باب الإقرار
الإقرار في اللغة الإثبات، يقال: قر الشيء. إذا ثبت، و: أقره غيره. إذا أثبته (١)، وهو في الشرع (٢) عبارة عن الإخبار بما عليه من الحقوق، وهو ضد الجحود.
٧١٩ - عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "قل الحق ولو كان مرًّا". صححه ابن حبان (٣) في حديث طويل.
وأخرجه أحمد والطبراني (٤) من حديث عبد الله بن الصَّامت، وأخرجه الروياني وأبو نعيم (٥)، والحديث بكماله: قال: أوصاني خليلي رسول الله ﷺ أن أنظر إلى من هو أسفل مني ولا أنظر إلى من هو فوقي، وأن أحب المساكين وأن أدنو منهم، وأن أصل رحمي وإن قطعوني وجفَوني، وأن أقول الحق وإن كان مرًّا، وألا أخاف في الله لومة لائم، وألا أسأل أحدًا شيئًا، وأن أستكثر من: لا حول ولا قوة إلَّا بالله، فإنَّها من كنز الجنة. وفي لفظ الطّبرانيّ زيادة: بتسع. وساقها.
وفي الباب من حديث علي بن الحسين عن جده علي بن أبي طالب، أخرجه أبو علي بن شاذان عن أبي عمرو بن السماك من حديث علي بن الحسين قال: ضممت إلى سلاح النَّبيِّ ﷺ ، فوجدت في قائم سيفه رقعة
стр. 2347
فيها: "صل من قطعك، وأحسن إلى من أساء إليك، وقل الحق ولو على نفسك" (١). قال ابن الرفعة في "المطلب" (٢): ليس فيه إلا الانقطاع إلا أنَّه يقوى بالآية. قال المصنف رحمه الله تعالى (٢): وفيما قال نظر؛ لأن في إسناده الحسين بن زيد بن علي (٣)، وقد ضعفه ابن المديني وغيره.
والحديث فيه دلالة على اعتبار إقرار الإنسان على نفسه في جميع الأمور، وأن ذلك معمول به يجري عليه حكمه، وهو أمر عام لجميع الأحكام، ولذلك ذكره المصنف تبعًا للرافعي في باب الإقرار؛ لأن قول الحق على النفس هو الإخبار بما عليها مما يلزمها التخلص منه بمال أو بدن أو عرض.
وقوله: "ولو كان مرًّا". من باب التشبيه؛ لأن الحق قد يصعب إجراؤه على النفس كما يصعب عليها [إساغة] (أ) المر -وهو الشيء الكريه- لمرارته.
وفي خصوصيات الأحكام أحاديث كثيرة واردة في الإقرار في الحدود والقصاص وغيرها.
стр. 2348
باب العارية
العارية فيها ثلاث لغات؛ عاريَّة بالتشديد للياء، وعاريَة بالتخفيف، وعارَة، وهي مأخوذة من: عار الفرس إذا ذهب؛ لأن العارية تذهب من يد المعير، أو من العار؛ [لأن أحدًا لا] (أ) يستعير إلا وبه عار من الحاجة، أو من: عار، إذا ذهب وجاء، ومنه قيل للغلام الخفيف: عيّار (١). وقال في "النهاية" (٢): العارية مشددة الياء، كأنها منسوبة إلى العار؛ لأن طلبها عار وعيب، وتجمع على العواريّ مشددًا، وأعاره بعيره، واستعاره ثوبًا فأعاره إياه، وأصلها الواو. وهي في الشرع (٣) عبارة عن إباحة المنافع من دون ملك العين.
٧٢٠ - عن سمرة بن جندب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "على اليد ما أخذت حتَّى تؤديه". رواه أحمد والأربعة وصححه الحاكم (٤).
أخرجوه من حديث الحسن عن سمرة، ورواه أبو داود والترمذي بلفظ:
стр. 2349
"حتَّى تؤدي". والحسن مختلف في سماعه من سمرة، وزاد فيه أكثرهم: ثم نسي الحسن فقال: هو أمينك لا ضمان عليه.
الحديث فيه دلالة على وجوب رد ما قبضه المرء وهو ملك لغيره، ولا يبرأ إلا بمصيره إلى مالكه أو من يقوم مقامه؛ لقوله: "حتَّى تؤديه". ولا تتحقق التأدية إلا بذلك، وهو عام في الغصب والوديعة والعارية، وذكره المصنف هنا لدخول العارية في ذلك لعموم لفظ: "ما أخذت". ويفهم منه أن العارية مضمونة على المستعير، وقد ذهب إلى هذا ابن عباس وزيد بن علي وعطاء وأحمد وإسحاق والشافعي وأشهب وأحد قولي مالك، وحجتهم هذا وما يذكر بعده من الأحاديث، وذهب الهادي وداود والعنبري إلى أن العارية أمانة لا يجب ضمانها إن لم يشرط الضمان، فإن شرط الضمان ضمن، واحتجوا بالحديث الآتي في أدرع صفوان وقال: "بل عارية مضمونة". وحملوا الوصف على التقييد لا على تبيين ماهية العارية، وذهب الحسن البصري والنخعي وشريح وأبو حنيف وأصحابه إلى أنها أمانة لا تضمن وإن شرط الضمان، واحتجوا بقوله ﷺ : "ليس على المستودع غير المُغلّ (١) ولا (أ) على المستعير غير المغل ضمان". أخرجه الدارقطني والبيهقي (٢) وضعفاه عن ابن عمرو، وصححا وقفه على شريح. وأجاب الأولون بأن هذا الحديث ضعيف لا يقاوم الأحاديث الصحيحة، وصحة وقفه على شريح لا تقوم به الحجة؛ لجواز الاجتهاد ومساغه في هذا. وذهب
стр. 2350
مالك في القول المشهور وابن القاسم وأكثر أصحابه إلى أنَّه إذا كان مما يعاب على المالك منع عاريته ولم يقم على التلف بينة فإنه يضصن، وإذا كان مما لا يعاب عليه فلا ضمان، ولا فيما قامت على التلف بينة فإنه لا يضمن. وكأنه يقول: إذا كان مما يعاب عليه لأنه واجب عليه إعارته. كما روي عن جماعة من السلف القدماء، وروي عن ابن عباس وعبد الله بن مسعود (١) أنهما فسرا قوله تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ (٢) أنَّه متاع البيت الَّذي يتعاطاه الناس بينهم؛ من الفأس والدلو والحبل والقدر وما أشبه ذلك.
٧٢١ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك". رواه أبو داود والترمذي وحسنه، وصححه الحاكم، واستنكره أبو حاتم الرازي (٣).
وأخرجه البخاري في "التاريخ"، وأخرجه مالك والبيهقي من حديث أبي هريرة (٤)، وأخرجه الطبراني في "الكبير"، والدارقطني، وأبو نعيم في "الحلية"، ومالك، والبيهقي، والضياء، عن أنس (٥)، وأخرجه الطبراني في "الكبير" والبيهقي عن أبي أمامة (٦)، والدارقطني عن أبي بن
стр. 2351
كعب (١)، وأحمد وأبو داود عن رجل من الصحابة (٢).
والحديث أظهر في الوديعة.
