولفظه: كنت أبيع الإبل بالبقيع فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير؛ آخذ هذه من هذه، وأعطي هذه من هذه، فأتيت رسول الله ﷺ وهو في بيت حفصة فقلت: يا رسول الله، رويدك أسألك، إني أبيع الإبل بالبقيع؛ فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير؛ آخذ هذه من هذه، وأعطي هذه من هذه. فقال رسول الله ﷺ : "لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تفترقا وبينكما شيء".
وفي هذا تصريح بأن النقدين جميعًا غير حاضرين، والحاضر أحدهما وهو غير اللازم في الذمة، فبيَّن الحكم بأنهما إذا فعلا ذلك فحقُّه ألا يفترقا إلا وقد قبض ما هو لازم عوض ما في الذمة، ولا يجوز أن يقبض البعض من الدراهم ويبقى بعض في ذمة من عليه الدنانير عوضًا عنها ولا العكس، لأن ذلك من باب الصرف، والشرط فيه ألا يفترقا وبينهما شيء.
وأما قوله: "بسعر يومها". فهو في رواية لأبي داود، والظاهر أنه غير شرط، وإن كان ذلك أمرا أغلبيا في الواقع، يدل على ذلك قوله: "فإذا اختلفت الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيدٍ". كما سيأتي في حديث عبادة (١)، والله أعلم.
٦٤٠ - وعنه قال: نهى رسول الله ﷺ عن النَّجْش. متفق عليه (٢).
النجش بفتح النون وسكون الجيم بعدها معجمة، وهو في اللغة تنفير
стр. 2128
الصيد واستثارته من مكانه ليصاد. يقال: أنجشت الصيد أنجُشه بالضمة نجشًا، فسمي الناجش في السلعة ناجشا؛ لأنه يثير الرغبة فيها ويرفع ثمنها، وقال ابن قتيبة (١): أصل النجش [الخَتْل] (أ)، وهو الخداع، ومنه قيل للصائد: ناجش. لأنه يختل الصيد ويحتال له، وكل من استثار شيئًا فهو ناجش. أو من النجش بمعنى الاستتار، لأنه يستر قصده، ومنه قيل للصائد: ناجش لاستتاره. وقال الهروي: قال أبو بكر: النجش المدح والإطراء. وعلى هذا معنى الحديث: لا يمدح أحدكم السلعة ويزيد في ثمنها بلا رغبة. والصحيح الأول. كذا ذكره النووي (٢).
وفي الشرع: الزيادة في ثمن السلعة المعروضة للبيع؛ لا ليشتريها بل ليغر بذلك غيره، وقد يقع ذلك بمواطأة البائع، وقد لا يكون، وقد يكون من البائع وحده؛ مثل أن يخبر بأنه اشتراها بكذا ليخدع الشتري، وهو حرام لما فيه من الخديعة.
قال ابن بطال (٣): أجمع العلماء على أن الناجش عاص بفعله، واختلفوا في البيع إذا وقع على ذلك؛ فنقل ابن المنذر عن طائفة من أهل الحديث فساد ذلك البيع، وهو قول أهل الظاهر ورواية عن مالك، وهو المشهور عن الحنابلة إن كان بمواطأة البائع أو منه، والمشهور عند المالكية في مثل ذلك ثبوت الخيار، وهو وجه للشافعية. ومثل هذا ذكر الإمام الهدي في "البحر" للهدوية قياسًا على
стр. 2129
المُصَرَّاة، والبيع صحيح عند الهدوية والشافعية والحنفية، لأن النهي عائد إلى أمر مفارق للبيع وهو قصد الخداع، فلم يقتض الفساد.
