هذا لفظ البخاري، وفي رواية أبي داود (١) عن [ابن عيينة] (أ): فنكسوا رءوسهم. ولأحمد (٢): فلما حدثهم أبو هريرة بذلك طأطئوا رءوسهم.
و"لا يمنع" بالجزم على أنها ناهية، ولأبي ذر في لفظ البخاري بالرفع على أنَّه خبر بمعنى النَّهي. ولأحمد (٣): "لا يمنعن". بزيادة نون التأكيد، وهو يؤيد رواية الجزم. و"خشبة". لأبي ذر في رواية البخاري بالإفراد والتنوين، ولغيره بصيغة الجمع، قال ابن عبد البر (٤): [رُوي اللفظان] (ب) في "الموطأ" والمعنى واحد، لأنَّ (جـ) المراد بالواحد الجنس، فالمؤدى متحد في الروايتين. إلَّا أنَّه قد يقال: إن المعنى مختلف، فإن أمر الخشبة الواحدة يسير مغتفر بخلاف الكثير. وروى الطحاوي (٥) عن جماعة أنهم رووه بالإفراد، وأنكر ذلك عبد الغني بن سعيد فقال: النَّاس كلهم يقولونه بالجمع إلَّا
стр. 2312
الطحاوي. واختلاف الرواة في "الصَّحيح" يرد على عبد الغني، إلَّا إن أراد بالنَّاس خاصًّا وهم من روى عنه الطحاوي. وقد أخرجه أحمد (١) وعبد الرَّزاق من حديث ابن عباس: "لا ضرر ولا ضرار، وللرجل أن يضع خشبته في حائط جاره، والطريق الميتاء (٢) سبعة أذرع".
والحديث فيه دلالة على أنَّه ليس للجار أن يمنع جاره من وضع خشبة على جداره، وأنه إذا امتنع من وضع الخشب على جداره أجبر، وقد ذهب إلى هذا أحمد وإسحاق وغيرهما من أهل الحديث وابن (أ) حبيب من المالكية والشّافعيّ في القديم، وعنده في الجديد قولان، أشهرهما اشتراط إذن المالك، فإن لم يأذن لم يجبر، ولكنه مشروط هذا الحكم عندهم بأن يكون الجار محتاجًا إليه، ولا يضع ما يتضرر به مالك الجدار، ولا يقدم على حاجة المالك، ولا فرق بين أن يحتاج في وضع الجذع إلى فتح الجدار أو لا؛ لأنَّ رأس الجذع يسد المنفتح ويقوي الجدار، وذهبت الحنفية وأبو العباس وقول للشافعي إلى أنَّه لا يضع خشبة إلَّا بإذن مالك الجدار، فإن لم يأذن لم يجبر، والحديث محمول النَّهي على التنزيه؛ جمعًا بينه وبين الأحاديث الدالة على تحريم مال المسلم إلَّا بطيبة من نفسه، وبعضهم حمل الحديث بما إذا تقدم
стр. 2313
استئذان الجار بذلك وأذن، فليس له المنع مستندًا أنَّه ذكر الإذن في بعض طرقه، وهو في رواية ابن عيينة عند أبي داود وعقيل أيضًا. ولأحمد (١) عن عبد الرحمن بن (أمهدي عن مالك: "من سأله جاره" وكذا لابن حبان (٢) من طريق اللَّيث عن مالك، وكذا لأبي عوانة (٣) من طريق أ) زياد بن سعد عن الزُّهريّ، وأخرجه البزار (٤) من طريق عكرمة عن أبي هريرة. ومنهم من حمل الضمير في "جداره" علي صاحب الجذع؛ أي لا يمنعه أن يضع جذعه على جدار نفسه، ولو تضرر به من جهة منع الضوء مثلًا، ولا خفاء في بعدهما.
ويجاب على استدلالهم بأن تلك عمومات، كما قال البيهقي (٥): لم نجد في السنن الصحيحة ما يعارض هذا الحكم إلَّا عمومات لا يستنكر أن يخصها، وقد حمله الراوي على ظاهره من التحريم، وهو أعلم بالمراد بما حدث به. يشير إلى قول أبي هريرة: ما لي أراكم عنها معرضين. فإن استنكار أبي هريرة لإعراضهم يدل على أن ذلك على التحريم، واستدلال المهلب من المالكية بهذا على أن العمل كان في ذلك العصر على خلاف ما ذهب إليه أبو هريرة، فدل على أنَّه محمول على الاستحباب؛ إذ لو كان النَّهي للتحريم لما جاز على الصّحابة جهل هذه الفريضة-غير صحيح؛ لأنَّه لا دلالة على أن المخاطبين كانوا صحابة فقهاء، مثلهم لا
стр. 2314
يجهل هذا الحكم؛ فإنَّه وقع ذلك من أبي هريرة أيَّام إمارته للمدينة في زمن مروان كان يستخلفه فيها، فالمخاطب بذلك ممن يجوز عليه جهل ذلك، لأنَّه لو كان المخاطب من أعيان الصّحابة لما واجههم بمثل هذا الخطاب، وقد جزم بهذا إمام الحرمين تبعًا لغيره مع أن مثل هذا الحكم قضى به عمر في أيَّام وفور الصّحابة، وتقوَّى الشافعي به في القول القديم وقال: إن عمر لم يخالفه أحد من الصّحابة. وذلك ما أخرجه مالك (١)، ورواه بسند صحيح أن الضَّحَّاك بن خليفة سأل محمد بن مسلمة أن يسوق خليجًا له فيمر به في أرض محمد بن مسلمة فامتنع، فكلمه عمر في ذلك فأبى، فقال: والله ليمرن به ولو على بطنك. فحمل عمر الأمر على ظاهره وعداه إلى كل ما يحتاج الجار إلى الانتفاع به من دار جاره وأرضه. وروى ابن ماجه (٢) والبيهقيّ (٣) من طريق عكرمة بن سلمة أن أخوين من بني المغيرة أعتق أحدهما إن غرز أحد في جداره خشبة، فأقبل مجمِّع بن حارثة ورجال كثير من الأنصار فقالوا: نشهد أن رسول الله ﷺ قال: الحديث، فقال الآخر: يا أخي، قد علمت أنك مقضي لك عليّ، وقد حلفت فاجعل أسطوانًا دون داري فاجعل عليه خشبك. وروى إسحاق في "مسنده" والبيهقيّ (٤) من طريقه عن يَحْيَى بن جعدة أحد التّابعين قال: أراد رجل أن يضع خشبة على جدار صاحبه بغير إذنه فمنعه، فإذا من شئت من الأنصار يحدث أن رسول الله ﷺ نهاه أن يمنعه فأجبر على ذلك.
стр. 2315
وقوله: عنها. أي عن السنة أو المقالة، وقوله: لأرمين. وفي رواية أبي داود: لألقينها. أي: لأفزعنكم بها. كما يضرب الإنسان بالشيء بين كتفيه ليستيقظ (أ) من غفلته.
وأكتافكم. قال ابن عبد البر (١): رويناه في "الموطأ" بالمثناة وبالنون. والأكناف بالنون جمع كنف بفتحها وهو الجانب، قال الخطابي (٢): معناه إن لم تقبلوا هذا الحكم وتعملوا به راضين لأجعلنها -أي الخشبة- على رقابكم كارهين. قال: وأراد بذلك المبالغة. وقد وقع عند ابن عبد البر (٣) من وجه آخر: لأرمين بها بين أعينكم وإن كرهتم.
٧٠٦ - وعن أبي حميد الساعدي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يحل لامرئ أن يأخذ عصا أخيه بغير طيبة نفس منه". رواه ابن حبان والحاكم في "صحيحهما" (٤).