وفي قوله: "لا تخن من خانك". المراد به ألَّا تجازي بالإساءة. وهو محمول على الندب عند جماعة من أهل العلم، وهو من يجيز استيفاء ما هو له من الغير ولو من غير جنس ما أخذ عليه بقدر ما أخذ عليه، ويدل عليه قوله تعالي: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ (٣). وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ (٤). وهو الأشهر من قولَي الشافعي، وسواء كان من جنس ما أُخذ عليه أو من غير جنسه بقدره، والظاهر أنَّه يملكه ويتصرف فيه. وقال أصحاب الشافعي: لا يملكه بمجرد الأخذ، بل يبيعه الحاكم على قول، أو يبيعه الآخذ على قول فيملك ثمنه، وإذا أمكنه المحاكمة لم يجز ذلك وفاقا. وذهب أبو حنيفة والمؤيد بالله إلى أنَّه لا يجوز له أن يأخذ إلا من جنس ما أخذ عليه، وهو ظاهر قوله: ﴿بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾. وقوله: ﴿مِثْلُهَا﴾. وإن كان ذلك يحتمل صدق المماثلة إذا كان بقدر ما أخذ عليه، لا أزْيد. وذهب الهادي إلى أن ذلك لا يجوز إلا بحكم حاكم؛ لظاهر قوله: "ولا تخن من خانك". وظاهر النهي التحريم، ولقوله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (٥). وقوله ﷺ : "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه" (٦). ويجاب عنه بأن ذلك ليس
стр. 2352
أكلًا بالباطل، وقوله: "لا تخن من خانك". محمول على الندب، وأن الأَوْلى الصبر لتحصيل ما هو خير للصابرين، وتخصيص حديث: "لا يحل مال امرئ مسلم". بما ذُكر من دليل الجمهور، وهو قرينة تأويل النهي وصرفه عن التحريم. وقال المؤيد بالله: إن قول الهادي مسبوق قبله بالإجماع. والله أعلم.
٧٢٢ - وعن يعلى بن أمية قال: قال لي رسول الله ﷺ : "إذا أتتك رسلي فأعطهم ثلاثين درعًا". قلت: يا رسول الله، أعارية مضمونة أو عارية مؤدَّاة؟ قال: "بل عارية مؤدَّاة". رواه أحمد وأبو داود والنسائي وصححه ابن حبان (١).
الحديث فيه دلالة على ما ذهب إليه الهادي وداود أن العارية لا تضمن إلا إذا شرط الضمان، والعارية المؤداة هي التي يجب تأديتها مع بقاء عينها، فإن تلفت لم يضمن القيمة. والله أعلم.
٧٢٣ - وعن صفوان بن أمية أن النبي ﷺ استعار منه دروعًا يوم حنين، فقال: [أغصب] (أ) يا محمد؟ قال: "بل عارية مضمونة". رواه أبو داود والنسائي وصححه الحاكم وأخرج له شاهدًا ضعيفًا (٥) عن ابن عباس ﵁ (٢).
стр. 2353
هو أبو أمية وأبو وهب صفوان بن أمية بن خلف بن وهب الجمحي القرشي، هرب يوم الفتح، فاستأمن له عمير بن وهب وابنه وهب بن عمير رسول الله ﷺ فأمّنه وأعطاهما رداءه أو بُرده أمانًا له، فأدركه وهب بن عمير فرده إلى النبي ﷺ ، فلما وقف عليه قال له: إن هذا وهب بن عمير يزعم أنك أمَّنتني على أن أسير شهرين. فقال له رسول الله ﷺ : "انزل أبا وهب". فقال: لا، حتَّى تبين لي. فقال رسول الله ﷺ : "أنزل ولك أن تسير أربعة أشهر". فنزل وخرج معه إلى حنين فشهدها، وشهد الطائف كافرًا، وأعطاه من الغنائم فأكثر، فقال صفوان: أشهد بالله ما طابت بهذا إلا نفس نبي. فأسلم يومئذ وأقام بمكة، ثم هاجر إلى المدينة ونزل على العباس، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : "لا هجرة بعد الفتح". وكان صفوان أحد أشراف قريش في الجاهلية، وكانت امرأته أسلمت قبله بشهر، فلما أسلم صفوان أُقرّا على نكاحهما، مات صفوان بمكة سنة اثنتين وأربعين، روى عنه ابنه عبد الله وابن أخيه حميد وعبد الله بن الحارث وعامر بن مالك وطاوس، وكان من المؤلفة قلوبهم، وحسن إسلامه، وكان من أفصح قريش لسانًا (١).
قوله: وأخرج له شاهدًا من حديث ابن عباس، ولفظه: "بل عارية مؤداة". وزاد أحمد والنسائي (٢): فضاع بعضها، فعرض عليه النبي ﷺ أن
стр. 2354
يضمنها له، فقال: أنا اليوم يا رسول الله والله أرغب في الإسلام. وفي رواية لأبي داود (١) الأدراع كانت ما بين الثلاثين إلى الأربعين. وزاد فيه معنى ما تقدم. ورواه البيهقي (٢) من حديث جعفر بن محمد عن أبيه، عن "صفوان مرسلًا، وبين أن الأدراع كانت ثمانين، ورواه الحاكم (٣) من حديث جابر، وذكر أنها مائة درع وما يصلحها، أخرجه في أول المناقب. وأعل ابن حزم وابن القطان طرق هذا الحديث، زاد ابن حزم (٤): إن أحسن ما فيها حديث يعلى بن أمية. يعني الَّذي رواه أبو داود.
وفي الباب عن ابن عمر أخرجه البزار (٥) بلفظ: "العارية مؤداة". وفيه العُمَرِي (٦) وهو ضعيف.
الحديث فيه لفظ: "مضمونة" محتمل كما عرفت أن يكون وصفًا كاشفًا لحقيقة العارية، فيكون دليلًا على أن العارية تُضْمَن وإن لم تُضَمَّن (٥)، ويحتمل أن يكون الوصف مخصِّصًا، فيكون دليلًا على أن العارية من أنواعها المضمونة ومن أنواعها غير المضمونة، فيحتمل أن يُخَرَّج عليه أي المذهبين من مذهب الهادي ومذهب مالك، ومع الاحتمال يكون مجملًا غير واضح الدلالة، ويقوم حجة على من يقول: إن العارية لا تضْمَن
стр. 2355
وإن ضمِّنت (أ).
وفي تمام حديث صفوان: فضاع بعضها، فعرض عليه النبي ﷺ أن يضمنها له. فيه دلالة على أن الضياع تفريط، فتضمن العارية بالضياع، ولا تقوم (ب) حجةٌ على ضمان العارية مطلقًا. والله أعلم.
стр. 2356
باب الغصب
٧٢٤ - عن سعيد بن زيد ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "من اقتطع شبرًا من الأرض ظلمًا طوقه الله (أ) يوم القيامة إياه من سبع أرَضين". متفق عليه (١).
هذا لفظ مسلم.
قوله: "من اقتطع". الاقتطاع الافتعال من القطع، والمعنى: أخذ لنفسه ذلك تملكًا. وكأنه لما فصله عن ملك صاحبه وجعله لنفسه قطع الملك قِطَعًا وأخذ قطعة لنفسه، وفي لفظ في "الصحيحين" (٢) بلفظ: "من أخذ".
وقوله: "شبرًا". أي مقدار شبر، وفي لفظ في "الصحيحين" (٣): "قِيد شبر". بكسر القاف، أي قدره، وذكر الشبر تنبيهًا على استواء القليل والكثير في الوعيد.
وقوله: "طوقه الله". وفي رواية: "طُوِّقه". بضم أوله على البناء للمجهول، وفي رواية: "فإنه يُطوِّقه".
وقوله: "من سبع أرضين". بفتح الراء، ويجوز إسكانها في لغة قليلة. كذا قال الجوهري (٤).