وقد اتفق أكثر العلماء على تفسير النجش بما ذكر، وقيد ابن عبد البر (١) وابن العربي (٢) وابن حزم (٣) أن التحريم بأن تكون الزيادة المذكورة فوق ثمن المثل. قال ابن العربي: فلو أن رجلًا رأى سلعة رجل تباع بدون قيمتها، فزاد فيها لتنتهي إلى قيمتها لم يكن ناجشًا عاصيا، بل يُؤْجر على ذلك بنيته. وقد وافقه على ذلك بعض المتأخرين من الشافعية، لأن ذلك من النصيحة. ويجاب عن ذلك بأن النصيحة تحصل بغير إيهام أنه يريد الشراء، وأما مع هذا فهو خداع وغرور، وقد أخرج البخاري (٤) في "الشهادات" في باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ (٥). عن عبد الله بن أبي أوفى قال: أقام رجل سلعته فحلف بالله لقد أعطي بها ما لم يُعْط، فنزلت. قال ابن أبي أوفي: الناجش آكل ربا خائن. وأخرجه الطبراني (٦) من وجه آخر عن ابن أبي أوفى مرفوعًا، لكن قال: "ملعون". بدل: خائن. انتهى.
وأطلق ابن أبي أوفى على من أخبر بأكثر مما اشتري به أنه ناجش؛ لمشاركته لمن يزيد في السلعة وهو لا يريد أن يشتريها في غرور الغير، فاشتركا في الحكم لذلك، وحيث كان الناجش غير البائع فقد يكون آكل ربا إذا جعل له البائع جُعلا.
وأخرج عبد الرزاق (٧) من طريق عمر بن عبد العزيز أن غلامًا له باع
стр. 2130
شيئًا فقال له: لولا أني كنت أزيد فأنفِّقه لكان كاسدًا. فقال له عمر: هذا نجش لا يحل. فبعث مناديًا فنادى أن [البيع] (أ) مردود، وأن [النجش] (ب) لا يحل. وفي هذا ردٌّ على ابن عبد البر وابن العربي، والله أعلم.
٦٤١ - وعن جابر أن النبي ﷺ نهى عن المحاقلة والمزابنة والمخابرة، وعن الثنيا إلا أن تعلم. رواه الخمسة إلا ابن ماجه وصححه الترمذي (جـ) (١).
والمحاقلة؛ قال أبو عبيد (٢): هي بيع الطعام في سنبله، مأخوذ من الحقل وهو الحرث وموضع الزرع. وقال الليث: الحقل الزرع إذا تشعب من قبل أن يغلظ سوقه.
وأخرج الشافعي في "المختصر" (٣) عن سفيان عن ابن جريج عن عطاء عن
стр. 2131
جابر أن المحاقلة أن يبيع الرجلُ الرجلَ الزرع بمائة فَرَق (١) من الحنطة، والمزابنة أن يبيع الثمر على رءوس النخل بمائة فَرَق من تمر. قال ابن جريج: قلت لعطاء: أفسر لكم جابر المحاقلة كما أخبرتني؟ قال: نعم. وهو متفق عليه (٢) من حديث سفيان نحوه. واتفقا (٣) عن مالك عن نافع عن ابن عمر بلفظ: نهى عن المزابنة، والمزابنة بيع الثمر بالتمر كيلًا، وبيع الكرم بالزبيب كيلًا. وأخرجه عنه الشافعي في "الأم" (٤)، قال الشافعي: وتفسير المحاقلة والمزابنة في الأحاديث يحتمل أن يكون عن النبي ﷺ منصوصًا، ويحتمل أن يكون من رواية مَن رواه.
وفي النسائي (٥) عن رافع بن خديج، والطبراني (٦) عن سهل ابن سعد.
[إن] (أ) المحاقلة مأخوذة من الحقل جمع حقلة. قاله الجوهري، وهي الساحات جمع ساحة.
وعن مالك أن المحاقلة هي أن تكرى الأرض ببعض ما تنبت، وهي المخابرة. ولكن في هذه الرواية عطف المخابرة عليها يُبْعد هذا التفسير، وسيأتي تفسير المخابرة في المزارعة إن شاء الله تعالى.
والمزابنة بالزاي المعجمة والباء الموحدة والنون، مفاعلة من الزَّبْن بفتح
стр. 2132
الزاي وسكون الموحدة وهو الدفع الشديد، ومنه سُميت الحرب الزبون لشدة الدفع فيها، وقيل للبيع الخصوص: المزابنة. كأن كل واحد من المتبايعين يدفع صاحبه عن حقه، أو لأن أحدهما إذا وقف على ما فيه من الغبن أراد دفع البيع بفسخه، وأراد الآخر دفعه عن هذه الإرادة بإمضاء البيع، وقد ورد في تفسير المزابنة غير ما ذكر؛ فأخرج البخاري (١) عن ابن عمر أن المزابنة أن تبيع الثمر بكيل: إن زاد فلي، كان نقص فعلي. وهذا من القمار.