تمامه: "وذلك لشدة ما حرم الله مال المسلم على المسلم". وهو من رواية سهيل بن أبي صالح عن عبد الرحمن بن أبي سعيد عن أبي حميد. وقيل: عن عبد الرحمن عن عمارة بن حارثة عن عمرو بن يثربي، رواه أحمد والبيهقيّ (٥). وقوَّى ابن المديني رواية سهيل، وفي الباب أحاديث
стр. 2316
كثيرة عن ابن عمر بلفظ: "لا يحلبنَّ أحد ماشية أحد بغير إذنه". متَّفقٌ عليه (١)، وعن عبد الله بن مسعود رفعه: "حرمة مال المؤمن كحرمة دمه". أخرجه البزار (٢). وروى أبو داود والترمذي والبيهقيّ (٣) من حديث عبد الله بن السَّائب بن يزيد عن أبيه عن جده بلفظ: "لا يأخذ أحدكم متاع أخيه لاعبًا ولا جادًّا".
والحديث فيه دلالة على تحريم مال المسلم إلَّا بطيبة منه وإن قل، وكفى في ذلك قوله تعالى: ﴿إلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٤). والإجماع واقع على ذلك.
والمصنف أورد هذا في هذا الباب يشير إلى تأويل حديث أبي هريرة (٥) بأن ذلك محمول على التنزيه. ويرد عليه أن التأويل يُحتاج إليه إذا لم يمكن الجمع بالتخصيص، وهو ممكن؛ فإن هذا خاص والأدلة المذكورة عامة، وقد أُخرج منها أشياء كثيرة؛ مثل أخذ الزكاة كرهًا، ومثل الشفعة، وإطعام المضطر والقريب المعسر والزوجة، وكثير من الحقوق المالية التي لا يخرجها المالك برضاه، فإنَّها (أ) تؤخذ منه (ب) بغير طيبة نفس، وحل ذلك، وهذا منها، لا سيما وهذا مجرد انتفاع، والعين بقية لا يحتاج إليها المالك. والله أعلم.
стр. 2317
باب الحوالة والضمان
الحوالة بفتح الحاء وقد تكسر، مشتقة من التحويل أو من الحِوَل (أ)، تقول: حال عن العهد. إذا انتقل عنه، حِوَلًا. وهي عند الفقهاء: نقل دين من ذمة إلى ذمة. واختلفوا هل هي بيع دين بدين رخص (ب) فيه واستثني من النَّهي عن بيع الدين بالدين، أو هي استيفاء؟ وقيل: هي عقد إرفاق مستقل، ويشترط في صحتها لفظها ورضا المحيل بلا خلاف، والمحتال عند الأكثر، والمحال عليه عند البعض، ويشترط أيضًا تماثل الحقين في الصفات، وأن يكون في شيء معلوم، ومنهم من خصها بالنقدين ومنعها في الطَّعام، لأنَّه بيع طعام قبل أن يستوفى.
٧٠٧ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مطل الغني ظلم، فإذا أُتْبع أحدكم على مَلِيء فليتْبع". متَّفقٌ عليه (١).
وفي رواية لأحمد (٢): "فليحتل".
قوله: "مطل الغني ظلم". عند النَّسائيّ وابن ماجه (٣) من حديث ابن
стр. 2318
عيينة عن أبي الزناد: "والظلم مطل الغني". والمعنى أنَّه من الظلم، ولكنه بولغ في التنفير عنه. وقد رواه الجوزقي (١) من طريق همام عن أبي هريرة بلفظ: "إن من الظلم مطل الغني". وهو (أ) تفسير الذي قبله. وأصل المطل: المد. قال ابن فارس (٢): مطلت الحديدة أمطلها مطلًا إذا أمددتها لتطول. وقال الأزهري (٣): المطل المدافعة. والمراد هنا تأخير ما استحق أداؤه لغير عذر، والمراد هنا من قدر على الأداء فأخره ولو كان فقيرًا (٥). وهل يتصف بالمطل مَن قدر على تحصيله بالتكسب؟ أطلق أكثر الشَّافعية وهو قول الهدوية أنَّه لا يجب عليه التكسب ولا يتصف بالمطل، وصرح بعضهم بوجوب ذلك عليه، وفصل بعضهم بين أن يكون أصل الدين وجب بسبب يقضي به فيجب وإلا فلا. ومطل الغني من إضافة المصدر إلى الفاعل عند الجمهور، والمعنى أنَّه يحرم على الغني القادر أن (جـ) يمطل بالدين بعد استحقاقه بخلاف العاجز.
وقيل: هو من إضافة المصدر إلى المفعول، والمعنى أنَّه يجب وفاء الدين ولو كان مستحقه غنيًّا، ولا يكون غناه سببًا لتأخير حقه، وإذا كان كذلك في حق الغني فهو في حق الفقير أولى. ولا يخفى بعده.
وقوله: "فإذا أُتْبع أحدكم على مليءٍ فلْيتْبع". المشهور في اللغة كما
стр. 2319
قال النووي (١) إسكان التاء المثناة في اللفظين، وهما على البناء للمجهول، تقول تبَعِت (أ) الرجل بحقي أَتْبعه تَباعة بالفتح إذا طلبته. وقال القرطبي (٢): أما "أتبع" فبضم الهمزة وبسكون التاء مبنيًّا للمجهول عند الجميع، وأمَّا "فليتبع" فالأكثر على التخفيف، وقيّده بعضهم بالتشديد، والأول أجود. انتهى. ودعوى الاتفاق على "أتبع" يرده قول الخطابي (٣): إن أكثر المحدثين يقولونه بتشديد التاء، والصّواب التخفيف. ومعنى ذلك إذا أحيل فليحتل، وقد رواه بهذا اللفظ أحمد (٤) [عن] (ب) وكيع عن سفيان الثوري عن أبي الزناد. وأخرج البيهقي (٥) مثله من طريق [معلى] (جـ) بن منصور عن ابن (د) أبي الزناد عن أبيه، وأشار إلى تفرد معلى به، ولم ينفرد كما ترى، ورواه ابن ماجه (٦) من حديث ابن عمر بلفظ: "فإذا أحلت على مليء فاتَّبعه". وهذا بتشديد التاء بلا خلاف.
стр. 2320
والمليء بالهمز: مأخوذ من الملْء. يقال: ملؤ الرجل بالضم: أي صار مليئًا، وقال الكرماني (١): الملي كالغني لفظًا ومعنى. فهو بغير همزة. وقال الخطابي (٢): هو في الأصل بالهمز لكنَّه خفف. والأمر في قوله: "فليتبع" للاستحباب عند الجمهور، ووهم من نقل الإجماع عليه، وقيل: هو أمر إباحة وإرشاد. وهو شاذ، وحمله أكثر الحنابلة وأبو ثور وابن جرير وأهل الظاهر على ظاهره وهو الوجوب.
والحديث فيه دلالة على أن مطل الغني ظلم يجب الاحتراز عنه، واختلف هل يعد إذا كان عمدًا كبيرة أم لا؟ فالجمهور علم أن فاعله يفسق، لكن هل يثبت فسقه بمطله مرَّة واحدة أو لا؟ قال النووي (٣): مقتضى مذهبنا [اشتراط التكرار. ورده السبكي في "شرح المنهاج" بأن مقتضى مذهبنا] (١) عدمه، واستدل بأنه منع الحق بعد طلبه، وانتفاء العذر عن أدائه كالغصب، وتسميته ظلمًا يشعر بكونه كبيرة، والكبيرة لا يشترط فيها التكرار، نعم لا يحكم عليه بذلك إلَّا بعد أن يظهر عدم عذره. انتهى. واختلفوا هل يفسق قبل الطّلب أو لا بد منه؟ والذي يشعر به الحديث هو أنه لا بد من الطّلب؛ لأنَّ المطل لا يكون إلَّا معه.
ويشمل المطل كل من لزمه حق؛ كالزوج لزوجته والسيد في نفقة عبده. ومفهوم الحديث أن مطل العاجز عن الأداء لا يدخل في الظلم، وهو بطريق مفهوم المخالفة، ومن لم يقل بالمفهوم يقول: العاجز
стр. 2321
لا يسمى ماطلًا، والغني الذي ماله غائب عنه حكمه حكم المعدم؛ بدليل أن له سهمًا في الزكاة، وإن كان عند الهدوية يختص بالمنقطع عن وطنه فقط، ويؤخذ من هذا أن المعسر لا يحبس ولا يطالب حتَّى يوسر. قال الشَّافعي: لو جازت مؤاخذته لكان ظالمًا والفرض أنَّه ليس بظالم؛ لعجزه. وقال بعضهم: له أن يحبسه. وبعضهم قال: يلازمه.