стр. 2357
وفي التطويق وجوه؛ أحدها، أن معناه أنَّه يعاقب بالخسف إلى سبع أرضين، أي فيكون كل أرضن في تلك الحالة طوْقًا في عنقه، ويؤيد هذا حديث ابن عمر: "خسف به يوم القيامة إلى سبع أرضين" (١).
والثاني، أنَّه يكلف نقل ما ظلم منها في يوم القيامة إلى المحشر، ويكون كالطوق في عنقه، لا أنَّه طوق حقيقة. وقد روى الطبراني وابن حبان (٢) من حديث يعلى بن مرة مرفوعًا: "أيما رجل ظلم شبرًا من الأرض كلفه الله أن يحفره حتَّى يبلغ آخر سبع أرضين، ثم يطوقه حتَّى يُقضَى بين الناس". ولأبي يعلى (٣) بإسناد حسن عن الحكم بن حارث السلمي مرفوعًا: "من أخذ من طريق المسلمين شبرًا جاء يوم القيامة يحمله (أ) من سبع أرضين". ونظير ذلك حديث الغالّ للزكاة في حق من غل بعيرًا: "جاء يوم القيامة يحمله" (٤).
والثالث، أن معنى "يطوِّقه": يكلّف أن يجعل له طوقًا ولا يستطيع ذلك فيعذب بذلك. كما جاء في حق من كذب في منامه: "كُلِّف أن يعقد شعيرة" (٥).
والرابع، أن يكون التطويق بطريق الإثم، والمراد به أن الظلم المذكور لازم في عنقه [لزوم] (ب) إثمه، ومنه قوله تعالى: ﴿أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهٌ فِي
стр. 2358
عُنُقِهِ﴾ (١).
وبالوجه الأول جزم أبو الفتح القشيري (٢) وصححه البغوي (٣)، ويحتمل أن تتنوع هذه الصفات لصاحب هذه الجناية، أو ينقسم أصحاب هذه الجناية؛ فيعذب بعضهم بهذا وبعضهم بهذا بحسب قوة المفسدة وضعفها، وقد روى ابن أبي شيبة (٤) بإسناد حسن من حديث أبي مالك الأشعري: "أعظم الغُلول عند الله يوم القيامة ذراع أرض يسرقه رجل، فيطوَّقه من سبع أرضين".
وفي الحديث تحريم الظلم والغصب وتغليظ عقوبته، وإمكان غصب الأرض، وأنه من الكبائر. قاله القرطبي (٢)، وكأنه فرعه على أن الكبيرة ما ورد فيه وعيد شديد.
وأن من ملك أرضًا ملك أسفلها إلى منتهى الأرض، وله أن يمنع من يحفر تحتها سَرَبًا أو بئرًا بغير رضاه. وفيه أن [من] (أ) ملك ظاهر الأرض ملك باطنها بما فيه من حجارة وأبنية ومعادن وغير ذلك، وأن له أن ينزل بالحفر ما شاء ما لم يضر بمن يجاوره.
وفيه أن الأرضين السبع متراكمة لم يفتق بعضها من بعض؛ لأنها لو فتقت لاكتفي في حق هذا الغاصب بتطويق التي غصبها؛ لانفصالها عما تحتها. أشار إلى ذلك الداودي (٢).
стр. 2359
وفيه أن الأرضين السبع طباق كالسماوات، وهو ظاهر قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثلَهُنَّ﴾ (١). خلافًا لمن قال: إن المراد بقوله: "سبع أرضين". سبعة أقاليم؛ لأنه لو كان كذلك لم يطوق الغاصب شبرًا من إقليم آخر. قاله ابن التين، وهو والذي قبله مبني على أن العقوبة متعلقة بما كان بسببها، وإلا فمع قطع النظر عن ذلك لا تلازم بين ما ذكروه.
وفيه دلالة على أن الأرض تصير مغصوبة بالاستيلاء عليها ويجري عليها أحكام الغصب، واختلف العلماء في ضمانها إذا تلفت بعد الاستيلاء؛ فذهب الهادي وأبو حنيفة وأبو يوسف إلى أنها لا تضمن بالغصب، قالوا: لقوله ﷺ : "على اليد ما أخذت حتَّى ترد" (٢). وهو غير مأخوذ، ولا يقاس ثبوت اليد على النقل في المنقول؛ لافتراقهما في التصرف، وذهب الناصر والمؤيد والإمام يحيى والشافعي ومحمد والجمهور إلى أن الأرض تضمن بالغصب، وهو ثبوت اليد؛ قياسًا على المنقول المتفق عليه أنَّه يضمن بعد النقل، بجامع الاستيلاء الحاصل في نقل المنقول، وفي ثبوت اليد على غير المنقول، وللحديث المذكور في الباب، وهو الأولى. والله أعلم.
٧٢٥ - وعن أنس ﵁، أن رسول الله ﷺ كان عند بعض نسائه، فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين مع خادم لها بقصعة فيها طعام، فضربت بيدها فكسرت القصعة، فضمَّها وجعل فيها الطعام وقال: "كلوا". ودفع القصعة الصحيحة للرسول وحبس المكسورة.
стр. 2360
رواه البخاري والترمذي (١) وسمى الضاربة عائشة، وزاد: فقال النبي ﷺ : "طعام بطعام، وإناء بإناء". وصححه.
قوله: بعض نسائه. في رواية الترمذي من طريق سفيان الثوري عن حميد عن أنس بلفظ: فضربت عائشة القصعة بيدها. الحديث. وأخرجه أحمد (٢) في ابن أبي عدي ويزيد بن هارون عن حميد قال: وأظنها عائشة. قال الطيبي (أ): إنما أُبهمت عائشة؛ تفخيما لشأنها، وأنه مما لا يخفى ولا يلتبس أنها هي؛ لأن الهدايا إنما كانت تُهدي إلى النبي ﷺ في بيتها. والمرسِلة ذكر ابن حزم المالكي (ب) (٣) من طريق الليث بن سعد عن جرير بن حازم عن حميد بلفظ: أن زينب بنت جحش أهدت إلى النبي ﷺ وهو في بيت عائشة ويومها جَفنة من حيس. الحديث، فصرح بذكر الزوج المرسِلة والطعام المهدَى.
قال المصنف (٤): ولم أطلع على اسم الخادم. وقد وقع مثل هذه القصة
стр. 2361
من عائشة في صحفة أم سلمة فيما أخرجه النسائي (١) عن أم سلمة، أنها أتت بطعام في صحفة إلى النبي ﷺ وأصحابه، فجاءت عائشة متزرة بكساء ومعها فِهر (٢) ففلقت به الصحفة. الحديث، وقد اختلف فيه على ثابت؛ فقيل: عن أنس. وقيل: عن أم سلمة. وفي الطبراني (٣) عن أنس أنهم كانوا عند رسول الله ﷺ في بيت عائشة، إذ أُتي بصحفة خبز ولحم من بيت أم سلمة، قال: فوضعنا أيدينا وعائشة تصنع طعامًا عَجِلة، فلما فرغنا جاءت به ورفعت صحفة أم سلمة فكسرتها. الحديث.
وأخرجه الدارقطني (٤) من طريق عمران بن خالد عن ثابت عن أنس قال: كان النبي ﷺ في بيت عائشة معه بعض أصحابه ينتظرون طُعَيما، فسبقتها -قال عمران: أكثر ظني أنها حفصة- بصحفة فيها ثريد فوضعتها، فخرجت عائشة، وذلك قبل أن يحتجبن، فضربت بها فانكسرت. الحديث.