وأخرج مسلم (٢) عن نافع أن المزابنة بيع ثمر النخل بالتمر كيلًا، وبيع العنب بالزبيب كيلًا، وبيع الزرع بالحنطة كيلًا. فدخل فيها المحاقلة وستأتي.
وقال مالك (٣): المزابنة كل شيء من الجزاف لا يعلم كيله ولا وزنه ولا عدده، إذا بيع بشيء مسمى من الكيل وغيره، سواء كان يجري الربا فيه أو لا، فتدخل فيه سورة القمار وما يلزم من الربا.
قال ابن عبد البر (٤): نظر مالك إلى معنى المزابنة لغةً، وهي المدافعة، ويدخل فيها القمار والمخاطرة.
وبعضهم فسّر المزابنة بأنها بيع الثمر قبل بدو صلاحه، وهو خطأ. وقيل: هي المزارعة على الجزء، وقيل غير ذلك. والعلة في النهي عن جميع
стр. 2133
ذلك هو؛ إما الربا لعدم علم التساوي، أو القمار، أو الغرر على ما عرفت، وعلى القول بأن المزابنة تختص [بالتمر] (أ)، فالجمهور على أنه يلحقه جميع ما شاركه في العلة. وقال بعضهم: يختص بالنخل.
وقد اتفق العلماء رحمهم الله تعالى علي تحريم بيع الرطب بالتمر (ب) في غير العرايا، وأنه ربا.
وأجمعوا أيضًا على تحريم بيع الحنطة في سنبلها بالحنطة صافية، وهي المحاقلة، وسواء عند جمهورهم كان الرطب والعنب على الشجر أو مقطوعًا. وقال أبو حنيفة: إن كان مقطوعًا جاز بيعه بمثله من اليابس. وسيأتي في حديث سعد بن أبي وقاص (١) عدم جوازه، والله أعلم.
وقوله: وعن المخابرة. هي من المزارعة، وهي المعاملة على الأرض ببعض ما يخرج منها من الزرع، وسيأتي الكلام عليها إن شاء الله تعالى.
وقوله: وعن الثنيا إلا أن تعلم. المراد بها الاستثناء في البيع، وذلك بأن يبيع شيئًا ويستثني بعضه، ولكنه إن كان ذلك البعض معلومًا صحت؛ نحو أن يبيع أشجارًا أو أعنابًا ويستثني واحدة معينة، فإن ذلك يصح اتفاقًا، وأما لو باع الصُّبرة إلا بعضها، أو هذه الأشجار والثياب إلا بعضها، فلا يصح البيع؛ لأن الاستثناء مجهول، وأما: بعتك هذه الثياب إلا ثوبًا. فإن خير في ذلك مدة معلومة بأن يقول: أختاره في يوم أو يومين. أو نحو ذلك، صح
стр. 2134
ذلك عند الهدوية؛ لأنه باشتراط الاختيار مدة معلومة يصير المستثنى في حكم المعلوم، وذلك حيث كان المبيع مختلفًا، وأما إذا كان مستويًا فإنه لا يصح، لعدم استقرار المبيع، وكذا إذا كان المستثنى مشاعًا مثل: إلا ربعها أو ثلثها. فإنه يصح، ومنع مالك أن يستثنى ما يزيد على الثلث.
وأما إذا باع الصُّبرة من الطعام أو الثمر من الشجر واستثنى آصُعًا فإنه يبطل البيع عند الجمهور من العلماء، وقال مالك وجماعة من علماء المدينة: يجوز ذلك ما لم يزد على قدر ثلث المبيع. وقال أبو مضر من الهدوية: إنه يصح الاستثناء. وظاهر كلامه مطلقًا.
والوجه في النهي عن الثنيا هو الجهالة، وما كان معلومًا انتفت فيه العلة فخرج عن حكم النهي، وقد نبه النص على العلة بقوله: إلا أن تعلم. وقول أبي مضر قريب إن لم يكن قد سبقه الإجماع، والله أعلم.