ويؤخذ منه أنَّه إذا تعذر على المحال عليه التسليم لفقر لم يكن للمحتال الرجوع على المحيل؛ لأنَّه لو كان له الرجوع لم يكن لاشتراط الغِنَى فائدة، فلما شُرط علم أنَّه انتقل انتقالًا لا رجوع له، كما لو عوض عن دينه بعوض ثم تلف العوض يزيد صاحب الدين. وقالت الحنفية: يرجع عند التعذر؛ وشبهوا الحوالة بالضمان، وأمَّا إذا جهل الإفلاس حال الحوالة فله الرجوع. وأعلم أن قوله: "فإذا اتبع". بالفاء وقع في "صحيح البُخاريّ" في باب الحوالة، والكلام عليه جملة واحدة، لأنَّه متفرع على كون المطل ظلمًا؛ أي إذا كان المطل ظلمًا فليقبل من يحال بدينه عليه، فإن المؤمن من شأنه أن يحترز عن الظلم، فلا يمطل الغريم بسبب عدم قبول الحوالة فيكون سببًا في ظلمه. وفي رواية مسلم بالواو وكذا في البُخاريّ (١) في الباب الثَّاني بلفظ: "ومن أتبع". ومناسبة (أالجملة للتي أ) قبلها، لأنَّه لما دل على أن مطل الغني ظلم عقبه بأنه ينبغي قبول الحوالة على المليء، لما في قبولها من دفع الظلم الحاصل بالمطل، فإنَّه قد تكون مطالبته بالمال عليه سهلة على المحال عليه دون المحيل، ففي قبول الحوالة إعانة على كفه عن الظلم.
٧٠٨ - وعن جابر ﵁ قال: توفي رجل منا، فغسلناه
стр. 2322
وحنطناه وكفناه، ثم أتينا به رسول الله ﷺ فقلنا: تصلي عليه؟ فخطا خطى، ثم قال: "أعليه دين؟ ". قلنا: ديناران. فانصرف، فتحملهما أبو قتادة، فأتيناه فقال أبو قتادة: الديناران علي. فقال رسول الله ﷺ : "حق الغريم، وبريءٌ منهما الميت". قال: نعم، فصلَّى عليه، رواه أحمد وأبو داود والنَّسائيُّ وصححه ابن حبان والحاكم (١).
الحديث أخرجه البُخاريّ (٢) من حديث سلمة بن الأكوع.
وقوله: توفي رجل منا. قال المصنف ﵀ (٣): لم أقف على اسم هذا الرجل.
وفي رواية الحاكم زيادة بعد قوله: وحنطناه. وهي: ووضعناه حيث توضع الجنائز عند مقام جبريل، ثم آذنا رسول الله ﷺ .
وقوله: فقال: "هل عليه دين؟ ". في حديث أبي هريرة الآتي عند البُخاريّ (٤): أن رسول الله ﷺ كان يؤتى بالرجل المتوفى عليه الدين فيسأل: "هل ترك لدينه قضاء؟ ". فإن حدث أنَّه ترك لدينه وفاء صَلَّى عليه، وإلا قال للمسلمين: "صلوا على صاحبكم" الحديث.
وقوله: ديناران. في حديث سلمة: ثلاثة دنانير. وكذا أخرجه أبو داود (٥) من وجه آخر من حديث جابر، وكذا أخرجه الطّبرانيّ (٦) من حديث
стр. 2323
أسماء بنت يزيد، ويُجمع بينهما بأنهما كانا دينارين وشطرًا، فمن قال: ثلاثة. جبر الكسر، ومن قال: ديناران. ألغاه. أو كان الأصل ثلاثة فوفَّى قبل موته دينارًا وبقى عليه ديناران، فمن قال: ثلاثة. فباعتبار الأصل، ومن قال: ديناران. فباعتبار الباقي. ووقع عند ابن ماجه (١) من حديث أبي قتادة: ثمانية عشر درهمًا. وهذا دون دينارين، وفي "مختصر المزني" (٢) من حديث أبي سعيد الخدري: درهمين. ويجمع بينها إن ثبت فيما لا يمكن فيه التأويل الأول بالتعدد.
وقوله: فقال أبو قتادة. إلخ، في البُخاريّ في حديث سلمة: فقال أبو قتادة: صلِّ عليه يا رسول الله (أ) وعلي دينه. فصلَّى عليه. وفي رواية ابن ماجه من حديث أبي قتادة نفسه: فقال أبو قتادة: أنا أتكفل به. ولفظ الحاكم في حديث جابر فقال: "هما عليك وفي [مالِكَ] (ب) والميت منهما بريء؟ " قال: نعم. فصلَّى عليه رسول الله ﷺ ، فجعل رسول الله ﷺ إذا لقي أبا قتادة يقول: "ما صنعَتِ الديناران؟ ". حتَّى كان آخر ذلك أن قال: [قد قضيتهما] (جـ) يا رسول الله. قال: "الآن حين بردت عليه جلده". وروى الدارقطني (٣) من حديث علي: كان رسول الله ﷺ إذا أُتي بجنازة
стр. 2324
لم يسأل عن شيء من عمل الرجل [و] (أ) يسأل عن دَينه؛ فإن قيل: عليه دين. كفّ، وإن قيل: ليس عليه دين. صلَّى، فأتي بجنازة، فلما قام ليكبر، سأل: "هل عليه دين؟ ". فقالوا: ديناران. فعدل عنه، فقال علي: هما علي يا رسول الله وهو بريء منهما. فصلَّى عليه، ثم قال: "جزاك الله خيرًا وفك الله رهانك". الحديث.
قال ابن بطال (١): ذهب الجمهور إلى صحة هذه الكفالة عن الميت، ولا رجوع له في مال الميت، وعن مالك: له أن يرجع إن قال: إنَّما ضمنت لأرجع. فإذا لم يكن للميت مال وعلم الضامن (ب) بذلك فلا رجوع له عن الضمانة، وعن أبي حنيفة إن ترك الميت وفاء جاز الضمان بقدر ما ترك، وإن لم يترك وفاء لم يصح ذلك.
وفي الحديث دلالة على صعوبة الدين، وأنه يصح أن يتحمل الواجبَ غيرُ من وجب عليه وينفعه ذلك. وعلى أن صلاة الجنازة واجبة، وأن ترك النَّبيِّ ﷺ الصَّلاة على المدين؛ لأنَّ صلاته شفاعة مقبولة لا ترد، والدين لا يسقط إلَّا بالتأدية، والله أعلم.
وقوله: "حقَّ الغريم" منصوب على المصدر، مؤكِّد (جـ) لمضمون قوله: الديناران علي. بفعل مضمر محذوف وجوبًا؛ أي: حق عليك الحق وثبت
стр. 2325
عليك، وكنت غريمًا (أ). أو العامل فيه مضمون الجملة كما ذهب إليه سيبويه (ب).
وفيه دلالة على أن لزوم الحق للغير لا يكتفى فيه بالمحتمل من اللفظ، وأنه لا بد للحاكم في إلزام الحق من تحقيق ألفاظ العقود والإقرارات، وأنه إذا ادعى من عليه الحكومة أنَّه قصد باللفظ معنى يحتمله -وإن بعد الاحتمال- لم يحكم عليه بظاهر اللفظ، وعطْف: "وبريء منهما الميت" على ذلك ممَّا يؤيد هذا المستنبط، والله أعلم.
٧٠٩ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يؤتى بالرجل المتوفى عليه الدين فيسأل: "هل ترك لدينه من قضاء؟ " فإن حُدِّث أنَّه ترك وفاءً صلَّى عليه، وإلا قال: "صلوا على صاحبكم". فلما فتح الله عليه الفتوح قال: "أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن توفي وعليه دين فعلي قضاؤه". معلَّق عليه، وفي رواية البُخاريّ: "فمن مات ولم يترك وفاء" (١).