ولم يصب عمران في ظَنِّه أنها حفصة، بل هي أم سلمة كما تقدم، ولكنه وقع لحفصة أيضًا مثل ذلك فيما أخرجه ابن أبي شيبة وابن ماجة (٥) من طريق رجل من بني [سُواءة] (أ) غير مسمى عن عائشة قالت: كان رسول الله
стр. 2362
- ﷺ مع أصحابه، فصنعتُ له طعامًا، وصنعت له حفصة طعامًا، فسبقتني، فقلت للجارية: انطلقي فأكفئي قصعتها. [فأكفأتها] (أ) فانكسرت وانتشر الطعام، فجمعه على النطع فأكلوه، ثم بعث بقصعتى إلى حفصة فقال: "خذوا ظرفًا مكان ظرفكم". وبقية رجاله ثقات، وهي قصة أخرى بلا ريب، لأن [في] (ب) هذه القصة أن الجارية هي التي كسرت الصحفة، وفي الَّذي تقدم أن عائشة هي التي كسرتها.
ووقع مثل هذه القصة لصفية فيما أخرجه أبو داود والنسائي (١) من طريق جَسْرة -بفتح الجيم وسكون السين المهملة- عن عائشة قالت: ما رأيت صانعة طعامًا مثل صفية، أهدت إلى النبي ﷺ إناءً فيه طعام، فما ملكت نفسي أن كسرته، فقلت: يا رسول الله، ما كفارته؟ قال: "إناء كإناء، وطعام كطعام". إسناده حسن. ولأحمد (٢) وأبي داود عنها: فلما رأيت الجارية أخذتني رِعدة. فهذه قصة أخرى.
وتحرّر من هذا أن المبهم في الحديث المراد به زينب؛ لمجيء الحديث من مخرجه، وهو حميد عن أنس، وما عدا ذلك فقصص أخرى، فلا يشتبه المبهم بغيرها.
стр. 2363
وقوله: بقصعة. هي بفتح القاف، [إناء من خشب، وقد جاء في البخاري (١) في هذا الحديث في النكاح: بصحفة. وهي قصعة مبسوطة وتكون من غير الخشب.
قوله: فضربت بيدها فكسرت القصعة. زاد أحمد: نصفين. فبين أن كسرها كان نصفين] (أ)، وفي رواية ابن علية: فضربت التي في بيتها يد الخادم، فسقطت الصحفة فانفلقت. والفلق بالسكون الشق، فيحمل بأنها انشقت أولًا ثم انفصلت.
قوله: فضمها. في رواية ابن علية: فجمع النبي ﷺ فِلَق الصحفة، ثم جعل يجمع فيها الطعام الَّذي كان في الصحفة ويقول: "غارت أمكم". ولأحمد (٢): فأخذ الكسرتين فضم إحداهما إلى الأخرى فجعل فيها الطعام. ولأبي داود والنسائي (٣) من طريق خالد بن الحارث عن حميد نحوه، وزاد: فأكلوا. بعد قوله: "كلوا".
قوله: ودفع القصعة الصحيحة للرسول. لفظ البخاري: وحبس الرسول والقصعة حتَّى فرغوا، فدفع القصعة الصحيحة. زاد ابن علية: حتَّى أُتي بصحفة من التي هو في بيتها. وزاد ابن علية أيضًا: حتَّى أتى إلى التي
стр. 2364
كسرت صحفتها وأمسك المكسورة في بيت التي كسرت. زاد الثوري: وقال: "إناء كإناء، وطعام كطعام".
والحديث فيه دلالة على أن من استهلك على غيره شيئًا كان مضمونًا بمثله، وهو متفق عليه في المثليّ من الحبوب وغيرها، ومختلف فيه في القيميّ؛ فذهب الشافعي والكوفيون إلى أن من استهلك عرْضًا أو حيوانًا فعليه مثل ما استهلك. قالوا: ولا يقضي بالقيمة إلا عند عدم المثل. وذهب مالك إلى وجوب القيمة [مطلقًا] (أ)، وعنه في رواية كالأول، وعنه: ما صنعه الآدمي فالمثل، وأما الحيوان فالقيمة. وعنه: ما كان مكيلًا أو موزونًا فالقيمة، والا فالمثل. وهو المشهور عند المالكية، وفي "نهاية المجتهد" (١) حكى عن مالك قولًا واحدًا، وهو أن المثليّ يضمن بمثله والقيمي بقيمته. فتحقق هذه الأقوال، والله أعلم. وما ذهب إليه مالك هو مذهب الهدوية وغيرهم من الأئمة، واحتج مالك (٢) بقوله ﷺ : "من أعتق شِقْصًا (٣) من عبد قُوِّم عليه قيمة العدل" الحديث. فلم يلزم المثل ورجع إلى القيمة. وأجيب عنه بالحديث المذكور وبقوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ (٤). فلم يعدل في الجزاء إلى القيمة إلا عند عدم المثل، وهو دليل واضح، وأما حديث القصعة؛ فإن كان من بعض زوجات النبي ﷺ ، فالظاهر أنه ليس من باب التضمين الحقيقي؛ لأن المالك للبيت وما فيه هو
стр. 2365
النبي ﷺ ، فالعوض والمعوض عنه ملكه، وإن كان من بيت غيرهن -كما في رواية- فلعلمه بالمسامحة فيما بينهم في ذلك وعدم التقصي، ولكن يخدش فيه عموم قوله: "إناء كإناء، وطعام كطعام". فإن اللفظ لا يقصر على سببه، وأن ذلك هو حكم المتلف مطلقًا، ويتأيد بما وقع في رواية ابن أبي حاتم (١): "من كسر شيئًا فهو له وعليه مثله". زاد في رواية الدارقطني: فصارت قضية. أي من النبي ﷺ ، وذلك يقتضي أن يكون حكمًا عامًّا لكل من وقع له مثل ذلك، فيندفع قول من قال: إنها قضية عين لا عموم فيها.
وفي إمساك المكسورة في بيت التي كَسرت حجة للهدوية والحنفية في أن العين المغصوبة إذا زال بفعل الغاصب اسمها ومعظم منافعها، أنها تصير ملكًا للغاصب ويضمنها.
وقوله: بعض أمهات المؤمنين. إشارة إلى السبب الَّذي حصل به غيرة عائشة؛ وهو أن الهدية من بيت ضَرتها.
وفي قوله في الرواية: "غاربت أمكم". اعتذار منه ﷺ لها؛ لئلا يحمل صنيعها على قصد الأذية؛ فإن (أ) ذلك من العادة المتقررة في نفس الضرة من الغيرة بحيث لا تقدر على دفعها.
وفي الحديث دلالة على حسن خلقه ﷺ وإنصافه وحلمه. قال ابن العربي (٢): وكأنه إنما لم يؤدب الكاسرة ولو بالكلام لما وقع منها من التعدي؛
стр. 2366
لما فهم من أن التي أهدت أرادت بذلك أذى التي هو في بيتها والمظاهرة عليها، واقتصر على تغريمها القصعة ولم يغرمها المأم؛ لأنه كان مهدًى لهم، فقد خرج عن ملكها بالتخلية. والله سبحانه أعلم.
٧٢٦ - وعن رافع بن خَديج ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من زرع في أرض قوم بغير إذنهم، فليس له من الزرع شيء، وله نفقته". رواه أحمد والأربعة إلا النسائي، وحسنه الترمذي، ويقال: إن البخاري ضعفه (١).