٦٤٢ - وعن أنس ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ عن المحاقلة والمخاضرة والملامسة والمنابذة والمزابنة. رواه البخاري (١).
قوله: عن المحاقلة. تقدم الكلام فيها.
قوله: والمخاضرة. هو بالخاء والضاد المعجمتين، وهي مفاعلة من الخضرة، والمراد به بيع الثمار والحبوب قبل أن يبدو صلاحها، قال يونس بن القاسم (٢): المخاضرة بيع الثمار قبل أن تطعم والزرع قبل أن يشتد ويفرك منه.
وقد اختلف العلماء فيما يصح بيعه من الثمار وما لا، فالزرع أو الثمر إذا كان قد بلغ الحد الذي ينتفع به، ولم يكن قد صلح بأخذ الثمر ألوانه واشتداد الحب؛ فذهب زيد بن علي والمؤيد بالله وأبو حنيفة والشافعي إلى
стр. 2135
أنه يصح البيع بشرط القطع -قال المؤيد بالله وأبو حنيفة: أو يسكت عن القطع- ويؤاخذ المشتري بالقطع، وأما إذا شرط البقاء فلا يصح اتفاقًا، وأما إذا قد بلغ حدَّ الصلاح، وذلك باشتداد الحب واسوداد العنب وأخذ الثمر ألوانه، فبيعه صحيح وفاقًا، إلا أن يشترط المشتري بقاءه. فظاهر قول المؤيد بالله وأبي طالب أنه لا يصح البيع، واختاره الإمام المهدي، وأحد قولي أبي العباس أنه لا (أ) يصح، وجمع الأستاذ بين القولين، بأنه إذا كانت المدة معلومة صحَّ عند الجميع، وإن كانت غير معلومة لم يصح، وأما إذا كان ذلك الثمر مما قد صلح بعضه وبعضه غير صالح فبيعه غير صحيح.
وذهبت الحنفية إلى جواز بيع الثمار وإن لم يبد صلاحها، ولو لم يكن ينتفع بها في الحال، قالوا: لأنه مال متقوم؛ إما لكونه منتفعًا به في الحال أو في المال، كما لو اشترى ولد جارية مولودا، فإنه يجوز كان لم يكن منتفعًا به في الحال، وهذا إذا اشتراها مطلقًا أو شرط القطع، وأما شرط البقاء فيفسد البيع؛ لأنه شرط لا يقتضيه العقدُ، وهو شغل ملك البائع، أو صفقتان في صفقة، وهو إعارة وإجارة في بيع، وكذا بعد الصلاح وقد تناهى كمالها إلى وقت الجداد (١)، فيفسد عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد بن الحسن: إنه جوز ذلك استحسانًا لتعارف الناس. قال: وأما قبل الصلاح فلأنها تحدث آخرًا بعد البيع، فإذا شرط الترك فقد شرط الأجزاء المعدومة، فيفسد العقد، وما قد تناهى لا يزيد وإنما ينقص، فلم يكن شرطًا لمعدوم فيصح، وهما يقولان: شرط الانتفاع بملك غيره. وهو شرط لا يقتضيه العقد.
стр. 2136
ولو اشترى الثمرة التي لم يتناه صلاحها شراء مطلقا من غير شرط الترك وتركها بإذن البائع طاب له الفضل، وإن تركها بغير إذنه تصدق بما زاد في ذاته، بأن يقوَّم قبل الإدراك ويُقوم بعد الإدراك، فيتصدق بما زاد من قيمته إلى وقت الإدراك؛ لحصوله بجهة محظورة، كان تركها بعد ما تناهى صلاحها لم يتصدق بشيء؛ لأن هذا تغيُّر حالة لا تحقق زيادة، وهذا في الثمرة، وأما الزرع إذا اشترط بقاءه إلى الإدراك فالشرط (أ) فاسد باتفاق بين أبي حنيفة وصاحبيه (١)، ويقول محمد: إنه لا تعامل للناس فيه بخلاف الثمار. هكذا فصل الكلام في "شرح القُدوري".