الحديث فيه دلالة على (جـ) أنَّه كان من النَّبيِّ ﷺ في أول الأمر ترك الصَّلاة على من لم يخلِّف الوفاء، ثم نسخ الحكم وتحمل الدين من بعد. قال العلماء (٢) رحمهم الله تعالى: كأن الذي فعله رسول الله ﷺ من ترك
стр. 2326
الصَّلاة على من عليه دين ليحرض النَّاس على قضاء الديون في حياتهم، والتوصل إلى البراءة منها؛ لئلا تفوتهم صلاة النَّبيِّ ﷺ . وهل كانت صلاته على من عليه دين محرمة أو جائزة؟ وجهان، قال النووي (١): الصواب الجزم بجوازه (أ) مع وجود الضامن. وحكى القرطبي (٢) أنَّه ربما كان يمتنع من الصَّلاة على من ادّان دينًا غير جائز، وأمَّا من استدان لأمر جائز فما كان يمتنع. وفيه نظر؛ لأنَّ في الحديث المذكور ما يدل على امتناعه مطلقًا؛ إلَّا أنَّه جاء من حديث ابن عباس أن النَّبيَّ ﷺ لما امتنع من الصَّلاة على من عليه دين، جاءه جبريل فقال: إن الله تعالى يقول: إنَّما الظالم في الديون التي حملت في البغي والإسراف والمعصية، فأمَّا المتعفف ذو العيال فأنا ضامن أن أؤدي عنه. فصلَّى عليه النَّبيُّ ﷺ ، فقال النَّبيُّ ﷺ بعد ذلك: "من ترك ضياعًا أو دينًا فإلي وعلي، ومن ترك ميراثًا فلأهله". وصلى عليهم (٢). قال الحازِمي (٣): هذا الحديث بهذا السياق غير محفوظ، وهو جيد في باب المتابعات. إلَّا أنَّه ليس فيه التفصيل المذكور كان مستمرًّا، وإنَّما طرأ بعد ذلك، وقضاء النَّبيِّ ﷺ لذلك من مال المصالح، وقيل: بل كان يقضيه من خالص نفسه. وهل كان القضاء واجبًا عليه أم لا؟ فيه وجهان. وقال ابن بطال (٤):
стр. 2327
قوله: "من ترك دينًا فعلي". ناسخ لترك الصَّلاة على من مات وعليه دين.
وقوله: "فعلي قضاؤه". أي ممَّا يفيء الله عليه من الغنائم والصدقات.
قال: وهكذا يلزم المتولي لأمر المسلمين أن يفعله فيمن مات وعليه دين، فإن لم يفعل، فالإثم عليه إن كان حق الميت (أ) في بيت المال يفي بقدر ما عليه من الدين، وإلا فبقسطه.
وقد ذكر الرافعي في آخر الحديث: قيل: يا رسول الله، وعلى كل إمام بعدك؟ قال: "وعلى كل إمام بعدي". وسبقه إلى ذكره القاضي حسين والجويني والغزّالي (١)، وقد وقع معناه في "الطّبرانيّ الكبير" (٢) من حديث زاذان عن سلمان قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نفدي سبايا المسلمين ونعطي سائلهم، ثم قال (٥): "من ترك مالًا فلورثته، ومن ترك دينًا فعليّ وعلى الولاة من بعدي من بيت مال (جـ) المسلمين". وفيه [عبد الغفور] (د) بن سعيد الأنصاري (٣) متروك ومتَّهم أيضًا، والله أعلم.
٧١٠ - وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : "لا كفالة في حد". رواه البيهقي بإسناد ضعيف (٤).
стр. 2328
وأخرجه ابن عدي، وبيض له الديلمي، وقال البيهقي وابن عدي: منكر. وأخرجه الخطيب وابن عساكر (١).
الحديث فيه دلالة على أنَّه لا يصح أن يكفل أحد على من عليه حد بإقامة الحد عليه في وقت، سواء كان في مجلس الحكم عليه بالحدار في مجلس آخر، وقد ذهب إلى هذا الهدوية وأبو حنيفة والشّافعيّ؛ للحديث، ولأنه لا يمكن الاستيفاء من الكفيل، وكذا القصاص، قالوا: إلَّا أن يتبرع مَن عليه الحق بالكفالة ببدنه وأنه يصح منه ذلك، وذلك لجواز أن يُدعى عليه حد (أ) غير الحد، أو قدر مجلس الحكم في حد القذف؛ وهو ما بين قعود الحاكم للحكم في الوقت الذي يعتاد القعود فيه للحكم إلى أن يقوم من ذلك المجلس. ذكره الإمام يَحْيَى والحنفية، وذلك لأنَّ حد القذف يشبه الأموال باعتبار أنَّه حق لآدمي، وكذا حد السرقة والقصاص. وذهب أبو يوسف ومحمد إلى صحة الكفالة بالحد والقصاص، وأشار إلى صحة ذلك البُخاريّ وبوب عليه بباب الكفالة في القرض والديون بالأبدان وغيرها (٢)؛ أي غير الأموال. وقال بعده (٣): وقال أبو الزناد عن محمد بن حمزة بن [عمرٍو] (ب) الأسلمي عن أبيه، أن عمر بعثه مصدقًا، فوقع رجل على جارية امرأته، فأخذ حمزة من الرجل كُفَلاء حتَّى قدم على عمر، وكان عمر قد جلده
стр. 2329
مائةً، فصدَقهم وعذره بالجهالة. وصدقهم بالتخفيف؛ أي اعترف بما وقع، لكن اعتذر بأنه لم يكن عالمًا، أو صدَّق عمر الكفلاء فيما كانوا يدعونه أنَّه قد جلده مرَّة لذلك، ولم يرجمه عمر؛ لأنَّه ربما لم يكن قد أصاب امرأته. كذا في الكرماني (١). وقال المصنف في "الفتح" (٢): إن الجلد هنا المذكور إنَّما هو تعزير له من عمر بهذه الفعلة، وهو حجة لمالك في جواز أن يتجاوز التعزير حدًّا، أو كأن مذهبه أن المحصن الجاهل لا يرجم والعالم يرجم. ثم قال البُخاريّ (٣): وقال جرير والأشعث لعبد الله بن مسعود في المرتدين: استتبهم وكفِّلْهم. [فتابوا وكفلهم] (أ) عشائرهم. وهذا في قصة ابن النواحة، أخرجها البيهقي (٤) بطولها من طريق [أبي] (ب) إسحاق عن حارثة بن [مُضَرِّب] (جـ) قال: صليت الغداة مع عبد الله بن مسعود، فلما سلم قام رجل فأخبره أنَّه انتهى إلى مسجد بني حنيفة، فسمع مؤذنه عبد الله بن النواحة يشهد أن مسيلمة رسول الله، فقال عبد الله: علي بابن النواحة وأصحابه. فجيء بهم، فأمر قرظة بن كعب بضرب عنق ابن النواحة، ثم استشار النَّاس في أولئك النفر، فأشار إليه عدي بن حاتم بقتلهم، فقام جرير والأشعث
стр. 2330
فقالا: بل استتبهم وكفِّلْهم عشائرهم. وروى ابن أبي شيبة (١) من طريق قيس بن أبي حازم، أن عدة المذكورين كانت مائة وسبعين رجلًا.
فالقصة الأولى صريحة في الكفالة بالحد، والقصة الثَّانية متضمنة لذلك؛ لأنَّ التكفيل عنهم بأنهم إذا عادوا إلى الردة أقيم عليهم الحد، والفائدة في الكفالة في الحدود مثل الكفالة بالوجه، أنَّه يجب على الكفيل إحضار المكفول عليه لإقامة الحد عليه والقصاص؛ للإجماع من القائلين بها أنَّه لا يقام الحد والقصاص على الكفيل نفسه إذا غاب المكفول عليه (أ) أو مات. والحديث إما على القول بضعفه فهذه الآثار العمل بها أرجح، أو ربما يُدَّعَى الإجماع السكوتي من الصّحابة والقياس أيضًا على الكفالة في الأموال، وإذا فرض صحة العمل به فالتأويل ممكن بأنه لا كفالة في الحدود على وجه يقام الحد على الكفيل، كما في المال يسلمه الكفيل. والله أعلم.