الحديث نقل الترمذي عن البخاري تحسينه، لكن قال أبو زرعة وغيره (٢): لم يسمع عطاء بن أبي رباح من رافع بن خديج. وضعفه الخطابي (٣) ونقل تضعيفه عن البخاري، وهو خلاف ما نقله عنه الترمذي، وضعفه البيهقي أيضًا (٤)، وكان موسى بن هارون الحمال (أ) ينكر هذا الحديث ويضعفه، ويقول: لم يروه [عن أبي إسحاق] (ب) غير شريك، ولا رواه عن
стр. 2367
عطاء غير أبي إسحاق. نقله الخطابي، لكن قيل: إن قيس بن الربيع (١) تابعه، لكنه سيئ الحفظ. كذا ذكره ابن الملقن النحوي رحمه الله تعالى. وأخرجه ابن أبي شيبة والطيالسي وابن ماجة وأبو يعلى والطبراني في "الكبير" والبيهقي وضعفه والضياء (٢). ورواه ابن أيمن في "مصنفه" (٣) بلفظ: إن رجلًا غصب رجلًا أرضًا فزرع فيها، فارتفعوا إلى النبي ﷺ ، فقضى لصاحب الأرض بالزرع، وقضى للغاصب بالنفقة. وأخرج الطبراني في "الكبير" (٤) أن رسول الله ﷺ أتى بني حارثة، فرأى زرعًا في أرض ظُهير فقال: "ما أحسن زرع ظهير! ". فقالوا: ليس لظهير. قال: "أليست أرض ظهير؟ ". قالوا: بلى، ولكنه زرع فلان. قال: "فردوا عليه نفقته وخذوا زرعكم". فرددنا عليه نفقته وأخذنا زرعنا. ومثله أخرج ابن أبي شيبة (٥) عن سعيد بن المسيب. وهو وإن لم تكن الأرض مغصوبة إلا أنَّه جعل الزرع تابعًا للأرض، فهو يقوي الحديث المذكور في الغصب.
في الحديث دلالة على أن غاصب الأرض إذا زرع فيها أنَّه لا يملك الزرع وأنه يتبع الأرض، وله ما غرم على الزرع في النفقة والبذر. وهذا ذهب إليه أحمد بن حنبل وإسحاق ومالك، وهو قول أكثر علماء المدينة، وذهب إليه
стр. 2368
القاسم بن إبراهيم. وذهب الأكثر من الأمة إلى أن الزرع لصاحب البذر الغاصب وعليه أجرة الأرض، قالوا: لقوله ﷺ : "ليس لعرق ظالم حق" الحديث الآتي. ولقوله: "الزرع للزارع وإن كان غاصبًا". أخرجه (أ)، فدل ذلك على أنَّه لصاحبه، ووضعه في الأرض (ب) المغصوبة لا يخرجه عن ملكه، والحديث متأول، قال المؤيد بالله: إنه أراد: حيث زرع ببذرهم. قال الإمام المهدي: وبأمرهم أيضًا ولكنه خالف في الأرض المعينة. وقال أبو العباس: بل أراد أنَّه يدفع الزرع بالكراء، ورَدُّ النفقة بمعنى أخْذِه لما زاد على كراء المثل. قال: ويجب عليه أن يتصدق به. وكلا التأويلين بعيد متكلف، وحديث: "ليس لعرق ظالم حق". عموم وحديث رافع خصوص، وحديث: "الزرع للزارع وإن كان غاصبًا" -على فرض استقامة طريقه- غير معارض؛ لأن الظاهر فيه أن الزرع للزارع وإن كان غاصبًا أنَّه غاصب للبذر وبذر به في أرضه، لا أنَّه غاصب للأرض، وهو إذا غصب البذر وبذر به مَلَكه بالاستهلاك. فلا تقوَى (جـ) حجة المذكور (د). والله أعلم.
٧٢٧ - وعن عروة بن الزبير قال: قال رجل من أصحاب رسول الله ﷺ : إن رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ في أرض، غرس أحدهما فيها نخلًا والأرض للآخر، فقضى رسول الله ﷺ بالأرض لصاحبها، وأمر صاحب النخل يخرج نخله، وقال: "ليس لعرق ظالم حق". رواه
стр. 2369
أبو داود (١)، وإسناده حسن، [وآخره] (أ) عند أصحاب "السنن" (٢) من رواية عروة عن سعيد بن زيد، واختلف في وصله وإرساله وفي تعيين صحابيه.
الحديث رواه أبو داود مرسلًا من طريق هناد بن السري عن عبدة عن محمد بن إسحاق عن عروة مرسلًا. ورواه (٣) من طريق أحمد بن سعيد الدارمي عن وهب عن أبيه عن محمد بن إسحاق بإسناده متصلًا، وقال: فقال رجل من أصحاب النبي ﷺ ، وأكثر ظني أنَّه أبو سعيد الخدري. وفسر هشام (٤) العرق الظالم أن يغرس الرجل في أرض غيره فيستحقها بذلك. وقال مالك: العرق الظالم كل ما أخذ واحتفر وغرس بغير حق. و [علقه] (ب) البخاري (٥) عن عمرو بن عوف عن النبي ﷺ ، ووصله إسحاق بن راهويه (٦)، قال: أخبرنا أبو عامر العَقَدي، عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، حدثني أبي أن أباه حدثه، أنَّه سمع النبي ﷺ يقول: "من أحيا أرضًا مواتًا من غير أن يكون فيها حق مسلم فهي له، وليس لعرق ظالم
стр. 2370
حق". وهو عند الطبراني والبيهقي (١)، وكثير هذا ضعيف (٢)، وليس لجده عمرو بن عوف في "البخاري" سوى هذا الحديث وهو غير عمرو بن عوف الأنصاري البدري.
وفي الباب عن عائشة أخرجه أبو داود الطيالسي (٢)، وعن سمرة عند أبي داود (أوالبيهقي أ) (٣)، وعن عبادة وعبد الله بن عمرو عند الطبراني (٤)، وعن أبي أسيد عند يحيى بن آدم في كتاب "الخراج" (٥)، وفي أسانيدها مقال، لكن يقوي بعضها بعضًا.
و: "عرق ظالم" يرويه الأكثر بتنوين "عرق"، و"ظالم" نعت له، وقد وصفه بصفة صاحبه من المجاز العقلي، ورواية الإضافة إضافة العرق إلى صاحبه الغاصب، وبالأول جزم مالك والشافعي والأزهري وابن فارس وغيرهم (٦)، وبالغ الخطابي (٧) فغلط رواية الإضافة (ب). قال ربيعة: العرق
стр. 2371
الظالم يكون ظاهرًا ويكون باطنًا؛ فالباطن ما احتفره الرجل من الآبار (أ) [أو] (ب) استخرجه من المعادن، والظاهر ما بناه أو غرسه. وقال غيره: الظالم من غرس أو زرع أو بنى أو حفر في أرض غيره بغير حق ولا شبهة (جـ).
والحديث فيه دلالة على أن الغاصب إذا غرس في أرض الغير كان الغرس للغاصب ولا يخرج عن ملكه (د)، وقد تقدم الكلام في الزرع، والجمع بين هذا الحديث والحديث الَّذي قبله.
٧٢٨ - [وعن أبي] (هـ) بكرة ﵁، أن النبي ﷺ قال في خطبته يوم النحر [بمنى] (و): "إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا". متفق عليه (١).