وقوله: والملامسة. هي مس الثوب ولا ينظر إليه، وأخرج البخاري (٢) عن الزهريّ أن الملامسة لمس الرجل الثوب بيده بالليل أو بالنهار، والمنابذة أن ينبذ الرجل إلى الرجل بثوبه، ويكون بيعهما من غير نظر ولا تراض. ولأبي عوانة (٣) هو أن يتبايع القوم السلع لا ينظرون إليها ولا يخبرون عنها، أو يتنابذ القوم السلع كذلك، فهذا من أبواب القمار.
وفي رواية ابن ماجه (٤) من طريق سفيان عن الزهريّ: المنابذة أن يقول: ألق إلي ما معك وألقي إليك ما معي. وللنسائي (٥) من حديث أبي هريرة:
стр. 2137
الملامسة أن يقول الرجل للرجل: أبيعك (أ) ثوبي بثوبك. ولا ينظر أحد منهما إلى ثوب الآخر، ولكن يلمسه لمسًا، والمنابذة أن يقول: أنبذ ما معي وتنبذ ما معك. فيشتري كل منهما من الآخر، ولا يدري كل واحد منهما كم مع الآخر.
وأخرج أحمد (١) عن عبد الرزاق عن معمر: المنابذة أن يقول: إذا نبذت هذا الثوب فقد وجب البيع، والملامسة أن يلمس الثوب بيده [ولا ينشره] (ب) ولا يقلبه، إذا مسه وجب البيع.
ولمسلم (٢) عن أبي هريرة أن الملامسة أن يلمس كل واحد منهما (جـ ثوب صاحبه بغير تأمل، والمنابذة أن ينبذ كل واحد منهما ثوبه إلى الآخر، لم ينظر كل واحد منهما جـ) إلى ثوب صاحبه. وهذا تفسير أبي هريرة أنسب لبقاء المفاعلة على حقيقتها من الطرفين.
واختلف العلماء في تفسير الملامسة على ثلاث صور، وهي أوجه للشافعية (٣)؛ أصحها أن يأتي بثوب مطوي أو في ظلمة فيلمسه المستام، فيقول له صاحب الثوب: بعتكه بكذا بشرط أن يقوم لمسك مقام نظرك،
стр. 2138
ولا خيار لك إذا رأيته. الثاني: أن [يجعلا] (أ) نفس اللمس بيعًا؟ بغير صيغة زائدة. الثالث: أن يجعلا اللمس شرطا في قطع خيار المجلس وغيره. والبيع باطل على التأويلات كلها، وعلة البطلان مختلفة في ذلك. فالأول: العلة فيه عند مَنْ يثبت خيار الرؤية هو أنه شرط يرفع موجب العقد، إذ موجبه ثبوت الخيار، وعند الشافعية أن ذلك في حكم بيع الغائب وهو لا يصح بيعه. والثاني: أن ذلك من باب المعاطاة، فعند من يجيزها في المحقَّرات يقول بأن ذلك النهي في غير المحقَّر. ولهذا قال الرافعي: إن الأئمة أجروا في بيع الملامسة والمنابذة الخلاف [الذي] (ب) في المعاطاة. والثالث: مثل الأول عند من يثبت خيار المجلس، وأما عند من لا يثبته فشرط عدم الخيار إذا كان خيار العيب يبطل عند الهدوية والبيع صحيح إذا لم يكسب العقد جهالة. وعند المؤيد بالله وغيره يصح الشرط، فلعلهم يحملون النهي على الكراهة.
والمنابذة اختلفوا فيها على ثلاثة أقوال؛ وهي أوجه للشافعية، أصحها أن يجعلا نفس النبذ بيعًا كما تقدم في الملامسة. (جـ يعني مع صيغة البيع جـ).
والثاني: أن يجعلا النبذ بيعًا بغير صيغة. والثالث: أن يجعلا النبذ قاطعًا للخيار، وفيه ما تقدم في الملامسة.
واختلفوا في تفسير النبذ؛ فقيل: هو طرح الثوب. وقيل: هو نبذ الحصاة. والصحيح أنه غيره.