стр. 2331
باب الشركة والوكالة
الشركة بفتح الشين المعجمة وكسر الراء المهملة وبكسر أوله وسكون الراء، وقد تحذف الهاء وقد يفتح أوله مع ذلك، وهي مصدر شرِك بكسر الراء، والاشتراك مصدر اشترك، وبضم الشين اسم للشيء المشترك، وهي الحالة التي تحدث بالاختيار بين اثنين فصاعدًا، وإن أردت شمول (أ) الشركة بين الورثة في مال المورث حذفت بالاختيار.
والوكالة بفتح الواو وقد تكسر مصدر وكل، وهي بمعنى التفويض والحفظ، تقول: وكلت فلانًا. إذا استحفظته، ووكَلت الأمر إليه. بالتخفيف، إذا فوضته إليه، وهي في الشرع إقامة الشخص غيره مقام نفسه مطلقًا أو مقيدًا، والوكيل فعيل بمعنى مفعول.
٧١١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "قال الله تعالى: أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه، فإذا خان خرجت من بينهما". رواه أبو داود -أي تنتزع البركة من مالهما- وصححه الحاكم (١).
أعله ابن (ب) القطان بالجهل بحال سعيد بن حيّان (٢)، وقد رواه عنه أيضًا ولده أبو حيان بن سعيد، لكنَّه ذكره ابن حبان في "الثقات" (٣)، وذكر أنَّه
стр. 2332
روى عنه أيضًا الحارث بن [سويد] (أ)، لكن أعله الدارقطني (١) بالإرسال فلم يذكر فيه أبا هريرة وقال: إنه الصواب، ولم يسنده غير أبي همام محمد بن الزبرقان. وفي الباب عن حكيم بن حزام رواه أبو القاسم الأصبهاني في "الترغيب والترهيب" (٢).
ولفظ أبي داود: "إن الله تعالى يقول" الحديث. ومعناه أنَّه تعالى معهما في الحفظ والرعاية والإمداد بمعونتهما في مالهما وإنزال البركة في تجارتهما، فإذا حصلت الخيانة نزعت البركة من مالهما، والتفسير بقوله: أي تنتزع البركة. ليس من الحديث، وإنَّما هو تفسير من المصنف رحمه الله تعالى.
٧١٢ - وعن السَّائب المخزومي، أنَّه كان شريك النَّبيِّ ﷺ قبل البعثة، فجاء يوم الفتح فقال: مرحبًا بأخي وشريكي. رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه (٣).
هو السَّائب بن أبي السَّائب، واسم أبي السَّائب صَيفيٌّ بفتح الصاد المهملة وسكون الياء تحتها نقطتان وكسر الفاء وتشديد الياء، المخزومي القرشي شريك رسول الله ﷺ ، ويقال له: السَّائب بن نُمَيلة. بضم النون وفتح الميم وسكون الياء تحتها نقطتان، كذا قاله ابن منده، وقال ابن عبد
стр. 2333
البر (١): السَّائب بن نميلة غير السَّائب بن أبي السَّائب. وجعله صحابيًّا آخر.
وقال: أخشى أن يكون حديثه مرسلًا. وقد اختلف في إسلامه وصحبته وشركته؛ فقال ابن إسحاق أنَّه قتل يوم بدر كافرًا. وروى ابن هشام (٢) عن ابن عباس أنَّه ممن هاجر مع النَّبيِّ ﷺ وأعطاه يوم الجعرانة من غنائم حنين. قال ابن عبد البر (٣): وهذا أولى ما عول عليه في هذا الباب. وكذلك اختلف في شركته النَّبيّ ﷺ ؛ فقيل: إنه الشريك. وقيل: الشريك ابنه عبد الله. وقيل: هو قيس بن السَّائب. وقال ابن عبد البر (٤): السَّائب بن أبي السَّائب من المؤلفة قلوبهم وممن حسن إسلامه، وكان من المعمرين؛ عاش إلى زمن معاوية، روى عنه مجاهد بن جبر، وكان مولى مجاهد بن جبر من فوق. والحديث لفظ الحاكم (٥) عنه أنَّه كان شريك النبي ﷺ في أول الإسلام في التجارة، فلما كان يوم الفتح قال: مرحبًا بأخي وشريكي، لا يداري ولا يماري. وصححه الحاكم. ولابن ماجه: كنت شريكي في الجاهلية. ورواه أبو نعيم في "المعرفة" (٦)، والطبراني في "الكبير" (٧) من طريق قيس بن السَّائب. وروي أيضًا من طريق عبد الله بن السَّائب (٨)، قال أبو حاتم في "العلل" (٩):
стр. 2334
وعبد الله ليس [بالقديم] (أ).
٧١٣ - وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: اشتركت أنا وعمار وسعد (ب) فيما نصيب يوم بدر. الحديث. رواه النَّسائيّ وغيره (١).
وأخرجه ابن أبي شيبة وابن عساكر (٢)، وتمامه: فجاء سعد بأسيرين، ولم أجئ أنا وعمار بشيء.
الحديث فيه دلالة على صحة الشركة في المكاسب، وهي المسماة عند الفقهاء بشركة الأبدان، وحقيقتها أن يوكل كل منهما صاحبه أن يتقبل ويعمل عنه في قدر معلوم ويعينان الصنعة. وقد ذهب إلى صحتها العترة جميعًا وأبو حنيفة وأصحابه، وذهب الشَّافعي وابن حي إلى أنها لا تصح؛ لبنائها على الغرر؛ إذ لا يقطعان بحصول الربح لتجويز تعذر العمل.
والجواب بأن العبرة بالغالب، وتعذره نادر فلا حكم له.
وأعلم أن الشركة على أربعة أنواع، ودل على شرعيتها على جهة العموم الحديث المذكور في أول الباب، وعلى تفاصيلها أدلة خاصة بشركة الأبدان؛ هذا الحديث، وحديث البراء، وهو ما أخرجه البُخاريّ (٣) عن
стр. 2335
سليمان بن أبي مسلم قال: سألت أبا المنهال عن الصرف يدًا بيد، فقال: اشتريت أنا وشريك لي شيئًا يدًا بيد ونسيئة، فجاءنا البراء بن عازب فسألناه فقال: فعلت أنا وشريكي زيد بن أرقم وسألنا النَّبيَّ ﷺ عن ذلك فقال: "ما كان يدًا بيد فخذوه، وما كان نسيئة فردُّوه". فهذه الشركة تحتمل شركة المفاوضة؛ وهي أن يخرج حران مكلفان مسلمان جميع نقدهما السواء جنسًا وقدرًا ثم يخلطا ويعقدا غير مفضلين في الربح والوضيعة، أو شركة العنان؛ وهي أن يعقدا على النقد بعد الخلط أو العرض بعد التشارك ولو متفاضلي المالين، فيتبع الربح والخسر بالمال، قال ابن بطال (١): أجمعوا أن الشركة الصحيحة أن يخرج كل واحد مثل ما أخرجه صاحبه ثم يخلطا ذلك حتَّى لا يتميز ثم يتصرفا جميعًا، إلَّا أن يقيم كل منهما الآخر مقام نفسه، وأجمعوا على أن الشركة بالدراهم والدنانير جائزة لكن اختلفوا إذا كانت الدنانير من أحدهما والدراهم من الآخر؛ فمنعه الشَّافعي ومالك في المشهور عنه والكوفيون إلَّا الثوري. انتهى. [وزاد] (أ) الشَّافعي: ألا (ب) تختلف الصفة أيضًا؛ كالصحاح والكسرة. وجنح البُخاريّ إلى قول الثوري حيث قال في التبويب: باب الاشتراك في الذَّهب والفضة وما يكون فيه الصرف. وأراد بقوله: وما يكون فيه الصرف. أي كالدراهم المغشوشة والتبر وغير ذلك. وقد اختلف العلماء في ذلك؛ فقال الأكثر: يصح في كل مِثلي. وهو الأصح عند الشَّافعية، وقيل: يختص بالنقد المضروب. وعند
стр. 2336
الهدوية التفصيل المذكور في حدي الشركتين. والنوع الرابع من الشركةِ هو شركة الوجوه؛ وهي أن يوكل كل من جائزي التصرف الآخر أن يجعل له فيما استدان أو اشترى جزءًا معلومًا.