الحديث فيه دلالة على تحريم مال المسلم وأن حرمته كدمه، وهذا إجماع وافق الشرع فيه التحريم العقلي عند من قال به.
стр. 2372
باب الشفعة
الشفعة بضم الشين العجمة وسكون الفاء وغلط من حركها، وهي مأخوذة لغة من الشفع وهو الزوج خلاف الوتر؛ لأنه ضم الشيء إلى الشيء، وسُميت الشفاعة بذلك؛ لأنها تضم المشفوع له إلى أهل الثواب، ولما كان الشفيع يضم الشيء المشفوع إلى ملكه سُمي ذلك شفعة. وقيل: من الزيادة. وقيل: من الإعانة، [وفي الشرع] (أ) ضم حصة إلى حصة بسبب شرعي كانت انتقلت إلى أجنبي بمثل العوض المسمى (١). وحدَّها في "الغيث" بالحق السابق للك المشتري للشريك أو من في حكمه. والحد الأول أولى.
والشفعة معتبرة إجماعًا، وروي الخلاف عن الأصم، لأنها أخذ مال الغير كرها، وقد دل (ب) الدليل على أنَّه لا يجوز. والجواب أنها مخصوصة بالأدلة الثابتة، وهي عند أكثر الفقهاء واردة على خلاف القياس؛ لأنها تؤخذ كرها، ولأن الأذية لا تدفع عن واحد بضرر آخر، والظاهر من مذهب العترة والحنفية أنها واردة على القياس، إذ المعنى المعتبر فيها من دفع الضرر عن واحد بضرر آخر معتبر في غيرها، وذلك كأخذ سلعة الفلس وبيع ماله، ومال المتمرد لقضاء دينه ونفقة زوجته وأولاده، وغير ذلك. وقال بعض العلماء: هي ثابتة استحسانًا بالقياس الخفي، إذ هي لدفع ضرر الخليط
стр. 2373
والجار، وهو مراد من قال: إنها موافقة للقياس، (أوهي مخالفة للقياس أ) الجلي إذ هي أخذ مال الغير بغير رضاه، وهو مراد من قال: إنها مخالفة للقياس.
٧٢٩ - عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قضى النبي ﷺ بالشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة. متفق عليه (١)، واللفظ للبخاري، وفي رواية مسلم: "الشفعة في كل شرك في أرض أو ربع أو حائط، لا يصلح أن يبيع حتَّى يعرض على شريكه". وفي رواية الطحاوي (٢): قضى النبي ﷺ بالشفعة في كل شيء. ورجاله ثقات.
قوله: في كل ما لم يقسم. فيه دلالة على ثبوت الشفعة للشريك في الدور والعقار والحوانيت والبساتين، وهذا مجمع عليه إذا كانت مما يقسم، وإن كان مثل الحمام الصغير فلا يصح الشفعة فيه عند مالك والشافعي، وكذا المدقة والطاحونة والبيت الصغير والبئر والحوض والبركة وغير ذلك مما لا يقسم، وقد ورد في البئر حديث: "لا شفعة في بئر" (٣). وذهب العترة
стр. 2374
وأبو حنيفة وأصحابه إلى ثبوت الشفعة في جميع ذلك، وقد يتأول (أ) حديث: "لا شفعة في بئر". على آبار الصحاري التي تكون في الأرض الموات، لا التي تكون في أرض متملكة، وهو مستقيم، حيث لم تكن محفورة، وإلا ملكها الحافر وصحت الشفعة فيها، وكذا عند مالك لا شفعة في الطريق وعَرْصة الدار (١)، ووافقه الشافعي أيضًا.
وهذا الحديث فيه دلالة على أن الشفعة إنما تكون في العقار والدور، لقوله: فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة. والحدود والطرق إنما تكون في ذلك. وذهب العترة جميعًا إلى أنها تصح الشفعة في غير العقار من المنقولات كلها، وهو مروي عن عطاء، ورواه في "البحر" عن مالك، وفي "فتح الباري" قال (٢): رواية عن مالك. وفي كتب المالكية خلافه إلا المنصور بالله، فخالف في المكيل والموزون، قال: لأنه لا ضرر فيه. ومالك أثبت الشفعة في الثمار التابعة للأرض في البيع، ودليلهم عموم قوله ﷺ : "الشريك شفيع، الشفعة في كل شيء". أخرجه الترمذي (٣) عن ابن عباس. وذهب الجمهور من العلماء إلى أن الشفعة لا تثبت في المنقول، وحجتهم ما مر، وهذا الحديث مخصص بالمعنى المعلل به وهو دفع الضرر، والضرر في المنقول نادر، وروى في "البحر" عن عطاء أنَّه لا شفعة في المنقول إلا الحيوان والثياب. وعن داود: الشفعة في الثياب فقط. انتهى. وعن أحمد ثبوت
стр. 2375
الشفعة في الحيوان.
وقوله: صُرفت الطرق. أي بينت مصارف الطرق وشوارعها، كأنه من التصرف أو من [التصريف] (أ). وقال ابن مالك: معناه خلصت وبانت، وهو مشتق من الصِّرف، بكسر المهملة: الخالص من كل شيء.
وقوله: الشفعة في كل شرك. أي مشترك (ب).
وقوله: أو ربع. بفتح الراء وإسكان الباء، والربع الدار والمسكن، وتطلق على الأرض، وأصله المنزل الَّذي كانوا يَربَعون فيه، والربعة تأنيث الربع، وقيل: واحدُه. كتمرة وتمر.
وقوله: لا يصلح أن يبيع. إلى آخره، وفي رواية: لا يحل له أن يبيع حتَّى يؤذن شريكه. وفي رواية: ليس له أن يبيع. وهو محمول على الندب إلى إعلامه، وكراهة بيعه قبل إعلامه كراهة تنزيه لا تحريم، وقال في "شرح الإرشاد" (١): الحديث يقتضي أنَّه يحرم البيع قبل العرض على الشريك. قال ابن الرفعة: ولم أظفر به عن أحد من أصحابنا، ولا محيد عن الخبر، وقد قال الشافعي: إذا صح الحديث فاضربوا بقولي عرض الحائط. وقال الأذرعي: إنه الَّذي يقتضيه نص "الأم" في باب صيغة نهى النبي ﷺ ، وقد ظفر به الزركشي فقال: صرح به الفارقي، وقال -يعني الفارقي-: وهذا التحريم لا يمنع صحة العقد؛ لأنه لو فسد لم يأخذه الشفيع بالشفعة. انتهى.
стр. 2376
واختلف العلماء فيما إذا أذن الشريك له بالبيع فباع ثم أراد أن يشفع؛ فقال الشافعي ومالك وأبو حنيفة وأصحابه وعثمان البتي وابن أبي ليلى وغيرهم وهو مذهب الهدوية، أنَّه (أ) له أن يشفع. وقال الحكم (ب) والثوري وأبو عبيد وطائفة من أهل الحديث: ليس له الأخذ. وعن أحمد روايتان كالمذهبين.
وقوله في رواية الطحاوي: في كل شيء. فيه تأييد ثبوت الشفعة في غير العقار، ولكنه عام مخصوص بما تقدم، وهذا حديث الطحاوي له شاهد من حديث ابن عباس أخرجه البيهقي (١) مرفوعًا: "الشفعة في كل شيء". ورجاله ثقات، إلا أنَّه أعل بالإرسال.