واعلم أنه قد استدل بقوله في تفسير الملامسة، وهو أن يمس الثوب ولا
стр. 2139
ينظر إليه، على بطلان بيع الغائب، وهو قول الشافعي في الجديد، وعن أبي حنيفة والعترة: يصح مطلقًا، ويثبت الخيار إذا رآه. وحكي عن مالك والشافعي أيضًا، وعن مالك: يصح إن وصفه وإلا فلا. وهو قول الشافعي في القديم وأحمد وإسحاق وأبي ثور، واختاره البغوي والروياني من الشافعية وإن اختلفوا في تفاصيله، ويؤيده قوله في رواية أبي عوانة التي تقدمت: لا ينظرون إليها ولا يخبرون عنها. واستدل به على بطلان بيع الأعمى مطلقا، وهو قول معظم الشافعية حتى من أجاز منهم بيع الغائب، لكون الأعمى لا يراه بعد ذلك فيكون كبيع الغائب مع اشتراط نفي الخيار، وقيل: يصح إذا وصف له غيره. وبه قال مالك وأحمد، وقالت الهدوية وغيرهم وأبو حنيفة: إنه يصح مطلقا. والله أعلم.
٦٤٣ - وعن طاوس عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تلقَّوا الركبان، ولا حاضر لباد". قلت لابن عباس: ما قوله: "لا يبع حاضر لباد"؟ قال: لا يكون له سمسارًا. متفق عليه، واللفظ للبخاري (١).
قوله: "لا تلقَّوا الركبان". التلقي يكون ابتداؤه من خارج السوق الذي تباع فيه السلعة. يدل عليه حديث عبد الله بن عمر، أخرجه البخاري (٢)؛ قال: كنا نتلقي الركبان فنشتري منهم الطعام، فنهانا النبي ﷺ أن نبيعه حتى يُبلغَ به سوقُ الطعام.
وهذا اللفظ مبين في حديث آخر عن ابن عمر أن التلقي لا يكون في
стр. 2140
السوق، وهو؛ قال: كانوا يتبايعون الطعام في أعلى السوق فيبيعونه في مكانه، فنهاهم رسول الله ﷺ أن يبيعوه في مكانه حتى ينقلوه. أخرجه البخاري (١). فدل على أن القصد إلى أعلى السوق لا يكون تلقِّيًا، وأن منتهى التلقي ما فوق السوق. وجمع البخاري بين الروايتين في باب منتهى التلقي لينبه على ذلك، وأن الحديث يفسر بعضه بعضًا. وذهب الهدوية والشافعية إلى أن التلقي لا يكون إلا خارج البلد، لأنهم إذا نظروا إلى المعنى المناسب للمنع، وهو تغرير الجالب أنهم إذا قدموا البلد أمكنهم معرفة السعر وطلب الحظ لأنفسهم، فإن لم يفعلوا ذلك فهو من تقصيرهم، وأما إمكان معرفتهم ذلك قبل دخول البلد فنادر.
والمعروف عند المالكية اعتبار السوق مطلقًا كما هو ظاهر الحديث، وهو قول أحمد وإسحاق. وعن الليث كراهة التلقي ولو في الطريق، ولو على باب البيت حتى تدخل السلعة السوق. وظاهر النهي إطلاق التلقي باعتبار منتهاه، فيتناول طول المسافة وقصرها، وهو ظاهر إطلاق الشافعية والهدوية، وقيد المالكية محل النهي بحد مخصوص ثم اختلفوا فيه؛ فقيل: ميل. وقيل: فرسخان. وقيل: مسافة القصر .. وهو قول الثوري.
والنهي ظاهر في التحريم، ولكنه حيث كان قاصدًا للتلقي عالمًا بالنهي فيه، كان خرج لشغل آخر فرآهم مقبلين فاشترى، ففي إثمه وجهان للشافعية، أظهرهما التحريم؛ والعلة في ذلك هو ما فيه من الخداع للبائع والإضرار بأهل المصر. وقال أبو حنيفة والأوزاعي: يجوز التلقي إذا لم يضر بالناس، فإن أضر كُرِه.
وإذا تلقى واشترى؛ فعند الهدوية والشافعي أن البيع صحيح؛ لأن النهي لم