واختلف العلماء في اعتبار العقد في الشركة؛ فظاهر إطلاق الجمهور أنَّه لا بد من العقد الذي يستكمل الشروط كغيرها من العقود، وعلق البُخاريّ (١) عن عمر ما يدل على عدم الاشتراط حيث قال: ويذكر أن رجلًا ساوم شيئًا فغمزه آخر، فرأى عمر أن له شركة. قال المصنف (٢) ﵀: لم أقف على اسم الرجل، وهذا التعليق قد رواه سعيد بن منصور من طريق إياس بن معاوية، أن عمر أبصر (أ) رجلًا يساوم سلعة وعنده رجل فغمزه حتَّى اشتراها، فرأى عمر أنها شركة. وهذا يدل على أنَّه كان (ب لا يشترط ب) للشركة صيغة ويكتفى فيها بالإشارة إذا ظهرت القرينة، وهو قول مالك، وقال مالك أيضًا في السلعة تعرض للبيع فيقف من يشتريها للتجارة، فإذا اشتراها واحد منهم واستشركه الآخر لزمه أن يشركه؛ لأنَّه انتفع بترك الزيادة عليه.
٧١٤ - وعن جابر بن عبد الله ﵁ قال: أردت الخروج إلى خيبر، فأتيت النَّبيَّ ﷺ فقال: "إذا أتيت وكيلي بخيبر فخذ منه خمسة عشر وَسقًا". رواه أبو داود (٣) وصححه.
стр. 2337
تمام الحديث: "فإن ابتغى منك آية فضع يدك على تَرْقُوَته". أخرجه أبو داود من طريق وهب بن كيسان عنه بسند حسن، ورواه الدارقطني (١) لكن قال: "خذ منه ثلاثين وسقًا، فوالله ما لمحمد تمرة غيرها". وعلق البُخاريّ (٢) طرفًا منه في آخر كتاب الخمس. الحديث فيه دلالة على شرعية الوكالة، والإجماع على اعتبارها وتعلق الأحكام بالوكيل، وتمام الحديث فيه دلالة على العمل بالقرينة في مال الغير، وأنه يصدق الرسول لقبض العين، وقد ذهب إلى تصديق الرسول في القبض محمد وإحدى الروايتين عن أبي حنيفة، وحكاه في "شرح الإبانة" عن أبي طالب، قال الإمام المهدي في "الغيث": يعني مع غلبة الظن بصدقه. وإحدى الروايتين عن أبي حنيفة، وقد ذكره الأزرقي لذهب الهادي، وبنت عليه الهدوية أنَّه لا يجوز مصادقة الرسول؛ لأنَّه مال الغير فلا يصح التصديق فيه. قال الفقيه محمد بن سليمان من الهدوية: إلَّا أن يغلب في الظن صدق الرسول جاز الدفع إليه. وعلى تتميم القول بما ذكر يحصل الاتفاق وينتفي الخلاف.
٧١٥ - وعن عروة البارقي ﵁ أن رسول الله ﷺ بعث معه بدينار يشتري له أضحية. الحديث. رواه البُخاريّ (٣) في أثناء حديثًا، وقد تقدم.
الحديث تقدم في كتاب البيع وما يتعلق به من الفقه (٤).
стр. 2338
٧١٦ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: بعث رسول الله ﷺ عمر على الصدقة. الحديث متفق عليه (١).
تمام الحديث: فقيل: منع ابن جميل وخالد بن الوليد والعباس عم رسول الله ﷺ . فقال رسول الله ﷺ : "ما ينقم ابن جميل إلَّا أنَّه كان فقيرًا فأغناه الله تعالى، وأمَّا خالد فإنكم تظلمون خالدًا؛ قد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله، وأمَّا العباس فهي عليّ ومثلها معها". ثم قال: "يا عمر، أما شعرت أن عمَّ الرجلِ صنوُ أبيه؟ ".
قوله: بعث. وفي لفظ للبخاري: أمر رسول الله ﷺ بصدقة. وفي لفظ له: بالصدقة. والمراد بالصدقة هنا هي غير صدقة الفطر؛ لأنَّه لم يكن يبعث لها ساعيًا، ويحتمل أنها الزكاة كما هو الظاهر، وقال ابن القصار المالكي (٢): الأليق أنها صدقة تطوع؛ لأنَّه لا يظن بهؤلاء الصّحابة أنهم يمنعون الفرض.
وقوله: فقيل. القائل عمر، وقد ورد مصرحًا به في رواية ابن عباس. وابن جميل قيل: إنه كان منافقًا ثم تاب بعد ذلك. حكاه المهلب وجزم القاضي حسين في "تعليقه" أن فيه نزل قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾ (٣) الآية. انتهى. والمشهور أنها نزلت في ثعلبة (٤)، ووقع في رواية ابن أبي الزناد عند أبي عبيد (٥): فقال بعض من يلمز. أي يعيب. قال المصنف (٦)
стр. 2339
رحمة الله تعالى عليه: وابن جميل لم أقف على اسمه في كتب الحديث، لكن وقع في تعليق القاضي حسين المروزي الشَّافعي وتبعه الروياني أن اسمه عبد الله، ووقع في شرح الشَّيخ سراج الدين بن الملقن أن ابن [بَزِيزة] (أ) سماه حميدًا، ولم أر ذلك في كتاب ابن بَزِيزة، ووقع في رواية [ابن جريج] (ب): أبو جهم بن حذيفة. بدل ابن جميل، وهو خطأ؛ لإطباق الجميع على ابن جميل، وقول الأكثر أنَّه كان أنصاريًّا.
وقوله: "ما ينقم". بكسر القاف؛ أي ما ينكر أو ما يكره.
وقوله: "أغناه الله ورسول". إنَّما ذكر ﷺ نفسه؛ لأنَّه كان سببًا لدخوله في الإسلام، فأصبح غنيًّا بعد فقره بما أفاء الله على رسوله وأباح لأمته من الغنائم، وهذا من باب تأكيد المدح بما يشبه الذم؛ لأنَّه إذا لم يكن عذر إلَّا ما ذكر من أن الله أغناه، فلا عذر له. وفيه التعريض بكفران النعمة وتقريع بسوء الصنيع في مقابلة الإحسان.
وقوله: "احتبس". أي حبس. وقوله: "أعْتُده". بضم المثناة جمع عَتَد بفتحتين، ووقع في رواية مسلم كما ساقه المصنف "أعتاده"، وهو جمعه أيضًا، وهو ما يعده الرجل من الدواب والسلاح، وقيل: الخيل خاصة. يقال: فرس عتد. أي صلب، أو معد للركوب، أو سريع الوثوب، أقوال، ولبعض الرواة "أعبده" بالموحدة جمع عبد، حكاه عياض، والأول هو المشهور، وقد استدل بهذا البُخاريّ على إخراج العروض في الزكاة، أو أنَّه
стр. 2340
شرى بالزكاة السلاح وغيره إعانة في سبيل الله، ويحتمل أن النَّبيَّ ﷺ أجاز له ذلك، أو جعله وكيلًا في قبض زكاته ولشراء ممَّا ذكر نيابة عن النَّبيِّ ﷺ بالوكالة له منه. وأجاب الجمهور بأجوبة؛ أحدها أن المعنى أنَّه ﷺ لم يقبل إخبار من أخبره بمنع خالد؛ حملًا على أنَّه لم يصرح بالمنع، وإنَّما نقلوه عنه بناء على ما فهموه، ويكون قوله: "تظلمون خالدًا". أي بنسبتكم إياه إلى المنع وهو لم يمنع، وكيف يمنع الفرض وقد تطوع بتحبيس سلاحه؟! وثانيها أنهم ظنوا أنها للتجارة فطالبوه بزكاة قيمتها، فأعلمهم ﵊ بأنه لا زكاة عليه. ثالثها أنَّه جعلها زكاة ماله وصرفها في سبيل الله كما هو جواب البُخاريّ، وهو حجة للحنفية في جواز إخراج القيمة عن الزكاة، وسيأتي في كتاب الوقف، ويؤخذ منه صحة تحبيس الحيوان والسلاح، وأن الوقف يجوز بقاؤه تحت يد الواقف، وقال ابن دقيق العيد (١): إن القضية عينية محتملة لما ذكر ولغيره، فلا ينهض الاستدلال بها في شيء. قال: ويحتمل أن يكون تحبيس خالد إرصادًا وعدم تصرف، إذ (أ) قد يطلق التحبيس على ذلك، فلذلك لم ينهض الاستدلال، إذ الاستدلال إنما يكون بنص أو ظاهر.