وظاهر ثبوت الشفعة للشريك أنَّه عام لكل شريك مسلمًا أو كافرًا. وقد ذهب إلى هذا زيد بن علي والمؤيد بالله والحنفية والشافعية، وذهب الحسن والشعبي والهادي والناصر والمنصور بالله وأحمد بن حنبل إلى أنها لا تثبت لكافر على مسلم ولو في خططهم؛ لقوله ﷺ : "لا شفعة للذمي على المسلم". أخرجه (جـ).
وقوله: "لا شفعة لليهودي ولا للنصراني". ذكر الحديثين في "البحر"، [وأخرج ابن عدي والبيهقي (٢) عن أنس بلفظ: "لا شفعة للنصراني"] (د).
стр. 2377
أخرجه (أ). وأما شفعة الكافر على مثله في خططهم فتثبت إجماعًا، وأما في خطط المسلمين فلا يثبت عند الآخِرين ويثبت عند الأولين، واحتج على التفرقة بين الخطط بما روي عن علي ﵁ أنَّه كان يأمر مناديًا ينادي كل يوم: لا يَبْنِيَنَّ يهودي ولا نصراني ولا مجوسي، الحقوا بالحيرة. وفي هذا دلالة علي أنَّه لا حق لهم في خطط المسلمين، وإذا لم يثبت لهم حق لم يثبت لهم (ب) الشفعة فيما بينهم، ولكنه يلزم على هذا ألا يُمكَّنوا من التملك (جـ) في خطط المسلمين، وهو خلاف ما ذهبوا إليه، وذهب الشعبي إلى أنَّه لا شفعة لمن لم يمكن من أهل المصر. وهو محجوج بالدليل العام.
واعلم أن الشفعة تثبت فيما ملك بالشراء إجماعًا، وأما ما ملك بغيره، فإن كان بعوض مال فحكمه حكم الشراء، وإن كان بغير ذلك فمالك والشافعي أثبتاها فيما كان انتقال الملك بعوض، وإن لم يكن مالا؛ كالصلح والمهر وأرش الجنايات وغير ذلك، ورواية عن الشافعي أنها تجب في كل ملك انتقل بعوض أو غير عوض؛ كالهبة لغير الثواب والصدقة ما عدا الميراث، فإنه لا شفعة فيه إجماعًا، والحنفية تخص الشفعة بالبيع فقط، وذلك لأن ظاهر الأدلة إنما تتناول البيع، وحجة المالكية أن كل ما انتقل بعوض فهو في معنى البيع، والشافعي يخالف في الهبة التي للثواب لأنها باطلة عنده، وأما مالك فهو يثبت الشفعة فيها اتفاقًا بينه وبين أصحابه، والهدوية يثبتون الشفعة فيها إذا كان الثواب يملك بعقد الهبة لا إذا كان
стр. 2378
مضمرًا أو لا يملك بعقد الهبة (أ)، وإذا كان البيع فيه خيار للمشتري شفع عليه عند الهدوية والكوفية والشافعي؛ لأن البائع قد قطع عن نفسه الملك. وقال جماعة من المالكية: إنه لا شفعة فيه؛ لأنه غير ضامن له. وهذا التعليل ممنوع؛ لأنه عند غيرهم مضمون على المشتري إذا كان قد قبضه. ولمالك في المساقاة ثلاث روايات في ثبوت الشفعة فيها؛ جواز الأخذ بالشفعة، والمنع، والثالثة أن تكون المساقاة من الجنيب، فإن الشريك يشفع عليه ولا يشفع على الشريك الآخر. واختلف عن مالك في ثبوت الشفعة في الإجارة في الدور، وظاهر عموم قوله: الشفعة في كل شيء. شمول ذلك للإجارة، إلا أن يوجد دليل يقيد ذلك بالبيع.
٧٣٠ - وعن أبي رافع ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الجار أحق بصقبه". أخرجه البخاري، وفيه قصة (١).
قوله: "بصقبه". هو بالصاد المهملة المفتوحة وفتح القاف: القُرب؛ تقول: صَقِبت داره صقبًا. قربت قربًا، وكذا سقب (ب) بالسين المهملة [المفتوحة] (جـ) وفتح القاف بمعناه. كذا في "القاموس" (٢) و "الضياء". والحديث نذكر الكلام عليه وذكر القصة في شرح الحديث الَّذي بعده.
٧٣١ - وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
стр. 2379
"جار الدار أحق بالدار". رواه النسائي وصححه ابن حبان (١)، وله علة.
الحديث أخرجه أبو بكر بن أبي خيثمة في "تاريخه" والطحاوي وأبو يعلى والطبراني في "الأوسط" والضياء (٢) عن قتادة عن أنس. وأخرجه الطيالسي وأحمد وأبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح. والبيهقي والضياء (٣) عن قتادة عن الحسن عن سمرة، قالوا: وهو المحفوظ، والأول مقلوب. وصحح ابن القطان الوجهين. وأخرج الطبراني (٤) عن سمرة مرفوعًا: "جار الدار أحق بالشفعة". وأخرج ابن سعد (٥) عن قتادة عن عمرو بن شعيب عن الشريد بن سويد الثقفي مرفوعًا: "جار الدار أحق بالدار من غيره". الحديث فيه دلالة على ثبوت الشفعة بالجوار في الدار وفي غيرها من الأراضي بالحديث الآتي العام وبالقياس على الدار أيضًا، إذ العلة القرب بالجوار وهو حاصل، وقد ذهب إلى هذا العترة وأبو حنيفة وأصحابه وابن سيرين وابن أبي ليلى لهذا ولغيره من الأحاديث. وذهب علي وعمر وعثمان وسعيد بن المسيب وسليمان بن يسار وعمر بن عبد العزيز وربيعة ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق وعبيد الله بن الحسن والإمامية إلى أنَّه لا شفعة
стр. 2380
بالجوار ولا يكون إلا بالاشتراك، وتأولوا الحديث بأن المراد بالجار الشريك؛ لأنه ورد مثل ذلك في قصة أبي رافع، وكان شريك سعد في البيتين، ولذلك دعاه إلى الشراء منه، كما أخرجه البخاري (١)، ولفظه بعد سياق الإسناد: إذ (أ) جاء أبو رافع مولى النبي ﷺ فقال: يا سعد، ابتع مني بيتيَّ في دارك. فقال سعد: والله ما أبتاعهما. فقال المسور (٥): والله لتبتاعنَّهما. فقال سعد: والله لا أزيدك على أربعة آلاف منجَّمة أو مقطعة (جـ). قال أبو رافع: لقد أُعطيت بها (د) خمسمائة دينار، ولولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الجار أحق بسقبه". ما أعطيتكها بأربعة آلاف و [أنا] (هـ) أُعطَى بها خمسمائة دينار. فأعطاه إياها. انتهى، لفظ البخاري.