وقوله: "فهي عليَّ ومثلها معها". هذا لفظ مسلم من رواية ورقاء عن أبي الزناد، وفي البُخاريّ من رواية شعيب عن أبي الزناد: "فهي عليه صدقة ومثلها معها". وفي رواية ابن إسحاق عن أبي الزناد: "هي عليه ومثلها معها". وتابعه ابن جريج عن الأعرج بمثله، فعلى رواية: "عليَّ" يحتمل أن
стр. 2341
يكون تحمل عنه بها، فيستفاد منه صحة أن يتبرع الغير بالزكاة، وقد ورد نظير ذلك في حديث تحمل أبي قتادة عن الميت، وقوله: "الآن بردت عليه" (١). ويحتمل أنَّه قد كان استسلفها منه صدقة تلك السنة والسنة المستقبلة، وقد أخرج التِّرمذيُّ وغيره (٢) من حديث عليٍّ ذلك، وفي إسناده مقال، وفي الدارقطني (٣) من طريق موسى بن طلحة أن النَّبيَّ ﷺ قال: "إنا كُنَّا احتجنا، فتعجلنا من العباس صدقة ماله سنتين". وهو مرسل. وروي أيضًا في الدارقطني (٤) موصولًا بذكر طلحة فيه، وإسناد المرسل أصح، وفي الدارقطني (٥) أيضًا من حديث ابن عباس ﵁، أن النَّبيَّ ﷺ بعث عمر ساعيًا، فأتى العباس فأغلظ له، فأخبر النَّبيّ ﷺ ، فقال: "إن العباس قد أسلفنا زكاة ماله العام والعام المقبل". وفي إسناده ضعف، وأخرجه أيضًا هو والطبراني (٦) من حديث أبي رافع نحو هذا، وإسناده ضعيف أيضًا. ومن حديث ابن مسعود (٧): تعجل من العباس صدقة سنتين. وفي إسناده محمد بن ذكوان (٨)، وهو ضعيف، ولو ثبت -أي رواية التعجيل- لكان رافعًا للإشكال. وقيل: المعنى أنَّه استلف منه قدر صدقة عامين، فأمر أن يعاض
стр. 2342
بذلك، وقد استبعد ما ذكر من الاحتمالين بأنه لو كان كذلك لنبه النَّبيُّ ﷺ عمر ألا يطالب العباس، وهو مدفوع؛ لأنَّه يجوز أنَّه ترك ذلك اعتمادًا على حسن ظن عمر بالعباس، أو أن العباس يبين لعمر مثل ذلك فيقبل منه، ولم يقع من العباس البيان، فبين ذلك النَّبيُّ ﷺ ، ولا محذور في ذلك. وأمَّا رواية: "عليه صدقة ومثلها". فالمعنى أنها عليه صدقة لازمة ومثلها، فقيل: إنه أخرها عنه في ذلك العام إلى العام القابل، فيكون عليه صدقة عامين. قاله أبو عبيد (١). وفعل ذلك رفقًا به، وقيل: لأنَّه كان استدان حين فادى عقيلًا وغيره، فصار من جملة الغارمين. فالمعنى: هي عليه صدقة ينتفع بها مصروفة فيه ومثلها، وإن ذلك كان قبل تحريم الزكاة على بني هاشم، ويدل عليه رواية موسى بن عقبة عن أبي الزناد عند ابن خزيمة (٢) بلفظ: "فهي له ومثلها". وقال البيهقي (٣): اللام بمعنى "على" لتتفق الروايات؛ لأنَّ المخرج إليه واحد. وإليه مال ابن حبان (٤). وقيل: معناه: فهي له؛ أي القدر الذي كان يراد منه أن يخرجه؛ لأنني التزمت عنه بإخراجه، فيوافق رواية: "فهي عليَّ ومثلها". وقال بعضهم: كان هذا في الوقت الذي كان فيه التأديب بالمال، فألزم العباس بامتناعه من أداء الزكاة [بأن] (أ) يؤدي ضعف ما وجب عليه كما في قوله تعالى: ﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ (٥). ولكن
стр. 2343
التعليل بقوله: "أما علمت يا عمر" إلى آخره. ممَّا يؤيد أن النَّبيَّ ﷺ تحمل ذلك عنه؛ لما له من الحق العظيم وتنزيله منزلة الأب، فلا ينبغي أن ينسب إليه ترك الواجب، وزيادة المثل تنبيه للعباس أن حق مثله الزيادة على الواجب فضلًا عن إخراج الواجب. والله سبحانه أعلم.
وفي الحديث دلالة على بعث العمال على قبض الزكاة، وتنبيه الغافل على ما أنعم الله به من نعمة الغني بعد الفقر ليقوم بحق الله عليه، [والعتب] (أ) على من منع الواجب، وجواز ذكره في غيبته بما ينقصه، وعدم العاجلة بالعقوبة، وأخذ الزكاة كرهًا عسى أن يرجع إلى الامتثال وتسليم ما يجب عليه، وتحمل الإمام عن بعض المسلمين، والاعتذار عن البعض، وحسن التأويل، وذكر الحديث في هذا الباب لكون العامل وكيلًا عن الإمام. والفقهاء اختلفوا في تصرَّف العامل؛ هل هو بالوكالة أو بالولاية، أو لما في إخراج النَّبيِّ ﷺ عن العباس، ونيابته في الزكاة هو جار مجرى الوكالة وإن كان ذلك بالضمانة ألصق. والله أعلم.
٧١٧ - وعن جابر ﵁ أن النَّبيَّ ﷺ نحر ثلاثًا وستين، وأمر عليًّا أن يذبح الباقي. الحديث. رواه مسلم.
تقدم (١) الكلام عليه بطوله في كتاب الحج، والبدن التي نحرها ﷺ في حجة الوداع مائة بدنة؛ ساق من المدينة ثلاثًا وستين، والتتمة من البدن التي وصل بها على ﵁ من اليمن، والنبي ﷺ قد كان وصل مكّة، وفي
стр. 2344
الحديث دلالة على صحة التوكيل في ذبح الهدي، وهو مجمع عليه إذا كان الذابح مسلمًا، وإن كان كافرًا كتابيًّا صح عند الشَّافعية بشرط أن ينوي صاحب الهدي عند دفعه إليه أو عند ذبحه، ولفظ مسلم: ثم انصرف إلى المنحر فنحر ثلاثًا وستين بيده، ثم أعطى عليًّا فنحر ما غَبَر وأشركه في هديه. وقوله: ما غير. بالغين المعجمة والباء الموحدة المفتوحة؛ أي: ما بقي. وقوله: وأشركه في هديه. ظاهره أنَّه شاركه في نفس الهدي. قال القاضي عياض (١): وعندي أنَّه لم يكن شريكًا حقيقة بل أعطاه قدرًا يذبحه. قال: والظاهر أن النَّبيَّ ﷺ نحر البُدن التي جاءت معه من المدينة وكانت ثلاثًا وستين كما جاء في رواية التِّرمذيِّ (٢)، وأعطى عليًّا ﵇ البدن التي جاءت معه من اليمن، وهي تمام البدن، ويكون المراد أنَّه جعل عليًّا شريكًا في ثواب الهدي لا أنَّه ملكه بعد أن جعله هديًا، ويحتمل أن عليًّا أحضر الذي جاء به، فرآه النَّبيُّ ﷺ فملكه نصفه فصار شريكًا له، وساق الجميع هديًا فصارا شريكين فيه لا في الذي ساقه النَّبيُّ ﷺ أولًا.
وفيه أيضًا دلالة على أنَّه يستحب تعجيل ذبح الهدايا وإن كانت كثيرة في يوم واحد، ولا يؤخر بعضها إلى بعد يوم النحر.
٧١٨ - وعن أبي هريرة ﵁ في قصة العَسيف قال النَّبيُّ ﷺ : "اغد يا أنيس على امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها" الحديث. متَّفقٌ عليه (٣).
стр. 2345
الحديث سيأتي الكلام عليه مستوفى إن شاء الله تعالى في كتاب الحدود (١)، وذكره في هذا الباب؛ لأنَّ المأمور وكيل عن الإمام في إقامة الحد، والظاهر أن ذلك من باب الولاية وليس من الوكالة، والفرق بين تصرَّف الوكيل والمولى مستوفى في كتب الفروع، وبوب البُخاريّ: باب الوكالة في الحدود. وأورد هذا الحديث وغيره وقال المصنف (٢) رحمه الله تعالى بعد أن ساق الكلام على أحاديث الباب: فإن الإمام لما لم يتول إقامة الحد بنفسه وولاه غيره، كان ذلك بمنزلة توكيله لهم في إقامته. انتهى.
стр. 2346
باب الإقرار
الإقرار في اللغة الإثبات، يقال: قر الشيء. إذا ثبت، و: أقره غيره. إذا أثبته (١)، وهو في الشرع (٢) عبارة عن الإخبار بما عليه من الحقوق، وهو ضد الجحود.
٧١٩ - عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "قل الحق ولو كان مرًّا". صححه ابن حبان (٣) في حديث طويل.
وأخرجه أحمد والطبراني (٤) من حديث عبد الله بن الصَّامت، وأخرجه الروياني وأبو نعيم (٥)، والحديث بكماله: قال: أوصاني خليلي رسول الله ﷺ أن أنظر إلى من هو أسفل مني ولا أنظر إلى من هو فوقي، وأن أحب المساكين وأن أدنو منهم، وأن أصل رحمي وإن قطعوني وجفَوني، وأن أقول الحق وإن كان مرًّا، وألا أخاف في الله لومة لائم، وألا أسأل أحدًا شيئًا، وأن أستكثر من: لا حول ولا قوة إلَّا بالله، فإنَّها من كنز الجنة. وفي لفظ الطّبرانيّ زيادة: بتسع. وساقها.
وفي الباب من حديث علي بن الحسين عن جده علي بن أبي طالب، أخرجه أبو علي بن شاذان عن أبي عمرو بن السماك من حديث علي بن الحسين قال: ضممت إلى سلاح النَّبيِّ ﷺ ، فوجدت في قائم سيفه رقعة
стр. 2347
فيها: "صل من قطعك، وأحسن إلى من أساء إليك، وقل الحق ولو على نفسك" (١). قال ابن الرفعة في "المطلب" (٢): ليس فيه إلا الانقطاع إلا أنَّه يقوى بالآية. قال المصنف رحمه الله تعالى (٢): وفيما قال نظر؛ لأن في إسناده الحسين بن زيد بن علي (٣)، وقد ضعفه ابن المديني وغيره.
والحديث فيه دلالة على اعتبار إقرار الإنسان على نفسه في جميع الأمور، وأن ذلك معمول به يجري عليه حكمه، وهو أمر عام لجميع الأحكام، ولذلك ذكره المصنف تبعًا للرافعي في باب الإقرار؛ لأن قول الحق على النفس هو الإخبار بما عليها مما يلزمها التخلص منه بمال أو بدن أو عرض.
وقوله: "ولو كان مرًّا". من باب التشبيه؛ لأن الحق قد يصعب إجراؤه على النفس كما يصعب عليها [إساغة] (أ) المر -وهو الشيء الكريه- لمرارته.
وفي خصوصيات الأحكام أحاديث كثيرة واردة في الإقرار في الحدود والقصاص وغيرها.
стр. 2348
باب العارية
العارية فيها ثلاث لغات؛ عاريَّة بالتشديد للياء، وعاريَة بالتخفيف، وعارَة، وهي مأخوذة من: عار الفرس إذا ذهب؛ لأن العارية تذهب من يد المعير، أو من العار؛ [لأن أحدًا لا] (أ) يستعير إلا وبه عار من الحاجة، أو من: عار، إذا ذهب وجاء، ومنه قيل للغلام الخفيف: عيّار (١). وقال في "النهاية" (٢): العارية مشددة الياء، كأنها منسوبة إلى العار؛ لأن طلبها عار وعيب، وتجمع على العواريّ مشددًا، وأعاره بعيره، واستعاره ثوبًا فأعاره إياه، وأصلها الواو. وهي في الشرع (٣) عبارة عن إباحة المنافع من دون ملك العين.
٧٢٠ - عن سمرة بن جندب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "على اليد ما أخذت حتَّى تؤديه". رواه أحمد والأربعة وصححه الحاكم (٤).
أخرجوه من حديث الحسن عن سمرة، ورواه أبو داود والترمذي بلفظ:
стр. 2349
"حتَّى تؤدي". والحسن مختلف في سماعه من سمرة، وزاد فيه أكثرهم: ثم نسي الحسن فقال: هو أمينك لا ضمان عليه.
الحديث فيه دلالة على وجوب رد ما قبضه المرء وهو ملك لغيره، ولا يبرأ إلا بمصيره إلى مالكه أو من يقوم مقامه؛ لقوله: "حتَّى تؤديه". ولا تتحقق التأدية إلا بذلك، وهو عام في الغصب والوديعة والعارية، وذكره المصنف هنا لدخول العارية في ذلك لعموم لفظ: "ما أخذت". ويفهم منه أن العارية مضمونة على المستعير، وقد ذهب إلى هذا ابن عباس وزيد بن علي وعطاء وأحمد وإسحاق والشافعي وأشهب وأحد قولي مالك، وحجتهم هذا وما يذكر بعده من الأحاديث، وذهب الهادي وداود والعنبري إلى أن العارية أمانة لا يجب ضمانها إن لم يشرط الضمان، فإن شرط الضمان ضمن، واحتجوا بالحديث الآتي في أدرع صفوان وقال: "بل عارية مضمونة". وحملوا الوصف على التقييد لا على تبيين ماهية العارية، وذهب الحسن البصري والنخعي وشريح وأبو حنيف وأصحابه إلى أنها أمانة لا تضمن وإن شرط الضمان، واحتجوا بقوله ﷺ : "ليس على المستودع غير المُغلّ (١) ولا (أ) على المستعير غير المغل ضمان". أخرجه الدارقطني والبيهقي (٢) وضعفاه عن ابن عمرو، وصححا وقفه على شريح. وأجاب الأولون بأن هذا الحديث ضعيف لا يقاوم الأحاديث الصحيحة، وصحة وقفه على شريح لا تقوم به الحجة؛ لجواز الاجتهاد ومساغه في هذا. وذهب
стр. 2350
مالك في القول المشهور وابن القاسم وأكثر أصحابه إلى أنَّه إذا كان مما يعاب على المالك منع عاريته ولم يقم على التلف بينة فإنه يضصن، وإذا كان مما لا يعاب عليه فلا ضمان، ولا فيما قامت على التلف بينة فإنه لا يضمن. وكأنه يقول: إذا كان مما يعاب عليه لأنه واجب عليه إعارته. كما روي عن جماعة من السلف القدماء، وروي عن ابن عباس وعبد الله بن مسعود (١) أنهما فسرا قوله تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ (٢) أنَّه متاع البيت الَّذي يتعاطاه الناس بينهم؛ من الفأس والدلو والحبل والقدر وما أشبه ذلك.
٧٢١ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك". رواه أبو داود والترمذي وحسنه، وصححه الحاكم، واستنكره أبو حاتم الرازي (٣).
وأخرجه البخاري في "التاريخ"، وأخرجه مالك والبيهقي من حديث أبي هريرة (٤)، وأخرجه الطبراني في "الكبير"، والدارقطني، وأبو نعيم في "الحلية"، ومالك، والبيهقي، والضياء، عن أنس (٥)، وأخرجه الطبراني في "الكبير" والبيهقي عن أبي أمامة (٦)، والدارقطني عن أبي بن