وما أجابوا [على] (و) التأويل بأنه ليس في اللغة ما يقتضي تسمية الشريك جارًا - فمردود، فإن كل شيء قارب شيئًا قيل له: جار. وقد قالوا لامرأة الرجل: جارة. لما بينهما من المخالطة. ولكنه يرد علي هذا أن ظاهر حديث أبي رافع أنَّه كان يملك بيتين في دار سعد، لا أنَّه كان يملك شقصًا شائعا من منزل سعد، مع أن عمر بن [شبة] (ز) (٢) ذكر أن سعدا كان اتخذ دارين
стр. 2381
بالبلاط متقابلتين (أ)، بينهما عشرة أذرع، وكانت التي عن يمين المسجد منهما لأبي رافع، فاشتراها سعد منه. ثم ساق هذا الحديث، فهو صريح بأن سعدًا كان جارًا لأبي رافع قبل أن يشتري منه داره لا شريكًا، ولكن هذه الرواية تخالف رواية البخاري، وهو أرجح عند التعارض، بل مقتضى حديث أبي رافع أن الشفعة تثبت لجار البيت إذا كان الاشتراك في الطريق حاصلا، وهذا قول أخذ بطرف من القولين؛ وهو أن الجوار مقتض للشفعة (ب) مع الاشتراك في الطريق، ولا يكون مقتضيًا إذا تجرد عن الاشترك في الطريق، وهو غير رافع للقولين المشهورين، وقد قال به بعض الشافعية، حكى القول ابن الملقن النحوي في "عجالة المنهاج" ولم يصرح بقائله، وكذا ابن حجر في "شرح المشكاة"، ولا يبعد اعتباره، أما من حيث الدليل فللتصريح بالشرط في حديث جابر الآتي، وهو إذا كان طريقهما واحدًا، ومفهوم المخالفة يقتضي أنَّه إذا كان الطريق مختلفًا فلا شفعة، وهو معمول به عند المحققين، وإن كان ذلك لا يلزم الحنفية؛ لعدم العمل بالمفهوم عندهم، وأما من حيث التعليل فلأن شرعية الشفعة لمناسبة دفع الضرر، والضرر بحسب الأغلب إنما يكون مع شدة الاختلاط وشبكة الانتفاع، وذلك إنما هو مع الشركة في الأصل أو (جـ) في الطريق، ويندر الضرار مع عدم ذلك، ولو اعتبر ذلك النادر لاعتبر مع عدم ملاصقة الملك، فإنه قد يحصل التضرر مع غير (د) الملاصق؛ إما بتعلية تحجب عنه ضوء الشمس، أو روائح كريهة
стр. 2382
تكون مع بعض الناس في بيته، أو اطلاع على العورة وقصد الأذية، ولكن الشرع علق الأحكام بما هو غالب لا نادر في كثير من المناسبات، وحديث جابر المقيد بالشرط لا يحتمل التأويل المذكور أولًا؛ لأنه إذا كان المراد بالجار الشريك فلا فائدة لاشتراط كون الطريق واحدًا وكون القيد واقعا خلاف الظاهر، ولكن حديث جابر الَّذي مر يدل أيضًا على أن المعتبر هو عدم تصريف الطرق، وذلك إذا كانت الطريق متحدة، فيتعين القول بالتفصيل المتقدم. وأورد على قوله: "جار الدار أحق بالدار". أنَّه إذا كان المراد هو المعنى الحقيقي لزم أن يكون أحق من الشريك؛ لأن المفضل عليه المحذوف هو الغير، وكان التقدير: أحق من غيره. وهذا خلاف الإجماع، بخلاف ما إذا كان مجازًا عن الشريك، فإنه لا محذور فيه. ويجاب عنه بأنه مقدر (أ)؛ المفضل عليه هو المشتري الَّذي لا مشاركة له، والتقدير: أحق من المشتري الَّذي لا جوار له. ومثل هذا التقدير الخاص بالقرينة كثير.
٧٣٢ - وعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الجار أحق بشفعة جاره، ينتظر بها وإن كان غائبًا إذا كان طريقهما واحدًا". رواه أحمد والأربعة (١) ورجاله ثقات.
الحديث قال فيه أحمد (٢): حديث منكر. و (ب) الزيادة - وهي قوله:
стр. 2383
"إذا كان طريقهما واحدًا" - من رواية (عبد الملك بن أبي سليمان) (أ) العَرْزَمي، وهو ثقة مأمون مقبول الزيادة.
تقدم الكلام في شفعة الجار.
وفي قوله: "ينتظر بها وإن كان غائبًا". فيه دلالة على أن شفعة الغائب لا تبطل وإن تراخى، وأنه لا يجب عليه السير متى بلغه الشراء لأجلها، وقد ذهب إلى هذا مالك وسيأتي، والهدوية فصَّلوا في ذلك فقالوا: إن كان (ب) مسافة الثلاث أو دون وجب عليه السير لأجلها، وإن كان فوق مسافة الثلاث لم يجب عليه السير. والحديث يحتمل تنزيله على هذا، ويكون المراد بـ "ينتظر بها" هو أنه لا يبطل لأجل بُعْده، (جـ بل ينتظر بها جـ) حيث قصد إلى طلبها.
وقوله: "إذا كان طريقهما واحدًا". قد عرفت ما دل عليه بمفهومه. قال ابن حجر في "شرحه على المشكاة": احتج به من يثبت الشفعة في المقسوم إذا كان الطريق مشتركًا. قال: ومرَّ أنَّه ضعيف. ثم قال: ومع تسليم الاحتجاج به محمول على جارٍ هو شريك، لكن مع هذا الحمل كيف
стр. 2384
يصح قوله: "إذا كان طريقهما واحدًا"؟ ويجاب بأنه (أ) عندنا لبيان الواقع لا للاحتراز، وأما مثبتوها للجار فيقولون بأنه للاحتراز؛ لأنهم يقدمون الشريك مطلقًا، ثم المشارك في الطريق، ثم الجار، على من ليس بجار. انتهى كلامه.
٧٣٣ - وعن ابن عمر ﵁ عن النبي ﷺ قال: "الشفعة كحل العقال". رواه ابن ماجة والبزار وزاد: "ولا شفعة لغائب" (١). وإسناده ضعيف.
ولفظ الحديث من روايتهما: "لا شفعة لغائب ولا لصغير، والشفعة كحل العقال". قال البزار (٢): في رواته (ب) محمد بن عبد الرحمن بن البيلماني (٣)، له مناكير كثيرة. ورواه ابن عدي (٤) في ترجمة محمد بن الحارث (٥) راويه (جـ) عن ابن البيلماني، وحكى تضعيفه وتضعيف شيخه، وقال ابن حبان (٦): لا أصل له. وقال أبو زرعة (٧): منكر. وقال البيهقي (٨):
стр. 2385
ليس بثابت. وفي الباب حديث ذكره القاضي أبو الطيب وابن الصباغ والماوردي بلا إسناد عن عمر مرفوعًا: "الشفعة لمن واثبها" (١). ويروى: "الشفعة كنشط العقال". وذكر عبد الحق في "الأحكام" (٢) عن ابن حزم من حديث ابن عمر بلفظ: "الشفعة كحل العقال، فإن قيدها مكانه ثبت حقه، وإلا فاللوم عليه". وتعقبه ابن القطان بأنه لم يره في "المحلى" (٣). وأخرج عبد الرزاق (٤) من قول شريح: إنما الشفعة لمن واثبها. وذكره قاسم بن ثابت في "دلائله" (٥).
الحديث فيه دلالة على أن الشفعة تبطل بالتراخي، فإن تشبيهها بحل العقال يدل على تقليل وقتها وأنه وقت قصير يسير، ورواية نشطة العقال؛ أي شد العقال منشوطًا، كعقد التِّكَّة في سهولة الانحلال، وأنشطها: أي حلها، ومنه: "كأنما نُشِط من عقال" (٦). أي حُلَّ. وهو مَثَلٌ في سرعة وقوع الأمر، ورواية نَشْطَة مصدر نَشِط للوحدة، أو اسم مصدر أنشط، أي حَلَّ.
وقد اختلف الفقهاء في تحديد الوقت الَّذي يعفى للشفيع؛ فبعض الهدوية اعتبر بالمجلس (أ)، وقال: إنه إذا شفع بعد أن علم بالبيع وهو باق في